حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ السَّابِعُ إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ

حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلٌ عِنْدَ يَحْيَى وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَالَ : وَكَانَ لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَوَصَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو قُرَّةَ ) ( مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمُّ ، وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَالْحُنَيْنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْأَحْرَشُ وَزُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ الرَّوَاسِيُّ ، وَكَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ - كُلُّ هَؤُلَاءِ وَصَلُوهُ فَقَالُوا فِيهِ : عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ أَرْسَلُوهُ ، وَمِمَّنْ أَرْسَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو الْمُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَجَمَاعَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ مُتَّصِلًا ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ إِلَّا مُرْسَلًا ، كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ لَهُ . وَأَمَّا أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فَرَوَوْهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، مِنْهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعِنْدَ مَعْمَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ ) . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعَقَبِ الدِّمَشْقِيُّ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِلزُّهْرِيِّ ، عَنْ ( ... ) حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رجلا أعمى ، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ فَأَذِّنْ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : الْأَذَانُ بِاللَّيْلِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ؛ إِذْ لَا أَذَانَ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِلنَّافِلَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا أَذَانَ إِلَّا لِلْفَرَائِضِ الْمَكْتُوبَاتِ ، وَأَوْكَدُ مَا يَكُونُ فَلِلْجَمَاعَاتِ . وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْأَذَانِ وَسُنَّتِهِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَفِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، وَبَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْأَذَانِ بِاللَّيْلِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي الْكُوفِيِّ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ . وَفِي قَوْلِهِ هَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّ شَأْنَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ بِلَيْلٍ . يَقُولُ : فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانَ فَلَا يَمْنَعُكُمْ أَذَانُهُ مِنْ سُحُورِكُمْ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقَارِبَ الصَّبَاحُ بِأَذَانِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يطلع الْفَجْرَ ، وَمَنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ إِعَادَةُ الْأَذَانِ . وَحُجَّةُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا : مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْفَجْرَ هَكَذَا ، وَمَدَّ يَدَهُ عَرَضًا . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : شَدَّادٌ مَوْلَى عَيَّاشٍ . وَهَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَلَا بِمِثْلِهِ ؛ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . فَرَجَعَ فَقَالَهَا . وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ دُونَ أَصْحَابِ أَيُّوبَ ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَخَطَّئُوهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ أَيُّوبَ يَرْوُونَهُ عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَذَّنَ بِلَالٌ مَرَّةً بِلَيْلٍ ، فَذَكَرَهُ مَقْطُوعًا . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : أَذَّنَ بِلَالٌ مَرَّةً بِلَيْلٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُجْ فَنَادِ : إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ : لَيْتَ بِلَالًا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ ، ثُمَّ نَادَى : إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . وَرَوَى زُبَيْدٌ الْإِيَامِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانُوا إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ أَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَعِدْ أَذَانَكَ . وَاحْتَجُّوا ( أَيْضًا ) بِمَا رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ مُحِلل ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : شَيَّعْنَا عَلْقَمَةُ إِلَى مَكَّةَ ، فَخَرَجَ بِلَيْلٍ ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدَ خَالَفَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ كَانَ نَائِمًا كَانَ خَيْرًا لَهُ ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرَ أَذَّنَ . وَمُحِلٌّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ مُؤَذِّنٍ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ ، أَذَّنَ الصُّبْحَ ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَرْجِعَ يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ . وَهَذَا إِسْنَادٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ؛ لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ . وَلَكِنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ وَحَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ قَدْ رَوَيَا هَذَا الْخَبَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ : يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ لِمُؤَذِّنِهِ ، لَا مَا ذَكَرَ أَيُّوبُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ لِبِلَالٍ . وَإِذَا كَانَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحًا : قَوْلُهُ : إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزِ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا ، عَنْ ذَلِكَ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ، عَنْ وَاحِدٍ . وَكَذَلِكَ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَالْمَصِيرُ إِلَى الْمُسْنَدِ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالَّذِي أُحِبُّهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنٌ آخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ . وَفِيهِ اتِّخَاذُ مُؤَذِّنَيْنِ ، وَإِذَا جَازَ اتِّخَاذُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ جَازَ أَكْثَرُ ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ أَذَانِ الْأَعْمَى وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ مَعَهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يَهْدِيهِ لِلْأَوْقَاتِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ( جَوَازِ ) شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى مَا اسْتَيْقَنَهُ مِنَ الْأَصْوَاتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ أَصْبَحْتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ ( وَعَمِلَ بِهِ ) وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ( وَنَسَبْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ وَذَكَرْنَا ) الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَكْلِ السَّحُورِ ، وَعَلَى أَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَوْضِعُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ لِمَنْ شَاءَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ ؛ لِقَوْلِهِ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ . ثُمَّ مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا الْأَعْمَشَ فَشَذَّ ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى قَوْلِهِ . وَالنَّهَارُ الَّذِي يَجِبُ صِيَامُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، عَلَى هَذَا إِجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :

وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلُّ آخَرِ لَيْلَةٍ

حَمْرَاءَ يَصْبُحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ

فَهَذَا عَلَى الْقُرْبِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ

الْآيَةَ ، وَهَذَا عَلَى الْقُرْبِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا على القرب الْحَقِيقِيِّ . وَلَيْسَتِ الْأَشْعَارُ وَاللُّغَاتُ مِمَّا يَثْبُتُ بِهَا شَرِيعَةٌ وَلَا دِينٌ ، وَلَكِنَّهَا يُسْتَشْهَدُ بِهَا عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى الْمُسْتَغْلَقِ إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ : وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رجلا أعمى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ . مَعْنَاهُ أَيْضًا الْمُقَارَبَةُ ؛ أَيْ : قَارَبَتِ الصَّبَاحَ ( وَهَذَا ) عَلَى مَا فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ مِمَّا ذَكَرْنَا قَوْلَهُ :

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ

يُرِيدُ بِالْبُلُوغِ هَاهُنَا مُقَارَبَةُ الْبُلُوغِ لَا انْقِضَاءَ الْأَجَلِ ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَوِ انْقَضَى - وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ - لَمْ يَجُزْ ( لَهُمْ ) إِمْسَاكُهُنَّ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُرْبَ الشَّيْءِ قَدْ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهُ ، وَالْمُرَادُ مَفْهُومٌ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوا وَيَشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ مَنْ لَا يُؤَذِّنَ إِلَّا وَقَدْ أَصْبَحَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا صَحَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقَارَبَةِ الصَّبَاحِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الصَّبَاحَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ ، أَوْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٍ فِي الْفَجْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ تَسَحَّرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ أَكَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مَضَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْوَاجِبِ خَاصَّةً . قَالَ : هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ - فِي الَّذِي يَأْكُلُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَهَارٌ - وَأَمَّا الَّذِي يَأْكُلُ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ إِذَا كَانَ أَكْثَرْ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : كُلُّ مَا شَكَكْتَ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ : مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ التَّطَوُّعُ عَامِدًا أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَلِمَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَحَادِيثُ فِي السُّحُورِ حِسَانٌ ، سَيَأْتِي مَوْضِعُهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

ورد في أحاديث15 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث