الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ
حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ؛ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مَا دَامَ مُحْرِمًا . وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً .
رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْقُمُصِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْبَرَانِسِ يَدْخُلُ الْمَخِيطُ كُلُّهُ بِأَسْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخِطَابِ فِي اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ بِلِبَاسِ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلِ ، وَالْخُمُرِ ، وَالْخِفَافِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْرَبَهُ مُتَطَيِّبًا بِهِ زَعْفَرَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فَيَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ هَلْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ الطِّيبَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَمْ لَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْبَرَانِسِ وَالْعَمَائِمِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - فِيهِ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ نَهَى الْمَرْأَةَ الْحَرَامَ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْحَرَمِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ . وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَفْعُهُ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَيْضًا ؛ فَهَذَا يُصَحِّحُ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ ، وَمَا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ ، أَوْ خَزٍّ ، أَوْ حُلِيٍّ ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ قُمُصٍ ، أَوْ خُفٍّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَبْدَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ ؛ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا يَلْبَسُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ .
وَعَلَى كَرَاهِيَةِ النِّقَابِ لِلْمَرْأَةِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَجْمَعِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كَرَاهِيَةِ الِانْتِقَابِ ، وَالتَّبَرْقُعِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وهي محرمة ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تُغَطِّي الْمُحْرِمَةُ وَجْهَهَا إِنْ شَاءَتْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَفْعَلُ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ . وَأَمَّا الْقُفَّازَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا أَيْضًا فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ الْقُفَّازَيْنِ ، وَرَخَّصَتْ فِيهِمَا عَائِشَةُ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَبِسَتِ الْمَرْأَةُ الْقُفَّازَيْنِ افْتَدَتْ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهُمَا تَفْتَدِي ، وَالْآخَرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّوَابُ - عِنْدِي - قَوْلُ مَنْ نَهَى الْمَرْأَةَ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا فِي أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لِبَاسُ الْقُمُصِ ، وَالْخِفَافِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَسَائِرِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا طِيبَ فِيهَا ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالرَّجُلِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إِحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا دُونَ رَأْسِهَا ، وَأَنَّهَا تُخَمِّرُ رَأَسَهَا وَتَسْتُرُ شَعْرَهَا وهي محرمة .
وَأَجْمَعُوا أَنَّ لَهَا أَنْ تُسْدِلَ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا سِدْلًا خَفِيفًا تَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا ، وَلَمْ يُجِيزُوا لَهَا تَغْطِيَةَ وَجْهِهَا وهي محرمة إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَسْمَاءَ . رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ فِي ذَلِكَ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ، فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَاكِبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُؤوسِنَا ، وَإِذَا جَاوَزَنَا الرَّاكِبُ رَفَعْنَاهُ .
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُحْرِمَ لَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيرَةِ وَجْهِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا فَوْقَ الذَّقْنِ مِنَ الرَّأْسِ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُغَطِّيَهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَطُّونَ وُجُوهَهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ . ذَكَرَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرَجِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا ، فَقَالُوا : وَلَا تَأْكُلُ ، فَقَالَ : إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمْ أَجَازُوا لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ . وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ ، وَأَنْ يُغَطِّيَ مَا فَوْقَ ذَقْنِهِ ، لِأَنَّ إِحْرَامَهُ عِنْدَهُ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ : فَإِنْ فَعَلَ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فَيَمَنْ غَطَّى وَجْهَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّهُ يَفْتَدِي . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قِيلَ : أَرَأَيْتَ مُحْرِمًا غَطَّى وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ ، فَلَمْ يَنْزِعْهُ مَكَانَهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِذَلِكَ افْتَدَى . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِذَا غَطَّتْ وَجْهَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُوسِعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسْدِلَ رِدَاءَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِذَا أَرَادَتْ سِتْرًا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُرِيدُ سِتْرًا ، فَلَا تُسْدِلُ .
وَأَجْمَعُوا أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْخِبَاءَ وَالْفُسْطَاطَ ، وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَنْ يَرْمِيَ عَلَيْهَا ثَوْبًا . وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِظْلَالِهِ عَلَى دَابَّتِهِ ، أَوْ عَلَى الْمَحْمَلِ ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَصَحُّ لِمَنْ أَحْرَمَتْ لَهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ عَنْهُ وَكَرِهَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى مَحْمَلِهِ ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَظِلُّ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَأَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنِ اسْتَظَلَّ الْمُحْرِمُ فِي مَحْمَلِهِ افْتَدَى ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ إِذَا جَافَى ذَلِكَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا وَجَدَ إِزَارًا لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا هَلْ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ ، وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى ذَلِكَ هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا .
وَفِي الْمُوَطَّأِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا ، قَالَ : وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَيَرَوْنَ عَلَى مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ الْفِدْيَةَ ، وَسَوَاءً عِنْدَ مَالِكٍ وَجَدَ الْإِزَارَ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ إِزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ .
وَرَوَى زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ هَلْ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعُهُمَا ؛ فَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، وَلَمْ يَقْطَعْهُمَا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : وَفِي قَطْعِهِمَا فَسَادٌ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَقَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنُ عُمَرَ قَدْ زَادَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا نَقَصَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَحَفِظَهُ ابْنُ عُمَرَ ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَالْمَصِيرُ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، أَوْلَى ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ والليث أَنَّ مَنْ لَبِسَ خُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِلنَّعْلَيْنِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِذَا لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلنَّعْلَيْنِ ، قَالَ : وَمَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ افْتَدَى عَلَى كُلِّ حَالٍ وَجَدَ إِزَارًا ، أَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَفْتُقَ السَّرَاوِيلَ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلنَّعْلَيْنِ فَمَرَّةً قَالَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : مَنِ ابْتَاعَ خُفَّيْنِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَجَرَّبَهُا وَقَاسَهُمَا فِي رِجْلِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَرْكَهُمَا حَتَّى مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ حَرٍّ ، أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ مَطَرٍ افْتَدَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ حَتَّى لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَا بَأْسَ بِلِبَاسِ الْمُحْرِمَةِ الْخِفَافَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ أَرْخَصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ ؛ فَتَرَكَ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ وَكَثْرَةِ اتِّبَاعِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا حَفِظَ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى بَلَغَهُ فِيهِ الْخُصُوصُ . وَمِمَّا وَصَفْتُ مِنْ وَرَعِهِ وَتَوَقُّفِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ ، فَقَالَ : يَا نَافِعُ أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ، فَقَالَ : أَتُلْقِي عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى عَلَيْهِ الْبُرْنُسُ ؟ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا يَكْرَهُونَ الدُّخُولَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَعْمَلَ الْعُمُومَ فِي اللِّبَاسِ ، لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ وَالِامْتِهَانَ قَدْ يُسَمَّى لِبَاسًا أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ أَنَسٍ ؟ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ . قَالَ أَسَدٌ ، وَأَبُو ثَابِتٍ وَسَحْنُونٌ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَهُ فِي الْقَبَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، وَلَا يَزِرَهُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَكَانَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ قَمِيصَهُ عَلَى ظَهْرِهِ يَتَرَدَّى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ، قَالَ : لَا ، قِيلَ لَهُ : فَلِمَ كَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَلَمْ يَزِرْهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّ ذَلِكَ دُخُولٌ فِي الْقَبَاءِ وَلِبَاسٌ لَهُ ؛ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَكَرِهَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَدَّى بِهِ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي قَبَاءٍ افْتَدَى ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كَتِفَيْهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ يَدَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ عَقَدَ إِزَارَهُ عَلَى عُنُقِهِ افْتَدَى ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْهِمْيَانَ وَالْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مُتَقَدِّمُوهُمْ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ السُّيُورَ وَلَكِنْ يُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا جَعَلَ فِي طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْهِمْيَانَ وَالْإِزَارَ عَلَى وَسَطِهِ ، وَالْمِنْطَقَةُ مِثْلُ ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْرِمِ يَعْصِبُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ عَنْ ضَرُورَةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ الرَّأْسُ وَالْجَسَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ عَصَبَ رَأْسَهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَإِنْ عَصَبَ بَعْضَ جَسَدِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ عَصَبَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَدَّ السَّيْرَ عَلَى رَأْسِهِ ، أَوْ حَمَلَ خُرْجَهُ عَلَى رَأْسِهِ ، قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الْمُحْرِمُ خُرْجَهُ وَجِرَابَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ زَادُهُ ، وَاحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ كَمَا أُرْخِصَ لَهُ فِي حَلِّ مِنْطَقَةِ نَفْسِهِ ، قَالَ : وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ بِحَمْلِهِ ، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، قَالَ : وَالْأَطْبَاقُ وَالْغَرَايِرُ وَالْأَحْرِجَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَوَاءٌ فِي الْمُحْرِمِ لَبِسَ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ ، أَوْ حَلَقَ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا إِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ الصِّيَامُ وَالطَّعَامُ مَكَانَ الْهَدْيِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ لا غير ، قَالَ : وَأَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ ، أَوِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ عَجَزَ ، عَنِ الْمَشْيِ ، أَوْ وَطِئَ أَهْلَهُ ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، أَوْ رَجُلٌ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَجِّ فَجَبَرَهُ بِالدَّمِ ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ حَجِّهِ ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فِيهِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَامَ فَقَطْ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِطْعَامٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالصَّوْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : كُلُّ مَنْ لَبِسَ عَامِدًا ، أَوْ تَطَيَّبَ عَامِدًا ، فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدَّمُ لا غير ، قَالُوا : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ عَلَى حَسْبِمَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ نَسَكَ بِشَاةٍ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ عَلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَنْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : النَّاسِي وَالْعَامِدُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِنْ لَبِسَ مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِنْ لَبِسَ عَامِدًا وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ جَسَدِهِ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِضَرُورَةٍ ، وَلَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى اللَّابِسِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ شَيْئًا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي أَحْرَمَ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَصُفْرَةُ خَلُوقٍ ؛ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْجُبَّةِ وَغَسْلِ الْخَلُوقِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ وَأَحْكَامَهُ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَمَنْ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي ، وَغَيْرِهِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ الْفِدْيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ فَعَلَهَا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ؛ فَالضَّرُورَةُ وَغَيْرُ الضَّرُورَةِ وَالنِّسْيَانُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةٍ فَأَحْرَى أَنْ تَجِبَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَالنَّاسِي قِيَاسٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ وَالْعَامِدُ أَحْرَى بِذَلِكَ وَأَوْلَى . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ فِي مَوَاطِنَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَتْ حَاجَتُهُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَطَيَّبَ مِرَارًا فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ وَفَوْرٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ فِدْيَةٌ ، فِدْيَةٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ والليث ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ) أَيْضًا لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ ، فَإِنْ كَفَّرَ ، ثُمَّ صَنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يَلْبَسُ ، أَوْ يَتَطَيَّبُ فِدْيَةٌ بَعْدَ فِدْيَةٍ أَبَدًا ، وَأَمَّا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِبَاسَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فَإِنْ غَسَلَ ذَلِكَ الثَّوْبَ حَتَّى تَذْهَبَ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ مِنْهُ وَخَرَجَ عَنْهُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ أَيْضًا . وَكَانَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ يَكْرَهُ الثَّوْبَ الْغَسِيلَ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ إِذَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ لَوْنِهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ : لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ ، وَإِنْ غَسَلَهُ إِذَا بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ لَوْنِهِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ صَبَغَهُ بِالْمِشْقِ وَأَحْرَمَ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ فِيهِ : وَلَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ، أَوْ زَعْفَرَانٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ : رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ، وَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنَ الْحِمَّانِيِّ كَيْفَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : هَذَا - عِنْدِي - ، ثُمْ وَثَبَ مِنْ فَوْرِهِ فَجَاءَ بِأَصْلِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَمَا قَالَ الْحِمَّانِيُّ : وَالْوَرْسُ نَبَاتٌ يَكُونُ باليمن كَشِبْهِ الْعُصْفُرِ صَبْغُهُ مَا بَيْنَ الصُّفْرَةِ وَالْحُمْرَةِ وَرَائِحَتُهُ طَيِّبَةٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُصْفُرِ فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعُصْفُرَ لَيْسَ بِطِيبٍ وَيَكْرَهُونَ لِلْحَاجِّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الَّذِي يُنْتَفَضُ فِي جِلْدِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : الْعُصْفُرُ طِيبٌ ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَ شَيْئًا مِنْهُ فِي اللِّبَاسِ ، وَغَيْرِهِ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَهَذِهِ جُمَلُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَحْكَامِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - عَلَى عَوْنِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ .