حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ
( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى وَحْدَهُ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ) وَهِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، وَجَدَ أَخْبِيَةً : خِبَاءَ عَائِشَةَ ، وَخِبَاءَ حَفْصَةَ ، وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ لِيَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَخَطَأٌ مُفْرِطٌ ، لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ رُوَاةَ الْمُوَطَّأِ اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِهِ وَإِسْنَادِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَذْكُرُ عَمْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ يَصِلُهُ بِسَنَدِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَجَمَاعَةٌ عَنْهُ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ لَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ يَحْيَى سَمَاعُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَرَوَاهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفِ بِشَبْطُونٍ ، وَكَانَ ثِقَةً ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَدْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنْهُ بِالْأَنْدَلُسِ ، وَمَالِكٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ، ثُمَّ رَحَلَ فَسَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ حَاشَى وَرَقَةً فِي الِاعْتِكَافِ لَمْ يَسْمَعْهَا أَوْ شَكَّ فِي سَمَاعِهَا مِنْ مَالِكٍ ، فَرَوَاهَا عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، فَلَا أَدْرِي مِمَّنْ جَاءَ هَذَا الْغَلَطُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَمِنْ يَحْيَى أَمْ مِنْ زِيَادٍ ؟ وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ ذَلِكَ ؟ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَأَخْبَرَنَا النُّعْمَانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ، فَأَذِنَتْ لَهَا ، فَضَرَبَتْ خِبَاءً ، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فأخبر ، فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهِنَّ ، فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، قَالَتْ : فَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ ، قَالَتْ : وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَائِهَا ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الْأَبْنِيَةِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ قَالَتْ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ ، وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَهُ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَسَمِعْتُ بِذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ ، فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ رَأَى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةَ أَبْنِيَةٍ ، فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا : لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهَذَا ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْعَشْرَةَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : بِنَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الرَّابِعُ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى قَوْلِهِ : فَلَمَّا صَلَّى إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَزَيْنَبُ ، قَالَ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهَذَا ؟ فَرَفَعَ بِنَاءَهُ ، قَالَتْ : فَلَمْ يَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهُمَا أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ ، قَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا فِي شَوَّالٍ . هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهِهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ نَوَى اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ ، وَحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَخَشِيَ عَلَيْهِنَّ أَنْ تَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ ، وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَانْصَرَفَ ، ثُمَّ وَفَى اللَّهَ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ ، فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ فَيُحْتَمَلُ أَيْ أَيَظُنُّونَ بِهِنَّ الْبَرَّ ؟ فَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرِدْنَ الْكَوْنَ مَعِي ، وَلَا يُرِدْنَ الْبِرَّ خَالِصًا ، فَكَرِهَ لَهُنَّ ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ أَوْ تُرِدْنَ ؟ كَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ : مَا أَظُنُّهُنَّ يُرِدْنَ الْبِرَّ أَوْ لَيْسَ يُرِدْنَ الْبِرَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ لِأَزْوَاجِهِ الِاعْتِكَافَ لِشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ ; لِأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا عُثْمَانَ ، وَلَا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ . وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ مَذْهَبًا ، وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ ، لَقَطَعْتُ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ . وَمَا أَظُنُّ اسْتِئذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَلَكِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَافِظٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الِاعْتِكَافَ يُلْزَمُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ دُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ اعْتِكَافِهِ - نَظَرَ فَرَأَى الْأَخْبِيَةَ ، وَالِاعْتِكَافُ إِنَّمَا هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ مَعَ عَقْدِ نِيَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ ، وَعَلَيْهَا تَقَعُ الْمَجَازَاتُ ، فَمِنْ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَضَى اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهْمَسٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
الْآيَةَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ
قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مَعَنَا نُذُورًا ، وَنَوَيْتُ أَنَا شَيْئًا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ فِءْ بِهِ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى الِاعْتِكَافَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَعْمَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى النَّاسِ لِرَبِّهِ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ ، وَأَبْدَرَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ ; فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ . وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْغُوبٌ فِيهِ . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ ، وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا . وَمَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ قَضَاءَ مَا قَطَعَهُ مِنَ اعْتِكَافِهِ قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ يَقْطَعُهُ صَاحِبُهُ عَمْدًا أَوْ مَغْلُوبًا ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ قَطْعِ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ كَرِهَ لِلنِّسَاءِ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ ، ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ النِّسَاءِ يَعْتَكِفْنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدِ اعْتَكَفَ النِّسَاءُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يُعْجِبُهُ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَرْأَةُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالْمُسَافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا ; لِأَنَّهُ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَنْصُورٌ : يَعْنِي مِنَ الْمَسَاجِدِ ; لِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ عِنْدَهُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ هَذَا ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فَأَذِنَ لَهُنَّ ; فَضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدُ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَذِنَ لَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ضَرْبُ أَخْبِيَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَكَمَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا ، كَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ . وَقَالَ : مَنْ لَمْ يُجِزِ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ أَصْلًا ، إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاعْتِكَافَ إِنْكَارًا عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ ؟ قَالَ : وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ فَلَا أَعْلَمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ . وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : يَدْخُلُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَيَكُونُ يَبْتَدِئُ لَيْلَتَهُ . فَقِيلَ لَهُ : قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُومِنِينَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ، فَسَكَتَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهَا فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ . وَاخْتَلَفَ عَنِ النَّخَعِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ أَيْضًا جَمِيعًا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ صَوْمٍ : أَنَّ اعْتِكَافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي رَمَضَانَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضَانَ لِغَيْرِ رَمَضَانَ . وَلَوْ نَوَى الْمُعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ بِصَوْمِهِ التَّطَوُّعَ وَالْفَرْضَ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَيْلَ الْمُعْتَكِفِ يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنَ اجْتِنَابِ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّ لَيْلَهُ دَاخِلٌ فِي اعْتِكَافِهِ ، وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِمَوْضِعِ صَوْمٍ ، فَكَذَلِكَ نَهَارُهُ ، وَلَيْسَ بِمُفْتَقَرٍ إِلَى الصَّوْمِ ، فَإِنْ صَامَ فَحَسَنٌ . قَالَ : وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ فِيهِ ، وَيَبْتَدِئَ . وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ قِيلَ لَهُ : فَمَتَى يَخْرُجُ ؟ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى . وَقَدِ اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، والليث عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لَيْلًا ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا أوَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ ، دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَخَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ . وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ والليث بن سعد : يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَالشَّهْرُ وَالْيَوْمُ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ ، لَا يَدْخُلُ إِلَّا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّيَالِي تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا ، قَالَ : يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصُّبْحَ ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ . وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . وَمَا أَظُنُّهُ تَرَكَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ عَلَى خِلَافِهِ . وَأَجْمَعَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا نَذَرَتِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَمَرِضَتْهُ أَنَّهَا لَا تَقْضِيهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَاضَتْهُ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَقْضِيهِ ، وَتَصِلُ قَضَاءَهَا بِمَا اعْتَكَفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلِ اسْتَأْنَفَتْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ أَنَّ الْمَرِيضَةَ تَمْرَضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَالْحَائِضَ لَا تَحِيضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَأَقْصَى مَا تَحِيضُ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا بَعْضُهُ ، وَجَبَ كُلُّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حُجَّةُ مَنْ يُسَامِحُ نَفْسَهُ ، وَيُكَلِّمُ مَنْ يُقَلِّدُهُ ، وَفَسَادُهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَقَدْ سَوَّى سَحْنُونٌ بَيْنَ حُكْمِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا اعْتِكَافُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا ، وَمَا مَضَى فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ . ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَذَرَتْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ : إِنَّهَا إِنْ مَرِضَتْ أَوْ حَاضَتْ فَأَفْطَرَتْ لِذَلِكَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَهِيَ تَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، فَحُكْمُ الِاعْتِكَافِ عِنْدِي مِثْلُ ذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، فَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ جَائِزٌ كَمَا هُوَ فِي رَمَضَانَ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي صَوْمِ الْمُعْتَكِفِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ بِغَيْرِ صَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، كُلُّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلَّا أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : اعْتَكِفْ ، وَصُمْ . وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ نَقْلًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الصَّوْمُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ ، فَعَاوَدَهُ السَّائِلُ فَقَالَ : يَصُومُ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى الِاعْتِكَافِ ، وَسُنَنُهُ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أُصُولِ مَسَائِلِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَاللَّهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ مِنَ اعْتِكَافِهِ فَسَنَذْكُرُهُ ، وَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، لمالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ الرَّكِينِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَسَلَةَ الْفَزَارِيِّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجَاوِرُ فِي الْمَسْجِدِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، لَمْ يَكْتُبْهُ مَالِكٌ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ .