الْحَدِيثُ الرَّابِعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَزِيدُ فِي
حَدِيثٌ رَابِعٌ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ ، فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْمُسْتَهِلِّ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ كَانَتْ وَاحِدَةً ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَمَا الْأَصْلُ فِيهِ ، وَكَيْفَ كَانَ بُدُوُّ أَمْرِهِ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بِالْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا زِيَادَةٌ حَفِظَهَا مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ بِمَا نَقَلَ مِنْهَا ، وَلَا يَضُرُّهَا تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا ، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ ، وَفِعْلُ خَيْرٍ ، وَعَمَلُ بِرٍّ ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُصَلِّي أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا سَلَامٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَا جُلُوسٌ إِلَّا فِي آخِرِهَا ، وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ كَانَ مِنْهَا فِي كُلِّ مَثْنَى ، وَالتَّسْلِيمَ أَيْضًا ، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَرْبَعًا يَعْنِي فِي الطُّولِ وَالْحُسْنِ وَتَرْتِيبِ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ وَيَفْعَلَ خِلَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْأَقْوَالِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَمَا نَزَعُوا بِهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ وَنَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمَضَى فِي بَابِ نَافِعٍ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوِتْرِ بِوَاحِدَةٍ وَبِثَلَاثٍ ، وَبِمَا زَادَ ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَاخْتِصَارُ اخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، قَالُوا : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، تَقْتَضِي الْجُلُوسَ وَالتَّسْلِيمَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ : صَلَاةُ الظُّهْرِ مَثْنَى ; لَمَّا كَانَتِ الْأُخْرَيَانِ مُضَمَّنَتَيْنِ بِالْأُولَيَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ : إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ ، أَوْ أَرْبَعًا ، أَوْ سِتًّا ، أَوْ ثَمَانِيًا .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : صَلِّ بِاللَّيْلِ مَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْعُدَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ وَتُسَلِّمَ فِي آخِرِهِنَّ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ : ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِثْلُ مَا رَوَاهُ الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ . وَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقٌ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِتِسْعٍ ، فَلَمَّا أَسَنَّ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ . وَيَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ .
وَرَوَى ابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَهْبٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ ، حَتَّى يَجْلِسَ فِي الْآخِرَةِ فَيُسَلِّمَ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَلَى غَيْرِ هَذَا . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، كَانَ يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ .
وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً : تِسْعًا قَائِمًا ، وَاثْنَتَيْنِ جَالِسًا ، وَاثْنَتَيْنِ قَاعِدًا ، وَاثْنَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ . وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْ عَائِشَةَ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ هَذَا الِاخْتِلَافَ : وَتَدَافَعَتْ وَاضْطَرَبَتْ ، لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي نَقْلِهِ ، وَلَا فِي مَتْنِهِ ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، كُلُّهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى .
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَطُرُقَهُ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَضَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى ، عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ مِنْهَا فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ لِقَوْلِهِ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ; لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ ذِكْرِ الْوِتْرِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَتْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ ، ثُمَّ يَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَنَامُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُوتِرُ ، وَلِهَذَا مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا ، ثُمَّ ثَلَاثًا ، أَظُنُّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بَيْنَهُنَّ ، فَقَالَتْ : أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَرْبَعًا - يَعْنِي بَعْدَ نَوْمٍ - ثُمَّ ثَلَاثٍ بَعْدَ نَوْمٍ ، وَلِهَذَا مَا قَالَتْ لَهُ : أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ وَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّ الْأَرْبَعَ كُنَّ بِغَيْرِ تَسْلِيمٍ ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ الْوِتْرِ ، وَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ ، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هُنَاكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي فَهَذِهِ جِبْلَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا . وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْسَامَ الْوَحْيِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَذَكَرْنَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَعْنَى نَوْمِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى ضَرَبَهُ حَرُّ الشَّمْسِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ جَمِيعًا ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لِي : لِتَنَمْ عَيْنُكَ ، وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكُ ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ ، فَنَامَتْ عَيْنِي ، وَعَقَلَ قَلْبِي ، وَسَمِعَتْ أُذُنِي وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ وَيَغِطَّ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ، وَلَا يَتَوَضَّأُ ; لِأَنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكُنْ يَنَامُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ غَلَبَ النَّوْمُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَغَمَرَ نَفْسَهُ .
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْصُوصًا دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ بِأَنْ تَنَامَ عَيْنُهُ ، وَلَا يَنَامَ قَلْبُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَصْبِيُّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ عِكْرِمَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْفُوظًا .