الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ
مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ ، فَبَالَ ، فَتَوَضَّأَ ، فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَقُلْتُ لَهُ : الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ ، فَرَكِبَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ أُنَاسٍ بِعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، إِلَّا أَشْهَبَ وَابْنَ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْهَبُ ، وَكَذَلِكَ حَدَّثَ بِهِ الْمُعَافي ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَرْحُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إِسْنَادِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِكُرَيْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ جَمِيعًا عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مثله بمعناه ، أَدْخَلَا بَيْنَ كُرَيْبٍ وَبَيْنَ أُسَامَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ أُسَامَةَ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَصِحَّةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَأَنْ لَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرٌ صَحِيحٌ ( فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، ثُمَّ الدَّفْعُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَغِيبِهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَالْوُقُوفُ الْمَعْرُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ جَمِيعًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَالْمَسْجِدُ مَعْرُوفٌ ، وَمَوْضِعُ الْوُقُوفِ بِجِبَالِ الرَّحْمَةِ مَعْرُوفٌ ، وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ مَوْضِعَ وُقُوفٍ ; لِأَنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ الَّذِي أُمِرَ الْوَاقِفُ بِعَرَفَةَ أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا مَوْضِعَ لِلْقَوْلِ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ فَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ أَوِ اغْتَسَلَ بِهِ مِنْ بَوْلِهِ ، وَذَلِكَ يُسَمَّى وُضُوءًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ الَّتِي هِيَ النَّظَافَةُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ ; أَيْ لَمْ يُكْمِلْ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ ، وَالْإِسْبَاغُ الْإِكْمَالُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَلَكِنَّهُ تَوَضَّأَ مِنَ الْبَوْلِ . هَذَا وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ، لَيْسَ بِالْبَالِغِ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَالِكٌ أَثْبَتُ مَنْ رَوَاهُ ، فَلَا وَجْهَ لِلِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ : إِنَّهُ تَوَضَّأَ عَلَى ( بَعْضِ ) أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ( وَلَمْ ) يُكْمِلِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ لَيْلًا ، وَأَرَادَ النَّوْمَ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرُبَّمَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَنَامَ ، وَهُوَ لَمْ يُكْمِلِ الدَّفْعَ لِلصَّلَاةِ ، وَهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُضَافَ مِثْلُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَعَلَّ الَّذِي حَكَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَضْبِطْ . وَالْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ عِنْدَ النَّوْمِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ ( لِأَنَّهُ ) لَا يَرْفَعُ فِيهِ حَدَثَهُ ، وَفِعْلُهُ سُنَّةٌ وَخَيْرٌ ، وَلَيْسَ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ يَجِدُ من الفراغ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وُضُوءًا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ النُّهُوضِ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ، وَالنُّهُوضُ إِلَيْهَا مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ . فَكَيْفَ يَشْتَغِلُ عَنْهَا بِمَا لَا مَعْنًى لَهُ ؟ ! أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا حَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعِهَا نَزَلَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ لَهَا ؟ أَيْ تَوَضَّأَ لَهَا كَمَا يَجِبُ ، فَالْوُضُوءُ الْأَوَّلُ عِنْدِي الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لا غير ( لِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : الصَّلَاةُ أَيْ تَوَضَّأْ لَهَا ، إِذْ رَآهُ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : بَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّبَعَهُ عُمَرُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَمْ أُومَرُ أَنْ أَتَوَضَّأَ كُلَّمَا بُلْتُ ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً ، وَهَذَا عَلَى مَا قُلْنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ عَلَى ( حَسَبِ ) مَا ذَكَرْنَاهُ . ( وَمِنْ بَيْنِ مَا يُرْوَى فِي اسْتِنْجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَاءِ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِنِسْوَةٍ عِنْدَهَا : مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَغْسِلُوا عَنْهُمْ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، فَإِنِّي أَسْتَحِيهُمْ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ .
ذَكَرَهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ سَعِيدٍ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْحُوَيْرِثِ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ ( فَأَتَى بِطَعَامِهِ ) فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ : مَا أُصَلِّي فَأَتَوَضَّأُ ، وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ إِلَّا لِلصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ كُلَّمَا بَالَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا دَفَعَ بِالْحَاجِّ ، وَالنَّاسُ مَعَهُ لَا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا مَعَ الْعِشَاءِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَمْ يَدْفَعْ مَعَ الْإِمَامِ لِعِلَّةٍ وَعُذْرٍ ، وَدَفَعَ وَحْدَهُ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ بِالنَّاسِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ تِلْكَ ( الصَّلَاتَيْنِ ) فِي الْمُزْدَلِفَةِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّيهِمَا أَحَدٌ قَبْلَ جَمْعٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا مِنْ عُذْرٍ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يُصَلِّيهِمَا حَتَّى يَأْتِيَ جَمْعًا ، وَلَهُ السَّعَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا دُونَ جَمْعٍ أَعَادَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ صَلَّاهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَسَوَاءٌ صَلَّاهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَوْ بَعْدَهُ ، عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا إِذَا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأُسَامَةَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا : إِنْ صَلَّى بِعَرَفَاتٍ أَجْزَأَهُ ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ جَمْعٍ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَسَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ . وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا عَلِمْتُ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إِلَّا هُنَاكَ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَلَمْ يُصَلِّهِمَا إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْذُرَهُ ، وَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا تُجْزِئَهُ صِلَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَنْ أَجَازَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ سَفَرٌ ، وَلِلْمُسَافِرِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْمُسَافِرِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَلَهُ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ . قَالَ مَالِكٌ : يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ يَجْمَعُ أَيْضًا بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ . قَالَ : وَإِنِ احْتَبَسَ إِنْسَانٌ دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ لِمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ يَعْنِي صَلَاتَيْ عَرَفَةَ ، وَصَلَاتَيِ الْمُزْدَلِفَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِلَّا لِوَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ : قَالَ : إِنْ صَلَّيْتَ فِي رَحْلِكَ فَصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ : جَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا ، وَعِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ فَلِكُلِّ مُسَافِرٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَحْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَحُكْمَ الْأَذَانِ بَيْنَهُمَا وَالْإِقَامَةِ ، وَمَنْ أَجَازَ أَنْ تُنَاخَ الْإِبِلُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، وَالنَّظَرِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْهُ هَاهُنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَامَةَ حِينَ قَالَ لَهُ : الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ يُرِيدُ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ أَمَامَكَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا .
( رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى يَعْنِي الشِّعْبَ .