الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِأَبِي الرِّجَالِ مَالِكٌ ، عَنْ أبي الرجال مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ : ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَالَجَهُ ، وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ ، فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ ، أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ يُسْنَدُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ مُتَّصِلٍ ( إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَرْضَى سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ ؟ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلْيَفْعَلْ أَيَّ ذَلِكَ أَحَبَّ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا جَائِحَةَ يُقَامُ بِهَا ، وَيُحْكَمُ بِإِلْزَامِهَا الْبَائِعَ فِي الثِّمَارِ إِذَا بِيعَتْ قَلَّتِ الْجَائِحَةُ أَوْ كَثُرَتْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مِقْدَارُ النُّقْصَانِ كَثِيرًا كَانَ أَمْ قَلِيلًا ، وَلَوْ لَزِمَتِ الْجَائِحَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ الْبَائِعَ بَعْدَ بَيْعِهِ لَبَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ ، وَهَذَا مَعْنًى اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا النَّدْبُ إِلَى حَطِّ مَا أُجِيحَ ( بِهِ ) الْمُبْتَاعُ فِي الثِّمَارِ إِذَا ابْتَاعَهَا ، نَدَبَ الْبَائِعَ لِذَلِكَ وَحَضَّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ وَلَا قَضَى عَلَيْهِ بِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : تَأَلَّى ( عَلَى اللَّهِ ) أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا . وَمَنْ قَالَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي الثِّمَارِ ، وَإِلْزَامِهَا الْبَائِعَ احْتَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ وَبِحَدِيثِهِ أَيْضًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ; أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْرِيجِ ، وَالْوُجُوهِ ، وَالْمَعَانِي فِي بَابِ حُمَيْدٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى حَدِيثِ عَمْرَةَ هَذَا دُونَ لَفْظِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : أُصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، وَكَثُرَ دَيْنُهُ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ . وَكَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ يَقُولُ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ( ح ) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : أُصِيبَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا بِدَيْنٍ ، فَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغُرَمَائِهِ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ .
لَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ عَمْرَةَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْضِ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ ( فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ ) وَالَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ : لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ ، يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى الْمَيْسَرَةِ ( لِأَنَّهُ كَانَ مُفْلِسًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ كَانَ دُونَ الثُّلُثِ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكُمْ غَيْرُ ذَلِكَ ) وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالُوا : لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبُيِّنَ فِي الْحَدِيثِ ، وَهَذِهِ دَعْوَى ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إِنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ إِنَّمَا هُوَ فِي وَضْعِ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَكِرَائِهَا عَمَّنْ أَصَابَ زَرْعَهُ أَوْ ثَمَرَهُ آفَةٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا هَذَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِذَا قَبَضَ الْمُبْتَاعُ مَا ابْتَاعَهُ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْأَمْرُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى النَّدْبِ إِلَى الْخَيْرِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَمْرَةَ هَذَا ( وَقَوْلُهُ فِيهِ : تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا ) لَا أَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهِ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَبَضَ مَا يَبْتَاعُ بِمَا يَجِبُ بِهِ قَبْضُهُ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ تَسْلِيمٍ ، وَصَارَ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ كَمَا كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، أَنَّ الْمُصِيبَةَ وَالْجَائِحَةَ فِيهِ مِنَ الْمُبْتَاعِ إِلَّا الثِّمَارَ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، فَوَاجِبٌ رَدُّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ نَظِيرٍ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهَا ، وَمَذْهَبَ غَيْرِهِمْ أَيْضًا ، وَحُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .