الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَعِشْرُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ ، فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهَا ، فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكَلَامُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ قَدْ سَبَقَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وَأَكْثَرُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّدَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَلَّطَ ، وَأَتَى بِمَا لَيْسَ لَهُ مَعْنَى ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : فِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ فِي الْمَحَبَّةِ لِبُكَاءِ زَوْجِ بَرِيرَةَ ، وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ بَعْدَ الْغَضَبِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ الْمَرْأَةِ مَا تُحِبُّ دُونَ بَعْلِهَا ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ سُؤَالِ الرَّجُلِ عَمَّا يَرَاهُ فِي بَيْتِهِ مِنْ طَعَامٍ ؛ إِلَى كَثِيرٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ نَذْكُرُ هَاهُنَا مَا فِي حَدِيثِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُوجِبُهُ أَلْفَاظُهُ ، وَنُبَيِّنُ مَا رُوِيَ مِمَّا يُعَارِضُهُ وَيُوَافِقُهُ ، وَنُوَضِّحُ الْقَوْلَ فِيهِ بِمَبْلَغِ عِلْمِنَا عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخْتَصَرًا كَافِيًا إِلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ ، وَبِاللَّهِ عَوْنُنَا لَا شَرِيكَ لَهُ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ اسْتِعْمَالُ عُمُومِ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ :
فَكَاتِبُوهُمْ
؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَمَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ وَغَيْرُهَا ؛ لِأَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ خُيِّرَتْ تَحْتَهُ إِذْ أُعْتِقَتْ ، وَفِيهِ جَوَازُ كِتَابِةِ الْأَمَةِ دُونَ زَوْجِهَا ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْبَيْعِ فِي كِتَابَتِهَا ، وَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَةُ زَوْجِهَا كَانَ حَسَنًا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ زَوْجَ الْأَمَةِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْكِتَابَةِ الَّتِي تَئُولُ إِلَى عِتْقِهَا وَفِرَاقِهَا لَهُ ، كَمَا أَنَّ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ عِتْقُ أَمَتِهِ تَحْتَ الْعَبْدِ ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ نِكَاحِهِ ، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بُطْلَانُ نِكَاحِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا خُيِّرَتْ فاختارته بقيت مَعَهُ وَهِيَ حُرَّةٌ وَهُوَ عَبْدٌ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ جَائِزٌ لَهُ السُّؤَالُ وَالسَّعْيُ فِي كِتَابَتِهِ وَالتَّكَسُّبُ بِذَلِكَ ، وَجَائِزٌ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ وَهُوَ لَا شَيْءَ مَعَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تُخْبِرُهَا بِأَنَّهَا كَاتَبَتْ أَهْلَهَا وَسَأَلَتْهَا أَنْ تُعِينَهَا ، وَذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهَا قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِنْهَا شَيْئًا ، كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، والليث ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ فَقَالَتْ : يَا عَائِشَةُ ، إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقي ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَأَعِينِينِي وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا ، فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا وَقَالُوا : إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ مِنْهَا ، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا حَتَّى جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِجَازَةِ كِتَابَةِ الْأَمَةِ وَهِيَ غَيْرُ ذَاتِ صَنْعَةٍ وَلَا حِرْفَةٍ وَلَا مَالٍ ؛ إِذْ ظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مِنْ حِينِ كُوتِبَتْ ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَمِعَ أَنَّهَا كُوتِبَتْ ، هَلْ لَهَا كَسْبٌ يُعْلَمُ ، أَوْ عَمَلٌ وَاجِبٌ أَوْ مَالٌ ؟ وَلَوْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا لَسَأَلَ عَنْهُ لِيَقَعَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا وَمُعَلِّمًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا يُبَيِّنُ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَمَلٌ وَاجِبٌ أَوْ كسب يُعْرَفَ وَجْهُهُ . وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كسبِ الْإِمَاءِ . وَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ يَكُونُ خَوْفًا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكْتَسِبْنَ بِفُرُوجِهِنَّ . وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القرشي قَالَ : جَاءَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ إِلَّا مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا . وَقَالَ : هَكَذَا بِأَصَابِعِهِ نَحْوَ الْخُبْزِ وَالْغَزْلِ وَالنَّفْشِ ، وَهَذَا نَحْوُ مَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَكْتَسِبْنَ بِفُرُوجِهِنَّ عَلَى مَا كُنَّ يَصْنَعْنَ بِإِذْنِ مَوَالِيهِنَّ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبِغَاءِ . وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أُبِيحَ لَهَا السُّؤَالُ لِانْفِرَادِهَا بِكَسْبِهَا دُونَ مَوَالِيهَا ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى عَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ مِنَ الرِّقِّ ، وَسَنُبَيِّنُ هَذَا وَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مَالٌ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
قَالَ : الْمَالُ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : الْمَالُ وَالصَّلَاحُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْغِنَى وَالْأَدَاءُ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي قَوْلِهِ :
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
قَالَ : صِدْقًا وَوَفَاءً . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : قُوَّةً . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : دِينًا وَأَمَانَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا جَمَعَ الْقُوَّةَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَمَانَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَيْسَ الْخَيْرُ هَاهُنَا الْمَالَ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَالَ يَكُونُ عِنْدَهُ لَا فِيهِ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ ؟ وَلَكِنْ يَكُونُ فِيهِ الِاكْتِسَابُ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَالُ . قَالَ : وَسَوَاءٌ ذُو الصَّنْعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ . ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ . وَذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ ، فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فِيهَا لِلرِّقَابِ ، وَهُمْ عِنْدَنَا الْمُكَاتَبُونَ قَالَ : وَلِهَذَا لَمْ أَكْرَهْ كتابة الأمة غير ذَاتَ الصَّنْعَةِ مَعَ رَغْبَةِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِينَ تَطَوُّعًا ، قَالَ : وَلَا تُشْبِهُ الْكِتَابَةُ أَنْ تُكُلَّفَ الْأَمَةُ الْكَسْبَ ؛ لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا حِينَئِذٍ فِي الصَّدَقَاتِ ، وَلَا رَغْبَةَ لِلنَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا كَرَغْبَتِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ . وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْحَسَنِ ، وَعِنْدَهُ أَخُوهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنٍ ، فَتَذَاكَرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ فَكَاتِبْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ فَلَا تُعَلِّقْهُ صَحِيفَةً يَغْدُو بِهَا عَلَى النَّاسِ وَيَرُوحُ فَيَسْأَلُهُمْ فَيُحْرِجُهُمْ فَيُؤَثِّمُهُمْ - . فَقَالَ الْحَسَنُ
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
صِدْقًا وَأَمَانَةً : مَنْ أَعْطَاهُ كَانَ مَأْجُورًا ، وَمَنْ سُئِلَ فَرَدَّ خَيْرًا كَانَ مَأْجُورًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَخَّصَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي مُكَاتَبَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ مُكَاتَبَةَ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَمَسْرُوقٍ ؛ وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا ، وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
أَنَّهُ الْكَسْبُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ بَرِيرَةَ أَمَعَكِ مَالٌ أَمْ لَا ، وَلَمْ يَنْهَهَا عَنِ السُّؤَالِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَسْبُ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمَسْأَلَةُ : آخِرُ كسب الْمُؤْمِنِ ، وَقَدْ كُوتِبَتْ بَرِيرَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا كسب وَاجِبٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى إِجَازَةِ أَخْذِ السَّيِّدِ نُجُومَ الْمُكَاتَبِ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ ؛ لِتَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُجُوهًا عَنْ مَسْأَلَةِ عَائِشَةَ إِذْ كَانَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي أَدَاءِ نَجْمِهَا ، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ كَرِهَ كتابة الْمُكَاتَبَ الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ ، وَقَالَ : تُطْعِمُنِي أَوْسَاخَ النَّاسِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَا كَمَا ظَنَّ ؛ لِأَنَّ مَا طَابَ لِبَرِيرَةَ أَخْذُهُ كَانَ لِسَيِّدِهَا قَبْضُهُ عَنْهَا فِي الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ رَبِيعَةَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ ، وَكَيْفَ لَا يَبْدُرُ النَّاسَ إِلَى إِعْطَاءِ الْمُكَاتَبِ ، وَيَطِيبُ لَهُ مَا أُعْطِيَ فَيَصِيرُ مَالَهُ وَيُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَضَّ عَلَى إِعْطَائِهِ وَنَدَبَ إِلَى ذَلِكَ . رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعَانَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، قَالَ : لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ : أَعْتِقِ النَّسَمَةَ ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ ، قَالَ : أَوَلَيْسَا وَاحِدًا ؟ قَالَ : لَا ، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرِدَ عِتْقَهَا ، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ : أَنْ تُعْتِقَ فِي ثَمَنِهَا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . وَلَوْ كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ للسيد أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُكَاتَبِهِ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ لَكَانَ مَحْظُورًا أَيْضًا عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْفَقِيرِ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا انْتَفَعَ الْفَقِيرُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنَ الْمَالِ ، وَلَضَاقَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَهَذَا مَا لَا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى أَحَدٍ ، وَحَسْبُكَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ لِذَلِكَ مِنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ بَرِيرَةَ مِمَّا تُصَدِّقُ بِهِ عَلَيْهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أُتِيَ بِلَحْمٍ ، قَالُوا : إِنَّهُ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكِتَابَةِ : هَلْ تَجِبُ فَرْضًا عَلَى السَّيِّدِ إِذَا ابْتَغَاهَا الْعَبْدُ ، وَعَلِمَ فِيهِ خَيْرًا ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا وَاجِبًا ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، قَالَ : هِيَ عَزْمَةٌ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي الْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ مَوْلَاهُ - الْكِتَابَةَ ، فَأَبَى أَنَسٌ ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ الدِّرَّةَ ، وَتَلَا :
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ . وَقَالَ دَاوُدُ : مَا كَانَ عُمَرُ لِيَرْفَعَ الدِّرَّةَ عَلَى أَنَسٍ فِيمَا لَهُ مُبَاحٌ أَلَّا يَفْعَلَهُ . وَحُجَّةُ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
وَهَذَا أَمْرٌ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ إِذَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ : لَيْسَتِ الْكِتَابَةُ بِوَاجِبَةٍ ، وَمَنْ شَاءَ كَاتَبَ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ : أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَفِي الْكِتَابَةِ إِخْرَاجُ مِلْكِهِ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ تَرَاضٍ ، وَلَا طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ أَحْرَى أَلَّا تَجِبَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ عُمَرَ لِأَنَسٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْسَانِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : لَا يَسَعُ السَّيِّدُ إِلَّا أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمَانَةُ وَالْخَيْرُ من غير أَنْ يُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ، وَأَخْشَى أَنْ يَأْثَمَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقي فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ تَكُونُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ ، وَتَكُونُ عَلَى أَنْجُمٍ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : فِيمَا عَلِمْتُ إِنَّ الْكِتَابَةَ حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى أَنْجُمٍ مَعْلُومَةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابَةِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ وَقَعَتْ حَالَةً ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُونَهَا عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا تَجُوزُ حَالَةً أَلْبَتَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَتْ كِتَابَةً إِذَا كَانَتْ حَالَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ عِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ - أَعْنِي بِقَوْلِهِ فِيهِ : فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ - مَنْ أَجَازَ النُّجُومَ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا ، وَفِي كُلِّ عَامٍ كَذَا ، وَلَا يَقُولُ : فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، أَوْ وَسَطِهِ ، أَوْ آخِرِهِ ، وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ حَتَّى يُسَمِّيَ الْوَقْتَ مِنَ الشَّهْرِ وَالْعَامِ ، وَيَكُونُ مَحْدُودًا مَعْرُوفًا ، وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ نَزَعَ بِهِ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لَهَا : إِنَّهَا كتابة فَاسِدَةٌ ، إِذْ لَمْ يَعْرِفْ مَتَى يَأْخُذُ النَّجْمَ أَوِ الْأُوقِيَّةَ مِنَ الْعَامِ ، وَحَسْبُهُمْ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْعَامَ إِذَا انْقَضَى أَوِ انْسَلَخَ الشَّهْرُ وَجَبَ النَّجْمُ ، وَمَنْ أَدَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ ، وَلَيْسَتِ الْكِتَابَةُ كَالْبُيُوعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعَ سَيِّدِهِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَرَى بَيْنَهُمَا رِبًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ ( حَلَّ ) لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبَيْعِ الْعُرْبَانِ ، وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تِسْعُ أَوَاقِيَّ ، فَالْأُوقِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ فِي اللَّفْظِ ، مِقْدَارُهَا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَيْلًا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَالدِّرْهَمُ الْكَيْلُ : دِرْهَمٌ وَخُمْسَانِ بِدَرَاهِمِنَا عَلَى مَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَيُجْمَعُ الْأُوقِيَّةُ أَوَاقِيَّ - بِالتَّشْدِيدِ - كَذَلِكَ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . قَالَ أَبُو زَيْدٍ : وَقَدْ يُتَجَاوَزُ فِي الْجَمْعِ فَيُقَالُ أَوَاقٍ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يُقَالُ أُوقِيَّةٌ وَأَوَاقِيُّ ، وَبُخْتِيَّةٌ وَبَخَاتِيُّ ، وَأُمْنِيَّةٌ وَأَمَانِيُّ ، وَسُرِّيَّةٌ وَسَرَارِيُّ . قَالَ : وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بَخَاتٍ وَأَمَانٍ وَسَرَارٍ وَأَوَاقٍ . وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا لَهُمْ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ تَقُومُ مَقَامَ الْوَزْنِ ، وَأَنَّ الشِّرَاءَ بِهَا جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : أَزِنُهَا لَهُمْ ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَدُ الْأَوَاقِيِّ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ الْعَدَّ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَجُوزُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَايُعَ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْأَوَاقِيِّ وَبِالنَّوَاةِ وَبِالنَّشِّ ، وَهِيَ أَوْزَانٌ مَعْرُوفَةٌ فَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَالَنَّشُّ نِصْفُهَا ، وَالنَّوَاةُ زِنَةُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي بَابِ حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ : وَفِيهَا - يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ - أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ تُنْقَشَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا . قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَزْمٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ : فِي كَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنَ الدَّنَانِيرِ ؟ قَالَ : فِي كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا بِالشَّامِيِّ نِصْفُ مِثْقَالٍ ، قُلْتُ : مَا بَالُ الشَّامِيِّ مِنَ الْبَصْرِيِّ ؟ قَالَ : هُوَ الَّذِي يُضْرَبُ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ ، وَكَانَ ذَلِكَ وَزْنَ الدَّنَانِيرِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ ، كَانَتِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا إِلَّا حَبَّةً ، وَكَانَتِ الْعَشَرَةُ وَزْنَ سَبْعَةٍ . وَقَالَ غَيْرُ الْوَاقِدِيِّ : كَانَتِ الدَّنَانِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ وَعِنْدَ عَرَبِ الْحِجَازِ كُلُّهَا رُومِيَّةً تُضْرَبُ بِبِلَادِ الرُّومِ ، عَلَيْهَا صُورَةُ الْمَلِكِ وَاسْمُ الَّذِي ضُرِبَتْ فِي أَيَّامِهِ مَكْتُوبٌ بِالرُّومِيَّةِ ، وَوَزْنُ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ كَمِثْقَالِنَا هَذَا ، وَهُوَ وَزْنُ دِرْهَمٍ وَدَانِقَيْنِ وَنِصْفٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعِ حَبَّةٍ ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ بِالْعِرَاقِ وَأَرْضِ الْمَشْرِقِ كُلِّهَا كِسْرَوِيَّةً عَلَيْهَا صُورَةُ كِسْرَى ، وَاسْمُهُ فِيهَا مَكْتُوبٌ بِالْفَارِسِيَّةِ ، وَوَزْنُ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْهَا مِثْقَالٌ ، فَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ وَاسْمُهُ لَاوِي بْنُ فَلْفَظَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُ سِكَكًا لِيُوَجِّهَ بِهَا إِلَيْهِ فَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الدَّنَانِيرَ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِرَسُولِهِ : لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا ، قَدْ عَمِلْنَا سِكَكًا نَقَشْنَا عَلَيْهَا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَاسْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ جَعَلَ الدَّنَانِيرَ مَثَاقِيلَ مِنْ زُجَاجٍ لِئَلَّا تُغَيَّرَ أَوْ تُحَوَّلُ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حِجَارَةٍ ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ أَلَّا يَتَبَايَعَ أَحَدٌ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ نِدَائِهِ بِدِينَارٍ رُومِيٍّ ، فَكَثُرَتِ الدَّنَانِيرُ الْعَرَبِيَّةُ وَبَطَلَتِ الرُّومِيَّةُ . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَمَعَهَا وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، قَالَ : وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ دَوَانِقَ زَيْفٍ ، وَدِرْهَمٌ مِنْ أَرْبَعَةِ دَوَانِقَ جَيِّدٍ ، قَالَ : فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى أَنْ جَمَعُوا الْأَرْبَعَةَ الدَّوَانِقَ إِلَى الثَّمَانِيَةِ ، فَصَارَتِ اثْنَيْ عَشَرَ دَانِقًا ، فَجَعَلُوا الدِّرْهَمَ سِتَّةَ دَوَانِقَ وَسَمَّوْهُ كَيْلًا ، فَاجْتَمَعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ زَكَاةً ، وَأَنَّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أُوقِيَّةٌ ، وَأَنَّ فِي الْخَمْسِ الْأَوَاقِ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ فِيمَا دُونَهَا صَدَقَةٌ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا زِيَادَةَ ، وَهِيَ نِصَابُ الصَّدَقَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ : إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ لَكِ جَمِيعًا ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَظَاهِرُ هَذَا الْخِطَابِ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الْوَلَاءَ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، وَأَنْ تُؤَدى فِي ذَلِكَ جَمِيع الْكِتَابَةِ ، فَأَبَى الْقَوْمُ مِنْ ذَلِكَ وَطَلَبُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ عِنْدَ أَدَاءِ عَائِشَةَ لِجَمِيعِ الْكِتَابَةِ ، كَأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِذَلِكَ وَأَرَادَتِ الْوَلَاءَ ، أَوْ قَصَدَتْ إِلَى ابْتِيَاعِ الْوَلَاءِ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُبَاعُ ، وَأَنَّ مَنْ أَدَّى عَنْ مُكَاتَبٍ كِتَابَتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَلَاءُ ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ يَكُونُ النَّكِيرُ حِينَئِذٍ عَلَى عَائِشَةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - فِي إِرَادَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا بِأَدَائِهَا الْكِتَابَةَ عَنْهَا ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي الْوَلَاءَ لَهُمْ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ . وَقَدْ قَالَ وُهَيْبٌ ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَقَوْلُهَا : وَأُعْتِقُكِ دَلِيلٌ عَلَى شِرَائِهَا لَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْتِقُهَا إِلَّا بَعْدَ شِرَائِهَا لَهَا ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهَا : أُعْتِقُكِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي ، وَقَوْلُهُ : ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ : خُذِيهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : ابْتَاعِيهَا وَأَعْتِقِيهَا أَمْرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ ابْتِدَاءٌ ، وَعِتْقُهَا لَهَا بَعْدَ مِلْكِهَا لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ ، وَإِيَّاهُ يُعَضِّدُ سَائِرُ الْآثَارِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَتُعْتِقَهَا ، فَقَالَ أَهْلُهَا : نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ بَرِيرَةَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا فِي حَدِيثِ هِشَامٍ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ ، وَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ وَعِتْقَهَا ، فَأَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ لَهُمْ ، وَفِي مِثْلِ هَذَا يَصِحُّ الْإِنْكَارُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْمُعْتِقِ ثُبُوتَ النَّسَبِ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحْوِيلُهُ عَنْهُ بِبَيْعٍ وَلَا اشْتِرَاطٍ . وَكَذَلِكَ فِي سِيَاقَةِ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ مِنْ عَائِشَةَ لَا أَنَّهَا أَدَّتْ عَنْهَا كِتَابَتَهَا ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَرْطَ الْوَلَاءِ مَعَ الْبَيْعِ ، وَإِبَاحَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شِرَاءَهَا عَلَى ذَلِكَ دُونَ إِعْمَالِ الشَّرْطِ ، وَفِي ذَلِكَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَإِبْطَالُ الشَّرْطِ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهَا ، وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَبَانَ بِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً ، وَبِعِتْقِهَا بَعْدَ مِلْكِهَا ؛ لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ عَائِشَةَ مُوَافِقَةٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مَا يُبَيِّنُ رِوَايَةَ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُذِيهَا ، وَلَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ ، بَلْ نَصٌّ عَلَى صِحَّةِ شِرَائِهَا ، وَصِحَّةِ مِلْكِهَا وَصِحَّةِ عِتْقِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاسْتِحْقَاقِ وَلَائِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاشْتِرَاطُ أَهْلِ بَرِيرَةَ وَلَاءَهَا مَعَ فَضْلِ بَيْعِهَا عَلَى الْعِتْقِ ، فَهُوَ الَّذِي خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِنْكَارِهِ لِتَقَدُّمِهِ إِلَيْهِمْ ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيِّنِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِجَازَةُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا مَا جَازَ بَيْعُهُ ، وَفِي كَوْنِهِ عَبْدًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذَا عُقِدَتْ كِتَابَتُهُ فَهُوَ غَرِيمٌ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَرَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تُجْرَى الْعَتَاقَةُ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ نَجْمٍ . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تُجْرَى الْحُدُودُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَقَالَ عَنْهُ عَامِرٌ : يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَكَانَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ يَقُولُ : كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَفْقَهَ مِنْ أَنْ يَقُولَ يُعْتَقُ مِنَ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، مُنْكِرًا لِذَلِكَ عَنْهُ ، وَهَذِهِ أَقَاوِيلُ اخْتُلِفَ فِيهَا ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ تَعَلَّقَ بِهَا . وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَعَنِ النَّخَعِيُّ : إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : مَنْ كَاتَبَ مُكَاتَبًا فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِي الرِّقِّ إِنْ عَجَزَ كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى فَهُوَ كَذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ ، وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ وَلَائِهِ وَمَنْ كَرِهَهُ ، وَمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعِتْقَ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الرِّقِّ أَبَدًا ، وَمَنْ أَجَازَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ وَلَاءَ نَفْسِهِ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا مَعَ صِحَّتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا بِيعَتْ بَرِيرَةُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ : الْمَكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ . وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ وَتَرَكَ مَالًا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كُلُّ مَا تَرَكَ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا . وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : مُجَاهِدٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ وَجِنَايَتُهُ فِي عِتْقِهِ . وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . وَرَوَى الْحَكَمُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ : يُعْطِي سَيِّدُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِوَرَثَةِ الْمُكَاتَبِ . وَرَوَى عَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، جَعَلُوهُ كَغَرِيمٍ حَلَّ دَيْنُهُ ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ . وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ : إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا ، قُسِّمَ مَا تَرَكَ عَلَى مَا أَدَّى وَعَلَى مَا بَقِيَ ، فَمَا أَصَابَ مَا أَدَّى فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ، وَمَا أَصَابَ مَا بَقِيَ فَلِمَوَالِيهِ . وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَى الْحَكَمُ ، وَعَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى دِيَةَ الْحُرِّ ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ . رَوَاهُ حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ مُسْنَدًا ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُهُمْ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَقُولَانِ ذَلِكَ ، وَبِهِ كَانَ عِكْرِمَةُ يُفْتِي ، وَكَانَ يَقُولُ : الْمُكَاتَبُ يُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ ، وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً ، أَوْ أَصَابَ حَدًّا فَبِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ ، وَقَدْ نَاظَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي الْمُكَاتَبِ ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ : أَكُنْتَ رَاجِمَهُ لَوْ زَنَى أَوْ مُجِيزَ شَهَادَتِهِ إِنْ شَهِدَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا ، فَقَالَ زَيْدٌ : فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . وَفِيهِ إِجَازَةُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِالْبَيْعِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ ، خِلَافَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا بِالْعَجْزِ ؛ لِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَذْكُرْ أَنَّهَا عَجَزَتْ ، عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ ، وَلَا أَخْبَرْتَ بِأَنَّ النَّجْمَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا ، وَلَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعَاجِزَةٌ أَنْتِ أَمْ هَلْ حَلَّ عَلَيْكِ نَجْمٌ فَلَمْ تُؤَدِّيهِ ؟ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ ، لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَأَلَهَا أَعَاجِزَةٌ هِيَ أَمْ لَا ؟ وَمَا كَانَ لِيَأْذَنَ فِي شِرَائِهَا إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا عَاجِزَةٌ ، وَلَوْ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ وَاحِدٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا . وَفِي خَبَرِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حُجَّةً أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا ، وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ يُعَارِضُهُ ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى عَجْزِهَا . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ ، وَأَبَا الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةَ كَانُوا يَقُولُونَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا بِرِضًى مِنْهُ ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْبَيْعِ فَهُوَ عَجْزٌ مِنْهُ وَجَازَ بَيْعُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ ، قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ ذَا مَالٍ ظَاهِرٍ فَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَلَهُ تَعْجِيزُهُ دُونَ السُّلْطَانِ وَيَمْضِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ قَبْلَ حَلِّ النَّجْمِ بِالْأَيَّامِ وَالشَّهْرِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يُعَجِّزُهُ إِلَّا السُّلْطَانُ ؛ فَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ سَيِّدُهُ تَعْجِيزَهُ بَعْدَمَا حَلَّ عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَأْبَى الْعَجْزَ وَيَقُولُ : يُؤَدَّى ، إِلَّا أَنَّهُ يَمْطُلُ سَيِّدَهُ ، فَالسُّلْطَانُ يَتَلَوَّمُ لَهُ ، فَإِنْ رَأَى لَهُ وَجْهَ أَدَاءٍ تَرَكَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لَهُ عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ ، وَلَا يُعَجِّزُهُ السَّيِّدُ ، وَهُوَ آبٍ ، وَلَوْ أَخَّرَ نَجْمًا أَوْ أَنْجُمًا إِلَّا بِالسُّلْطَانِ قَالَ : وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا إِلَّا بِقَضِيَّةِ سُلْطَانٍ ، قَالَ : وَلَوْ غَابَ الْمُكَاتَبُ فَحَلَّتْ نُجُومُهُ فَلَيْسَ إِشْهَادُ السَّيِّدِ بِتَعْجِيزِهِ تَعْجِيزًا إِلَّا بِنَظَرِ السُّلْطَانِ ، وَهُوَ إِذَا قَدِمَ عَلَى كِتَابَتِهِ إِنْ أَدَّى ، وَإِلَّا نَظَرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ . وَقَالَ مَالِكٌ : الَّذِي يَقَعُ بِنَفْسِي فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءُ ، والليث بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : جَائِزٌ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فِي كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي ابْتَاعَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ( وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ - مَا دَامَ مكَاتِبًا - حَتَّى يَعْجِزَ ، وَلَا يَجُوزَ بَيْعُ كِتَابَتَهِ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بمصر : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ ، وَكَانَ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ : بَيْعُهُ جَائِزٌ ، وَأَمَّا بَيْعُ كِتَابَتِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ) وَالشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ قَاضٍ . وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ يَقُولُونَ : لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعْجِزَهُ إِذَا حَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَإِنْ قَالَ : أَخِّرُونِي ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ يَرْجُو قُدُومَهُ ، أَخَّرْتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، لَا أَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا . وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ الْحَكَمُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : أَقَلُّ مَا يُعَجَّزُ بِهِ حُلُولُ نَجْمَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : نَجْمٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : نَجْمَانِ ، ( قَالَ ) وَالِاسْتِينَاءُ بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَقَالَ أَحْمَدُ : نَجْمَانِ أَحَبُّ إِلَيْنَا ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَسْتَأْنى بِهِ شَهْرَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا عَجَزَ اسْتَسْعَى بَعْدَ الْعَجْزِ سَنَتَيْنِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ أَوْ نَجْمَانِ أَوْ نُجُومُهُ كُلُّهَا فَوَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ وَتَرَكَهُ بِحَالِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ مَا دَامَا عَلَى ذَلِكَ ثَابِتَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَعَجَّزَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ : أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إِلَّا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَالٌ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُمَكَّنُ مِنْ تَعْجِيزِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ عُلِمَ لَهُ مَالٌ أَوْ قُوَّةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ ، وَإِذَا قَالَ : قَدْ عَجِزْتُ وَأَبْطَلْتُ الْكِتَابَةَ فَذَلِكَ إِلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحْتَمِلُ حَدِيثُ بَرِيرَةَ أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ مَالِكٌ لِمَذْهَبِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُكَاتَبِ يَعْجِزُ وَبِيَدِهِ مَالٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ كُلَّ مَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَمَا فَضُلَ بِيَدِهِ بَعْدَ عَجْزِهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، يَطِيبُ أَخْذُ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَرِوَايَةٍ عَنْ شُرَيْحٍ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إِذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنَ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ عَجْزِهِ هُوَ مِنَ كسب الْعَبْدِ لَمْ يَرُدَّهُ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَقْرَضَهُ الْعَبْدُ ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ زَكَاةِ رَجُلٍ فَعَلَى السَّيِّدِ رَدُّهُ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ فِي مُكَاتَبٍ عَجَزَ كَيْفَ يَصْنَعُ سَيِّدُهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ ، قَالَ : يَجْعَلُهُ فِي مِثْلِهِ مِنَ الرِّقَابِ قَالَ : وَقَالَ شُرَيْحٌ : إِنْ عَجَزَ رُدَّ فِي الرِّقِّ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَوْلَاهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَكُلُّ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ السَّيِّدُ قَبْلَ الْعَجْزِ حَلَّ لَهُ ، كَانَ مِنْ كَسْبِهِ ، أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَأَمَّا ( مَا ) أُعِينُ بِهِ عَلَى فِكَاكِ رَقَبَتِهِ ، فَلَمْ يَفِ ذَلِكَ بِكِتَابَتِهِ ، كَانَ لِكُلِّ مَنْ أَعَانَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَعْطَى ، أَوْ يُحَلَّلُ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ ، وَلَوْ أَعَانُوهُ صَدَقَةً لَا عَلَى فِكَاكِ رَقَبَتِهِ ، فَذَلِكَ إِنْ عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ ، وَلَوْ تَمَّ بِهِ فِكَاكُهُ وَبَقِيَتْ فَضْلَةٌ ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْفِكَاكِ رَدَّهَا إِلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ ، أَوْ يُحَلِّلُونَهُ مِنْهَا ، هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَجْعَلُ السَّيِّدُ مَا أَعْطَاهُ فِي الرِّقَابِ . وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَالنَّخَعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ شُرَيْحٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَا قَبَضَ مِنْهُ السَّيِّدُ فَهُوَ لَهُ ، وَمَا فَضَلَ بِيَدِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ فَهُوَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَا أَعْطَى لِحَالِ الْكِتَابَةِ ، رَدَّ عَلَى أَرْبَابِهِ ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهَا ، وَأَمَّا فُرُوعُ مَسَائِلِ الْمُكَاتَبِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا ، لَا سَبِيلَ فِي مِثْلِ تَأْلِيفِنَا هَذَا إِلَى إِيرَادِهَا عَلَى شَرْطِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ من غير أَدَاءٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الْعِتْقِ ، خِلَافَ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ غَرِيمًا مِنَ الْغُرَمَاءِ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَا يُوجِبُ عِتْقَهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَجَازَ بَيْعَهَا ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْعِتْقِ مَا أَجَازَ بَيْعَ ذَلِكَ ، إِذْ مِنْ سُنَّتِهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُبَاعَ الْحُرُّ . وَأَمَّا قَوْلُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا : خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، فَكَذَلِكَ رَوَاهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ ، عَنْ مَالِكٍ : وَاشْتَرِطِي الْوَلَاءَ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَشْرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ ، فَلَمْ يُدْخِلِ التَّاءَ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَمَعْنَى أَشْرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، أَيْ : أَظْهِرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَيْ : أَظْهِرِي لَهُمْ ذَلِكَ ، وَعَرِّفِيهِمْ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاطَ هُوَ الْإِظْهَارُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ :
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ
وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا
يَعْنِي : أَظْهَرَ نَفْسَهُ لَمَّا حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ . قَالَ : وَأَمَّا رِوَايَةُ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ : وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ؛ أَيِ : اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ أَنَّهُ لَكِ ، أَيِ : اشْتَرَيْتُ وَأَعْتَقْتُ ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا
بِمَعْنَى : عَلَيْهَا ، وَكَقَوْلِهِ :
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
يَعْنِي عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ إِلَّا اشْتَرِطِي بِالتَّاءِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ : قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ : مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ تَحْرِيمِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَ بِتَرْكِ شَيْءٍ ، ثُمَّ يُخْبِرَ أَنَّهُ لِمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ مِنَ الْمَتْرُوكِ لَهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ إِيَّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ ضَائِرٍ لَكِ ، وَلَا نَافِعٍ لَهُمْ ، لَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لَهُمْ لِيَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ ، فَيَبْطُلَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْبَيْعُ وَهُمْ غَيْرُ عَالِمِينَ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ لَهُمْ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَنْهَى عَنْ فِعْلِهِ ، أو يرضى لِنَفْسِهِ مَا لَا يَرْضَاهُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَهَدُّدًا لِمَنْ رَغِبَ عَنْ حُكْمِهِ وَخَالَفَ عَنْ أَمْرِهِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى فِعْلِ مَا قَدْ نَهَى عَنْ فِعْلِهِ ، وَتَهَاوُنًا بِالشَّرْطِ إِذْ كَانَ غَيْرَ نَافِعٍ لِمُشْتَرِطِهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا
وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يُجِزْ لِلْمُشْرِكِينَ كَيْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَلَا أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا بِدُعَاءِ الْأَصْنَامِ مُعْتَصِمِينَ ، وَإِنَّمَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ضَائِرٍ لِلْمُؤمِنِينَ وَلَا نَافِعٍ لِلْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ :
قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الْكِتَابَ
الْآيَةَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ هُودٍ :
فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
الْآيَةَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا إِغْرَاءٍ ، وَلَكِنَّهُ تَهَاوُنٌ بِكَيْدِهِمْ وَاسْتِخْفَافٌ بِتَوَعُّدِهِمْ ، وَإِظْهَارٌ لِعَجْزِهِمْ ، وَذَكَرَ آيَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَقَالَ : هَذَا الْبَابُ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، يَسْتَعْمِلُهُ مِنْهُمْ مَنْ فَلَجَ بِحُجَّتِهِ ، وَأَمِنَ مِنْ كَيْدِ خَصْمِهِ . قَالَ الْمُتَلَمِّسُ يَهْجُو عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ حِينَ قَتَلَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ يُخْبِرُ أَنَّهُ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ تَوَعُّدِهِ وَلَا جَازِعٍ مِنْ تَهَدُّدِهِ :
فَإِذَا حَلَلْتَ وَدُونَ بَيْتِيَ غَارَةٌ
فَأبْرِقْ بِأَرْضِكَ مَا بَدَا لَكَ وَأَرْعِدِ
قَالَ : فَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ أَمْرًا مِنْهُ لَهُ بِالدَّوَامِ عَلَى تَهَدُّدِهِ ، وَلَا نَهْيًا لَهُ عَنِ الْإِقَامَةِ عَلَى تَخْوِيفِهِ وَتَوَعُّدِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعْلَامٌ أَنَّ إِيعَادَهُ غَيْرُ ضَائِرٍ لَهُ ، وَأَنَّ مَكَائِدَهُ غَيْرُ لَاحِقَةٍ بِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ
ثُمَّ قَالَ :
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ
فَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي بَابِ التَّهَاوُنِ وَلِلتَّحْذِيرِ ، خَارِجٌ مِنْ بَابِ الْإِبَاحَةِ وَالتَّفْوِيضِ ، وَمِنْ مَعْنَى الْأَغْوَارِ وَالتَّحْرِيضِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ غَيْرُ ضَائِرٍ لِمَنْ تَوَلَّاهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَأَحَبَّ هِدَايَتَهُ ، وَأَنَّهُ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ ، وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ، وَأَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقَّاقُ قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ عَلَى عَبْدِهِ وَلِيدَةَ قَوْمٍ ، وَاشْتَرَطَ أَنَّ مَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ مِنْ وَلَدٍ فَلِي شَطْرُهُ ، وَقَدْ أَعْطَاهَا الْعَبْدُ مَهْرَهَا ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : هَذَا مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي لَا نَرَى لَهُ جَوَازًا ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، مَا بَالُ قَوْمٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ شَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ ، فَلَيْسَ لَهُ شَرْطُهُ ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَجْمَعُوا - وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ الْآثَارُ أَيْضًا - أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ إِذِ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ ذَاتَ زَوْجٍ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي زَوْجِهَا ، هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ؟ وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ أَنَّهَا تُخَيَّرُ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ، هَلْ تُخَيَّرُ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَفِي حُكْمِهَا إِذَا خُيِّرَتْ وَحُكْمِ فُرْقَتِهَا وَعِدَّتِهَا وَسَائِرِ مَعَانِيهَا ، وَحُجَّةَ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ بَرِيرَةَ قَدْ خُيِّرَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا ، خَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَنْ تَقَرَّ عِنْدَ زَوْجِهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا ، وَفِي تَخْيِيرِهِ لَهَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا لَوْ كَانَ طَلَاقًا مَا خُيِّرَتْ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا ، وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا ، مَعَ رِوَايَتِهِ لِقِصَّةِ بَرِيرَةَ ، وَتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَشَهَادَتِهِ أَنَّهُ رَأَى زَوْجَهَا يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخَبَرِ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا مُبْرِزًا ، قَدْ يَعْزُبُ عَنْهُ بَعْضُ دَلَائِلِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ عَزَبَ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَفِقْهِهِ مَوْضِعَ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ ؛ إِذْ كَانَ يَقُولُ : بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا . قَالَ : وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، ثُمَّ أَدَّاهَا لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ . وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ هَذَا الْخَبَرَ وَقَالَ : قَدْ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ : رُبَّ مُبَلِّغٍ كَانَ أَوْعَى لِلْخَبَرِ مِنْ سَامِعِهِ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يُقَالَ فِيهَا : أَمَّا بَعْدُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ
فَقَالَ قَوْمٌ : فَصْلُ الْخِطَابِ : أَمَّا بَعْدُ . وَقَالَ آخَرُونَ : فَصْلُ الْخِطَابِ ؛ الْبَيِّنَاتُ وَالشُّهُودُ وَمَعْرِفَةُ الْقَضَاءِ . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ بَيْعَ بَرِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ مَوَالِي بَرِيرَةَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَلَاءَ دُونَ عَائِشَةَ وَهِيَ الْمُعْتِقَةُ ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، وَفِي إِجَازَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْعَ وَشَرْطَ الْعِتْقِ مَعًا ، وَإِبْطَالِهِ شَرْطَ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يَبْطُلُ وَلَا يَلْزَمُ ، وَلَا يَضُرُّ الْبَيْعَ ، وَالشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا مِثْلُ هَذَا فَاسِدٌ وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِبُطْلَانِهِ ، بَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَالْآخَرُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ مَعًا ، وَالثَّالِثُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَيْعِ شُرُوطٌ يَكُونُ الْبَيْعُ مَعَهَا فَاسِدًا ، وَلِبَيَانِ ذَلِكَ وَبَسْطِهِ وَتَلْخِيصِهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُشْتَهِ الْأَصْبِهَانِيُّ الْمُقْرِئُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّحَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ زَاذَانَ الضَّرِيرُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الذُّهْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : قَدِمْتُ مَكَّةَ فَوَجَدْتُ بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ ، فَسَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقُلْتُ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَشَرَطَ شَرْطًا ؟ فَقَالَ : الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ ، فَقُلْتُ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ اخْتَلَفْتُمْ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا . حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ، عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَ . حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَأُعْتِقَهَا ، وَإِنِ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا قَالَا . حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةً وَشَرَطَ لِي حِلَابَهَا أَوْ ظَهْرَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ ، الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ جَابِرٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شِرَائِهِ مِنْهُ جَمَلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا ، وَاضْطِرَابُ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، فَمَعْنَاهُ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَرَنَ طَاعَةَ رَسُولِهِ بِطَاعَتِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
يُرِيدُ : حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ أَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ . وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ وَشَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَلَا يُعْلَمُ فِي نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي دَلَالَةٍ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ بِنَقْلِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ الْخَاصِّ . وَأَمَّا أَمْرُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ أَنْ يُقَالَ : لِكُلِّ حُكْمٍ حُكِمَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ ابْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا الْمِائَةُ شَاةٍ ، وَالْخَادِمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ . فَقَدْ أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ عَلَى الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ نَفْيَ سَنَةٍ مَعَ الْجَلْدِ ، وَلَا فِيهِ أَنَّ عَلَى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ وَإِنْ كَثُرَتْ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةَ شَرْطٍ أَوْ أَكْثَرَ ، أَنَّهَا جَائِزٌ اشْتِرَاطُهَا إِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَا يَرُدُّهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَفِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ نَفْيٌ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إِلَّا لِمُعْتِقٍ ، وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَاءٌ ، أَوْ لِلْمُلْتَقَطِ وَلَاءٌ ، وَأَنْ يُوَالِيَ أَحَدٌ أَحَدًا بِغَيْرِ عِتَاقِهِ . وَقَوْلُهُ : لِمَنْ أَعْتَقَ ، يَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ عَتِيقُهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْوَلَاءِ ، مُسْتَوْعَبَةً مُمَهَّدَةً فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا بِيعَ لِلْعِتْقِ بِرِضًى مِنْهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ ، وَقَبَضَ بَائِعُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا ، وَسَوَاءً بَاعَهُ لِعِتْقٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عِتْقٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالسَّيِّدِ يُؤَدِّي مُكَاتَبَهُ إِلَيْهِ كِتَابَتَهُ فَيُؤْتِيهِ مِنْهَا ، أَوْ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِهَا نَجْمًا ، أَوْ مَا شَاءَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ فِي قَوْلِهِ :
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ
؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مَوَالِيَ بَرِيرَةَ بِإِعْطَائِهَا مِمَّا قَبَضُوا شَيْئًا ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ بَاعُوهَا لِلْعِتْقِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ
لَمْ يُرِدْ بِهِ سَيِّدَيِ الْمُكَاتَبَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ عَامٌّ لِلنَّاسِ ، مَقْصُودٌ بِهِ إِلَى مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنَّ وَضْعَ الزَّكَاةِ فِي الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْعَجْزُ ، وَخَصَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعَبِيدِ بِذَلِكَ فَجَعَلَ لِلْمُكَاتَبِينَ حَقًّا فِي الزِّكْوَاتِ بِقَوْلِهِ :
وَفِي الرِّقَابِ
قَالُوا : وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْإِيتَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ بَعْضِ الْكِتَابَةِ لَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ إِيتَاءً ، وَالْإِيتَاءُ هُوَ إِعْطَاءُ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْأَيْدِي بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ ، قَالُوا : وَلَوْ أَرَادَ الْوَضْعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ لَقَالَ : ضَعُوا عَنْهُمْ ، أَوْ فَأَعِينُوهُمْ بِهِ ، بَلْ هُوَ مِنْ مَالٍ غَيْرِ الْكِتَابَةِ ، وَمَعْرُوفٌ فِي نِظَامِ الْقُرْآنِ أَنْ يُسْبَقَ بِضَمِيرٍ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ :
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ
وَالْمَأْمُورُ بِتَرْكِ الْعَضَلِ : الْأَوْلِيَاءُ لَا الْمُطَلِّقُونَ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ :
أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ
وَالْمُبَرَّءُونَ غَيْرُ الْقَائِلِينَ ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يُوضَعَ عَنِ الْمُكَاتَبِ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عُمَرَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى هَذَا نَدْبًا وَاسْتِحْسَانًا وَيَسْتَحِبُّهُ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوجِبُهُ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُوجِبُهُ وَلَا يَجِدُ فِيهِ حَدًّا ، وَكَانَا جَمِيعًا يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ رُبْعُهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَضْعِ مِنَ الْكِتَابَةِ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنْ يُجْبَرَ السَّيِّدُ عَلَى أَنْ يَضَعَ مِنْ آخِرِهَا وَلَا يَجِدُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : يُوضَعُ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ
قَالَ : الرُّبْعُ مِنْ كِتَابَتِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَضَعَ عَنْ مُكَاتَبِهِ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَتَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِنْدَهُمْ :
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ
عَلَى النَّدْبِ وَالْحَضِّ عَلَى الْخَيْرِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ . وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ نَدْبٌ وَحَضٌّ : بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ يَرَى الْكِتَابَةَ فَرْضًا إِذَا ابْتَغَاهَا الْعَبْدُ وَعُلِمَ فِيهِ الْخَيْرُ ، وَكَانَ يَرَى الْإِيتَاءَ أَيْضًا فَرْضًا مِنْ غَيْرِ حَدٍّ ، وَلَا يَرَى وَضْعَ آخِرِهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ تَسْجِيعِ الْكَلَامِ فِيمَا يَجُوزُ وَيَنْبَغِي مِنَ الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي تَسْجِيعِ الْأَعْرَابِيِّ : إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمَضَى ذِكْرُ الْوَلَاءِ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَابِ رَبِيعَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .