الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا
حَدِيثٌ سَادِسٌ وَعِشْرُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةُ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، وَغَيْرُهُمْ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَإِنْ عَلَتْ ، وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا وَإِنْ سَفُلَتْ ، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَإِنْ عَلَتْ ، وَلَا عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَإِنْ سَفُلَتْ ، وَالرَّضَاعَةُ فِي ذَلِكَ كَالنَّسَبِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَزْعُمُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَجَابِرٌ كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى فُضَيْلِ ابْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي جَرِيرٍ قَاضِي سِجِسْتَانَ أَنْ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُمْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ، وَقَالَ : إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا .
وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا ، وَأَظُنُّ قَائِلَ ذَلِكَ الْقَوْلِ لَمْ يُصَحِّحْ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وَصَحَّحَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَانَ يَنْهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا ، وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا النَّهْيُ عَنْ وَطْءِ الْمَرْأَةِ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ ، فَمُجْتَمَعٌ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَالْآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَكِلَاهُمَا طَرِيقُهُ صَالِحٌ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا ، فَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يُغْنِي عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةُ الْقَطِيعَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَقَرِيبَتِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَمَّةً أَوْ بِنْتَ عَمٍّ أَوْ خَالَةً أَوْ بِنْتَ خَالٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ ابْنَةِ الْعَمِّ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنَةِ عَمِّهَا ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ .
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ حَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ حَسَنَ بْنَ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَكَحَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنَةَ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، فَجَمَعَ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ ، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ : فَأَصْبَحَ نِسَاؤُهُمْ لَا يَدْرِينَ إِلَى أَيَّتِهِمَا يَذْهَبْنَ . وَذُكِرَ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي ابْنَتَيِ الْعَمِّ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، قَالَ : مَا هُوَ بِحَرَامٍ إِنْ فَعَلْتَهُ ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ أَجْلِ الْقَطِيعَةِ . وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ ابْنَتَيِ الْعَمِّ أَتُجْمَعَانِ ؟ قَالَ : مَا أَعْلَمُهُ حَرَامًا ، قِيلَ لَهُ : أَفَتَكْرَهُهُ ؟ قَالَ : إِنَّ نَاسًا لَيَتَّقُونَهُ ، وَقَالَ لَنَا قَبْلَ ذَلِكَ : غَيْرُهُ أَحْسَنُ مِنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُوَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ جَائِزٌ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيِ الْعَمِّ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَةِ ؛ لِأَنَّ ابْنَتَيِ الْعَمِّ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مَعَ عَمَّتِهَا ، وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ كَرَاهِيَةُ الْجَمْعِ وَتَحْرِيمُهُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى مِنَ النَّسَبِ خَاصَّةً دُونَ الْمُصَاهَرَةِ ، فَافْهَمْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا لَوْ كَانَتْ رَجُلًا نِكَاحُ أُخْتِهَا فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِمَا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَإِنْ بَعُدْنَ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ لَوْ كَانَ مَكَانَهَا رَجُلٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى لَمْ يَحِلَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِأَحَدٍ . وَرَوَى مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي حَرِيزٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كُلُّ امْرَأَتَيْنِ إِذَا جَعَلْتَ مَوْضِعَ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : عَمَّنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهُمَا .
قَالَ سُفْيَانُ : تَفْسِيرُهُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّسَبِ وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ وَابْنَةِ زَوْجِهَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا عَلِمْتُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا الْأَصْلِ ، وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ ابْنَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِحْدَاهُمَا لَوْ كَانَتْ رَجُلًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ الْمُرَاعَى فِي هَذَا الْمَعْنَى النَّسَبُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا . وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا بِأَنْ قَالُوا فِي هَاتَيْنِ وَمَا كَانَ مَثَلَهُمَا : أَيَّتُهُمَا جَعَلْتَ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى ، وَأَمَّا امْرَأَةُ الرَّجُلِ وَابْنَتُهُ مِنْ غَيْرِهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضِعَ الْبِنْتِ ابْنٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ امْرَأَةُ أَبِيهِ ، وَبَقِيَ فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ وَذَلِكَ أَنْ يَجْعَلُوا مَوْضِعَ الْمَرْأَةِ ذَكَرًا فَتَحِلُّ لَهُ الْأُنْثَى لِأَنَّهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ تَزَوَّجَ ابْنَةَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ ، وَلَيْسَ الْأُخْتَانِ وَلَا الْعَمَّةُ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا وَالْخَالَةُ مَعَ ابْنَةِ أُخْتِهَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَيَّتُهُمَا جَعَلْتَ ذَكَرًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى ، فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَالرَّضَاعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالنَّسَبِ ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَيَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ؟ قَالَ : لَا ، ذَلِكَ مِثْلُ الْوِلَادَةِ . وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : وَأَكْرَهُ عَمَّتَكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَخَالَتَكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ .