الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا
حَدِيثٌ خَامِسٌ وَخَمْسُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا . قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ مُسْتَحْسَنٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ كَمَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَكُونَ إِهْلَالُ الْمُحْرِمِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَغَيْرِهَا إِلَّا بِإِثْرِ صَلَاةٍ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ كَانَ إِحْرَامُهُ بِإِثْرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا عَلَى تَارِكِهَا فِدْيَةٌ ، أَوْ دَمٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ سُنَّةً ، وَهَذِهِ الْبَطْحَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُعَرِّفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْمُعَرَّسِ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إِذَا قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِ مَا بَدَا لَهُ ، لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ مَرَّ بِالْمُعَرَّسِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَاجِعًا مِنْ مَكَّةَ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَرِّسَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ فَعَلَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مُحْتَجًّا لَهُ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِهِ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَباخَ بِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ - عِنْدَنَا - مِنَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ الْمَنَازِلِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنَازِلِ طَرِيقِ مَكَّةَ ، وَبَلَغَنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَّبِعُ آثَارَهُ تِلْكَ فَيَنْزِلُ بِهَا فَلِذَلِكَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِالْمُعَرَّسِ لَا أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ وَاجِبًا عَلَى النَّاسِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَصْحَابُهُ لِلنَّاسِ مَا يَقِفُونَ عَلَيْهِ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : لَيْسَ نُزُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُعَرَّسِ كَسَائِرِ مَنَازِلِ طَرِيقِ مَكَّةَ ، لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ حَيْثُ أَمْكَنَهُ ، وَالْمُعَرَّسُ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي نَافِلَةً ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ زَهَّدَ النَّاسَ فِي الْخَيْرِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُعَرَّسُ كَسَائِرِ الْمَنَازِلِ مَا أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى نَافِعٍ مَا تَوَهَّمَهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّأَخُّرِ عَنْهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَبَقَهُ إِلَى الْمُعَرَّسِ ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ نَافِعٌ ، فَقَالَ لَهُ : مَا حَبَسَكَ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَخَذْتَ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى لَوْ فَعَلْتَ لَأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا .
وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَزَلَ فِي الْمُعَرَّسِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي ؛ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الْمُحَصَّبُ فَمَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ فِي أَعْلَى الْمَدِينَةِ نَزَلَهُ أَيْضًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ يَسْتَحِبُّونَ النُّزُولَ بِهِ ، وَالْمَبِيتَ ، وَالصَّلَاةَ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمَنَاسِكِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْحُجَّاجِ نُزُولُهَا وَالْمَبِيتُ فِيهَا ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، وَمَشَاعِرِهِ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَالْمُحَصَّبُ يُعْرَفُ بِالْأَبْطَحِ ، وَالْبَطْحَاءُ أَيْضًا خِيفُ بَنِي كِنَانَةَ ، وَالْخِيفُ الْوَادِي .
وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ بِالْمُحَصَّبِ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ اللَّيْلِ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ . وَرَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ ، ثُمَّ هَجَعَ بِهَا هَجْعَةً ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ ، وَرَوَى ، أَيُّوبُ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً حَرْفًا بِحَرْفٍ ، ذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ وَحُمَيْدٍ جَمِيعًا . وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى : نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بِخِيفِ بَنِي كِنَانَةَ يَعْنِي الْمُحَصَّبَ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ ؟ قَالَ : هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا ؟ ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ نَازِلُونَ بِخِيفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي الْمُحَصَّبَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : الْمُحَصَّبُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا هو منزل نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ ، فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ .