حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ : حَدِيثٌ وَاحِدٌ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَلَمْ يُقِمْ مَالِكٌ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ، وَأَسْقَطَ مِنَ الْإِسْنَادِ رَجُلًا ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . كَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرُ ، والليث بْنُ سَعْدٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَغَلِطَ ، وَوَهِمَ . وَلِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عَنْهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : إِنِّي لَأُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، وَإِنَّ ثِيَابِي لَعَلَى الْمِشْجَبِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِيهِمَا لَا تُجْهَلُ . فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : هَذِهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَنَحْنُ أَجَفَا النَّاسِ ، نَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . هَكَذَا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ مِنْ غَلَطِ الْكَاتِبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الدَّبَرِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ كَذَلِكَ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الذُّهْلِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، وَقَالَ : لَا أَدْرِي هَذَا الْوَهْمُ أَمِنْ مَعْمَرٍ جَاءَ أَمْ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ عِنْدِي مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ ، وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطُّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ . وَذَكَرَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحِطَّةِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ كَانَ عَامِلًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى خُرَاسَانَ ، وَلَهُ إِخْوَةٌ كَثِيرَةٌ ، ذَكَرَهُمْ أَهْلُ النَّسَبِ ، وَمِنْ أَعْمَامِهِ مَنْ يُسَمَّى أُمَيَّةَ بْنَ خَالِدٍ ، وَلِخَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ جَدِّهِ بِنُونَ كَثِيرٌ أَيْضًا أَسَنُّهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا الْقَصْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ إِذَا كَانَ سَفَرًا ، وَخَوْفًا ، وَاجْتَمَعَا جَمِيعًا ; قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَلَمْ يُبَحِ الْقَصْرُ إِلَّا مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ
يَعْنِي الْحَرَائِرَ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤمِنَاتِ إِلَى قَوْلِهِ :
ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
فَلَمْ يُبَحْ نِكَاحُ الْإِمَاءِ إِلَّا بِعَدَمِ الطَّوْلِ إِلَى الْحُرَّةِ ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ جَمِيعًا ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ :
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أَيْ فَأَتِمُّوا الصَّلَاةَ ، فَهَذِهِ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْقُرْآنُ . وَقَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى . فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سُنَّةً مَسْنُونَةً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زِيَادَةً مِنْهُ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ كَسَائِرِ مَا سَنَّهُ وَبَيَّنَهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرٌ مِمَّا لَوْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ لَطَالَ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى الْقَوْلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : إِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ، مَعَ حَدِيثِ عُمَرَ : حَيْثُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عَنِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ فَقَالَ لَهُ : تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ، يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يُبِيحُ فِي كِتَابِهِ الشَّيْءَ بِشَرْطٍ ، ثُمَّ يُبِيحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ كَانَ خَائِفًا ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ ، وَأَبَاحَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِقْصَارُ النَّاسِ الصَّلَاةَ الْيَوْمَ ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَحَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ مَكِّيَّانِ ثِقَتَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي اسْمِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، فَرَوَى عَنْهُ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَاتِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ إِدْرِيسَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، لَمْ يَقُلْ عَبْدَ اللَّهِ ، وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ كَمَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا شَكَّ فِيهِ . فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارِ بْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ مَاهِرٍ ، وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ ، وَيُقَالُ ابْنُ بَابَاهُ ، وَيُقَالُ ابْنُ بَابِي ، فَرَجُلٌ مَكِّيٌّ أَيْضًا مَوْلَى آلِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ ، يَرْوِي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَابْنُ نَجِيحٍ ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ : وَأَيْنَ قَوْلُهُ
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَنَحْنُ آمِنُونَ ؟ فَقَالَ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا سُنَّةً ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَأَينَ الْمَذْهَبُ عَنْهُمَا ؟ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ وقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ أَكُونُ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ أُصَلِّي ؟ قَالَ : رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلَ حُمَيْدٌ الضَّمْرِيُّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي أُسَافِرُ أَفَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ أَمْ أُتِمُّهَا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بِقَصْرِهَا ، وَلَكِنَّهُ تَمَامُهَا ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ثُلُثَيْ إِمَارَتِهِ أَوْ شَطْرَهَا ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَا بَنُو أُمَيَّةَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْفَاهَا عُثْمَانُ أَرْبَعًا بِمِنًى فَقَطْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَادَاهُ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنَى ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ مَا زِلْتُ أُصَلِّيهِمَا رَكْعَتَيْنِ مُنْذُ رَأَيْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ ، فَخَشِيَ عُثْمَانُ أَنْ يَظُنَّ جُهَّالُ النَّاسِ أَنَّمَا الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ ، قال ابن جريج : وإنما أوفاها بمنى فقط . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَبَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا ; لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : زَعَمُوا أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَتَمَّ فِي سَفَرِهِ ; لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِمِنَى فَصَلَّى أَرْبَعًا . قَالَ : وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلِكَ أَوْ مَاشِيَةٍ لَكَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ ، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا إِنَّمَا صَلَّى خَلْفَهُ أَعْرَابِيٌّ رَكْعَتَيْنِ ، فَجَعَلَ يُصَلِّي أَبَدًا رَكْعَتَيْنِ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ ، فَصَلَّى أَرْبَعًا لِيَعْرِفَ النَّاسُ كَيْفَ الصَّلَاةُ . قَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عُثْمَانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ الْأَعْرَابَ حَجُّوا ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ . حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ، وَهُمَا تَمَامٌ ، وَقَالَا : الْوِتْرُ فِي السَّفَرِ مِنَ السُّنَّةِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ فِيمَا جُعِلَ الْقَصْرُ ، وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ؟ يَعْنِي : فَمَا لَهُمْ يَقْصُرُونَ آمِنِينَ ؟ قَالَ : السُّنَّةُ ، قُلْتُ : رُخْصَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : أَمَّا قَوْلُهُ
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا خَافُوا ، وَسَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ الرَّكْعَتَيْنِ فَهُمَا وَفَاءٌ ، وَلَيْسَ بِقَصْرٍ . فَهَذَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِثْلُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : عَجِبْتُ مِنْ عَائِشَةَ حِينَ كَانَتْ تُصَلِّي أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : عَلَيْكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُعَابُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الْقَاسِمِ هَذَا فِي عَائِشَةَ يُشْبِهُ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ ، وَلَا شَرِيفٍ ، وَلَا ذُو فَضْلٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ عُيُوبُهُ ، وَمَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ فِي إِتْمَامِ عَائِشَةَ أَقَاوِيلَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ ، وَتَأْوِيلَاتٌ لَا يَصْحَبُهَا دَلِيلٌ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ مُوعِبٍ ، وَأَضْعَفُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ : إنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ النَّاسَ حَيْثُ كَانُوا بَنُوهَا ، وَكَأنَ مَنَازِلُهُمْ مَنَازِلَهَا ، وَهَذَا أَبْعَدُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّوَابِ ، وَهَلْ كَانَتْ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ ، إِلَّا أَنَّهَا زَوْجُ أَبِي الْمُؤْمِنِينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ الَّذِي سَنَّ الْغَزْوَ فِي أَسْفَارِهِ فِي غَزَوَاتِهِ وَحَجِّهِ وَعُمَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُصْحَفِهِ : النَّبِيُّء أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ . أَخْبَرَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُنَادِي ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ أَبُو يَزِيدَ الْقَطَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
هَؤُلاءِ بَنَاتِي
قَالَ : كُلُّ نَبِيٍّ أَبُو أُمَّتِهِ . وَذَكَرَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ :
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ :
هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
قَالَ : لَمْ يَكُنَّ بَنَاتِهِ ، وَلَكِنْ نِسَاءُ أُمَّتِهِ ، وَكُلُّ نَبِيٍّ هُوَ أَبُو أُمَّتِهِ . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي قَصْرِ عَائِشَةَ ، وَإِتْمَامِهَا ، أَنَّهَا أَخَذَتْ بِرُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتُرِيَ النَّاسَ أَنَّ الْإِتْمَامَ لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ ، وَإِبَاحَةٌ ، وَأَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ ، فَكَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . فَلَعَلَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْتَرِ الْقَصْرَ فِي أَسْفَارِهِ إِلَّا تَوْسِعَةً عَلَى أُمَّتِهِ ، وَأَخْذًا بِأَيْسَرِ أَمْرِ اللَّهِ . وَبِنَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ ذَكَرْنَا جَوَابَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ ، وَرُخْصَةٌ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ عَائِشَةَ مَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُتِمُّ فِي سَفَرِهِ وَيَقْصُرُ . وَقَدْ أَتَمَّ جَمَاعَةٌ فِي السَّفَرِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَائِشَةُ ، وَقَدْ عَابَ ابْنُ مَسْعُودٍ عُثْمَانَ بِالْإِتْمَامِ وَهُوَ بِمِنَى ، ثُمَّ لَمَّا أَقَامَ الصَّلَاةَ عُثْمَانُ مَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَلَّى خَلْفَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ ، وَلَوْ أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ فَرْضٌ مَا صَلَّى خَلْفَ عُثْمَانَ أَرْبَعًا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَامَ وَأَفْطَرَ ، وَأَتَمَّ وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : أَنْبَأَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ وَأَفْطَرَ ، وَقَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ . وَقَدْ رَوَى زَيْدٌ الْعَمِّيُّ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّنْ يُسْتَظْهَرُ بِهِ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسَافِرُ فَيُتِمُّ بَعْضُنَا ، وَيَقْصُرُ بَعْضُنَا ، وَيَصُومُ بَعْضُنَا ، وَيُفْطِرُ بَعْضُنَا ، فَلَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ ، وَالِاعْتِبَارَ بِالْأُصُولِ تُصَحِّحُ مَا جَاءَا بِهِ مَعَ فِعْلِ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى ، قِيلَ لَهُ : أَمَّا ظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَرْضٌ ، وَلَكِنَّ الْآثَارَ ، وَالنَّظَرَ ، وَالِاعْتِبَارَ كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ على غير مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَحَسْبُكَ بِتَوْهِينِ ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَخُرُوجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ مُخَالَفَتُهَا لَهُ ، وَإِجْمَاعُ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ خَلْفَ الْمُقِيمِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ كَافِيًا ، حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَقَدْ أمِنَ النَّاسُ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا تَعْجَبُ مِنْهُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، كُلُّهمْ قَالَ : سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ : إِنَّهَا فَرِيضَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ عَنْهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَتَدَبَّرْهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ رَكْنٌ عَظِيمٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، بَلْ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُضَافَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَتَمُّوا فِي أَسْفَارِهِمْ ، وَإِلَى سَائِرِ السَّلَفِ الَّذِينَ فَعَلُوا فِعْلَهُمْ أَنَّهُمْ زَادُوا فِي فَرْضِهِمْ عَامِدِينَ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ بِهِ فَرْضَهُمْ . هَذَا مَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَنْسُبَهُ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ حَكَى أَبُو مُصْعَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، قَالَ : الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، وَذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَ مَنْ فَهِمَ لَا إِيجَابٌ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : الْقَصْرُ فِي الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْقَصْرُ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ بِالسُّنَّةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الْأَثْرَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْقَارئ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ فَقَالَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكُفْرُ هَاهُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ ، وَلَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ كَأَنَّهُ قَالَ : كَفَرَ لِنِعْمَةِ التَّأَسِّي الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ فِي قَبُولِ رُخْصَتِهِ ، كَمَا فِي امْتِثَالِ عَزِيمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَالْكَلَامُ فِي هَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ يَطُولُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ لِخُرُوجِنَا عَمَّا لَهُ قَصَدْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ صَلَّى فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَرْبَعًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ صَلَاةَ سَفَرٍ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْوَقْتِ لَأَعَادَهَا أَرْبَعًا ، قَالَ : وَلَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ ، وَهُوَ يَنْوِي أَرْبَعًا ثُمَّ بَدَا لَهُ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُجْزِهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُسَافِرٍ أَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَاهِلًا ، قَالَ : أَرَى أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ جَمِيعًا ، وَهَذَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا نَاسِيًا لِسَفَرِهِ أَوْ لِإِقْصَارِهِ أَوْ ذَاكِرًا لِذَلِكَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : أَوْ جَاهِلًا ، فَلْيُعِدْ فِي الْوَقْتِ . وَلَوِ افْتَتَحَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَأَتَمَّهَا أَرْبَعًا تَعَمُّدًا أَعَادَهَا أَبَدًا ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ وَأَجْزَأَتْهُ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : بَلْ يُعِيدُ لِكَثْرَةِ سَهْوِهُ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ هُوَ سَهْوٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنْ قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مَضَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِذَا صَلَّى أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا صَلَّى أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ ، فَإِذَا طَالَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ وَكَثُرَ لَمْ يُعِدْ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمٌ لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ قَامَ الْمُسَافِرُ لِثَالِثَةٍ وَصَلَّاهَا ثم ذِكْرٍ ، فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِيمَنْ صَلَّى فِي سِفْرٍ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا : بِئْسَ مَا صَنَعَ ، وَقَضَتْ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِلِ : لَا أَبَا لَكَ ، تَرَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ تَرَكُوهَا لِأَنَّهَا ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقَصْرُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ سُنَّةٌ ، وَأَمَّا فِي الْخَوْفِ مَعَ السَّفَرِ فَبِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُتِمَّ فِي السَّفَرِ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ ، كَمَا لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ نَزْعَ خُفَّيْهِ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ ، فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ كَانَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ أَرْبَعًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِنْهُ نَحْوُهُ ; لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لَهُ : لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي ، ثُمَّ قَالَ : السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا أَصْلٌ لَا يَثْبُتُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا فَسَادَ أَصْلِهِمْ ، وَاعْتِبَارَهُمُ الْقُعُودَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ إِتْمَامُ مَنْ أَتَمَّ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَمَا لَمْ يُنْكِرُوهُ وَأَقَرُّوهُ فَحَقٌّ وَصَوَابٌ . وَقُلْنَا : إِنَّ الْقَصْرَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ ، وَهُوَ فِعْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَإِنْ تَكُنْ رُخْصَةً ، وَيُسْرًا ، وَتَوْسِعَةً ، فَلَا وَجْهَ لِلرَّغْبَةِ عَنْهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ أَنْ تُقْبَلَ رُخْصَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَنَأْتِيَهَا ، وَإِنْ تَكُنْ فَضِيلَةً فَهُوَ الَّذِي ظَنَنَّا ، وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَالُ ، فَامْتِثَالُ فِعْلِهِ فِي كُلِّ مَا أُبِيحَ لَنَا أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعَلَى هَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خُفَّيْهِ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِعِبَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ ، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَف الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ إِلَّا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يُوَفِّيَانِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَصُومَانِ . قَالَ : وَسَافَرَ سَعْدٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْفَى سَعْدٌ الصَّلَاةَ وَصَامَ ، وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَأَفْطَرُوا ، فَقَالُوا لِسَعْدٍ : كَيْفَ نُفْطِرُ وَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَأَنْتَ تُتِمُّهَا وَتَصُومُ ، فَقَالَ : دُونَكُمْ أَمْرَكُمْ فَإِنِّي أَعْلَمُ شَأْنِي ، قَالَ : فَلَمْ يُحَرِّمْهُ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَأَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ، قَالَ : قَصْرُهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ وَالْأَخْيَارُ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ . قَالَ : وَأَنْبَأْنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنْ صَلَّيْتَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ، فَقَدْ صَلَّى مَنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ صَلَّى مَنْ لَا بَأْسَ بِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي مِقْدَارِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ : أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، قَالَ مَالِكٌ : ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَمَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ ، أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْيَوْمُ التَّامُّ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَقَاوِيلُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَقْصُرُ أَحَدٌ فِي أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا . وَقَالَ دَاوُدُ : مَنْ سَافَرَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ قَصَرَ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ ؟ فَقَالَ : رَأَيتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَيَمَنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ مُتَلَذِّذًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَمَنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَمَنْ كَانَ الصَّيْدُ مَعَاشَهُ قَصَرَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا يَقْصُرُ ، وَلَا يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَقْصُرُ مُسَافِرٌ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ . وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ قَالَ : فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ . وَلِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : مَنْ سَافَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ قَصَرَ وَمَسَحَ . وَقَصَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُرُوجِهِ إِلَى صِفِّينَ ، وَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى مَالِهِ بِالطَّائِفِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ . وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطَالِعُ مَالَهُ بِخَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إِبَاحَةِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ تَاجِرًا ، وَفِي أَمْرٍ أُبِيحَ لَهُ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ . وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي رَجُلٍ خَرَجَ فِي بَعْثٍ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ : يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فِي مُسَيرِهِ ذَلِكَ ، وَافَقَ ذَلِكَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُدَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ : لَا قَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِلْعَاصِي أَنْ يَقْصُرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا كَانَ أَوْ مُطِيعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، والليث ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : إِذَا نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : إِذَا نَوَى إِقَامَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ يَوْمًا أَتَمَّ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قَصَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ هِنْدٍ عَنْهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ نَوَى إِقَامَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ قَصَرَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : إِذَا أَقَامَ ثَلَاثًا أَتَمَّ . وَعَنِ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ مُتَبَايِنَةٌ مِنْهَا : إِذَا أَزْمَعَ الْمُسَافِرُ عَلَى مُقَامِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، رَوَاهُ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ نَافِعٌ : وَهُوَ آخِرُ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلِهِ . وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ أَقَامَ عَشْرَ لَيَالٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ . وَالطُّرُقُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : مَنْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَبَدًا حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ مُقَامَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً قَصَرَ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ . فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهَا قَوْلٌ عَاشِرٌ : أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ يَنْزِلَ وَطَنًا لَهُ . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ أَقَامَ سَنَتَيْنِ بِنَيْسَابُورَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : آتِي الْمَدِينَةَ فَأُقِيمُ بِهَا السَّبْعَةَ أَشْهُرٍ وَالثَّمَانِيَةَ طَالِبًا حَاجَةً فَقَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ : أَقَمْنَا بِسِجِسْتَانَ ، وَمَعَنَا رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَنَتَيْنِ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَكَانَ الثَّلْجُ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُفُولِ . وَأَقَامَ مَسْرُوقٌ بِالسِّلْسِلَةِ سَنَتَيْنِ ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْصَرَفَ يَلْتَمِسُ بِذَلِكَ السُّنَّةَ . وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ إِلَى السِّلْسِلَةِ حِينَ اسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى بَلَغَ ، وَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ فِي السِّلْسِلَةِ حَتَّى رَجَعَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَائِشَةَ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا ، قَالَ : اتِّبَاعُ السُّنَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّا نُطِيلُ الْمُقَامَ بِالْغَزْوِ بِخُرَاسَانَ فَكَيْفَ تَرَى ؟ قَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ . مَحْمَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَنَا عَلَى مَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُقِيمِينَ هَذِهِ الْمُدَدَ الْمُتَقَارِبَةَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَخْرُجُ الْيَوْمَ ، أَخْرُجُ غَدًا ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا عَزِيمَةَ هَاهُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ ، قَالَ : فَرَابِعَةٍ ، وَخَامِسَةٍ ، وَسَادِسَةٍ ، وَسَابِعَةٍ ، وَثَامِنَةِ التَّرْوِيَةِ ، وَتَاسِعَةٍ ، وَعَاشِرَةٍ ، قَالَ : فَإِنَّمَا حَسِبَ أَنَسٌ مُقَامَهُ بِمَكَّةَ وَمِنَى لَا وَجْهَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ غَيْرُ هَذَا . قَالَ أَحْمَدُ : فَإِذَا قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ قَصَرَ ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ ، قَالَ : أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ الرَّابِعَ ، وَالْخَامِسَ ، وَالسَّادِسَ ، وَالسَّابِعَ ، وَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْأَبْطَحِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ صَلَاةً قَصَرَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَتِهَا ، فَمَنْ أَجْمَعَ أَنْ يُقِيمَ كَمَا أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ ، فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ . قُلْتُ لَهُ : فَلِمَ لَا تَقْصُرُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا ، فَنَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَنُتِمُّ . قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : فَإِذَا قَالَ : أَخْرَجُ الْيَوْمَ أَخْرَجُ غَدًا يَقْصُرُ ؟ قَالَ : هَذَا شَيْءٌ آخَرُ ، هَذَا لَمْ يَعْزِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ مَالِكٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ جَعَلَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَصْدُرُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهِجْرَةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَرَضَةً قَبْلَ الْفَتْحِ كَانَ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُهَاجِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِتَقْضِيَةِ حَوَائِجِهِ ، وَتَهْذِيبِ أَسْبَابِهِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ لَهَا بِحُكْمِ الْمُقَامِ ، وَلَا جَعَلَهَا فِي حَيِّزِ الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ دَارَ مُقَامٍ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ إِقَامَةٌ لِمَنْ نَوَاهَا ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، وَمَنْ نَوَى إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ بِمُقِيمٍ ، وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ نَوَى إِقَامَةَ سَاعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَكُنْ بِسَاعَتِهِ تِلْكَ دَاخِل فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ ، وَلَا فِي أَحْوَالِهِ . وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أَجْلَى الْيَهُودَ جَعَلَ لَهُمْ إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي قَضَاءِ أُمُورِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَفَاهُمْ عُمَرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُمْ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُقِيمِينَ بِهَا ، فَحِينَ نَفَاهُمْ عُمَرُ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ إِقَامَةً . وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ لَمْ يُعَانِدْ ، وَيَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ هَوَاهُ وَعَمَاهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ ، قَالَ سُفْيَانُ : بَعْدَ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ؟ قَالَ حَفْصٌ : بَعْدَ الصَّدْرِ ثَلَاثًا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ أَبِي : مَا كَانَ أَشَدَّ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا . وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ قَالَ : لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِ أَنَّهُ يَقْصُرُ فِيهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَرْبَعِ فَمَا فَوْقَهَا ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ التَّمَامِ لَا يَزُولُ بِاخْتِلَافٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْمُسَافِرِ يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : يُصَلِّي صَلَاةَ مُقِيمٍ ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُقِيمِينَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَلَّمَ الْمُسَافِرُ ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ سِعَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُصَلُّونَ فُرَادَى ، وَلَا يُقَدِّمُونَ أَحَدًا . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ ، وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَنْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ بِهِمْ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُسَافِرِ يَؤُمُّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ ، فَيُحْدِثُ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَيُقَدِّمُ مُقِيمًا ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي الْمُقِيمُ تَمَامَ صَلَاةِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى مَنْ خَلْفَهُ بِالْجُلُوسِ ثُمَّ يَقُومُ وَحْدَهُ ، فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْعُدُ ، وَيَتَشَهَّدُ ، وَيُسَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ ، وَيَقُومُ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ فَيُتِمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : يُتِمُّ الْمُسْتَخْلَفُ صَلَاةَ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ مُسَافِرًا يُسَلِّمُ بِهِمْ فَيُسَلِّمُ مَعَهُ الْمُسَافِرُونَ ، وَيَقُومُ الْمُقِيمُونَ فَيَقْضُونَ وُحْدَانًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُتِمُّونَ كُلُّهُمْ صَلَاةَ مُقِيمٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَسَائِلُ السَّفَرِ تَكْثُرُ جِدًّا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا ، وَمَا يُعِينُ عَلَى فَتْحِ مَا انْغَلَقَ مِنْهَا مِنْ مَعْنَاهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .