الْحَدِيثُ الثَّانِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ
حَدِيثٌ ثَانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ أَبُو أُمِّهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ; قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوُجُوبُ ؟ قَالَ : إِذَا مَاتَ . فَقَالَتِ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شهيدا ، فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، إِلَّا أَنَّ غَيْرَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَعْهُنَّ يَبْكِينَ مَا دَامَ عِنْدَهُنَّ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مَعَانٍ مِنْهَا : عِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَعِيَادَةُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ الْعَالِمِ الشَّرِيفِ لِمَنْ دُونَهُ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِهَا ، وَنَدَبَ إِلَيْهَا ، وَأَخْبَرَ عَنْ فَضْلِهَا بِضُرُوبٍ مِنَ الْقَوْلِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، فَثَبَتَتْ سُنَّةً مَاضِيَةً لَا خِلَافَ فِيهَا . وَفِيهِ الصِّيَاحُ بِالْعَلِيلِ عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ لَهُ لِيَسْمَعَ فَيُجِيبَ عَنْ حَالِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحَ بِأَبِي الرَّبِيعِ فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ اسْتَرْجَعَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ ، وَالِاسْتِرْجَاعُ قَوْلُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْوَاجِبُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ ، وَفِيهِ تَكْنِيَةُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ لِمَنْ دُونَهُ ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا يُحْكَى عَنِ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُمْ لَا يُكَنُّونَ أَحَدًا ، عَصَمَنَا اللَّهُ عَمَّا دَقَّ وَجَلَّ مِنَ التَّكَبُّرِ بِرَحْمَتِهِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِالصِّيَاحِ وَغَيْرِ الصِّيَاحِ عِنْدَ حُضُورِ وَفَاتِهِ ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ إِذَا وَجَبَ مَوْتُهُ ، وَفِي نَهْيِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ لِلنِّسَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَمِعَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ ، فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُنَّ - يَعْنِي يَبْكِينَ - حَتَّى يَمُوتَ ، ثُمَّ لَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : لَا تَبْكِيَنَّ نِيَاحًا وَلَا صِيَاحًا بَعْدَ وُجُوبِ مَوْتِهِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مَا لَمْ يُخْلَطْ ذَلِكَ بِنَدْبِهِ وَبِنِيَاحَةٍ ، وَشَقِّ جَيْبٍ ، وَنَشْرِ شَعْرٍ ، وَخَمْشِ وَجْهٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ بُكَاءِ الْعَيْنِ دُونَ نِيَاحَةٍ ، اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى وَاضِحًا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِنَازَةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا ، وَأَنَا مَعَهُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَانْتَهَرَهُمْ عُمَرُ ، فَقَالَ : دَعْهُنَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ مُصَابَةٌ ، والعين دَامِعَةً ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ . لَمْ يُتَابَعِ اللَّيْثُ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَإِنَّمَا رَوَتْهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أُمِّهِ سِيرِينَ ، قَالَتْ : حَضَرْتُ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنْتُ كُلَّمَا صِحْتُ أَنَا وَأُخْتِي لَا يَنْهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا مَاتَ نَهَانَا عَنِ الصِّيَاحِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا وَجَبَ ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ ، وَتَفْسِيرُهُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ ، فَأَظُنُّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَأْخُوذٌ مِنْ وَجْبَةِ الْحَائِطِ إِذَا سَقَطَ وَانْهَدَمَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَجَهِّزَ لِلْغَزْوِ إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْغَازِي ، وَيَقَعُ أَجْرُهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَالْآثَارُ الصِّحَاحُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى خَيْرًا وَهَمَّ بِهِ ، وَلَمْ يَصْرِفْ نِيَّتَهُ عَنْهُ ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ ، أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ فَغَلَبَتْهُ ( عَلَيْهَا ) عَيْنُهُ ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ ، وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا ، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا ، وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ، وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ ، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يكونون معنا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنِّيَّاتِ ، وَأَنَّ نِيَّةَ الْمُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْآثَارِ ، وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ بِلَا نِيَّةٍ ، وَفِيهِ طَرْحُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ ، أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ فِيكُمْ ؟ ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِخِلَافِ مَا عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ ذَكَرَهُمْ . فَأَمَّا قَوْلُهُ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ ذَكْوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِالْوَعَّاثِ قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ ، قَالَتْ : الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِ وَالْآبَاطِ ، مَنْ مَاتَ مِنْهُ مَاتَ شَهِيدًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ : قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : مِمَّ مَاتَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ؟ قُلْتُ : فِي الطَّاعُونِ ، قَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ هُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي سِيرِينَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَسِيرِينُ أَبُوهُمْ هُوَ أَبُو عَمْرَةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ : أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطَّاعُونِ ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤمِنِينَ ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ بِأَرْضِهِ فَيَثْبُتُ فِيهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ . وَأَمَّا الْغَرِقُ فَمَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرَقًا فِي الْمَاءِ ، وَذَاتُ الْجَنْبِ ، يَقُولُونَ هِيَ الشَّوْصَةُ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ ، وَصَاحِبُهَا شَهِيدٌ عَلَى مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يُقَالُ : رَجُلٌ جَنِبٌ بِكَسْرِ النُّونِ إِذَا كَانَتْ بِهِ ذَاتُ الْجَنْبِ ، وَقِيلَ فِي صَاحِبِ ذَاتِ الْجَنْبِ : الْمَجْنُوبُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ يَعُودُهُ فَقَالَ : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهَادَةٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهَادَةٌ ، وَالْغَرِقُ شَهَادَةٌ ، وَالْحَرِقُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَطْعُونُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهَادَةٌ ، وَالْمَجْنُوبُ شَهَادَةٌ ، هَكَذَا يَقُولُ أَبُو الْعُمَيْسِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ فِيهِ مَالِكٌ ، وَلَمْ يُقِمْهُ أَبُو الْعُمَيْسِ ، وَأَمَّا الْمَبْطُونُ فَقِيلَ فِيهِ : الْمَحْبُورُ ، وَقِيلَ فِيهِ : صَاحِبُ الْإِسْهَالِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لِقَلِيلٌ ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ طَاعُونٍ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ بَطْنٍ فَهُوَ شَهِيدٌ ، قَالَ سُهَيْلٌ : فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ أَنَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ الْخَامِسَةَ ، وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَمَّا الْحَرِقُ فَالَّذِي يَحْتَرِقُ فِي النَّارِ فَيَمُوتُ ، وَأَمَّا الَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ فَأَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُفَسَّرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ ، وَمَاتَتْ مِنَ النِّفَاسِ ، وَهُوَ فِي بَطْنِهَا لَمْ تَلِدْهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْجُمْعُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدُهَا ، وَأَنَشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
وَرَدْنَاهُ فِي مَجْرَى سُهَيْلٍ يَمَانِيًا
يصُعْرِ الْبَرَى مِنْ بَيْنِ جُمْعٍ وَخَادِجِ
قَالَ : وَالْخَادِجُ الَّتِي أَلْقَتْ وَلَدَهَا ، وَقِيلَ : إِذَا مَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ ، فَسَوَاءٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، أَوْ وَلَدَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ بِأَثَرِ ذَلِكَ ; وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ عَذْرَاءَ لَمْ تُنْكَحْ وَلَمْ تُفْتَضَّ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَمْ تُطْمَثْ ; وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
أَيْ لَمْ يَطَأْهُنَّ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : يُقَالُ : هَلَكَتْ فُلَانَةٌ بِجِمْعٍ ، وَبِجُمْعٍ لُغَتَانِ أَيْ : وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، قَالَ : وَيُقَالُ أَيْضًا : الْعَذْرَاءُ هِيَ بِجُمْعٍ وَبِجِمْعٍ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ أَيْضًا ، وَذَكَرَ قَوْلَ امْرَأَةِ الْعَجَّاجِ إِذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ ، قَالَتْ لِلْوَالِي : إِنِّي مِنْهُ بِجُمْعٍ ، وَإِنْ شِئْتَ بِجِمْعٍ . وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الشُّهَدَاءُ فَقِيلَ : إِنَّ فُلَانًا قُتِلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا شَهِيدًا ، وَقُتِلَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا شَهِيدًا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَئِنْ لَمْ يَكُنْ شُهَدَاؤُكُمْ إِلَّا مَنْ قُتِلَ ، إِنَّ شُهَدَاءَكُمْ إِذًا لِقَلِيلٌ ; إِنَّ مَنْ يَتَرَدَّى مِنَ الْجِبَالِ ، وَيَغْرَقُ فِي الْبُحُورِ ، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ ، شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ - وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، فَمَاتَ فِي مَحْبَسِهِ ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ ظَالِمًا لَهُ فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ ذَلِكَ ، فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَكُلُّ مِيتَةٍ يَمُوتُ بِهَا الْمُسْلِمُ ، فَهُوَ شَهِيدٌ ، غَيْرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَفَاضَلُ .