الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَثَلَاثُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ ( وَاجِبَانِ ) طَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ وَطَاعَةُ رَبِّهِ ، فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ ضِعْفَا أَجْرِ الْحُرِّ الْمُطِيعِ لِرَبِّهِ مِثْلَ طَاعَتِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ سَيِّدِهِ وَنُصْحِهِ ، وَأَطَاعَهُ أَيْضًا فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ فَأَدَّاهُمَا جَمِيعًا ، وَقَامَ بِهِمَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا فَرْضٌ وَاحِدٌ فَأَدَّاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَصَلَاةٌ فَقَامَ بِهِمَا عَلَى حَسْبَ مَا يَجِبُ فِيهِمَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَأَدَّى صَلَاتَهُ كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ وَيَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَعَلَى حَسَبِ هَذَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فُرُوضٌ مِنْ وُجُوهٍ فَلَمْ يُؤَدِّ شَيًّا مِنْهَا ، وَعِصْيَانُهُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ عِصْيَانِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضُ تِلْكَ الْفُرُوضِ ، وَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَجُلٍ كَثِيرِ الْحَسَنَاتِ كَثِيرِ السَّيِّئَاتِ أَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ رَجُلٌ قَلِيلُ الْحَسَنَاتِ قَلِيلُ السَّيِّئَاتِ ؟ فَقَالَ : مَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمُتَّقِيَ لِلَّهِ الْمُؤَدِّيَ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ سَيِّدِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْحُرِّ وَيُعَضِّدُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ الْمَسِيحِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْلُهُ : مُرُّ الدُّنْيَا حُلْوُ الْآخِرَةِ ، وَحُلْوُ الدُّنْيَا مُرُّ الْآخِرَةِ ، وَلِلْعُبُودِيَّةِ مَضَاضَةٌ وَمَرَارَةٌ لَا تَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلْعَبْدِ الْمُصْلِحِ أَجْرَانِ ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ ، وَأَنَا مَمْلُوكٌ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَوْلَا أَمْرَانِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضَعَ فِي مَالِهِ شَيْئًا ، وَلَا يُجَاهِدَ ، وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا خَلَقَ اللَّهُ عَبْدًا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ إِلَّا وَفَّاهُ اللَّهُ أَجَرَهُ مَرَّتَيْنِ .
.