حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ السَّابِعُ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ

حَدِيثٌ سَابِعٌ لِأَبِي الزُّبَيْرِ . مَالِكٌ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ، قَالَ : فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ دَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ جَمِيعًا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يَضْحَى النَّهَارُ ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ . قَالَ : فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ ، وَالْعَيْنُ تَبُضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا ؟ فَقَالَا : نَعَمْ ، فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ فَاسْتَقَى النَّاسُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا .

قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَجُلَّتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ ، مِمَّنْ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ عَلَى شَرْطِنَا فِيهِ ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ هُنَاكَ ذِكْرًا مُجَوَّدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَكَانَ أَبُو الطُّفَيْلِ مُحِبًّا فِي عَلِيٍّ ، غَيْرَ مُتَنَقِّصٍ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَجَهِلَ أَمْرَهُ مَنْ جَعَلَهُ مِنَ الشِّيعَةِ الْغَالِيَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ غَزْوُ الْإِمَامِ بِنَفَسِهِ الْعَدُوَّ مَعَ عَسْكَرِهِ ، وَفِيهِ غَزْوُ الرُّومِ ; لِأَنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كَانَتْ إِلَى الرُّومِ بِأَرْضِ الشَّامِ ، وَهِيَ غَزَاةٌ لَمْ يَلْقَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْدًا وَلَا قِتَالًا ، وَانْصَرَفَ لِمَا قَدْ ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ غَزْوَ الرُّومِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فَرَحِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْخَبِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهَا أَمُّ خَلَّادٍ ، وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ تَسْأَلُ عَنِ ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ ، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَسْأَلِينَ عَنِ ابْنِكِ وَأَنْتِ مُنْتَقِبَةٌ ؟ فَقَالَتْ : إِنْ أُرْزَأَ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ ، قَالَتْ : وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ .

قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلِفَضْلِ غَزْوِ الرُّومِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - غَزَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ : إِنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ إِلَى الرُّومِ كَانَتْ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ ، وَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ وَبَيْنَ صَلَاتَيِ اللَّيْلِ لِلْمُسَافِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَجُدَّ بِهِ السَّيْرُ . وَفِي قَوْلِهِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ دَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ جَمِيعًا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ ، مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ وَفُسْطَاطِهِ ، يَخْرُجُ فَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى خِبَائِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُقِيمُهَا ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ .

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ وَأَقْوَى الْحُجَجِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - وَهُوَ رَأْيُهُ - قَالَ : لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إِلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَخَافَ فَوَاتَ أَمْرٍ ، فَيَجْمَعَ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ إِلَّا أَنْ يَرْتَحِلَ عِنْدَ الزَّوَالِ ، فَلْيَجْمَعْ حِينَئِذٍ فِي الْمَرْحَلَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْعِشَاءَيْنِ الْجَمْعَ عِنْدَ الرَّحِيلِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَهُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ . وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَمَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ فِي وَقْتِ الْآخِرَةِ مِنْهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ الْأُولَى فَصَلَّاهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَصَلَّى الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، قَالَ : وَذَلِكَ كَجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ .

قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فَقَصَرَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ ، وَالْجَمْعُ أَيْسَرُ خَطْبًا مِنَ التَّقْصِيرِ ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَحْنُونُ : وَأَحَبُّ مَا فِيهِ إِلَيَّ وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ أَنْ يَجْمَعَ الْمُسَافِرُ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَإِنْ جَمَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ بَيْنَهُمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ لِيَقْطَعَ سَفَرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا وَلَمْ يُبَادِرْهُ .

وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يَجْمَعُ إِلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ . وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا مَنْ عُذِرَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمْعَ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ نَحْوَ هَذَا ، وَعَنْهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى إِجَازَةِ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِلْمُسَافِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ السَّيْرُ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجْمَعُ أَحَدٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرٍ ، وَلَا حَضَرٍ ، لَا صَحِيحٌ وَلَا مَرِيضٌ فِي صَحْوٍ وَلَا فِي مَطَرٍ ، إِلَّا أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، ثُمَّ يَنْزِلَ فَيُصَلِّيَهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، ثُمَّ يَمْكُثَ قَلِيلًا وَيُصَلِّيَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ ، قَالُوا : فَأَمَّا أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً فِي وَقْتِ أُخْرَى فَلَا ، إِلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ ، لا غير . وَحُجَّتُهُمْ مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً قَطُّ إِلَّا لِوَقْتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ : جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِجَمْعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ ( فِي ) هَذَا حُجَّةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ حَفِظَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَمْ يَشْهَدْ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ، إِنْ شَاءَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، وَإِنْ شَاءَ فِي وَقْتِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنُ أَخِي رُزَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ : مَرَّ بِنَا بِأَيْلَةَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْ يَمِينٍ كَانَ حَلَفَ بِهَا ، قَالَ : فَأَتَيْنَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي الرَّحِيلِ ، فَصَلَّوُا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَرَكِبُوا ، ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا رُزَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ يُصَلِّي لِلنَّاسِ الظُّهَرَ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ زَيَّانَ الْأَيْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَيْلِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ قَالَ : مَرَّ بِنَا الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَبُو حَازِمٍ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ خَارِجِينَ إِلَى الرِّبَاطِ ، فَنَزَلُوا ، وآتيناهم فسلم عليهم ، فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ شَدُّوا مَحَامِلَهُمْ وَسَوَّوْا وِطَاءَهُمْ ، فَصَلُّوا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، ثُمَّ رَكِبُوا وَمَشَيْنَا مَعَهُمْ إِلَى خَلْفِ بُسْتَانِ ابْنِ وَهْبٍ ، ثُمَّ وَدَّعْنَاهُمْ وَانْصَرَفْنَا ، وَأَتَيْنَا الْمَسْجِدَ وَرُزَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ يُصَلِّي لِلنَّاسِ الظُّهْرَ ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ : قُلْتُ لِعُمَرَ : إِلَى أَيِّ رِبَاطٍ ذَهَبُوا ؟ قَالَ : إِلَى عَسْقَلَانَ .

قَالَ : وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ زَيَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : صَحِبْتُ ابْنَ شِهَابٍ إِلَى مَكَّةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ جَمِيعًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَدَاوُدُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ : لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَلَا يُؤَخِّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا إِلَّا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ مَا بَيْنَ مَغِيبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، قَالَ : وَالْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ كَذَلِكَ .

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : وَجْهُ الْجَمْعِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَنْزِلَ فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ، قَالَ : فَإِنْ قَدَّمَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَالْعَشَاءَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، قَالَ إِسْحَاقُ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِلَا رَجَاءٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَقْطَعُ الِالْتِبَاسَ فِي أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ ، وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا كَانَ لَهُ فِي السُّنَّةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ ، فَالَّذِي يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مَا يَعْتَرِضُ عَلَى الثَّانِي بِهِ وَهُمَا حَالَانِ ، وَإِنَّمَا كَانَا يَكُونَانِ مُتَعَارِضَيْنَ لَوْ كَانَ فِي أَحَدِهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ ، وَفِي الْآخَرِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكَ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ ؛ فَأَمَّا أَنْ يَجْمَعَ - وَقَدْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَجْمَعَ - وَهُوَ نَازِلٌ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ ، فَلَيْسَ هَذَا بِمُتَعَارِضٍ عِنْدَ أَحَدٍ لَهُ فَهْمٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّةَ فِي مَسِيرِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَخَرَّ الْمَغْرِبَ عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي كَانَ يُصَلِّيهَا فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى كَادَ الشَّفَقُ أَنْ يَغِيبَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّاهَا وَغَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ .

قِيلَ لَهُ : قَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّةَ ، فَسَارَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبَدَتِ النُّجُومُ وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ فِي سَفَرِهِ جَمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ ، فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا الْإِسْنَادُ وَاضِحٌ ، وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْضَحُ ، وَلَوْ صَحَا جَمِيعًا كَانَا دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ كَيْفَ شَاءَ الْمُسَافِرُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعَشَاءِ ، وَذَلِكَ سِفْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ؛ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيهِ ، فَكُلُّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فَمَرْدُودٌ إِلَيْهِ . رَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ : هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ؟ فَهَذَا سَالِمٌ قَدْ نَزَعَ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ ، وَلَمْ تَمِلْ بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إِلَى الْمُعَانَدَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مُرَاعَاةِ آخَرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، لَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ ضِيقًا وَأَكْثَرَ حَرَجًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ; لِأَنَّ وَقْتَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْسَعُ وَمُرَاعَاتَهُ أَمْكَنُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيِ الْوَقْتَيْنِ وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ - كَمَا وَصَفْنَا - وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .

وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ أَيْضًا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ ، وَبَيْنَ الْعَشَاءِ وَالْفَجْرِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ : الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ صَلَاتَيِ اللَّيْلِ : الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ لِلرُّخْصَةِ فِي اشْتِرَاكِ وَقْتَيْهِمَا فِي السَّفَرِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ ، وَكَذَلِكَ عُذْرُ الْمَطَرِ ، وَلَيْسَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ جَمِيعًا إِذَا كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ يُؤْتَى بِهَا فِي وَقْتِهَا . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ ( بَيْنَهُمَا ) مُسَافِرًا فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِإِسْنَادِهِ ، هَذَا عَنْ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ قَالَ : وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ حَدِيثِ الْمُفَضَّلِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ) قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ سَارَ ، وَكَذَلِكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعَشَاءِ ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعَشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ . وَلِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ بِمَكَّةَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ بِسَرِفَ .

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ ، قُدَامَةُ بْنُ شِهَابٍ ، حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ شِهَابٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ بِمَكَّةَ فَصَلَّاهَا بِسَرِفَ ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ أَمْيَالٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا تَقَدُّمُ الْإِمَامِ ، إِلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالنَّهْيِ عَمَّا يُرِيدُ ، وَإِنْ خَالَفَهُ مُخَالِفٌ كَانَ لَهُ مُعَاقَبَتَهُ ( بِمَا ) يَكُونُ تَأْدِيبًا لِمِثْلِهِ وَرَدْعًا عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ حِلْمِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ كَيْفَ سَبَّ الرَّجُلَيْنِ ؟ فَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ إِذْ خَالَفَاهُ وَأَتَيَا مَا نَهَى عَنْهُ ؟ وَفِيهِ عَلَمٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْلَامَ نُبُوَّتِهِ ، إِذْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِقَلِيلِ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ ، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَمَّهُمْ وَفَضَلَ عَنْهُمْ وَتَمَادَى إِلَى الْآنِ ، وَيَتَمَادَى إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَكَذَا النُّبُوَّةُ ، وَأَمَّا السِّحْرُ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ عَيْنِ صَاحِبِهِ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا مَا لَا يَدْفَعُهُ مُسْلِمٌ . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : أَنَا رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كُلَّهُ حَوَالَيْ تِلْكَ الْعَيْنِ جِنَانًا خَضِرَةً نَضِرَةً .

وَفِيهِ إِخْبَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْبٍ كَانَ بَعْدَهُ ، وَهَذَا غَيْرُ عَجِيبٍ مِنْهُ ، وَلَا مَجْهُولٍ مِنْ شَأْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْلَى ذِكْرَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَالْعَيْنُ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَسِيلُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ضَعِيفٍ . قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ : مُنَعَّمَةٌ لَوْ يُصْبِحُ الذَّرُّ سَارِيًا عَلَى جِلْدِهَا بَضَّتْ مَدَارِجُهُ دَمًا وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلْمَوْضِعِ حِينَ يَنْدَى : قَدْ بَضَّ ، وَتَقُولُ : مَاءٌ بَضٌّ بِقَطْرَةٍ ؛ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمُوَطَّأِ تَبِضُّ بِالضَّادِ الْمَنْقُوطَةِ ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالصَّادِ وَضَمِّ الْبَاءِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُضِيءُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَيَبْرُقُ وَيُرَى لَهُ بَصِيصٌ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ بَصِيصٍ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى النَّاسُ .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث