الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي
حَدِيثٌ حَادٍ وَسِتُّونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ ( كَانَ ) يُقَالُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي ، الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيْءٌ أَنَاهُ وَقَدَرَهُ ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى ، سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا ، لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمًى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْخَبَرَ ، شَيْءٌ أنَاهُ بِتَخْفِيفٍ يَعْجَلُ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ ، وَشَيْءٌ رَفْعًا فِي مَوْضِعِ الْفَاعِلِ ، وَإِنَاهُ مَكْسُورُ الْهَمْزَةِ مَقْصُورٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ، وَ قَدَرَهُ كَذَلِكَ اسْمٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ، وَتَابَعَ يَحْيَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ : الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي ، الَّذِي لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ ، فَجَعَلَ لَمْ فِي مَوْضِعِ لَا ، وَيُعَجِّلُ مُثَقَّلٌ ، وَشَيْئًا مَفْعُولُ يُعَجِّلُ ، أَنَاءَهُ مَمْدُودٌ مَفْتُوحُ الْهَمْزَةِ ، وَقَدَّرَهُ فِعْلٌ مُثَقَّلٌ ، فَالْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ يَحْيَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ وَقْتَهُ ، أَيِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقَضَائِهِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ شَيْءٌ وَقْتَهُ وَحِينَهُ الَّذِي قَدَّرَ لَهُ ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَ لَهُ وَقْتٌ ، وَأَنَاءُ الشَّيْءِ وَقْتُهُ وَغَايَتُهُ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - :
غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
أَيْ وَقْتَهُ ، وَالْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَأَخُّرُهُ ، وَلَا نَقَضَ شَيْئًا مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، أَيْ كُلُّ مَا سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَكُونُ كَمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ ، أَيْ مَا أَخَّرَهُ فَهُوَ مُؤَخَّرٌ أَبَدًا لَا يُعَجَّلُ وَلَا يُنْقَضُ مَا أَبْرَمَ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَبْدُو لَهُ فَيُؤَخِّرُ مَا قَضَى بِتَعْجِيلِهِ ، وَلَا يُجْرَى خَلْقُهُ إِلَّا بِمَا سَبَقَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْمَعْنَى كُلُّهُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ يَجْرِي عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيْهِ ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ ؛ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَآنَيْتَ : أَخَّرْتَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلَّذِي أَتَى فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ : آنَيْتَ وَآذَيْتَ : أَيْ أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ ، وَآذَيْتَ النَّاسَ بِالتَّخَطِّي . قَالَ الشَّاعِرُ :
وَآنَيْتُ الْعِشَاءَ إِلَى سُهَيْلٍ
أَوِ الشِّعْرَى فَطَالَ بِيَ الْأنَاءُ
حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو سَهْلُ ابْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ نُعَيْمُ بْنُ مُوَرِّعِ بْنِ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَلَا أُعَلِّمُكَ عُوذَةً كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ بِهَا ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وَأَنَا أُعَوِّذُ بِهَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ؟ قَالَ : قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : كَفَى بِسَمْعِ اللَّهِ وَاعِيًا لِمَنْ دَعَا ، إِلَّا مَرْمًى وَرَاءَ أَمْرِ اللَّهِ لِرَامٍ رَمَى . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَنْجَرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ بْنُ مُوَرِّعٍ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَذَكَرَهُ سَوَاءً ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ . أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى النَّخْلِ الَّذِي فِيهِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ ، فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِبْرَاهِيمُ مَا نَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، قُلْتُ : تَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ ؟ قَالَ : مَا نَهَيْتُ عَنْهُ ، وَلَكِنِّي نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ : صَوْتٍ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ شَيْطَانٍ ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ ، وَشَقِّ جُيُوبٍ ، وَرَنَّةِ الشَّيْطَانِ ، وَهَذِهِ رَحْمَةٌ ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ ، يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْلَا أَنَّهُ أَمْرُ حَقٍّ ، وَوَعْدُ صِدْقٌ ، وَأَنَّهَا سَبِيلٌ مَأْتِيَّةٌ ، وَأَنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ بِأَوَّلِنَا ، لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا أَشَدَّ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَتَيْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا شَرَطْنَاهُ ، وَأَكْمَلْنَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ مَا رَسَمْنَاهُ ، وَبِحَوَلِهِ وَطَوْلِهِ وَصَلْنَا إِلَى ذَلِكَ وَأَدْرَكْنَاهُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا دَائِمًا طَيِّبًا مُبَارَكًا عَدَدَ كَلِمَاتِهِ ، وَمِلْءَ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ ، ( وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا ) .