حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

حَدِيثٌ ثَامِنَ عَشَرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ :

قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُومِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا

فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ : فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ - عَزَّ وَجَلَّ - :

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا

. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَنَاةُ حَجَرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهُ ، وَكَانَ فِي الْمُشَلَّلِ الْجَبَلِ الَّذِي تَصْدُرُ مِنْهُ إِلَى قُدَيْدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ مَعْنَى نُزُولِ الْآيَةِ وَمَخْرَجَهَا وَجَاءَتْ بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَى قَوْلِهَا عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ فَرْضًا ، وَعَلَى مَنْ نَسِيَهُ أَوْ نَسِيَ شَوْطًا وَاحِدًا مِنْهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِ بَلَدِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ كَامِلًا ، كَمَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ : طَوَافَ الْإِفَاضَةِ سَوَاءٌ ، أَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعِرَاقِيُّونَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ عَمَلَ الْحَجِّ يَنُوبُ فِيهِ التَّطَوُّعُ عَنِ الْفَرْضِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَمَذْهَبُ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ . وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُونَ : هُوَ تَطَوُّعٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وَمُصْحَفِ ) ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، إِلَّا أَنَّ تَلْخِيصَ مذهب أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ : إِنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَتَرَكَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَإِنْ تَرَكَ شَوْطَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ كَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ تَرَكَ شَوْطًا وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ هَذَا يَبْلُغُ دَمًا ، فَإِنْ بَلَغَ دَمًا أَطْعَمَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ فَأَجْزَى عَنْهُ ، وَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ كُلَّهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ نَاسِيًا أَوْ فِي الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ . وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عُمْرَةٌ . وَاخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحُدُهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً فَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً مُمَهَّدَةً مَبْسُوطَةً بِمَا فِيهَا مِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، إِذْ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنَّظَرِ فِي بَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ هَاهُنَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث