الْحَدِيثُ السَّادِسُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
500 ج١٢ / ص١٨٩حَدِيثٌ سَادِسٌ لِأَبِي الزُّبَيْرِ . مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أُنِيبُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَالْإِخْبَاتِ عِنْدَ قِيَامِهِ ، ج١٢ / ص١٩٠وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَالْإِقْرَارِ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَالتَّسْلِيمِ وَالِابْتِهَالِ ، وَفِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ ؛ فَطُوبَى لِمَنْ وُفِّقَ وَأُعِينَ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْضُ مَنْ جَمَعَ حَدِيثَ مَالِكٍ ، فَذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَذَلِكَ خَطَأٌ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِمَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يُشْكَلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَيَّامُ وَقَيُّومُ وَقَيِّمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَزُولُ ، وَقَيَّامُ فَيْعَالُ وَقَيُّومُ فَيْعُولُ وَقَيِّمُ فَيْعِلُ . وَأَمَّا الرَّبُّ فَمَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ الْمَالِكُ ، سُبْحَانَ مَلِكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَلِكِهِمَا وَنُورِهِمَا ، قَوْلُهُ الْحَقُّ ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، وَقَدْ قَالَ : فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ . وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَوَاجِبٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُكْتَبُ فِي صُدُورِ الْوَصَايَا مَعَ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالنَّبِيِّ - ج١٢ / ص١٩١صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قُرِئَتِ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَالْحَيُّ الْقَيَّامُ " ، وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ " الْقَيِّمُ " وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، فَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى الْخَيْرِ ، وَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ إِلَى الشَّرِّ إِنَابَةً ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
أَيْ : عُودُوا إِلَى مَا يَرْضَى بِهِ عَنْكُمْ مِنَ التَّوْبَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، فَمَعْنَاهُ اسْتَسْلَمْتُ لِحُكْمِكَ وَأَمْرِكَ وَسَلَّمْتُ وَرَضِيتُ وَآمَنْتُ وَصَدَّقْتُ وَاسْتَيْقَنْتُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَطَاوُسُ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَهُوَ مِنْ جُلَّةِ التَّابِعِينَ دِينًا وَوَرَعًا وَفَضْلًا وَعِلْمًا ، وَهُوَ طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَيُقَالُ : طَاوُسُ بْنُ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْلَى يَحْيَى بْنِ رِيسَانَ الْحِمْيَرِيِّ الْيَمَانِيِّ ، يُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدٌ بِابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُ طَاوُسَ ، كَانَ لَهُ مِنْهُ مَجْلِسٌ خَاصٌّ ، وَكَانَ يُوَاظِبُ مَجْلِسَهُ مَعَ الْعَامَّةِ ، وَمَاتَ طَاوُسُ بِمَكَّةَ ج١٢ / ص١٩٢قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَصَلَّى عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ كَانَ حَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الْأَسَدِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ - يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي طَلْحَةَ - قَالَ : حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ : شَهِدْتُ جِنَازَةَ طَاوُسَ بِمَكَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَجَّ أَرْبَعِينَ حِجَّةً .
ج١٢ / ص١٩٣