حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ

حَدِيثٌ سَادِسٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا ؛ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ . هَكَذَا قَالَ : وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ فِيهِ انْتَفَى ، وَلَا انْتَفَلَ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأُمِّهِ ، فَهَذِهِ فَائِدَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّازِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يُوسُفُ ابْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ : إِنَّ الرَّجُلَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِهِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ ، حَدَّثَنَا ( أَبُو ) عَاصِمِ بْنُ مُهَجِّعٍ خَالُ مُسَدَّدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ وَقَذَفَ امْرَأَتَهُ ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ ، حَدَّثَنَا جَدِّي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ وَقَذَفَ امْرَأَتَهُ ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ - عِنْدِي - مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : أَخْطَأَ لَيْسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَكَذَا ، ذَكَرَهُ ابْنُ أُبَيٍّ خيثمة فِي التَّارِيخِ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَهْمٌ ؛ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ مَعِينٍ عَلَى أَنْ لَيْسَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ . وَأَمَّا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَعِينٍ ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنِ ابْنِ مَعِينٍ إِنْ كَانَ أَرَادَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، أَيْ أَنَّ اللِّعَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَذَا ، فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَلًّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ : شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنْتُ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ مُسَدَّدٌ : ( قَالَ ) : شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ : عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا - عِنْدِي - أَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ ، وَأَظُنُّ ابْنَ عُيَيْنَةَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ لَفْظُ حَدِيثِهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ حَدِيثِهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ : فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ ، وَقَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعَ عَمْرَو سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَالِي ، قَالَ : لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا ، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَهُ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا ، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلًّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! نَعَمْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ هَذَا فُلَانٌ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكَ الَّذِي سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فِي سُورَةِ النُّورِ ، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ ، وَذَكَّرَهُ ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لِكَاذِبٌ ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ دَعَا بِالْمَرْأَةِ ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ ، وَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . فَهَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ص - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ كَمَا رَوَى مَالِكٌ ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - عِنْدِي - - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَالِكًا أَيْضًا انْفَرَدَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا بِقَوْلِهِ ، فِيهِ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ، أَوْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، قَالُوا : وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أحد غير مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . وَهَكَذَا رَوَاهُ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ ، ذَكَرُوا فِيهِ اللِّعَانَ وَالْفُرْقَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَقَالَهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا رَأَيْتَ وَحَسْبُكَ بِمَالِكٍ حِفْظًا وَإِتْقَانًا ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أنَّ مَالِكًا أَثْبَتُ فِي نَافِعٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ مِنْ غَيْرِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلًّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ؛ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، هَكَذَا قَالَ بِأُمِّهِ . وَفِي الْمُوَطَّأِ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، أَوْ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِهَا ، وَهِيَ مَحْفُوظَةٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا : أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ ذَكَرَ فِي مُوَطَّئِهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : حَضَرْتُ لِعَانَهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ : وَفِيهِ ، ثُمَّ خَرَجَتْ حَامِلًا فَكَانَ الْوَلَدُ لِأُمِّهِ . وَذَكَرَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي هَذَا الْخَبَرِ خَبَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَكَانَ الْوَلَدُ يُدْعَى لِأُمِّهِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ وَحَسْبُكَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ . وَمَالِكٌ مَالِكٌ فِي إِتْقَانِهِ وَحِفْظِهِ وَتَوَقِّيهِ ، وَانْتِقَائِهِ لِمَا يَرْوِيهِ ، فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ لَحِقَ بِأُمِّهِ ، وَأَنَّهَا عَلَى كُلٍّ أُمُّهُ ؟ قِيلَ لَهُ : الْمَعْنَى أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ وَنَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ بِلِعَانِهِ وَصَيَّرَهُ إِلَى أُمِّهِ وَحْدَهَا ، وَلِهَذَا مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِيرَاثِهِ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ أُمَّهُ عَصَبَتَهُ ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَأَمَّا تَفْرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ فَذَلِكَ - عِنْدَنَا - إِعْلَامٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ التَّلَاعُنَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَالتَّبَاعُدَ فَأَعْلَمَهُمَا بِذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَامِسَةَ مُوجِبَةٌ يَعْنِي أَنَّهَا تُوجِبُ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ ، ( فَلَمَّا جَهِلَ الْمَلْعُونُ مِنْهُمَا ، وَصَحَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ لَحِقَتْهُ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ ) فَرَّقَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بَيْنَهُمَا ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ رَجُلٌ مَلْعُونٌ وَامْرَأَةٌ غَيْرُ مَلْعُونَةٍ ، وَلَسْنَا نَعْرِفُ أَنَّ الْمَرْأَةَ أُفْرِدَتْ بِاللَّعْنَةِ فَنَقِيسُهَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ الْجَائِزِ نِكَاحُهَا ، وَلَا بِأْسَ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ مَلْعُونًا كَمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنْهُمَا ، فَمِنْ هَاهُنَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَلَوْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّعْنَةَ حَقَّتْ عَلَى الْمَرْأَةِ بِكَذِبِهَا لَمْ نُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا . هَذَا جُمْلَةُ مَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَالتَّلَاعُنُ يَقْتَضِي التَّبَاعُدَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ . وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا كِفَايَةٌ وَدَلَالَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا يُنَفِّذُ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ تَفْرِيقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ اللِّعَانِ اسْتِئْنَافَ حُكْمٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَنْفِيذًا لِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاللِّعَانِ بَيْنَهُمَا ، فَالْوَاجِبُ عَلَى سَائِرِ الْحُكَّامِ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ ، وَإِنْ تَرَكَ كَانَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا نَافِذًا عَلَى حَسْبَ مَا ذَكَرْنَا ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ : إِذَا الْتَعَنَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ قَالُوا : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْفُرْقَةِ ، قَالُوا : وَهِيَ فُرْقَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى حُضُورِ الْحَاكِمِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْتَقَرَ إِلَى تَفْرِيقِهِ قِيَاسًا عَلَى فُرْقَةِ الْعِنِّينِ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أنَّ التَّفَاسُخَ فِي التَّبَايُعِ لَمَّا وَقَعَ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ ؛ فَكَذَلِكَ اللِّعَانُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ عِنْدَهُ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، لِأَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ لِعَانُهُ الْوَلَدَ وَالْحَدَّ وَجَبَ أَنْ يَرْفَعَ الْفِرَاشَ ، لِأَنَّ لِعَانَ الْمَرْأَةِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ الْحَدِّ عَنْهَا لا غير . وَذَهَبَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ اللِّعَانِ ، لِأَنَّ الْعَجْلَانِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ اللِّعَانِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ أَيْضًا فِي حُكْمِ فُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَهَلْ يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إِلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ اللِّعَانِ أَمْ لَا ؟ وَمَا فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ ، وَوَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ - عِنْدَنَا - عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي كِتَابِنَا هَذَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَحْكَامًا صَالِحَةً مِنْ أَحْكَامِ اللِّعَانِ لَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا حُكْمَ الْحَمْلِ ، وَالْوَلَدِ ، وَمَا ضَارَعَ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ . فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِنَا هَذَا : انْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتَفَى مِنْهُ ، وَهُوَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْتَفَى مِنْهُ بَعْدَ أَنْ وَلَدَهُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُلَاعَنَةِ عَلَى الْحَمْلِ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : لَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُلَاعِنَ أَحَدٌ عَنْ حَمْلٍ ، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْ وَلَدٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسِبَ أَنَّ بِالْمَرْأَةِ حَمْلًا وَلَيْسَ بِهَا حَمْلٌ ، قَالُوا : وَكَمْ حَمْلٍ ظَهَرَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ ، ثُمَّ انْفَشَّ وَاضْمَحَلَّ ، قَالُوا : فَلَا لِعَانَ عَلَى الْحَمْلِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، قَالُوا : وَلَوِ الْتَعَنَ أَحَدٌ عَلَى الْحَمْلِ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ الْوَلَدُ حَتَّى يَنْفِيَهُ بَعْدَ أَنْ يُولَدَ وَيَلْتَعِنُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَنْفِيَهِ فِي اللِّعَانِ ؛ فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِي عَنْهُ ، هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ أَنْ يَنْتَفِيَ الرَّجُلُ مِنَ الْحَمْلِ إِذَا كَانَ حَمْلًا ظَاهِرًا ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا كَانَتْ حَامِلًا ، فَانْتَفَى الْمُلَاعِنُ مِنْ وَلَدِهَا ؛ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَالْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرَةٌ ، وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَشِفَاءٌ وَهِدَايَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَنْفِي الْحَمْلَ بِدَعْوَى رُؤْيَةِ الزِّنَا ، وَلَا يَنْفِي الْحَمْلَ إِلَّا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَالِاسْتِبْرَاءُ - عِنْدَهُمْ - حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ لِعَانِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَمْلًا ظَاهِرًا حِينَ لَاعَنَ بِإِقْرَارٍ ، أَوْ بَيِّنَةٍ فَيُلْحَقُ بِهِ . وَقَالَ ( الْمُغِيرَةُ ) الْمَخْزُومِيُّ : إِنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ وَادَّعَى رُؤْيَةً لَاعَنَ ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ ، فَهُوَ اللِّعَانُ ، فَإِنِ ادَّعَاهُ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : يُلَاعِنُ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَدَّعِي الِاسْتِبْرَاءَ . ( وَإِنْ وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ لَحِقَ بِهِ ، وَلَا يَنْفَعُهُ إِنْ نَفَاهُ ، وَلَا يُحَدُّ ، قَالَ : وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْوَضْعِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كُنْتُ اسْتَبْرَيْتُهُ وَنَفَاهُ ، كَانَ لِلِّعَانِ الْأَوَّلِ ، قَالَ أَصْبَغُ : لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِلِعَانٍ ثَانٍ ) . أَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : كُلُّ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَطَلَبَتِ الْحَدَّ ، وَلَمْ يَأْتِ زَوْجُهَا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ لَاعَنَ ، وَسَوَاءً قَالَ لَهَا يَا زَانِيَةُ ، أَوْ زَنَيْتِ ، أَوْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي ، يُلَاعِنُ أَبَدًا ، وَكُلُّ مَنْ نَفَى الْحَمْلَ عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ : لَيْسَ مِنِّي ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ لَاعَنَ ، وَلَا مَعْنَى عِنْدَهُمْ لِلِاسْتِبْرَاءِ ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ قَدْ تَلِدُ مَعَهُ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ مَا كَانَ الْفِرَاشُ قَائِمًا إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنْ لَا لِعَانَ عَلَى حَمْلٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رُؤْيَةً ، وَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَ بَعْدَهَا ، حُدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَادَّعَى الْوَلَدَ لَحِقَ بِهِ وَحْدَهُ ؛ إِذْ بِاللِّعَانِ نَفَيْنَاهُ عَنْهُ وَصَارَ قَاذِفًا . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرُهُمَا : يُبْدَأُ بِالزَّوْجِ فِي اللِّعَانِ ، فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ، يَقُولُ فِي الرُّؤْيَةِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ أنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي ، وَيَقُولُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَزَنِيَتْ . وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ ) : أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي ، قَالَ أَصْبَغُ : وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَزِيدَ لَزَنِيَتْ ، قَالَ أَصْبَغُ : يَقُولُ فِي الرُّؤْيَةِ : كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ . قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ فِي الرُّؤْيَةِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي ، وَفِي الْحَمْلِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا زَنَيْتُ ، وَإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنْ كَانَ وَلَدًا ، أَوْ حَمْلًا وَنَفَاهُ ، قَالَ فِي لِعَانِهِ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَنِيَتْ ، وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي ، أَوْ مَا هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي ، وَتَقُولُ هِيَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا زَنَيْتُ ، وَإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ ، أَوْ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، أَوْ مَيِّتًا سَمَّتْهُ وَنَسَبَتْهُ ، وَقَالَتْ : وَإِنَّهُ مِنْ زَوْجِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا الْقَوْلَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِأَرْبَعِ شَهَادَاتٍ ( بِاللَّهِ ) ، ثُمَّ يَقُولُ الزَّوْجُ فِي الْخَامِسَةِ : وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَتَقُولُ هِيَ : وَعَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ ، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فِيمَا ذَكَرَ مِنْ رُؤْيَةٍ ، أَوْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ زِنَاهَا ، وَمِنْ نَفْيِ حَمْلِهَا أَوْ وَلَدِهَا ، عَلَى حَسْبِ مَا فَسَّرْتُ لَكَ . فَإِذَا تَمَّ الْتِعَانُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الْتِعَانِ الرَّجُلِ ، وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا ، وَسَوَاءً فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ لَمْ يُفَرِّقْ ، وَإِنْ أَكَذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، حُدَّ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ، وَلَمْ يَتَرَاجَعَا أَبَدًا ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ لِعَانِهِ ، أَوْ لِعَانِ الْمَرْأَةِ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ : الْخَامِسَةُ ، أَوْ غَيْرُهَا فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِهَا ، حُدَّ وَبَقِيَتْ مَعَهُ زَوْجَتُهُ إِذَا لَمْ يَتِمَّ لِعَانُهَا . هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأصْحَابِهِ ، وَلَوْ لَاعَنَ عِنْدَهُمْ مَنْ نَفَى حَمْلًا ، فَانْفَشَّ ، لَمْ تُرَدَّ إِلَيْهِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَسْقَطَتْهُ وَكَتَمَتْهُ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَمَّ الْتِعَانُهُ ، فَقَدْ زَالَ فِرَاشُهُ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَمَامَ اللِّعَانَ لَا يُوجِبُ فُرْقَةً حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، وَغَيْرِهِ مُحْتَمَلَةُ التَّأْوِيلِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : تَفْرِيقُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، تَفَرُّقُ حُكْمٍ لَيْسَ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ فِيهِ مَدْخَلٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقٌ أَوْجَبَهُ اللِّعَانُ ، فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : وَإِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ ، فَقَدْ زَالَ فَرَاشُ امْرَأَتِهِ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْتَعَنَتْ ، أَوْ لَمْ تَلْتَعِنْ ، قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ هَذَا ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ، قَالَ : وَكَانَ مَعْقُولًا فِي حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا لَحِقَ الْوَلَدُ بِأُمِّهِ أَنَّهُ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَنَّ نَفْيَهُ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ بِيَمِينِهِ وَالْتِعَانِهِ لَا بِيَمِينِ الْمَرْأَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ ، قَالَ : وَمَعْقُولٌ فِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَجُلِدَ الْحَدَّ ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَرْأَةِ فِي نَفْيِهِ ، وَأنَّ الْمَعْنَى لِلزَّوْجِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ لَهَا مَعْنًى فِي يَمِينِ الزَّوْجِ ، وَنَفْيُ الْوَلَدِ وَإِلْحَاقُهُ ، وَالْوَلَدُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَدُهَا ، لَا يَنْتَفِي عَنْهَا أَبَدًا : إِنَّمَا يَنْتَفِي عَنِ الرَّجُلِ وَإِلَيْهِ يَنْتَسِبُ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ قَالَتْ : لَيْسَ هُوَ مِنْكَ ، إِنَّمَا اسْتَعَرْتُهُ : لَمْ يَكُنْ قَوْلُهَا شَيْئًا إِذا عَرَفَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إِلَّا بِلِعَانٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَقُّ لِلْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : هُوَ ابْنِي ، وَقَالَتْ هِيَ : بَلْ زَنَيْتُ ، وَهُوَ مِنْ زِنًى كَانَ ابْنَهُ ، وَلَمْ يُنْظَرْ إِلَى قَوْلِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إِلَيْهِ دُونَ أُمِّهِ ؟ ! فَكَذَلِكَ نَفْيُهُ بِالْتِعَانِهِ إِلَيْهِ دُونَ أُمِّهِ ، قَالَ : وَالْتِعَانُ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا هُوَ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهَا لَا غَيْرُ لَيْسَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَدِ وَلَا نَفْيِهِ فِي شَيْءٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْوَلَدِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ إِمْكَانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدُ ، وَقَالَ بِبَغْدَادَ : إِذَا لَمْ يَشْهَدْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ ، وَقَالَ بِمِصْرَ أَيْضًا : وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : لَهُ نَفْيُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ مَذْهَبًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاللِّعَانِ دُونَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ خَاصَّةً ، يَقُولُونَ : إِنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِتَمَامِ الْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا إِلَّا الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَمَامِ الْتِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَحْدُّهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا الْجَلْدُ ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا الرَّجْمُ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ أَبَتْ أَنْ تَلْتَعِنَ حُبِسَتْ أَبَدًا حَتَّى تَلْتَعِنَ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ

وَالسِّجْنُ لَيْسَ بِعَذَابٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

؛ فَجَعَلَ السِّجْنَ غَيْرَ الْعَذَابِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْحَدَّ عَذَابًا بِقَوْلِهِ :

وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

وَقَوْلِهِ :

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ

وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ :

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ

الْآيَةَ ، قَالَ : فَإِذَا حَلَفَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا أُقِيمَ الْجَلْدُ ، أَوِ الرَّجْمُ ، وَهَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ فِي الْفُرْقَةِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عِنْدَ نُكُولِ الْمَرْأَةِ ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ

قَالَ : إِنْ هِيَ أَبَتْ أَنْ تُلَاعِنَ رُجِمَتْ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَجُلِدَتْ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي الْحُقُوقِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَا يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِالنُّكُولِ هَاهُنَا ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ حِينَ عَزَّ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِدَعْوَى زَوْجِهَا وَيَمِينِهِ دُونَ إِقْرَارِهَا ، أَوْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَقْضِ بِالنُّكُولِ ، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ شُبْهَةٌ دَرَأَ بِهَا الْحَدَّ عَنْهَا وَحَبَسَهَا حَتَّى تَلْتَعِنَ ، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي النَّظَرِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْجُمْهُورَ وَالْأُصُولَ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ اللِّعَانَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُلَاعِنَ إِذَا نَفَى الْحَمْلَ ، وَكَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا وَالْحُجَّةُ لَهُمُ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِذَلِكَ الَّتِي لَا يُعَارِضُهَا ، وَلَا يُخَالِفُهَا مِثْلُهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : جَاءَ عُوَيْمِرٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ، فَقَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَيُقْتَلُ بِهِ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَعَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ ، ثُمَّ لَقِيَهُ عُوَيْمِرٌ ؛ فَسَأَلَهُ : مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : صَنَعْتُ ! إِنَّكَ لَمْ تَأْتِ بِخَيْرٍ ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَابَ الْمَسَائِلَ ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَسَأَلَهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ فَدَعَا بِهِمَا فَتَلَاعَنَا ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : لَئِنِ انْطَلَقْتُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، قَالَ : فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَصَارَتْ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : انْظُرُوهَا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْألْيَتَيْنِ ، فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، فَلَا أُرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا ، قَالَ : فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَإِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَقَدْ وَقَعَ التَّلَاعُنُ عَلَى الْحَمْلِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَاهُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ اللِّعَانَ أُعِيدَ فِي ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْهُ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَفَاهُ حَمْلًا ؛ فَنَفَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ . وَمِمَّا يُصَحِّحُ أَيْضًا مَا قُلْنَاهُ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : إِنَّا لَيْلَةَ جُمُعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، وَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ ، وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وسَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ افْتَحْ ، وَجَعَلَ يَدْعُو ، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانَ :

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ

؛ فَابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ ؛ فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَتَلَاعَنَا ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ الْخَامِسَةَ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، قَالَ : فَذَهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَهْ ، فَأَبَتْ وَفَعَلَتْ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ ، قَالَ : لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ أَجْعَدَ ؛ فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَجْعَدَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ أَجْعَدَ وَالصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَعْدٌ ، يُقَالُ : رَجُلٌ جَعْدٌ وَامْرَأَةٌ جَعْدَةٌ ، وَلَا يُقَالُ أَجْعَدُ ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَعْرِبُوا الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَرَبًا . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قِيلَ هَذَا فِيهِ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْألْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أُرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا ، قَالَ : فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ . فَالْأَسْحَمُ الْأَسْوَدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالسُّحْمَةُ : السَّوَادُ ، وَالدَّعَجُ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ أَدْعَجُ وَامْرَأَةٌ دَعْجَاءُ ، وَعَيْنٌ دَعْجَاءُ وَلَيْلٌ أَدْعَجُ ، أَيْ أَسْوَدُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ؛ فَأَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَأَنَّهُ وَزَغَةٌ ، قَالَ الْخَلِيلُ : وَالْوَحَرَةُ وَزَغَةٌ تَكُونُ فِي الصَّحَارِي ، قَالَ : وَالْمَرْأَةُ وَحَرَةٌ سَوْدَاءُ ذَمِيمَةٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حُبْلَى ، وَفِيهِ ضُرُوبٌ مِنَ الْفِقْهِ ظَاهِرَةٌ أَبْيَنُهَا أَنَّ الْقَاذِفَ لِزَوْجَتِهِ يُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُلَاعِنْ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَشَيْءٌ رُوِيَ عَلَى الشَّعْبِيِّ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، قَالُوا : الْمُلَاعِنُ إِذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ لَمْ يُضْرَبْ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَرُدَّانِهِ وَيَقْضِيَانِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِمَّا قَالَهُ بِشُهُودٍ أَرْبَعَةٍ إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا ، أَوْ بِلِعَانٍ إِنْ كَانَ زَوْجًا جُلِدَ الْحَدَّ ، وَلَا يَصِحُّ - عِنْدِي - عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْ غَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ عَنْ عَامِرٍ يَعْنِي الشَّعْبِيَّ ، قَالَ : إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَرُدَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ . وَحَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ . وَهُشَيْمٌ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ : يَكُونُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ إِذَا جُلِدَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلِلنَّاسِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ؛ أَحَدُهَما أَنَّهُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَرُدَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ دُونَ نِكَاحٍ عَلَى عِصْمَتِهِ . وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْجَلْدِ خَاطِبًا كَمَا ذَكَرْنَا . وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُجْلَدُ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْتَغَلُ بِهِ ، وَهُوَ وَهْمٌ وَخَطَأٌ ، ( وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا وَالْحُجَّةُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا ) . وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَيْضًا التَّلَاعُنَ عَلَى الْحَمْلِ الْبَيِّنِ ما أخبرناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الْأَصْبَغِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ : أَمْسِكِ الْمَرْأَةَ عِنْدَكَ حَتَّى تَلِدَ . وَمِثلُهُ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ فِيهِ : ثُمَّ خَرَجَتْ حَامِلًا فَكَانَ الْوَلَدُ إِلَى أُمِّهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو الْأَحْوَصِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ؛ فَأَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرَدَّدَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : قَدْ نَزَلَ مِنَ اللَّهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ ؛ فَأَبَى الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا ؛ فَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهَا الْعَذَابَ ، فَتَلَاعَنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِمَّا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أُصَيْفِرَ أُحَيْمِشَ مَسْلُولَ الْعِظَامِ ، فَهُوَ لِلْمُتَلَاعِنِ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ كَالْجَمَلِ الْأَوْرَقِ ، فَهُوَ لِغَيْرِهِ ، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ كَالْجَمَلِ الْأَوْرَقِ ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَهُ لِعَصَبَةِ أُمِّهُ ، وَقَالَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي مَضَتْ ، يَعْنِي اللِّعَانَ ، لَكَانَ فِيهِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : رَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهَا الْعَذَابَ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهَا تُسْجَنُ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ : أُصَيْفِرَ أُحَيْمِشَ ؛ فَالْأُصَيْفِرُ تَصْغِيرُ أَصْفَرَ ، وَالْأُحَيْمِشُ تَصْغِيرُ أَحْمَشَ ، وَالْأَحْمَشُ الدَّقِيقُ الْقَوَائِمِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ جَمِيعًا ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ كَانَتْ عَلَى الْحَمْلِ ، وَحَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حديث طويل فِي اللِّعَانِ ، ذَكَرَ فِيهِ كَلَامَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَقِصَّةَ تَلَاعُنِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ إِذْ رَمَاهَا بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ حَدِيثًا طَوِيلًا ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ . وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَلَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ . وَفِيهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ : فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُمَا يَعْنِي بَعْدَ تَمَامِ الْتِعَانِهِمَا وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ ، وَلَا تُرْمَى هِيَ ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا ، وَمَنْ رَمَاهَا ، أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ عَلَيْهَا ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ ، وَلَا هِيَ مُتَوَفًّى عَنْهَا ، وَقَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُثَيْبِجَ أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ ، فَهُوَ لِهِلَالٍ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْألْيَتَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ؛ فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْألْيَتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي ، وَلَهَا شَأْنٌ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ وَيُدْعَى لِلْأَبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَقَضَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا ، أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لمالك ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : أَنَّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ ، أَوْ وَلَدَهَا حُدَّ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ أَيْضًا أَنْ لَا بَيْتَ عَلَيْهَا ، وَلَا قُوتَ ، يَعْنِي لَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَأَمَّا مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هذا ورأى أَنَّ السُّكْنَى لِكُلِّ مُطْلَّقَةٍ وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ ، أَوْ لَمْ تَجِبْ مُخْتَلِعَةً كَانَتْ ، أَوْ مُلَاعَنَةً ، أَوْ مَبْتُوتَةً ، وَلَا نَفَقَةَ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ يَمْلِكُ رَجَعَتْهَا خَاصَّةً ، أَوْ حامل بَعْدَ تَحَمُّلِهَا فَسُقُوطِهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، وَلِلْمَبْتُوتَاتِ وَالْمُخْتَلِعَاتِ كُلِّهِنَّ عِنْدَهُ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى إِيجَابِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مَبْتُوتَةٍ ، وَغَيْرِ مَبْتُوتَةٍ مَعَ السُّكْنَى . وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ أَيْضًا إِلَى أَنْ لَا سُكْنَى ، وَلَا نَفَقَةَ لِمَنْ لَا رَجْعَةَ عَلَيْهَا ، فَلَا سُكْنَى عِنْدَهُمْ لِلْمُلَاعَنَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ ، وَلَا لِغَيْرِهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَيْضًا ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي إِيجَابِ السُّكْنَى ، وَالنَّفَقَةِ لِلْمَبْتُوتَةِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهَا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَنَذْكُرُ وُجُوهَ أَقَاوِيلِهِمْ وَمَعَانِيَهَا هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أُصَيْهِبَ ، فَهُوَ تَصْغِيرُ أَصْهَبَ ، وَالصُّهْبَةُ حُمْرَةٌ فِي الشَّعْرِ ، وَالْأُثَيْبِجُ تَصْغِيرُ أَثْبَجَ وَالْأَثْبَجُ الْعَالِي الظَّهْرِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ أَثْبَجُ نَاتِئُ الثَّبَجِ ، وَثَبَجُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ وَأَعْلَاهُ ، وَرَجُلٌ مُثَبَّجٌ مُضْطَرِبُ الْخَلْقِ فِي طُولٍ وَالْأَحْمَشُ السَّاقَيْنِ دَقِيقُهُمَا ، وَالْأَوْرَقُ الرَّمَادِيُّ اللَّوْنِ ، وَيُقَالُ الْأَوْرَقُ لِلرَّمَادِ أَيْضًا ، وَمِنْهُ قِيلَ : حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ ، وَأَصْلُ الْوَرَقِ سَوَادٌ فِي غَيْرِهِ ، وَالْجُمَالِيُّ الْعَظِيمُ الْخَلْقِ ، يُقَالُ نَاقَةٌ جُمَالِيَّةٌ إِذَا كَانَتْ فِي خَلْقِ الْجَمَلِ ، وَالْخَدَلَّجُ الضَّخْمُ السَّاقَيْنِ ، يُقَالُ : امْرَأَةٌ خَدَلَّجَةٌ إِذَا كَانَتْ ضَخْمَةَ السَّاقِ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُلَاعَنَةَ كَانَتْ فِي حِينِ التَّلَاعُنِ حُبْلَى ، فَلَمَّا نَفَاهُ فِي لِعَانِهِ نَفَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ . وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ لِعُصْبَةِ أُمِّهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : أُمُّهُ عَصَبَتُهُ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أُمُّهُ عَصَبَتُهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَصَبَتُهَا ، وَقَالَ آخَرُونَ : عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ ، قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ تَرِثُهُ أُمُّهُ وَعَصَبَتُهَا . وَالْقَائِلُونَ بِهَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُونَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا عَصَبَةَ لِابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَهُوَ عِنْدَهُمَا كَمُرَّوثٍ لَمْ يُخْلَفْ أَبًا ، وَلَا عَصَبَةً ، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ وَرِثُوا فَرْضَهُمْ وَوَرِثَتْ أُمُّهُ سَهْمَهَا ، وَمَا بَقِيَ فَلِبَيْتِ الْمَالِ . هَذِهِ رِوَايَةُ قَتَادَةَ ، عَنْ جُلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ إِلَّا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ ذَا السَّهْمِ أَحَقُّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَسُفْيَانَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ عَصَبَةَ أُمِّهِ عَصَبَتَهُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ أُمِّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْطَاهَا فَرْضَهَا ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لِعَصَبَتِهَا ابْنًا كَانَ لَهَا ، أَوْ أَخًا لِابْنِهَا ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ عَصَبَتِهَا وَالَّذِينَ جَعَلُوا أُمَّهُ عَصَبَتَهُ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَعَصَبَتُهَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ : عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَابْنَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ . وَبِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مِيرَاثُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ ، وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا . وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا : مَنْ يَرِثُهُمَا ؟ فَقَالَا : تَرِثُ أُمُّهُ حَقَّهَا ، وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَيَرِثُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَوَرِثَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ الْمُسْلِمُونَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ - عِنْدَنَا - وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْقَائِلِينَ بِالرَّدِّ وَتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ضُرُوبٌ مِنَ التَّنَازُعِ فِي تَوْرِيثِ عَصَبَةِ أُمِّ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ مِنْهُ مَعَ الْأُمِّ وَدُونَهَا ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِ ذَلِكَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُلَاعِنَ إِذَا أَقَرَّ بِالْوَلَدِ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ وَوَرِثَهُ ، وَابْنُ الزَّانِيَةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْمُلَاعَنَةِ سَوَاءٌ ، وَكُلٌّ فِيهِ عَلَى أصله الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ ، وَأَجْمَعُوا فِي تَوْأَمَيِ الزَّانِيَةِ أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ عَلَى أَنَّهُمَا لِأُمٍّ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْأَمَيِ الْمُلَاعَنَةِ ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّ تَوَارُثَهُمَا كَتَوَارُثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْمُلَاعِنَ إِذَا اسْتَلْحَقَهُمَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ تَوْأَمَيِ الْمُلَاعَنَةِ كتَوْأَمَيِ الزَّانِيَةِ لَا يَتَوَارَثَانِ إِلَّا عَلَى أَنَّهُمَا لِأُمٍّ ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ فَاسْتَلْحَقَهُ الْمُلَاعِنُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُمَا يَقُولُونَ : إِنْ خَلَفَ وَلَدًا لَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ وَوَرِثَ ، وَإِنْ لَمْ يُخْلِفْ وَلَدًا لَمْ يَرِثْهُ ، وَيُجْلَدُ الْحَدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْلَدُ الْحَدَّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَنَسَبُهُ وَيَرِثُ خَلَّفَ وَلَدًا ، أَوْ لَمْ يُخْلِّفْ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُلَاعِنُ بَعْدَ أَنِ الْتَعَنَ وَقَبْلَ أَنْ تَلْتَعِنَ الْمَرْأَةُ ، فَإِنِ الْتَعَنَتْ بَعْدَهُ لَمْ تَرِثْ ، وَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الِالْتِعَانِ حُدَّتْ وَوَرِثَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَتَوَارَثَانِ أَبَدًا إِذَا الْتَعْنَ الرَّجُلُ وَتَمَّ الْتِعَانُهُ ، لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَدْ زَالَ بِالْتِعَانِهِ ، وَإِنَّمَا الْتِعَانُ الْمَرْأَةِ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنْهَا . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا أَبَدًا حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ؛ فَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وِرِثَهُ الْآخَرُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اعْتِلَالَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَلَوْ تَعَرَّضْنَا لَهَا خَرَجْنَا عَنْ شَرْطِنَا فِي كِتَابِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث