حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّانِي يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ

495 حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي .

فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

وَأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا . أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ خَصَّتْ مِنْهَا الدَّاعِيَ إِذَا عَجَّلَ فَقَالَ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ؟ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :

فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ

وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِجَابَةِ ج١٠ / ص٢٩٧وَمَعْنَاهَا مَا فِيهِ غِنًى عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : فَإِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنَّ يُكَفِّرَ عَنْهُ أَوْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي آخِرِ بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِجَابَةِ عَلَى إحَدى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ

أَنَّهُ يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ بِتَأْوِيلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ج١٠ / ص٢٩٨الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ، وَبِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَعِبَادَةٌ وَحُسْنُ عَمَلٍ ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا أَخَافُ أَنْ أُحْرَمَ الْإِجَابَةَ ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أُحْرَمَ الدُّعَاءَ . وَهَذَا عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ آيَةَ الْإِجَابَةِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْوَعْدِ ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ لَاهٍ فَادْعُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ تُجَابُ دَعْوَتُهُ ، وَلَا فِي كُلِّ وَقْتٍ ج١٠ / ص٢٩٩تُجَابُ دَعْوَةُ الْفَاضِلِ ، وَأَنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ لَا تَكَادُ تُرَدُّ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ ، وَاحْتُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الدُّعَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلْ . قَالُوا : وَمَا الِاسْتِعْجَالُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَقُولُ : ( قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبُّ ) فَلَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي . ج١٠ / ص٣٠٠وَهَذَا أَكْمَلُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَوْضَحُ مَعْنًى ، وَهُوَ يُفَسِّرُهُ وَيُعَضِّدُهُ . وَقَدْ رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ تَلَا :

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي

الْآيَةَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ كُلِّهَا الدُّعَاءُ . وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى حِزْبِهِ مِنَ الدُّعَاءِ كَمَا يُوَاظِبُ عَلَى حِزْبِهِ مِنَ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لِكُلِّ شَيْءٍ ثَمَرَةٌ ، وَثَمَرَةُ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ . وَقَالَ أَيْضًا : لَا يَسْمَعُ اللَّهُ دُعَاءَ مُسَمِّعٍ وَلَا مُرَاءٍ وَلَا لَاعِبٍ . ج١٠ / ص٣٠١وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ : الدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ الَّذِي تُخْرِجُهُ الْأَحْزَانُ ، وَمِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ : التَّفَرُّغُ . وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ . وَقَالُوا : لَا يَصْلُحُ الْإِلْحَاحُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) . وَقَالَ مُوَّرِقٌ الْعِجْلِيُّ : دَعَوْتُ رَبِّي فِي حَاجَةٍ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَقْضِهَا لِي وَلَمْ أَيْأَسْ مِنْهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :

قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا

كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُقَالُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث