الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ إِنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا
حَدِيثٌ مُوفٍ عِشْرِينَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا ، وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مُجْتَمَعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِمَعْنَاهُ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَدَقَةَ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ جَائِزَةٌ ، مَرْجُوٌّ نَفْعُهَا وَقَبُولُهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ طَيِّبٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ ، وَلَيْسَ الصَّدَقَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ عَمَلِ الْبَدَنِ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَنْ أَحَدٍ ، وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ وَلِيِّهِ وَعَنْ غَيْرِهِ ، وَهَذَا مِمَّا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الْأُمَّةُ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَصَدَقَتِهِ عَنْ أُمِّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا ، فَإِنَّهُ أَرَادَ اخْتَلَسَتْ نَفْسَهَا وَمَاتَتْ فَجْأَةً ، قَالَ الشَّاعِرُ :
مَنْ يَأْمَنِ الْأَيَّامَ بَعْدَ صَبِيرَةِ الْقُرَشِيِّ مَاتَا
سَبَقَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ وَكَانَ مِيتَتُهُ افْتِلَاتَا
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ :
فَإِنْ تَفْتَلِتْهَا فَالْخِلَافَةُ تَنْفَلِتْ
بِأَكْرَمِ عِلْقَيْ مِنْبَرٍ وَسَرِيرِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ : سَأَلْتُ أَبَا زَيْدٍ النَّحْوِيَّ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ : كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً ، فَقَالَ : أَرَادَ فجأة ؛ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
وَكَانَ مِيتَتُهُ افْتِلَاتًا
قَالَ : وَتَقُولُ الْعَرَبُ - إِذَا رَأَتِ الْهِلَالَ بِغَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ - : رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَلْتَةً .