حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ

حَدِيثٌ سَابِعٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . هَذَا حَدِيثٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَيْضًا فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً ، قَالُوا فِيهِ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ جُرَيْجِ ، والليث بْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَيْضًا عَلَيْهِ فِيهِ مِثْلَ رِوَايَةِ نَافِعٍ سَوَاءً حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءً مِثْلَ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ ، قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) ، وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ؛ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، لَمْ يَذْكُرُوا : ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا أَنَّهُ زَادَ ذِكْرَ الْحَامِلِ ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ ؛ قَالُوا : إِنَّمَا أُمِرَ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ بِالْمُرَاجَعَةِ ، لِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا خَطَأً ؛ فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُخْرِجَهَا مِنْ أَسْبَابِ الطَّلَاقِ الْخَطَأِ ، ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا طَلَاقًا صَوَابًا إِنْ شَاءَ طَلَاقَهَا ، وَلَمْ يَرَوْا لِلْحَيْضَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنًى عَلَى ظَاهِرِ مَا رَوَى هَؤُلَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ وَالطُّهْرِ الثَّانِي وُجُوهٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهَا : أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَا تَكَادُ تُعْلَمُ صِحَّتُهَا إِلَّا بِالْوَطْءِ ، لِأَنَّهُ الْمُبْتَغَى مِنَ النِّكَاحِ فِي الْأَغْلَبِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ مَوْضِعًا لِلْوَطْءِ ( الَّذِي ) تُسْتَيْقَنُ بِهِ الْمُرَاجَعَةُ ، فَإِذَا مَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى طَلَاقِهَا فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ لَيْسَ بِمُطَلِّقٍ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : دَعْهَا حَتَّى تَحِيضَ أُخْرَى ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ طَلِّقْ إِنْ شِئْتَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مَنْصُوصًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ ؛ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الَّذِي يَمَسُّ فِي الطُّهْرِ إِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الطَّلَاقِ فِيهِ ، لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَعِدَّةَ حَامِلٍ تَعْتَدُّ أَمْ عِدَّةَ حَائِلٍ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ جَاءَ فِي هَذَا خَبَرٌ كَفَانَا انْتِحَالَ التَّعْلِيلِ وَالنَّظَرِ ؛ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَمِّهِ وَهْبِ بْنِ نَافِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : الطَّلَاقُ الْحَلَالُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، أَوْ يُطَلِّقَهَا حَامِلًا مُسْتَبِينٌ حَمْلُهَا ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْحَرَامُ ، فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا ، أَوْ يُطَلِّقَهَا حِينَ يُجَامِعُهَا ، فَلَا تَدْرِي ، أَيَشْتَمِلُ الرَّحِمُ عَلَى وَلَدٍ أَمْ لَا ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا ، وَقِيلَ : إِنَّ الْمُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ إِنَّمَا أُمِرَ بِالْمُرَاجَعَةِ لِيُسْتَبَاحَ بِالرَّجْعَةِ طَلَاقُ السُّنَّةِ ، فَإِذَا لَمْ يُحَقِّقِ الرَّجْعَةَ بِالْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنًى ، وَقِيلَ : إِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِئَلَّا تَطُولَ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ وَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا لِوُقُوعِ طَلَاقِهِ فَاسِدًا ، ثُمَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاحَ لَهُ طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْحَيْضَةَ ، لِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْقَطِعَ حُكْمُ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ تَبِنْ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ أُدِّبَ بِأَنْ مُنِعَ الطَّلَاقَ فِي وَقْتٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَهُ فِيهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الطُّهْرَ الثَّانِيَ جُعِلَ لِلْإِصْلَاحِ الَّذِي ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا

لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَجِعِ أَنْ لَا يَرْتَجِعَ رَجْعَةَ ضَرَرٍ لِقَوْلِهِ :

وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا

قَالُوا : فَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ جُعِلَ لِلْإِصْلَاحِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ، ثُمَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَلِّقَ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِأَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُطَلِّقَهَا فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ إِلَى أَجَلٍ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَطَأَ ؛ ( هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ ) ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وَاعْتِلَالَاتٌ لِلْمُخَالِفِينَ يطول ذِكْرُهَا . وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ وَالسُّنَّةُ يَكُونُ ثَلَاثًا مُفْتَرِقَاتٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالُوا : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ تَطْلِيقَتَيْنِ حَيْضَةٌ لِقَوْلِهِ : ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ الطَّلَاقِ لِلسُّنَّةِ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَرِهَ لَهُ ذَلِكَ الطَّلَاقَ ، لِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي الْحَيْضِ فَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا مِنْ ذَلِكَ ، وَالْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ مُطَلِّقٌ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :

إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

وَقُرِئَ ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ ) ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ ابْنُ عُمَرَ ، وَغَيْرُهُ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا لِعِدَّتِهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ ، وَالْقُرْآنُ وَرَدَ بِإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ ، وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ نِسَائِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ . وَفِيهِ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ مَكْرُوهٌ وَفَاعِلُهُ عَاصٍ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - تَغَيُّظُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرُ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ؛ فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ . وَفِيهِ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْقَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ قَدْ فَعَلَ مَا كُرِهَ لَهُ ؛ إِذْ تَرَكَ وَجْهَ الطَّلَاقِ وَسُنَّتَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَازِمٌ فِي الْحَيْضِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ بِمُرَاجَعَةِ امْرَأَتِهِ إِذْ طَلَّقَهَا حَائِضًا ، وَالْمُرَاجَعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ لُزُومِ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ وَاقِعًا ، وَلَا لَازِمًا مَا قَالَ لَهُ : رَاجِعْهَا ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا طَلَاقٌ لَا يُقَالُ فِيهِ رَاجِعْهَا ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ امْرَأَتُهُ فِي عِصْمَتِهِ لَمْ يُفَارِقْهَا رَاجِعْهَا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْمُطَلَّقَاتِ :

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ

وَلَمْ يَقُلْ هَذَا فِي الزَّوْجَاتِ اللَّاتِي لَمْ يَلْحَقْهُنَّ الطَّلَاقُ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ غَيْرُ سُنَّةٍ ، فَهُوَ لَازِمٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَلَا مُخَالِفَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالْجَهْلِ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ غَيْرُ وَاقِعٍ ، وَلَا لَازِمٍ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ شُذُوذٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْأَثَرِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ الْقَضِيَّةُ احْتَسَبَ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ وَأَفْتَى بِذَلِكَ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِقِصَّةِ نَفْسِهِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ سُنَّتِهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ زَوَالُ عِصْمَةٍ فِيهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ؛ فَكَيْفَمَا أَوْقَعَهُ وَقَعَ ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ لِسُنَّةٍ هُدِيَ ، وَلَمْ يَأْثَمْ ، وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَثِمَ ، وَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَلْزَمَ الْمُطِيعَ ، وَلَا يَلْزَمَ الْعَاصِي ، وَلَوْ لَزِمَ الْمُطِيعَ الْمُوقِعَ لَهُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْعَاصِيَ لَكَانَ الْعَاصِي أَخَفَّ حَالًا مِنَ الْمُطِيعِ ، وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَازِمٌ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ

يُرِيدُ أَنَّهُ عَصَى رَبَّهُ وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ ، وَحَسْبُكَ بِابْنِ عُمَرَ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو الْأَحْوَصِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ وَسَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي غَلَّابٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَقَالَ : تَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ؛ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، قُلْتُ : أَتَحْتَسِبُ بِهَا ، قَالَ : فَمَهْ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ؟ وَمُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو غَلَّابٍ هَذَا هُوَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ : قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، قُلْتُ : رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَقَالَ : تَعْرِفُ ابْنَ عُمَرَ ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ؛ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، قُلْتُ : فَتَعْتَدُّ بتلك الطَّلْقَةَ ؟ قَالَ : فَمَهْ ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ؟ هَكَذَا قَالَ مُسَدَّدٌ : عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، لَمْ يَذْكُرْ سَلَمَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، قَالَ : قُلْتُ : رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَقَالَ : تَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ؛ فَأَتَى عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُطْلِّقْهَا فِي قَبْلِ عِدَّتِهَا ، قَالَ : قُلْتُ : فَتَعْتَدُّ بِهَا ؟ قَالَ : فَمَهْ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ؟ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ، وَهِيَ حَائِضٌ ؛ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : أَتُعْتَدُّ بتلك الطَّلْقَةُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ مَنِ ابْنِ عُمَرَ ، ولم يسمعه مِنْهُ ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِجَازَةً ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : لِيُرَاجِعْهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا ، قَالَ : قُلْتُ : أَفَتَحْتِسَبُ بِهَا ؟ قَالَ : فَمَهْ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا : فَمَهْ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ ، أَوِ اسْتَحْمَقَ ؟ أَيْ ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ إِذَا لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا إِنْكَارًا مِنْهُ لِقَوْلِ أَنَسٍ أَفَتَعْتَدُّ بِهَا ؟ فَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ : وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ عَجَزَ ؟ بِمَعْنَى تَعَاجَزَ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ ، فَلَمْ يُقِمْهُ ، أَوِ اسْتَحْمَقَ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَكَانَ يُعْذَرُ فِيهِ ؟ وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَعْنَى ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَدِ اعْتَدَّ بِهَا وَرَآهَا لَازِمَةً لَهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي الْحَيْضِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ فِي الْحَيْضِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لَكَانَتِ الثَّلَاثُ أَيْضًا لَا يُعْتَدُّ بِهَا ، وَهَذَا مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ ذِي فَهْمٍ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَخَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ؛ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ عنده حيضة أُخْرَى ، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْلِّقَهَا فَلْيُطْلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ : إِذَا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ ، وَهِيَ حَائِضٌ مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَذَا ، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى نَافِعٍ يَسْأَلُونَهُ هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ، وَهِيَ حَائِضٌ ؛ فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَقُلْتُ لِنَافِعٍ : مَا فَعَلَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ ؟ قَالَ : اعْتَدَّ بِهَا . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تُوَضِّحُ لَكَ مَا قُلْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا طَلْقَةٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالْمُرَاجَعَةِ إِلَّا لِمَنْ لَزِمَتْهُ الطَّلْقَةُ ، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ لَقَالَ : دَعْهُ ، فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا خَبَرٌ ظَاهِرُهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ، قَالَ : كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ؟ قَالَ : طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَرَدُّوهَا عَلَيَّ ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ، قَالَ : وَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ ، أَوْ لِيُمْسِكْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَرَأَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ . رَوَى أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مُنْكَرٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِهَا ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ جِلَّةٌ ، فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْلُهُ ، فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ؟ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ - عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَلَمْ يَرَهَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، أَيْ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مُسْتَقِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقُهُ لَهَا عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، هَذَا أَوْلَى الْمَعَانِي بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ إِنْ صَحَّتْ ، وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ مِنَ الْحُفَّاظِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ ، وَلَيْسَ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ الْحُفَّاظَ بِشَيْءٍ فِيمَا جَاءَ بِهِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَا يَقَعُ ، وَأَنَّ الْمُطَلِّقَ لَا يَعْتَدُّ التَّطْلِيقَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا مِنَ الشَّعْبِيِّ إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يَعْتَدُّ بتلك الْحَيْضَةَ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَمْ يُرِدْ لَا يَعْتَدُّ التَّطْلِيقَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ مَنْصُوصًا ؛ رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ : يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ، وَلَا يَعْتَدُّ بتلك الْحَيْضَةَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُطْلِّقُ فِي الْحَيْضِ بِالْمُرَاجَعَةِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : عُوقِبَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ تَعَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ ، وَلَمْ يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ ؛ فَعُوقِبَ بِإِمْسَاكِ مَنْ لَمْ يُرِدْ إِمْسَاكَهُ حَتَّى يُطَلِّقَ كَمَا أُمِرَ لِلْعِدَّةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ قَطْعًا لِلضَّرَرِ فِي التَّطْوِيلِ عَلَيْهَا ، لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ فَقَدْ طَلَّقَهَا فِي وَقْتٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ قُرْئِهَا الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ فَتَطُولُ عِدَّتُهَا ؛ فَنُهِيَ عَنْ أَنْ يُطَوِّلَ عَلَيْهَا وَأُمِرَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا إِلَّا عِنْدَ اسْتِقْبَالِ عَدَّتِهَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُطَلِّقِ زَوْجَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى رَجَعَتِهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : يُجْبَرُ عَلَى مُرَاجَعَتِهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي دَمِ النِّفَاسِ ، وَهُوَ أَوْلَى لِمَا يَقْتَضِيهِ الْأَمْرُ مِنْ وُجُوبِ الِائْتِمَارِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَأْمُورِ مَا أُمِرَ بِهِ حَتَّى يُخْرِجَهُ ، عَنْ جَبْرِ الْوُجُوبِ دَلِيلٌ ، وَلَا دَلِيلَ هَاهُنَا عَلَى ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : كُلُّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أُجْبِرَ عَلَى رَجَعَتِهَا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجَعَتِهَا ، وَهَذَا إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، أَوِ اثْنَتَيْنِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَجُوزُ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَطْهُرَ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي دَمِ حَيْضٍ ، أَوْ دَمِ نِفَاسٍ طَلْقَةً ، أَوْ طَلْقَتَيْنِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ أَبَدًا مَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَسَوَاءً أَدْرَكَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا ، أَوِ الطُّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ ، أَوِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ، أَوِ الطُّهْرِ بَعْدَهَا إِذَا كَانَ طَلَاقُهُ فِي الْحَيْضِ يُجْبِرُ عَلَى رَجَعَتِهَا أَبَدًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ . هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا لَمْ تَطْهُرْ ( وَحَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ) ، فَإِذَا صَارَتْ فِي الْحَالِ الَّتِي أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَاقَهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَعْنِي مَالِكًا ، وَأَصْحَابَهُ أَنَّ الْمُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ إِذَا أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَقُضِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ شَاءَ طَلَاقَهَا أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا فِي ذَلِكَ الْحَيْضِ وَلَكِنْ يُمْهِلُ حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ حِينَئِذٍ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يُطَلِّقُهَا بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ الَّذِي ارْتَجَعَهَا فِيهِ بِالْقَضَاءِ ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ ، وَلَا يُؤْمَرُ هَاهُنَا ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا ، عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ : يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي ، قَالَ : كَيْفَ أُجْبِرُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي مَوْضِعٍ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِيهِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِذَا أَجْبَرْتُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ فَطَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ لَمْ أَمْنَعْهُ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ؛ فَيُطَلِّقُ قَبْلَ الْمَسِيسِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ سَبِيلِ السُّنَّةِ ، وَطَلَاقُ السُّنَّةِ هُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِلْعِدَّةِ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ طَاهِرٌ طُهْرًا لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ( بَعْدَ أَنْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا ) طَلْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَوْ رَاجَعَهَا مُرَاجَعَةَ رَغْبَةٍ أَنَّهُ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ ، وَأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، أَوْ أَرْدَفَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مِنَ الْأَطْهَارِ الَّتِي يُعْتَدُّ بِهَا فِي عِدَّتِهَا تَطْلِيقَةً بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ؛ هَلْ هُوَ بِهَذَيْنَ الْفِعْلَيْنِ ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْهُ ، ثُمَّ يَمَسُّهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَذَلِكَ بِظُهُورِ أَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْحُرَّةِ ، أَوِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْأَمَةِ ؛ فَيَتِمُّ لِلْحُرَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ وَلِلْأَمَةِ قُرْآنِ ، وَالْقُرْءُ الطُّهْرُ الْمُتَّصِلُ بِالدَّمِ عِنْدَهُمْ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً ، أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُجْتَمِعَاتٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ فَقَدْ لَزِمَهُ ، وَلَيْسَ بِمُطَلِّقٍ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا فِي خِلَالِ ذَلِكَ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَانِيَةً ، فَلَا يَسَعُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يطول الْعِدَّةُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ فِي تَفْسِيرِ قِرَاءَةِ ابْنِ عُمَرَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) ، قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ طُهْرٍ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الموطأ غير يَحْيَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ : إِجْمَاعٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ طَلَاقُ السُّنَّةِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ لِلْعِدَّةِ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ ، وَهُوَ لَا يُوَافِقُ غَيْرَهُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ : وَيُعَضِّدُ قَوْلَهُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْمُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً تَقَعُ بَعْضُ طَلَاقِهِ بِغَيْرِ عِدَّةٍ كَامِلَةٍ ، بَلْ يَقَعُ طَلَاقُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِ عِدَّةٍ كَامِلَةٍ ، لِأَنَّ كُلَّ طَلْقَةٍ إِنَّمَا تَكُونُ بإزائها حيضة وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ شَأْنُ الطَّلَاقِ أَنْ يُعْتَدَّ مِنْهُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِكُلِّ طَلْقَةٍ ، وَأَنْ تُسْتَقْبَلَ الْعِدَّةُ بِالطَّلَاقِ لِقَوْلِهِ :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

أَوْ ( لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) ، وَكُلُّ طَلَاقٍ يُوجِبُ الْعِدَّةَ الْكَامِلَةَ ، فَهُوَ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخِطَابِ ، فَإِنْ جَعَلْتَ الثَّلَاثَةَ قُرُوءٍ لِلطَّلْقَةِ الْأُولَى كَانَتِ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بِغَيْرِ أَقْرَاءٍ تَعْتَدُّ بِهَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلْقَةَ الثَّانِيَةَ بِقُرْءَيْنِ وَالطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ الْعِدَّةِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً وَيَدَعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ كَانَ أَيْضًا مُطَلِّقًا لِلسُّنَّةِ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ طَلَّقَهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ وَطَلَّقَهَا ثَالِثَةً حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَتَبْقَى عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِدَّتِهَا حَيْضَةٌ ، لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ عِنْدَهُمُ الْحِيَضُ ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا عِنْدَهُمْ ، فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ : لَيْسَ هَذَا بِمُطَلِّقٍ لِلسُّنَّةِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمُ الْمُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ إِلَّا مَنْ طَلَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَكَيْنَا ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ حَاشَا أَشْهَبَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : لَيْسَ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ ، وَلَا بِدْعَةٌ ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِلسُّنَّةِ أَمْهَلَهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا كَمَا شَاءَ إِنْ شَاءَ وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ ، فَهُوَ مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَيْسَ فِي طَلَاقِهَا سُنَّةٌ ، وَلَا بِدْعَةٌ ، وَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَمُرَادَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ هُوَ طَلَاقُ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنَ النِّسَاءِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ ، وَلَا سُنَّةَ ، وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا

الْآيَةَ . وَيُطَلِّقُ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا زَوُجُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مَتَى شَاءَ مِنَ الطَّلَاقِ وَاحِدَةً وَأَكْثَرَ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثًا لَزِمَهُ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ عَاصٍ فِي فِعْلِهِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُطَلِّقُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا حَائِضًا . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ لِلسُّنَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً ، وَلَا تَكُونُ الثَّلَاثُ الْمُجْتَمِعَاتُ لِلسُّنَّةِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

الطَّلاقُ مَرَّتَانِ

ثُمَّ قَالَ :

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ

وَمَرَّتَانِ لَا تَكُونَانِ إِلَّا فِي وَقْتَيْنِ ، وَالثَّلَاثُ فِي ثَلَاثِ أَوْقَاتٍ . وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

إِلَى قَوْلِهِ :

لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، وَالْأَمْرُ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمُرَاجَعَةُ ، وَمِنَ الْأَثَرِ مَا قَرَأْتُهُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : طَلَاقُ الْعِدَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، وَهِيَ طَاهِرٌ ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَوْ يُرَاجِعَهَا إِنْ شَاءَتْ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُطَلِّقُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَأْيِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا مَعَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ :

لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

وَهِيَ الرَّجْعَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهَا مَعَ الثَّلَاثِ ؛ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ السُّنَّةَ ، وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ الثَّلَاثَ إِذَا وَقَعَتْ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ ، فَهُوَ أَيْضًا طَلَاقُ السُّنَّةِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِنْدَ ذِكْرِ مَا أَبَاحَهُ مِنْ طَلَاقِ النِّسَاءِ لِلْعِدَّةِ :

إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

وَقُرِئَ : لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ ، أَيْ لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ . وَإِذَا طُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ فَهِيَ مُسْتَقْبِلَةٌ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ ، وَسَوَاءً طُلِّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لَا يَمْنَعُهَا إِيقَاعُ أَكَثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ أَكَثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ

وَهَذَا فِيمَنْ قِيلَ فِيهِنَّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

ثُمَّ قَالَ :

وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ

وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَبْتُوتَاتِ ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمَبْتُوتَةِ مِمَّنْ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا حَامِلًا ، وَغَيْرَ حَامِلٍ ؛ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ :

لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

رَاجِعٌ إِلَى بَعْضِ مَا انْتَظَمَهُ الْكَلَامُ ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ :

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

قَدْ عَمَّ الْمُطَلَّقَاتِ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَقَوْلُهُ فِي نَسَقِ الْآيَةِ :

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ

رَاجِعٌ إِلَى مَنْ لَمْ يُبْلَغْ بِطَلَاقِهَا الثَّلَاثُ ، وَفِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ إِيقَاعِ مَا شَاءَ الْمُطَلِّقُ مِنَ الطَّلَاقِ . وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَشْهَدُ بِهَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقَرَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَلَمْ يَحْظُرْ طَلَاقًا مِنْ طَلَاقٍ ، وَلَا عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ فِي الطَّلَاقِ قَالُوا : فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ كَمْ شَاءَ إِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا طَلَّقَهَا كَمْ شَاءَ ، وَمَتَى شَاءَ طَاهِرًا وَحَائِضًا ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ألْبَتَّةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَرَدْتُ بِهَا ؟ فَلَوْ أَرَادَ ثَلَاثًا لَكَانَتْ ثَلَاثًا ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَإِنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ ، عَنْ فَاطِمَةَ وَشُعْبَةَ وَسُفْيَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، ( وَمَنْصُورٍ ، عَنْ تَمِيمٍ مَوْلَى فَاطِمَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ) ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ زَوْجِ فَاطِمَةَ ، كُلُّهُمْ قَالُوا : طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ ( ثَلَاثًا ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ طَلَّقَهَا ألْبَتَّةَ . قَالُوا : فَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ ) ابْنَةِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالُوا : وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ مَنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ وَاحِدَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ ثَلَاثًا وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ ، وَلَا بِدْعَةٌ ، وَهُوَ مُبَاحٌ قَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ عَارَضَ أَصْحَابُنَا احْتِجَاجَهُمْ هَذَا ؛ فَقَالُوا : أَمَّا حَدِيثُ الْعَجْلَانِيِّ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ طَلَّقَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ طَلَاقٍ ؛ فَاسْتَغْنَى عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ سَمَوْأَلٍ ، فَقَالُوا : مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُفْتَرِقَاتٍ فِي أَوْقَاتٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ ؛ فَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو سَلَمَةَ عَنْهَا : بَعَثَ إِلَيَّ زَوْجِي بِتَطْلِيقِي الثَّالِثَةَ . هَذَا مَعْنَى مَا رَدُّوا بِهِ عَلَى مَنِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا أَنَّ سُفْيَانَ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ ، فَلَمْ يَقُلْ وَاحِدَةً ، وَلَا ثَلَاثًا . حَدَّثَنَاه عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ فِيهِ : أَوْ يُرَاجِعُهَا إِنْ شَاءَ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ طَلَاقٌ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، ( وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ سَمَوْأَلٍ فِي طَلَاقِهِ لِزَوْجَتِهِ ألْبَتَّةَ فَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ ابْنَةُ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَأَمَرَهَا فَاعْتَدَّتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أُمِّ كُلْثُومٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ ألْبَتَّةَ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ الْمُزَنِيَّةَ ألْبَتَّةَ ، وَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَطَلَّقَهَا ثَانِيَةً زَمَنَ عُمَرَ وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَنَذْكُرُ هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ألْبَتَّةَ بِمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ بِعَوْنِ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ يَعْنِي فِي ألْبَتَّةَ ، قَالَ : لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ ، وَلَيْسَ فِيمَا احْتَجُّوا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ طَلَاقِ الثَّلَاثِ ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ :

لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

يَعْنِي الْمُرَاجَعَةَ ، وَبِقَوْلِهِ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ثُمَّ إِنْ طَلَّقَهَا ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ الثَّالِثَةَ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، فَهَذَا حُكْمُ طَلَاقِ الْحَائِلِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِلسُّنَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الْحَامِلُ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ طَلَاقَهَا لِلسُّنَّةِ مِنْ أَوَّلِ الْحَمْلِ إِلَى آخِرِهِ ، لِأَنَّ عِدَّتَهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا ، وَلَمْ يَخُصَّ أَوَّلَ الْحَمْلِ مِنْ آخِرِهِ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلًى لِطَلْحَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ طَلَاقُ مَنْ لَمْ يَسْتَبِنْ حَمْلَهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، فَإِذَا اسْتَبَانَ حَمْلَهَا طَلَّقَهَا مَتَى شَاءَ عَلَى عُمُومِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ عِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ ؛ فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا هَلْ تَنْقَضِي بِذَلِكَ عِدَّتُهَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ جَمِيعَ حَمْلِهَا ، وَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا وَبَقِيَ في بطنها آخَرُ فَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ إِذَا لَمْ يَبُتَّ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ الثَّانِيَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ خِلَافُ ذَلِكَ أَنَّ زَوْجَهَا أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَضَعِ الْآخَرَ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ النَّاسُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ ؛ فَبَانَ بِإِجْمَاعِهِمْ هَذَا خَطَأُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِهِمَا . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : إِذَا وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، قِيلَ لَهُ : فَتُزَوَّجُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ قَتَادَةُ خَصْمُ الْعَبْدِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ قَالَ : هُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَضَعِ الْآخَرَ وَتَلَا :

وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ

وَذَكَرَ الْمُعَلَّى ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، ( عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَا : إِذَا طَلَّقَهَا وَفِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ) ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ، قَالُوا : هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَضَعِ الْآخَرَ ، وَهَذَا هُوَ الصواب لظاهر قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ

وَمَنْ بَقِيَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَلَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا ، فَلَا يَزُولُ مَالُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَا يَقِينَ إِلَّا بِوَضْعِ جَمِيعِ الْحَمْلِ ، وَمَا وَضَعَتْهُ الْحَامِلُ مِنْ مُضْغَةٍ ، أَوْ عَلَقَةٍ فَقَدْ حَلَّتْ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَضْعِ مَا يُتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَغَيْرِهِ وَطَلَاقُ السُّنَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْحَامِلِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ وَالْيَائِسَةِ مِنَ الْمَحِيضِ أَنْ يُطَلَّقْنَ وَاحِدَةً مَتَى شَاءَ ، وَتَحِلُّ الْحَامِلُ بِآخِرِ وَلَدٍ في بطنها ، وَالصَّغِيرَةُ وَالْيَائِسَةُ بِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَمَنْ كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ كَالْيَائِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ؛ فَطُلِّقَتْ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ لَمْ تَعْتَدَّ بِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فَتَعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُمْ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ عِدَّتُهَا ، فَإِنْ طُلِّقَتِ الصَّغِيرَةُ ، أَوِ الْيَائِسَةُ عِنْدَ اسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ اعْتَدَّتْ بِالْأَهِلَّةِ ، تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ الْهِلَالُ أَوْ ثَلَاثِينَ ، وَإِنْ طُلِّقَتْ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ أَتَمَّتْ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ وَاعْتَدَّتْ بِالْأَهِلَّةِ الشَّهْرَيْنِ وَتَبْنِي عَلَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ تَمَامَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا لِلسُّنَّةِ مَتَى شَاءَ وَعِدَّتُهَا سَنَةٌ إِلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتُقِيمَ إِلَى زَوَالِ الرِّيبَةِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ لَا تُمَيِّزُ دَمَ حَيْضَتِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا ، فَإِنْ مَيَّزَتْهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا زَوْجُهَا لِلسُّنَّةِ إِلَّا فِي طُهْرِهَا الْمَعْرُوفِ وَتَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا إِذَا كَانَ دَمُ حَيْضَتِهَا بَعْدَهُ مَعْرُوفًا ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يُبْرِئُهَا إِلَّا السُّنَّةُ أَبَدًا مَيَّزَتْ دَمَهَا ، أَوْ لَمْ تُمَيِّزْهُ ، لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ رِيبَةٌ ، وَهَذَا أَشْهَرُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِذَا كَانَتْ مُتَشَبِّهَةَ الدَّمِ لَا تَدْرِي دَمَ حَيْضَتِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا ، وَكَانَ حَيْضُهَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءً ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِقَدْرِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا ، وَأَمَّا إِذَا مَيَّزَتْ ، فَهُوَ قُرْؤُهَا لِعِدَّتِهَا وَصلَاتِهَا ، وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ تَطُولُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أُصُولِهِ مَا يُشْرِفُ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ ، وَسَنَذْكُرُ مَسَائِلَ الْحَيْضِ ، وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهَا فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ثُمَّ تَطْهُرُ ، ( ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ) ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . فَفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْأَطْهَارُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ الْمُطَلَّقَاتِ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَقَالَ : إِنَّ الطَّلَاقَ فِي الطُّهُورِ هُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ لِلْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

أَوْ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ عُلِمَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْأَطْهَارُ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا ، وَلَيْسَ لِلطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِلْعِدَّةِ ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اشْتِبَاهٍ وَإِشْكَالٍ ، لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُسَمَّى قُرْءًا وَالطُّهْرُ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُسَمَّى قُرْءًا ، وَأَصْلُ الْقُرْءِ فِي اللُّغَةِ الْوَقْتُ وَالطُّهُورُ وَالْجَمْعُ وَالْحَمْلُ أَيْضًا ؛ فَقَدْ يَكُونُ لْقُرْءُ وَقْتَ جَمْعِ الشَّيْءِ ، وَقَدْ يَكُونُ وَقْتَ طُهُورِهِ وَوَقْتَ حَبْسِهِ وَالْحَمْلِ بِهِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ : الْقُرُوءُ الْأَوْقَاتُ الْوَاحِدُ قُرْءٌ ، وَهُوَ الْوَقْتُ ، ( قَالَ ) : وَقَدْ يَكُونُ حَيْضًا وَيَكُونُ طُهْرًا ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : أَقَرَأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا دَنَا حَيْضُهَا وَأَقْرَأَتْ إِذَا اسْتَقَرَّ الْمَاءُ فِي رَحِمِهَا وَقَعَدَتِ الْمَرْأَةُ أَيَّامَ إِقْرَائِهَا ، أَيْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا . وَقَالَ قُطْرُبٌ : تَقُولُ الْعَرَبُ : مَا أَقَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًا قَطُّ ، أَيْ لَمْ تَرْمِ بِهِ ، وَقَالُوا : قَرَأَتِ النَّاقَةُ أَقْرُءًا وَذَلِكَ مُعَاوَدَةُ الْفَحْلِ إِيَّاهَا أَوَانَ كُلِّ ضِرَابٍ ، وَقَالُوا أَيْضًا : قَرَأَتِ الْمَرْأَةُ قُرْءًا إِذَا حَاضَتْ ، أَوْ طَهُرَتْ وَقَرَأَتْ أَيْضًا إِذَا حَمَلَتْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي الْأَقْرَاءِ شَوَاهِدُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ ، فَمِنْهَا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ :

ذارعَيْ عَيْظلٍ إذا ما بِكْرٍ

هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا

، وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ :

أَرَاهَا غُلَامَاهَا الْحِمَى فَتَشَذَّرَتْ

مِرَاحًا وَلَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا وَلَا دَمًا

أَيْ لَمْ تَجْتَمِعْ ، وَلَمْ تَضُمَّ فِي رَحِمِهَا جَنِينًا فِي وَقْتِ الْجَمْعِ ، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ :

كَرِهْتُ الْعُقْرَ عُقْرَ بَنِي شَلِيلٍ

إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ

أَيْ لِوَقْتِهَا ( وَالْعُقْرُ هَاهُنَا مَوْقِفُ الْإِبِلِ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ ) . وَقَالَ الْأَعْشَى فَجَعَلَ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارَ :

أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ

تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عُرَائِكَا

مُوَرِّثَةٌ مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ

لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

فَالْقُرُوءُ فِي هَذَا الْبَيْتِ : الْأَطْهَارُ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ لَمْ يَقْرَبْ نِسَاءَهُ أَيَّامَ قُرُوئِهِنَّ ، أَيْ أَطْهَارِهِنَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ فِي بَيْتِ الْأَعْشَى الْأَطْهَارُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ بَيِّنًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - قَوْلُ الْأَخْطَلِ :

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ

دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ

، وَقَالَ آخَرُ فَجَعَلَ الْقُرْءَ الْحَيْضَ :

يَا رُبَّ ذِي ضَبٍّ عَلَى فَارِضِ

لَهُ قُرْءٌ كَقُرْءِ الْحَائِضِ

قَالُوا : الْقُرْءُ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْحَيْضُ يُرِيدُ أَنَّ عَدَاوَتَهُ تَهِيجُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ كَمَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

هِيَ الْحِيَضُ ، وَهِيَ الْأَطْهَارُ أَيْضًا وَاحِدُهَا قُرْءٌ وَتُجْمَعُ أَقْرَاءٌ ، ( قَالَ ) : وَإِنَّمَا جَعَلَ الْحَيْضَ قُرْءًا وَالطُّهْرَ قُرْءًا ، لِأَنَّ أَصْلَ الْقُرْءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : رَجَعَ فُلَانٌ لِقُرُوئِهِ وَلِقَارِئِهِ ، أَيْ : لِوَقْتِهِ ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ الْهُذَلِيِّ الْمَذْكُورَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا أَصْلُ الْقُرْءِ فِي اللُّغَةِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُرَادِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ قَوْلِهِ :

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ هَاهُنَا وَاسْتَدَلُّوا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

قَالُوا : وَالْمُطَلِّقُ فِي الطُّهْرِ إِذَا مَضَى بَعْضُهُ وَاعْتَدَّتْ بِهِ امْرَأَتُهُ ، فَلَمْ تَعْتَدَّ ، وَلَمْ تَتَرَبَّصْ ثَلَاثَةَ قُرُءٍ ، وَإِنَّمَا تَرَبَّصَتْ قُرْءَيْنِ ، وَبَعْضَ الثَّالِثِ إِذَا كَانَتِ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارَ ، قَالُوا : وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً وَفَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

فَلَا تَكُونُ إِلَّا ثَلَاثَةً كَامِلَةً عِنْدَهُمْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ :

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ

وَإِنَّمَا هِيَ أشَهْرَ أنِ ، وَبَعْضُ الثَّالِثِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَقَالُوا : ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْءِ ثَلَاثَةً عَدَدًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَدَدًا ، وَمَا ذُكِرَ فِيهِ عَدَدٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِكْمَالِ ذَلِكَ الْعَدَدِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ : اتْرُكِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ، أَيْ أَيَّامَ حَيْضِكِ . وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْمُنْدرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ ، حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ ، فَلَا تُصَلِّي ، وَإِذَا مَرَّ الْقُرْءُ فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَةٌ وَبِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَذِهِ جُمْلَتُهَا ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ عَنْهُ ، خِلَافَ مَا حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ ، قَالَ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ غَيْرِ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ، إِنْ طَلَّقَهَا حَائِضًا ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ ، حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخِرَقِيُّ ، فِي مُخْتَصَرِهِ ، عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَقَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَقْرَاءُ الَّتِي عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَرَادَهَا بِقَوْلِهِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ :

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

هِيَ الْأَطْهَارُ مَا بَيْنَ الْحَيْضَةِ وَالْحَيْضَةِ قُرْءٌ ، قَالُوا : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ الرَّحِمِ الدَّمَ لَا طُهُورَهُ ، وَمِنْهُ قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ ، أَيْ جَمَعْتُهُ وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ أَيْ ضَمَمْتُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ بِلِسَانِكَ ، قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَطْهَارَ هِيَ الْأَقْرَاءُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ الْمُطَلَّقَةَ أَنْ تَتَرَبَّصَهَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَ . وَقَوْلُهُ : فِي الْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ فَبَيَّنَ مُرَادَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ قَوْلِهِ :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

أَوْ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ ، وَهُوَ الْمُبِيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَسَنَزِيدُ هَذَا الْوَجْهَ حُجَّةً وَبَيَانًا فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِذْ أَتَيْنَا عَلَى نَقْضِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ الْأُوَلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ؛ فَالْمُطَلَّقَةُ عِنْدَهُمْ تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ وَتَخْرُجُ مِنْ عِدَّتِهَا بِدُخُولِهَا فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَسَوَاءٌ بَقِيَ مِنَ الطُّهْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ الْمَرْأَةُ يَوْمٌ وَاحِدٌ أَوْ أَقَلُّ ، أَوْ أَكَثَرُ ، أَوْ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِنَّهَا تَحْتَسِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ قُرْءًا ، لِأَنَّ الْمُبْتَغَى مِنَ الطُّهْرِ دُخُولُ الدَّمِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الَّذِي يُنْبِئُ ، عَنْ سَلَامَةِ الرَّحِمِ وَلَيْسَتِ اسْتِدَامَةُ الطُّهْرِ بِشَيْءٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ إِلَّا الزُّهْرِيَّ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فِي بَعْضِ طُهْرِهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ سِوَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الطُّهْرِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ : لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ ، وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَذِنَ فِي طَلَاقِ الطَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَلَمْ يَقُلْ أَوَّلَ الطُّهْرِ ، وَلَا آخِرَهُ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : رَأَيْتُ حَدِيثَ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا الْأَعْمَشُ ، وَمَنْصُورٌ وَالْحَكَمُ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَلِيٍّ وَلَيْسَ هُوَ - عِنْدِي - سَمَاعٌ أَرْسَلَهُ سَعِيدٌ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي مُوسَى ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا مُرْسَلَةٌ ، قَالَ : وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قَالَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَسَانِيدُهَا صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ ، قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ بَعْدَ أَحْمَدَ إِلَى هَذَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاخْتِلَافُ الَّذِي حَكَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ الْأَعْمَشَ يَرْوِيهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا : هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلًا ، عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ كَمَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ الْحَكَمُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ ، قَالَا : هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الثَّالِثَةِ ، فَهَذَا هُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي عَنَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمَنْ خَالَفَنَا يَقُولُ : إِنَّ مَرَاسِيلَ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ صِحَاحٌ كُلُّهَا ، وَمَا أُرْسِلَ مِنْهَا أَقْوَى مِنَ الَّذِي أُسْنِدَ ، حَكَى هَذَا الْقَوْلَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الدِّيوَانِ مَا يَشْفِي فِي هَذَا الْمَعْنَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : لَهُ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ . وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ، فَإِنَّمَا يَرْوِيهِ الْحَسَنُ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيْضًا ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ ، عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَرَاسِيلِ مَكْحُولٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ ، عَنِ الصَّحَابَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ ؛ فَأَسَانِيدُهَا صِحَاحٌ رَوَى حَدِيثَ عَائِشَةَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ . وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَلَا تَرِثُهُ ، وَلَا يَرِثُهَا . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَلَا تَرِثُهُ ، وَلَا يَرِثُهَا ، وَابْنُ عُمَرَ رَوَى الْحَدِيثَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ، وَلَهُ عَرَضْتُ الْقِصَّةَ إِذْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا ، وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَائِشَةُ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَمَعَهُ دَلِيلُ حَدِيثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَهُوَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ ، عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رَوَى الْمُخَالِفُونَ عَنْهُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : إِذَا حَاضَتِ الثَّالِثَةَ ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ ثَوْرَ بْنَ زَيْدٍ الْكِنَانِيَّ ، حَدَّثَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِذَا حَاضَتِ الْمُطَلَّقَةُ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَطْهُرَ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَوْلُهُ : إِلَّا أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَطْهُرَ ، ضَعِيفَةٌ فِي النَّظَرِ ، فَإِنْ صَحَّتِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْبَابًا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ لَا يَعْقِدَ عَلَى الْحَائِضِ أَحَدٌ خَوْفَ أَنْ تَدْعُوَهُ الشَّهْوَةُ إِلَى الْوَطْءِ فِي حَيْضِهَا ، وَهِيَ - عِنْدِي - زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ ، وَحَسْبُهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ : فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْعِدَّةِ ، فَالنِّكَاحُ لَهَا مُبَاحٌ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا . وَأَمَّا حُجَّةُ مَنِ احْتَجَّ بِأَنَّ ( اللَّهَ ) قَالَ :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ :

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ

فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ شَهْرَيْنِ ، وَبَعْضَ الثَّالِثِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ ، فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَ : لِأَنَّ الْمُبْتَغَى مِنَ الْأَقْرَاءِ مَا يَبْرَأُ بِهِ الرَّحِمُ ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الدَّمِ ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ هُوَ الْمُبْتَغَى وَالْمُرَاعَى ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ كَامِلَةٍ بِدُخُولِهَا فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الطُّهْرَ مُذَكَّرٌ ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

لِإِدْخَالِهِ الْهَاءَ فِي ثَلَاثَةَ ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إِلَّا فِي الْعَدَدِ الْمُذَكَّرِ ، وَالْحَيْضَةُ مُؤَنَّثَةٌ فَلَوْ أَرَادَهَا لَقَالَ : ثَلَاثَ قُرُوءٍ ، وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا ، وَهَذَا - عِنْدِي - لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ التَّذْكِيرَ فِي الْعَدَدِ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى لَفْظِ الْقُرْءِ ، وَهِيَ مُذَكَّرَةٌ ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ : اقْعُدِي أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ، وَانْظُرِي إِذَا أَتَاكَ قُرْؤُكِ ، فَلَا تُصَلِّي وَنَحْوِ هَذَا ؛ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يُسَمَّى قُرْءًا وَلَسْنَا نُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّا نُنَازِعُهُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ :

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ

عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، لِأَنَّهُ يُرْوَى ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَائِشَةُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهَا فِي أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ ، فَيَبْعُدُ عَنْ عَائِشَةَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ : دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ، وَتَقُولَ : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ، فَإِنْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ عَائِشَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَخْبَرَتْ بِأَنَّ الْقُرْءَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ لَيْسَ هُوَ الْقُرْءُ الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَكَفَى بِتَفْرِقَةِ عَائِشَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ حُجَّةً . وأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ الْقُرْءَ ، إِنَّمَا قَالَ فِيهِ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، لَمْ يَقُلْ : إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ ، وَهِشَامٌ أَحْفَظُ مِنَ الَّذِي خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ الْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا ، عَنْ عَائِشَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ ، أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ لَا حَائِضًا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ ، أَوْ وَفَاةٍ تُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنْ سَاعَةِ طَلَاقِهَا ، أَوْ وَفَاةِ زَوْجِهَا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ لَا الْحِيَضُ ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا الْحِيَضُ يَقُولُونَ : إِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ إِلَّا بِالْحَيْضَةِ الْمُقْبِلَةِ بَعْدَ الطُّهْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ ، فَجَعَلُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَشَيْئًا آخَرَ ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّهَا قَبْلَ الْحَيْضَةِ عِدَّةٌ فِي غَيْرِ عِدَّةٍ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا خلافا لظاهر قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

؛ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . وَأَمَّا حُجَّتُهُمْ بِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ عدتها حَيْضَةٌ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا النِّكَاحُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضَةُ ، فَلَيْسَ هُوَ كَمَا ظَنُّوا ، وَجَائِزٌ لَهَا - عِنْدَنَا - أَنْ تَنْكِحَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ ، وَاسْتَيْقَنَتْ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ ، وَقَدْ قَالَ هَذَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ حِينَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ إِيَّاهُ ، مَا أَدْخَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى مُنَاظَرَةٍ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي كِتَابِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَتَحِلُّ أُمُّ الْوَلَدِ لِلْأَزْوَاجِ إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ ؟ فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ : نَعَمْ تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ ، لِأَنَّ ظُهُورَ الدَّمِ بَرَاءَةٌ لِرَحِمِهَا فِي الْأَغْلَبِ الْمَعْمُولِ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَوْلِهِ : إِذَا طَهُرَتْ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ . لَمْ يَخُصَّ أَوَّلَ الطُّهْرِ مِنْ آخِرِهِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَبَيَّنَهُ ، لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ ، وَقَدْ بَلَّغَ ، وَمَا كَتَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ذَكَرَ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ يُغْنِي ، عَنِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالْهُدَى وَالتَّوْفِيقُ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث