الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى
حَدِيثٌ سَادِسٌ وَخَمْسُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ . لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ فِيهِ : الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى : الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ ، أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْمُتَعَفِّفَةُ بِدَلِيلِ حَدِيثٍ مِنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ ، قَالَ : قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ، وَيَقُولُ : يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ ، وَأُخْتَكَ ، وَأَخَاكَ ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ ، ذَكَرَهُ النَّسَوِيُّ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ . وَفِي قَوْلِهِ : الْمُنْفِقَةُ آدَابٌ ، وَفُرُوضٌ ، وَسُنَنٌ ، فَمِنَ الْإِنْفَاقِ فَرْضًا الزَّكَوَاتُ ، وَالْكَفَّارَاتُ ، وَنَفَقَةُ الْبَنِينَ ، وَالْآبَاءِ ، وَالزَّوْجَاتِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَاتِ ، وَمِنَ الْإِنْفَاقِ سُنَّةُ الْأَضَاحِيِّ ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عِنْدَ مَنْ رَآهَا سُنَّةً لَا فَرْضًا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَالتَّطَوُّعُ كُلُّهُ أَدَبٌ ، وَسُنَّةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَعْرُفٍ صَدَقَةٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، حَدَّثَنَا أشعث ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ ، قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ فَسَمِعَهُ يَقُولُ : يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا أُمَّكَ وَأَبَاكَ ، وَأُخْتَكَ ، وَأَخَاكَ وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ .
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةُ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ : يَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا ، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا ، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى ، أَعْطِ الْفَضْلَ ، وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ( حَدَّثَنَا ) أَبُو الزَّعْرَاءِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقَلَ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِهِ : وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ ، ( وَلَمْ يَقُلِ الْمُتَعَفِّفَةُ ) ، لِأَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْإِعْطَاءِ لَا فِي التَّعَفُّفِ ، وَقَدْ بَانَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ : أَنِ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، وَإِنِّي لَا أَحْسَبُ الْيَدَ الْعُلْيَا إِلَّا الْمُعْطِيَةَ ، وَلَا السُّفْلَى إِلَّا السَّائِلَةَ ، وَإِنِّي غَيْرُ سَائِلِكَ شَيْئًا ، وَلَا رَادًّا رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ مِنْكَ وَالسَّلَامُ . وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهِيَ آثَارٌ صِحَاحٌ كُلُّهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ مِمَّا يَكُونُ مَوْعِظَةً ، أَوْ عِلْمًا ، أَوْ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الِاكْتِسَابِ ، وَالْإِنْفَاقِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْفَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الِاكْتِسَابِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُفيَّدٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ . وَفِيهِ ذَمُّ الْمَسْأَلَةِ ، وَعَيْبُهَا ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ حَمْدَ الْيَأْسِ ، وَذَمَّ الطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ سَعْدًا ، قَالَ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّكَ لَنْ تَلْقَى أَحَدًا هُوَ لَكَ أَنْصَحُ مِنِّي ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ ، ثُمَّ صَلِّ صَلَاةً لَا تَرَى أَنَّكَ تُصَلِّي بَعْدَهَا ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ ، فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ ، وَعَلَيْكَ بِالْيَأْسِ ، فَإِنَّهُ الْغِنَى ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ مِنَ الْعَمَلِ ، وَالْقَوْلِ ، ثُمَّ اعْمَلْ مَا بَدَا لَكَ .
وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَفْتَحُ إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ ، إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ، وَلَأَنْ يَأْخُذُ الرَّجُلُ حَبْلًا فَيَعْمِدُ إِلَى الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ مُعْطًى ، أَوْ مَمْنُوعًا . وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى قَوْلِ سَعْدٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَدَّثَنَاهُ سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ حَفْصٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالدَّارَقُطْنِيِّ الْحَافِظِ إِمْلَاءً بِمِصْرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي رَاشِدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَدِّثْنِي حَدِيثًا وَاجْعَلْهُ مُذَكِّرًا ، أَيْ قَالَ : صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، وَعَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ تَعِشْ غَنِيًّا ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ . وَقَدْ مَضَى فِيمَا يَجُوزُ مِنَ السُّؤَالِ ، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - .