الْحَدِيثُ الثَّانِي صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ
حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْأَعْرَجِ . مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ، قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ فَانْتَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ . قَدْ ذَكَرْنَا ابْنَ بُحَيْنَةَ فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الْوَهْمَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ مِثْلِهِ لَيْسَ لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَاعْتَدَلَ قَائِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : وَاعْتَدَلَ قَائِمًا ; لِأَنَّ النَّاهِضَ لَا يُسَمَّى قَائِمًا حَتَّى يَعْتَدِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا الْقَائِمُ : الْمُعْتَدِلُ . وَفِي حَدِيثِنَا هَذَا : ثُمَّ قَامَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : لَا يَنْبَغِي لَهُ إِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا أَنَّ يَرْجِعَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اعْتَدَلَ قَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَذْكُرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُذَكِّرَهُ مَنْ خَلْفَهُ بِالتَّسْبِيحِ ، وَلَا سِيَّمَا قَوْمٌ قِيلَ لَهُمْ : مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ وَهُمْ أَهْلُ النُّهَى ، وَأَوْلَى مَنْ عَمِلَ بِمَا حَفِظَ وَوَعَى ، وَأَيُّ الْحَالَيْنِ كَانَتْ فَلَمْ يَنْصَرِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ أَنْ لَا يَرْجِعَ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ سَهْوِهِ وَحَالِ رُجُوعِهِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ . وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا فَعَلَهُ ، وَتَرْكُ الرُّجُوعِ رُخْصَةٌ ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ لَمْ يكُنْ فَرْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ تَمَادَى وَلَمْ يَجْلِسْ وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْجُلُوسِ بَعْدَ قِيَامِهِ هَذَا ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَتُجْزِيهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ : يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ : يَسْجُدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حِينِ قِيَامِهِ ، وَرُجُوعِهِ إِلَى الْجُلُوسِ زِيَادَةٌ فَكَأَنَّهُ زَادَ وَنَقَصَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( إِذَا ذَكَرَ وَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا جَلَسَ ، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ ) وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ( وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَفِي قَوْلٍ الشَّافِعِيِّ : إِذَا رَجَعَ إِلَى الْجُلُوسِ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، وَفِي قَوْلٍ الْأَسْوَدِ ) وَعَلْقَمَةَ : لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِأَنْ رَجَعَ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِذَا ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يَقْعُدُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحِ الْقِرَاءَةَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا فَارَقَتِ الْأَرْضَ أَلْيَتُهُ وَهَمَّ بِالْقِيَامِ مَضَى كَمَا هُوَ وَلَا يَرْجِعُ . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ : إِذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنِ الْأَرْضِ مَضَى . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : يَنْصَرِفُ وَيَقْعُدُ وَإِنْ قَرَأَ مَا لَمْ يَرْكَعْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَهُوَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْفَتْوَى : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مَاهَانَ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُبَيْلٍ أَحْمَسُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا ( فَلْيَجْلِسْ ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا ) فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَيْسَ فِي كِتَابِي عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ : مَنْ تَرَكَ الرُّجُوعَ لِمَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ : الْوُسْطَى سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَرَجَعَ السَّاهِي إِلَيْهَا مَتَى ذَكَرَهَا فَقَضَاهَا ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ كَمَا يَصْنَعُ مَنْ تَرَكَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً ، وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ ، وَلَرُوعِيَ فِيهَا مَا يُرَاعَى فِي السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ مِنَ الْوَلَاءِ وَالرُّتْبَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمَهَا وَكَانَتْ سَجْدَتَا السَّهْوِ تَنُوبُ عَنْهَا ، وَلَمْ تَنُبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الْبَدَنِ غَيْرُهَا ، عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ ، وَلَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّجُوعَ إِلَيْهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ كُلَّ مَنْ سَهَا فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ ، لِيُكْمِلَ فَرِيضَتَهُ عَلَى يَقِينٍ ؟ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقِيَامَ وَالْجَلْسَةَ الْأَخِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضٌ كُلُّهُ ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ وَذَكَرَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ فَأَتَّمَّهُ ، وَبَنَى عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَتَمَادَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ سُجُودُ السَّهْوِ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ وُجُوبُ فَرْضِهِ ، وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
فَأَمَرَ بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ
لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ صَلَّى جَالِسًا فَرِيضَةً ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ ، وَأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ إِلَّا بِقِيَامٍ وَجُلُوسٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ إِلَّا بِجُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؟ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ ( لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْجَلْسَةُ الْآخِرَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَرْضٌ ) وَاجِبٌ ( أَيْضًا ) وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهَا إِلَّا بَعْضَ الْبَصْرِيِّينَ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ انْفَرَدَ بِهِ مَنْ لَا حُجَّةَ فِي نَقْلِهِ ، فَكَيْفَ بِانْفِرَادِهِ ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى وَحْدَهَا مِنْ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ كُلِّهَا فِي الصَّلَاةِ ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ إِلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَحُجَّتُهُمْ مَا وَصَفْنَا ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، قَالُوا : وَلَكِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِأَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَيْهَا ، وَأَنْ تُجْبَرَ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَقَالُوا : هِيَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمٍ كَالْعَرَايَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْقِرَاضِ مِنَ الْإِجَارَاتِ . وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَمَلُ الْبَدَنِ فِي السَّهْوِ عَلَيْهَا ، إِلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ وَغَلِطَتْ ، وَاعْتَلُّوا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا ; لَأَنَّ السُّنَنَ حُكْمُهَا عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْهَا عَامِدًا فَقَدْ قَصَّرَ عَنْ حِفْظِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْكَمَالِ ، وَلَا يَجِبْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ إِعَادَةٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمَا فَرْضًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يَفْسُدُ بِتَرْكِهِمَا صَلَاةُ مَنْ تَرَكَهُمَا عَامِدًا ، وَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا فَرْضًا مِنْ أَوْكَدِ السُّنَنِ ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ فَرْضًا هُوَ سُنَّةٌ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَقَالُوا : خَرَجَتِ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى بِدَلِيلِهَا مِنْ بَيْنِ فُرُوضِ الصَّلَاةِ ، وَانْفَرَدَتْ بِحُكْمِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهَا بِذَلِكَ ، كَمَا خَصَّ الْمَأْمُومَ إِذَا أَحْرَمَ وَرَاءَ إِمَامِهِ ، وَهُوَ رَاكِعٌ أَنْ يَنْحَطَّ إِلَى رُكُوعِهِ بِإِثْرِ إِحْرَامِهِ دُونَ أَنْ يَقِفَ ، هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْوُقُوفُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَرْضٌ . قَالُوا : وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ يَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مِنْ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، وَمِنْ أَنْ ( يَجْلِسَ فِي ) ثَانِيَةٍ لَهُ ، وَأَنْ يَقُومَ بَعْدَ أُولَى لَهُ - كَانَ دَلِيلُهُ عَلَى ( مُخَالَفَةِ رُتْبَةِ الصَّلَاةِ اتِّبَاعَ إِمَامِهِ ، وَجَازَ لَهُ فِي اتِّبَاعِهِ مَا لَوْ فَعَلَهَ عَامِدًا هُوَ وَحْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، أَوْ فَعَلَهُ سَاهِيًا لَمْ تُجْزِهِ ، وَكَانَ دَلِيلُهُ عَلَى ( ذَلِكَ كُلِّهِ ) قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مَعَ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَخَصَّ بِهَذَا الدَّلِيلِ تِلْكَ الْجُمَلَ ( الْعِظَامَ ) وَالْأُصُولَ الجسام ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ انْصِرَافِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ خَصَّهَا مِنْ بَيْنِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ( بِحُكْمٍ تُجْبَرُ فِيهِ بِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْفَرَائِضِ فِي الصَّلَاةِ ) وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فَرْضٌ كَسَائِرِ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ ; إِذْ لَيْسَ مِنْ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ ( فِي الصَّلَاةِ ) شَيْءٌ غَيْرَ فَرْضٍ . قَالُوا : فَالْجَلْسَةُ الْوُسْطَى ( أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا ) لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا ; لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ . وَقَدْ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
الْآيَةَ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ يَحْتَجُّ فِيهِ عَلَى مَنْ جَعَلَ السُّتْرَةَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ( قَالَ ) وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْمُفْتَرَضَ فِي الصَّلَاةِ حَرَكَاتُ الْبَدَنِ مِنْ حِينِ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا فِي تَكْبِيرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَبْقَى فِي الصَّلَاةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ ، وَإِنَّمَا هُوَ زِينَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَسِتْرٌ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لَوَجَبَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الصَّلَاةَ عِنْدَ اللُّبْسِ كَمَا يَنْوِي بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ ( الدُّخُولَ ) فِي الصَّلَاةِ ( هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ ، وَإِنَّمَا جَلَبْنَاهُ لِقَوْلِهِ : إِنَّ حَرَكَاتِ الْبَدَنِ مُفْتَرَضَاتٌ فِي الصَّلَاةِ ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا شَيْئًا . وَقَدْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى إِيجَابِ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى فَرْضًا ، وَرَأَتِ الِانْصِرَافَ إِلَيْهَا مَا لَمْ يَعْمَلِ الْمُصَلِّي بَعْدَهَا مِنَ الْعَمَلِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا ، وَشَذَّتْ فِي ذَلِكَ . وَقَوْلُهَا عِنْدِي مَرْدُودٌ بِدَلِيلِ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . وَذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ إِلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ الْآخِرَةَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ ; قِيَاسًا عَلَى الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى ، وَاحْتَجَّ فِي الْوُسْطَى بِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : إِذَا رَفَعَ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ الْآخَرِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ أَحْدَثَ فَقَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَالْجَلْسَةُ الْوُسْطَى لَا تَخْلُو ( مِنْ ) أَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ ( عَلَيْهَا ) أَوْ يكُونَ سُنَّةً ، فَذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا الْفَرْضُ . قَدْ قَامَتْ الدَّلَائِلُ عَلَى فَرْضِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا . وَكُلُّ أَعْمَالِ الْبَدَنِ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنَ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ عُلَيَّةَ مَعَ شُذُوذِهِ أَيْضًا فِيهِ . ( وَالْقَوْلُ ) بِأَنَّ الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لِأَنِّي رَأَيْتُ الْفَرَائِضَ يَسْتَوِي فِي تَرْكِهَا السَّهْوُ وَالْعَمْدُ إِلَّا فِي الْمَأْثَمِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ سَهَا عَنْ مَسْحِ رَأْسِهِ وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، وَمَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ ، وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ . وَسَائِرُ الْفَرَائِضِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ عَلَى هَذَا ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ آثِمٌ ، وَالسَّاهِيَ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْإِثْمَ . فَلَوْ كَانَتِ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى فَرْضًا لَلَزِمَ السَّاهِيَ عَنْهَا ( الِانْصِرَافُ إِلَيْهَا ) وَالْإِتْيَانُ بِهَا وَلَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا ؛ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سُبِّحَ بِهِ لَهَا ، فَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهَا . وَحَسْبُكَ بِهَذَا حُجَّةً لِمَنْ يُعَانِدُ ، وَاللَّهُ نَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ ( ح ) . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السُّوَيْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ فَأَشَارَ أَنْ قُومُوا . فَلَمَّا أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ : فَنَهَضَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ فَقُلْنَا : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَضَى ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ : سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ( يَرْفَعُهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدِ قَالَ : ) ( صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِثْلَ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو عُمَيْسٍ نَضْرٌ الْمَسْعُودِيُّ . وَفَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍّ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُغِيرَةُ ) وَعِمْرَانُ بْنُ حَصِينٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ . وَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ . وَقَرَأَتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ سَهَا ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ حِينَ انْصَرَفَ ، ثُمَّ قَالَ : كُنْتُمْ تُرَوْنِي أَجْلِسُ ، إِنَّمَا صَنَعْتُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، مَوْقُوفٌ . وَقَدْ سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، فِي الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، قَالَ يَحْيَى : خَطَأٌ لَيْسَ يَرْفَعُ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : أَمَّنَا سَعْدٌ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَمَاسَةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَامَ فِي صَلَاتِهِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ ، فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) فَعَرَفَ الَّذِي يُرِيدُونَ ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّسْبِيحِ بِالسَّاهِي الْقَائِمِ مِنِ اثْنَتَيْنِ ، وَإِعْلَامِهِ بِسَهْوِهِ ذَلِكَ ، وَإِبَايَتِهِ مِنَ الِانْصِرَافِ . وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَلْسَةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ، وَهَذِهِ الْآثَارُ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ مِنْ وَجْهٍ ، مُخَالِفَةٌ لَهُ مِنْ آخَرَ ; لِأَنَّ فِيهَا السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَبِهَذِهِ الْآثَارِ يَحْتَجُّ مَنْ رَأَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : السُّجُودُ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ أَبِي السَّائِبِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ . وَالْحُجَّةُ لِقَائِلِهِ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي بُحَيْنَةَ ، وَهُوَ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْ
حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ
وَأَثْبَتُ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالسُّجُودِ ( فِي ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ ( فِي ذَلِكَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : السَّجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلَامِ . فَقَالَ عُمَرُ : أَبَى ذَلِكَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَا زُهْرِيُّ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَيْمُونٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَلَّى لِلنَّاسِ الْمَغْرِبَ فَسَهَا ، فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ . فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَسَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ ، فَقَالَ : أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالسُّنَّةُ عَلَى غَيْرِ الَّذِي صَنَعْتَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَكَيْفَ ؟ قَالَ : تَجْعَلُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ . قَالَ عُمَرُ : إِنِّي قُلْتُ : إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيَّ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : مَا دَخَلَ عَلَيْكَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : السُّجُودُ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَيُجْزِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْجُدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ ، فَسُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَكُلُّ سَهْوٍ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَالسُّجُودُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ ) ( عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : كُلُّ مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَفِي النُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ . فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّهْوَ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ أَنَّ السُّجُودَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : سُجُودُ السَّهْوِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ إِذَا نَهَضَ مِنِ اثْنَتَيْنِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَصَحُّ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ - مِنْ
حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : وَإِذَا شَكَّ فَرَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ أَيْضًا ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . قَالَ : وَإِذَا سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ . قَالَ : وَإِذَا شَكَّ فَكَانَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إِلَى التَّحَرِّي سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : وَكُلُّ سَهْوٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَا ذَكَرْنَا يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَبِهَذَا كُلِّهِ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى خُصَيْفٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَشُكُّ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ . ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ خُصَيْفٍ ، وَهُوَ خِلَافٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقَوْلُ فِي التَّحَرِّي ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ ، وَهُمَا عِنْدَنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالسُّجُودُ عِنْدَهُ فِي الْقِيَامِ مِنِ اثْنَينِ بَعْدَ السَّلَامِ ، عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ زِيَادَةً يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَحَجَّتُهُ حَدِيثُ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ؛ فَإِذَا سَلَّمَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْحُجَّةَ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّدِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَالسَّلَامِ مِنْهُمَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا تَشَهُّدَ فِيهِمَا وَلَا تَسْلِيمَ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ التَّشَهُّدِ عِنْدَهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ : إِنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا لَا يُسَلِّمُ . قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ( وَالثَّوْرِيُّ ) وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ ، وَإِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ . وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : يُسَلِّمُ مِنْهُمَا وَلَا يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ رَأَى السَّلَامَ فِيهِمَا ، فَعَلَى أَصْلِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ وَالتَّسْلِيمَتَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ . وَمَنْ رَأَى السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ هُوَ السَّلَامُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ هَذَا ، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَلَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَمَحْفُوظٌ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَغَيْرِهِ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فَلَمْ يَجْلِسْ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، سَجَدَ سجدتين ، فكبر فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ لِمَكَانِ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَبَقِيَّةُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَزَادَ : فَكَانَ مِنَّا التَّشَهُّدُ فِي قِيَامِهِ : مَنْ نَسِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَهُوَ جَالِسٌ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلٌ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ هُرْمُزَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهَى عَنْ قُعُودٍ قَامَ مِنْهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ وَانْتُظِرَ سَلَامُهُ ، كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَبَّرَ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ فِي الصَّلَاةِ : فَأَمَّا الْفَرْضُ فِي ذَلِكَ فَعَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ ، أَحَدُهَا أَنَّ الْجَلْسَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ وَالسَّلَامَ فَرْضٌ . وَحَكَى مِثْلَ هَذَا الصَّعْبُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ بَيَانَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ ; لِأَنَّ أَصْلَ فَرْضِهَا مُجْمَلٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الْبَيَانِ ، فَكُلُّ عَمَلِهِ فِيهَا فَرْضٌ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلِ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ ابْنِ طَلْقٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ . قَالُوا : وَمَا لَمْ يُسَلِّمْ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا بِغَيْرِ السَّلَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا فَرْضٌ ، وَالسَّلَامَ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ بِوَاجِبٍ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ عَمَلَ الْبَدَنِ كُلَّهُ فَرْضٌ ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَكَذَلِكَ كَلُّ عَمَلِ الْبَدَنِ ، إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ، وَهِيَ الْجَلْسَةُ الْوُسْطَى . وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْرُجْ قَطُّ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ . وَقَالَ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، وَقَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ ، فَسَقَطَ التَّشَهُّدُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَا شَيْءَ مِنَ الذِّكْرِ وَاجِبٌ غَيْرَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْجُلُوسَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَرْضٌ ، وَلَيْسَ التَّشَهُّدُ وَلَا السَّلَامُ بِوَاجِبٍ فَرْضًا . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ . وَاحْتَجُّوا لَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ مُجْمَلِ الصَّلَاةِ ، وَعَمَلِ الْبَدَنِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْأَنْعُمِ وَهُوَ الْإِفْرِيقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَافِعٍ وَبَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَاهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ . وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ أَنَّ الْجُلُوسَ وَالتَّشَهُّدَ وَاجِبَانِ ، وَلَيْسَ السَّلَامُ بِوَاجِبٍ . قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّدَ وَقَالَ : إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذَا فَقَدَ تَمَّتْ صَلَاتُكَ ، وَقَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ . وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ أَنْ لَيْسَ الْجُلُوسُ مِنْهَا وَلَا التَّشَهُّدُ وَلَا السَّلَامُ بِوَاجِبٍ . إِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ . هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَصَرَّحَ بِقِيَاسِ الْجَلْسَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى الْأُولَى ، فَخَالَفَ الْجُمْهُورَ وَشَذَّ ، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ الْمَذْكُورِ : إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جُلُوسًا ، وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ لِضَعْفِ سَنَدِهِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي لَفْظِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ وَوُجُوبِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ .