المؤلف: زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي
عدد الأحاديث: 841
فصل خرج البخاري : 41 - من حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا أسلم العبد ، فحسن إسلامه - يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها ، وكان بعد ذلك القصاص ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها وخرج البخاري أيضا : 42 - من حديث همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها . إحسان الإسلام يفسر بمعنيين : أحدهما : بإكمال واجباته ، واجتناب محرماته . ومنه الحديث المشهور المروي في السنن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . فكمال حسن إسلامه حينئذ بترك ما لا يعنيه ، وفعل ما يعنيه . ومنه حديث ابن مسعود الذي خرجاه في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهلية ؟ فقال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر . فإن المراد بإحسانه في الإسلام فعل واجباته والانتهاء عن محرماته ، وبالإساءة في الإسلام ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية . وفي حديث ابن مسعود هذا ، مع حديث أبي سعيد الذي علقه البخاري هنا في أول الباب - دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه ، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها ؛ فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها ، فلا تكفر عنه بدون التوبة منها . وقد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره ، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم ، وهو اختيار الحليمي . ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد ، فنقل الميموني في مسائله عن أحمد قال : بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول : لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في غير حديث : إنه يؤاخذ يعني حديث شقيق عن ابن مسعود ، أراد إذا أحسنت في الإسلام . انتهى . وكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا : إن من أسلم وهو مصر على الكبائر كفَّر الإسلام كبائره كلها ، ثم أنكر ذلك عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة . وخالف في ذلك آخرون ، وقالوا : بل يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنوب وإن أصر عليها في الإسلام ، وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم كابن حامد والقاضي وغيرهما . واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام يهدم ما كان قبله . خرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص . وأجاب الأولون عنه بأن المراد أنه يهدم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعا عنه ؛ جمعا بينه وبين الحديثين المتقدمين . واستدلوا بقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وأجاب الأولون بأن المراد : يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه . وتأول بعض أهل القول الثاني حديث ابن مسعود على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر ، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني . ومنهم من حمله على إسلام المنافق ، وهذا بعيد جدا . ومتى ارتد عن الإسلام ، أو كان منافقا - فلم يبق معه إسلام حتى يسيء فيه . والاختلاف في هذه المسألة مبني على أصول : أحدها : أن التوبة من ذنب تصح مع الإصرار على غيره ، وهذا قول جمهور أهل السنة والجماعة . والخلاف فيه عن الإمام أحمد لا يثبت ، وقد تأول ما روي عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شاقلا والقاضي في كتاب المعتمد وابن عقيل في فصوله . وأما المعتزلة فخالفوا في ذلك ، وقال من قال منهم كالجبائي بناء على هذا : إن الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره . وهذا قول باطل لم يوافقهم عليه أحد من العلماء . الأصل الثاني : أن التوبة هل من شرط صحتها إصلاح العمل بعدها ؟ أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء ، وقد ذكره ابن حامد من أصحابنا ، وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك ، والصحيح عنده وعند كثير من العلماء أن ذلك ليس بشرط . والأصل الثالث : أن بعض الذنوب قد يعفى عنها بشرط اجتناب غيرها ، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما علق به . وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا ، وجعل من هذا الباب أن الصغائر إنما تكفر باجتناب الكبائر ، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر . وهذا فيه خلاف يذكر في موضع آخر إن شاء الله . وجعل منه أن النظرة الأولى يعفى عنها بشرط عدم المعاودة ، فإن أعاد النظرة أخذ بالأولى والثانية . والأصل الرابع : أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه ، والعزم على عدم العود إليه ، فالكافر إذا أسلم وهو مصر على ذنب آخر صحت توبته مما تاب منه وهو الكفر ، دون الذنب الذي لم يتب منه ، بل هو مصر عليه . وخرج النسائي حديث مالك الذي علقه البخاري هنا ، وزاد في أوله كتب الله كل حسنة كان أزلفها . وهذا يشبه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام لما قال له : أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية ، هل لي منها من شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما سلف من خير . خرجه مسلم . وكلاهما يدل على أن الكافر إذا عمل حسنة في حال كفره ، ثم أسلم - فإنه يثاب عليها ، ويكون إسلامه المتأخر كافيا له في حصول الثواب على حسناته السابقة منه قبل إسلامه . ورجح هذا القول ابن بطال والقرطبي وغيرهما ، وهو مقتضى قول من قال : إنه يعاقب بما أصر عليه من سيئاته إذا أسلم كما سبق ، وحكي مثله عن إبراهيم الحربي . ويدل عليه أيضا أن عائشة لما سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ابن جدعان ، وما كان يصنعه من المعروف ، هل ينفعه ذلك ؟ فقال : إنه لم يقل يوما قط : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وهذا يدل على أنه لو قال ذلك يوما من الدهر ، ولو قبل موته بلحظة - لنفعه ذلك . ومما يستدل به أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم : إنه يؤتى أجره مرتين مع أنه لو وافى على عمله بكتابه الأول لكان حابطا ، وهذا هو اللائق بكرم الله وجوده وفضله . وخالف في ذلك طوائف من المتكلمين وغيرهم ، وقالوا : الأعمال في حال الكفر حابطة لا ثواب لها بكل حال ، وتأولوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة مستبعدة . وكذلك من كان له عمل صالح ، فعمل سيئة أحبطته ثم تاب - فإنه يعود إليه ثواب ما حبط من عمله بالسيئات . وقد ورد في هذا آثار عن السلف : قال ابن مسعود : عَبَدَ اللهَ رجلٌ سبعين سنة ، ثم أصاب فاحشة - فأحبط الله عمله . ثم أصابته زمانة وأقعد ، فرأى رجلا يتصدق على مساكين ، فجاء إليه ، فأخذ منه رغيفا ، فتصدق به على مسكين - فغفر الله له ، ورد عليه عمل سبعين سنة . خرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة . بل عود العمل هاهنا بالتوبة أولى ؛ لأن العمل الأول كان مقبولا ، وإنما طرأ عليه ما يحبطه ، بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه . ومن كان مسلما وعمل عملا صالحا في إسلامه ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى الإسلام - ففي حبوط عمله الأول بالردة خلاف مشهور ، ولا يبعد أن يقال : إنه يعود إليه بإسلامه الثاني على تقدير حبوطه ، والله أعلم . وقد وردت نصوص أخر تدل على أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه فإنه تبدل سيئاته في حال كفره حسنات ، وهذا أبلغ مما قبله ، وهو يدل على أن التائب من ذنب تبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات كما دلت عليه الآية في سورة الفرقان ، وفي ذلك كلام يطول ذكره هاهنا . ولا يستبعد إثابة المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات ؛ فإنه لا بد أن يثاب عليها في الدنيا ، وفي إثابته عليها في الآخرة بتحقيق العذاب نزاع مشهور . فإذا لم يكن بد من إثابته عليها فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة ؛ لأن المانع من إثابته عليها في الآخرة هو الكفر ، وقد زال . وقد يستدل لهذا أيضا بقول الله عز وجل في قصة أسارى بدر : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وقد كان العباس بن عبد المطلب - وهو من جملة هؤلاء الأسارى - يقول : أما أنا فقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني ، ووعدني المغفرة . فهذه الآية تدل على أن الكافر إذا أصيب بمصيبة في حال كفره ، ثم أسلم - فإنه يثاب على مصيبته ، فلأن يثاب على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى ؛ فإن المصائب يثاب على الصبر عليها والرضا بها . وأما نفس المصيبة فقد قيل : إنه يثاب عليها ، وقيل : إنه لا يثاب عليها ، وإنما يكفر عنه ذنوبه ، وهذا هو المنقول عن كثير من الصحابة . والمعنى الثاني مما يفسر به إحسان الإسلام أن تقع طاعات المسلم على أكمل وجوهها وأتمها بحيث يستحضر العامل في حال عمله قرب الله منه ، واطلاعه عليه ، فيعمل له على المراقبة والمشاهدة لربه بقلبه . وهذا هو الذي فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - به الإحسان في حديث سؤال جبريل عليه السلام . وقد دل حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة المذكوران على أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه . وخرج ابن أبي حاتم من رواية عطية العوفي ، عن ابن عمر قال : نزلت : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا في الأعراب ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أكثر . ثم تلا قوله : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ويشهد لهذا المعنى ما ذكره الله عز وجل في حق أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إلى قوله : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فدل على أن من عظمت منزلته ودرجته عند الله فإن عمله يضاعف له أجره . وقد تأول بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى لدخول أزواجه ، فكذلك من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح ، فإنه يضاعف له أجر عمله بحسب حسن إسلامه وتحقيق إيمانه وتقواه ، والله أعلم . ويشهد لذلك أن الله ضاعف لهذه الأمة ؛ لكونها خير أمة أخرجت للناس أجرها مرتين ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وفي الحديث الصحيح إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار على قيراط قيراط ، وعمل أهل الإنجيل إلى العصر على قيراط قيراط ، وعملتم أنتم من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين . فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ؟ فقال الله : هل ظلمتكم من أجوركم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء . وأما من أحسن عمله ، وأتقنه ، وعمله على الحضور والمراقبة - فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة . ولهذا روي في حديث عمار المرفوع إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها ، إلا ثلثها ، إلا ربعها ، حتى بلغ العشر . فليس ثواب من كتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصفه ، ولا ثواب من كتب له نصف عمله كثواب من كتب له عمله كله ، والله أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 14 - من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : والذي نفسي بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . وخرج البخاري ومسلم أيضا : 15 - من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين . محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصول الإيمان ، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل . وقد قرنها الله بها ، وتوعد من قدم عليهما محبة شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك ، فقال تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ولما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ! فقال : لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ! فقال عمر : والله ، أنت الآن أحب إلي من نفسي ! قال : الآن يا عمر ! فيجب تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكن ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة . وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وسئل بعضهم عن المحبة ، فقال : الموافقة في جميع الأحوال . فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق أنه إذا تعارض طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوامره ، وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة ؛ فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء ، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه . وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ؛ فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله عز وجل . هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات ، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة ؛ فإن بلغت المحبة إلى تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض ، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى هذه الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ، ولم يزيدوا عليها .
فصل خرج البخاري ومسلم : 12 - من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وخرجه مسلم أيضا . جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام . وفي المسند عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : لين الكلام ، وإطعام الطعام . ومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا . وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى . وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان . وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ؛ فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا . وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص . ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : ذاك إبراهيم . وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول أفضل بمعنى فاضل ، وقال : إن أفعل لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه . وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله : وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعا : إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة . ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .
فصل خرج البخاري ومسلم : 16 - من حديث أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . وقد خرجه مسلم ، وعنده في رواية : فقد وجد طعم الإيمان ، وجاء في رواية : وجد طعم الإيمان وحلاوته . فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان ، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه ؛ فالإيمان له حلاوة وطعم تذاق بالقلوب كما تذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم ؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها . وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته ، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة ؛ لغلبة السقم عليه . فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان إذا سلم من أسقامه وآفاته ، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان ، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ؛ لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان ، فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي . سئل وهيب بن الورد : هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله ؟ قال : لا ، ولا من هم بالمعصية . وقال ذو النون : كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه ، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب . فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه : أحدها : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته ، وكمال معرفته تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة ، والتفكر في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب ؛ فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته . وتارة تنشأ من مطالعة النعم ، وفي حديث ابن عباس المرفوع : أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله . خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه . وقال بعض السلف : من عرف الله أحبه ، ومن أحبه أطاعه . فإن المحبة تقتضي الطاعة كما قال بعض العارفين : المحبة الموافقة في جميع الأحوال ، ثم أنشد : ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ومحبة الله على درجتين : إحداهما : فرض ، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة ، والانتهاء عن زواجره المحرمة ، والصبر على مقدوراته المؤلمة . فهذا القدر لا بد منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله ، كما قال بعض العارفين : من ادعى محبة الله ، ولم يحفظ حدوده - فهو كاذب . فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات ، أو أخل بشيء من فعل الواجبات - فلتقصيره في محبة الله ، حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله ؛ فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه . وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه الله لنقص محبته الواجبة في القلوب ، وتقديم هوى النفس على محبته ، وبذلك ينقص الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث . والدرجة الثانية من المحبة ، وهي فضل مستحب - أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات ، والرضا بالأقضية المؤلمات . كما قال عامر بن عبد قيس : أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ، ورضاني بكل بلية ، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت ، ولا على ما أمسيت . وقال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر ! ولما مات ولده الصالح قال : إن الله أحب قبضه ، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله ! وقال بعض التابعين في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه . وأما محبة الرسول فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه ، وعظم ما جاء به . وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته كما سبق ؛ فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ومحبة الرسول على درجتين أيضا : إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات ، والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضا بذلك . وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ، ويسلم له تسليما ، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ، ولا يطلب شيئا من الخير إلا ما جاء به . الدرجة الثانية : فضل مندوب إليه ، وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه ، والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه ، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه . وفي أخلاقه الباطنة ، من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ، ورضاه بقضائه ، وتعلق قلبه به دائما ، وصدق الالتجاء إليه ، والتوكل والاعتماد عليه ، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ، ودوام لهج القلب واللسان بذكره ، والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه ، وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر . وفي الجملة : فكان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا ، وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم أبو بكر خليفته من بعده ، وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم . قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم ! قال : إي والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين . خرجاه في الصحيحين من حديث أبي سعيد . الخصلة الثانية : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته . وفي المسند عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الإيمان ، فقال : أن تحب لله ، وتبغض لله ، وتعمل لسانك في ذكر الله . وفيه أيضا عن عمرو بن الجموح ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ، ويبغض لله . فإذا أحب لله ، وأبغض لله - فقد استحق الولاية من الله . وفيه : عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله ، وتبغض في الله . وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أفضل الأعمال الحب في الله ، والبغض في الله . ومن حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله - فقد استكمل الإيمان . وخرجه أحمد والترمذي من حديث معاذ بن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد أحمد في رواية وأنكح لله . وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها ؛ لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله لله ، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله ، وموالاته له ومعاداته له ، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه . وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال ، وكراهة ما يكرهه من ذلك ، وكذلك من الأشخاص . ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض ؛ فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل ، ومن أبغضه الله أهانه بالعدل . ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : أسألك حبك ، وحب من يحبك ، وحب عمل يبلغني إلى حبك . فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم ، وبغض أعدائه ومعاداتهم . وسئل بعض العارفين : بم تنال المحبة ؟ قال : بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه ، وأصله الموافقة . الخصلة الثالثة : أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار ؛ فإن علامة محبة الله ورسوله محبة ما يحبه الله ورسوله ، وكراهة ما يكرهه الله ورسوله كما سبق . فإذا رسخ الإيمان في القلب ، وتحقق به ، ووجد حلاوته وطعمه - أحبه ، وأحب ثباته ودوامه ، والزيادة منه . وكره مفارقته ، وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار . قال الله تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن ، ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران ، كما في المسند عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ، فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله ، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله . فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ . وفي المسند أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به : لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت . وفي سنن ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى أبا الدرداء وغيره أيضا . وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به ، وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان ، فاختاروا الإيمان على النار . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة منهم أتي بها ومعها صبي لها يرضع ، فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي ، فقال لها الصبي : يا أمه ، اصبري ؛ فإنك على الحق . وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة ، فصارت عليه بردا وسلاما . وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأبى ، فأمر ملك الروم بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه ، فبكى وقال : لم أبك جزعا من الموت ، ولكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله عز وجل ! هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك . فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ، ولهذا قال يوسف عليه السلام : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ سئل ذو النون : متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر . وقال بشر بن السري : ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك . واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ، ويتباعد منه جهده ، ويعزم على أن لا يلابس شيئا منه جهده ؛ لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله . فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك ، خصوصا لمن اعتاده ، ثم تاب منه - فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته ؛ ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى ، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه ، وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله عز وجل . وسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ، فقال : أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه ، ويصير التقوى لها طبيعة ثابتة . وهل هذا أفضل من الأول ؟ أم الأول أفضل ؟ هذا قد يخرج على اختلاف العلماء فيمن عمل طاعة ونفسه تأباها وهو يجاهدها ، وآخر عملها ونفسه طائعة مختارة لها - أيهما أفضل ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية ، والأظهر أن الثاني أفضل . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه . وفي مسند الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : أسلم ! قال : أجدني كارها ! قال : وإن كنت كارها . وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له ، لكن إذا دخل في الإسلام واعتاده وألفه دخل حبه قلبه ووجد حلاوته . وخرج مسلم حديث أنس المتقدم ، ولفظه ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه . ويستشكل من هذا اللفظ أنه يقتضي وجود محبة الأمرين أعني : الإلقاء في النار والرجوع إلى الكفر ، وترجح محبة الأول على الثاني . ووقع مثله في القرآن في قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ومثله قول علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه . ويجاب عن ذلك بأن من خير بين أمرين مكروهين ، فاختار أحدهما على الآخر لشدة كراهته لما رغب عنه - فإنه يقال : إنه محب لما اختاره مريد له ، وإن كان لا يحبه ولا يختاره لنفسه ، بل لدفع ما هو عنده أشد كراهة وأعظم ضررا . ومن هنا ورد ما ورد من حب الموت في الفتنة والتخلص منها . وقيل لعطاء السليمي : لو أججت نار ، وقيل : من دخلها نجي من جهنم - هل كنت تدخلها ؟ فقال : بل كنت أخشى أن تخرج نفسي فرحا بها قبل وصولي إليها . ويشبه هذا حال المكره على فعل بضرب أو سجن أو تهديد أو بقتل ونحو ذلك إذا فعله افتداء لنفسه مما أكره به عليه - هل هو مختار له ؟ أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين . والتحقيق أنه مختار له لا لنفسه ، بل للافتداء به من المكروه الأعظم ، فهو مختار له من وجه دون وجه . وهذا بخلاف فعل المؤمن الطاعات خوفا من الله ، فإنه ليس فعله كفعل المكره ؛ لأن المؤمن يجب عليه أن يأتي بالطاعة خوفا من عقاب الله ورجاء لثوابه وحبا له ، فبذلك يفارق حال المكره . ومن هنا تظهر المسألة التي يفر منها الفقهاء وهي : إذا قال رجل لامرأته : إن كنت تحبيني أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق ، فقالت : أنا أحبه . فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم : إنها تطلق ؛ لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له ، وجهلا منها بتصور عذاب جهنم ، فتكون صادقة فيما أخبرت به . ومن هذا الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة : رب ، أرحني ولو إلى النار ! فظهر بهذا أن من خير بين مكروهين ، فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما - أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر فهذا أولا غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن أفعل التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا ، فيجوز عندهم أن يقال : الثلج أبرد من النار . وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة ، وتأولوا فيه أفعل بـ فاعل فكذلك تتأول هاهنا . ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما - يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقول في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا . وقال ابن مسعود لما قضى في بروع : إن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان من الخطإ . وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام على أقوال : أحدهما : أنه يجوز . والثاني : أنه لا يجوز إلا في كلام الله عز وجل دون غيره . والثالث : أنه ممتنع مطلقا . واحتجوا بحديث عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت ! قل : ومن يعص الله ورسوله . خرجه مسلم . وقد قيل : إن قوله : قل : ومن يعص الله ورسوله - مدرجة في الحديث ، وإنما أنكر عليه وقفه على قوله : ومن يعصهما . وقد ذكر هذا الاختلاف ابن عطية في تفسيره وغيره . وفيه قول آخر : أنه يمتنع في واو الجمع أو ألف التثنية المتصلين بالأفعال نحو : يفعلون ، وتفعلان ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلى في كتابه أحكام القرآن . ومن منع ذلك أجاب بأن في الكلام حذفا تقديره : إن الله يصلي وملائكته يصلون ، والله تعالى أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 43 - من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة ، فقال : من هذه فقالت : فلانة ، تذكر من صلاتها . فقال : مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا . وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه . وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها الحولاء بنت تويت ، وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : مه - زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل ، وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة . ويحتمل ، وهو الأظهر ، وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع . وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ، ينهى عن ذكره على وجه التمدح به ، والثناء به على فاعله . وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : الدين يسر . فإن المراد بهذا الحديث الاقتصاد في العمل ، والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله ما دام صاحبه عليه وإن قل . وقد روي ذلك في حديث آخر . وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته . وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه كما قال لعبد الله بن عمرو لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل . وقوله : إن الله لا يمل حتى تملوا . وفي رواية : لا يسأم حتى تسأموا . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه ، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله . فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ، كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر ، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء ، فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ! قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة . وأيضا فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه . وقد صح هذا المعنى في الدعاء ، وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل ، فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ! فيدع الدعاء . فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب ، وإن قطعه واستحسر منع إجابته . وسمى هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ فسمي إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له ، هذا أظهر ما قيل في هذا . ويشهد له أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل . خرجه بقي بن مخلد ، وفي إسناده موسى بن عبيدة . وقد قيل : إن حتى هاهنا بمعنى واو العطف ، ولكن لا يصح دعوى كون حتى عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم . وقيل : إن حتى فيه بمعنى حين ، وهذا غير معروف . وزعم ابن قتيبة أن المعنى لا يمل إذا مللتم ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب . وقد يقال : إن حتى بمعنى لام التعليل ، وإن المراد : إن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل . وفيه بعد أيضا . ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل حينئذ لإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا لمداومتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم . وقد يقال : إنما يدل هذا الكلام على نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية . ومن يقول : إنه لا مفهوم لها - فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية . ومن يقول بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام ، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له . ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره . فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 17 - من حديث أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار . هذا المعنى يرجع إلى ما تقدم من أن حب المرء لا يحبه إلا لله من علامات وجود حلاوة الإيمان ، وأن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان ، وأنه أفضل الإيمان ، فالأنصار نصروا الله ورسوله ، فمحبتهم من تمام حب الله ورسوله . وخرج الإمام أحمد من حديث سعيد بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار . وخرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر . وفي المسند عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : حب الأنصار إيمان ، وبغضهم نفاق . وكذلك حب المهاجرين - الذين هم أفضل من الأنصار - من الإيمان . وفي صحيح مسلم عن علي قال : إنه لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي : لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق . وفي المسند والترمذي ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم . وفي بعض نسخ كتاب الترمذي ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي . وفي المسند وكتاب النسائي ، وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الحسن والحسين : من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني . فمحبة أولياء الله وأحبابه عموما من الإيمان ، وهي من أعلى مراتبه ، وبغضهم محرم فهو من خصال النفاق ؛ لأنه مما لا يتظاهر به غالبا ، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه ، فهو شر ممن كتمه وأخفاه . ومن كان له مزية في الدين لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لقرابته ، أو نصرته - فله مزيد خصوصية في محبته وبغضه . ومن كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين فهو أعظم حقا مثل علي رضي الله عنه . وقد روي أن المنافقين إنما كانوا يعرفون ببغض علي رضي الله عنه ، ومن هو أفضل من علي كأبي بكر وعمر ، فهو أولى بذلك . ولذلك قيل : إن حبهما من فرائض الدين ، وقيل : إنه يرجى على حبهما ما يرجى على التوحيد من الأجر .
فصل خرج البخاري : 11 - من حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده أبي بردة ، عن أبيه أبي موسى قال : قالوا : يا رسول الله ، أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وخرجه مسلم أيضا . وخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، كما تقدم ذكره . فعلى هذه الرواية : أي المسلمين خير ؟ وفي رواية أبي موسى : أي الإسلام أفضل ؟ قال ابن رجب : والذي ظهر لي في الفرق بين خير و أفضل أن لفظة أفضل إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل ، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به ، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك . وأما لفظة خير فتستعمل في شيئين في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر ، سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير ذلك ، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير . فيقال مثلا : النفع المتعدي خير من النفع القاصر ، وإن كان جنسهما مختلفا . ويقال : زيد أفضل من عمرو ، إذا اشتركا في علم أو دين ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة . وإن استعمل في النوع الأول لفظة أفضل مع اختلاف الجنسين ، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر وأزيد منه ، فقد وقع الاشتراك في الثواب ، وامتاز أحدهما بزيادة منه . وحينئذ فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره ممن ليس كذلك ؛ لاشتراكهما في الإتيان بحقوق الله في الإسلام من الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين ، فصار هذا الإسلام أفضل من ذاك . وأما المسلم فيقال : هذا أفضل من ذاك ؛ لأن إسلامه أفضل من إسلامه . ويقال : هو خير من ذاك ؛ لترجح خيره على خير غيره وزيادته عليه .
فصل قال البخاري : 18 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب عن الزهري : أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت وكان شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ؛ فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله ؛ إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك . هذا الحديث سمعه أبو إدريس [ ] عن عقبة بن عامر ، عن عبادة . وزيادة عقبة في إسناده وهم . وقد خرج البخاري الحديث في ذكر بيعة العقبة ، وفي تفسير سورة الممتحنة من كتابه هذا ، وفيه التصريح بأن أبا إدريس أخبره به عبادة وسمعه منه . وكان عبادة قد شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة حيث بايعت الأنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة . لكن هل هذه البيعة المذكورة في هذا الحديث كانت ليلة العقبة ؟ أم لا ؟ هذا وقع فيه تردد ؛ فرواه ابن إسحاق ، عن الزهري ، وذكر في روايته : أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . وروى ابن إسحاق أيضا عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله ، عن الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثني عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفرض الحرب ، على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ولا نزني ، الحديث . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق هكذا . وكذا رواه الواقدي عن يزيد بن أبي حبيب . وخرجاه في الصحيحين من حديث الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن الصنابحي ، عن عبادة قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بايعنا على أن لا نشرك بالله شيئا ، فذكر الحديث . وليس هذا بالصريح في أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . ولفظ مسلم بهذه الرواية : عن عبادة بن الصامت قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : بايعناه على أن لا نشرك ، الحديث . وهذا اللفظ قد يشعر بأن هذه البيعة غير بيعة النقباء . وخرجه مسلم ، من وجه آخر من رواية أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن عبادة قال : أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ على النساء : أن لا نشرك بالله شيئا . وهذا قد يشعر بتقدم أخذه على النساء على أخذه عليهم . وخرج مسلم حديث عبادة من رواية أبي إدريس ، عنه ، وقال في حديثه : فتلا علينا آية النساء أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا الآية . وخرجه البخاري في تفسير سورة الممتحنة من رواية ابن عيينة ، عن الزهري ، وقال فيه : وقرأ آية النساء . وأكثر لفظ سفيان : وقرأ الآية . ثم قال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر - في الآية . وكذا خرجه الإمام أحمد والترمذي وعندهما : فقرأ عليهم الآية . زاد الإمام أحمد : التي أخذت على النساء إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ وهذا تصريح بأن هذه البيعة كانت بالمدينة ؛ لأن آية بيعة النساء مدنية . وروى هذا الحديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، وقال في حديثه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا هذه الآية : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا حتى فرغ من الثلاث آيات . خرجه الهيثم بن كليب في مسنده . وسفيان بن حسين ليس بقوي ، خصوصا في حديث الزهري ، وقد خالف سائر الثقات من أصحابه في هذا . وقد روى عبادة بن الصامت أنهم بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأن لا ينازعوا الأمر أهله ، وأن يقولوا بالحق . فهذه صفة أخرى غير صفة البيعة المذكورة في الأحاديث المتقدمة . وهذه البيعة الثانية مخرجة في الصحيحين من غير وجه عن عبادة . وقد خرجها الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق : حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه عن جده عبادة - وكان أحد النقباء - قال : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب ، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ، وذكر الحديث . وهذه الرواية تدل على أن هذه البيعة هي بيعة الحرب ، وأن بيعة النساء كانت في العقبة الأولى قبل أن تفرض الحرب . فهذا قد يشعر بأن هذه البيعة كانت بالمدينة بعد فرض الحرب ، وفي هذا نظر . وقد خرجه الهيثم بن كليب في مسنده من رواية ابن إدريس ، عن ابن إسحاق ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر ، عن عبادة بن الوليد أن أباه حدثه ، عن جده قال : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبة الآخرة على السمع والطاعة ، فذكره . وخرجه ابن سعد من وجه آخر ، عن عبادة بن الوليد - مرسلا . وخرج الإمام أحمد من وجه آخر ، عن عبادة أنهم بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه البيعة على السمع والطاعة ، الحديث ، وقال فيه : وعلى أن ننصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا . وهذا يدل على أن هذه البيعة كانت قبل الهجرة ، وذلك ليلة العقبة . وخرج - أيضا - هذا المعنى من حديث جابر بن عبد الله أن هذه البيعة كانت للسبعين بشعب العقبة ، وهي البيعة الثانية ، وتكون سميت هذه البيعة الثانية بيعة الحرب ؛ لأن فيها البيعة على منع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك يقتضي القتال دونه ، فهذا هو المراد بالحرب ، وقد شهد عبادة البيعتين معا . ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبايع أصحابه على بيعة النساء قبل نزول آية مبايعتهن ، ثم نزلت الآية بموافقة ذلك . وفي المسند عن أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة جمع النساء ، فبايعهن على هذه الآية إلى قوله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ وهذا قبل نزول سورة الممتحنة ، فإنها إنما نزلت قبل الفتح بيسير ، والله أعلم بحقيقة ذلك كله . وأما ما بايعهم عليه فقد اتفقت روايات حديث عبادة من طرقه الثلاثة عنه ، أنهم بايعوه على أن لا يشركوا بالله ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا . وفي بعض الروايات : لا يقتلوا أولادهم ، كما في لفظ الآية ، وفي بعضها : لا يقتلوا النفس التي حرم الله . وهذه رواية الصنابحي ، عن عبادة . ثم إن من الرواة من اقتصر على هذه الأربع ، ولم يزد عليها . ومنهم من ذكر في رواية المبايعة على بقية ما ذكر في الآية ، كما في رواية البخاري المذكورة هاهنا . ومنهم من ذكر خصلة خامسة بعد الأربع ، ولكن لم يذكرها باللفظ الذي في الآية ، ثم اختلفوا في لفظها ؛ فمنهم من قال : ولا ننتهب ، وهي رواية الصنابحي ، عن عبادة المخرجة في الصحيحين . ومنهم من قال : ولا يعضه بعضنا بعضا وهي رواية أبي الأشعث عن عبادة ، خرجها مسلم . ومنهم من قال : ولا يغتب بعضنا بعضا ، وهي رواية الإمام أحمد . وأما الخصلة السادسة فمنهم من لم يذكرها بالكلية ، وهي رواية أبي الأشعث التي خرجها مسلم . ومنهم من ذكرها وسماها المعصية ، فقال : ولا نعصي كما في رواية الصنابحي . وفي رواية أبي إدريس : ولا تعصوا في معروف . فأما الشرك والسرقة والزنا والقتل فواضح ، وتخصيص قتل الأولاد بالذكر في بعض الروايات موافق لما ورد في القرآن في مواضع ، وليس له مفهوم ، وإنما خصص بالذكر للحاجة إليه ؛ فإن ذلك كان معتادا بين أهل الجاهلية . وأما الإتيان ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم على ما جاء في رواية البخاري فهذا يدل على أن هذا البهتان ليس مما تختص به النساء . وقد اختلف المفسرون في البهتان المذكور في آية بيعة النساء ، فأكثرهم فسروه بإلحاق المرأة بزوجها ولدا من غيره . رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وقاله مقاتل بن حيان وغيره . واختلفوا في معنى قوله : بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ؛ فقيل : لأن الولد إذا ولدته أمه سقط بين يديها ورجليها . وقيل : بل أراد بما تفتريه بين يديها أن تأخذ لقيطا فتلحقه بزوجها ، وبما تفتريه بين رجليها أن تلده من زنا ، ثم تلحقه بزوجها . ومن المفسرين من فسر البهتان المفترى بالسحر ، ومنهم من فسره بالمشي بالنميمة والسعي في الفساد ، ومنهم من فسره بالقذف والرمي بالباطل . وقيل : البهتان المفترى يشمل ذلك كله وما كان في معناه ، ورجحه ابن عطية وغيره . وهو الأظهر ، فيدخل فيه كذب المرأة فيما ائتمنت عليه من حمل وحيض وغير ذلك . ومن هؤلاء من قال : أراد بما بين يديها حفظ لسانها وفمها ووجهها عما لا يحل لها ، وبما بين رجليها حفظ فرجها ، فيحرم عليها الافتراء ببهتان في ذلك كله . ولو قيل : إن من الافتراء ببهتان بين يديها خيانة الزوج في ماله الذي في بيتها - لم يبعد ذلك . وقد دل مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجال على أن لا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم أن ذلك لا يختص بالنساء . وجميع ما فسر به البهتان في حق النساء يدخل فيه الرجال أيضا ، فيدخل فيه استلحاق الرجل ولد غيره سواء كان لاحقا غيره أو غير لاحق كولد الزنا ، ويدخل فيه الكذب والغيبة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته . خرجه مسلم . وكذلك القذف ، وقد سمى الله قذف عائشة بهتانا عظيما . وكذلك النميمة من البهتان . وفي رواية أبي الأشعث ، عن عبادة : ولا يعضه بعضكم بعضا . والعضيهة : النميمة . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا : ألا أنبئكم ما العضه ؟ هي النميمة القالة بين الناس . وروى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : كنا نسمي العضيهة السحر ، وهو اليوم : قيل وقال . وفسر إسحاق بن راهويه العضيهة في حديث عبادة بن الصامت قال : لا يبهت بعضكم بعضا ، نقله عنه محمد بن نصر . وذكر أهل اللغة أن العضيهة : الشتيمة ، والعضيهة : البهتان ، والعاضهة ، والمستعضهة : الساحرة والمستسحرة . وفي رواية الصنابحي : ولا ننتهب ، والنهبة من البهتان ؛ فإن المنتهب يبهت الناس بانتهابه منه ما يرفعون إليه أبصارهم فيه . وكل ما بهت صاحبه وحيره وأدهشه من قول أو فعل لم يكن في حسابه فهو بهتان ، فأخذ المال بالنهبى أو بالدعاوى الكاذبة بهتان ، وقد قال تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وفي المسند ، والترمذي ، والنسائي ، عن صفوان بن عسال أن اليهود سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التسع آيات البينات التي أوتيها موسى ، فقال : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسرقوا ، ولا تسحروا ، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا محصنة ، ولا تفروا من الزحف ، وعليكم اليهود خاصة أن لا تعدوا في السبت . فلم يذكر في هذا الحديث البهتان المفترى بلفظه ، ولكن ذكر مما فسر به البهتان المذكور في القرآن عدة خصال : السحر ، والمشي ببريء إلى السلطان ، وقذف المحصنات . وهذا يشعر بدخول ذلك كله في اسم البهتان . وكذلك الأحاديث التي ذكر فيها عد الكبائر ، ذكر في بعضها القذف ، وفي بعضها قول الزور أو شهادة الزور ، وفي بعضها اليمين الغموس والسحر ، وهذا كله من البهتان المفترى . وأما الخصلة السادسة : فهي المعصية ، وتشمل جميع أنواع المعاصي ، فهو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو قريب من معنى قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقوله تعالى : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ وفي بعض ألفاظ حديث عبادة ولا تعصوا في معروف ، وفي بعضها ولا تعصوني في معروف ، وقد خرجها البخاري في موضع آخر . وكل هذا إشارة إلى أن الطاعة لا تكون إلا في معروف ، فلا يطاع مخلوق إلا في معروف ، ولا يطاع في معصية الخالق . وقد استنبط هذا المعنى من هذه الآية طائفة من السلف ، فلو كان لأحد من البشر أن يطاع بكل حال لكان ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم . فلما خصت طاعته بالمعروف ، مع أنه لا يأمر إلا بما هو معروف - دل على أن الطاعة في الأصل لله وحده ، والرسول مبلغ عنه وواسطة بينه وبين عباده ، ولهذا قال تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ فدخل في هذه الخصلة السادسة الانتهاء عن جميع المعاصي , ويدخل فيها أيضا القيام بجميع الطاعات على رأي من يرى أن النهي عن شيء أمر بضده . فلما تمت هذه البيعة على هذه الخصال ذكر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم من وفى بها ، وحكم من لم يف بها عند الله عز وجل . فأما من وفى بها فأخبر أن أجره على الله ، كذا في رواية أبي إدريس وأبي الأشعث ، عن عبادة . وفي رواية الصنابحي ، عنه : فالجنة إن فعلنا ذلك . وقد قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وفسر الأجر العظيم بالجنة ، كذا قاله قتادة وغيره من السلف . ولا ريب أن من اجتنب الشرك والكبائر والمعاصي كلها فله الجنة ، وعلى ذلك وقعت هذه البيعة ، وإن اختصر ذلك بعض الرواة فأسقط بعض هذه الخصال . وأما من لم يوف بها ، بل نكث بعض ما التزم بالبيعة تركه لله عز وجل . والمراد : ما عدا الشرك من الكبائر ، فقسمه إلى قسمين : أحدهما : أن يعاقب به في الدنيا ، فأخبر أن ذلك كفارة له ، وفي رواية فهو طهور له ، وفي رواية طهور له أو كفارة بالشك ، ورواه بعضهم طهور وكفارة بالجمع . وقد خرجها البخاري في موضع آخر في صحيحه . وروى ابن إسحاق ، عن الزهري حديث أبي إدريس ، عن عبادة ، وقال فيه : فأقيم عليه الحد فهو كفارة له . وفي رواية أبي الأشعث ، عن عبادة : ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة خرجه مسلم . وهذا صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها . وقد صرح بذلك سفيان الثوري ، ونص على ذلك أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار ، عنه . وقال الشافعي : لم أسمع في هذا الباب أن الحد كفارة أحسن من حديث عبادة . وإنما قال هذا ؛ لأنه قد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، عن علي ، وجرير ، وخزيمة بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم . وفي أسانيدها كلها مقال ، وحديث عبادة صحيح وثابت . وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ وذكر كلاما آخر . خرجه الحاكم ، وخرج أبو داود بعض الحديث . وقد رواه هشام بن يوسف ، عن معمر ، [عن ابن أبي ذئب ] ، عن الزهري - مرسلا . قال البخاري في تاريخه : المرسل أصح ، قال : ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عنه أن الحدود كفارة . انتهى . وقد خرجه البيهقي من رواية آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - مرفوعا أيضا . وخرجه البزار من وجه آخر فيه ضعف ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - مرفوعا أيضا . وعلى تقدير صحته فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك قبل أن يعلمه ثم علمه ، فأخبر به جزما . فإن كان الأمر كذلك ، فحديث عبادة إذن لم يكن ليلة العقبة بلا تردد ؛ لأن حديث أبي هريرة متأخر عن الهجرة ، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم حينئذ أن الحدود كفارة ، فلا يجوز أن يكون قد أخبر قبل الهجرة بخلاف ذلك . وقد اختلف العلماء : هل إقامة الحد بمجرده كفارة للذنب من غير توبة ؟ أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أن إقامة الحد كفارة للذنب بمجرده ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، وابنه الحسن ، وعن مجاهد ، وزيد بن أسلم ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد ، واختيار ابن جرير وغيره من المفسرين . والثاني : أنه ليس بكفارة بمجرده ، فلا بد من توبة . وهو مروي عن صفوان بن سليم وغيره ، ورجحه ابن حزم وطائفة من متأخري المفسرين ، كالبغوي وأبي عبد الله بن تيمية وغيرهما . واستدلوا بقوله تعالى في المحاربين : ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وقد يجاب عن هذا بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعهما ، فقد دل الدليل على أن عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة . وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة ، ولهذا خصهم بما قبل القدرة ، وعقوبة الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها . ويدل على أن الحد يطهر الذنب قول ماعز للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أصبت حدا فطهرني . وكذلك قالت له الغامدية ، ولم ينكر عليهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فدل على أن الحد طهارة لصاحبه . ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : من أصاب شيئا من ذلك ، فعوقب به في الدنيا - فهو كفارته العقوبات القدرية من الأمراض والأسقام . والأحاديث في تكفير الذنوب بالمصائب كثيرة جدا . وهذه المصائب يحصل بها للنفوس من الألم نظير الألم الحاصل بإقامة الحد ، وربما زاد على ذلك كثيرا . وقد يقال : في دخول هذه العقوبات القدرية في لفظ حديث عبادة نظر ؛ لأنه قابل من عوقب في الدنيا ستر الله عليه ، وهذه المصائب لا تنافي الستر ، والله أعلم . والقسم الثاني : أن لا يعاقب في الدنيا بذنبه ، بل ستر عليه ذنبه ويعافى من عقوبته ، فهذا أمره إلى الله في الآخرة إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه . وهذا موافق لقول الله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة في قولهم : إن الله يخلده في النار إذا لم يتب . وهذا المستور في الدنيا له حالتان : إحداهما : أن يموت غير تائب ، فهذا في مشيئة الله كما ذكرنا . والثانية : أن يتوب من ذنبه . فقال طائفة : إنه تحت المشيئة أيضا ، واستدلوا بالآية المذكورة وحديث عبادة . والأكثرون على أن التائب من الذنب مغفور له ، وأنه كمن لا ذنب له كما قال تعالى : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وقال : أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا فيكون التائب - حينئذ - ممن شاء الله أن يغفر له . واستدل بعضهم - وهو ابن حزم - بحديث عبادة هذا على أن من أذنب ذنبا فإن الأفضل له أن يأتي الإمام ، فيعترف عنده ؛ ليقيم عليه الحد حتى يكفر عنه ، ولا يبقى تحت المشيئة في الخطر . وهذا مبني على قوله : إن التائب في المشيئة . والصحيح أن التائب توبة نصوحا مغفور له جزما ، لكن المؤمن يتهم توبته ، ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها ، فلا يزال خائفا من ذنبه وجلا . ثم إن هذا القائل لا يرى أن الحد بمجرده كفارة ، وإنما الكفارة التوبة ، فكيف لا يقتصر على الكفارة بل يكشف ستر الله عليه ليقام عليه ما لا يكفر عنه ؟ وجمهور العلماء على أن من تاب من ذنب فالأصل أن يستر على نفسه ولا يقر به عند أحد ، بل يتوب منه فيما بينه وبين الله عز وجل . روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وابن مسعود ، وغيرهم . ونص عليه الشافعي . ومن أصحابه وأصحابنا من قال : إن كان غير معروف بين الناس بالفجور فكذلك ، وإن كان معلنا بالفجور مشتهرا به فالأولى أن يقر بذنبه عند الإمام ليطهره منه . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ : إذا أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة ؛ إن سرا فسرا ، وإن علانية فعلانية . وفي إسناده مقال . وهو إنما يدل على إظهار التوبة ، وذلك لا يلزم منه طلب إقامة الحد . وقد وردت أحاديث تدل على أن من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة ، كحديث ابن عمر في النجوى ، وقد خرجه البخاري في التفسير . وخرج الترمذي ، وابن ماجه عن علي مرفوعا : من أذنب ذنبا في الدنيا ، فستره الله عليه - فالله أكرم أن يعود في شيء قد عفا عنه . وفي المسند عن عائشة مرفوعا : لا يستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة . وروي مثله عن علي ، وابن مسعود من قولهما . وقد يحمل ذلك كله على التائب من ذنبه ؛ جمعا بين هذه النصوص وبين حديث عبادة هذا . وأصح هذه الأحاديث المذكورة هاهنا حديث ابن عمر في النجوى ، وليس فيه تصريح بأن ذلك عام لكل من ستر عليه ذنبه ، والله تعالى أعلم . وقد قيل : إن البيعة سميت بيعة ؛ لأن صاحبها باع نفسه لله . والتحقيق أن البيع والمبايعة مأخوذان من مد الباع ؛ لأن المتبايعين للسلعة كل منهما يمد باعه للآخر ويعاقده عليها ، وكذلك من بايع الإمام ونحوه ، فإنه يمد باعه إليه ويعاهده ويعاقده على ما يبايعه عليه . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع أصحابه عند دخولهم في الإسلام على التزام أحكامه ، وكان أحيانا يبايعهم على ذلك بعد إسلامهم تجديدا للعهد ، وتذكيرا بالمقام عليه . وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى النساء في يوم عيد ، وتلا عليهن هذه الآية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا الآية ، وقال : أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة منهن : نعم . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعة أو ثمانية أو سبعة ، فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وكنا حديث عهد ببيعة ، فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ! فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا : بايعناك يا رسول الله ! ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟ فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلام نبايعك ؟ فقال : أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس ، وتطيعوا وأسر كلمة خفية : ولا تسألوا الناس شيئا . وحديث عبادة المذكور هاهنا في البيعة قد سبق أنه كان ليلة العقبة الأولى ، فيكون بيعة لهم على الإسلام والتزام أحكامه وشرائعه . وقد ذكر طائفة من العلماء ، منهم القاضي أبو يعلى في كتاب أحكام القرآن من أصحابنا - أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخص الرسول بالخطاب بها وحده كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولما كان الامتحان وجه الخطاب إلى المؤمنين عموما ، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ فدل على أنه يعم المؤمنين . وكذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وهذا أمر يختص به الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا يشركه فيه غيره . ولكن قد روي عن عثمان أنه كان يبايع على الإسلام . قال الإمام أحمد : حدثنا مسكين بن بكير قال : ثنا ثابت بن عجلان عن سليم أبي عامر أن وفد الحمراء أتوا عثمان بن عفان يبايعونه على الإسلام وعلى من ورائهم ، فبايعهم على أن لا يشركوا بالله شيئا وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويدعوا عيد المجوس ، فلما قالوا بايعهم . وقد بايع عبد الله بن حنظلة الناس يوم الحرة على الموت ، فذكر ذلك لعبد الله بن زيد الأنصاري ، فقال : لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ! خرجه البخاري في الجهاد . وإنما أنكر البيعة على الموت لا أصل المبايعة . وقال أبو إسحاق الفزاري : قلت للأوزاعي : لو أن إماما أتاه عدو كثير ، فخاف على من معه ، فقال لأصحابه : تعالوا نتبايع على أن لا نفر ، فبايعوا على ذلك ! قال : ما أحسن هذا ! قلت : فلو أن قوما فعلوا ذلك بينهم دون الإمام ! قال : لو فعلوا ذلك بينهم شبه العقد في غير بيعة .
الحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب : 45 - حديث طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب - أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرءونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ! قال : أي آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فقال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ! نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة . وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره من وجه آخر عن عمر ، وزاد فيه أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد . وخرج الترمذي ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي ، فقال : لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ! فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين : في يوم جمعة ، ويوم عرفة . فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا ، إنما تكون بالشرع والاتباع . فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين : أحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع ، وهو يوم الجمعة . والثاني : أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم ، وقد قيل : إنه يوم الحج الأكبر . وقد جاء تسميته عيدا في حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق - عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب . وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء ؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام ، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين . وحمله بعضهم على أهل الموقف ، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم ، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر . وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم . هذا قول جمهور العلماء . وقال عطاء : إنما هي أعياد لأهل الموسم ، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها . وقول الجمهور أصح . ولكن الأيام التي تحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا ؛ استدلالا بصيام النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء ؛ لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن صيام يوم الاثنين ، قال : ذلك يوم ولدت فيه ، وأنزل علي فيه . فأما الأعياد التي يجتمع عليها الناس فلا يتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله ، وشرعه الرسول لأمته . والأعياد هي مواسم الفرح والسرور ، وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته ، كما قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فشرع لهم عيدين في سنة ، وعيدا في كل أسبوع ؛ فأما عيدا السنة : فأحدهما : تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام ، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار ، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم ، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة ، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكرا لذلك . والعيد الثاني : أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار ، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه ، فجعل الله عقب ذلك عيدا ، بل هو العيد الأكبر ، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ، ويقضون فيه تفثهم ، ويوفون نذورهم ، ويطوفون بالبيت العتيق . ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد ؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة ؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام ، بخلاف الصيام . ويكون شكر عيد أهل الأمصار الصلاة والنحر ، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر ؛ ولهذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر ، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم . وأما عيد الأسبوع فهو يوم الجمعة ، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة ؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات . فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها ، وأكملوا صلاتهم فيها - شرع لهم يوم إكمالها ، وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق ، وفيه خلق آدم وأدخل الجنة ، عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة . وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم ، وحثا لهم على شكرها . وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام . وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر ، خرجه الإمام أحمد في مسنده ، وقاله مجاهد وغيره . وروي أنه حج المساكين ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين . وقال ابن المسيب : الجمعة أحب إلي من حج التطوع . وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي ؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة ، ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي كبشا ، ثم كالمهدي دجاجة ، ثم كالمهدي بيضة . ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة ، الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ، ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة . وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيها ، وأنه يتجلى فيها لأهل الجنة عموما ، يشارك الرجال فيها النساء . فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة عموما . وأما خواص المؤمنين فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين . وروي عن الحرم : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد . ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم ، وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا . وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا . ولهذا المعنى - والله أعلم - لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ؛ فإن هذين الوقتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم ، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتهما وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما - رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما . فتبين بهذا أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام ؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج ، فأما الزكاة فليس لها زمان معين تكمل فيه ، وأما الشهادتان فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما . وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت ؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد ، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة ، والله أعلم .
فصل قال البخاري : 33 - باب زيادة الإيمان ونقصانه وقول الله تعالى : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص . استدل البخاري على زيادة الإيمان ونقصانه بقول الله عز وجل : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وفي زيادة الهدى إيمان آخر كقوله تعالى : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ويفسر هذا الهدى بما في القلوب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتفاصيل ذلك . ويفسر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة ؛ إما القائمة بالقلوب كالخشية لله ومحبته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك ، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك . وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان عند السلف وأهل الحديث ومن وافقهم كما سبق ذكره . واستدل أيضا بقوله تعالى : وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ويفسر الإيمان في هذه الآيات بمثل ما فسر به الهدى في الآيات المتقدمة . واستدل أيضا بقول الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فدل على أن الدين ذو أجزاء يكمل بكمالها وينقص بفوات بعضها . وهذه الآية نزلت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع . وقد قيل : إنه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام كما قاله السدي وغيره . وكذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد . ثم أكمل الله لهم دينهم ، فقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يحجوا حجة الفرض إلا ذلك العام ، فلما حجوا حجة الإسلام كمل لهم الدين بتكميلهم أركان الإسلام حينئذ . ولم يكن الدين قبل ذلك ناقصا كنقص من ترك شيئا من واجبات دينه ، بل كان الدين في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمان بما فيه من الشرائع والأحكام ، وإنما هو ناقص بالنسبة إلى زمان الذي بعده الذي تجدد فيه من الشرائع والأحكام ما لم يكن قبل ذلك ، كما يقال : إن شريعة الإسلام أكمل من شريعة موسى وعيسى ، وإن القرآن أكمل من التوراة والإنجيل . وهذا كما سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء ناقصات دين ، وفسر نقصان دينهن بترك الصلاة والصيام في زمن حيضهن مع أنها قائمة في تلك الحال بما وجب عليها من غير الصلاة ، ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم . وهذا مبني على أن الدين هو الإسلام بكماله كما تقدم ذكره ، والبخاري عنده أن الإسلام والإيمان واحد كما تقدم ذكره . وقد احتج سفيان بن عيينة وأبو عبيد وغيرهم بهذه الآية على تفاضل الإيمان . قال أبو عبيد : قد أخبر الله أنه أكمل الدين في حجة الوداع في آخر الإسلام ، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول ما نزل الوحي . قال : وقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال : الإيمان ليس هو مجموع الدين ، ولكن الدين ثلاثة أجزاء ؛ فالإيمان جزء ، والفرائض جزء ، والنوافل جزء . قال أبو عبيد : وهذا غير ما نطق به الكتاب ؛ فإن الله أخبر أن الإسلام هو الدين برمته ، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين . انتهى . فالمرجئة عندهم الإيمان التصديق ، ولا يدخل فيه الأعمال . وأما الدين فأكثرهم أدخل الأعمال في مسماه ، وبعضهم خالف في ذلك أيضا ، والآية نص في رد ذلك ، والله أعلم .
ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين : أحدهما : 44 - حديث هشام الدستوائي : ثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، [ وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ] ، وفي قلبه وزن برة من خير . ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن ذرة من خير . خرجه عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام - به . ثم قال : وقال أبان : ثنا قتادة : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من إيمان مكان [ من ] خير . ففي هذه الرواية التي ذكرها تعليقا التصريح بتفاوت الإيمان الذي في القلوب ، وأيضا فيها التصريح بسماع قتادة له من أنس ، فزال ما كان يتوهم من تدليس قتادة . وقد خرج البخاري هذه اللفظة في حديث أنس في أواخر كتابه مسندة من رواية معبد بن هلال العنزي ، عن أنس . وخرج حديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى فيما تقدم من كتابه باختلاف لفظ الخير والإيمان كاختلاف حديث أنس . والحديث نص في تفاوت الإيمان الذي في القلوب ، وقد سبق القول في تفاوت المعرفة وتفاضلها فيما تقدم .
فصل قال البخاري : 13 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وأن المعرفة فعل القلب ؛ لقوله تعالى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ مراده بهذا التبويب أن المعرفة بالقلب التي هي أصل الإيمان فعل للعبد وكسب له ، واستدل بقوله تعالى : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ فجعل للقلوب كسبا كما جعل للجوارح الظاهرة كسبا . والمعرفة هي مركبة من تصور وتصديق ، فهي تتضمن علما وعملا وهو تصديق القلب ، فإن التصور قد يشترك فيه المؤمن والكافر ، والتصديق يختص به المؤمن ، فهو عمل قلبه وكسبه . وأصل هذا أن المعرفة مكتسبة ؛ تدرك بالأدلة ، وهذا قول أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ، ورجحه ابن جرير الطبري ، وروى بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قال : أهل السنة يقولون : الإيمان المعرفة والقول والعمل . وقالت طائفة : إنها اضطرارية لا كسب فيها ، وهو قول بعض أصحابنا وطوائف من المتكلمين والصوفية وغيرهم .
وخرج البخاري في هذا الباب 20 - حديث هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون ، قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا . كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال ، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل ، فربما اعتذروا عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق ، واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له ، وهم غير مضمون لهم المغفرة ؛ فهم محتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك ، ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به . فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل ، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله . وإنما أراد علمه بالله لمعنيين : أحدهما : زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه ، وما يستحقه من الجلال والإكرام والإجلال والإعظام . والثاني : أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين ؛ فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته ، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : رآه بفؤاده مرتين . وعلمهم به مستند إلى علم يقين ، وبين المرتبتين تباين ؛ ولهذا سأل إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين ، بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى . وقد سبق التنبيه على ذلك ، والكلام في تفاصيل المعرفة القائمة بالقلب . فلما زادت معرفة الرسول بربه زادت خشيته له وتقواه ؛ فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى ، وإنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله . وقد خرج البخاري في آخر صحيحه عن مسروق قال : قالت عائشة : صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ فوالله ، إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ! وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فأغتسل وأصوم . فقال الرجل : يا رسول الله ، إنك لست مثلنا ؛ قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي ! وفي حديث أنس أن ثلاثة رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا ! فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني . وقد خرجاه في الصحيحين بمعناه . ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد . فإذا عوتب على ذلك ، وذكرت له المغفرة - أخبر أنه يفعل ذلك شكرا كما في الصحيحين عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم حتى تتفطر قدماه ، فيقال له : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : أفلا أكون عبدا شكورا ! وقد كان يواصل في الصيام وينهاهم ، ويقول : إني لست كهيئتكم ؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش ؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدي وأفضله ، وهذا خطأ عظيم ؛ ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته : خير الهدي هدي محمد . ويقتضي أيضا هذا الخطأ أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل ؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدا ؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها ، قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فلهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يغضب من ذلك غضبا شديدا ؛ لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته ، والاقتداء به . وفي رواية للإمام أحمد : والله ، إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا ! وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا - فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا للضرورة كقول الشاعر : ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت الإتيان بالمتصل مثل أن تبتدأ بالضمير قبل عامله نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل ، أو يقع بعد نحو : إلا إياه . فأما قول الشاعر : أن لا يجاورنا إلاك ديار فشاذ . وأما قوله : وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا . ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، ويكون حينئذ قوله : إنما يدافع عن أحسابهم أنا - شاهدا له غير محتاج إلى تأويل ، والله أعلم .
فصل خرج البخاري : 10 - من حديث الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه خرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عبد الله . ثم قال : وقال أبو معاوية : حدثنا داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الأعلى ، عن داود ، عن عامر ، عن عبد الله . ومقصود البخاري بهذا أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله . وداود بن أبي هند رواه عن الشعبي ، واختلف عليه فيه ؛ فقال عبد الأعلى : عن داود كذلك ، وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله - فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو . وإنما احتاج إلى هذا ؛ لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض ، وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه ؛ فإن أئمة أهل الحديث ما زالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد بلدان الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء ، وما أشبه ذلك . وهذا الحديث قد رواه الشعبي وهو من أهل الكوفة ، عن عبد الله بن عمرو وهو حجازي نزل مصر ولم يسكن العراق ؛ فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه . وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة ، فسمع منه أهل الكوفة كأبي وائل ، وزر بن حبيش ، والشعبي . وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو من رواية يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري . وأما رواية المسلم فتقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ؛ فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ؛ فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد ؛ فأذى اليد الفعل ، وأذى اللسان القول . والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وصف المسلم بهذا في هذا الحديث ؛ لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جهله . ويشبه هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب في حجة الوداع ، وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم - أتبع ذلك بقوله : سأخبركم من المسلم ! من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم . خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث فضالة بن عبيد . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يجمع لمن قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك . وفيه - أيضا - عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسلم ، فقال له : أسألك بوجه الله ! بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : بالإسلام . قال : قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة . وكل مسلم على مسلم محرم . وذكر الحديث ، وقال فيه : قلت : يا رسول الله ، هذا ديننا ؟ قال : هذا دينكم . وخرجه النسائي بمعناه . وقوله : والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . فأصل الهجرة هجران الشر ومباعدته ؛ لطلب الخير ، ومحبته ، والرغبة فيه . والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام ؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به . وإذا كان كذلك فأصل الهجرة أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك هجران بلد الشرك مع القدرة عليه .
فصل خرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال : الحنيفية السمحة . وخرجه الطبراني ولفظه : أي الإسلام أفضل ؟ وخرجه البزار في مسنده ولفظه : أي الإسلام - أو أي الإيمان - أفضل ؟ وهذا الإسناد ليس على شرط البخاري ؛ لأنه لا يحتج بابن إسحاق ولا بروايات داود بن الحصين ، عن عكرمة ؛ فإنها مناكير عند ابن المديني ، والبخاري لا يخالف في ذلك ، وإن كان قد خرج لهما منفردين . وخرج البزار هذا الحديث من وجه آخر ، لكن إسناده لا يصح . وخرجه الطبراني من وجه ثالث ، ولا يصح إسناده أيضا . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها يوم زفن الحبشة في المسجد : لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة . وخرج أيضا من رواية معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة . إسناد ضعيف .
وخرج البخاري : 39 - من حديث معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة . وهذا الحديث تفرد به البخاري ، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري . ومعنى الحديث النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة ، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : لن يشاد الدين أحد إلا غلبه يعني أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة ، فمن شاد الدين غلبه وقطعه . وفي مسند الإمام أحمد عن محجن بن الأدرع قال : أقبلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي ، قال : أتقوله صادقا ؟ قلت : يا نبي الله ، هذا فلان ، وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة ! قال : لا تسمعه فتهلكه - مرتين أو ثلاثا - إنكم أمة أريد بكم اليسر . وفي رواية له قال : إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره . وفي رواية له أيضا ، قال : إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة . وخرجه حميد بن زنجويه ، وزاد : اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة . وخرجه ابن مردويه وعنده : قال : إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ، ولم يرد بها العسر . وفي المسند أيضا عن بريدة قال : خرجت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي . فلحقته ، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود ، فقال لي : أتراه يرائي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ! قال : فترك يده من يدي ، ثم جمع بين يديه ، فجعل يصوبهما ويرفعهما ، ويقول : عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه . وفي المسند أيضا عن عاصم بن هلال ، عن غاضرة بن عروة الفقيمي ، عن أبيه قال : كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرج ، فصلى . فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن دين الله في يسر ، قالها ثلاثا . وفي المعنى أحاديث أخر . وقوله صلى الله عليه وسلم : سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا : التسديد هو إصابة الغرض المقصود ، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمي إليه ولم يخطئه . والمقاربة أن يقارب الغرض وإن لم يصبه ، لكن يكون مجتهدا على الإصابة ، فيصيب تارة ويقارب أخرى . أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . وفي المسند و سنن أبي داود ، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر يوم الجمعة : أيها الناس ، إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتكم ، ولكن سددوا وأبشروا . وقيل : أراد بالتسديد العمل بالسداد وهو القصد والتوسط في العبادة ، فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه . قال النضر بن شميل : السداد القصد في الدين والسبيل ، وكذلك المقاربة المراد بهما التوسط بين التفريط والإفراط ، فهما كلمتان بمعنى واحد . وقيل : بل المراد بالتسديد التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات ، وبالمقاربة الاقتصار على الواجبات . وقيل فيهما غير ذلك . وقوله : أبشروا يعني أن من قصد المراد فليبشر . وخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سددوا ، وقاربوا ، وأبشروا . وقوله : واستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله ، وهي أول النهار وآخره ، وآخر الليل ؛ فالغدوة أول النهار ، والروحة آخره ، والدلجة سير آخر الليل . وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا سافرتم فعليكم بالدلجة ؛ فإن الأرض تطوى بالليل . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان ، وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال . وخرج البخاري هذا الحديث في أواخر كتابه ، وزاد فيه والقصد القصد تبلغوا يعني أن من دام على سيره إلى الله في هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ ، ومن لم يقتصد بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ . وقد جاء من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى . والمنبت هو المنقطع في سفره قبل وصوله ؛ فلا سفره قطع ، ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك ، بل هو كالمنقطع في المفاوز ، فهو إلى الهلاك أقرب . ولو أنه رفق براحلته ، واقتصد في سيره عليها - لقطعت به سفره ، وبلغ إلى المنزل . كما قال الحسن : نفوسكم مطاياكم ؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم عز وجل ، والله أعلم .
فصل 21 - تقدم عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان . وقد تقدم من رواية أبي قلابة عن أنس ، وزاد في رواية قتادة : ومن كره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه . وقوله : بعد إذ أنقذه الله منه - لا يستلزم أنه كان واقعا فيه ؛ فإن كل من أدخل الله الإسلام في قلبه فقد أنقذه الله من الكفر وإن لم يكن قد وقع في الكفر قبل ذلك ؛ وهذا كما قال شعيب عليه السلام : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وقال تعالى : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا وقال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ والمراد أنه ينجيهم من الشرك ، ويدخلهم في الإيمان ؛ وكثير منهم لم يكن داخلا في الشرك قط .
فصل خرج البخاري ومسلم : 40 - من حديث أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه [ صلى ] أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه قوم . فخرج رجل ممن صلى معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله ، لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة ! فداروا كما هم قبل البيت . وكانت اليهود [ قد ] أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ، وأهل الكتاب . فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . قال زهير : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء في حديثه هذا ، أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال البخاري : يعني صلاتكم . وبوب على هذا الحديث : باب الصلاة من الإيمان . والأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم نسب ؛ فإنهم أجداده وأخواله من جهة جد أبيه هاشم بن عبد مناف ؛ فإنه تزوج بالمدينة امرأة من بني عدي بن النجار ، يقال لها : سلمى . فولدت له ابنه عبد المطلب ، وفي رأسه شيبة فسمي شيبة . وذكر ابن قتيبة أن اسمه عامر ، والصحيح أن اسمه شيبة . وإنما قيل له : عبد المطلب ؛ لأن عمه المطلب بن عبد مناف قدم به من المدينة إلى مكة ، فقالت قريش : هذا عبد المطلب . فقال : ويحكم ؛ إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو ، وهاشم اسمه عمرو . ففي حديث البراء هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار ، وظاهره يدل على أنه نزل على بني النجار ؛ لأنهم هم أخواله وأجداده . وإنما أراد البراء جنس الأنصار دون خصوص بني النجار . وقد خرج البخاري في كتاب الصلاة و أبواب الهجرة من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف . فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار ، فجاءوا متقلدين سيوفهم . قال : وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وذكر الحديث . وخرج أيضا معنى ذلك من حديث الزهري ، عن عروة بن الزبير . وأما ما ذكره البراء في حديثه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، صلى بالمدينة قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا - فهذا شك منه في مقدار المدة . وروي عن ابن عباس أن مدة صلاته بالمدينة إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا ، خرجه أبو داود . وخرج أيضا من حديث معاذ أن مدة ذلك كان ثلاثة عشر شهرا . وروى كثير بن عبد الله المزني - وهو ضعيف - عن أبيه ، عن جده عمرو بن عوف قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا . وقال سعيد بن المسيب : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس تسعة عشر شهرا ، ثم حولت القبلة بعد ذلك قبل المسجد الحرام ، قبل بدر بشهرين . ورواه بعضهم عن سعيد عن سعد بن أبي وقاص ، والحفاظ يرون أنه لا يصح ذكر سعد بن أبي وقاص فيه . وقيل عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث : ستة عشر شهرا . وكذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد وغيرهم : إن مدة صلاته إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا . وقال الواقدي : الثبت عندنا أن القبلة حولت إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا . وعن السدي أن ذلك كان على رأس ثمانية عشر شهرا . وقيل : كان بعد خمسة عشر شهرا ونصف . ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة ، لكن اختلفوا في أي شهر كان ؟ فقيل : في رجب كما تقدم ، وحكي ذلك عن الجمهور ، منهم ابن إسحاق . وقيل : في يوم الثلاثاء نصف شعبان . وحكي عن قتادة ، واختاره محمد بن حبيب الهاشمي وغيره . وقيل : بل كان في جمادى الأول . وحكي عن إبراهيم الحربي ، ورواه الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك . وقوله : وكان يعجبه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - أن تكون قبلته قبل البيت يعني الكعبة . هذا يشهد له قول الله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وروى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود . فاستقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر شهرا . فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآية . وقال مجاهد : إنما كان يحب أن يحول إلى الكعبة ؛ لأن يهود قالوا : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ! وقال ابن زيد : لما نزل فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لبيت المقدس ، لو أنا استقبلناه ! فاستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة عشر شهرا ، فبلغه أن اليهود تقول : والله ، ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فنزلت هذه الآية قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ويشهد لهذا ما في حديث البراء وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ، وأهل الكتاب يعني من غير اليهود ، وهم النصارى . فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . وقد اختلف الناس : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل هجرته يصلي إلى بيت المقدس ؟ أو إلى الكعبة ؟ فروي عن ابن عباس أنه كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس ، والكعبة بين يديه . خرجه الإمام أحمد . وقال ابن جريج : صلى أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة . فصلت الأنصار قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ثلاث حجج ، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام . وقال قتادة : صلت الأنصار قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة نحو بيت المقدس حولين . واستدل من قال : إنما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، فدل على أنه لم يصل إليه غير هذه المدة . ولكن قد يقال : إنه إنما أراد بعد الهجرة . ويدل عليه أيضا أن جبريل صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما فرضت الصلاة عند باب البيت ، والمصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله ، ولم ينقل هذا أحد [ ] . وهؤلاء منهم من قال : ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي كما تقدم عن ابن زيد ، وكذا قال أبو العالية : إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب . وفي صحيح الحاكم عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال الله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا يعنون : بيت المقدس ، فنسخها الله وصرفه إلى البيت العتيق . وقال : صحيح على شرطهما . وليس كما قال ؛ فإن عطاء هذا هو الخراساني ، ولم يلق ابن عباس . كذا وقع مصرحا بنسبته في كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ، ولابن أبي داود وغيرهما . وقول البراء : وكان أول صلاة صلاها العصر - يعني إلي الكعبة بعد الهجرة . وقد روي عن عمارة بن أوس - وكان قد صلى القبلتين - قال : كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نصلي إلى بيت المقدس ، وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب : إن القبلة قد حولت ، فأشهد على إمامنا أنه تحرف . خرجه الأثرم وغيره . وخرج الأثرم وابن أبي حاتم من حديث تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثه ، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين . ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو البيت الحرام . وقد روي أن هذه الصلاة كانت صلاة الفجر ؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ! وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . وخرج مسلم معناه من حديث أنس أيضا . وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث : إن التحويل كان في صلاة العصر ، ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الصبح . وفيه نظر . وقيل : إن تلك الصلاة كانت الظهر ، وقد خرجه النسائي في تفسيره من حديث أبي سعيد بن المعلى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عن مجاهد . وحديث البراء يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة العصر كلها إلى الكعبة ، وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ، ثم استداروا إلى الكعبة - هم قوم كانوا في مسجد لهم وراء إمام لهم . وفي حديث ابن عمر أنهم أهل مسجد قباء ، وفي حديث تويلة : مسجد بني حارثة . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن صلى معه هم الذين استداروا في صلاتهم ، وأن الكعبة حولت في أثناء صلاتهم . وقد روي نحوه عن مجاهد وغيره . وقد ذكر ابن سعد في كتابه قال : يقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين من الظهر في المسجد بالمسلمين ، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام ، واستدار إليه ودار معه المسلمون . ويقال : بل زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة ، فصنعت لهم طعاما ، وكانت الظهر . فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ركعتين ، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة ، فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمي المسجد مسجد القبلتين . وحكى عن الواقدي أنه قال : هذا الثبت عندنا . وروى أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين ، عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن رويبة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى صلاتي العشي حين صرفت القبلة ، فدار النبي صلى الله عليه وسلم ، ودرنا معه في ركعتين . خرجه ابن أبي داود ، وأبو مالك ضعيف جدا . والصواب رواية قيس بن الربيع عن زياد بن علاقة عن عمارة بن أوس ، وقد سبق لفظه . وروى عثمان بن سعد قال : ثنا أنس بن مالك قال : انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس وهو يصلي الظهر ، وانصرف بوجهه إلى القبلة . خرجه البزار وغيره . وعثمان هذا تكلم فيه . وخرج الطبراني من رواية عمارة بن زاذان ، عن ثابت ، عن أنس قال : صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة وهم في الصلاة ، فانحرفوا في ركوعهم . وعمارة ليس بالقوي . وخالفه حماد بن سلمة ، فروى عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي نحو بيت المقدس ، فنزلت قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآية ، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت ! فمالوا كما هم نحو القبلة . خرجه مسلم ، وهذا هو الصحيح . فإن كان التحويل قد وقع في أثناء الصلاة ، وقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس - استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه ، وبنى على ما مضى من صلاته . فيدخل في ذلك الأمة إذا أعتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس والسترة قريبة ، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبا وقدر على الطهارة به ، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدا ثم قدر على القيام . وإن كان التحويل وقع قبل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ، ولكن لم يبلغ غيرهم إلا في أثناء صلاتهم ، فبنوا - استدل به على أن من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة ، ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنه ينتقل ويبني . ويستدل به على أن حكم الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه . ويستدل به - على التقديرين - على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بغير واسطة ، فمع تعذر ذلك أولى وأحرى . وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر - وهو الصلاة إلى بيت المقدس - بخبر الواحد ، فالتحقيق في جوابه أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن ، فنداء صحابي في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلهم بالمدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها موجود لا يتداخل من سمعه شك فيه أنه صادق فيما يقوله وينادي به ، والله أعلم . وقول البراء : إنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما يقول فيهم ، فأنزل الله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ - فهذا خرجه مسلم من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء أيضا . ورواه شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء موقوفا في قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال : صلاتكم إلى بيت المقدس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث سماك عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله ، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله عز وجل وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ الآية . قال عبيد الله بن موسى : هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الإيمان . وهذا هو الذي بوب عليه البخاري في هذا الموضع ، ولأجله ساق حديث البراء فيه . وكذلك استدل به ابن عيينة وغيره من العلماء على أن الصلاة من الإيمان . وممن روي عنه أنه فسر هذه الآية بالصلاة إلى بيت المقدس ابن عباس من رواية العوفي عنه ، وسعيد بن المسيب ، وابن زيد ، والسدي ، وغيرهم . وقال قتادة والربيع بن أنس : نزلت هذه الآية لما قال قوم من المسلمين : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ وهذا يدل على أن المراد بها الصلاة أيضا ؛ لأنها هي التي تختص بالقبلة من بين الأعمال ، ولم يذكر أكثر المفسرين في هذا خلافا ، وأن المراد بالإيمان هاهنا الصلاة ؛ فإنها علم الإيمان ، وأعظم خصاله البدنية . وروى ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال : أي بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعه إلى الآخرة أي : ليعطينكم أجرهما جميعا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وعن الحسن في هذه الآية قال : ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم ، وانصرافكم معه حيث انصرف إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وهذا القول يدل على أن المراد بالإيمان التصديق مع الانقياد والاتباع المتعلق بالقبلتين معا ، فيدخل في ذلك الصلاة أيضا .
فصل خرج البخاري ومسلم : 22 - من حديث عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ! فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ؛ ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ؟ قال البخاري : وقال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير . قد قيل : إن الرواية الصحيحة الحيا بالقصر . و الحيا هو المطر ، قاله الخطابي وغيره . هذا الحديث نص في أن الإيمان الذي في القلوب يتفاضل ؛ فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره ، وإن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نزاع . وقد بوب البخاري على هذا الحديث باب تفاوت أهل الإيمان في الأعمال ، فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب ، كما بوب على أن المعرفة فعل القلب ، وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب ؛ فإنهما متلازمان . وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث ، وقال : مثقال حبة من خير . وفي الباب أيضا من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد ، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وفيه زيادة من قال : لا إله إلا الله . وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي أعني كلمة التوحيد ، والإيمان القلبي وهو التصديق - لا يقتسمه الغرماء بمظالمهم ؛ بل يبقى على صاحبه ؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد ، وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق ، وما قاله بلسانه من الشهادة . وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم ، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح . وقد قال ابن عيينة وغيره : إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا يقتسمه الغرماء أيضا . وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب ، وقد قيل : إنها تنزل مع المطر من السماء ، كذا قاله كعب وغيره . وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، وذكر فيه آثارا عن الأعراب . وحميل السيل محمولة ؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب . وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا أو الحياة بنبات هذه الحبة ؛ لمعنيين : أحدهما : سرعة نباتها . والثاني : أنها تنبت صفراء ملتوية ، ثم تستوي وتحسن . فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ، ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه . وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض ، قال الله تعالى : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا وحياتهم من الماء ؛ فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ونشأتهم الثانية من قبورهم من الماء الذي ينزل من تحت العرش ، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم . ونبات من يدخل النار ، ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة أو الحيا . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة . ثم قيل : يأهل الجنة ، أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل . وظاهر هذا أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم ، [و] يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبل ذبح الموت . ويشهد له ما خرجه البزار في مسنده من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبا قوم يخرجهم الله من النار ، فيرتاح لهم الرب عز وجل أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا ، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل ، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا : ربنا ! فالذي أخرجتنا من النار ، ورجعت الأرواح إلى أجسادنا - فاصرف وجوهنا عن النار ، فيصرف وجوههم عن النار . ثم خرج البخاري :
ثم خرج البخاري 23 - حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص ، فمنها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما يبلغ دون ذلك . وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره . قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : الدين . وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل ، وقد استدل عليه بقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر . ويدل عليه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ! وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها ؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين . وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم . فمن قال : الإسلام والإيمان واحد - فالدين عنده مرادف لهما أيضا ، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل الحديث . ومن فرق بينهما ، فاختلفوا في ذلك ؛ فمنهم من قال : إن الدين أعم منهما ؛ فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كما دل عليه حديث جبريل . وقد أشار البخاري إلى هذا فيما بعد ، لكنه ممن لا يفرق بين الإسلام والإيمان . ومن قال : الإيمان التصديق ، والإسلام الأعمال - فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام ، وأدخل فيه الأعمال . وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين بعض المرجئة . ومن قال : الإسلام الشهادتان ، والإيمان العمل كالزهري وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى - جعل الدين هو الإيمان بعينه . وأجاب عن قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ - أن بعض الدين الإسلام . وهذا بعيد . وأما من قال : إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه ، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما ، وهو الأظهر - فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه ، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين أخص باسم الإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين ، يقال : دانه يدينه إذا قهره ، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد ؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا ، فقال : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وقال : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا وإنما فسر القمص في المنام بالدين ؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس ، قال تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ وقال أبو الدرداء : الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة ، وينزعه أخرى . وفي الحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ينزع منه سربال الإيمان . وقال النابغة : الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا وقال أبو العتاهية : إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح ، وهو زينة لها كما في حديث عمار اللهم ، زينا بزينة الإيمان ! كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له ، قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ إن المعنى : طهر نفسك من الذنوب . وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك فطهر . وقريب منه قول من قال : وعملك فأصلح . روي عن مجاهد وأبي روق والضحاك . وعن الحسن والقرظي قالا : خلقك حسنه . فكنى بالثياب عن الأعمال ، وهي الدين والتقوى والإيمان والإسلام ، وتطهيره إصلاحه وتخليصه من المفسدات له ، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية . وبه يحصل حسن الخلق ؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا ، قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وفسره ابن عباس بالدين .
فصل في أمور الإيمان قال البخاري : وقول الله عز وجل لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلى قوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وأمور الإيمان خصاله وشعبه المتعددة . واستدل البخاري بقوله تعالى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وقد سأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فتلا عليه هذه الآية . وهذا يدل على أن الخصال المذكورة فيها هي خصال الإيمان المطلق ، فإذا أطلق الإيمان دخل فيه كل ما ذكر في هذه الآية ، كما سأل السائل عن الإيمان ، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية . وإذا قرن الإيمان بالعمل فقد يكون من باب عطف الخاص على العام ، وقد يكون المراد بالإيمان حينئذ التصديق بالقلب ، وبالعمل عمل الجوارح ، كما ذكر في هذه الآية الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ثم عطف عليه أعمال الجوارح .
وخرج البخاري : 9 - من حديث سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان . وخرجه مسلم من هذا الوجه ، ولفظه بضع وسبعون . وخرجه مسلم أيضا من رواية جرير ، عن سهيل ، عن عبد الله بن دينار - به ، وقال في حديثه : بضع وسبعون ، أو بضع وستون بالشك ، وهذا الشك من سهيل ، كذا جاء مصرحا به في صحيح ابن حبان وغيره . وخرجه مسلم أيضا من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار - به ، وقال في حديثه : الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابا . ورواه ابن عجلان ، عن عبد الله بن دينار ، وقال : ستون أو سبعون . وروي عنه أنه قال في حديثه : ستون أو سبعون أو بضع وأحد من العددين . وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه - بهذا اللفظ أيضا . وروي عنه بلفظ آخر ، وهو الإيمان تسعة أو سبعة وسبعون شعبة . وخرجه الترمذي من رواية عمارة بن غزية وقال فيه : الإيمان أربعة وسبعون بابا . وقد روي عن عمارة بن غزية ، عن سهيل ، عن أبيه . وسهيل لم يسمع من أبيه ، إنما رواه عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح . فمدار الحديث على عبد الله بن دينار ، لا يصح عن غيره . وقد ذكر العقيلي أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات : أثبات : كمالك وشعبة وسفيان بن عيينة . ومشايخ : كسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان . قال : وفي روايتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب ، وقال : إن هذا الحديث لم يتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار ، ولا تابع عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح عليه أحد . والطبقة الثالثة : الضعفاء ، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير ، إلا أن الحمل فيها عليهم . قلت : قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال ، وهو ثقة ثبت . وقد خرج حديثه في الصحيحين . وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح . وزعم بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان ، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها . وفي ذلك نظر . وقد ورد في بعض روايات صحيح مسلم عدد بعض هذه الخصال ، ولفظه : أعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان . فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قول باللسان ، ومنها ما هو عمل بالجوارح ، ومنها ما هو قائم بالقلب ، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال . وقد انتدب لعدها طائفة من العلماء كالحليمي والبيهقي وابن شاهين وغيرهم ، فذكروا كل ما ورد تسميته إيمانا في الكتاب والسنة من الأقوال والأعمال ، وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين ، وبعضهم تسعا وسبعين . وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخصال عسر ، كذا قاله ابن الصلاح ، وهو كما قال . وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره ، وما خرج فيه من الأحاديث ، وما استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة ، إذا عدت خصاله ، وأضيف إليه أضداد ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر - بلغ ذلك فوق السبعين أيضا ، والله أعلم . وقد تكلم الراغب في كتاب الذريعة له على حصرها في هذا العدد بكلام عجيب جدا . وفي قوله : أعلاها قول : لا إله إلا الله - ما يستدل به من يقول : إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقا ، وإنها أفضل من كلمة الحمد . وفي ذلك اختلاف ذكره ابن عبد البر وغيره . فإن قيل : فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان ، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال ، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل . هذا قول الجمهور الأعظم منهم ، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين ، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة ، بل هي غير منحصرة . قيل : يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة : أحدها : أن يقال : إن عدد خصال الإيمان عند قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كان منحصرا في هذا العدد ، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم . وفي هذا نظر . والثاني : أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعا ، وإن كان أفراد كل نوع تتعدد كثيرا ، وربما كان بعضها لا ينحصر . وهذا أشبه ، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسر أو يتعذر . والثالث : أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد ، لا على وجه الحصر ، كما في قوله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد ، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك كأنه يقول : هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه . وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين ، وفيه نظر . والرابع : أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها ، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها . قال ابن حامد من أصحابنا . والبضع في اللغة : من الثلاث إلى التسع ، هذا هو المشهور ، ومن قال : ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد . وقيل : من أربع إلى تسع . وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر . والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه . وكذا قال بعضهم : ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة . وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر ، والله أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 29 - من حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن . قيل : أيكفرن ؟ قال : يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا - قالت : ما رأيت منك خيرا قط وقال البخاري : كفر دون كفر . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه ، وهذا عند إطلاق الكفر . فأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ وإنما المراد هاهنا أنه قد يرد إطلاق الكفر ، ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة ، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ، إنه ليس بكفر ينقل عن الملة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ كفر دون كفر . خرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وعنه في هذه الآية قال : هو به كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وكذا قال عطاء وغيره : كفر دون كفر . وقال النخعي : الكفران كفران : كفر بالله ، وكفر بالمنعم . واستدل البخاري لذلك بحديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا ، وهو قطعة من حديث طويل خرجه في أبواب الكسوف ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق على النساء الكفر ، فسئل عنه ، ففسره بكفر العشير . وحديث أبي سعيد في هذا المعنى يشبه حديث ابن عباس . وقد خرج هذا المعنى من حديث ابن عمر وأبي هريرة أيضا . وفي المعنى أيضا حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقوله : من قال لأخيه : يا كافر - فقد باء بها أحدهما . وللعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددة : منهم من حملها على من فعل ذلك مستحلا لذلك . وقد حمل مالك حديث من قال لأخيه : يا كافر - على الحرورية المعتقدين لكفر المسلمين بالذنوب . نقله عنه أشهب . وكذلك حمل إسحاق بن راهويه حديث من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر - على المستحل لذلك . نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج . ومنهم من يحملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة كما تقدم عن ابن عباس وعطاء . ونقل إسماعيل الشالنجي عن أحمد ، وذكر له قول ابن عباس المتقدم ، وسأله : ما هذا الكفر ؟ قال أحمد : هو كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض ، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه . قال محمد بن نصر المروزي : واختلف من قال من أهل الحديث : إن مرتكب الكبائر مسلم وليس بمؤمن - هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة كما قال عطاء : كفر دون كفر ، وقال ابن عباس وطاوس : كفر لا ينقل عن الملة ؟ على قولين لهم . قال : وهما مذهبان في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أهل الحديث . قلت : قد أنكر أحمد في رواية المروذي ما روي عن عبد الله بن عمرو أن شارب الخمر يسمى كافرا ، ولم يثبته عنه مع أنه قد روي عنه من وجوه كثيرة ، وبعضها إسناده حسن . وروي عنه مرفوعا . وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جواز إطلاق كفر النعمة على أهل الكبائر ، ونصب الخلاف في ذلك مع الزيدية من الشيعة ، والإباضية من الخوارج . ورواية إسماعيل الشالنجي عن أحمد قد توافق ذلك ، فمن هنا حكى محمد بن نصر عن أحمد في ذلك مذهبين . والذي ذكره القاضي أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبي يعلى عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة ، وقد حكاه عن أحمد . وقد روي عن جابر بن عبد الله أنه سئل : هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب الكفر أو الشرك ؟ قال : معاذ الله ، ولكنا نقول مؤمنين مذنبين . خرجه محمد بن نصر وغيره . وكان عمار ينهى أن يقال لأهل الشام الذين قاتلوهم بصفين : كفروا . وقال : قولوا : فسقوا ، قولوا : ظلموا . وهذا قول ابن المبارك وغيره من الأئمة . وقد ذكر بعض الناس أن الإيمان قسمان : أحدهما : إيمان بالله ، وهو الإقرار والتصديق به . والثاني : إيمان لله ، وهو الطاعة والانقياد لأوامره . فنقيض الإيمان الأول الكفر ، ونقيض الإيمان الثاني الفسق ، وقد يسمى كفرا ولكن لا ينقل عن الملة . وقد وردت نصوص اختلف العلماء في حملها على الكفر الناقل عن الملة أو على غيره مثل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة . وتردد إسحاق بن راهويه فيما ورد في إتيان المرأة في دبرها أنه كفر ، هل هو مخرج عن الدين بالكلية ؟ أم لا ؟ ومن العلماء من يتوقى الكلام في هذه النصوص تورعا ، ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة . وحكاه ابن حامد رواية عن أحمد . ذكر صالح بن أحمد وأبو الحارث أن أحمد سئل عن حديث أبي بكر الصديق : كفر بالله تبري من نسب وإن دق ، وكفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعلم . قال أحدهما : قال أحمد : قد روي هذا عن أبي بكر ، والله أعلم . وقال الآخر : قال : ما أعلم ، قد كتبناها هكذا . قال أبو الحارث : قيل لأحمد : حديث أبي هريرة من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر ! فقال : قد روي هذا ، ولم يزد على هذا الكلام . وكذا قال الزهري لما سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لطم الخدود وما أشبهه من الحديث ، فقال : من الله العلم ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم . ونقل عبدوس بن مالك العطار عن أحمد أنه ذكر هذه الأحاديث التي ورد فيها لفظ الكفر ، فقال : نسلمها وإن لم نعرف تفسيرها ، ولا نتكلم فيه ، ولا نفسرها إلا بما جاءت . ومنهم من فرق بين إطلاق لفظ الكفر ، فجوزه في جميع أنواع الكفر سواء كان ناقلا عن الملة أو لم يكن ، وبين إطلاق اسم الكافر ، فمنعه إلا في الكفر الناقل عن الملة ؛ لأن اسم الفاعل لا يشتق إلا من الفعل الكامل . ولذلك قال في اسم المؤمن : لا يقال إلا للكامل الإيمان ، فلا يستحقه من كان مرتكبا للكبائر حال ارتكابه ، وإن كان يقال : قد آمن ، ومعه إيمان . وهذا اختيار ابن قتيبة . وقريب منه : قول من قال : إن أهل الكتاب يقال : إنهم أشركوا وفيهم شرك ، كما قال تعالى : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ولا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق ، بل يفرق بينهم وبين المشركين كما في قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فلا تدخل الكتابية في قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وقد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره . وكذلك كره أكثر السلف أن يقول الإنسان : أنا مؤمن ، حتى يقول : إن شاء الله ، وأباحوا أن يقول : آمنت بالله . وهذا القول حسن لولا ما تأوله ابن عباس وغيره في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ والله أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 23 - من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال : دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان . هذا المعنى مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة ، وقد سبق حديث أبي هريرة الحياء شعبة من الإيمان . والحياء نوعان : أحدهما : غريزي ، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه ، فيكفه عن ارتكاب القبائح والرذائل ، ويحثه على فعل الجميل . وهو من أعلى مواهب الله للعبد ، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل ، والكف عن القبيح . وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ، فهو وسيلة إليه ، كما قال عمر : من استحيا اختفى ، ومن اختفى اتقى ، ومن اتقى وقي . وقال بعض التابعين : تركت الذنوب حياء أربعين سنة ، ثم أدركني الورع . وقال ابن سمعون : رأيت المعاصي نذالة ، فتركتها مروءة ، فاستحالت ديانة . والنوع الثاني : أن يكون مكتسبا ؛ إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة ، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه . أو من مقام الإحسان ، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه ، فهذا من أعلى خصال الإيمان . وفي حديث مرسل استحي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك . وروي موصولا . وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خاليا ، فقال : الله أحق أن يستحيا منه . وفي حديث ابن مسعود المرفوع الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وأن تذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء . خرجه الترمذي وغيره . وخرج البخاري في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إنها نزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ، ويتخلون فيستحيون من الله ، فنزلت الآية . وكان الصديق يقول : استحيوا من الله ؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي عز وجل . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل . قال بعض السلف : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحي منه على قدر قربه منك . وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم ، فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه ، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان .
فصل خرج البخاري ومسلم : 32 - من حديث ابن مسعود قال : لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ - قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينا لم يظلم نفسه ؟ فأنزل الله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ معنى هذا أن الظلم يختلف : فيه ظلم ينقل عن الملة ، كقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقوله تعالى : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ؛ فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وأعظم ذلك أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ، ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية ، سبحانه وتعالى عما يشركون . وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ الآيات ، وقوله : وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ الآيات ، ومثل هذا كثير . ويراد بالظلم ما لا ينقل عن الملة ، كقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ وقوله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ - أن الظلم هو الشرك . وجاء في بعض رواياته زيادة : قال إنما هو الشرك . وروى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس - أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ ، فدخل ذات يوم فقرأ ، فأتى على هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ إلى آخر الآية ، فانتعل وأخذ رداءه ، ثم أتى أبي بن كعب ، فقال : يا أبا المنذر ، أتيت قبل على هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ وقد ترى أنا نظلم ونفعل ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا ليس بذلك ، يقول الله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إنما ذلك الشرك . خرجه محمد بن نصر المروزي . وخرجه أيضا من طريق حماد بن زيد ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر أتى على هذه الآية - فذكره . وحماد بن سلمه مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة . وروى أيضا بإسناده ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق . يعني أن الفسق قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وقال : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وقد لا يكون الفسق ناقلا عن الملة كقوله تعالى : وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وقوله في الذين يرمون المحصنات : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وقوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها ، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة . وكذلك الشرك منه ما ينقل عن الملة ، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة ، ومنه ما لا ينقل كما جاء في الحديث من حلف بغير الله فقد أشرك وفي الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ، وسمى الرياء شركا . وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال : إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه : لولا الكلب لسرقنا الليلة . قال تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل . وقيل للحسن : يشرك بالله ؟ قال : لا ، ولكن أشرك بذلك العمل عملا يريد به الله والناس ، فذلك يرد عليه .
فصل قال البخاري : 12 - باب من الدين الفرار من الفتن 19 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن . بوب البخاري على أن الفرار من الفتن من الدين ، وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن ، لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام ، والإسلام هو الدين . وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه هنا الحديث الذي خرجه في أول الجهاد من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا : ثم من ؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن . وخرجه أبو داود ، وعنده : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ فذكره . وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان . وفي المسند و جامع الترمذي ، عن طاوس ، عن أم مالك البهزية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس في الفتنة : رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله . وروي عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الحاكم . وروي عن طاوس مرسلا . وخرج الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا : أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم ، أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها ، ورجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه . وقد وقفه بعضهم . فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة . وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم . وقد روي عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد . وهو وهم . وروي عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن نهار العبدي ، عن أبي سعيد . وذكر نهار في إسناده وهم ، قاله الدارقطني . فقوله صلى الله عليه وسلم : يوشك - تقريب منه للفتنة ، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم . وهذا من جملة أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم . وإنما كان الغنم خير مال المسلم حينئذ ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ، ويشرب من ألبانها ، ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره ، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه . وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم ؛ ولهذا قال : يتبع بها شعف الجبال وهي رءوسها وأعاليها ؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو ، ومواقع القطر ؛ لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلإ . وفي مسند البزار عن مخول البهزي ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : سيأتي على الناس زمان خير المال فيه غنم بين المسجدين ، تأكل من الشجر وترد الماء ، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ، ويلبس من أشعارها - أو قال : من أصوافها - والفتن ترتكس بين جراثيم العرب . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله . وواحد الجراثيم جرثومة ، وهي أصل الشيء . وفي هذا دلالة على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد ، وما يقتات منه . وقوله : يفر بدينه من الفتن - يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ؛ فإن من خالط الفتن وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم ؛ إما بقتل معصوم ، أو أخذ مال معصوم ، أو المساعدة على ذلك بقول ونحوه . وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه . وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه ، فقال حكاية عن أصحاب الكهف : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ وروى عروة عن كرز الخزاعي قال : سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي : هل لهذا الإسلام من منتهى ؟ قال : من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه . قال : ثم ماذا ؟ قال : تقع فتن كالظلل . قال : كلا يا نبي الله ! قال : بلى ، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، وخير الناس يومئذ رجل يتقي ربه ، ويدع الناس من شره . الأساود : جمع أسود ، وهو أخبث الحيات وأعظمها . والصب : جمع صبوب ، على أن أصله صبب كرسول ورسل ، ثم خفف كرسل ؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ . ويروى صبى على وزن حبلى . وفي الصحيحين عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر له الفتن ، فقال له : فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قال : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك . وقد اعتزل جماعة من الصحابة في الفتن في البوادي . وقال الإمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ، فأما إذا لم تكن فتنة فالأمصار خير . فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه ، كما في الترمذي و صحيح الحاكم ، عن أبي هريرة قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذب ، فأعجبه طيبه وحسنه ، فقال : لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ، ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فاستأمره ، فقال : لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما . وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة . وذكر باقيه بمعناه . وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، ائذن لي بالسياحة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله . وفي المسند عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : عليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام . وفي مراسيل طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة . وفي المعنى مراسيل أخر متعددة . قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام في شيء ، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين . والسياحة على هذا الوجه قد فعلها طوائف ممن ينسب إلى عبادة واجتهاد بغير علم ، ومنهم من رجع لما عرف ذلك . وقد كان في زمن ابن مسعود جماعة من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة ، وبنوا مسجدا يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن عتبة ، ومفضل العجلي . فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم ، وقال : إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد ، أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة . وإسناد هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك . وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة ، يأتيه رزقه ، لا يدري من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة ، وعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز . فقبل منه ، وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله . خرج حكايته ابن أبي الدنيا . وروي نحو هذه الحكاية أيضا عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي . خرجها حميد بن زنجويه . وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال كما جرى لثعلبة في ماله فمذموم أيضا . وفي سنن ابن ماجه ، عن أبي هريرة مرفوعا : ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه أيضا . وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعة : ثنا عمر مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول : قال حارثة بن النعمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ، ويئوب إلى أهله حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ! فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ، فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه . وخرجه الإمام أحمد بمعناه . وفي سنن أبي داود والترمذي وغيرهما ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من سكن البادية جفا . وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته : إنه ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . وفي الصحيحين أن سلمة بن الأكوع قال : أذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البدو . وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربذة ، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال ترك المدينة . وفي المسند أن سلمة قدم المدينة ، فقيل له : ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟ فقال : معاذ الله ! إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ابدوا يا أسلم ، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب ! فقالوا : يا رسول الله ، إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا ، قال : أنتم مهاجرون حيث ما كنتم . وفي الطبراني ، عن ابن عمر أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمن ، قد أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح ! فقال : لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم . وأسلم هي قبيلة سلمة بن الأكوع . وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ؛ فإنهما لزما منزلهما بالعقيق ، فلم يكونا يأتيان المدينة في جمعة ولا غيرها حتى لحقا بالله عز وجل . خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العزلة . وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة . وفي صحيح البخاري ، عن عطاء قال : ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير ، فقالت لنا : انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة . وفي رواية له : قال : فسألناها عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ، ولكن جهاد ونية . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ؛ لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح . وكان أنس بن مالك يسكن بقصره بالزاوية خارج البصرة ، وكان ربما شهد الجمعة ، وربما لم يشهدها . وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة . وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه ، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه . وفي كلامه إيماء إليه أيضا . وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم . فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه . وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة : أين ينزل ؟ فقال : بقرية دون حمص ، فقال له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة ؛ فإن الذئب يأكل القاصية . خرجه النسائي وغيره . وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا . وفي رواية لأحمد فعليك بالمدائن ، ويحك يا معدان . وفي المسند أيضا عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية ؛ فإياكم والشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد . فنهى عن سكنى الشعاب وهي البوادي ، وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم . وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم . خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده . وفي هذا بعد ، وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة . فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه فقد ورد فيه رخصة ، ففي سنن أبي داود عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدو ؟ فقالت : نعم إلى هذه التلاع ، ولقد بدا مرة فأتى بناقة محرمة ، فقال : اركبيها يا عائشة وارفقي ؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، ولا نزع منه إلا شانه . وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله . وورد النهي عنه ، ففي المسند عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هلاك أمتي في اللبن ، قيل : يا رسول الله ، ما اللبن ؟ قال : تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع ، وتبدون . وفي إسناده : ابن لهيعة . وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها ، وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات . وعن أبي عبد الله الجدلي قال : فضل أهل الأمصار على أهل القرى كفضل الرجال على النساء ، وفضل أهل القرى على أهل الكفور كفضل الأحياء على الأموات ، وسكان الكفور كسكان القبور ، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب . خرجه حميد بن زنجويه ، وروى بإسناده عن مكحول معنى أوله . ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة ، إلا أن يخرج لعلة . يعني أنه إذا خرج تداويا لعلة به جاز ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم – للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ؛ ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها . قال أبو بكر الأثرم : النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها ، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز . انتهى . وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن . قال الجريري : كان الناس يبدون هاهنا في الثمار ثمار البصرة ، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره . وكان علقمة يتبدى إلى ظهر النجف . وقال النخعي : كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية . يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي . وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة . فروى أبو نعيم بإسناده ، عن أبي حرملة قال : اشتكى سعيد بن المسيب عينه ، فقيل له : يا أبا محمد ، لو خرجت إلى العقيق ، فنظرت إلى الخضرة ، ووجدت ريح البرية - لنفع ذلك بصرك ! فقال سعيد : وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة ؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن ، لكنه حد القليل باليوم ونحوه ، وفيه نظر . وفي مراسيل أبي داود من رواية معمر ، عن موسى بن شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية . وروى حميد بن زنجويه بإسناده ، عن خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم قال : بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليه الجفاء . وعن معاوية بن قرة قال : البداوة شهران فما زاد فهو تعرب .
فصل قال البخاري : 37 - باب سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ، وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - له ، ثم قال : جاء جبريل يعلمكم دينكم ، فجعل ذلك كله دينا . وما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لوفد عبد القيس من الإيمان . وقول الله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ تبويب البخاري هاهنا واستدلاله وتقريره يدل على أنه يرى أن مسمى الإيمان والإسلام واحد ؛ فإنه قرر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب جبريل عن سؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة ، ثم قال : هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم ، فجعله كله دينا . والدين هو الإسلام لقوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وكذلك قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وأكد ذلك بأن في حديث وفد عبد القيس أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ، فأجابهم بما أجاب به جبريل عن سؤاله عن الإسلام ، فدل على أن الإسلام والإيمان واحد . وهذا قول محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر وغيرهما . وأما من فرق بين الإسلام والإيمان ، وهم أكثر العلماء من السلف ومن بعدهم حتى قيل : إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف . فأظهر الأجوبة عما ذكره البخاري أن الإسلام والإيمان تختلف دلالته بالإفراد والاقتران ؛ فإن أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ؛ فلذلك فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان المسئول عنه مفردا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل الذي قرن فيه الإسلام بالإيمان . وإن اقترنا كان هذا له معنى ، وهذا له معنى . وبكل حال فالأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، لا يختلفون في ذلك . وممن ذكر هذا التفصيل الخطابي ، وأبو بكرالإسماعيلي ، وحكاه الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة . وحكى أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة التفريق بين الإسلام والإيمان . وممن روي عنه التفريق بينهما من السلف الحسن ، وابن سيرين ، وقتادة ، وداود بن أبي هند ، وأبو جعفر محمد بن علي ، والزهري ، وحماد بن زيد ، وشريك ، وابن أبي ذئب ، وابن مهدي ، وأحمد ، وأبو خيثمة ، ويحيى بن معين ، وغيرهم - على اختلاف بينهم في صفة التفريق . وروي التسوية بينهما عن الثوري من وجه فيه نظر . وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى بما فيه كفاية ، والله أعلم .
ثم خرج البخاري بعد هذا : 51 - حديث ابن عباس : أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له : سألتك هل يزيدون أم ينقصون ، فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم . وسألتك : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ، فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد . ومقصوده بإيراد هذه الجملة من حديث هرقل أن الإيمان يزيد حتى يتم ، وأن الدين هو الإيمان ، فإنه سأله : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ؟ ثم أجاب بأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد . والبشاشة الفرح والاستبشار . ومنه حديث : لا يوطن أحد المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم . فدل على أن الإسلام والدين واحد ، ولكن لم يرد بزيادة الإيمان هنا إلا زيادة أهله ، وبتمامه قوة أهله وتمكنهم من إظهاره والدعوة إليه . وكلام هرقل ، وإن كان لا يحتج به في مثل هذه المسائل العظيمة من أصول الديانات التي وقع الاضطراب فيها فإن ابن عباس روى هذا الكلام مقررا له مستحسنا وتلقاه عنه التابعون ، وعن التابعين أتباعهم كالزهري . فالاستدلال إنما هو بتداول الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلام وروايته واستحسانه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
ثم خرج البخاري : 50 - حديث أبي زرعة عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان يوما بارزا للناس ، فأتاه رجل ، فقال : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله ، وتؤمن بالبعث . قال : ما الإسلام ؟ قال : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان . قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال : متى الساعة ؟ قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربها ، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان ، في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ الآية ، ثم أدبر . فقال : ردوه ! فلم يروا شيئا ، فقال : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم . قال البخاري : جعل ذلك كله من الإيمان . فمراده بهذا الكلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى جميع ما ذكره في هذا السؤال دينا ، والدين هو الإسلام كما أخبر الله بذلك . وقد أجاب وفد عبد القيس عن سؤالهم عن الإيمان بما أجاب به جبريل عن سؤاله عن الإسلام ، فدل على أن الإيمان هو الإسلام ، وأنه يدخل في مسماه ما يدخل في مسمى الإسلام . هذا تقرير ما ذكره البخاري هاهنا . وأما المفرقون بين الإسلام والإيمان فقد تقدم أن المختار عندهم في ذلك أن الإسلام والإيمان إذا قرن بينهما كان لكل منهما معنى ، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه ما يدخل في الآخر . والتحقيق في التفريق بينهما عند اقترانهما ما دل عليه هذا الحديث المذكور هاهنا ، وهو أن الإيمان هو الاعتقادات القائمة بالقلوب ، وأصله الإيمان بالأصول الخمسة التي ذكرها الله في قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فذكر الله في هذه الآية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والمصير إليه وهو اليوم الآخر ، وهو الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل عليه السلام في سؤاله عن الإيمان المقرون بالإسلام . وفي بعض ألفاظه زيادة ونقص . وفي رواية البخاري هذه ذكر الإيمان بلقاء الله ، والإيمان بالبعث ؛ فأما الإيمان بالبعث فهو الإيمان بأن الله يبعث من في القبور ، والإيمان بلقاء الله معناه الإيمان بوقوف العباد بين يدي الله عز وجل للمحاسبة بأعمالهم والجزاء بها . وخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ولفظه أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره . وخرجه ابن حبان ، وزاد فيه : وتؤمن بالجنة والنار والميزان . وأما الإسلام المقرون بالإيمان ففسره بالأعمال الظاهرة من الأقوال والأعمال وهي الشهادتان ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان . وزاد مسلم في رواية من حديث عمر : وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . وزاد ابن حبان : وتحج وتعتمر ، وتغتسل من الجنابة ، وتتم الوضوء . وفي رواية البخاري هذه أن تعبد الله ولا تشرك به . والمراد الإقرار بتوحيده باللسان ، وقد يراد به مع ذلك فعل جميع أنواع العبادات بالجوارح . وأما الإحسان ففسره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان ، فهذه أعلى درجات الإيمان ومراتبه . ويتفاوت المؤمنون والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتا كثيرا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان . وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك هاهنا بقوله : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . قيل : المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه ، فيكون مستحضرا ببصيرته وفكرته لهذا المقام ، فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته ، ولا يخفى عليه شيء من أمره . وقد وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه ، منهم ابن عمر وأبو ذر ، ووصى معاذا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله . قال بعض السلف : من عمل لله على المشاهدة فهو عارف ، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص . فهذان مقامان : أحدهما : مقام المراقبة ، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه ، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله ، فيراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته ، فهذا مقام المراقبين المخلصين ، وهو أدنى مقام الإحسان . والثاني : أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة ، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده ، وهذا نهاية مقام الإحسان ، وهو مقام العارفين . وحديث حارثه هو من هذا المعنى ؛ فإنه قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتعاوون منها ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عرفت فالزم ! عبد نور الله الإيمان في قلبه . وهو حديث مرسل ، وقد روي مسندا بإسناد ضعيف . وكذلك قول ابن عمر لعروة لما خطب إليه ابنته في الطواف ، فلم يرد عليه . ثم لقيه ، فاعتذر إليه وقال : كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا . ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض : يقول الله : ما أنا مطلع على أحبابي ، إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم ، ومثلت نفسي بين أعينهم ، فخاطبوني على المشاهدة ، وكلموني على حضوري . وبهذا فسر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى : وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ومثله قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قال أبي بن كعب وغيره من السلف : مثل نوره في قلب المؤمن . فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان ، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان ، فعرف ربه وأنس به في خلوته ، وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه ، كما قال بعضهم : عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك ! وقيل لآخر : أما تستوحش ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني ؟ وقيل لآخر : أما تستوحش وحدك ؟ قال : ويستوحش مع الله أحد ؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ، ويقول : من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ، ومن لم يأنس بك فلا أنس ! وقال الفضيل : طوبى لمن استوحش من الناس ، وكان الله جليسه ! وقال معروف لرجل : توكل على الله حتى يكون جليسك ، وأنيسك ، وموضع شكواك ! وقال ذو النون : علامة المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ، ولا يستوحشوا معه . ثم قال : إذا سكن القلب حب الله أنس بالله ؛ لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا غيره . وقوله صلى الله عليه وسلم : اعبد الله كأنك تراه - إشارة إلى أن العابد يتخيل ذلك في عبادته ، لا أنه يراه حقيقة لا ببصره ولا بقلبه . وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة ، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفية - فهو زعم باطل ؛ فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما ، وروي عن عائشة أيضا : إنه حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين . وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضا . وكذا قال جماعة من التابعين : إنه رآه بقلبه . منهم الحسن ، وأبو العالية ، ومجاهد وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وإبراهيم التيمي وغيرهم . فلو كان هؤلاء يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم لم يكن في تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك مزية له ، لا سيما وإنما قالوا : إنها حصلت له مرتين ؛ فإن هؤلاء الصوفية يزعمون أن رؤية القلب تصير حالا ومقاما دائما أو غالبا لهم . ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء ، ويتفرع على ذلك أنواع من الضلالات والمحالات والجهالات ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فهذه المقامات الثلاث الإسلام والإيمان والإحسان يشملها اسم الدين ؛ فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار وإن دخلها بذنوبه ، ومن استقام على الإحسان إلى الموت وصل إلى الله عز وجل ؛ قال تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيادة بالنظر إلى وجه الله . خرجه مسلم من حديث صهيب . وأما قول جبريل : أخبرني عن الساعة ، فقال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل - فمعناه أن الناس كلهم في وقت الساعة سواء ، وكلهم غير عالمين به على الحقيقة . ولهذا قال : في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية . وهذه مفاتيح الغيب الذي لا يعلمها إلا الله . وقد جاء عن ابن مسعود أن نبينا أوتي علم كل شيء سوى هذه الخمس . وروي ذلك مرفوعا من حديث ابن عمر . وكلاهما في مسند الإمام أحمد . وذكر عند عمرو بن العاص العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره ، فأنكره بعض من حضره ، فقال عمرو : إنما الغيب خمس ، ثم تلا هذه الآية . قال : وما سوى ذلك يعلمه قوم ، ويجهله قوم . خرجه حميد بن زنجويه . وقد زعم بعضهم كالقرطبي أن هذه الخمس لا سبيل لمخلوق إلى علم بها قاطع ، وأما الظن بشيء منها بأمارة قد يخطئ ويصيب فليس ذلك بممتنع ، ولا نفيه مراد من هذه النصوص . وقوله : وسأخبرك عن أشراطها . لما كان العلم بوقت الساعة المسئول عنه غير ممكن انتقل منه إلى ذكر أشراطها ، وهي علامتها الدالة على اقترانها . وهذا كما سأله الأعرابي : متى الساعة ؟ فقال : ما أعددت لها ؟ فأعرض عن الجواب عن الساعة إلى ذكر الاستعداد لها ؛ لأنه هو المأمور به ، وهو الذي يعني السائل وغيره وينبغي الاهتمام به . وأما جبريل فالظاهر - والله أعلم - أنه أراد بسؤاله عن الساعة إظهار انفراد الله بعلمها دون خلقه حتى ينقطع السؤال عنها ؛ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا يسأل عنها حتى نزلت يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ونزلت يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ وفي رواية عمر بن الخطاب لهذا الحديث أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني عن أمارتها . وقد ذكر لها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث علامتين : إحداهما : أن تلد الأمة ربها ، والمراد بالرب السيد . واختلف في معنى ذلك ؛ فقيل : المراد أن يكثر فتوح بلاد الكفر والسبي منهم ، فتكثر السراري ، فتلد الإماء الأولاد من سادتهن ، وولد السيد بمنزلة السيد ، فتصير الأمة ولدت ربها بهذا الاعتبار . ومن هؤلاء من قال : أريد أن الملوك يتخذون السراري ، فتلد الإماء الملوك ، وهم كالأرباب للناس . ومنهم من قال : إن العجم تلد العرب ، والعرب كالأرباب للعجم ، قاله وكيع بن الجراح . وعلى هذا القول قد استدل بالحديث من يرى بيع أمهات الأولاد ، ومن يمنعه ؛ أما من يرى بيعهن فاستدل بقوله : تلد الأمة ربها على أن ولد أم الولد رب لها ، فيدل على أن أمه رقيقة تنتقل إلى ملكه بوفاة أبيه ، فيرثها ، فتعتق عليه ، فيكون حينئذ ربها حقيقة ، وتكون قبل انتقالها إلى ولدها رقيقة ، حكمها كأحكام القن من البيع وغيره ، ولولا ذلك لم تورث . ومن منع بيعهن قال : قد جعل ولد الأمة ربها ، وهذا يدل على أنه ربها بكل حال سواء مات الأب أو كان حيا ، فيدل على أن عتقها مضاف إلى الولد ، فكأن الولد هو الذي أعتق أمه حيث كان هو سبب عتقها ، كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مارية لما ولدت إبراهيم : أعتقها ولدها . وممن استدل بهذا على منع بيعهن الإمام أحمد . وقيل : المراد بقوله تلد الأمة ربها - كثرة الفتوح في بلاد الكفار ، وجلب الرقيق حتى تجلب المرأة من بلد الكفر صغيرة ، فتعتق في بلد الإسلام . ثم تجلب أمها بعدها ، فتشتريها البنت ، وتستخدمها جاهلة بكونها أمها . وقد وقع ذلك في الإسلام . وهذا القول مثل الذي قبله في أن من أشراط الساعة كثرة الفتوح وجلب الرقيق من بلاد الكفر . وقيل : المراد بقوله : أن تلد الأمة ربها - أن يكثر العقوق من الأولاد حتى يعامل الولد أمه معاملة أمته بالسب والإهانة ، ويشهد لهذا أنه جاء في رواية أن تلد المرأة ربها ، فلم يخصه بالأمة . وقيل : المراد بقوله : أن تلد الأمة ربها - أن يكثر الجهل ويقل العلم حتى تباع أمهات الأولاد ولهن أولاد ، فربما تداولها أيدي الملاك ، وتطاولت المدد حتى يشتريها بعض أولادها ، ويستخدمها جاهلا بأنها أمه . وفي هذا القول نظر وبعد . وعلى هذا القول والذي قبله فالذي من أشراط الساعة هو كثرة الجهل وقلة العلم ، وفساد الأعمال بظهور العقوق والاستهانة ببيع ما لا يجوز بيعه . وقيل : بل أراد بولادة الأمة ربها أنه يكثر عدول الناس عن النكاح إلى التسري فقط ، والله أعلم . والعلامة الثانية : أن يتطاول رعاة الإبل البهم في البنيان . والبهم هنا بضم الباء ، وهو جمع بهيم . ثم قيل : إن المراد به المجهول الذي لا يعرف ، قاله الخطابي . فعلى هذا تكون الرواية البهم - بضم الميم - صفة للرعاة . وقيل : بل المراد به الذي لا شيء لهم ، كما قال : يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهما . وقيل : إن البهم - بكسر الميم - صفة للإبل ، وأن الإبل هي السود . وتطاولهم في البنيان هو بمصيرهم ملوكا ذا ثروة وأموال . وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عنهم ، فقال : هم العريب . وهذا وقع في زمن بني أمية حيث كانوا يستعملون الأعراب الحفاة على الناس ، ويستعينون بهم على أعمالهم . ثم لما انتقل الملك عن العرب إلى غيرهم انتقل إلى من كان ببلاده كذلك . وفي هذا إشارة إلى أن من أشراط الساعة فساد ولاة الأمور بجهلهم وجفائهم . ويشهد لهذا الحديث الآخر إذا وكل الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة . والتطاول في البنيان من أشراط الساعة أيضا . وقد خرج البخاري ومسلم من رواية أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان . وقد كان بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - للمساجد والبيوت قصيرا . وقد روي عن الحسن قال : لما بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد قال : ابنوه عريشا كعريش موسى . قيل للحسن : وما عريش موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريش ، يعني السقف . وعن الحسن قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عثمان ، فأتناول سقفها بيدي . وروي عن عمر أنه كتب إلى البصرة ينهاهم أن لا يرفع أحد بناءه فوق سبعة أذرع . قال عمار بن أبي عمار : إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع ناداه مناد : يا أفسق الفاسقين ، إلى أين ؟ وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا : كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر من هذا فهو وبال . وفي سنن أبي داود عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قبة مشرفة ، فقال : ما هذه ؟ فقالوا : لفلان . فجاء صاحبها ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنه . فعل ذلك مرارا حتى هدمها الرجل . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا : أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها والنصارى بيعها . فهذا الحديث قد اشتمل على أصول الدين ومهماته وقواعده ، ويدخل فيه الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة ؛ فجميع علوم الشريعة ترجع إليه من أصول الإيمان والاعتقادات ، ومن شرائع الإسلام العملية بالقلوب والجوارح ، ومن علوم الإحسان ونفوذ البصائر في الملكوت . وقد قيل : إنه يصلح أن يسمى أم السنة ؛ لرجوعها كلها إليه كما تسمى الفاتحة أم الكتاب و أم القرآن ؛ لمرجعه إليها .
فصل قال البخاري : 18 - باب من قال : إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقال عدة من أهل العلم في قوله عز وجل : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ عن قول : لا إله إلا الله . وقال : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ثم خرج : 26 - حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور . مقصود البخاري بهذا الباب أن الإيمان كله عمل مناقضة لقول من قال : إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية ؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب . وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل ، ويتبع هذا التصديق قول اللسان . مقصود البخاري هاهنا أن يسمى عملا أيضا . أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل ، ولا حاجة إلى تقرير ذلك ؛ فإنه لا يخالف فيه أحد ، فصار الإيمان كله على ما قرره عملا . والمقصود بهذا الباب تقرير أن قول اللسان عمله ، واستدل لذلك بقوله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان ، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار ، فيدخل الجنة كما سبق ذكره . وفي المسند عن معاذ بن جبل مرفوعا : مفتاح الجنة لا إله إلا الله . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ عن قول : لا إله إلا الله . ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد . وممن روي عنه هذا التفسير ابن عمر ، ومجاهد . ورواه ليث بن أبي سليم ، عن بشير بن نهيك ، عن أنس - موقوفا . وروي عنه مرفوعا أيضا . خرجه الترمذي وغربه . وقال الدارقطني : ليث غير قوي ، ورفعه غير صحيح . وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله ابن بطة ، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح ، واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان . وأما حديث أبي هريرة فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل ؛ لأنه جعله أفضل الأعمال ، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما . ولهذا ورد في حديث بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله بدل الشهادتين . فدل على أن المراد بهما واحد ؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان الجهاد ثم الحج ، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق . لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق ، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما ، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل . وقد كان طائفة من المرجئة يقولون : الإيمان قول وعمل - موافقة لأهل الحديث ، ثم يفسرون العمل بالقول ، ويقولون : هو عمل اللسان . وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابة بن سوار ، وأنكره عليه ، وقال : هو أخبث قول ، ما سمعت أن أحدا قال به ، ولا بلغني . يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف . لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة : الإيمان قول وعمل بهذا التفسير ؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير ؛ إذ العمل على هذا هو القول بعينه ، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا . ولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال ؛ فإنه قال في رواية أبي طالب ، في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا : قال بعضهم : له نيته ، ويحتج بقوله : الأعمال بالنيات . قال أحمد : ما يشبه هذا بالعمل ، إنما هذا لفظ كلام المرجئة ، يقولون : القول هو عمل لا يحكم عليه بالنية ، ولا هو من العمل . وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال ، وأنه لا يدخل تحت قوله : الأعمال بالنيات . وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب السنة . وهذا على إطلاقه لا يصح ؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية ، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية ، وألفاظ عقود البيع والنكاح وغيرهما أقوال وتؤثر فيها النية عند أحمد كما تؤثر النية [في] بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا . وقد نص أحمد على أن من أعتق أمته ، وجعل عتقها صداقها - أنه يعتبر له النية ، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول . وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا . وهذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ، ويعتبر لها النية . ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان أيضا . وقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطلاق له بدخول القول في العمل ، وأن الأقوال تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم . وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا ، فقال قولا - هل يحنث ؟ أم لا ؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن - هل يبر بالقول ؟ أم لا ؟ وقد حكى القاضي أبو يعلى في ذلك اختلافا بين الفقهاء ، وذكر هو في كتاب الأيمان له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك . وأخذه من رواية أبي طالب ، عن أحمد التي سبق ذكرها ، واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف ، والقول لا يسمى عملا في العرف ؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا ، فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا . ومن الناس من قال : القول يدخل في مسمى الفعل ، ولا يدخل في مسمى العمل ، وهو الذي ذكره ابن الخشاب النحوي وغيره . وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ
فصل خرج البخاري : 8 - من حديث عكرمة بن خالد عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان . وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمسة أركان ، وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس - أن الإسلام مثله كبنيان ، وهذه الخمس دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان . وقد روي في لفظ : بني الإسلام على خمس دعائم . خرجه محمد بن نصر المروزي . وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان ، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده ، وأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها . وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان ، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما . وأما زوال الأربع البواقي فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها ؟ أم لا يزول بذلك ؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها ، فيزول بترك الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة ؟ وفي ذلك اختلاف مشهور . وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد . وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة ، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم ، حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها - من أقوال المرجئة . وكذلك قال سفيان بن عيينة : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر . وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس ، وعلماء اليهود ، والذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه . وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال : الصلاة فريضة ، ولا أصلي ، فقالا : هو كافر . وكذا قال الإمام أحمد . ونقل حرب عن إسحاق قال : غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوما يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات ، وصوم رمضان ، والزكاة ، والحج ، وعامة الفرائض من غير جحود لها - إنا لا نكفره ، يرجأ أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر . فهؤلاء الذين لا شك فيهم ، يعني في أنهم مرجئة . وظاهر هذا أنه يكفر بترك هذه الفرائض . وروى يعقوب الأشعري ، عن ليث ، عن سعيد بن جبير قال : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ، ومن أفطر يوما من رمضان متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر . ويروى عن الحكم بن عتيبة نحوه . وحكي رواية عن أحمد ، اختارها أبو بكر من أصحابه . وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله . وهو قول أبي بكر الحميدي . وروي عن ابن عباس : التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض ؛ فروى مؤمل ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس - ولا أحسبه إلا رفعه - قال : عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة ، عليهن أسس الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وصوم رمضان ؛ من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم . وتجده كثير المال لم يحج ، فلا يزال بذلك كافرا ، ولا يحل دمه . وتجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ، ولا يحل دمه . ورواه قتيبة عن حماد بن زيد ، فوقفه واختصره ، ولم يتمه . ورواه سعيد بن زيد - أخو حماد - عن عمرو بن مالك ورفعه ، وقال : من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل ، وقد حل دمه وماله ولم يزد على ذلك . والأظهر وقفه على ابن عباس ؛ فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفرا ، لكن بعضها كفر يبيح الدم ، وبعضها لا يبيحه ، وهذا يدل على أن الكفر بعضه ينقل عن الملة ، وبعضه لا ينقل . وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان ، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم . وممن قال بذلك : ابن المبارك ، وأحمد في المشهور عنه ، وإسحاق ، وحكى عليه إجماع أهل العلم كما سبق . وقال أيوب : ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه . وقال عبد الله بن شقيق : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة . خرجه الترمذي . وقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم ، قالوا : من ترك الصلاة فقد كفر . وقال عمر : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة . وخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر . وصححه الترمذي وغيره . ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة كما في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة . وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع . قال حذيفة : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والحج سهم ، ورمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له . وروي مرفوعا ، والموقوف أصح . فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمسة ودعائمه إذا زال منها شيء نقص البنيان ، ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص . وقد ضرب الله ورسوله مثل الإيمان والإسلام بالنخلة . قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا . فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلام ، وهي جارية على لسان المؤمن ، وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن ، وارتفاع فرعها في السماء هو علو هذه الكلمة وبسوقها ، وأنها تخرق الحجب ولا تتناهى دون العرش . وإتيانها أكلها كل حين هو ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول الطيب والعمل الصالح ، فهو ثمرتها . وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة . وقال طاوس : مثل [الإيمان] كشجرة أصلها الشهادة ، وساقها كذا وكذا ، وورقها كذا وكذا ، وثمرها الورع ، ولا خير في شجرة لا ثمر لها ، ولا خير في إنسان لا ورع فيه . ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها ، ولكن يقال : هي شجرة ناقصة ، وغيرها أكمل منها . فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة ، وإنما تصير حطبا . فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية ، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه ، بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه ؛ فإنه يزول مسماه بالكلية ، والله أعلم .
ثم قال البخاري رحمه الله : والحب في الله والبغض في الله من الإيمان . وهذا يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ، وذكر منهن : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . وإذا كان الحب في الله والبغض في الله من الإيمان ، زاد الإيمان بزيادة ذلك ونقص بنقصانه . قال البخاري : وكتب عمر بن عبد العزيز إلي عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا ؛ فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان . فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص . هذا الأثر خرجه أبو بكر الخلال في كتاب السنة من رواية جرير بن حازم : حدثني عيسى بن عاصم ، عن عدي بن عدي - وهو يومئذ أمير على أرمينية - قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : سلام عليك ! أما بعد فإن للإيمان شرائع وحدودا وسننا ، من استكملها استكمل الإيمان ، فإن أعش فيكم أبينها لكم حتى تعملوا بها - أو قال : به - إن شاء الله ، وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص . قال البخاري : وقال إبراهيم عليه السلام : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وقد فسرها سعيد بن جبير بالازدياد من الإيمان ؛ فإنه قال له : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فطلب زيادة في إيمانه ؛ فإنه طلب أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين ، وهي أعلى وأكمل . وفي المسند عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس الخبر كالمعاينة . قال البخاري : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة . هذا الأثر رواه سفيان الثوري والأعمش ومسعر ، كلهم عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال : قال معاذ بن جبل لرجل : اجلس نؤمن ساعة ، يعني : نذكر الله . وقد روي مثله عن طائفة من الصحابة : فروى زبيد ، عن زر بن حبيش قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا ! فيذكرون الله . وروى أبو جعفر الخطمي ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب بن خماشة - وهو من الصحابة - أنه قال : إن الإيمان يزيد وينقص ، قالوا : وما زيادته ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه . فزيادة الإيمان بالذكر من وجهين : أحدهما : أنه يجدد من الإيمان والتصديق في القلب ما درس منه بالغفلة ، كما قال ابن مسعود : الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع . وفي المسند عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جددوا إيمانكم ! قالوا : كيف نجدد إيماننا ؟ قال : قولوا : لا إله إلا الله . والثاني : أن الذكر نفسه من خصال الإيمان ، فيزداد الإيمان بكثرة الذكر ؛ فإن جمهور أهل السنة على أن الطاعات كلها من الإيمان فرضها ونفلها ، وإنما أخرج النوافل من الإيمان قليل منهم . قال البخاري : وقال ابن مسعود : اليقين الإيمان كله . هذا الأثر رواه الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن علقمة ، عن ابن مسعود . واليقين هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال ، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب والشك ، ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به . وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله ، وكذا قال الشعبي أيضا . وهذا مما يتعلق به من يقول : إن الإيمان هو مجرد التصديق ، حيث جعل اليقين الإيمان كله ، فحصره في اليقين . ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان ، إنما مراده أن اليقين هو أصل الإيمان كله ، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة ، فنشأ ذلك كله عن اليقين . قال الحسن البصري : ما طلبت الجنة إلا باليقين ، ولا هرب من النار إلا باليقين ، ولا أديت الفرائض إلا باليقين ، ولا صبر على الحق إلا باليقين . وقال سفيان الثوري : لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب ؛ اشتياقا إلى الجنة ، وخوفا من النار . ويذكر عن لقمان قال : العمل لا يستطاع إلا باليقين ، ومن يضعف يقينه يضعف عمله . قال عبد الله بن عكيم : سمعت ابن مسعود يقول في دعائه : اللهم ، زدنا إيمانا ويقينا وفهما ! قال البخاري : وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر . قال زين الدين ابن رجب : هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري . وقد روي معناه مرفوعا ، وموقوفا على أبي الدرداء . فخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عطية السعدي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ؛ حذرا مما به بأس . وفي إسناده بعض مقال . وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع ، عن أبي الدرداء قال : تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، حجابا بينه وبين الحرام . وإنما ذكر البخاري هذا الأثر في الباب ؛ لأن خصال التقوى هي خصال الإيمان . وقد صح عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ، فقرأ : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ إلى آخر الآية . وهذا مرسل . وقد روي من وجه آخر ، وفيه انقطاع أيضا . قال البخاري : وقال مجاهد : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا . روى ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قال : وصاك به وأنبياءه كلهم دينا واحدا . ومعنى ذلك أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام المشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وعلى توحيد الله وإخلاص الدين له ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، كما قال تعالى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ والدين هو الإسلام كما صرح به في مواضع أخر . وإذا أطلق الإسلام دخل فيه الإيمان ، وبالعكس . وقد استدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية ، وهي قوله : وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ - طوائف من الأئمة ، منهم الشافعي ، وأحمد ، والحميدي . وقال الشافعي : ليس عليهم أحج من هذه الآية . واستدل الأوزاعي بقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا إلى قوله : أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وقال : الدين الإيمان والعمل ، واستدل بقوله تعالى : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وقد ذكر الخلال في كتاب السنة أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظهم بالأسانيد إليهم . قال البخاري : وقال ابن عباس : شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا سبيلا وسنة . هذا من رواية أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس قال : شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا : سبيلا وسنة . ومعنى قول ابن عباس أن المنهاج هو السنة ، وهو الطريق الواسعة المسلوكة المداوم عليها . والشرعة هي السبيل والطريق الموصل إليها ، فهي كالمدخل إليها كمشرعة الماء ، وهي المكان الذي يورد الماء منه . ويقال : شرع فلان في كذا - إذا ابتدأ فيه ، وأنهج البلى في الثوب إذا اتسع فيه . وبذلك فرق طائفة من المفسرين وأهل اللغة بين الشرعة والمنهاج ، منهم الزجاج وغيره . فصل قال الله تعالى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ قال البخاري : ومعنى الدعاء في اللغة : الإيمان . اعلم أن أصل الدعاء في اللغة الطلب ، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله ؛ فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله عز وجل والابتهال إليه ، كقول الداعي : اللهم اغفر لي ، اللهم ارحمني ! وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره ، وما يحب من عبده أن يفعله ، وهذا هو حقيقة الإيمان . وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ فما استجلب العبد من الله ما يحب ، واستدفع منه ما يكره ، بأعظم من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقة الإيمان ، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا . وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الرب عز وجل : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . وقال بعض التابعين : لو أطعتم الله ما عصاكم ! يعني : ما منعكم شيئا تطلبونه منه . وكان سفيان يقول : الدعاء ترك الذنوب ، يعني : الاشتغال بالطاعة عن المعصية . وأما قوله تعالى : مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فيه للمفسرين قولان : أحدهما : أن المراد : لولا دعاؤكم إياه ، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة ، كما ذكرنا . والثاني : لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته كما في قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ أي : لأدعوهم إلى عبادتي . وإنما اختلف المفسرون في ذلك ؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة ، وإلى المفعول أخرى .
2 - كتاب الإيمان فصل قال البخاري : الإيمان قول وفعل . قال زين الدين ابن رجب - رحمه الله - : وأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث . وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه ، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا . وقال الأوزاعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل . وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة . وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة : الفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح . وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور وغيرهم . حتى قال كثير منهم : إن الرقبة المؤمنة لا تجزئ في الكفارة حتى يوجد منها الإقرار وهو الصلاة والصيام ، منهم الشعبي ، والنخعي ، وأحمد في رواية . وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيرهم ، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا : الإيمان : المعرفة مع القول . وحدث بعدهم من يقول : الإيمان : المعرفة خاصة ، ومن يقول : الإيمان : القول خاصة . والبخاري عبر عنه بأنه : قول وفعل . والفعل من الناس من يقول : هو مرادف للعمل ، ومنهم من يقول : هو أعم من العمل . فمن هؤلاء من قال : الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح ، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق . ويشهد لهذا قول عبيد بن عمير : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن الإيمان قول يفعل ، وعمل يعمل . خرجه الخلال . ومنهم من قال : العمل ما يحتاج إلى علاج ومشقة ، والفعل أعم من ذلك . ومنهم من قال : العمل ما يحصل منه تأثير في المعمول كعمل الطين آجرا ، والفعل أعم من ذلك . ومنهم من قال : العمل أشرف من الفعل ، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرف ورفعة ، بخلاف الفعل ، فإن مقلوب عمل لمع ، ومعناه ظهر وأشرف . وهذا فيه نظر ؛ فإن عمل السيئات يسمى أعمالا كما قال تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وقال : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا ولو قيل عكس هذا لكان متوجها ؛ فإن الله تعالى إنما يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا وليس المراد هنا الصفة الذاتية بغير إشكال وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام . واشتق سبحانه لنفسه اسما من الفعل دون العمل ، قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ثم قال البخاري رحمه الله : ويزيد وينقص . قال الله عز وجل : لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وقوله عز وجل : أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله : فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقوله : وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء . وقد روي هذا الكلام عن طائفة من الصحابة كأبي الدرداء وأبي هريرة ، وابن عباس ، وغيرهم من الصحابة . وروي معناه عن علي ، وابن مسعود أيضا . وعن مجاهد ، وغيره من التابعين . وتوقف بعضهم في نقصه ، فقال : يزيد ، ولا يقال : ينقص . وروي ذلك عن مالك ، والمشهور عنه كقول الجماعة . وعن ابن المبارك قال : الإيمان يتفاضل ، وهو معنى الزيادة والنقص . وقد تلا البخاري الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان ، وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما ، منهم عطاء بن أبي رباح ، فمن بعده . وتلا البخاري - أيضا - الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى ؛ فإن المراد بالهدى هنا فعل الطاعات ، كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم ، وبالإيمان بما أنزل إلى محمد وإلى من قبله ، وباليقين بالآخرة ، ثم قال : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فسمى ذلك كله هدى ، فمن زادت طاعته فقد زاد هداه . ولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب ، والقول والعمل كله كانت زيادته بزيادة الأعمال ، ونقصانه بنقصانها . وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية . فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه فهو كالعمل بالجوارح أيضا ؛ فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه ، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه . وأما المعرفة بالقلب فهل تزيد وتنقص ؟ على قولين : أحدهما : أنها لا تزيد ولا تنقص . قال يعقوب بن بختان : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن المعرفة والقول ، يزيد وينقص ؟ قال : لا ؛ قد جئنا بالقول والمعرفة ، وبقي العمل . ذكره أبو الخلال في كتاب السنة . ومراده بالقول : التلفظ بالشهادتين خاصة . وهذا قول طوائف من الفقهاء والمتكلمين . والقول الثاني : أن المعرفة تزيد وتنقص . قال المروذي : قلت لأحمد : في معرفة الله بالقلب يتفاضل فيه ؟ قال : نعم . قلت : ويزيد ؟ قال : نعم . ذكره الخلال عنه ، وأبو بكر عبد العزيز في كتاب السنة أيضا عنه . وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب الإيمان ، وكذلك ذكره أبو عبد الله ابن حامد . وحكى القاضي في المعتمد ، وابن عقيل في المسألة روايتان عن أحمد ، وتأولا رواية أنه لا يزيد ولا ينقص . وتفسر زيادة المعرفة بمعنيين : أحدهما : زيادة المعرفة بتفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وأسماء الملائكة ، والنبيين وصفاتهم والكتب المنزلة عليهم ، وتفاصيل اليوم الآخر . وهذا ظاهر لا يقبل نزاعا . والثاني : زيادة المعرفة بالوحدانية بزيادة معرفة أدلتها ؛ فإن أدلتها لا تحصر ؛ إذ كل ذرة من الكون فيها دلالة على وجود الخالق ووحدانيته ؛ فمن كثرت معرفته بهذه الأدلة زادت معرفته على من ليس كذلك . وكذلك المعرفة بالنبوات واليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الغيب الذي يجب الإيمان به . ومن هنا فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين مقام الإيمان ومقام الإحسان ، وجعل مقام الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، والمراد أن ينور قلبه بنور الإيمان حتى يصير الغيب عنده مشهودا بقلبه كالعيان . وقد ذكر محمد بن نصر المروزي في كتابه أن التصديق يتفاوت ، وحكاه عن الحسن والعلماء ، وهذا يشعر بأنه إجماع عنده . ومما يدل على ذلك أيضا ما روى ابن وهب ، أنا عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي هانئ الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق ، فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم . خرجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .
وخرج البخاري في هذا الباب : 27 - حديث الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد جالس ، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا هو أعجبهم إلي ، فقلت : يا رسول الله ، ما لك عن فلان ؛ فوالله ، إني لأراه مؤمنا ؟ فقال : أو مسلما . فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فقلت : يا رسول الله ، ما لك عن فلان ؛ فوالله ، إني لأراه مؤمنا ؟ قال : أو مسلما . فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فعدت لمقالتي ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا سعد ، إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار . خرجه من طريق شعيب عن الزهري ، ثم قال : رواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري ، عن الزهري . وقد رواه ابن أبي ذئب أيضا عن الزهري كذلك . ورواه العباس الخلال ، عن الوليد بن مسلم ، عن ابن وهب ، ورشدين بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأخطئا في ذلك ، نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفى عنه الإيمان ، وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي ، وهو أيضا قول محمد بن نصر المروزي . وهذا في غاية البعد ، وآخر الحديث يرد على ذلك ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ؛ فإن هذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكله إلى إيمانه ، كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ، ويمنع المهاجرين والأنصار . وزعم علي ابن المديني في كتاب العلل له أن هذا من باب المزاح من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن بل مسلم ، وهما بمعنى واحد كما يقول لرجل يمازحه وهو يدعي أنه أخ لرجل فيقول : إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه ، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد . وهذا تعسف شديد . والظاهر - والله أعلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن ، فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : إن كنت مادحا لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا . وأمره أن يشهد بالإسلام ؛ لأنه أمر مطلع عليه كما في المسند عن أنس مرفوعا الإسلام علانية ، والإيمان في القلب . ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن ، وقالوا : هو صفة مدح ، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها ، وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره . فأما حديث إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان - فقد خرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد مرفوعا . وقال أحمد : هو حديث منكر ، ودراج له مناكير ، والله أعلم . وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان . وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله عز وجل : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ؛ فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم ؛ فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا ، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ، ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن . والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر قرينه من الجن : ولكن الله أعانني عليه ، فأسلم . وقد روي بضم الميم وفتحها ؛ فمن رواه بضمها قال : المراد أي أنا أسلم من شره . ومن رواه بفتحها ؛ فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما . وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في مسنده بإسناد فيه ضعف . ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها ، وهو تفسير ابن عيينة وغيره . فيطابق على هذا ترجمة الباب ، والله أعلم .
فصل قال البخاري : 19 - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله عز وجل : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ معنى هذا الكلام أن الإسلام يطلق باعتبارين : أحدهما : باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ والثاني : باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين . واستدل بقوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وحمله على الاستسلام خوفا وتقية . وهذا مروي عن طائفة من السلف ، منهم مجاهد ، وابن زيد ، ومقاتل بن حيان وغيرهم . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي كما رجحه البخاري ؛ لأنهما لا يفرقان بين الإسلام والإيمان ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر . وهو اختيار ابن عبد البر ، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود . وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية على الفرق بينهما ، ويقول : نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام ، كما نفى الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي . وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس وقتادة والنخعي ، وروي عن ابن زيد معناه أيضا . وهو قول الزهري وحماد بن زيد وأحمد ، ورجحه ابن جرير وغيره . واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان . وكذا قال قتادة في هذه الآية ، قال : قُولُوا أَسْلَمْنَا شهادة أن لا إله إلا الله ، وهو دين الله ، والإسلام درجة ، والإيمان تحقيق في القلب ، والهجرة في الإيمان درجة ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتل في سبيل الله درجة . خرجه ابن أبي حاتم . فجعل قتادة الإسلام الكلمة ، وهي أصل الدين ، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب ، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم ، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم . ويدل عليه قوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما ؛ فقالت طائفة : الإسلام كلمة الشهادتين والإيمان العمل ، وهذا مروي عن الزهري وابن أبي ذئب ، وهو رواية عن أحمد ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه . ويشبه هذا قول ابن زيد في تفسير هذه الآية ، قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، فرد الله عليهم ، وقال : لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا فقال : الإسلام إقرار ، والإيمان تصديق . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث . وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد ، وقال : الصحيح أن مذهبه أن الإسلام قول وعمل رواية واحدة ، ولكن لا تدخل كل الأعمال في الإسلام كما تدخل في الإيمان . وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة ، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام ، وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام . كذا قال ، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة ، فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا . والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا . وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص ، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة . هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار ، وطعن فيه . وروي عن حماد بن زيد نحو هذا أيضا . وحكي رواية عن أحمد أيضا ؛ فإنه قال في رواية الشالنجي في مرتكب الكبائر : يخرج من الإيمان ، ويقع في الإسلام . ونقل حنبل عن أحمد معناه . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره ، وهي اختيار أبي عبد الله ابن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب . وقالت طائفة : الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب ، فهو علم القلب وعمله ، والإسلام الخضوع والاستسلام والانقياد ؛ فهو عمل القلب والجوارح . وهذا قول كثير من العلماء ، وقد حكاه أبو الفضل التميمي عن أصحاب أحمد ، وهو قول طوائف من المتكلمين . لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام ، وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها في الإسلام ، كما سبق . فلهذا قال كثير من العلماء : إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران ؛ فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ . وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان ، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل . وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص ، والله أعلم . والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن الحسن ، وابن سيرين ، وشريك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيي بن معين ، ومؤمل بن إهاب . وحكي عن مالك أيضا ، وقد سبق حكايته عن قتادة ، وداود بن أبي هند ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، وحماد بن زيد ، وأحمد ، وأبي خيثمة . وكذلك حكاه أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة جملة . فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد ، بل قد قيل : إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق ، والله أعلم .
فصل خرج البخاري ومسلم : 13 - من حديث قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . لما نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان ، بل من واجباته ؛ فإن الإيمان لا ينفى إلا بانتفاء بعض واجباته ، كما قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث . وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد ، وذلك واجب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا . فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ، ويحزنه ما يحزنه كما قال صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر . فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظيرها من غير أن تزول عنه . كما قال ابن عباس : إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها ، فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم . وقال الشافعي : وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ، ولم ينسب إلي منه شيء . فأما حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي فهو مذموم ؛ قال الله تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وقد قال علي وغيره : هو أن لا يحب أن يكون نعله خيرا من نعل غيره ، ولا ثوبه خيرا من ثوبه . وفي الحديث المشهور في السنن : من تعلم العلم ليباهي به العلماء ، أو يماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه - فليتبوأ مقعده من النار . وأما الحديث الذي فيه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أحب الجمال ، وما أحب أن يفوقني أحد بشراك أو بشسع نعلي ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك من الكبر - فإنما فيه أنه أحب أن لا يعلو عليه أحد ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس ، بل يصدق هذا أن يكون مساويا لأعلاهم ، فما حصل بذلك محبة العلو عليهم والانفراد عنهم . فإن حصل لأحد فضيلة خصصه الله بها عن غيره ، فأخبر بها على وجه الشكر ، لا على وجه الفخر - كان حسنا كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول شافع ولا فخر . وقال ابن مسعود : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته .
فصل خرج البخاري ومسلم : 52 - من حديث النعمان بن بشير قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الحلال بين والحرام بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه . ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه . ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب . هذا الحديث حديث عظيم ، وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها ، وقد قيل : إنه ثلث العلم أو ربعه . وهو حديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير ، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص ، والمعنى واحد أو متقارب . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر ، وعمار بن ياسر ، وجابر ، وابن مسعود ، وابن عباس . وحديث النعمان أصح أحاديث الباب . ومعنى الحديث أن الله أنزل كتابه ، وبين فيه حلاله وحرامه ، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم ، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه . فصار الحلال والحرام على قسمين : أحدهما : ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة ؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ، ولا يكاد يخفى إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام . فهذا هو الحلال البين ، والحرام البين . ومنه ما تحليله وتحريمه لعينه ، كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ، والخبائث من ذلك كله . ومنه ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه ، كالبيع والنكاح والهبة والهدية ، وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك . القسم الثاني : ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة ؛ لخفاء دلالة النص عليه ، ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك ، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال ؟ أو من الحرام ؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم ، بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته ، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم . وأما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه ، فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه ، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما . وهذا معنى الحديث الآخر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . وهذا هو الورع ، وبه يحصل كمال التقوى كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها من الحرام وبعدها عنه . وقد يقع الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته ، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا ؟ وما يشك في زوال ملكه عنه . وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل ، فيبني عليه ، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ، ويقع التردد عند تساوي الأمرين . وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات ، وغيرها من المكيلات والموزونات والنقود . فكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها ، فتبعه - فهو المصيب ، ومن اشتبهت عليه ؛ فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه ، فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة . ومن اشتبهت عليه ، فلم يتقها بل وقع فيها - فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى ، فإنه يوشك أن يواقعه . وفي رواية ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه . ومعنى هذا أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج ؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة ، فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده . ولهذا جاء في رواية ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر ، يعني : يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه . ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام ، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال ولم يتعدوه . وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض ، فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر . وقوله : ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه . وفي رواية : ألا وإن حمى الله في الأرض محارمه - ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ، ويمنع الناس من الدخول إليه ؛ فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته ، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته ؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى . وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات ، كما تحرم الخلوة بالأجنبية ، وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره ، وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها . وكما يمنع من تحرك القبلة شهوته في صيامه من القبلة ، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار يستر ما بين سرتها وركبتها . وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده ، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم ، فدخل الحرم فصاد فيه ؛ فإنه يضمن في الصورتين على الأصح . وفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها . وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد ؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين ، فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه ، وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهاده وطلبه . ثم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها ، وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده ؛ فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح ، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه ، فقنعت بالحلال عن الحرام . وإذا فسد القلب فسدت إرادته ، ففسدت الجوارح كلها ، وانبعثت في معاصي الله عز وجل وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال ، بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق . فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره ، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ، ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ، ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك ، وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه . والقلب الفاسد هو القلب الذي فيه الميل إلى الأهواء المضلة والشهوات المحرمة ، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس . فالقلب ملك الجوارح وسلطانها ، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأوامره ؛ فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره ، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره ونواهيه . وقد بوب البخاري على هذا الحديث باب فضل من استبرأ لدينه . والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام - فإنه مستبرئ لدينه ، بمعنى أنه طالب له البراءة والنزاهة مما يدنسه ويشينه . ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح ، فصار - بهذا الاعتبار - الدين تارة يكون نقيا نزها بريئا ، وتارة يكون دنسا متلوثا . والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة وتارة بالرقة والضعف ، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى . ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن ، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى . هذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص ، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو فإنه يوصف بالنزاهة ؛ قال أبو هريرة : الإيمان نزه ؛ فإن زنا فارقه الإيمان ، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان . خرجه الإمام أحمد في كتاب الإيمان ومن كلام يحيى بن معاذ : الإسلام نقي ، فلا تدنسه بآثامك .
فصل قال البخاري : قال عمار : ثلاث من جمعهن جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار . هذا الأثر معروف من رواية أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن عمار ، رواه عنه الثوري وشعبة وإسرائيل وغيرهم . وروي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق - مرفوعا . خرجه البزار وغيره . ورفعه وهم ، قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ، وتردد أبو حاتم هل الخطأ منسوب فيه إلى عبد الرزاق ؟ أو معمر ؟ ومعمر ليس بالحافظ لحديث العراقيين كما ذكر ابن معين وغيره . وقد روي مرفوعا من وجهين آخرين ، ولا يثبت واحد منهما . وإنما ذكر البخاري قول عمار في باب إفشاء السلام من الإسلام ؛ لأنه لا يفرق بين الإسلام والإيمان كما تقدم .
ثم خرج البخاري : 28 - حديث عبد الله بن عمرو قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : أن تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وقد خرجه فيما مضى ، وبوب عليه باب إطعام الطعام من الإسلام . وقول عمار فيه زيادة على هذا الحديث بذكر الإنصاف من النفس ، وهو من أعز الخصال ، ومعناه أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب . وفيه أيضا زيادة الإنفاق من الإقتار ، ويشهد لفضله قوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وفي المسند من حديث علي بن أبي طالب أن ثلاثة تصدقوا : رجل كان له ألف درهم فتصدق بمائة ، وآخر كان له مائة فتصدق بعشرة ، وآخر كان له عشرة فتصدق بدرهم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتم في الأجر سواء . يعني أن كلا منهم تصدق بعشر ماله ، فاعتبر الباقي بعد الصدقة ؛ فمن تصدق بدرهم وبقي له بعده مال كثير ليس كمن تصدق بدرهم وبقي له بعده درهم آخر أو درهمان . وروى مسدد : حدثنا أبو قدامة ، ثنا صفوان بن عيسى ، ثنا محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سبق درهم مائة ألف درهم ! قالوا : يا رسول الله ، وكيف يسبق درهم مائة ألف درهم ؟ قال : رجل له درهمان ، فأخذ أجودهما فتصدق به . ورجل له مال كثير ، فأخرج من عرضه مائة ألف درهم ، فتصدق بها .
ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين : أحدهما : 48 - حديث شعبة ، عن زبيد قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . فهذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا يدخلون الأعمال في الإيمان ؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وهو قتال المسلمين ، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا ، وبعضها يسمى إيمانا . وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث . وأما أبو وائل فليس بمتهم ، بل هو الثقة العدل المأمون . وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضا أبو عمرو الشيباني ، وأبو الأحوص ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، لكن فيهم من وقفه . ورواه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص ، وغيره . ومثل هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقد سبق القول في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفى في مواضع . قال أبو الفرج زين الدين ابن رجب : وقد ظهر لي في القرآن شاهد لتسمية القتال كفرا ، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ والمعنى أن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضا ، أو يخرج بعضهم بعضا من داره ، وكان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بين المدينة ، فكان إذا وقع بين الأوس أو الخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على أعدائهم ، فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في كتابهم وأقروا به وشهدوا به . ثم بعد أن يؤسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم . فسمى الله عز وجل فعلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتاب ، وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرا بالكتاب . فدلت هذه الآية على أن القتال والإخراج من الديار إذا كان محرما يسمى كفرا ، وعلى أن فعل بعض الطاعات يسمى إيمانا ؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانا . وهذا حسن جدا ، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض له ، ولله الحمد والمنة .
والحديث الثاني : 49 – حديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ، فرفعت ، فعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس . إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي ، والتلاحي قد فسر بالسباب ، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب . ويؤيد هذا أنه جاء في رواية في صحيح مسلم : فجاء رجلان يحتقان أي : يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ، ويخاصمه في ذلك . فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم . وإنما رجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك خيرا ؛ لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله أو أوتاره في طلبها ، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته . ولكن بيان تلك الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها ، فرفع ذلك بسبب التلاحي . فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين . وقال ابن سيرين : ما اختلف في الأهل حتى قتل عثمان . فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم ، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه ؛ إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة . ومن فسر التلاحي بالاختصام قال : مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ، ولا يترتب عليه حكم الفسوق ؛ لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين . وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي ، وفيه نظر ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام مع كونه فسوقا ؛ ولهذا قال في الحديث : فتلاحى رجلان من المسلمين ، فسماههما مسلمين مع تلاحيهما . وفي مسند البزار من حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر ، وملاحاة الرجال . وفي إسناده عمرو بن واقد الشامي ، وهو ضعيف جدا . وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة . ولكن رواه الأوزاعي ، عن عروة بن رويم - مرسلا . خرجه أبو داود في مراسيله .
فصل قال البخاري : 36 - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . ويذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ؛ لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة القائلين بأن المؤمن يقطع لنفسه بكمال الإيمان ، وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ، وأنه لا يخاف على نفسه النفاق العملي ما دام مؤمنا . فذكر عن إبراهيم التيمي أنه قال : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وهذا معروف عنه ، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه ، ولفظه ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذابا . ومعناه أن المؤمن يصف الإيمان بقوله ، وعمله يقصر عن وصفه ، فيخشى على نفسه أن يكون عمله مكذبا لقوله . كما روي عن حذيفة أنه قال : المنافق الذي يصف الإسلام ، ولا يعمل به . وعن عمر قال : إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم ، قالوا : وكيف يكون المنافق عليما ؟ قال : يتكلم بالحكمة ، ويعمل بالجور أو قال بالمنكر . وقال الجعد أبو عثمان : قلت لأبي رجاء العطاردي : هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشون النفاق ؟ قال : نعم ، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا ، نعم شديدا نعم شديدا ، وكان قد أدرك عمر . وممن كان يتعوذ من النفاق ويتخوفه من الصحابة حذيفة ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري . وأما التابعون فكثير ، قال ابن سيرين : ما علي شيء أخوف من هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . وقال أيوب : كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي . وقال معاوية بن قرة : كان عمر يخشاه وآمنه أنا ؟! وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا ، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم . قال زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان الثوري : خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث : نقول : الإيمان قول وعمل ، وهم يقولون : الإيمان قول ولا عمل . ونقول : الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص . ونحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق . وقال أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي : قد خاف عمر على نفسه النفاق ! قال : فقلت للأوزاعي : إنهم يقولون : إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة ، لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت ! قال : هذا قول أهل البدع . وقال الإمام أحمد في رواية ابن هانئ ، وسئل : ما تقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه ؟ فقال : ومن يأمن على نفسه النفاق ؟ وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاق أصغر وأكبر ، فالنفاق الأصغر هو نفاق العمل ، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم ، وهو باب النفاق الأكبر ، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية ، كما قال تعالى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وقال : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار ، عنه . وفي الصلت ضعف . وفي بعض الروايات عنه عن ابن أبي مليكة قال : أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه . وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن فقال : ويذكر عن الحسن قال : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق - فهذا مشهور عن الحسن ، صحيح عنه . والعجب من قوله في هذا : ويذكر ، وفي قوله في الذي قبله : وقال ابن أبي مليكة - جزما . قال الإمام أحمد في كتاب الإيمان له : حدثنا مؤمل قال : سمعت حماد بن زيد قال : ثنا أيوب قال : سمعت الحسن يقول : والله ، ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ، ولا أمسى على وجهها مؤمن - إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ، وما أمن النفاق إلا منافق . حدثنا روح بن عبادة قال : ثنا هشام قال : سمعت الحسن يقول : والله ، ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخاف النفاق ، ولا أمنه إلا منافق . وروى جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق من حديث جعفر بن سليمان ، عن معلى بن زياد قال : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو : ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . قال : وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق . وعن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق . والروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرة . وقول البخاري بعد ذلك : وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ؛ لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فمراده أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية ، وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة ، نعوذ بالله من ذلك ، كما يقال : إن المعاصي بريد الكفر . وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ويل لأقماع القول ، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ! وأقماع القول الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ، ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه . وقد وصف الله أهل النار بالإصرار على الكبائر ، فقال : وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ والمراد بالحنث الذنب الموقع في الحنث ، وهو الإثم . وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن موسى قال : ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : ما يرى هؤلاء أن أعمالا تحبط أعمالا ، والله عز وجل يقول : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ إلى قوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . ومما يدل على هذا أيضا قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى الآية ، وقال : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ الآية . وفي صحيح البخاري أن عمر سأل الناس عنها ، فقالوا : الله أعلم ، فقال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . قال عمر : لأي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل . قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم يبعث الله إليه الشيطان ، فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله . وقال عطاء الخراساني : هو الرجل يختم له بشرك أو عمل كبيرة ، فيحبط عمله كله . وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من ترك صلاة العصر حبط عمله . وفي الصحيح أيضا إن رجلا قال : والله ، لا يغفر الله لفلان ! فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ؟ قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك ! وقالت عائشة : أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب ! وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات ، ثم تعود بالتوبة منها . وخرج ابن أبي حاتم في تفسيره من رواية أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح ، فأنزل الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال . وبإسناده عن الحسن في قوله : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ قال : بالمعاصي . وعن معمر ، عن الزهري في قوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ قال : بالكبائر . وبإسناده عن قتادة في هذه الآية قال : من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيئ فليفعل ، ولا قوة إلا بالله ؛ فإن الخير ينسخ الشر ، وإن الشر ينسخ الخير ، وإن ملاك الأعمال خواتيمها . وعن السدي قال في هذه الآية : يقول : لا تعصوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يأمركم به من القتال ، فتبطل حسناتكم . وعن مقاتل بن حيان قال : بلغنا أنها نزلت ، فشقت على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – وهم يومئذ يرون أنه ليس شيء من حسناتهم إلا هي مقبولة . فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فبلغني - والله أعلم - أنهم ذكروا الكبائر التي وجبت لأهلها النار ، حتى جاءت الآية الأخرى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فقال ابن عمر : لما جاءت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك ، ورددنا إلى الله عز وجل ، وكنا نخاف على من ركب الكبائر والفواحش أنها تهلكه . والآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها . حتى قال حذيفة : قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة . وخرجه البزار عنه مرفوعا . وعن عطاء قال : إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنة أو سبعين سنة . وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد ، عنه : ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة ، فيحبط عمله . وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة - فقد أبطل فيما قال ، ولم يقف على أقوال السلف الصالح في ذلك . نعم ، المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان كله ، وخلدوا بها في النار ، وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك .
3 - باب الطيب للجمعة 880 - حدثنا علي ، ثنا حرمي بن عمارة ، ثنا شعبة ، عن أبي بكر بن المنكدر ، قال : حدثني عمرو بن سليم الأنصاري ، قال : أشهد على أبي سعيد ، قال : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، وأن يستن ، وأن يمس طيبا إن وجد . قال عمرو : أما الغسل ، فأشهد أنه واجب ، وأما الاستنان والطيب ، فالله أعلم ، واجب هو أم لا ؟ ولكن هكذا في الحديث . قال أبو عبد الله : هو أخو محمد بن المنكدر ، ولم يسم أبو بكر هذا ، روى عنه بكير بن الأشج وسعيد بن أبي هلال وعدة . وكان محمد بن المنكدر يكنى بأبي بكر ، وأبي عبد الله . علي شيخ البخاري ، هو : ابن المديني ، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث - فيما ذكره الدارقطني في علله - : فرواه عنه تمتام ، كما رواه عنه البخاري . ورواه الباغندي عنه ، فزاد في إسناده : عبد الرحمن بن أبي سعيد ، جعله : عن عمرو بن سليم ، عن عبد الرحمن ، عن أبيه . وكذا رواه سعيد بن أبي هلال ، عن أبي بكر بن المنكدر ، عن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه . خرجه مسلم من طريقه كذلك . وخرجه - أيضا - من رواية بكير بن الأشج ، عن أبي بكر بن المنكدر ، ولم يذكر في إسناده : عبد الرحمن . وعن الدارقطني : أن ذكر عبد الرحمن في إسناده أصح من إسقاطه . وتصرف البخاري يدل على خلاف ذلك ؛ فإنه لم يخرج الحديث إلا بإسقاطه ، وفي روايته : أن عمرو بن سليم شهد على أبي سعيد ، كما شهد أبو سعيد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا صريح في أنه سمعه من أبي سعيد بغير واسطة . وكذا رواه إبراهيم بن عرعرة ، عن حرمي بن عمارة - أيضا . خرجه عنه المروزي في كتاب الجمعة . وكذا رواه القاضي إسماعيل ، عن علي بن المديني ، كما رواه عنه البخاري . خرجه من طريقه ابن منده في غرائب شعبة . وكذا خرجه البيهقي من طريق الباغندي ، عن ابن المديني . وهذا يخالف ما ذكره الدارقطني ، عن الباغندي . وذكر الدارقطني : أن بكير بن الأشج زاد في إسناده : عبد الرحمن بن أبي سعيد ، وهو - أيضا - وهم منه . فالظاهر : أن إسقاط عبد الرحمن من إسناده هو الصواب ، كما هي طريقة البخاري . وأما أبو بكر بن المنكدر ، فهو : أخو محمد بن المنكدر ، وهو ثقة جليل ، ولم يسم ، كذا قاله البخاري هاهنا ، وأبو حاتم الرازي . وإنما نبه البخاري على ذلك لئلا يتوهم أنه محمد بن المنكدر ، وأنه ذكر بكنيته ؛ فإن ابن المنكدر كان يكنى بأبي بكر وبأبي عبد الله . ويعضد هذا الوهم : أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام روي عنه هذا الحديث ، عن محمد بن المنكدر ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي سعيد ، وروي عنه ، عن محمد بن المنكدر ، عن أخيه أبي بكر ، عن عمرو ، عن أبي سعيد ، وهو الصواب . وفي الطيب للجمعة أحاديث أخر ، يأتي بعضها - إن شاء الله تعالى . وأكثر العلماء على استحباب الطيب للجمعة : روى وكيع ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر كان يجمر ثيابه للمسجد يوم الجمعة . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا راح إلى الجمعة اغتسل وتطيب بأطيب طيب عنده . وروي عنه ، أنه كان يستجمر للجمعة بالعود . وروي عن عمر ، أنه كان يأمر بتجمير المسجد يوم الجمعة . ولم تزل المساجد تجمر في أيام الجمع من عهد عمر . وفي الأمر بتجميرها في الجمع حديث مرفوع ، خرجه ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع ، وإسناده ضعيف جدا . ومذهب مالك : أن يتصدق بثمن ما يجمر به المسجد ، أو يحلق ، وقال : هو أحب إلي : - ذكره في تهذيب المدونة . وسيأتي عن ابن عباس التوقف في الطيب للجمعة . وقد يقال : إنما توقف في وجوبه ، كما توقف عمرو بن سليم الأنصاري ، فقد روى ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، قال : سمعت أبا هريرة يوجب الطيب يوم الجمعة ، فسألت ابن عباس عنه ، فقال : لا أعلمه . قال سفيان : وأخبرني ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : من أتى الجمعة فليمس طيبا ، إن كان لأهله ، غير مؤثم من تركه . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة ، وليمس أحدهم من طيب أهله ، فإن لم يجد فالماء طيب . وقال الترمذي : حسن . وذكر في علله أنه سأل البخاري عنه ، فقال : الصحيح عن البراء موقوف .
37 - باب الساعة التي في يوم الجمعة 935 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة ، فقال : فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا ، إلا أعطاه إياه - وأشار بيده يقللها . وخرجه في كتاب الطلاق في باب : الإشارة في الطلاق وغيره من طريق آخر ، فقال : نا مسدد ، نا بشر بن المفضل ، نا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : في الجمعة ساعة ، لا يوافقها عبد مسلم ، قائم يصلي ، يسأل الله خيرا ، إلا أعطاه - وقال بيده ، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر ، قلنا : يزهدها . وخرجه في الدعوات - أيضا - من رواية أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - بمعناه ، وقال فيه : وقال بيده . قلنا : يقللها ، يزهدها . قوله : في الجمعة - وفي الرواية الأخرى : في يوم الجمعة - ساعة يقتضي أنها في كل يوم جمعة ، وهذا قول جمهور العلماء . وقد تنازع في ذلك أبو هريرة وكعب ، فقال أبو هريرة : في كل يوم جمعة . وقال كعب : في السنة مرة ، ثم رجع كعب إلى قول أبي هريرة ، ثم ذكر أبو هريرة لعبد الله بن سلام ما قاله كعب أولا ، فكذبه فقال له : إنه رجع عنه . وقد زعم قوم أن ساعة الإجابة في الجمعة رفعت . فروى عبد الرزاق في كتابه بإسناده ، أن أبا هريرة قيل له : زعموا أن ليلة القدر رفعت . قال : كذب من قال ذلك . قيل له : فهي في كل رمضان نستقبله ؟ قال : نعم . فقيل له : إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له رفعت . قال : كذب من قال ذلك . قيل له : هي في كل جمعة نستقبلها ؟ قال : نعم . وقوله : ساعة يحتمل أنه أراد بها الساعة الزمانية من ساعات النهار . وقال عبد الله بن سلام : النهار اثنا عشرة ساعة ، والساعة التي تذكر من يوم الجمعة آخر ساعات النهار . خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، حدثني موسى بن عقبة ، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن ، أنه سمع عبد الله بن سلام يقوله . وهذا إسناد صحيح . وقد رواه الجلاح أبو كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . خرجه أبو داود والنسائي . وعندي : أن رواية موسى بن عقبة الموقوفة أصح . ويعضده : أن جماعة رووه ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام ، ومنهم من قال : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن عبد الله بن سلام ، كما سيأتي . وظاهر هذا : أنها جزء من اثني عشر جزءا من النهار ، فلا تختلف بطول النهار وقصره ، ولكن الإشارة إلى تقليلها يدل على أنها ليست ساعة زمانية ، بل هي عبارة عن زمن يسير . وقوله - في الرواية الأخرى - : يزهدها ، معناه : يقللها - أيضا - ومنه الزهد في الدنيا ، وهو احتقارها وتقليلها وتحقيرها ، هو من أعمال القلوب ، لا من أعمال الجوارح . وقد روي حديث يدل على أنها بعض ساعة : فروى الضحاك بن عثمان ، عن سالم أبي النضر ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام ، قال : قلت - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس - : إنا لنجد في كتاب الله : في يوم الجمعة ساعة ، لا يوافقها عبد مؤمن يصلي ، يسأل الله شيئا ، إلا قضى له حاجته . قال عبد الله : فأشار إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أو بعض ساعة . قلت : صدقت أو بعض ساعة . قلت : أي ساعة هي ؟ قال : آخر ساعة من ساعات النهار . قلت : إنها ليست ساعة صلاة ؟ قال : بلى ، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس ، لا يجلسه إلا الصلاة ، فهو في صلاة . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وهذا لفظه . ورواته كلهم ثقات ؛ لكن له علة مؤثرة ، وهي أن الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر ساعة الإجابة ، وعن عبد الله بن سلام في تعيينها بعد العصر . كذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . خرجه من طريقه مالك في الموطأ ، وأحمد وأبو داود والترمذي ، وصححه . وذكر فيه : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أهبط منها ، وفيه ساعة الإجابة ورفع ذلك كله . ثم ذكر أبو هريرة ، عن عبد الله بن سلام ، أنه قال له : هي بعد ، وأنه ناظره في الصلاة فيها . وكذا رواه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة مختصرا . ورواه سعيد بن الحارث ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وفي رواية عنه بالشك في رفعه في ساعة الإجابة ، وجعل ذكر تعيينها من رواية أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام . وكذا رواه معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة . ورواه الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فجعل الحديث كله عن كعب في : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة . لم يرفع منه شيئا ، وقال : لم أسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثني به كعب . ورواه حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن كعب ، قال : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم جمعة ، فيه خلق الله آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، وفيه تقوم الساعة . ورواه معاوية بن سلام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - موقوفا . ورواه محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، فرفعه . ورفعه خطأ . ورجح هذه الرواية أبو زرعة الدمشقي . ويعضده - أيضا - : رواية حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فرفع منه ذكر ساعة الإجابة ، وجعل باقي الحديث في فضل يوم الجمعة ، وما فيه من الخصال ، وتعيين ساعة الإجابة كله من قول كعب . ولعل هذا هو الأشبه . وقد سبق أن موسى بن عقبة روى عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام قوله في تعيين ساعة الإجابة - أيضا . وخرج الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن أبي سلمة ، أنه سمع أبا هريرة يحدث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ساعة الإجابة . قال : فلما توفي أبو هريرة قلت : لو جئت أبا سعيد فسألته عن هذه الساعة ، أن يكون عنده منها علم ، فأتيته ، فسألته ، فقال : سألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ، فقال : إني كنت أعلمتها ، ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر . قال : ثم خرجت من عنده ، فدخلت على عبد الله بن سلام . هكذا ساقه الإمام أحمد ، ولم يذكر ما قاله ابن سلام . وقد خرجه البزار بتمامه ، وذكر فيه : أن ابن سلام قال له : خلق الله آدم يوم الجمعة ، وأسكنه الجنة يوم الجمعة ، وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة ، وتوفاه يوم الجمعة ، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة ، وهي آخر ساعة من يوم الجمعة . قلت : ألست تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : في صلاة ؟ قال : أولست تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من انتظر الصلاة فهو في صلاة ؟ . فهذه الرواية - أيضا - تدل على أن ذكر فضل يوم الجمعة وما فيه من الخصال إنما هو من رواية أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام . ورواية الأوزاعي وغيره تدل على أن هذا القدر كان أبو هريرة يرويه عن كعب . وقد روي عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، وذكر ما فيه من الخصال من طرق متعددة ، وهي معللة بما ذكرناه ؛ ولذلك لم يخرج البخاري منها شيئا . وقد خرجه مسلم من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وخرجه ابن حبان من رواية العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وروي عن العلاء ، عن إسحاق أبي عبد الله ، عن أبي هريرة - مرفوعا . فتحرر من هذا : أن المرفوع عن أبي هريرة من الحديث ذكر ساعة الجمعة . وزعم ابن خزيمة : أن قوله : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة مرفوع - أيضا - بغير خلاف ، وأن الاختلاف عن أبي هريرة فيما بعد ذلك من ذكر الخصال التي في الجمعة . وحديث أبي سعيد يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنسي معرفة وقتها ، كما أنسي معرفة ليلة القدر . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعيينها أحاديث متعددة : ومن أغربها : أن ساعة الإجابة هي نهار الجمعة كله . وهو من رواية هانئ بن خالد ، عن أبي جعفر الرازي ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الساعة التي في يوم الجمعة ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس . خرجه العقيلي . وقال : هانئ بن خالد حديثه غير محفوظ ، وليس بمعروف بالنقل ، ولا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به . ومنها : أنها آخر نهار الجمعة : روى عبد السلام بن حفص ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة هي آخر ساعة من الجمعة . خرجه ابن عبد البر . وقال : عبد السلام هذا مدني ثقة . قلت : رفعه منكر ، وعبد السلام هذا وإن وثقه ابن معين ، فقد قال فيه أبو حاتم الرازي : ليس بالمعروف . ولا يقبل تفرده برفع هذا . وليته يصح موقوفا ، فقد روى شعبة والثوري ، عن يونس بن خباب ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : الساعة التي في الجمعة بعد العصر . وخرجه عبد الرزاق ، عن الثوري ، به ، ولفظه : الساعة التي تقوم في يوم الجمعة ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس . وخرجه وكيع عن يونس ، به . ويونس بن خباب ، شيعي ضعيف . قال الدارقطني في العلل : ومن رفعه عن الثوري ، فقد وهم . وقال : وفيه نائل : عن يونس بن عبيد ، ووهم فيه - أيضا . وروى إسماعيل بن عياش ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن مسلم بن مسافر ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن في الجمعة ساعة - يقللها بيده - لا يوافقها عبد مؤمن وهو يصلي ، فيسأل الله فيها إلا استجاب له . قيل : أي الساعات هي يا رسول الله ؟ قال : ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . خرجه أبو أحمد الحاكم وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر . وإسناده لا يصح ، وروايات إسماعيل بن عياش عن الحجازيين رديئة . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج ، حدثني العباس ، عن محمد بن مسلمة الأنصاري ، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن في الجمعة ساعة ، لا يوافقها عبد مسلم ، يسأل الله عز وجل فيها خيرا ، إلا أعطاه إياه ، وهي بعد العصر . وخرجه الإمام أحمد في مسنده ، عن عبد الرزاق . وخرجه العقيلي في كتابه . وقال : العباس رجل مجهول ، لا نعرفه ، ومحمد بن مسلمة - أيضا - مجهول . وذكر عن البخاري ، أنه قال : محمد بن مسلمة الأنصاري ، عن أبي سعيد وأبي هريرة - في ساعة الجمعة - : لا يتابع عليه . قال العقيلي : الرواية في فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذا الوجه ، فأما التوقيت ، فالرواية فيه لينة . يعني بالتوقيت : تعيين ساعة الإجابة . وروى فرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، عن أبي هريرة ، قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال : لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم ، وفيها الصعقة والبعثة ، وفيها البطشة ، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة ، من دعا الله فيها استجيب له . خرجه الإمام أحمد . وفرج بن فضالة ، مختلف فيه ، وقد ضعفه ابن معين وغيره . وعلي بن أبي طلحة ، لم يسمع من أبي هريرة . وروى محمد بن أبي حميد ، عن موسى بن وردان ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر ، إلى غيبوبة الشمس . خرجه الترمذي . وقال : غريب . ومحمد بن أبي حميد ، منكر الحديث . وخرجه الطبراني من طريق ابن لهيعة ، عن موسى بن وردان - بنحوه ، وزاد في آخر الحديث : وهي قدر هذا - يعني : قبضة . ويروى من حديث فاطمة - عليها السلام - عن أبيها صلى الله عليه وسلم ، أنه قال في هذه الساعة : إذا تدلى نصف الشمس للغروب . وفي إسناده اضطراب وانقطاع وجهالة ، ولا يثبت إسناده . وروى عبد الرزاق ، عن عمر بن ذر ، عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في صلاة العصر يوم الجمعة ، والناس خلفه ، إذ سنح كلب ليمر بين أيديهم ، فخر الكلب فمات قبل أن يمر ، فلما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه على القوم قال : أيكم دعا على هذا الكلب ؟ فقال رجل من القوم : أنا دعوت عليه . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعوت عليه في ساعة يستجاب فيها الدعاء . وهذا مرسل . ويروى بإسناد منقطع ، عن أبي الدرداء - نحوه ، إلا أن فيه : أنه دعا الله باسمه الأعظم ، ولم يذكر الساعة . ومنها : أنها الساعة التي تصلى فيها الجمعة : فخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، قال : قال عبد الله بن عمر : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأن ساعة الجمعة ؟ قلت : نعم ، سمعته يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة . وروى البيهقي بإسناده ، عن مسلم ، أنه قال : هذا أجود حديث وأصحه في ساعة الجمعة . وقال الدارقطني : تفرد به ابن وهب ، وهو صحيح عنه . ورواه أبو إسحاق ، عن أبي بردة ، واختلف عليه ، فرواه إسماعيل بن عمرو ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ثم خرجه بإسناده من هذه الطريق ، ولفظه : الساعة التي يرجى فيها يوم الجمعة عند نزول الإمام . وخالفه النعمان بن عبد السلام ، فرواه عن الثوري بهذا الإسناد - موقوفا . يعني : على أبي موسى . ثم أسنده من طريقه كذلك ، ولفظه : الساعة التي تذكر في الجمعة ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة . قال : وخالفهما يحيى القطان ، فرواه عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة - قوله . وكذلك رواه عمار بن رزيق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة - قوله . وكذلك رواه معاوية بن قرة ومجالد ، عن أبي بردة - من قوله . وحديث مخرمة بن بكر أخرجه مسلم في الصحيح . والمحفوظ : من رواية الآخرين ، عن أبي بردة - قوله ، غير مرفوع . انتهى . وكذلك رواه واصل بن حيان ، عن أبي بردة ، قال : ذكر عند ابن عمر الساعة التي في الجمعة ، فقلت : إني أعلم أي الساعة هي . قال : وما يدريك ؟ قلت : هي الساعة التي يخرج فيها الإمام ، وهي أفضل الساعات . قال : بارك الله عليك . وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه إياه . قالوا : يا رسول الله ، أية ساعة هي ؟ قال : حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها . خرجه ابن ماجه والترمذي . وقال : حسن غريب . وكثير هذا ، يحسن البخاري والترمذي وغيرهما أمره . وقال بعضهم : أحاديثه عن أبيه عن جده أحب إلينا من مراسيل ابن المسيب . وضعف الأكثرون حديثه . وضرب الإمام أحمد عليه ، ولم يخرجه في المسند . قال أبو بكر الأثرم : أما وجه اختلاف هذه الأحاديث ، فلن يخلو من وجهين : إما أن يكون بعضها أصح من بعض ، وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل في الأوقات ، كانتقال ليلة القدر في ليالي العشر . قال : وأحسن ما يعمل به في ذلك : أن تلتمس في جميع هذه الأوقات ، احتياطا واستظهارا . انتهى . فأما القول بانتقالها فهو غريب . وقد روي عن كعب ، قال : لو قسم إنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة . يعني : أنه يدعو كل جمعة في ساعة ساعة حتى يأتي على جميع ساعات اليوم . قال الزهري : ما سمعنا فيها بشيء عن أحد أحدثه إلا هذا . وهذا يدل على أنها لا تنتقل ، وهو ظاهر أكثر الأحاديث والآثار . وأما التماسها في جميع مظانها ، فقد روي نحوه عن أبي هريرة . فحكى ابن المنذر ، عنه ، أنه قال : هي بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس . وهذا رواه ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد وطاوس ، عن أبي هريرة ، وفي ليث مقال ، لا سيما إذا جمع في الإسناد بين الرجال . ولم يرد أبو هريرة - والله أعلم - أنها ساعتان : في أول النهار وآخره ، إنما أراد أنها تلتمس في هذين الوقتين . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : بعد العصر ، لا أكاد أشك فيه ، وترجى بعد زوال الشمس . كذا نقله ابن منصور في مسائله عنه ، ونقله الترمذي في جامعه ، عن أحمد . وإنما نقله ابن منصور ، عن أحمد ، والترمذي إنما ينقل كلام أحمد وإسحاق من مسائل ابن منصور ، عنهما كما ذكر ذلك في آخر كتابه . ولا أعلم في التماسها في أول النهار عن أحد من السلف غير هذا . والمشهور عنهم قولان : أحدهما : أنها تلتمس بعد العصر إلى غروب الشمس ، وقد سبق عن أبي هريرة وعبد الله بن سلام . وروى سعيد بن منصور بإسناده ، عن أبي سلمة ، قال : اجتمع ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة ، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن تلك الساعة التي في الجمعة ، فقال : خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة ، وخلقه من أديم الأرض كلها ، فأسجد له ملائكته ، وأسكنه جنته ، فلله ما أمسى ذلك اليوم حتى عصاه ، فأخرجه منها . خرجه عبد الرزاق وغيره . وهذا يدل على ترجيح ابن عباس لما بعد العصر في وقت هذه الساعة ؛ لخلق آدم فيها ، وإدخاله الجنة ، وإخراجه منها ، وهو يشبه استنباطه في ليلة القدر ، أنها ليلة سابعه . وكذلك كان طاوس يتحرى الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر . وعنه ، أنه قال : الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة ، والتي أنزل فيها آدم ، والتي لا يدعو الله فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجيب له : من حين تصفر الشمس إلى أن تغرب . وهذا يشبه قول عبد الله بن سلام ، أنها آخر ساعة من نهار الجمعة . وروي مثله عن كعب - أيضا . فأهل هذا القول ، منهم من جعل وقت التماسها ما بين العصر وغروب الشمس ، ومنهم من خصه بآخر ساعة من الساعات . وقال أحمد - في رواية ابن منصور - : أكثر الأحاديث بعد العصر . وقال - في رواية الميموني - كذلك ، وزاد : قيل له : قبل أن تطفل الشمس للغروب ؟ قال : لا أدري ، إلا أنها بعد العصر . وظاهر هذا : أن ما بعد العصر إلى غروب الشمس كله في التماسها سواء . والقول الثاني : أنها بعد زوال الشمس . وقد تقدم عن ابن عمر وأبي بردة ، أنها ساعة صلاة الجمعة . وروى عبد الله بن حجيرة ، عن أبي ذر ، أنها من حين تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع . وعن عائشة ، أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة . وقال عوف بن مالك : اطلبوا ساعة الجمعة في إحدى ثلاث ساعات : عند تأذين الجمعة ، أو ما دام الإمام على المنبر ، أو عند الإقامة . خرجه محمد بن يحيى الهمداني في صحيحه . وعن الحسن وأبي العالية ، قالا : عند زوال الشمس . وعن الحسن ، قال : هي إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ . وعن أبي السوار العدوي ، قال : كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين أن تزول الشمس إلى أن تدركك كل الصلاة . وعن ابن سيرين ، قال : هي الساعة التي كان يصلي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم وعن الشعبي ، قال : هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل . وعنه ، قال : ما بين خروج الإمام إلى انقضاء الصلاة . وعن الشعبي ، عن عوف بن حصيرة ، قال : هي من حين تقام الصلاة إلى انصراف الإمام . وروي ، أن عمر سأل ابن عباس عنها ؟ فقال : أرجو أنها الساعة التي يخرج لها الإمام . خرجه الإسماعيلي في مسند عمر بإسناد ضعيف . وذكر عن أبي القاسم البغوي ، أنه قال : هذا واه ، وقد روي عن ابن عباس خلافه . يشير إلى أن المعروف عنه أنها بعد العصر ، كما رواه عنه سعيد بن جبير ، وقد تقدم . فهذه الأقوال متفقة على أنها بعد زوال الشمس ، ومختلفة في الظاهر في قدر امتدادها . فمنهم من يقول : وقت الأذان . ومنهم من يقول : ما دام الإمام على المنبر . ومنهم من يقول : عند الإقامة . ومنهم من يقول : من حين تقام الصلاة إلى انصراف الإمام فيها . ومنهم من يقول : ما بين أن يحرم البيع بالنداء أو تزول الشمس - على اختلاف لهم فيما يحرم به البيع - إلى أن يحل بانقضاء الصلاة . وهذا القول - أعني : أنها بعد زوال الشمس إلى انقضاء الصلاة ، أو أنها ما بين أن تقام الصلاة إلى أن يفرغ منها - أشبه بظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه ، فإنه إن أريد به صلاة الجمعة كانت من حين إقامتها إلى الفراغ منها ، وإن أريد به صلاة التطوع كانت من زوال الشمس إلى خروج الإمام ؛ فإن هذا وقت صلاة تطوع ، وإن أريد بها أعم من ذلك - وهو الأظهر - دخل فيه صلاة التطوع بعد زوال الشمس ، وصلاة الجمعة إلى انقضائها . وليس في سائر الأوقات التي قالها أهل القول الأول وقت صلاة ؛ فإن بعد العصر إلى غروب الشمس ، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس وقت نهي عن الصلاة فيه ، اللهم إلا أن يراد بقولهم : بعد العصر : دخول وقت العصر والتطوع قبلها . ومرسل يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة يشهد له . وقول من قال : إن منتظر الصلاة في صلاة صحيح ، لكن لا يقال فيه : قائم يصلي ؛ فإن ظاهر هذا اللفظ حمله على القيام الحقيقي في الصلاة الحقيقية . وقد روى عبد الرزاق في كتابه نا يحيى بن زمعة ، سمعت عطاء يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : في يوم الجمعة ساعة ، لا يوافقها عبد وهو يصلي ، أو ينتظر الصلاة ، يدعو الله فيها بشيء إلا استجاب له . وهذا غريب . ويحيى بن زمعة هذا ، غير مشهور ، ولم يعرفه ابن أبي حاتم بأكثر من روايته عن عطاء ، ورواية عبد الرزاق عنه . وهذه الرواية تدل على أن المراد بالصلاة حقيقة الصلاة ؛ لأنه فرق بين المصلي ومنتظر الصلاة ، وجعلهما قسمين . وتدل على أن ساعة الجمعة يمكن فيها وقوع الصلاة وانتظارها ، وهذا بما بعد الزوال أشبه ؛ لأن أول تلك الساعة ينتظر فيها الصلاة ، ويتنفل فيها بالصلاة ، وآخرها يصلى فيه الجمعة . وخرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن هلال بن يساف ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن في الجمعة لساعة ، لا يوافقها رجل مسلم ، يسأل الله فيها خيرا ، إلا أعطاه فقال رجل : يا رسول الله ، فماذا أسأل ؟ فقال : سل الله العافية في الدنيا والآخرة . وهذا مرسل .
4 - باب فضل الجمعة 881 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر . قوله : من اغتسل يوم الجمعة ، ثم راح يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر ، وآخره الرواح إلى الجمعة ، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل ، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة . وممن قال : لا يصيب السنة بالغسل للجمعة قبل طلوع الفجر : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأكثر العلماء . وروي معناه عن ابن عمر . خرجه حرب الكرماني بإسناد فيه نظر . وأجازه الأوزاعي ، وهذا الحديث حجة عليه ، وكذلك حديث أبي سعيد المتقدم : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . وحكي عن أحمد ما يدل على صحته سحرا - أيضا . وروي عن الشعبي ومجاهد ، وهو وجه للشافعية - أيضا - وقول يحيى بن يحيى النيسابوري . وقوله : غسل الجنابة في تأويله قولان : أحدهما : أن المراد به : تعميم بدنه بالغسل ، كما يعمه بغسل الجنابة . ويشهد لذلك : الحديث الآخر الذي فيه : فيغسل رأسه وجسده . فيكون المعنى : اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة ، في المبالغة وتعميم البدن بالماء ، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم . والثاني : أن المراد به : غسل الجنابة حقيقة ، وأنه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة ، ثم يغتسل ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، وحكاه عن غير واحد من التابعين ، منهم : هلال بن يساف ، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما . وروي عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة ؛ لأنهم قد أمروا أن يغتسلوا ، وأن يغسلوا . وقول طائفة من الشافعية ، وحملوا عليه - أيضا - حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من غسل يوم الجمعة واغتسل - الحديث . وقالوا : المراد : من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمة . فعلى هذا : يستدل بالحديث على أن من عليه غسل الجنابة ، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة ، فإنه يجزئه عن غسل الجمعة ، وسواء نوى به الجمعة ، أو لم ينو . أما إن نواهما بالغسل ، فإنه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلاف بين العلماء ، روي ذلك عن ابن عمر ، وتبعه جمهور العلماء . وللشافعية وجه ضعيف : لا يجزئه عنهما ، وقاله بعض الظاهرية . وحكي عن مالك ، وقيل : إنه لا يصح عنه ، إنما قاله بعض المتأخرين من أصحابه ، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالك فأنكره . وأما إن نوى بغسله الجنابة خاصة ، فإنه يرتفع حدثه من الجنابة . وهل يحصل له سنة الاغتسال للجمعة ؟ على قولين : أشهرهما : لا يحصل له ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى ، وهو المشهور عن مالك ، وروي نحوه عن الأوزاعي ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد ، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي . والثاني : يحصل له غسل الجمعة بذلك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أشهب المالكي ، وهو نص الشافعي ، وقول أبي حنيفة وإسحاق ، مع كون أبي حنيفة يعتبر النية لنقل الطهارة ، وحكاه ابن عبد البر ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا . وأما إن نوى الجنب غسل الجمعة ، ولم ينو غسل الجنابة ، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك ؟ فيه قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد . ومن أصحابنا من رجح : أنه لا يرتفع ، لأن غسل الجنابة ليس سببه الحدث ؛ ولهذا يشرع للطاهر . وعلى هذا : فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه ؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية ، أصحهما : أنه يحصل له ذلك . واختلف أصحاب مالك : هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة ؟ فقال ابن القاسم : لا يجزئه ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك . وقال أشهب وابن وهب والأكثرون منهم : يجزئه : وهو قول المزني . وقوله : ثم راح يدل على أنه لا تحصل سنة الاغتسال للجمعة إلا قبل صلاة الجمعة ، وأنه لو اغتسل بعد الصلاة في بقية اليوم لم يكن آتيا بفضيلة الغسل المأمور به ، وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك . وأظن بعض الظاهرية يخالف فيه ، ويزعم أن الغسل لليوم لا للصلاة ، ولا يعبأ بقوله في ذلك . ويدل على أنه يحصل المقصود بالغسل ، وإن اغتسل أول نهار الجمعة إذا كان الرواح متعقبا له . فإن لم يتعقبه الرواح ، بل أخر الرواح إلى بعده ، فقال أكثر العلماء : تحصل له - أيضا - سنة الغسل ، وقالوا : ثم تقتضي التراخي ، فيصدق ذلك بأن يؤخر الرواح إلى الزوال . وتأخير الغسل إلى حين الرواح أفضل ، نص عليه أحمد وغيره . وذهب طائفة إلى أنه لا تحصل له فضيلة الغسل إلا بأن يتعقبه الرواح ، وهو قول مالك ، وحكاه الطحاوي ، عن الأوزاعي ، وهو يخالف قوله المشهور عنه : أن الغسل للجمعة يجزئ من الليل ، كما تقدم . ومذهب مالك في ذلك ، أنه لا يجزئ الغسل إلا متصلا بالرواح ، فإن اغتسل وراح ، ثم أحدث أو خرج من المسجد إلى موضع قريب ، لم ينتقض غسله ، وإن تباعد أو تغدى أو نام انتقض غسله وأعاده ، ذكره في تهذيب المدونة . واستدلوا بقوله : إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل . ويجاب عنه : بأن هذا كقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية ، المراد : أنه يتضيق الوجوب على القائم للصلاة ، فكذلك يتضيق وقت الغسل على الآتي إلى الجمعة . فأما إن كان قد فعله قبل ذلك فإنه يجزئه ، ولا إعادة عليه عند قيامه ورواحه ، كمن أدى الدين الواجب عليه قبل تضايق وقت أدائه ، فإنه لا يؤمر بأدائه مرة أخرى بعد ذلك . ولو اغتسل للجمعة ثم انتفض وضوؤه ، فهل يستحب له إعادته ، أم يكفيه الوضوء ؟ فيه قولان : أحدهما : يكفيه الوضوء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبزى والحسن ومجاهد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد . والثاني : أنه يعيد غسله ، وهو قول طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا يحبون لمن اغتسل يوم الجمعة أن لا يكون بينه وبين الجمعة حدث . قال : وكانوا يقولون : إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حاله التي كان عليها قبل أن يغتسل . وعن أبي يوسف ، أنه بنى هذا الاختلاف على أن الغسل هل هو لليوم أو للصلاة ، فمن قال : إنه لليوم قال : يجزئه غسله ، ومن قال : إنه للصلاة قال : يعيده ؛ لأنه إذا توضأ فإنما شهد الصلاة بوضوء لا بغسل . وخالف الأكثرون في ذلك ، وقالوا : بل شهد الصلاة بغسل ، لأن الحدث الموجب للوضوء ليس منافيا للغسل ، وحصول النظافة به . ولو أحدث حدثا موجبا للغسل ، مثل أن أجنب ، فحكي عن الأوزاعي ، أنه يعيد غسل الجمعة - أيضا - ؛ لأنه قد أتى بما يبطل الغسل . وعن الجمهور خلافه ؛ لأنه إنما أتى بما يوجب غسل الجنابة ، فيكتفى به ، ولا حاجة إلى إعادته لغسل الجمعة . وقوله : ثم راح فكأنما قرب بدنة المراد : راح في الساعة الأولى ؛ بدليل قوله : ومن راح في الساعة الثانية . وقد خرجه مالك في الموطأ ، عن سمي بهذا الإسناد ، وفيه التصريح بذكر الساعة الأولى . وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعات : هل هي من أول النهار ، أو بعد زوال الشمس ؟ على قولين : أحدهما : أن المراد بها آخر الساعة التي بعد زوال الشمس ؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال ، والغدو يكون قبله ، كما قال تعالى : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ واستدلوا - أيضا - بالحديث الآخر : المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ، فجعل البدنة بالتهجر ، والتهجير إنما هو الإتيان بالهاجرة ، وإنما يكون ذلك بعد الزوال . هذا تأويل مالك وأكثر أصحابه ، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك . والقول الثاني : أن المراد بالساعات من أول النهار ، وهو قول الأكثرين . ثم اختلفوا : هل أولها من طلوع الفجر ، أو من طلوع الشمس ؟ فقالت طائفة : أولها من طلوع الفجر ، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد . واستدلوا بقوله : إذا كان يوم الجمعة ، كان على أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول - الحديث ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وظاهره : أن ذلك يكون بعد طلوع الفجر . وقالت طائفة : أولها من طلوع الشمس ، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة ومحمد بن إبراهيم البوشنجي ، ورجحه الخطابي وغيره ، لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر . ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي . وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة ، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم . وأما ذكر الرواح ، فعنه جوابان : أحدهما : أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال ، وهو رواح حقيقي ، سميت كلها رواحا ، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجا وغازيا قبل تلبسه بالحج والغزو ؛ لأن أمره ينتهي إلى ذلك . والثاني : أن الرواح هنا أريد به القصد والذهاب ، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده . قال الأزهري وغيره : الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير ، أي وقت كان من ليل أو نهار ، يقال : راح في أول النهار وآخره ، وغدا بمعناه . وأما التهجير ، فيجاب عنه ، بأنه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير - أيضا - لا بمعنى الخروج في الهاجرة . وقيل : إنه ليس من الهاجرة ، بل من الهجرة ، والمراد بها : هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة . وقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة وغسل ، وبكر وابتكر ، ودنا واستمع ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه . وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . وله طرق متعددة ، قد ذكرناها في شرح الترمذي . وفي رواية للنسائي : وغدا وابتكر . وفي بعض رواياته : ومشى ولم يركب . وظاهر الحديث : يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة ، وأن الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها . ومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها ، ولم يكتب لأحد فضل التبكير ، وهذا يدل على أنه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيء من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية . وظاهر الحديث : يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة مع طول النهار وقصره ، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة ؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره . ويدل على هذا : حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر . خرجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات . وظاهره يدل على أن ساعة الإجابة جزء من هذه الأجزاء الاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة . وزعم بعض الشافعية : أنه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون ، بل ترتيب الدرجات ، وفضل السابق على الذي يليه ، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة . ورد ذلك آخرون منهم ، وقالوا : من جاء في أول ساعة من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلا ، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها ، وبدنة المتوسط متوسطة . وهذا هو الأقرب ، وعليه يحمل الحديث الذي خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان يوم الجمعة فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، ثم غدا في أول ساعة ، فله من الأجر مثل الجزور ، وأول الساعة وآخرها سواء - وذكر مثل ذلك في الثانية ، والثالثة ، والرابعة ، يقول : أولها وآخرها سواء ، وزاد في آخر الحديث : ثم غفر له إذا استمع وأنصت ما بين الجمعتين ، وزيادة ثلاثة أيام . وفي هذه الرواية : ذكر الغدو إلى الجمعة ، والغدو يكون من أول النهار . وقوله : فكأنما قرب بدنة ، فكأنما قرب بقرة - إلى آخره - يدل على أن أفضل ما يتقرب به من الهدايا البدن ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وهو قول الجمهور ، خلافا لمالك ، ويذكر في موضع آخر مستوفى - إن شاء الله تعالى . ويدل - أيضا - على أن الجمعة فيها شبه من الحج ، وقد روي في حديث ضعيف : الجمعة حج المساكين . قال ابن المسيب : شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة . وخرج البيهقي من حديث سهل بن سعد - مرفوعا - : إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة ، فالحجة التهجير للجمعة ، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة . وقال : هو ضعيف . وقد روي : إن المؤمن يصبح يوم الجمعة كالمحرم ، فلا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره حتى يصلي . وقد حكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما كرها أن يجعل يوم الجمعة ميقاتا لأخذ الشعر والظفر ، واستدل لهما بهذا الحديث . وقد روي من حديث علي - مرفوعا - : أن ذلك يكون يوم الخميس ، وإسناده لا يصح . واستحب بعض أصحابنا فعله يوم الخميس ؛ لذلك . والحديث الذي ذكر فيه الإحرام ، هو بإسناد مجهول ، عن أبي معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - : يصبح الرجل محرما يوم الجمعة ، فلا يحل حتى يصلي ، فإذا جلس في مكانه حتى يصلي العصر رجع بحجة وعمرة . وهو منكر ، لا يصح . قال البيهقي : قد روي عن ابن عباس - مرفوعا - في المؤمن يوم الجمعة كهيئة المحرم ، لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضي الصلاة ، وعن ابن عمر - مرفوعا - : المسلم يوم الجمعة محرم ، فإذا صلى فقد أحل ، فإنما رويا عنهما بإسنادين ضعيفين ، لا يحتج بمثلهما . قال : وفي الرواية الصحيحة عن ابن عمر من فعله دليل على ضعف ما خالفه . وروي من طريق ابن وهب ، بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يقلم أظفاره ويقص شاربه في كل جمعة . قال : وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة . وروى بإسناده ، عن معاوية بن قرة قال : كان لي عمان قد شهدا الشجرة ، يأخذان من شواربهما وأظفارهما كل جمعة . وخرج البزار في مسنده والطبراني من رواية إبراهيم بن قدامة ، عن الأغر ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ، قبل أن يخرج إلى الصلاة . قال البزار : لم يتابع إبراهيم بن قدامة عليه ، وهو إذا انفرد بحديث لم يكن حجة ؛ لأنه ليس بمشهور . قلت : وقد روي عنه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال ابن أبي عاصم : أحسب هذا - يعني : عبد الله بن عمرو - رجلا من بني جمح ، أدخله يعقوب بن حميد بن كاسب في مسند قريش في الجمحيين . يشير إلى أنه ليس ابن العاص . وكذا ذكر ابن عبد البر ، وزاد أن في صحبته نظرا . وفي الباب - أيضا - من حديث ابن عباس وعائشة وأنس ، أحاديث مرفوعة ، ولا تصح أسانيدها . وقال راشد بن سعد : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : من اغتسل يوم الجمعة واستاك وقلم أظفاره ، فقد أوجب . خرجه حميد بن زنجويه . وممن استحب ذلك : النخعي . قال مكحول : من قص شاربه وأظفاره يوم جمعة لم يمت من الماء الأصفر . وقال حميد الحميري : من قص أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه الداء ، وأدخل فيه الشفاء . وكان الإمام أحمد يفعله . واستحبه أصحاب الشافعي وغيرهم ؛ فإنه من كمال التنظف والتطهر المشروع في يوم الجمعة ، فيكون مستحبا فيه ، كالطيب والدهن ، والمحرم بخلاف ذلك . ويشهد لذلك : ما خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من فطرة الإسلام : الغسل يوم الجمعة ، والاستنان ، وأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ؛ فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها ، فخالفوهم ، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم . فقرن أخذ الشارب بغسل يوم الجمعة والاستنان ، وقد صح الأمر بالاستنان في يوم الجمعة - أيضا .
25 - باب التأذين عند الخطبة 916 - حدثنا محمد بن مقاتل ، أنا عبد الله ، أنا يونس ، عن الزهري ، قال : سمعت السائب ين يزيد يقول : إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر ، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان في خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث ، فأذن به على الزوراء ، فثبت الأمر على ذلك . المقصود بهذا الباب : أن الأذان يوم الجمعة يكون عند جلوس الإمام على المنبر للخطبة ، فهذا هو الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، وهو المجتمع على مشروعيته . وهل يكون بين يدي المنبر في المسجد ، أو على المنارة ؟ فيه كلام سبق ذكره ، وأن الشافعي نص في كتاب البويطي على أنه يكون على المنارة . وكذا مذهب مالك ، قال في تهذيب المدونة : يجلس الإمام في أول خطبته حتى يؤذن المؤذنون على المنار ، ثم يخطب . ونقل مثنى الأنباري عن أحمد ، أنه سئل عن الأذان الذي يجب على من كان خارجا من المصر أن يشهد الجمعة ؟ قال : هو الأذان الذي في المنارة . وهذا يحتمل أنه يريد به ما قاله الشافعي : إن أذان الجمعة بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر يكون على المنارة . ويحتمل أنه يريد به : أنه يجب السعي بالأذان الأول ، كما يحرم البيع به ، على رواية عنه ؛ فإن قوله : الذي على المنارة إخبار عن الواقع في زمانه ، ولم يعهد في زمانه الأذان على المنارة سوى الذي زاده عثمان . ويحتمل أنه إنما قال ذلك فيمن كان خارج المصر ؛ لأن الأذان الأول يكون لإعلامهم ، فيلزمهم السعي به ، بخلاف أهل المصر ، فإنهم يلزمهم السعي من غير سماع أذان ، فلا يجب عليهم السعي بالأذان الأول ، بل بالثاني ، والله أعلم . وقد تقدم في رواية ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد لهذا الحديث : أن هذا الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر كان على باب المسجد . وقوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : فثبت الأمر على ذلك ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر ، ولم يترك بعده . وهذا يدل على أن عليا أقر عليه ، ولم يبطله ، فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين .
5 - باب 882 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة ، إذ جاء رجل ، فقال عمر بن الخطاب : لم تحتبسون عن الصلاة ؟ فقال الرجل : ما هو إلا أن سمعت النداء ، فتوضأت . فقال : ألم تسمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ؟ . وخرجه مسلم من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، وسمى الداخل : عثمان بن عفان وقال في حديثه : فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ؟ وهذا يستدل به على إنكار الإمام على من يتأخر إلى بعد النداء ، خصوصا إن كان من أهل الفضائل الدينية ، وكذلك ينكر عليه تقصيره في الإخلال ببعض سنن الجمعة ومندوباتها المكتوبة ، كالغسل ونحوه . وقد روي هذا المعنى - مرفوعا - من وجوه : خرج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن إسحاق : حدثني أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر ، قال : دخل سليك الغطفاني المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، فقال له : اركع ركعتين ، ولا تعودن لمثل هذا ، فركعهما ، ثم جلس . قال ابن حبان : أراد : لا تعودن إلى الإبطاء في المجيء إلى الجمعة ، لأن في حديث أبي سعيد ، أنه أمره بالركعتين - أيضا - في الجمعة الثانية . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن بسر ، قال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجلس ، فقد آذيت وآنيت . وخرجه أبو داود والنسائي ، وليس عندهما : وآنيت . ومعنى : آنيت : أبطأت في المجيء ، وأخرته عن أوانه . وخرجه ابن ماجه من حديث جابر ، بإسناد ضعيف . وخرج الطبراني وغيره من رواية عمر بن الوليد الشني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جاء رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يلهو أحدكم ، حتى إذا كادت الجمعة تفوته جاء يتخطى رقاب الناس يؤذيهم . فقال : يا رسول الله ، ما فعلت ، ولكني كنت راقدا ، فاستيقظت ، ثم توضأت وجئت . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أويوم وضوء هذا ؟ . وعمر بن الوليد : ضعيف الحديث . وقد روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، أن عثمان جاء وعمر يخطب - فذكر الحديث بمعنى رواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة التي خرجها البخاري هاهنا . وهذا أصح . والله أعلم .
38 - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي تامة 936 - حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، ثنا جابر بن عبد الله ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وخرجه في التفسير ، عن حفص بن عمر قال : ثنا خالد بن عبد الله ، أبنا حصين ، عن سالم بن أبي الجعد - وعن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله - فذكره بمعناه . وفي هذه الرواية : متابعة أبي سفيان لسالم بن أبي الجعد على روايته عن جابر ، وإنما خرج لأبي سفيان متابعة . وقد خرجه مسلم بالوجهين - أيضا . وفي أكثر رواياته : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة . وفي رواية له : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما يوم الجمعة - فذكره بمعناه . وفي رواية له : فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، أنا فيهم . وفي رواية له - أيضا - : فيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري : بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد به أنهم انفضوا عنه في نفس الصلاة ، إنما أراد - والله أعلم - أنهم كانوا مجتمعين للصلاة ، فانفضوا وتركوه . ويدل عليه : حديث كعب بن عجرة ، لما قال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا ، وقد قال الله تعالى : انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وكذلك استدلال ابن مسعود وخلق من التابعين بالآية على القيام في الخطبة . وروى علي بن عاصم هذا الحديث عن حصين ، فقال فيه : فلم يبق معه إلا أربعون رجلا ، أنا فيهم . خرجه الدارقطني والبيهقي . وعلي بن عاصم ، ليس بالحافظ ، فلا يقبل تفرده بما يخالف الثقات . وقد استدل البخاري وخلق من العلماء على أن الناس إذا نفروا عن الإمام ، وهو يخطب للجمعة ، وصلى الجمعة بمن بقي ، جاز ذلك ، وصحت جمعتهم . وهذا يرجع إلى أصل مختلف فيه ، وهو : العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وقد اختلف في ذلك : فقالت طائفة : لا تنعقد الجمعة بدون أربعين رجلا ، روي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق ، ورواية عن مالك . وقالت طائفة : تنعقد بخمسين ، روي عن عمر بن عبد العزيز - أيضا - وهو رواية عن أحمد . وقالت طائفة تنعقد بثلاثة ، منهم : ابن المبارك والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وروي عن أبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد بأربعة ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه - في المشهور عنهما - والأوزاعي ومالك والثوري - في رواية عنهما - والليث بن سعد . وحكي قولا قديما للشافعي ، ومنهم من حكاه أنها تنعقد بثلاثة . وقالت طائفة : يعتبر أربعون في الأمصار وثلاثة في القرى ، وحكي رواية عن أحمد ، صححها بعض المتأخرين من أصحابه . وقالت طائفة : تنعقد بسبعة ، وحكي عن عكرمة ، ورواية عن أحمد . وقالت طائفة : تنعقد باثني عشر رجلا ، حكي عن ربيعة . وقد قال الزهري : إن مصعب بن عمير أول ما جمع بهم بالمدينة كانوا اثني عشر رجلا . وتعلق بعضهم لهذا الحديث بحديث جابر المخرج في هذا الباب . وقال طائفة : تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة ، وهو رجلان ، وهو قول الحسن بن صالح وأبي ثور - في رواية - وداود ، وحكي عن مكحول . وتعلق القائلون بالأربعين بحديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمع بهم أسعد بن زرارة ، كانوا أربعين ، وقد سبق ذكره في أول كتاب الجمعة . وقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره وجه الاستدلال به : أن الجمعة فرضت بمكة ، وكان بالمدينة من المسلمين أربعة وأكثر ممن هاجر إليها وممن أسلم بها ، ثم لم يصلوا [ ] كذلك حتى كمل العدد أربعين ، فدل على أنها لا تجب على أقل منهم ، ولم يثبت أبو بكر الخلال خلافه عن أحمد في اشتراط الأربعين . قال : وإنما يحكى عن غيره ، أنه قال بثلاثة ، وبأربعة ، وبسبعة ، ولم يذهب إلى شيء من ذلك ، وهذا الذي قاله الخلال هو الأظهر . والله أعلم . وفي عدد الجمعة أحاديث مرفوعة ، لا يصح فيها شيء ، فلا معنى لذكرها . وإذا تقرر هذا الأصل ، فمن قال : إن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلا أو بدونهم ، فلا إشكال عنده في معنى حديث جابر ؛ فإنه يحمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الجمعة بمن بقي معه ، وصحت جمعتهم . ومن قال : لا تصح الجمعة بدون أربعين ، فإنه يشكل عليه حديث جابر . وقد أجاب بعضهم : بأن الصحيح أنهم انفضوا ، وهو في الخطبة . قال : فيحتمل أنهم رجعوا قبل الصلاة ، أو رجع من تم به الأربعون ، فجمع بهم . قال : والظاهر أنهم انفضوا ابتداء سوى اثني عشر رجلا ، ثم رجع منهم تمام أربعين ، فجمع بهم ، وبذلك يجمع بين رواية علي بن عاصم وسائر الروايات . وهذا الذي قاله بعيد ، ورواية علي بن عاصم غلط محض ، لا يلتفت إليها . وسلك طائفة مسلكا آخر ، وظاهر كلام البخاري هاهنا وتبويبه يدل عليه ، وهو : أن انفضاضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في نفس الصلاة ، وكان قد افتتح بهم الجمعة بالعدد المعتبر ، ثم تفرقوا في أثناء الصلاة ، فأتم بهم صلاة الجمعة ؛ فإن الاستدامة يغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء . وهذا قول جماعة من العلماء ، منهم : أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والشافعي - في القديم - وإسحاق ، وهو وجه لأصحابنا . وعلى هذا ؛ فمنهم من اعتبر أن يبقى معه واحد فأكثر ؛ لأن أصل الجماعة تنعقد بذلك ، ومنهم من شرط أن يبقى معه اثنان ، وهو قول الثوري وابن المبارك ، وحكي قولا للشافعي . وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر رجلا جمع بهم وإلا فلا ؛ لظاهر حديث جابر . وهو وجه لأصحابنا . ولأصحابنا وجه آخر : يتمها الإمام جمعة ، ولو بقي وحده . وهذا بعيد جدا . وفرق مالك بين أن يكون انفضاضهم قبل تمام ركعة فلا تصح جمعتهم ويصلون ظهرا ، وبين أن يكون بعد تمام ركعة فيتمونها جمعة . ووافقه المزني ، وهو وجه لأصحابنا . وقال أبو حنيفة : إن انفضوا قبل أن يسجد في الأولى فلا جمعة لهم ، وإن كان قد سجد فيها سجدة أتموها جمعة . وقال صاحباه : بل يتمونها جمعة بكل حال ، ولو انفضوا عقب تكبيرة الإحرام . ومذهب الشافعي - في الجديد - وأحمد والحسن بن زياد : أنه لا جمعة لهم ، حتى يكمل العدد في مجموع الصلاة . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : لم يختلف قول أحمد في ذلك . وقد وجدت جوابا آخر عن حديث جابر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد صلى بأصحابه الجمعة ، ثم خطبهم فانفضوا عنه في خطبته بعد صلاة الجمعة ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قدم خطبة الجمعة على صلاتها . فخرج أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيد ، حتى إذا كان يوم جمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل ، فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارته - وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف - فخرج الناس ، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة . وهذا الجواب أحسن مما قبله . ومن ظن بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد دخولهم معه فيها ، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فقد أساء بهم الظن ، ولم يقع ذلك بحمد الله تعالى . وأصل هذه المسائل : أن الجمعة يشترط لها الجماعة ، فلا تصح مع الانفراد ، وهذا إجماع لا نعلم فيه خلافا ، إلا ما تقدم حكايته عن أبي جحيفة ، أنه صلى ركعتين عند تأخير بعض الأمراء للجمعة ، وقال : أشهدكم أنها جمعة . وحكي مثله عن الفاشاني ، والفاشاني ليس ممن يعتد بقوله بين الفقهاء . وذهب عطاء إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة ، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة ، فذهب فتوضأ ، ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة ، أنه يصلي ركعتين ؛ لأنه قد حضر الخطبة ، نقله عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وخالفه جمهور العلماء ، فقالوا : يصلي أربعا . وفي مراسيل يحيى بن أبي كثير : من أدرك الخطبة فقد أدرك الصلاة . خرجه عبد الرزاق . ومراسيل يحيى ضعيفة جدا . واختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب ، قد فرغ من الخطبة . فقالت طائفة : لم يدرك الجمعة ، ويصلي أربعا ، روي ذلك عن عمر ، وعن طاوس وعطاء ومجاهد ومكحول ، وقالوا : الخطبة بدل عن الركعتين . قال عطاء : إن جلس قبل أن ينزل الإمام من المنبر فقد أدرك الخطبة ، فيصلي جمعة ، وإلا صلى أربعا . وظاهر كلام عطاء : أن الجمعة ظهر مقصورة ؛ فإنه يقول : إن أدرك الخطبة قصر ، وإلا لم يقصر . وقال سعيد بن جبير : كانت الجمعة أربعا ، فجعلت الخطبة مكان الركعتين . وذهب طائفة : إلى أن من أدركهم في التشهد قبل السلام فقد أدرك الجمعة ، وهو قول الحكم وحماد وأبي حنيفة وأصحابه ، وحكي رواية عن النخعي ، ورواية عن أحمد ، ولا تكاد تصح عنه . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال لأصحابه - وقد أدرك الناس جلوسا في الجمعة - : قد أدركتم ، إن شاء الله . قال قتادة : إنما أراد : أدركتم الأجر . وذهب أكثر العلماء إلى أنه إن أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام ، فقد أدرك الجمعة ، ويتمها جمعة ، وإن فاتته الركعة الثانية صلى أربعا . وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأنس ، وهو قول علقمة والأسود والحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والليث والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بحديث : من أدرك ركعة من الصلاة . ثم إن أكثرهم قالوا : يصلي من أدرك التشهد مع الإمام الظهر خلفه أربعا . وهذا يتوجه على قول من يقول : يصح اقتداء من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر . فأما من قال : لا يجوز ذلك ، فهو مشكل على أصولهم . فلهذا قال طائفة : لا يجزئه أن يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة ، بل يستأنف الظهر ، وهو اختيار بعض أصحابنا في المسبوق ، وفيما إذا نقص العدد في أثناء الجمعة . وهو قول بعض فقهاء أهل المدينة ، إلا على قول من يقول : الجمعة ظهر مقصورة ، فيكون كمقيم صلى خلف مسافر . فلهذا قال بعضهم : ينوي في دخوله معه الجمعة ، ثم يصلي ظهرا إذا فارقه ، وهو بعيد . وحكي ذلك عن ابن شاقلا من أصحابنا . وقد صنف ابن شاقلا في المسألة جزءا مفردا ، وقد تأملته ، فوجدته يقول : إن من أدرك التشهد خلف الإمام في يوم الجمعة ، فإنه يصلي جمعة أربع ركعات . قال : وإنما كانت جمعة هذا أربعا لاتفاق الصحابة عليه ، على خلاف القياس ، وكان القياس : أن يصلي الركعتين . وأخذ ذاك من قول أحمد - في رواية حنبل - : لولا الحديث الذي في الجمعة ، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين إذا أدركهم جلوسا . حتى قال ابن شاقلا : لو كان الإمام قد صلى الجمعة قبل زوال الشمس ، فأدركه في التشهد صلى أربعا ، وأجزأه ، وكانت جمعة . وقد قال سفيان الثوري : إذا نوى الجمعة ، وصلى أربعا أجزأته جمعته ، وإن لم ينو الجمعة فلا أراه يجزئه . وللشافعية فيما إذا نوى بصلاة الجمعة صلاة الظهر المقصورة : هل تصح جمعته ؟ وجهان ، على قولهم : إن الجمعة ظهر مقصورة . وإن نوى الجمعة ، فإن قالوا : هي صلاة مستقلة أجزأه . وإن قالوا : ظهر مقصورة ، فهل تشترط نية القصر ؟ فيه وجهان لهم ، أصحهما : لا تشترط . ولو نوى الظهر مطلقا ، من غير تعرض للقصر ، لم يصح عندهم بغير خلاف . وقال مالك - فيما نقله عنه ابن عبد الحكم - في الإمام ينزل بقرية لا تقام فيها الجمعة ، فيجمع فيها : إنه لا يكون جمعة ، بل يكون ظهرا مقصورة ، فتصح له ولمن معه من المسافرين ، ويتم أهل تلك القرية صلاتهم إذا سلم . وهو ظاهر ما ذكره في الموطأ ، ونقله عنه ابن نافع - أيضا . وظاهر هذا : يدل على صحة صلاة الظهر المقصورة بنية الجمعة . قال ابن القاسم في المدونة : لا جمعة للإمام ولا لمن خلفه ، ويعيد ويعيدون ؛ لأنه جهر عامدا . وهذا تعليل عجيب ، وهو يقتضي أن من جهر في صلاة السر عمدا بطلت صلاته . والتعليل : بأنه لا تصح صلاة الظهر بنية الجمعة أظهر . وذكر ابن المواز ، عن ابن القاسم : أما هو فصلاته تامة ، وأما هم فعليهم الإعادة . واختلف السلف في هذه المسألة : فقال عطاء - فيمن دخل قرية لا ينبغي أن تقام فيها الجمعة ، وهي القرية التي ليست جامعة عنده ، فأقام أهلها الجمعة ، فجمع معهم : إنه يتم صلاته ، فإذا سلم إمامهم أتم صلاته بركعتين ، ولا يقصر معهم . وقال الزهري : يجمع معهم ويقصر . ومذهب أصحاب الشافعي : أن المسبوق في صلاة الجمعة يتم صلاته - إذا سلم الإمام - ظهرا . ثم منهم من قطع بذلك ، وهم جمهور العراقيين ، ومن الخراسانيين من بناه على القول في أن الجمعة : هل هي صلاة مستقلة أو ظهر مقصورة . فإن قيل : هي ظهر مقصورة أتمها ظهرا كالمسافر إذا امتنع عليه القصر لسبب ، وإن قيل : هي صلاة مستقلة ، فهل يتمها ظهرا ؟ فيها وجهان ، أصحهما : يتمها ظهرا ؛ لأنها بدل منها ، أو كالبدل . فعلى هذا : هل يشترط أن ينوي قبلها ظهرا ، أو تنقلب بنفسها ؟ فيه وجهان - أيضا . وهذا كله تفريع على قولهم : ينوي الجمعة موافقة للإمام . ولهم وجه آخر : ينوي الظهر ؛ لأنه لا يصح له غيرها . وهو قول الخرقي وأكثر أصحابنا . ومنهم من قال : هو ظاهر كلام أحمد . وحكاه - أيضا - عن مالك والشافعي ، وفي حكايته عن الشافعي نظر .
وأما حديث ابن عباس : فقال : 884 - ثنا أبو اليمان ، نا شعيب ، عن الزهري : قال طاوس : قلت لابن عباس : ذكروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اغتسلوا يوم الجمعة ، واغسلوا رءوسكم ، وإن لم تكونوا جنبا ، وأصيبوا من الطيب ؟ قال ابن عباس : أما الغسل ، فنعم ، وأما الطيب ، فلا أدري . 885 - حدثنا إبراهيم بن محمد بن موسى ، أنا هشام ، أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أنه ذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغسل يوم الجمعة ، فقلت لابن عباس : أيمس طيبا ، أو دهنا ، إن كان عند أهله ؟ فقال : لا أعلمه . مضمون هذا : أن ابن عباس روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الغسل للجمعة ، وأنه لم يكن عنده من ذكر الطيب والدهن علم ، فيحتمل أنه نفى أن يكون يعلم ذلك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه نفى أن يكون ذلك مستحبا بالكلية ؛ فإنه إذا لم يكن عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ، فإنه يقتضي التوقف في استحبابه . وفي سماع الزهري لهذا الحديث من طاوس نظر ، ولعله بلغه عنه ؛ فإنه كان كثير الإرسال .
6 - باب الدهن للجمعة فيه عن سلمان ، وأبي هريرة : أما حديث سلمان : فقال : 883 - ثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : أخبرني أبي ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه - أو يمس من طيب بيته - ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . هذا الحديث تفرد بتخريجه البخاري دون مسلم ؛ لاختلاف وقع في إسناده . وقد خرجه البخاري هاهنا ، عن آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب . ثم خرجه بعد ذلك من طريق ابن المبارك ، عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد - أيضا ، وكذا رواه جماعة عن ابن أبي ذئب . ورواه بعضهم ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن ابن وديعة ، عن سلمان - لم يذكر في إسناده : أبا سعيد المقبري . ورواه الضحاك بن عثمان ، عن المقبري بهذا الإسناد - أيضا - مع الاختلاف عليه في ذكر أبي سعيد وإسقاطه . وزاد الضحاك في حديثه : قال سعيد المقبري : فحدثت بذلك عمارة بن عمرو بن حزم ، فقال : أوهم ابن وديعة ؛ سمعته من سلمان يقول : وزيادة ثلاثة أيام . ورواه ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . قال ابن عجلان : فذكرته لعبادة بن عامر بن عمرو بن حزم ، فقال : صدق ، وزيادة ثلاثة أيام . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، ولم يذكر آخره . وقد روى ابن أبي حاتم - مرة - عن أبي زرعة ، أنه قال : حديث ابن عجلان أشبه . يعني : قوله : عن أبي ذر . ونقل - مرة أخرى - عن أبيه وأبي زرعة ، أنهما قالا : حديث سلمان الأصح . وكذا قال علي بن المديني والدارقطني ، وهو الذي يقتضيه تصرف البخاري . وكذا قال ابن معين : ابن أبي ذئب أثبت في المقبري من ابن عجلان . وعبيد الله بن وديعة - ويقال : عبد الله - قال أبو حاتم الرازي : الصحيح عبيد الله . وقال أبو زرعة : الصحيح عبد الله . وقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، فسماه : عبيد الله بن عدي ابن الخيار ، وهو وهم منه - : قاله أبو حاتم . وقد رواه جماعة ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : ابن جريج وعبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله وغيرهم . وزاد ابن جريج : وعن عمارة بن عامر الأنصاري . قال الدارقطني : ووهم في ذلك ؛ إنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم ، كما ذكر الضحاك . ورواه صالح بن كيسان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال أبو زرعة وأبو حاتم : هو خطأ ؛ إنما هو ما قاله ابن أبي ذئب وابن عجلان . ولا ريب أن الذين قالوا فيه : عن أبي هريرة جماعة حفاظ ، لكن الوهم يسبق كثيرا إلى هذا الإسناد ؛ فإن رواية سعيد المقبري ، عن أبي هريرة - أو عن أبيه ، عن أبي هريرة سلسلة معروفة ، تسبق إليها الألسن ، بخلاف رواية سعيد ، عن أبيه ، عن ابن وديعة ، عن سلمان ؛ فإنها سلسلة غريبة ، لا يقولها إلا حافظ لها متقن . ورجح ابن المديني قول من رواه ، عن سلمان ، [بأن حديثه ] ، فإنه قد رواه النخعي ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فقوله : لا يغتسل رجل يوم الجمعة يؤخذ منه اختصاص الغسل بالرجال ، كما هو قول أحمد ، ويأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وقوله : ويتطهر ما استطاع من طهر ، الظاهر : أنه أراد به المبالغة في التنظف ، وإزالة الوسخ ، وربما دخل فيه تقليم الأظفار ، وإزالة الشعر من قص الشعر وحلق العانة ونتف الإبط ؛ فإن ذلك كله طهارة . ويدل عليه : ما خرجه البزار من حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الطهارات أربع : قص الشارب ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والسواك . وفي إسناده : معاوية بن يحيى ، قال البزار : ليس بالقوي ، وقد حدث عنه أهل العلم ، واحتملوا حديثه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة . فقال رجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى ، أفأضحي بها ؟ قال : لا ، ولكن تأخذ من شعرك ، وتقلم أظفارك ، وتقص شاربك ، وتحلق عانتك ، فذلك من تمام أضحيتك عند الله عز وجل . وهذا يشعر باستحباب هذه الطهارات في الأعياد كلها ، وأنها من تمام النسك المشروع فيها ، والجمعة من جملة الأعياد ، وهي عيد الأسبوع ، كما أن عيد الفطر والأضحى عيد العام . وقوله : ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ظاهره : التخيير بين الأمرين ، إما الادهان ، أو التطيب ، وأن أحدهما كاف . وقوله : من طيب بيته يشير إلى أنه ليس عليه أن يطلب ما لا يجده ، بل يجتزئ بما وجده في بيته . والادهان : هو دهن شعر الرأس واللحية مع تسريحه ، وهو الترجل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله . وفي صحيح مسلم ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شمط مقدم رأسه ولحيته فكان إذا ادهن لم يتبين ، وإذا شعث رأسه تبين ، وكان كثير شعر الرأس واللحية صلى الله عليه وسلم . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل الطيب في شعره . وقد خرج البخاري في كتابه هذا من حديث ربيعة ، قال : رأيت شعرا من شعره - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - أحمر ، فسألت عنه ، فقيل لي : احمرَّ من الطيب . وخرج البزار في مسنده من حديث ابن عقيل ، عن أنس ، أن عمر بن عبد العزيز سأله عن خضاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له : إني رأيت شعرا من شعره قد لون ؟ فقال : إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : ثم يخرج يشير إلى أنه يفعل ذلك كله في بيته قبل خروجه ، ثم بعد ذلك يخرج إلى المسجد . وقوله : فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام يأتي الكلام على هذه الثلاثة فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وقوله : إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . المراد بذلك : الصغائر ؛ بدليل ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر . وفي حديث عمارة بن عمرو بن حزم ، عن سلمان : وزيادة ثلاثة أيام . وخرج مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل ، ثم أتى الجمعة ، فصلى ما قدر له ، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ، فصلى معه ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام . وخرجه أبو داود من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، وجعل ذكر الثلاثة من قول أبي هريرة ، قال : وكان أبو هريرة يقول : وثلاثة أيام زيادة ؛ إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها .
قال : 922 - وقال محمود : نا أبو أسامة ، نا هشام بن عروة : أخبرتني فاطمة ابنة المنذر ، عن أسماء ابنة أبي بكر ، قالت : دخلت على عائشة والناس يصلون . فذكرت حديث الكسوف ، وفيه : قالت : ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تجلت الشمس ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد - وذكر بقية الحديث . هكذا ذكره هنا تعليقا ، عن محمود - وهو : ابن غيلان - عن أبي أسامة . وذكر بعضه في الكسوف تعليقا - أيضا - عن أبي أسامة . وأسند الحديث في كتاب : العلم من حديث وهيب . وفي الكسوف وغيره من حديث مالك - كلاهما - عن هشام ، وليس في حديثهما ذكر : أما بعد . وخرج مسلم الحديث بهذه اللفظة من طريق ابن نمير وأبي أسامة - كلاهما - عن هشام ، به .
وقال : 924 - نا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني عروة ، أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ليلة من جوف الليل ، فصلى في المسجد ، فصلى رجال بصلاته . فذكره ، وفيه : فلما قضى الفجر أقبل على الناس ، فتشهد ، ثم قال : أما بعد ، إنه لم يخف علي مكانكم ، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها . تابعه : يونس . يعني : عن الزهري ، في لفظه : أما بعد ، وهو من رواية ابن وهب ، عن يونس . ورواه مالك ، عن الزهري ، لم يذكر فيه هذه اللفظة . وخرج البخاري حديثه في موضع آخر .
29 - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد رواه عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حديث عكرمة ، عن ابن عباس قد أسنده في آخر الباب ، فلا أدري لأي معنى علقه في أوله ؟ وقد ذكر أبو نعيم في مستخرجه هذا في الباب الذي قبله .
ثم قال : 925 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عروة ، عن أبي حميد الساعدي ، أنه أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عشية بعد الصلاة ، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد . تابعه : أبو معاوية وأبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أبي حميد الساعدي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما بعد . وتابعه : العدني ، عن سفيان . هذا قطعة من حديث بعث ابن اللتبية على الصدقة ، وقد خرجه في مواضع تأتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وخرجه في الأحكام بتمامه من طريق عبدة ، عن هشام ، وفيه : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإني أستعمل رجالا منكم - وذكر الحديث . وقد ذكر أن هذه اللفظة ذكرها في الحديث : أبو معاوية وأبو أسامة . وقد خرجه في الزكاة من طريق أبي أسامة ، فاختصره ولم يتمه . وخرجه مسلم من طريق أبي أسامة بتمامه ، وفيه أما بعد . وخرجه مسلم - أيضا - من رواية أبي معاوية ، ولم يسق لفظ حديثه بتمامه . وكذلك خرجه عن العدني ، عن سفيان ، ولم يسقه بلفظه .
ثم قال : 926 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني علي بن الحسين ، عن المسور بن مخرمة ، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعته حين تشهد يقول : أما بعد . تابعه : الزبيدي ، عن الزهري . والحديث مختصر من قصة خطبة علي لابنة أبي جهل ، وقيام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا ، فذكر فضل فاطمة عليها السلام . وقد خرجه بتمامه في مناقب فاطمة . وذكره لمتابعة الزبيدي ، لأن جماعة من أصحاب الزهري رووا الحديث ، فلم يذكروا فيه : لفظة : أما بعد . وللمسور حديث آخر في المعنى ، في قصة قدوم هوازن وإسلامهم ، ورد سبيهم عليهم : خرجه البخاري في الهبة من رواية الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخرمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه وفد هوازن قام في الناس ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإن أخوانكم جاءونا تائبين - الحديث .
ثم قال البخاري : 923 - نا محمد بن معمر ، نا أبو عاصم ، عن جرير بن حازم ، قال : سمعت الحسن ، نا عمرو بن تغلب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بمال - أو سبي - فقسمه ، فأعطى رجالا وترك رجلا ، فبلغه أن الذين ترك عتبوا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فوالله ، إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذين أعطي . وذكر الحديث . سماع الحسن من عمرو بن تغلب مختلف فيه ، فأثبته أبو حاتم والبخاري ، ونفاه علي بن المديني شيخ البخاري . وكذلك يحيى بن معين - فيما نقله عنه جعفر بن محمد بن أبان الحراني - قال : لم يسمع منه ، ولم يرو حديثه إلا جرير بن حازم ، وليس بشيء . واختلف عن أحمد : فنقل عنه ابنه صالح ، قال : سمع الحسن من عمرو بن تغلب أحاديث . ونقل عنه ابنه عبد الله ، قال : كانت سجية في جرير بن حازم : نا الحسن ، نا عمرو بن تغلب ، وأبو الأشهب يقول : عن الحسن ، قال : بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو بن تغلب . يريد : أن قول جرير بن حازم : نا الحسن ، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له ، لا يرجع فيها إلى تحقيق . وقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقية بن الوليد ، أنهم يروون عنه ، عن شيوخه ، ويصرحون بتحديثه عنهم ، من غير سماع له منهم . وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة : إنه كان يقول : ثنا فلان بحديث ، ثم يدخل بينه وبينه رجلا أخر ، كان ذلك سجية منه . ذكره العقيلي في كتابه . وكذا ذكر الإسماعيلي : أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم : ثنا من غير صحة السماع ، منهم : يحيى بن أيوب المصري .
ثم قال : 927 - ثنا إسماعيل بن أبان - هو : الوراق نا ابن الغسيل - واسمه : عبد الرحمن بن سليمان نا عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر - وكان آخر مجلس جلسه - متعطفا ملحفة على منكبه ، قد عصب رأسه بعصابة دسمة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إلي ، فثابوا إليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس ، فمن ولي شيئا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فاستطاع أن يضر فيه أحدا أو ينفع فيه أحدا ، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم . وفي الباب أحاديث أخر . وقد خرج البخاري في المغازي حديث عائشة في قصة الإفك بطولها ، وفيه : فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا - الحديث . وخرجه في موضع آخر ، وليس فيه : أما بعد . وخرج مسلم في صحيحه من حديث جرير البجلي ، قال : كنت جالسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه قوم مجتابي النمار ، فصلى الظهر ، ثم صعد منبرا صغيرا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ؛ فإن الله أنزل في كتابه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وذكر الحديث في الحث على الصدقة . وخرجه من طريق أخرى ، ليس فيها لفظة : أما بعد . وخرج - أيضا - من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن ضمادا قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، إني أرقي من هذه الريح ، وإن الله يشفي على يدي من يشاء ، فهل لك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحمد لله نستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد . فدلت هذه الأحاديث كلها على أن الخطب كلها ، سواء كانت للجمعة أو لغيرها ، وسواء كانت على المنبر أو على الأرض ، وسواء كانت من جلوس أو قيام ، فإنها تبتدأ بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله ، ثم يذكر بعد ذلك ما يحتاج إلى ذكره من موعظة أو ذكر حاجة يحتاج إلى ذكرها ، ويفصل بين الحمد والثناء ، وبين ما بعده بقوله : أما بعد . وقد قيل : إن هذه الكلمة فصل الخطاب الذي أوتيه داود - عليه السلام - وقد سبق ذكر ذلك في أول الكلام في الكلام على حديث كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل : أما بعد ؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام . والمعنى في الفصل بأما بعد : الإشعار بأن الأمور كلها وإن جلت وعظمت فهي تابعة لحمد الله والثناء عليه ، فذاك هو المقصود بالإضافة ، وجميع المهمات تبع له من أمور الدين والدنيا . ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع ، وفي رواية : أجذم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة . وقد روي مرسلا . فالحمد لله متقدم على جميع الكلام ، والكلام كله متأخر عنه وتبع له . ولا يستثنى مما ذكرناه من الخطب إلا خطبة العيد ، فقد قيل : إنها تستفتح بالتكبير . وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه استفتح خطبتي العيدين بالحمد ، ثم كبر بعد الحمد ، وهو الأظهر . وكذا قيل في خطبة الاستسقاء . ومن الناس من قال : تستفتح بالحمد - أيضا . وقد ذكر بعض أئمة الشافعية : أن الخطب كلها تستفتح بالحمد بغير خلاف ، وإنما التكبير في العيد يكون قبل الخطبة ، وليس منها ، وأن ذلك نص الشافعي . وكذا ذكر طائفة من أصحابنا : أن ظاهر كلام أحمد أنه يكبر إذا جلس على المنبر قبل الخطبة ، وأنه ليس من الخطبة ، فإذا قام استفتح الخطبة بالحمد . وذكروا قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل الخطبة تسعا ، وبعدها سبعا . فأما خطبة الجمعة ، فلا خلاف أنها تستفتح بالحمد . وخرج مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش ، يقول : صبحكم ومساكم ، ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين أصبعيه : السبابة والوسطى ، ويقول : أما بعد ؛ فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، ثم يقول : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي . وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد : كانت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ، يحمد الله ويثني عليه ، ثم يقول على إثر ذلك ، وقد علا صوته ، ثم ساق الحديث بمثله . وفي رواية له - أيضا - : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول : من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وخير الحديث كتاب الله ، ثم ساق الحديث بمثل الرواية الأولى . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بهذه الخطبة لكل من له حاجة ، أن يبدأ بها قبل ذكر حاجته ، كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعود ، قال : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة الحاجة : إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا إلى قوله : فَوْزًا عَظِيمًا وهذا لفظ أبي داود . وفي رواية له : الحمد لله ، بغير إن ، وهي رواية الأكثرين . وفي رواية له : في خطبة الحاجة في النكاح وغيره . وعند ابن ماجه : الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا - وذكر الحديث ، وفيه : زيادة : وحده لا شريك له . وحسن الترمذي هذا الحديث ، وصححه جماعة ، منهم : ابن خراش وغيره . وخرج النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : فإن شئت أن تصل خطبتك بآي من القرآن - فذكر الآيات الثلاث ، ثم قال : أما بعد ، ثم يتكلم بحاجته . وخرجه أبو داود من وجه آخر ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا تشهد قال : الحمد لله - فذكره كما تقدم ، زاد فيه - بعد قوله : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - : أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا . وروى أبو مالك الأشجعي ، عن نبيط بن شريط ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب عند الجمرة فقال : الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أوصيكم بتقوى الله - وذكر الحديث . وخرج أبو داود في مراسيله من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، أنه سأله عن تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ؟ فقال ابن شهاب : إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله فقد غوى ، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ، ويطيع رسوله ، ويتبع رضوانه ، ويجتنب سخطه ؛ فإنما نحن به وله . وخرجه في السنن مختصرا . وخرجه في المراسيل - أيضا - من رواية عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : كان صدر خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره - فذكره بمثله . ومن رواية يونس ، عن ابن شهاب ، قال : بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول إذا خطب : كل ما هو آت قريب ، لا بعد لما هو آت ، لا يعجل الله فيعجله أحد ، ولا يخف لأمر الناس ، ما شاء الله لا ما شاء الناس ، يريد الناس أمرا ، ويريد الله أمرا ، ما شاء الله كان ، ولو كره الناس ، ولا مبعد لما قرب الله ، ولا مقرب لما بعد الله ، لا يكون شيء إلا بإذن الله عز وجل . ومن طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنه قال : كان أكثر ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . وفي خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث أخر مرسلة ، يطول ذكرها . فظهر بهذا : أن خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تشتمل على حمد الله والثناء عليه بما هو أهله ، وعلى الشهادة لله بالتوحيد ، ولمحمد بالرسالة . وقد خرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء . ورجاله ثقات . وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعظ الناس ويذكرهم بالله وبوحدانيته ، وتفرده بالربوبية والمشيئة ، ويحثهم على تقواه وطاعته . وكان - غالبا - يفصل بين التحميد وتوابعه من الشهادتين ، وما بعد ذلك من الوعظ والأمر والنهي بقوله : أما بعد . وكان - أيضا - يتلو من القرآن في خطبته . وفي الصحيحين ، عن يعلى بن أمية ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المنبر : وَنَادَوْا يَا مَالِكُ وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ كل جمعة على المنبر ، إذا خطب الناس : ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ . وفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له خطبتان ، يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ، ويذكر الناس . وخرجه النسائي ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، ثم يجلس ، ثم يقوم ، ويقرأ آيات ، ويذكر الله . وترجم عليه : القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها . وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : ثم يقوم فيقرأ آيات . فإن كان ذلك محفوظا فهو صريح فيما بوب عليه النسائي . وظاهر كلام الخرقي من أصحابنا يدل على مثله - أيضا . وفي القراءة في الخطبة أحاديث كثيرة . وروى ابن لهيعة : حدثني أبو صخر - وهو : حميد بن زياد - عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدع قراءة سورة الأعراف في كل جمعة . خرجه ابن عدي . فإن كان هذا محفوظا فلعله كان يواظب على ذلك ؛ لما فيها من قوله : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فيكون مقصوده : الأمر بالاستماع والإنصات للخطبة والموعظة . وقد قال الإمام أحمد : أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة ، وفي الخطبة . وكان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بالإنصات ؛ ولهذا اعتاد الناس في هذه الأزمان أن يذكروا قبل الخطبة بين يدي الخطيب بصوت عال يسمع الناس حديث أبي هريرة في الأمر بالإنصات ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وكان مع ذلك مقتصدا في خطبته ولا يطيلها ، بل كانت صلاته قصدا وخطبته قصدا . خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة . وخرج - أيضا - من حديث عمار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ؛ فإن من البيان سحرا . ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي على نفسه في الخطبة ، بل كان يشهد لنفسه بالعبودية والرسالة ؛ ولكن روي عنه الأمر بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة وليلة الجمعة ، وأن الصلاة عليه معروضة عليه . وقد روي في حديث مرسل ، رواه ابن إسحاق ، عن المغيرة بن عثمان بن محمد بن الأخنس ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أول خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، أن قام فيهم ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ، ليصعقن أحدكم ، ثم ليدعن غنمه ، ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه - ليس له ترجمان ، ولا حاجب يحجبه دونه - : ألم يأتك رسولي ، فيبلغك ، وآتيتك مالا ، وأفضلت ، فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا ، فلا يرى شيئا ، ثم ينظر قدامه ، فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يفعل فبكلمة طيبة ؟ فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته . فالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسن متأكد الاستحباب ، لكن لا يظهر أنه تبطل الخطبة بتركه ، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة . وأما القراءة ، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة ، وهو المشهور عن أحمد . وحكي عنه رواية ، أنها مستحبة غير واجبة . وأكثر أصحابنا على إيجاب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من قال : الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية . وفي وجوب ذلك كله - في كل واحدة من الخطبتين - نظر ، والأشهر عند أصحابنا وجوبه . وظاهر كلام الخرقي : أن الموعظة تكون في الخطبة الثانية . ولأصحابنا وجه في القراءة ، أنها تجب في إحدى الخطبتين . والمنصوص عن أحمد : ما نقله عنه محمد بن الحكم ، وقد سأله عن الرجل يخطب يوم الجمعة ، فيكبر ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحمد الله ، تكون خطبة ؟ وقلت له : إن أصحاب ابن مسعود يقولون : إذا كبر ، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحمد الله ، تكون خطبة ؟ قال : لا تكون خطبة ، إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو خطبة تامة . وهذا يدل على أنه لا بد مع ذلك من موعظة . وقد صرح به في رواية حنبل ، فقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب وعظ فأنذر وحذر الناس . فهذا تفسير قوله : لا تكون خطبة إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم ومذهب الشافعي وأصحابه : لا يصح
39 - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها 937 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين . وقد خرجه في أبواب صلاة التطوع من طرق أخرى عن نافع ، ومن طريق سالم ، عن أبيه ، والمعنى متقارب . وقد دل هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد شيئا ، وأنه كان ينصرف إلى بيته ، فيصلي ركعتين . فتضمن ذلك : استحباب شيئين : أحدهما : صلاة ركعتين بعد الجمعة . والثاني : أن تكون في البيت . وقد كان ابن عمر يفعله بالمدينة ، يرجع إلى بيته فيصلي ركعتين ، وكان ينهى عن صلاتهما في المسجد ، ويقول لمن يفعله : صلى الجمعة أربعا ، وكان إذا كان بمكة يتقدم من موضع صلاته ، فيصلي ركعتين ، ثم ينتقل عنه فيصلي أربعا . وفي صحيح مسلم عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا . وفي رواية له : قال سهيل : فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت . وقد وقع في غير مسلم هذا الكلام عن سهيل من قوله . وقد اختلف العلماء في الجمع بين حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة . فقالت طائفة : هو مخير بين أن يصلي ركعتين وأربعا ، عملا بكل واحد من الحديثين ، وهو قول أحمد - في رواية عنه . وظاهره : أنه لا فضل لأحدهما على الآخر . وروي عنه ، أنه قال : يصلي ركعتين ولا يعيب على من صلى أربعا ؛ لحديث أبي هريرة . وظاهره : أن الأفضل الأخذ بحديث ابن عمر ؛ لأنه أثبت إسنادا . وقالت طائفة : يجمع بينهما ، فيصلي ستا ، نقله إبراهيم الحربي ، عن أحمد ، وقال : يجمع بينهما على وجه ، بين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله . ونقل عنه ابن هانئ ، قال : يصلي ستا ؛ لأمر علي بن أبي طالب بذلك . وهذا مأخذ آخر . وقالت طائفة : يجمع بينهما على وجه آخر ، فإن صلى في المسجد صلى أربعا ، وإن صلى في بيته صلى ركعتين ، وهو قول إسحاق ، واستدل - أيضا - بقول عمر وابن مسعود . ولا يصلي ركعتين بعد مكتوبة مثلها . قال : فإذا صلى في المسجد ركعتين ، فقد صلى بعد المكتوبة مثلها ، فيصلي أربعا ، وأما إذا صلى في بيته ركعتين ؛ فإن المشي إلى بيته فاصل بين المكتوبة وغيرها . وقالت طائفة : يجمع بينهما على وجه آخر ، وهو أن الإمام يصلي في بيته ركعتين ، والمأموم يصلي أربعا في المسجد ، وهذا قول أبي خيثمة زهير بن حرب وأبي إسحاق الجوزجاني . وتبويب النسائي يدل عليه أيضا . وكان علي بن أبي طالب يأمر بصلاة ست ركعات بعد الجمعة . وكان ابن مسعود يأمر بأربع . قال عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي : علمنا عبد الله بن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعا ، ثم جاء علي بن أبي طالب ، فعلمنا أن نصلي ستا . وكان عمران بن حصين يصلي بعد الجمعة أربعا . وروي عن علي من وجه آخر منقطع . وعن أبي موسى الأشعري ، أنه كان يصلي ستا . وكان الحسن يصلي ركعتين ، ومسروق يصلي ركعتين ، ثم أربعا . ونص الشافعي في الأم ، أنه يصلي بعد الجمعة أربعا . وحكى الترمذي ، عنه ، أنه يصلي ركعتين . وقد تقدم عن ابن عمر ، أنه كان يصلي في بيته ركعتين ، وفي المسجد ستا : ركعتين ، ثم أربعا ، يفصل بينهما . وقال ابن عيينة : يصلي ركعتين ، يسلم فيهما ، ثم يصلي أربعا ، لا يسلم إلا في آخرهن . وقال أحمد - في رواية عنه - : إن شاء صلى أربعا ، وإن شاء صلى ستا . ولا يكره ترك الصلاة بعد الجمعة أحيانا ، نص عليه أحمد ، واستدل بأن عمران بن حصين تركها مرة ، حيث كان يصلي أربعا بعد صلاة الجمعة خلف زياد ، فقيل عنه : إنه لا يعتد بصلاته خلف زياد ، فأنكر ذلك ، ثم صلى الجمعة الثانية ، ولم يصل شيئا حتى صلى العصر . وأما مكان الصلاة بعد الجمعة ، فالأفضل أن يكون في البيت لمن له بيت يرجع إليه ، كما كان ابن عمر يفعله ويأمر به . فإن صلى في المسجد ، فهل يكره ، أم لا ؟ ذهب الأكثرون إلى أنه لا يكره ، ولكن يؤمر بالفصل بينها وبين صلاة الجمعة . وقد سبق حديث السائب بن يزيد ، عن معاوية في ذلك . وقال عكرمة : إذا صليت الجمعة ، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحول أو كلام . وقال قتادة : رأى ابن عمر رجلا يصلي في مقامه الذي صلى فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : ألا أراك تصلي في مقامك ؟ قال : نعم . قال قتادة : فذكرت ذلك لابن المسيب ، فقال : إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة . ومذهب مالك : أنه يكره للإمام أن يصلي بعد الجمعة في المسجد ، ولا يكره للمأموم إذا انتقل من موضع مصلاه ، وقد روي عن ابن عمر . قال عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج ، أخبرني عطاء ، أن عمرو بن سعيد صلى الجمعة ، ثم ركع على إثرها ركعتين في المسجد ، فنهاه ابن عمر عن ذلك ، وقال : أما الإمام فلا ، إذا صليت فانقلب فصل في بيتك ما بدا لك ، إلا أن تطوف ، وأما الناس ، فإنهم يصلون في المسجد . وفي صلاة الإمام في الجامع بعد الجمعة حديث ، من رواية عاصم بن سويد ، عن محمد بن موسى بن الحارث ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء ، فقال : لو أنكم إذا جئتم عيدكم هذا صليتم حتى تسمعوا من قولي . قالوا : نعم ، بأبينا أنت يا رسول الله وأمهاتنا . قال : فلما حضروا الجمعة صلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة ، ثم صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد ، ولم ير يصلي بعد الجمعة في المسجد ، وكان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم . خرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم . وقال : صحيح الإسناد . وقال بعض المتأخرين : محمد بن موسى بن الحارث لا يعرف . وخرجه البزار في مسنده ، وعنده : عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه ، عن جابر . فإن كان ذلك محفوظا ، فهو موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، وهو منكر الحديث جدا . وخرج النسائي من رواية شعبة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، يطيل فيهما ، ويقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله . وذكر إطالة الركعتين بعد الجمعة غريب . وقد روى غير واحد ، عن أيوب في هذا الحديث : أن الإطالة إنما كانت في الصلاة قبل الجمعة ، كما سنذكره . وقد بوب البخاري على الصلاة بعد الجمعة وقبلها ، كما بوب عليه عبد الرزاق والترمذي في كتابيهما ، إلا أنهما ذكرا في الصلاة قبلها آثارا موقوفة غير مرفوعة ، ولم يذكر البخاري فيها شيئا ، إما لأن المرفوع فيها ليس على شرطه ، وفيها أحاديث مرفوعة في أسانيدها نظر ، أو لأن الذي فيها كله موقوف ، فلم يذكره لذلك . أو لأنه اجتزأ عنه بحديث سلمان الذي خرجه فيما تقدم في موضعين ؛ فإن فيه : وصلى ما كتب له ، ثم أنصت إذا تكلم الإمام ؛ فإن هذا يدل على فضل الصلاة قبل الجمعة ، لا سيما وفيه - في إحدى الروايتين للبخاري - : ثم راح ، والرواح حقيقة لا يكون حقيقة إلا بعد الزوال ، كما سبق ذكره . فعلى هذا ، يكون ترغيبا في الصلاة بعد زوال الشمس يوم الجمعة من غير تقدير للصلاة ، فيكون أقل ذلك ركعتين ، والزيادة عليهما بحسب التيسير . وإن قيل : إن الرواح هنا بمعنى الذهاب ، فإنه يدل على استحباب الصلاة يوم الجمعة قبل خروج الإمام من غير تفضيل بين ما قبل زوال الشمس وبعده . وروى ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ، ويصلي بعدها ركعتين في بيته ، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك . خرجه أبو داود . وخرجه الإمام أحمد من طريق وهيب ، عن أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة ، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام ، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته ، فصلى ركعتين ، وقال : هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل . وظاهر هذا : يدل على رفع جميع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاته قبل الجمعة وبعدها في بيته ؛ فإن اسم الإشارة يتناول كل ما قبله مما قرب وبعد ، صرح به غير واحد من الفقهاء والأصوليين . وهذا فيما وضع للإشارة إلى البعيد أظهر ، مثل لفظة : ذلك ؛ فإن تخصيص القريب بها دون البعيد يخالف وضعها لغة . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة . وعن ابن جريج أنه قال لعطاء : بلغني أنك تركع قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة ، فما بلغك في ذلك ؟ فذكر له حديث أم حبيبة المرفوع : من ركع ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة - سوى المكتوبة - بنى الله له بيتا في الجنة . وقد تقدم عن ابن مسعود ، أنه كان يأمر أن يصلي قبل الجمعة أربعا . وروى الطحاوي بإسناده عن جبلة بن سحيم قال : كان ابن عمر يصلي قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينهن بسلام ، وبعد الجمعة ركعتين ثم أربعا . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده ، عن صفية بنت حيي أم المؤمنين ، أنها صلت الجمعة مع الإمام ، فصلت قبل خروجه أربعا . وقال النخعي : كانوا يحبون أن يصلوا قبل الجمعة أربعا . خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العيدين بإسناد صحيح . وقد روى ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق الأعمش ، عن النخعي ، قال : ما قلت لكم : كانوا يستحبون ، فهو الذي أجمعوا عليه . وممن ذهب إلى استحباب أربع ركعات قبل الجمعة : حبيب بن أبي ثابت والنخعي والثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وروى حرب بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه كان يصلي يوم الجمعة في بيته أربع ركعات ، ثم يأتي المسجد فلا يصلي قبلها ولا بعدها . وهذا يدل على أن سنة الجمعة عند ابن عباس قبلها لا بعدها . واعلم ؛ أن التطوع بالصلاة يوم الجمعة قبل الجمعة له أربعة أوقات : أحدها : ما قبل طلوع الشمس لمن بكر إلى الجمعة حينئذ ، فهذا الوقت وقت نهي عن التطوع فيه بما لا سبب له ، وما له سبب كتحية المسجد فيه اختلاف ، سبق ذكره في ذكر أوقات النهي . إلا من يقول : إن يوم الجمعة كله صلاة ليس فيه وقت ينهى عن الصلاة فيه بالكلية ، كما هو ظاهر كلام طاوس ؛ فإنه قال : يوم الجمعة كله صلاة . وقد قيل : إنه إنما أراد به وقت استواء الشمس خاصة . والثاني : ما بين ارتفاع الشمس واستوائها ، فيستحب التطوع فيه بما أمكن ، وخصوصا لمن بكر إلى الجمعة . والثالث : وقت استواء الشمس وقيامها في وسط السماء . وقد اختلفوا : هل هو وقت نهي عن الصلاة في يوم الجمعة ، أم لا ؟ فمنهم من قال : هو وقت نهي ، كأبي حنيفة وأحمد . ومنهم من قال : ليس بوقت نهي ، وهو مذهب مكحول والأوزاعي والشافعي . ومن أصحابه من خصه بمن حضر الجمعة دون من هو في بيته . ومنهم من خصه بمن بكر إلى الجمعة ، وغلبه النعاس . ومنهم من قال : هو وقت نهي يوم الجمعة في الصيف دون الشتاء ، وهو قول عطاء وقتادة . ومنهم من لم يره وقت نهي في جميع الأيام ، كمالك . وقد سبق الكلام عليه في ذكر أوقات النهي . والرابع : بعد زوال الشمس ، وقبل خروج الإمام ، فهذا الوقت يستحب الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماء سلفا وخلفا ، ولم يقل أحد من المسلمين : إنه يكره الصلاة يوم الجمعة ، بل القول بذلك خرق لإجماع المسلمين ، إنما اختلفوا في وقت قيام الشمس ، كما سبق . قال مالك : لا أكره الصلاة نصف النهار في جمعة ولا غيرها . وقد روى في الموطأ حديثا مرفوعا في النهي عنه ، ثم تركه ؛ لأنه رأى عمل العلماء وأهل الفضل على خلافه . فأما الصلاة بعد زوال الشمس ، فلم يزل عمل المسلمين على فعله . وقد ذكر مالك في الموطأ عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر ويجلس على المنبر ، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون ، فإذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا ولم يتكلم أحد . وهذا تصريح باستمرارهم في الصلاة إلى ما بعد زوال الشمس ، وهو مما يستدل به على الصلاة وقت استواء الشمس وقيامها يوم الجمعة . وقد وردت آثار آخر ، تدل على أنهم كانوا يتركون الصلاة وقت قيام الشمس يوم الجمعة ، فإذا زالت قاموا إلى الصلاة . وروى الأثرم بإسناده ، عن عمرو بن سعيد بن العاص ، قال : كنت أبقى - يعني : أنتظر - أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا . وبإسناده ، عن أبي بكر بن عياش ، قال : كنا نكون مع حبيب بن أبي ثابت في الجمعة ، فيقول : أزالت الشمس بعد ، ويلتفت فينتظر ، فإذا زالت الشمس ، قام فصلى الأربع قبل الجمعة . وبإسناده ، عن حماد بن زيد ، قال : كنت أمر بابن عون يوم الجمعة ، فنمضي إلى الجمعة ، فيقول لي : الشمس عندكم أبين منها عندنا ، فنرى الشمس زالت . قال حماد : كأنه يكره الصلاة حتى تزول الشمس . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله للإمام أحمد : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول ، فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن ، فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا ، يفصل بينها بالسلام . وقال - أيضا - : رأيت أبا عبد الله إذا أذن المؤذن يوم الجمعة صلى ركعتين ، وربما صلى أربعا على خفة الأذان وطوله . ومما يدل على استحباب الصلاة في هذا الوقت يوم الجمعة : أنه وقت يرجى فيه ساعة الإجابة ، فالمصلي فيه يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يوافقها عبد قائم يصلي ، يسأل الله شيئا ، إلا أعطاه . وقد اختلف في الصلاة قبل الجمعة : هل هي من السنن الرواتب كسنة الظهر قبلها ، أم هي مستحبة مرغب فيها كالصلاة قبل العصر ؟ وأكثر العلماء على أنها سنة راتبة ، منهم : الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وهو ظاهر كلام أحمد ، وقد ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب وابن عقيل ، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي . وقال كثير من متأخري أصحابنا : ليست سنة راتبة ، بل مستحبة . وقد زعم بعضهم : أن حديث ابن عمر المخرج في هذا الباب يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا ؛ لأنه ذكر صلاته بعد الجمعة ، وذكر صلاته قبل الظهر وبعدها ، فدل على الفرق بينهما . وهذا ليس بشيء ؛ فإن ابن عمر قد روي عنه ما يدل على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الجمعة ، كما سبق ، ولعله إنما ذكر الركعتين بعد الجمعة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما في بيته ، بخلاف الركعتين قبل الظهر وبعدها ؛ فإنه كان أحيانا يصليها في المسجد ، فبهذا يظهر الفرق بينهما . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عمل عملا داوم عليه ، ولم يكن ينقصه يوم الجمعة ولا غيرها ، بل كان الناس يتوهمون أنه كان يزيد في صلاته يوم الجمعة بخصوصه ، فكانت عائشة تسأل عن ذلك ، فتقول : لا ، بل كان عمله ديمة . وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين أو أربعا . وفي صحيح ابن حبان عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج صلى ركعتين . ورويناه من وجه آخر عن عائشة ، قالت : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عندي قط إلا صلى ركعتين . وقد كان من هدي المسلمين صلاة ركعتين عند خروجهم من بيوتهم ، من الصحابة ومن بعدهم ، وخصوصا يوم الجمعة ، وممن كان يفعله يوم الجمعة ابن عباس وطاوس وأبو مجلز ، ورغب فيه الزهري . وقال الأوزاعي : كان ذلك من هدي المسلمين . وقد سبق في باب : الصلاة إذا دخل المسجد والإمام يخطب ما يدل على ذلك - أيضا . وحينئذ ؛ فلا يستنكر أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في بيته ركعتين قبل خروجه إلى الجمعة . فإن قيل : فهو كان يخرج إلى الجمعة عقب الزوال من غير فصل ؛ بدليل ما سبق من الأحاديث من صلاته الجمعة إذا زالت الشمس . قيل : هذه دعوى باطلة ، لا برهان عليها ، ولو كانت حقا لكانت خطبته دائما أو غالبا قبل الزوال ، إذا كانت صلاته عقب زوال الشمس من غير فصل ، ولم يقل ذلك أحد . وأيضا ، فقد روي أنه كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس ، كما تقدم في المواقيت ولم يقل أحد : إنه يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي قبل الظهر شيئا . وقد كتبت في هذه المسألة جزءا مفردا ، سميته : نفي البدعة عن الصلاة قبل الجمعة ثم اعترض عليه بعض الفقهاء المشار إليه في زماننا ، فأجبت عما اعترض به في جزء آخر ، سميته : إزالة الشنعة عن الصلاة قبل الجمعة ، فمن أحب الزيادة على ما ذكرناه هاهنا ، فليقف عليهما - إن شاء الله تعالى .
7 - باب يلبس أحسن ما يجد 886 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا رسول الله لو اشتريت هذه ، فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة - وذكر بقيه حديث . وقد خرجه بتمامه في اللباس وغيره . والمقصود منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على ما ذكره من التجمل بحسن اللباس للجمعة ، والظاهر : أن ذلك كان عادته صلى الله عليه وسلم ؛ فلهذا قال له عمر ما قال ، وإنما امتنع من هذه الحلة لأنها كانت حريرا خالصا أو أكثرها حرير وقد قيل : إن السيراء نوع من البرود ، يخالطه حرير ، سمي سيراء لتخطيط فيه ، والثوب المسير الذي فيه سير ، أي : طرائق . وقال الخطابي : الحلة السيراء هي المضلعة بالحرير ، وسميت سيراء لما فيها من الخطوط التي تشبه السيور . وفي حديث عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة فأحسن الغسل ، ثم لبس من صالح ثيابه - وذكر بقيه الحديث . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وقد سبق ذكره . وخرج أبو داود معناه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج - أيضا - من حديث يوسف بن سلام أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته . وفي رواية له : عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه ابن ماجه وعنده : يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه - أيضا - من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد ضعيف . وخرج البيهقي من رواية حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة . كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج . ورواه هشيم ، عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين . خرجه ابن سعد في طبقاته . وكذا خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن جعفر ، عن أبيه - مرسلا . وهذا المرسل أشبه . وخرج الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء . وهذا الإسناد غير محفوظ . وخرج الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان ، عن أبي بكر بن المنكدر ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حق على كل محتلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيب مس منه . كذا رواه فليح ، إنما رواه أبو بكر بن المنكدر ، عن عمرو بن سيلم ، عن أبي سعيد . وقد خرجه البخاري فيما تقدم بغير هذا اللفظ . ولا خلاف بين العلماء - فيما نعلمه - في استحباب لبس أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد . وروى وكيع في كتابه ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : أدركت أشياخ الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم الجمعة اغتسلوا ، ولبسوا أحسن ثيابهم ، وتطيبوا بأطيب طيبهم ، ثم راحوا إلى الجمعة .
23 - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء 914 - ثنا ابن مقاتل ، أنا عبد الله ، أنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان ، وهو جالس على المنبر ، أذن المؤذن ، فقال : الله أكبر الله أكبر . قال معاوية : الله أكبر الله أكبر , فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال معاوية : وأنا قال : أشهد أن محمدا رسول الله . قال معاوية : وأنا ، فلما قضى التأذين قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالي . المقصود من هذا الحديث في هذا الباب : أن الإمام يجيب المؤذن على المنبر إذا أذن بين يديه ، كما يجيبه غيره من السامعين ، وليس في ذلك خلاف ؛ فإن الإمام من جملة السامعين للمؤذن ، فيدخل في عموم قوله : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول . وقد سبق في الأذان الكلام على إجابة المؤذن مستوفى . وفي حديث معاوية : دليل على أن من سمع مخبرا يخبر عن نفسه بشيء ، فقال هو - مجيبا له - : وأنا ، أنه يصير مقرا بمثل ما أقر به . وعلى هذا : فلو سمع الكافر مؤذنا يؤذن ، فقال - مجيبا له - : وأنا ، فهل يصير مسلما ؟ وقد قال أحمد في ذمي مر بمؤذن ، يؤذن ، فقال له : كذبت : إنه يقتل . وكذا لو سمع رجل رجلا قال لامرأته : أنت طالق ، أو قال : امرأتي طالق ، فقال : وأنا ، ونوى الطلاق ، فهل تطلق امرأته ؟ وقد حكى القاضي أبو يعلى في تعليقه فيما إذا قال رجل لرجل : يا زان ، فقال له : لا ، بل أنت ، فهل يحد الثاني ، لكونه قاذفا ، أم لا ؟ على وجهين .
26 - باب الخطبة على المنبر وقال أنس : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر . حديث أنس هذا : الظاهر أنه يريد به حديثه في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستسقاء يوم الجمعة على المنبر ، وسيأتي في مواضع أخر من الكتاب - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 917 - نا قتيبة ، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري الإسكندراني ، نا أبو حازم بن دينار ، أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي ، وقد امتروا في المنبر : مم عوده ؟ فسألوه عن ذلك ، فقال : إني والله لأعرف مما هو ، ولقد رأيته أول يوم وضع ، وأول يوم جلس عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - : مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته ، فعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها ، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فوضعت هاهنا ، ثم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها ، وكبر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ثم عاد ، فلما فرغ أقبل على الناس ، فقال : يا أيها الناس ، إنما صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي . قد خرجه فيما تقدم من حديث ابن عيينة عن أبي حازم ، وهذا السياق أتم . وفي رواية ابن عيينة : من أثل الغابة ، و الأثل و الطرفاء : يشبه بعضه بعضا . و الغابة : خارج المدينة مشهورة . وخرجه البخاري - أيضا - مختصرا في أبواب المساجد ، في باب : الاستعانة بالصناع والنجار في عمل المسجد والمنبر من حديث عبد العزيز بن أبي حازم ، وذكرنا الاختلاف في رسم الذي عمل المنبر . وخرجه مسلم من حديث عبد العزيز بتمامه ، وفي حديثه : أن المنبر كان ثلاث درجات . وقد روي هذا الحديث عن سهل من وجه آخر ، وفيه : حنين الخشبة . خرجه ابن سعد في طبقاته ، ثنا أبو بكر بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال ، عن سعد بن سعيد بن قيس ، عن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين - قال : أراه كانت من دومة كانت في مصلاه - فكان يتكئ عليها ، فقال له أصحابه : يا رسول الله ، إن الناس قد كثروا ، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت نراك ؟ فقال : ما شئتم . قال سهل : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخانقين ، فقطعنا هذا المنبر من أثله . قال : فقام عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فحنت الخشبة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة ؟ فأقبل الناس وفرقوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتاها ، فوضع يده عليها ، فسكنت ، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفنت تحت منبره - أو جعلت في السقف . ورواه أبو إسماعيل الترمذي ، عن أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، به . وهذا إسناد جيد ، ورجاله كلهم يخرج لهم البخاري ، إلا سعد بن سعيد بن قيس - وهو : أخو يحيى بن سعيد - ؛ فإن البخاري استشهد به ، وخرج له مسلم ، وتكلم بعضهم في حفظه .
الحديث الثالث : 919 - نا آدم ، نا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : من جاء إلى الجمعة فليغتسل . والمقصود من هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على المنبر ، ويعلم الناس دينهم عليه . ولو جمعت الأحاديث التي فيها ذكر خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وكلامه عليه لكانت كثيرة جدا ، وكذلك أحاديث اتخاذ المنبر كثيرة أيضا . وقد خرج منها البخاري في دلائل النبوة من حديث ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إلى الجذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح يده عليه . خرجه عن محمد بن المثنى ، نا يحيى بن كثير أبو غسان ، نا أبو حفص - واسمه : عمر بن العلاء ، أخو أبي عمرو بن العلاء - قال : سمعت نافعا ، عن ابن عمر - فذكره . ثم قال : وقال عبد الحميد : أنا عثمان بن عمر ، أنا معاذ بن العلاء ، عن نافع ، عن ابن عمر - بهذا . ورواه أبو عاصم ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم انتهى . وعبد الحميد هذا ، قيل : إنه عبد بن حميد . وقد خرجه الترمذي ، عن أبي حفص الفلاس ، عن عثمان بن عمر ويحيى بن كثير - كلاهما - عن معاذ بن العلاء ، عن نافع . وخرجه البيهقي من رواية عباس الدوري ، عن عثمان بن عمر ، عن معاذ . وكذا رواه غير واحد ، عن عثمان بن عمر . وخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي عبيدة الحداد ، عن معاذ بن العلاء - أيضا . وكذا رواه وكيع ويحيى بن سعيد ومعتمر بن سليمان ، عن معاذ بن العلاء . وليس لأبي حفص عمر بن العلاء ذكر في غير رواية البخاري المسندة ، وقد قيل إنها وهم من محمد بن المثنى . ولكن خرجه أبو أحمد الحاكم من رواية عبد الله بن رجاء الغداني ، عن أبي حفص بن العلاء - أيضا . وقد رواه يحيى بن سعيد ومعتمر بن سليمان ، عن معاذ بن العلاء ، وكنياه : أبا غسان . قال أبو أحمد الحاكم : والله أعلم ، أهما أخوان : أحدهما يسمى : عمر ، والآخر : معاذا ، وحدثا بحديث واحد ؟ أو أحدهما محفوظ ، والآخر غير محفوظ ؟ وذكر : أن معاذ بن العلاء أخا أبي عمرو مشهور ، وأن أبا حفص لا يعرفه إلا في هاتين الروايتين . قال : والله أعلم بصحة ذلك . انتهى . والصحيح في هذا الحديث : معاذ بن العلاء ، قاله أحمد والدارقطني وغيرهما . وأما رواية أبي عاصم ، عن ابن أبي رواد التي علقها الْبُخَارِيُّ ، فخرجها أبو داود ، ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بدن ، قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله ، يجمع عظامك ، أو يحمل عظامك ؟ قال : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين . ولم يزد على هذا . وخرجه البيهقي ، وزاد : فاتخذ له مرقاتين - أو ثلاثة - فجلس عليها . قال : فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحن جذع في المسجد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب يستند إليه ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحتضنه ، فقال شيئا لا أدري ما هو ؟ ثم صعد المنبر ، وكانت أساطين المسجد جذوعا ، وسقائفه جرائد . وعنده - في أوله - : لما أسن وثقل . ورواه عامر بن مدرك ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن تميم الداري - بنحوه ، وفي حديثه : فصنع له منبرا مرقاتين ، والثالثة مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، فإذا عي قعد فاستراح ، ثم قام فخطب - وذكر الحديث . ورواية أبي عاصم أصح . ومن أغرب سياقات أحاديث اتخاذ المنبر : ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جذع ، إذ كان المسجد عريشا ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع ، فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ، هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم ؟ قال : نعم ، فصنع له ثلاث درجات التي على المنبر - ثم ذكر حنينه إليه وسكونه بمسحه بيده - ثم قال : وكان إذا صلى صلى إليه ، فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب ، فكان عنده حتى بلي وأكلته الأرضة ، وعاد رفاتا . خرجه الإمام أحمد . وفي رواية له : أن القائل : فلما هدم المسجد - إلى آخره ، هو الطفيل بن أبي بن كعب . وخرجه ابن ماجه - بمعناه . وخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند ، وعنده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إن تشأ غرستك في الجنة فيأكل منك الصالحون ، وإن تشأ أعيدك كما كنت حطبا فاختار الآخرة على الدنيا ، فلما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى أبي ، فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة . وقد خرجه الطبراني بنحو هذه الزيادة ، بإسناد ضعيف ، عن عائشة ، وفيه : أن المنبر كان أربع مراق . وفي آخره : أن الجذع غار فذهب . وفي مسند البزار ، بإسناد لا يصح ، عن [ ] معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أتخذ المنبر ، فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم . وقد أنكره أبو حاتم الرازي وغيره . وقد قال بعض السلف : إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من خطب على المنابر . والصحيح : أن المنبر كان ثلاث مراق ، ولم يزل على ذلك في عهد خلفائه الراشدين ، ثم زاد فيه معاوية . وقد عد طائفة من العلماء : تطويل المنابر من البدع المحدثة ، منهم : ابن بطة من أصحابنا وغيره . وقد روي في حديث مرفوع : أن ذلك من أشراط الساعة ، ولا يثبت إسناده . وكره بعض الشافعية المنبر الكبير جدا ، إذا كان يضيق به المسجد .
الحديث الثاني : 918 - نا سعيد بن أبي مريم ، أنا محمد بن جعفر بن أبي كثير : أخبرني يحيى بن سعيد : أخبرني ابن أنس : سمع جابر بن عبد الله قال : كان جذع يقوم إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار ، حتى نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليه . قال سليمان ، عن يحيى : أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس : سمع جابر بن عبد الله . رواية سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، قد أسندها البخاري في أعلام النبوة . والمقصود من ذكرها هاهنا : أن فيها تسمية ابن أنس الذي أبهم في رواية محمد بن جعفر ، وأنه حفص بن عبيد الله بن أنس . والظاهر : أن البخاري أبهمه في رواية محمد بن جعفر ، لأن محمد بن جعفر سماه : عبيد الله بن حفص بن أنس ، ووهم في ذلك - : قاله الدارقطني . وقد خرجه الإسماعيلي من طريق سعيد بن أبي مريم ، عن محمد بن جعفر ، عن حفص بن عبيد الله بن أنس على الصواب . وخرجه من طريق يعقوب بن محمد ، نا عبد الله بن يعقوب بن إسحاق ، ثنا يحيى بن سعيد ، حدثني عبيد الله بن حفص بن أنس . قال يعقوب : وإنما هو : حفص بن عبيد الله ، ولكن هكذا ثنا . وفي رواية البخاري : التصريح بسماع حفص لهذا الحديث من جابر ، وهذا يرد ما قاله أبو حاتم الرازي : إنه لا يدري : هل سمع من جابر ، أم لا ؟ قال : ولا يثبت له السماع إلا من جده أنس . ورواه سليمان بن كثير ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر ، ووهم في قوله : سعيد بن المسيب - : قاله أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني . و العشار : النوق الحوامل ، واحدتها : عشراء ، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ، فتسمى بذلك حتى تضع ، وبعد أن تضع . وقد خرج البخاري هذا الحديث في الأعلام من رواية عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر - بنحوه .
35 - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة 933 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، ثنا الوليد ، ثنا أبو عمرو ، حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : أصابت الناس سنة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال ، وجاع العيال ، فادع الله لنا ، فرفع يديه - وما نرى في السماء قزعة - فوالذي نفسي بيده ، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم ، فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى . وقام ذلك الأعرابي - أو قال : غيره - فقال : يا رسول الله ، تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله لنا ، فرفع يديه فقال : اللهم ، حوالينا ، ولا علينا . فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ، وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي - قناة - شهرا ، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود . باهرة من آيات النبوة ومعجزاتها . و الجوبة - بفتح الجيم - : الفجوة بين البيوت ، والفجوة متسع في الأرض - وغيرها - فارغ . وقال الخطابي : المراد بالجوبة : الترس . قال : وفي حديث آخر : فبقيت المدينة كالترس ، والمراد : أنها بقيت في استدارتها غير ممطورة . ورواه بعضهم : الجونة - بالنون - وهو تصحيف . والمراد : أن السحاب انكشط عن المدينة وبقي على ما حولها . وهذا يدل على أن القائم إليه في الجمعة الثانية كان من أهل المدينة ، وأنه شكا ضررهم ؛ ولذلك لم يدع برفع المطر عن غيرهم . و قناة : اسم واد بالمدينة ، تجري عند السيول و الجود - بفتح الجيم - : المطر العظيم .
22 - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة 913 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ، حين كثر أهل المدينة ، ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - غير مؤذن واحد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام - يعني : على المنبر . قوله : ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد - يعني : في الجمعة ؛ فإن في غير الجمعة كان له مؤذنان ، كما سبق في الأذان . وقد قيل : إنه يحتمل أن يكون مراد السائب : أنه لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا تأذين واحد ، فعبر بالمؤذن عن الأذان - : ذكره الإسماعيلي . وهذا يرده قوله : فزاد عثمان النداء الثالث ، فإنه يدل على أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان - يعني : الأذان والإقامة - والمؤذن الواحد في الجمعة . وقد تقدم في رواية النسائي لحديث السائب بن يزيد ، ويفهم من حديث ابن عمر - أيضا . وخرج ابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده - وهو : سعد القرظ - أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الفيء مثل الشراك . وهذا إسناد ضعيف ، ضعفه ابن معين وغيره . وإنما كان سعد يؤذن بقباء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن بقباء جمعة . وقد حكى ابن عبد البر اختلافا بين العلماء في الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام : هل يكون من مؤذن واحد ، أو مؤذنين ؟ فذكر من رواية ابن عبد الحكم ، عن مالك ، أنه قال : إذا جلس الإمام على المنبر ، ونادى المنادي منع الناس من البيع . قال : وهذا يدل على أن النداء عنده واحد بين يدي الإمام . وفي المدونة من قول ابن القاسم ، وروايته عن مالك : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع . فذكر المؤذنين بلفظ الجماعة . قال : ويشهد لهذا حديث مالك ، عن ابن شهاب ، عن ثعلبة بن أبي مالك ، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ، فإذا خرج وجلس على المنبر وأخذ المؤذنون . هكذا بلفظ الجماعة . قال : ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة ، إذا كان ذلك مترادفا ، لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها . وذكر من كلام الشافعي ، أنه قال : إذا قعد الإمام أخذ المؤذنون في الأذان . ومن كلام الطحاوي في مختصره : حكاية قول أبي حنيفة وأصحابه : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأذن المؤذنون بين يديه - بلفظ الجمع . ووقع في كلام الخرقي من أصحابنا : وأخذ المؤذنون في الأذان - بلفظ الجمع . وقال مكحول : إن النداء كان في الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام ، ثم تقام الصلاة ، فأمر عثمان أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس . خرجه ابن أبي حاتم . قال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة إذا أذن على المنارة عدة ؟ قال : لا بأس بذلك ، قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله ، فأذن أبو محذورة . وظاهر هذا : أنه لو أذن على المنارة مؤذن بعد مؤذن جاز ، وهذا قبل خروج الإمام . وقال القاضي أبو يعلى : يستحب أن يكون المؤذن للجمعة واحدا ، فإن أذن أكثر من واحد جاز ، ولم يكره . ومراده : إذا أذنوا دفعة واحدة بين يدي الإمام ، أو أذنوا قبل خروجه تترى ، فأما إن أذنوا بعد جلوسه على المنبر ، مرة بعد مرة ، فلا شك في كراهته ، وأنه لم يعلم وقوعها في الإسلام قط . وكذا قال كثير من أصحاب الشافعي : إنه يستحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر ، ويستحب أن يكون المؤذن واحدا ؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بلال . ونقل المحاملي هذا الكلام عن الشافعي ، والذي نقله البويطي عن الشافعي يخالف ذلك ؛ فإنه نقل عنه ، أنه قال : النداء للجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر ، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ، ليسمع الناس فيؤوبون إلى المسجد . وهذا تصريح بأنهم يكونون جماعة ، وأنهم يؤذنون على المنارة لإسماع الناس ، لا بين يدي المنبر في المسجد . وقد خرج البخاري في صحيحه هذا في باب : رجم الحبلى ، من حديث ابن عباس ، قال : جلس عمر على المنبر يوم الجمعة ، فلما سكت المؤذنون قام ، فأثنى على الله - وذكر الحديث . وروي عن المغيرة بن شعبة ، أنه كان له في الجمعة مؤذن واحد . وخرج الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد ، يكتبون من جاء ، فإذا أذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ، ودخلوا المسجد يستمعون الذكر . وهذا لفظ غريب . وروى عبد الرزاق بإسناده ، عن موسى بن طلحة ، قال : رأيت عثمان بن عفان جالسا على المنبر في يوم الجمعة ، والمؤذنون يؤذنون يوم الجمعة ، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم . ويحتمل أن يكون مراد من قال : المؤذن - بلفظ الإفراد - : الجنس ، لا الواحد ، فلا يبقى فيه دلالة على كونه واحدا .
41- باب القائلة بعد الجمعة 940 - حدثني محمد بن عقبة الشيباني الكوفي ، نا أبو إسحاق الفزاري ، عن حميد ، عن أنس ، قال : كنا نبكر إلى الجمعة ، ثم نقيل . 941 - حدثني سعيد بن أبي مريم ، نا أبو غسان ، حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة ، ثم تكون القائلة . هذا من أوضح دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة من أول النهار ، فيمنعهم التبكير من القائلة في وقتها ، فلا يتمكنون منها إلا بعد الصلاة ، ولو كانوا يأتون الجمعة بعد الزوال لم يمتنعوا من القائلة بإتيان الجمعة . وقد تعلق بذلك من يقول : إن الجمعة كانت تقام قبل زوال الشمس ؛ لأنها لا تسمى قائلة إلا قبل الزوال ، وكذا الغداء . وقد مضى في الباب الذي قبله ، عن سهل بن سعد ، قال : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . وربما أشار الإمام أحمد إلى ذلك . وأما الجمهور ، فقالوا : سمي نومهم وأكلهم بعد الزوال في الجمعة قائلة و غداء باعتبار أنه قضاء لما يعتادونه في غير الجمعة من النوم والأكل قبل الزوال ، فلما أخروه يوم الجمعة إلى بعد ذلك سمي ذلك باعتبار محله الأصلي الذي أخر عنه . ويشبهه : تسمية السحور غداء ؛ لأنه يقوم مقام الغداء ، وإن تقدم عليه في وقته . ويدل - أيضا - نومهم وغداؤهم بعد الجمعة على أنهم لم يكونوا كلهم ينتظرون صلاة العصر في المسجد بعد الجمعة ؛ فإنهم إن واصلوا الجلوس لانتظار العصر من غير نوم ولا أكل شق عليهم ، وحصل لهم ضرر ، ويوم الجمعة يوم عيد ، فينهى عن إفراده بالصيام ، وإن تأخروا لأجل انتظار العصر في المجيء إلى الجمعة فاتهم التبكير إليها ، وهو أفضل من انتظار العصر ، فكان المحافظة على التبكير إلى الجمعة مع الانصراف عقيب صلاتها أولى . وكان الإمام أحمد يبكر إلى الجمعة ، وينصرف أول الناس ، ذكره الخلال في الجامع . والله سبحانه وتعالى أعلم .
21 - باب الأذان يوم الجمعة 912 - حدثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وَعُمَرَ ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء . قال أبو عبد الله : الزوراء : موضع بالسوق بالمدينة . الأذان يوم الجمعة قد ذكره الله تعالى في كتابه ، في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه ، وإن قيل : إن الأذان سنة ، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى من أصحابنا ، وقاله طائفة من الشافعية - أيضا . وقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر ، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء . ولهذا قال أكثرهم : إنه هو الأذان الذي يمنع البيع ، ويوجب السعي إلى الجمعة ، حيث لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواه . وما ذكره ابن عبد البر عن طائفة من أصحابهم ، أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك ، فقد بين ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله ، لعدم معرفته بالسنة والآثار . فإن قال هذا الجاهل : إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة ، فقد باهت ، ويكذبه قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام ، فقد أبطل ، ويكذبه هذا الحديث واجتماع العلماء على ذلك . وقوله في هذه الرواية : أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، معناه : أن هذا الأذان كان هو الأول ، ثم تليه الإقامة ، وتسمى : أذانا ، كما في الحديث المشهور : بين كل أذانين صلاة . وخرجه النسائي من رواية المعتمر ، عن أبيه ، عن الزهري ، ولفظه : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة ، فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول ، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني . وقد خرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب ، قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد ، وأبي بكر وعمر . ففي هذه الرواية زيادة : أن هذا الأذان لم يكن في نفس المسجد ، بل على بابه ، بحيث يسمعه من كان في المسجد ومن كان خارج المسجد ، ليترك أهل الأسواق البيع ويسرعوا إلى السعي إلى المسجد . وقوله : فلما كان عثمان - يريد : لما ولي عثمان - وكثر الناس في زمنه زاد النداء الثالث على الزوراء ، وسماه : ثالثا ؛ لأن به صارت النداءات للجمعة ثلاثة ، وإن كان هو أولها وقوعا . وخرجه ابن ماجه ، وعنده - بعد قوله : على دار في السوق ، يقال لها : الزوراء - : فإذا خرج أذن ، وإذا نزل أقام . وهو من رواية : ابن إسحاق ، عن الزهري . وروى الزهري ، عن ابن المسيب : معنى حديثه عن السائب بن يزيد ، غير أنه قال : فلما كان عثمان كثر الناس ، فزاد الأذان الأول ، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة . خرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عنه . وقد رواه إسماعيل بن يحيى التميمي - وهو ضعيف جدا - عن مسعر ، عن القاسم ، عن ابن المسيب ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : ما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا قدام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ، فإذا نزل أقاموا الصلاة ، فلما ولي عثمان أمر أن يؤذن على المنارة ليسمع الناس . خرجه الإسماعيلي في مسند مسعر ، وقال في القاسم : هو مجهول . قلت : والصحيح : المرسل . وقد أنكر عطاء الأذان الأول ، وقال : إنما زاده الحجاج ، قال : وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء . خرجه عبد الرزاق . وقال عمرو بن دينار : إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة ، وأما مكة فأول من زاده الحجاج ، قال : ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة . خرجه عبد الرزاق - أيضا . وروى مصعب بن سلام ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد على المنبر أذن بلال ، فإذا فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطبته أقام الصلاة ، والأذان الأول بدعة . وروى وكيع في كتابه ، عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعا عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقال : قال ابن عمر : بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وإن رآه الناس حسنا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم يكن في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أذانان : أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين تقام الصلاة . قال : وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعد . خرجه ابن أبي حاتم . وقال سفيان الثوري : لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس ، وإذا أذن المؤذن قام الإمام على المنبر فخطب ، وإذا نزل أقام الصلاة ، قال : والأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذان وإقامة ، وهذا الأذان الذي زادوه محدث . وقال الشافعي - فيما حكاه ابن عبد البر - : أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه ، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان ، فإذا فرغ قام فخطب ، قال : وكان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني ، وقال : إنما أحدثه معاوية . قال الشافعي : وأيهما كان ، فالأذان الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع . ولأصحابه في أذان الجمعة - على قولهم : الأذان سنة - وجهان : أحدهما : أنه سنة - أيضا . والثاني : أنه للجمعة خاصة فرض كفاية . فعلى هذا : هل تسقط الكفاية بالأذان الأول ، أو لا تسقط إلا بالأذان بين يدي الإمام ؟ على وجهين - أيضا . ومن أصحابنا من قال : يسقط الفرض بالأذان الأول ، وفيه نظر . والله أعلم . وقال القاضي أبو يعلى : المستحب أن لا يؤذن إلا أذان واحد ، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر ، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز ، ولم يكره . ثم ذكر حديث السائب بن يزيد هذا . ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : أن الأذان الأول للجمعة محدث ، أحدثه عثمان ، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ، ليعلم الأبعدين ذلك ، فصار سنة ، لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس . وهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام ، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله ، وإلا فلا حاجة إليه .
9 – باب من تسوك بسواك غيره 890 - حدثنا إسماعيل ، حدثني سليمان بن بلال : قال هشام بن عروة : أخبرني أبي ، عن عائشة ، قالت : دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به ، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن ، فأعطانيه ، فقصمته ، ثم مضغته ، فأعطيته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستن به ، وهو مستند إلى صدري . يروى : فقصمته بفتح الصاد المهملة ، أي : كسرته ، فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن ، والقصامة : ما يكسر من رأس السواك . هذا هو الذي ذكره الخطابي ، وقال : أصل القصم : الدق . ويروى : فقضمته ، بكسر الضاد المعجمة ، من القضم ، وهو العض بالأسنان ، ومنه : الحديث : فيقضمها كما يقضم الفحل . [ ] الاستياك بسواك غيره في باب : دفع السواك إلى الأكبر من كتاب الطهارة فأغنى عن إعادته هاهنا . وفي الحديث : دليل على أن الاستياك سنة في جميع الأوقات ، عند إرادة الصلاة وغيرها ، فإن استياك النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا السواك كان في مرض موته عند خروج نفسه ، ولم يكن قاصدا حينئذ لصلاة ولا تلاوة . وقد قيل : إنه قصد بذلك التسوك عند خروج نفسه الْكَرِيمَةِ ؛ لأجل حضور الملائكة الكرام ، ودنوهم منه لقبض روحه الزكية الطاهرة الطيبة . وقد أمر سلمان الفارسي - رضي الله عنه - امرأته عند احتضاره أن تطيب موضعه بالمسك ؛ لحضور الملائكة فيه ، وقال : أنه يزورني أقوام ، يجدون الريح ، ولا يأكلون الطعام - أو كما قال .
28 - باب يستقبل الإمام القوم واستقبال الناس الإمام إذا خطب واستقبل ابن عمر وأنس الإمام . 921 - حدثنا معاذ بن فضالة ، نا هشام ، عن يحيى ، عن هلال بن أبي ميمونة ، نا عطاء بن يسار : سمع أبا سعيد الخدري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر ، وجلسنا حوله . هذا أول حديث طويل ، ذكر فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ، وضرب مثل الدنيا بنبات الربيع . وهو حديث عظيم ، قد خرجاه بتمامه في الصحيحين من حديث هشام الدستوائي . وهذا لم يكن في خطبة الجمعة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجلس في خطبة الجمعة . وأما ما ذكره عن ابن عمر وأنس . فمن طريق ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام ، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله . ومن طريق ابن المبارك ، قال : قال أبو الجويرية : رأيت أنس بن مالك إذا أخذ الإمام يوم الجمعة في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ الإمام من الخطبة . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : هو السنة . وقال الزهري : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ في خطبة استقبلوه بوجوههم . خرجها البيهقي . وخرج الأثرم من حديث الضحاك بن عثمان ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يتهيأ للإمام قبل أن يخرج ، يجلس له ، ويتوجه قبل المنبر . وروى وكيع ، عن العمري ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يستقبل الإمام يوم الجمعة إذا خطب . وفي الباب أحاديث مرفوعة متصلة ، لا تصح أسانيدها - : قاله الترمذي ، وقد ذكرتها بعللها في شرح الترمذي . وذكر الترمذي : أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم : يستحبون استقبال الإمام إذا خطب ، قال : وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال ابن المنذر : هو كالإجماع . وروي عن الشعبي ، قال : هو السنة . وقد تقدم مثله عن يحيى بن سعيد ، وكذا قال مالك . وقال ابن عبد البر : لا أعلمهم يختلفون فيه . وقال عمر بن عبد العزيز : كل واعظ قبلة . يعني : أنه يستقبل كما تستقبل القبلة . وقد روي عن بعض التابعين : أنه يستقبل القبلة حال الخطبة ، وهو محمول على أنهم كانوا يفعلونه مع أمير ظالم يسب السلف ، ويقول ما لا يجوز استماعه ، وكانوا قد ابتلوا بذلك في زمن بني أمية . والأكثرون على أنهم إنما يستقبلونه في حال الخطبة ، وهو قول أحمد . وقال إسحاق : يستقبلونه إذا خرج ، وهو قول أبي بكر بن جعفر من أصحابنا . وقال الأوزاعي : يغض بصره ، ويلقي السمع ، فإن نظر إلى الإمام فلا حرج . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول - وذكر يوم الجمعة - : إذا جلس الرجل مجلسا يستمكن فيه من الاستماع والنظر ، فأنصت ولم يلغ ، كان له كفلان من الأجر . وفي إسناده من ليس بمشهور . وخرج ابن سعد بأسانيد له متعددة حديثا طويلا ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب استقبله الناس بوجوههم ، وأصغوا بأسماعهم ، ورمقوه بأبصارهم . وهذا لا يصح . والله أعلم . أما استقبال الإمام أهل المسجد واستدباره القبلة فمجمع عليه - أيضا - والنصوص تدل عليه - أيضا - فإنه يخاطبهم ليفهموا عنه - أيضا . وذلك كله سنة ، فلو خالفها الإمام فقد خالف السنة ، وصحت جمعته . ولأصحاب الشافعي وجه ضعيف : أنها لا تصح . والله أعلم .
10 - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة 891 - حدثنا أبو نعيم ومحمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن - هو : ابن هرمز - عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة ( الم تنزيل ) السجدة ، و( هل أتى على الإنسان ) . هذا الحديث خرجه البخاري هاهنا ، وفي سجود القرآن . في أحدهما : خرجه عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان - هو : الثوري . وفي الآخر : عن أبي نعيم ، عن سفيان . وفي رواية محمد بن يوسف زيادة : ذكر السجدة . ففي بعض النسخ في هذا الباب : رواية محمد بن يوسف ، وفي الآخر : رواية أبي نعيم ، وفي بعضها - في الموضعين : - عن محمد بن يوسف . والأول : أصح . والله أعلم . وقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه : أن البخاري خرجه في هذا الباب ، عن أبي نعيم . وقد رواه يحيى القطان ، عن سفيان ، فقال في حديثه : وفي الثانية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ . خرجه من طريقه الإسماعيلي في صحيحه . والظاهر : أن ذلك وهم منه . وقد روي هذا الحديث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جماعة من الصحابة ، ولم يخرجه البخاري إلا من هذا الوجه . وخرجه مسلم منه ، ومن حديث ابن عباس - أيضا . وقوله : كان يقرأ يدل على تكرر ذلك منه ، ومداومته عليه . وقد روي أنه كان يديم ذلك : خرجه الطبراني من طريق عمرو بن قيس الملائي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم تَنْـزِيلُ السجدة و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ يديم ذلك . ورواته كلهم ثقات ، إلا أنه روي عن أبي الأحوص مرسلا . وإرساله أصح عند البخاري وأبي حاتم والدارقطني . وقد خرجه ابن ماجه من وجه آخر ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، موصولا - أيضا - بدون ذكر المداومة . وقد اختلف العلماء في قراءة سورة معينة في صلاة معينة . فكرهه طائفة ، وحكي عن أبي حنيفة ومالك . ولم يكرهه الأكثرون ، بل استحبوا منه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم وممن استحب قراءة سورة ( الم ) سورة السجدة و هَلْ أَتَى في صلاة الفجر يوم الجمعة : الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث . وهذا هو المروي عن الصحابة ، منهم : علي وابن عباس وأبو هريرة . ثم اختلفوا : هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعة ؟ فقال بعضهم : لا يستحب ذلك ، بل يستحب فعله أحيانا ، وهو قول الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق . وعللا بأنه يخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه ، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة ، أو أنها ثلاث ركعات ، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرط في الجهل . وقال الأكثرون : بل يستحب المداومة عليه ، وهو قول الشافعي ، وسائر من سمينا قوله . وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد ؛ فإنه قال : سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة ؟ فقال : نراه حسنا ، أن تقرأ الم تَنْـزِيلُ السجدة ، و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ . ورجحه بعض أصحابنا ، وهو الأظهر . وكان السلف يداومون : قال الأعرج : كان مروان وأبو هريرة يقرآن في صلاة الصبح بـ الم تَنْـزِيلُ سورة السجدة و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ في كل جمعة صلاة الصبح . وقال الشعبي : ما شهدت ابن عباس قرأ يوم الجمعة إلا ( تنزيل ) و هَلْ أَتَى . خرجه ابن أبي شيبة . واعتقاد فرضية ذلك بعيد جدا ، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة ، واتباع عمل الصحابة . وكان كثير من السلف يرى أن السجدة مقصودة قراءتها في فجر يوم الجمعة : قال سعيد بن جبير : ما صليت خلف ابن عباس يوم الجمعة الغداة إلا قرأ سورة فيها سجدة . وعن ابن عوان ، قال : كانوا يقرءون يوم الجمعة سورة فيها سجدة ، قال : فسألت محمدا - يعني : ابن سيرين - فقال : لا أعلم به بأسا . وعن النخعي ، أنه صلى بهم يوم جمعة الفجر ، فقرأ بهم بـ كهيعص . خرج ذلك ابن أبي شيبة في كتابه . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : لا بأس أن يقرأ الإمام في المكتوبة سورة فيها سجدة ، وأحب السور إلينا الم تَنْـزِيلُ السجدة ، و هَلْ أَتَى ، ويقرأ بهما في الجمعة ، ولا بد منهما في كل جمعة ، وإن أدمنهما جاز . وهذا يدل على أنه يستحب قراءة فيها سجدة ، وأفضلها الم تَنْـزِيلُ . وروى أبو بكر بن أبي داود بإسناده ، عن ابن عباس ، قال : غدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة في صلاة الفجر ، فقرأ في الركعة الأخيرة سورة من المئين فيها سجدة ، فسجد فيها . وقد روي عن أحمد ما يشهد لهذا - أيضا - وأن السجدة مقصودة في صلاة الفجر يوم الجمعة ؛ فإن أبا جعفر الوراق روى أن أحمد صلى بهم الفجر يوم الجمعة ، فنسي قراءة آية السجدة ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو . قال القاضي أبو يعلى : إنما سجد للسهو ، لأن هذه السجدة من سنن الصلاة ، بخلاف بقية السجدات في الصلاة ؛ فإنها من سنن القراءة . وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية : أن تعمد قراءة سورة سجدة غير الم تَنْـزِيلُ في فجر يوم الجمعة بدعة ، وقد تبين أن الأمر بخلاف ذلك . وقد صلى الإمام أحمد صلاة الفجر يوم الجمعة ب ( الم ) السجدة ، وسورة ( عبس ) ، وهذا يدل - أيضا - على أن إبدال هَلْ أَتَى بغيرها غير مكروه . وفي هذه الصلاة نسي قراءة السجدة ، وسجد سجدتي السهو ، وهو يدل على أن من نسي أن يسجد في صلاته للتلاوة لم يعد السجود بعد فراغه من الصلاة ، وقد صرح به أصحابنا . قال القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير : ظاهره : أن من نسي سجود التلاوة سجد للسهو ، كما إذا نسي دعاء القنوت . قال : ولا يلزم على هذا بقية سجود التلاوة في غير صلاة ؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك ، ويحتمل أن يفرق بينهما ، بأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر ، وهو مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقراءتها . انتهى ما ذكره . والتحقيق في الفرق : ما ذكره في موضع آخر : أن السجدة في فجر يوم الجمعة من سنن الصلاة ، فهي كقنوت الوتر ، وفي غيرها من سنن القراءة التي لا تختص بالصلاة . وممن قال : إن من نسي السجود للتلاوة في صلاته سجد للسهو إذا قضى صلاته : حماد وابن جريج ، ذكره عبد الرزاق عنهما في كتابه ، ولم يفرق بين سجدة يوم الجمعة وغيرها ، ويحتمل أن مذهبهما وجوب سجود التلاوة ، فيجبره إذا نسيه بسجود السهو . ومذهب مالك : إن نسي سجودها في الركعة الأولى من النافلة حتى يرفع رأسه من ركوعه ، قال : فأحب إلي أن يقرأها في الثانية ، ويسجدها ، ولا يفعل ذلك في الفريضة ، وإن ذكرها وهو راكع في الثانية من النافلة تمادى ، ولا شيء عليه ، إلا أن يدخل في نافلة أخرى ، فإذا قام قرأها وسجد . ذكره في تهذيب المدونة ، ولم يذكر لذلك سجود سهو . وعند أصحاب الشافعي : إذا نسي سجود التلاوة حتى سلم ، فإن لم يطل الفصل سجد للتلاوة بعد سلامه ، وإن طال ففي قضاء السجود لهم قولان . وأما من أوجب السجود للتلاوة ، فقال سفيان فيمن قرأ سجدة ، فركع ناسيا ، فذكر في آخر صلاته : سجدها ، ثم ركع .
20 - باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه 911 - حدثنا محمد بن سلام ، ثنا مخلد ، أنا ابن جريج : سمعت نافعا يقول : سمعت ابن عمر يقول : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ، ثم يجلس فيه . قلت لنافع : الجمعة ؟ قال : الجمعة وغيرها . وقد خرجه البخاري في مواضع متعددة ، وفي بعضها زيادة : ولكن تفسحوا وتوسعوا . وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم . وروى ابن أبي حاتم بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : أنزلت هذه الآية - يعني : قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا - في يوم جمعة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ في الصفة ، وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه ، ثم سلموا على القوم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فلم يفسح لهم ، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار - من غير أهل بدر - : قم أنت يا فلان ، وأنت يا فلان ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكراهة في وجوههم ، وتكلم في ذلك المنافقون ، فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رحم الله رجلا فسح لأخيه ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا ، فيفسح القوم لإخوانهم ، ونزلت الآية يوم الجمعة . فظاهر هذا : يدل على أن إقامة الجالس نسخ بهذه الآية ، وانتهى الأمر إلى التفسح المذكور فيها . وقال قتادة : كان هذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حوله خاصة . يشير إلى إقامة الجالسين ليجلس غيرهم ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إكراما لأهل الفضائل والاستحقاق ، وغيره لا يؤمن عليه أن يفعله بالهوى . ويستثنى من ذلك : الصبي ، إذا كان في الصف ، وجاء رجل ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، كما فعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وقد ذهب إليه الثوري وأحمد ، وقد تقدم ذلك . فإن كان الذي في الصف رجلا ، وكان أعرابيا أو جاهلا ، لم يجز تأخيره من موضعه . قال أحمد : لا أرى ذلك . وفي سنن أبي داود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به . واستثنى بعض الشافعية - أيضا - ثلاث صور ، وهي : أن يقعد في موضع الإمام ، أو طريق الناس ، ويمنعهم الاجتياز ، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة . ويستثنى من ذلك : أن يكون المتأخر قد أرسل من يأخذ له موضعا في الصف ، فإذا جاء قام الجالس وجلس الباعث فيه . وقد ذكره الشافعي وأصحابنا وغيرهم . وروي عن ابن سيرين ، أنه كان يفعله . وأما إن قام أحد من الصف تبرعا وآثر الداخل بمكانه ، فهل يكره ذلك ، أم لا ؟ إن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره ، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهه الشافعية . وقال أحمد فيمن تأخر عن الصف الأول ، وقدم أباه فيه : هو يقدر أن يبر أباه بغير هذا . وظاهره : الكراهة ، وأنه يكره الإيثار بالقرب . وأما الموثر ، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي أوثر به ؟ فيه قولان مشهوران . أشهرهما : لا يكره ، وهو قول أصحابنا والشافعية وغيرهم . والثاني : يكره ، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك ، وكذلك أبو بكرة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ، قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام له رجل من مجلسه ، فذهب ليجلس فيه ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي بكر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه - أيضا . ولو بادر رجل وسبق الموثر إلى المكان ، فهل هو أحق به من الموثر ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم . وأما من فسح له في مجلس أو صف ، فلا يكره له الجلوس فيه . وفي مراسيل خالد بن معدان ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا جاء أحدكم إلى المجلس ، فوسع له ، فليجلس ؛ فإنها كرامة . خرجه حميد بن زنجويه . فإن كان في جلوسه تضييق على الناس ، أو لم يصل إلى المكان إلا بالتخطي ، فلا يفعل . وقد روي عن أبي سعيد الخدري ، أنه أوذن بجنازة في قومه ، فتخلف حتى جاء الناس وأخذوا المجالس ، ثم جاء بعد ، فلما رآه القوم توسعوا له ، فقال : لا ؛ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن خير المجالس أوسعها ، ثم تنحى فجلس في مجلس واسع . وخرج أبو داود منه المرفوع فقط . وروى الخرائطي - بإسناد فيه جهالة - عن أبي هريرة - مرفوعا - : لا توسع المجالس إلا لثلاثة : لذي علم لعلمه ، وذي سن لسنه ، وذي سلطان لسلطانه . ودخل خالد بن ثابت الفهمي المسجد يوم الجمعة ، وقد امتلأ من الشمس ، فرآه بعض من في الظل ، فأشار إليه ليوسع له ، فكره أن يتخطى الناس إلى ذلك الظل ، وتلا : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ثم جلس في الشمس . خرجه حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ .
الحديث الثاني : 893 - نا بشر بن محمد ، أنا عبد الله بن المبارك ، أنا يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم ، عن ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كلكم راع . وزاد الليث : قال يونس : كتب رزيق بن حكيم إلى ابن شهاب ، وأنا معه يومئذ بوادي القرى : هل ترى أن أجمع ؟ ورزيق عامل على أرض يعملها ، وفيها جماعة من السودان وغيرهم ، ورزيق يومئذ عامل على أيلة ، فكتب ابن شهاب - وأنا أسمع - يأمره أن يجمع ، يخبره أن سالما حدثه ، أن عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، الإمام راع ومسئول عن رعيته - وذكر بقية الحديث . والمقصود منه : أن الزهري استدل بهذا الحديث - في رواية الليث ، عن يونس ، عنه ، التي ذكرها البخاري تعليقا - على أن الأمير في البلدان والقرى - وإن لم يكن من الأمصار الجامعة - أن يقيم الجمعة لأهلها ، لأنه راع عليهم ، ومسئول عنهم ، ومما يجب عليه رعايته : أمر دين رعيته ، وأهمه الصلاة . وقال الخطابي : فيه دليل على جواز إقامة الجمعة بغير سلطان . وفيما قاله نظر ؛ وابن شهاب إنما استدل به على أن نائب السلطان يقيم الجمعة لأهل بلدته وقريته ، وإن لم يكن مصرا جامعا ، ولا يتم الاستدلال بذلك حتى يقوم دليل على جواز إقامة الجمعة في غير الأمصار الجامعة ، وإلا فإذا اعتقد الإمام أو نائبه أنه لا جمعة إلا في مصر جامع ، ولم يقم الجمعة في قريته وبلدته الصغيرة ؛ فإنه لا يلام على ذلك ، ولا يأثم أهل قريته وبلدته بترك الجمعة في هذه الحال . قال أحمد - في الإمام إذا لم يول عليهم من يصلي بهم الجمعة - : ليس عليهم في ذلك إثم . وروى حجاج بن أرطاة ، عن الزهري ، قال : كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ناس من أهل المياه ، بين مكة والمدينة ، أن يصلوا الفطر والأضحى ، وأن يجمعوا . خرجه حرب الْكَرْمَانِيُّ وغيره . وهو مرسل ضعيف ، وحجاج مدلس ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ .
11 - باب الجمعة في القرى والمدن فيه حديثان : أحدهما : قال : 892 - نا محمد بن المثنى ، نا أبو عامر العقدي ، نا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس ، قال : إن أول جمعة جمعت في الإسلام - بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين . قد ذكرنا هذا الحديث في أول كتاب الجمعة ، وذكرنا بعض الاختلاف في إسناده ومتنه ، وأن معناه : أنه لم يجمع في الإسلام بعد التجميع بالمدينة إلا في مسجد عبد القيس بالبحرين ، فكان أول بلد أقيمت الجمعة فيه المدينة ، ثم بعدها قرية جوثاء بالبحرين . وهذا يدل على أن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة ، وجمعوا في مسجدهم ، ثم فتحت مكة بعد ذلك ، وجمع فيها . والمقصود : أنهم جمعوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في قرية جواثاء ، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره لهم ؛ فإن وفد عبد القيس أسلموا طائعين ، وقدموا راغبين في الإسلام ، وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مهمات الدين ، وبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قواعد الإيمان وأصوله ، وقد سبق ذكر حديثهم في كتاب الإيمان . فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقرى ، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة المصر الجامع ، كما قاله طائفة من العلماء . وممن ذهب إلى جواز إقامة الجمعة في القرى : عمر بن عبد العزيز وعطاء ومكحول وعكرمة والأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق . وروى القناد ، عن سفيان نحوه . وكان ابن عمر يمر بالمياه بين مكة والمدينة ، فيرى أهلها يجمعون ، قلا يعيب عليهم . ذكره عبد الرزاق ، عن العمري ، عن نافع ، عنه . وروى ابن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : لا جمعة في سفر ، ولا جمعة إلا في مصر جامع . وهذا - مع الذي قبله - يدل على أنه أراد بالمصر القرى . وروى الأثرم بإسناده ، عن أبي ذر ، أنه كان يجمع بالربذة مع الناس . وقالت طائفة : لا جمعة إلا في مصر جامع ، روي ذلك عن علي ، وبه قال النخعي والثوري - في المشهور عنه - وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وقال الْحَسَنُ وابن سيرين : لا جمعة إلا في مصر . وقد روي عن عَلِيٍّ خلاف ذلك ، روى وكيع ، عن قيس بن الربيع ، عن طالب بن السميدع ، عن أبيه ، أن عليا جمع بالمدائن . وعن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، أن حذيفة جمع بالمدائن . وعن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، قال : كتبت إلى عُمَرَ بن الخطاب أسأله عن الجمعة بالبحرين ، فكتب إلي : أن اجمعوا حيثما كنتم . قال الإمام أحمد : هذا إسناد جيد . وروى وكيع بإسناده ، عن النخعي ، أنه جمع بحلوان . وهذا كله يدل على أن من قال : لا جمعة إلا في مصر جامع ، فإنه أراد بذلك القرى التي فيها وال من جهة الإمام ، فيكون مراده : أنه لا جمعة إلا بإذن الإمام في مكان له فيه نائب يقيم الجمعة بإذنه . وبذلك فسره أحمد في رواية عنه . وكذلك روي عن محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - تفسير المصر : أن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبا له لإقامة الحدود ، فهو مصر ، فلو عزله ألحق بالقرى . وروي نحوه عن أبي يوسف ، وعن أبي حنيفة - أيضا . قال أحمد : المصر إذا كان به الحاكم ، ولا يقال للقرى : مصر . وقال إسحاق : كل قرية فيها أربعون رجلا يقال لها : مصر . وهذا بعيد جدا . وعن سفيان روايتان في تفسير المصر : إحداهما : أنه كل مصر فيه جماعة وإمام . والثانية - نقلها عنه ابن المبارك - : أن المصر الجامع ما عرفه الناس أنه جامع . وقال عمرو بن دينار : سمعنا أن لا جمعة إلا في قرية جامعة . وعنه ، قال : إذا كان المسجد تجمع فيه الصلوات فلتصل فيه الجمعة . وقد تقدم حديث كعب بن مالك ، أن أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم من حرة بني بياضة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع أول ما قدم المدينة في مسجد بني سالم . وهذه كلها في حكم القرى خارج المدينة .
11 - كتاب الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم 11 كتاب الجمعة 1 - باب فرض الجمعة لقول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الآية . صلاة الجمعة فريضة من فرائض الأعيان على الرجال دون النساء ، بشرائط أخر ، هذا قول جمهور العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا كابن المنذر . وشذ من زعم أنها فرض كفاية من الشافعية ، وحكاه بعضهم قولا للشافعي ، وأنكر ذلك عامة أصحابه ، حتى قال طائفة منهم : لا تحل حكايته عنه . وحكاية الخطابي لذلك عن أكثر العلماء وهم منه ، ولعله اشتبه عليه الجمعة بالعيد . وحكي عن بعض المتقدمين : أن الجمعة سنة . وقد روى ابن وهب ، عن مالك ، أن الجمعة سنة . وحملها ابن عبد البر على أهل القرى المختلف في وجوب الجمعة عليهم خاصة ، دون أهل الأمصار . ونقل حنبل ، عن أحمد ، أنه قال : الصلاة - يعني : صلاة الجمعة - فريضة ، والسعي إليها تطوع ، سنة مؤكدة . وهذا إنما هو توقف عن إطلاق الفرض على إتيان الجمعة ، وأما الصلاة نفسها ، فقد صرح بأنها فريضة ، وهذا يدل على أن ما هو وسيلة إلى الفريضة ولا تتم إلا به لا يطلق عليه اسم الفريضة ؛ لأنه وإن كان مأمورا به فليس مقصودا لنفسه ، بل لغيره . وتأول القاضي أبو يعلى كلام أحمد بما لا يصح . وقد دل على فرضيتها : قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ والمراد بالسعي : شدة الاهتمام بإتيانها والمبادرة إليها . فهو من سعي القلوب ، لا من سعي الأبدان ، كذا قال الحسن وغيره ، وسيأتي بسط ذلك فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وفي صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ، أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك الجمعة تهاونا ثلاث مرات طبع على قلبه . وقال الترمذي : حديث حسن . وخرجه ابن حبان في صحيحه . وروي معناه من وجوه كثيرة : وفي صحيح مسلم ، عن ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هَمَّ أن يحرق على من يتخلف عن الجمعة بيوتهم ، وقد سبق ذكره . وخرج أبو داود بإسناد صحيح ، عن طارق بن شهاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة حق واجب في جماعة ، إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض . قال أبو داود : طارق بن شهاب رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه شيئا . قال البيهقي : وقد وصله بعضهم عن طارق ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس وصله بمحفوظ . وخرج النسائي من حديث حفصة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : رواح الجمعة واجب على كل محتلم . وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم ، فقال في خطبته : إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا ، في يومي هذا ، في شهري هذا ، من عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها في حياتي أو بعدي ، وله إمام عادل أو جائر ، استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا حج له ، ولا صوم له ، ولا بركة حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله عليه . وفي إسناده ضعف واضطراب واختلاف ، قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم في أبواب الإمامة . وفيه : دليل على أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة ؛ لأن جابرا إنما صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهد خطبته بالمدينة ، وهذا قول جمهور العلماء . ويدل عليه - أيضا - : أن سورة الجمعة مدنية ، وأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة بمكة قبل هجرته . ونص الإمام أحمد على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير . وكذا قال عطاء والأوزاعي وغيرهما . وزعم طائفة من الفقهاء : أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بمكة قبل أن يهاجر . واستدل لذلك : بما خرجه النسائي في كتاب الجمعة من حديث المعافى بن عمران ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : إن أول جمعة جمعت - بعد جمعة جمعت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة - بجواثاء بالبحرين - قرية لعبد القيس . وقد خرجه البخاري - كما سيأتي في موضعه - من طريق أبي عامر العقدي ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، أن أول جمعة جمعت - بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين . وكذا رواه وكيع ، عن إبراهيم بن طهمان ، ولفظه : إن أول جمعة جمعت في الإسلام - بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة - لجمعة جمعت بجواثاء - قرية من قرى البحرين . خرجه أبو داود . وكذا رواه ابن المبارك وغيره ، عن إبراهيم بن طهمان . فتبين بذلك : أن المعافى وهم في إسناد الحديث ومتنه ، والصواب : رواية الجماعة ، عن إبراهيم بن طهمان . ومعنى الحديث : أن أول مسجد جمع فيه - بعد مسجد المدينة - : مسجد جواثاء ، وليس معناه : أن الجمعة التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جمعت بالمدينة ، كما قد يفهم من بعض ألفاظ الروايات ؛ فإن عبد القيس إنما وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، كما ذكره ابن سعد ، عن عروة بن الزبير وغيره . وليس المراد به - أيضا - أن أول جمعة جمعت في الإسلام في مسجد المدينة ، فإن أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات ، قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وقبل أن يبني مسجده . يدل على ذلك : حديث كعب بن مالك ، أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زرارة ، فسأله ابنه عن ذلك ، فقال : كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة في نقيع الخضمات ، في هزم النبيت ، من حرة بني بياضة ، قيل له : كم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعين رجلا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه - مطولا . وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير له ، عن الأوزاعي ، عمن حدثه ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير القرشي إلى المدينة ، قبل أن يهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اجمع من بها من المسلمين ، ثم انظر اليوم الذي تجمر فيه اليهود لسبتها ، فإذا مال النهار عن شطره فقم فيهم ، ثم تزلفوا إلى الله بركعتين . قال : وقال الزهري : فجمع بهم مصعب بن عمير في دار من دور الأنصار ، فجمع بهم وهم بضعة عشر . قال الأوزاعي : وهو أول من جمع بالناس . وقد خرج الدارقطني - أظنه في أفراده - من رواية أحمد بن محمد بن غالب الباهلي ، نا محمد بن عبد الله أبو زيد المدني ، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن ، ثنا مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجمعة قبل أن يهاجر ، ولم يستطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بمكة ولا يبين لهم ، وكتب إلى مصعب بن عمير : أما بعد ، فانظر اليوم الذي تجمر فيه اليهود لسبتهم ، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم ، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين . قال : فهو أول من جمع مصعب بن عمير ، حتى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فجمع عند الزوال من الظهر ، وأظهر ذلك . وهذا إسناد موضوع ، والباهلي هو : غلام خليل ، كذاب مشهور بالكذب ، وإنما هذا أصله من مراسيل الزهري ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة . وخرج البيهقي من رواية يونس ، عن الزهري ، قال : بلغنا أن أول ما جمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمع بالمسلمين مصعب بن عمير . وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير إلى أهل المدينة ليقرئهم القرآن ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بهم ، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس يومئذ بأمير ، ولكنه انطلق يعلم أهل المدينة . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : من أول من جمع ؟ قال : رجل من بني عبد الدار - زعموا - قلت : أفبأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : فمه . وخرجه الأثرم من رواية ابن عيينة ، عن ابن جريج ، وعنده : قال : نعم ، فمه . قال ابن عيينة : سمعت من يقول : هو مصعب بن عمير . وكذلك نص الإمام أحمد في - رواية أبي طالب - على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أمر مصعب بن عمير أن يجمع بهم بالمدينة . ونص أحمد - أيضا - على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي الجمعة التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير . وقد تقدم مثله عن عطاء والأوزاعي . فتبين بهذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإقامة الجمعة بالمدينة ، ولم يقمها بمكة ، وهذا يدل على أنه كان قد فرضت عليه الجمعة بمكة . وممن قال : إن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة : أبو حامد الإسفراييني من الشافعية ، والقاضي أبو يعلى في خلافه الكبير من أصحابنا ، وابن عقيل في عمد الأدلة ، وكذلك ذكره طائفة من المالكية ، منهم : السهيلي وغيره . وأما كونه لم يفعله بمكة ، فيحمل أنه إنما أمر بها أن يقيمها في دار الهجرة ، لا في دار الحرب ، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب ، ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم ، وكانوا خائفين على أنفسهم ، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة ، والجمعة تسقط بأعذار كثيرة منها الخوف على النفس والمال . وقد أشار بعض المتأخرين من الشافعية إلى معنى آخر في الامتناع من إقامتها بمكة ، وهو : أن الجمعة إنما يقصد بإقامتها إظهار شعار الإسلام ، وهذا إنما يتمكن منه في دار الإسلام . ولهذا لا تقام الجمعة في السجن ، وإن كان فيه أربعون ، ولا يعلم في ذلك خلاف بين العلماء ، وممن قاله : الحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، والثوري ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق وغيرهم . وعلى قياس هذا : لو كان الأسارى في بلد المشركين مجتمعين في مكان واحد ؛ فإنهم لا يصلون فيه جمعة ، كالمسجونين في دار الإسلام وأولى ؛ لا سيما وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الإقامة في دار الحرب - وإن طالت - حكمها حكم السفر ، فتقصر فيها الصلاة أبدا ، ولو أقام المسلم باختياره ، فكيف إذا كان أسيرا مقهورا ؟ وهذا على قول من يرى اشتراط إذن الإمام لإقامة الجمعة أظهر ، فأما على قول من لا يشترط إذن الإمام ، فقد قال الإمام أحمد في الأمراء إذا أخروا الصلاة يوم الجمعة : فيصليها لوقتها ويصليها مع الإمام ، فحمله القاضي أبو يعلى في خلافه على أنهم يصلونها جمعة لوقتها . وهذا بعيد جدا ، وإنما مراده : أنهم يصلون الظهر لوقتها ، ثم يشهدون الجمعة مع الأمراء . وكذلك كان السلف الصالح يفعلون عند تأخير بني أمية للجمعة عن وقتها ، ومنهم من كان يومئ بالصلاة وهو جالس في المسجد قبل خروج الوقت ، ولم يكن أحد منهم يصلي الجمعة لوقتها ، وفي ذلك مفاسد كثيرة تسقط الجمعة بخشية بعضها . وفي تهذيب المدونة للمالكية : وإذا أتى من تأخير الأئمة ما يستنكر جمع الناس لأنفسهم إن قدروا ، وإلا صلوا ظهرا ، وتنفلوا بصلاتهم معهم . قال : ومن لا تجب عليه الجمعة مثل المرضى والمسافرين وأهل السجن فجائز أن يجمعوا . وأراد بالتجميع هنا : صلاة الظهر جماعة ، لا صلاة الجمعة ؛ فإنه قال قبله : وإذا فاتت الجمعة من تجب عليهم فلا يجمعوا . والفرق بين صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة ، ممن تجب عليه وممن لا تجب عليه : أن من تجب عليه يتهم في تركها ، بخلاف من لا تجب عليه فإن عذره ظاهر . وقد روي عن ابن سيرين ، أن تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم ، من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلية ، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة . قال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله : ثنا أبي ، ثنا إسماعيل - هو : ابن علية ثنا أيوب ، عن محمد بن سيرين ، قال : نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم المدينة قالوا : لو نظرنا يوما فاجتمعنا فيه ، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله علينا به ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : يوم الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم . قالوا : فيوم العروبة : قال : وكانوا يسمون يوم الجمعة : يوم العروبة ، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فذبحت لهم شاة ، فكفتهم . وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموها الجمعة ، فقالت الأنصار : لليهود يوم يجتمعون فيه كل ستة أيام ، وللنصارى - أيضا - مثل ذلك ، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه ، ونذكر الله عز وجل ، ونصلي ونشكره - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوا يوم العروبة ، وكانوا يسمون يوم الجمعة : يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ، فصلى بهم وذكرهم ، فسموه : يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه ، فذبح أسعد بن زرارة لهم شاة ، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة ليلتهم ، فأنزل الله بعد ذلك : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فوقع في كلام الإمام أحمد : أن هذه هي الجمعة التي جمعها مصعب بن عمير ، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه ، أنهم كانوا أربعين رجلا . وفي هذا نظر . ويحتمل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهادهم قبل قدوم مصعب إليهم ، ثم لما قدم مصعب عليهم جمع بهم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان الإسلام حينئذ قد ظهر وفشا ، وكان يمكن إقامة شعار الإسلام في المدينة ، وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك ، فكان في بيت أسعد بن زرارة قبل ظهور الإسلام بالمدينة وفشوه ، وكان باجتهاد منهم ، لا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال البخاري - رحمه الله - : 876 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، نا أبو الزناد ، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثه ، أنه سمع أبا هريرة ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد . قوله : نحن الآخرون - يعني : في الزمان ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، وأمته آخر الأمم . وقوله : السابقون - يعني : في الفضل والكرامة على الله ؛ قال الله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وفي حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنتم موفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل . وفي رواية أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الحديث - : نحن الآخرون من أهل الدنيا ، الأولون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلائق . خرجه مسلم . وخرجه من حديث حذيفة - بمثله . وخرج من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث زيادة : ونحن أول من يدخل الجنة . وهذا كله - أيضا - من سبقهم ؛ فإنهم أول من يحاسب يوم القيامة ، ومن يجوز على الصراط ، ومن يدخل الجنة . وقوله : بيد هو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتِها ، ومعناه - هاهنا - : غير ، ولا يستثنى به في الاتصال ، بل في الانقطاع . والمعنى : لكن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتينا نحن الكتاب من بعدهم ، فلهم السبق في الزمان بهذا الاعتبار في الدنيا ، لا في الفضل ، ولا في الآخرة . ونقل الربيع ، عن الشافعي : أنه قال في : بيد أنهم : من أجل أنهم - فجعله تعليلا . وقوله : ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه . ثم - هاهنا - لترتيب الأخبار ، ويحتمل أنه لترتيب المخبر به ، والمراد : أنهم أوتوا الكتاب ، ثم فرض عليهم هذا اليوم - والإشارة إلى يوم الجمعة - فاختلفوا فيه ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فالناس لنا فيه تبع . وهذا - أيضا - مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم ، فإن اليهود والنصارى لما فرض عليهم تعظيم الجمعة ، والعبادة فيه لله ، واتخاذه عيدا للاجتماع فيه لذكر الله فيه ، ضلوا عنه ، فاختارت اليهود السبت ؛ لأنه يوم فرغ فيه الخلق ، واختارت النصارى الأحد ؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق ، فهدانا الله للجمعة ، فصار عيدنا أسبق من عيدهم ، وصاروا لنا في عيدنا تبعا ، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة ، ومنهم من عيده بعد غد . وإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم ، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم ، من غير تغيير له ولا تبديل . وفي الحديث : دليل على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا ، كما كان على من قبلنا ، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة ، واتخاذه عيدا ومجمعا لذكر الله وعبادته ، فبدلوه بغيره من الأيام ، وهدانا الله له ، فدل ذلك على أنه مفروض علينا تعظيمه ، واتخاذه عيدا ؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته ، وهذا من أدل دليل على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة .
19 - باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة 910 - ثنا عبدان ، أنا عبد الله ، أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، [عن أبيه] ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة ، وتطهر بما استطاع من طهر ، ثم ادهن أو مس من طيب ، ثم راح ولم يفرق بين اثنين ، فصلى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإمام أنصت ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . التفريق بين اثنين يدخل فيه شيئان : أحدهما : أن يتخطاهما ويتجاوزهما إلى صف متقدم . وقد خرج أبو داود نحو هذا الحديث من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : ولم يتخط رقاب الناس . ومن حديث عبد الله بن عمرو - أيضا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أيوب ، ومن حديث نبيشة الهذلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حديثهما : ولم يؤذ أحدا . ومن حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حديثه : ولم يتخط أحدا ، ولم يؤذه . وقد تقدم حديث عبد الله بن بسر ، قال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجلس ، فقد آذيت . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وخرجه ابن ماجه من حديث جابر . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث زبان بن فائد ، من حديث سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم . وزبان ، مختلف في أمره . ورواه عنه ابن لهيعة ورشدين بن سعد . وخرج الإمام أحمد من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه إلى النار . وفي إسناده : هشام بن زياد أبو المقدام ، ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده . وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة ، سواء كان الإمام قد خرج أو لم يخرج بعد . وقالت طائفة : لا يكره التخطي إلا بعد خروجه ، كما دل عليه حديث الأرقم ، منهم : الثوري ، ومالك ، والأوزاعي - في رواية - ومحمد بن الحسن . وذكر مَالِكٌ ، عن أبي هريرة ، قال : لأن يصلي أحدكم بظهرة الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة . فإن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ، ففيه قولان : أحدهما : يجوز له التخطي حينئذ ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، والأوزاعي والشافعي ، وكذا قال مالك في التخطي قبل خروج الإمام ، وكذا روى معمر ، عن الحسن وقتادة . والثاني : أنه يكره ، وهو قول عطاء ، والثوري . وعن أحمد روايتان في ذلك ، كالقولين . وعنه رواية ثالثة : إن كان يتخطى واحدا أو اثنين جاز ، وإن كان أكثر كره . وحمل بعض أصحابنا رواية الجواز عن أحمد على ما إذا كان الجالسون قد جلسوا في مؤخر الصفوف ، وتركوا مقدمها عمدا ، ورواية الكراهة على ما إذا لم يكن منهم تفريط . وفي كلام الأوزاعي وغيره ما يدل على مثل هذا - أيضا - وكذلك قال الحسن ، قال : لا حرمة لهم . ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لا بد منها من وضوء أو غيره ، أو لكونه لا يجد موضعا للصلاة بدونه ، أو كان إماما لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي ، لم يكره . وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته مسرعا ، يتخطى رقاب الناس . وكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمس ، فلهم - إذا أقيمت الصلاة - أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس ، نص عليه أحمد في رواية الأثرم . وحكى ابن المنذر ، عن أبي نضرة : جواز تخطيهم بإذنهم ، وعن قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه . ثم قال ابن المنذر : لا يجوز شيء من ذلك عندي ، لأن الأذى يحرم قليلة وكثيرة ، وهذا أذى ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجلس ، فقد آذيت . فظاهر كلامه : تحريمه بكل حال ، والأكثرون جعلوا كراهته كراهة تنزيه . ومتى كان بين الجالسين فرجة ، بحيث لا يتخطاهما ، جاز له أن يمشي بينهما ، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلا بتخطي ركبهما كره له ذلك ، فإن كانا قائمين يصليان ، فمشى بينهما ولم يدفع أحدا ، ولم يؤذه ، ولم يضيق على أحد جاز ، وإلا فلا . قال ذلك كله عطاء - : ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . الثاني - مما يدخل في التفريق بين اثنين - : الجلوس بينهما إن كانا جالسين ، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة . فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفع ولا أذى ، مثل أن يكون بينهما فرجة ، فإنه يجوز ، بل يستحب ، لأنه مأمور بسد الخلل في الصف ، وإلا فهو منهي عنه ، إلا أن يأذنا في ذلك . وروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين ، إلا بإذنهما . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي . وقال : حديث حسن . فإن كان الجالسان بينهما قرابة ، أو كانا يتحدثان فيما يباح ، كان أشد كراهة . وفي مراسيل أبي داود ، عن المطلب بن حنطب ، قال : سمعت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يفرق بين الرجل ووالده . وخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يجلس الرجل بين الرجل وأبيه في المجلس . وفي إسناده نظر . وروي عن ابن عمر - مرفوعا ، وموقوفا - : إذا كان اثنان يتناجيان فلا يدخل بينهما إلا بإذنهما . قال الإمام أحمد في الرجل ينتهي إلى الصف وقد تم فيدخل بين رجلين : إن علم أنه لا يشق عليهم . قال القاضي أبو يعلى : إن شق عليهم لم يجز ؛ لأن فيه أذية لهم ، وشغلا لقلوبهم .
خرج في هذا الباب خمسة أحاديث : الحديث الأول : 894 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سالم بن عبد الله ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من جاء منكم الجمعة فليغتسل . لما كان الخطاب في هذا للرجال لمن جاء منهم الجمعة ، دل على أنه لا غسل على من لا يأتي منهم الجمعة ، كالمسافر والمريض والخائف على نفسه ، ولا على من ليس من الرجال ، كالنساء والصبيان ؛ فإن الصبيان لا يدخلون في خطاب التكليف .
الحديث الثالث : 896 - نا مسلم بن إبراهيم ، نا وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، وهدانا الله إليه ، فغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى . 897 - فسكت ، ثم قال : حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما ، يغسل فيه رأسه وجسده . 898 - رواه أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لله تعالى على كل مسلم حق : أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما . إنما ذكر رواية أبان بن صالح المعلقة ؛ ليبين أن آخر الحديث - وهو : ذكر الغسل - مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا يتوهم أن القائل : حق على كل مسلم في آخر حديث وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه - : هو أبو هريرة ، وأنه مدرج في آخر الحديث . وقد خرج مسلم في صحيحه ذكر الغسل من طريق وهيب ، وصرح برفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وتوهم آخرون : أن ذكر الغسل في آخر الحديث مدرج من قول أبي هريرة . قال الدارقطني : رفعه أبان بن صالح ، عن مجاهد : عن طاوس ، عن أبي هريرة ، واختلف عن عمرو بن دينار : فرفعه عمر بن قيس ، عنه . وقيل : عن شعبة ، عنه - مرفوعا . وقيل : عنه - موقوف . ورواه ابن جريج وابن عيينة ، عن عمرو - موقوفا . وكذلك رواه إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس - موقوفا ، وروي عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس - مرسلا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح الموقوف على أبي هريرة . انتهى . ولم يذكر رواية وهيب المخرجة في الصحيحين . وكذا رواه أبو الزبير ، عن طاوس ، عن أبي هريرة - موقوفا . ورواه داود بن أبي هند ، عن أبي الزبير ، عن جابر - مرفوعا - : على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل ، وهو يوم الجمعة . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه . وقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ ، إنما هو - على ما رواه الثقات - : عن أبي الزبير ، عن طاوس ، عن أبي هريرة - موقوفا . وهذا الحديث هو الذي استدل به من قال : إن غسل الجمعة يكون لليوم لا لشهود الجمعة ، فيغتسل من حضر الجمعة ، ومن لم يحضرها ، كما سبق ذكره عنهم . واستدل به بعضهم على أن الغسل للأسبوع ، لا لخصوص يوم الجمعة ، وأن من اغتسل في الأسبوع مرة كفاه من غسل الجمعة . نقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن كان مغتسلا سبعة أيام مرة ، فجاء يوم الجمعة ، وقد كان غسل رأسه واغتسل في كل سبعة أيام مرة جاز له ترك غسل يوم الجمعة ؛ قال ذلك ابن عباس ومن بعده ، أنهم كانوا يؤمرون بغسل رءوسهم وأجسادهم في كل سبعة أيام مرة ، فحول الناس ذلك إلى يوم الجمعة . وقوله : يغسل رأسه وجسده يشير إلى أنه يعم بدنه بالغسل ، فإن الرأس إلى الغسل [ ] لشعره ، وقد كانت لهم شعور في رءوسهم . وعلى مثل هذا حمل طائفة من العلماء قوله من غسل واغتسل ، فقالوا : غسل رأسه واغتسل في بدنه ، وقالوا : كانت للقوم جمم .
الحديث الرابع : 899 - نا عبد الله بن محمد ، نا شبابة ، نا ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد . وقد سبق من وجه آخر ، عن ابن عمر - بنحوه .
الحديث الخامس : 900 - نا يوسف بن موسى ، نا أبو أسامة ، نا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد ، فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ قالت : فما يمنعه أن ينهاني ؟ قال : يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله عز وجل . ومراده بهذين الحديثين في هذا الباب : أن الإذن في خروج النساء إلى المساجد إنما كان بالليل خاصة ، وحديث عمر يبين أنهن إنما كن يخرجن كذلك ، وقد سبق ذكر ذلك في باب : خروج النساء إلى المساجد في الليل والغلس . وحينئذ ؛ فلا تكون الجمعة مما أذن لهن في الخروج إليها ؛ لأنها من صلاة النهار ، لا من صلوات الليل ، وإنما أمر بالغسل من يجيء إلى الجمعة ، كما في حديث ابن عمر المتقدم ، فيدل ذلك على أن المرأة ليست مأمورة بالغسل للجمعة ، حيث لم يكن مأذونا لها بالخروج إلى الجمعة . وقد ورد لفظ صريح بالغسل للنساء يوم الجمعة : خرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عثمان بن واقد العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل . وخرجه بلفظ آخر ، وهو : الغسل يوم الجمعة على كل حالم من الرجال ، وعلى كل بالغ من النساء . وخرجه البزار في مسنده باللفظ الأول . وقال : أحسب عثمان بن واقد وهم في هذا اللفظ . وعثمان بن واقد هذا وثقه ابن معين ، وقال أحمد والدارقطني : لا بأس به . قال أبو داود : هو ضعيف ، حدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل لا نعلم أن أحدا قال هذا غيره . يعني : أنه لم يتابع عليه ، وأنه منكر لا يحتمل منه تفرده به .
الحديث الثاني : 895 - حديث : أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . خرجه : عن القعنبي ، عن مالك . وقد سبق إسناده . ويستدل به على أن من لم يبلغ الحلم فلا غسل عليه .
12 - باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم ؟ وقال ابن عمر : إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة . مراده : أن من لا يلزمه شهود الجمعة من النساء والصبيان وغيرهم كالمسافرين ، هل عليهم غسل ، أم لا ؟ والمعنى : هل يلزمهم الغسل على قول من يرى الغسل واجبا ، أو يستحب لهم على قول من يراه مستحبا ؟ وقد ذكر عن ابن عمر - تعليقا - أنه قال : إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة . وروى وكيع ، نا خالد بن عبد الرحمن بن بكير ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إنما الغسل على من أتى الجمعة . يعني : ليس على النساء جمعة . وروى عبد الرزاق بإسناده ، عن سالم ونافع ، أن ابن عمر كان لا يغتسل في السفر يوم الجمعة . وإنما ذهب ابن عمر إلى هذا ، تمسكا بما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أتى الجمعة فليغتسل ، فحمله على أن المراد : من لزمه إتيان الجمعة فليغتسل ، وهو أعلم بما روى ، وأفهم له . وقد فهم آخرون منه أنه : من أراد إتيان الجمعة فليغتسل ، سواء كان إتيانه للجمعة واجبا عليه ، أو غير واجب ، وأما من لم يرد إتيانها كالمسافر والمريض المنقطع في بيته ، ومن لا يريد حضور الجمعة من النساء والصبيان ، فلم يدل الحديث على غسل أحد منهم . وقد ذهب إلى أنهم يغتسلون للجمعة طائفة من العلماء ، فصارت الأقوال في المسألة ثلاثة : إما اختصاص الغسل بمن تلزمه الجمعة . أو بمن يريد شهود الجمعة ، سواء لزمته أو لا . وإما أنه يعم الغسل كل مكلف يوم الجمعة ، سواء أراد شهودها ، أو لم يرده . والقول الأول - : وجه لأصحابنا ، وهو ظاهر اللفظ الذي ذكره البخاري عن ابن عمر - تعليقا - وتبويب البخاري يدل على اختياره . والثاني - : هو قول الأكثرين ، كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، إلا أن أحمد استثنى منه المرأة خاصة ، إلحاقا لغسلها بتطيبها ، وهي منهية عنه إذا حضرت المسجد . واستحبه الآخرون ، وبعض أصحاب أحمد ، حيث لم يكن خروجها للجمعة مكروها . وقال عطاء والشعبي : ليس على المسافر غسل يوم الجمعة . وأما القول الثالث - : فهو قول طائفة من العلماء ، إن كان من أهل وجوب الجمعة ، وإن كان له عذر يمنع الوجوب ؛ فإنه يغتسل يوم الجمعة ، مريضا كان أو مسافرا ، أو غير ذلك . وروي عن طلحة بن عبيد الله ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير ، وهو قول إسحاق وأبي ثور ، ووجه للشافعية . ولهم وجه آخر : يسن لكل أحد ، مكلفا كان بها أو غير مكلف ، كغسل العيد ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : حق على كل مسلم أن يغتسل في سبعة أيام يوما ، وسيأتي ذكره . وروى الحسن ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه بثلاث ، لا يدعهن في حضر ولا سفر ، فذكر منها : والغسل يوم الجمعة . خرجه الإمام أحمد . والحسن ، لم يسمع من أبي هريرة ، على الصحيح عند الجمهور . والمعروف : حديث وصية أبي هريرة بثلاث ، ليس فيها : غسل الجمعة ، كما يأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى . واستدل الأكثرون بقوله : من أتى الجمعة فليغتسل . وفي رواية : إذا أراد أن يأتي الجمعة فليغتسل . وبأن الغسل مقرون بالرواح إلى الجمعة في غير حديث ، وهذا مقيد ، فيقضي على المطلق . ولأنه شرع للنظافة ؛ لئلا يؤذي الحاضرون بعضهم بعضا بالرائحة الكريهة ، وهذا غير موجود في حق من لا يحضر الجمعة .
8 - باب السواك يوم الجمعة وقال أبو سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يستن حديث أبي سعيد قد خرجه فيما سبق في باب : الطيب للجمعة ولفظه الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، وأن يستن ، وأن يمس طيبا إن وجد قال عمرو : أما الغسل ، فأشهد أنه واجب ، وأما الطيب والاستنان فالله أعلم . وهذا مما استدل به جمهور العلماء على أن المراد بالوجوب هاهنا : تأكد الاستحباب ؛ لأنه قرنه بما ليس بواجب إجماعا ، وهو الطيب والسواك . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة وأبي أمامة بن سهل ، عن أبي هريرة وأبي سعيد ، قالا : سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغتسل يوم الجمعة ، واستن ، ومس من طيب - إن كان عنده - ولبس أحسن ثيابه ثم جاء إلى المسجد ، ولم يتخط رقاب الناس ، ثم ركع ما شاء الله أن يركع ، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي ، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها . يقول أبو هريرة : وثلاثة أيام زيادة ؛ لأن الله قد جعل الحسنة بعشر أمثالها . وفي إسناده اختلاف . وروى مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في جمعة من الجمع - : يا معشر المسلمين ، اغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك . وقد روي عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم والمرسل : هو الصحيح . ورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه ابن ماجه . ولا يصح - أيضا - والصحيح : رواية مالك . ويدل عليه : إنكار ابن عباس للطيب ، كما سبق عنه . وخرج الإمام أحمد من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ، ويتسوك ، ويمس من طيب إن كان لأهله . وخرجه بهذا الإسناد موقوفا - أيضا . وروي - أيضا - عن ثوبان ، عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا . وروي عن ابن ثوبان ، عن رجل ، عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا وموقوفا . وعن أبي زرعة وأبي حاتم : أن الموقوف أصح . خرج البخاري في هذا الباب أحاديث ثلاثة ، في السواك للصلاة ، ولكن لا اختصاص لها بالجمعة .
الحديث الثالث : 889 - نا محمد بن كثير ، نا سفيان ، عن منصور وحصين ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه . قد سبق هذا الحديث في الطهارة من رواية جرير ، عن منصور وحده ، وسبق الكلام على معناه مستوفى .
الحديث الأول : 887 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة . فيه : دليل على أن الحرج والمشقة مرفوعان عن هذه الأمة ، كما قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقد سبق ذكر ذلك في تأخير عشاء الآخرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب تأخيرها ، ولولا المشقة على أمته لجعل وقتها ثلث الليل أو نصفه . وفيه : دليل على أن السواك ليس بفرض كالوضوء للصلاة ، وبذلك قال جمهور العلماء ، خلافا لمن شذ منهم من الظاهرية . وقد حكي عن إسحاق ، أنه لو تركه عمدا أعاد الصلاة . وقيل : إنه لا يصح عنه . وهذا الحديث : نص على أنه غير واجب على الأمة ؛ فإن المراد : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك أمر فرض وإيجاب ، لا أمر ندب واستحباب ؛ فإنه قد ندب إليه واستحبه ، ولكن لم يفرضه ، ولم يوجبه . وقد صرح بذلك في حديث آخر : خرجه الإمام أحمد من حديث تمام بن العباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك ، كما فرضت عليهم الوضوء . وخرج ابن أبي شيبة نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ويروى نحوه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وفي الحديث : دليل على استحباب السواك مع كل صلاة ، فدخل في ذلك صلاة الجمعة وغيرها . والسواك مع الصلاة نوعان : أحدهما : السواك مع الوضوء للصلاة ، وقد سبق ذكره في الطهارة . والثاني : السواك للصلاة عند القيام إليها . وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب ، لا يقوم إلى صلاة إلا استن ، ثم رده إلى موضعه . وقال الترمذي : حسن صحيح . وهذا مذهب الشافعي وأصحابنا . وروى أبو يحيى الحماني ، عن أبي سعد ، عن مكحول ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : كان أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يربطون مساويكهم بذوائب سيوفهم ، فإذا حضرت الصلاة استاكوا ، ثم صلوا . خرجه البيهقي في صلاة الخوف من سننه . وقال : أبو سعد البقال ، غير قوي . وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد ، وقالوا : ليس فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل للتهجد في بيته . وحكي عن مالك ، أنه يكره السواك في المساجد ، والذي رأيناه في تهذيب المدونة : أنه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد ، وإن جمعه وألقاه ؛ لحرمة المساجد . وقد روي عن عثمان بن عفان ، أنه كان يخطب يوم الجمعة ، فذكر أنه لم يستك ، فنزل فاستاك . وهذا يدل على أنه إنما نزل ليستاك خارج المسجد ، وأنه رأى السواك في الجمعة عند الوضوء لا عند الصلاة . وخرج الحاكم في أماليه من رواية أبي أيوب الأفريقي ، عن صالح بن أبي صالح ، أظنه عن أبيه ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك . وهذا غريب . ويستدل به : على أنه إنما كان يستاك في بيته قبل خروجه إلى المسجد .
الحديث الثاني : 888 - نا أبو معمر ، نا عبد الوارث ، نا شعيب ، نا أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أكثرت عليكم في السواك . المراد بإكثاره عليهم في السواك : كثرة حثهم عليه ؛ وترغيبهم فيه ، بذكر فضله . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : السواك مطهر للفم ، مرضاة للرب . وقد علقه البخاري في موضع آخر ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه أكثر عليه في أمره بالسواك : ففي مسند الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس . أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لقد أمرت بالسواك حتى خشيت أن يوحى إلي فيه . التميمي ، اسمه : أربد ، ويقال : أربدة . ومن حديث واثلة بن الأسقع ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت بالسواك ، حتى خشيت أن يكتب علي . وفي إسناده : ليث بن أبي سليم . ويستدل به : على أن السواك لم يكن واجبا على النبي - صلى الله عليه وسلم وقد قيل : إنه كان واجبا عليه . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن حنظلة بن الغسيل ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمر بالوضوء لكل صلاة ، طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء ، إلا من حدث . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم . وقال : على شرط مسلم . وليس كما قال . وخرجه البزار في مسنده ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالوضوء عند كل صلاة ، فلما شق عليهم أمر بالسواك عند كل صلاة . وقد روي من حديث عنبسة - مرفوعا - أن السواك كان عليه فريضة ، وهو لأمته تطوع . خرجه الطبراني . ولا يصح إسناده . والله أعلم .
27 – باب الخطبة قائما وقال أنس : بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما . حديث أنس ، هو الذي فيه ذكر الاستسقاء في الجمعة ، وسيأتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى - فيما بعد . 920 - حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، نا خالد بن الحارث ، نا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم كما يفعلون الآن . وفي الخطبة قائما أحاديث أخر . وخرج مسلم من حديث سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب قائما ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا ، فقد كذب ، فقد - والله - صليت معه أكثر من ألفي صلاة . وخرج مسلم بإسناده من حديث كعب بن عجرة ، أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا ، فقال : انظروا الخبيث ، يخطب قاعدا ، وقد قال الله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وخرج ابن ماجه من حديث إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أنه سئل : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما أو قاعدا ؟ قال : أما تقرأ : وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ؟ وهذا إسناد جيد . لكن روي عن إبراهيم ، عن علقمة من قوله . وعن إبراهيم ، عن عبد الله منقطعا . واستدل بهذه الآية على القيام في الخطبة جماعة ، منهم : ابن سيرين ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود . وإنما احتاجوا إلى السؤال عن ذلك ، لأنه كان في زمن بني أمية من يخطب جالسا ، وقد قيل : إن أول من جلس معاوية ، قاله الشعبي والحسن وطاوس . وقال طاوس : الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة . وقال الحسن : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان يخطبون قياما ، ثم إن عثمان لما رق وكبر كان يخطب ، فيدركه ما يدرك الكبير فيستريح ولا يتكلم ، ثم يقوم فيتم خطبته . خرجه القاضي إسماعيل . وخرج - أيضا - من رواية ابن جريج ، عن عطاء ، أنه قال : أول من جعل في الخطبة جلوسا عثمان ، حين كبر وأخذته الرعدة جلس هنية ، قيل له : هل كان يخطب عمر إذا جلس ؟ قال : لا أدري . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يخطب الخطبة الأولى جالسا ، ويقوم في الثانية . خرجه ابن سعد . والظن به أنه لم تبلغه السنة في ذلك ، ولو بلغته كان أتبع الناس لها . وقد قيل : إن ذلك لم يصح عنه ؛ فإن الأثرم حكى : أن الهيثم بن خارجة قال لأحمد : كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته ؟ قال : فظهر منه إنكار لذلك . ورواية ابن سعد له عن الواقدي ، وهو لا يعتمد . وقد روي عن ابن الزبير - أيضا - الجلوس في الخطبة الأولى - أيضا . خرجه القاضي إسماعيل . واختلف العلماء في الخطبة جالسا : فمنهم من قال : لا يصح ، وهو قول الشافعي ، وحكى روايته عن مالك وأحمد . وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أن الخطبة لا تكون إلا قائما لمن قدر على القيام . ولعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك ؛ فإن الأكثرين على أنها تصح من الجالس ، مع القدرة على القيام ، مع الكراهة ، وهو قول أبي حنيفة ومالك ، والمشهور عن أحمد ، وعليه أصحابه ، وقول إسحاق - أيضا .
934 – حدثنا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت . حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت . هذا الحديث الثاني ، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب ، ولا يوجد في أكثرها . الفضل في الجمعة ، وحصول التكفير بها مشروط بشروط ، منها : أن يدنو من الإمام ، ويستمع وينصت ، ولا يلغو . وقد ورد ذلك في أحاديث متعددة ، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم . و اللغو : هو الكلام الباطل المهدر ، الذي لا فائدة فيه . ومنه : لغو اليمين ، وهو ما لا يعبأ به ولا ينعقد . ومنه : قوله تعالى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغوا ، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكر ، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو ، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة . وكان ابن عمر يشير إليه ، وتارة يحصبه بالحصى . وكره علقمة رميه بالحصى . ولا خلاف في جواز الإشارة إليه بين العلماء ، إلا ما حكي عن طاوس وحده ، ولا يصح ؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزة ، ففي حال الخطبة أولى . وروى أنس ، أن رجلا دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ فأشار الناس إليه أن اسكت ، فسأله ثلاث مرات ، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ، ما أعددت لها - وذكر الحديث . خرجه البيهقي وغيره . ولا يستثنى من ذلك إلا ما لا بد منه ، مما يجوز قطع الصلاة لأجله ، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه . فأما رد السلام وتشميت العاطس ، ففيه اختلاف سبقت الإشارة إليه ، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحة . وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبة الإمام أن ينصت ويستمع ، وأنه أفضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه ، أو تلاوة قرآن أو دعاء . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أسبح في يوم الجمعة وأهلل ، وأنا أعقل الخطيب ؟ قال : لا ، إلا الشيء اليسير ، واجعله بينك وبين نفسك . وروى بإسناده ، عن طاوس ، قال : إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع أحد بشيء ، ولا يذكر الله ، إلا أن يذكر الإمام . وقول مالك كقول عطاء - : ذكره في تهذيب المدونة . وروى حرب بإسناده ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : سألت علقمة : متى يكره الكلام يوم الجمعة ؟ قال : إذا خرج الإمام ، وإذا خطب الإمام . قلت : فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه ؟ قال : لعل ذلك لا يضره ، إن شاء الله . قال سفيان : ذاك إذا لم يسمع الخطبة . وروي عن سعيد بن جبير والنخعي : الرخصة في القراءة والإمام يخطب . ولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه . وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد ، وقال : قد جهل ، ولم تذهب جمعته . واختلفوا : في الإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة : هل يوافقه المأموم ؟ فقالت طائفة : يصلي المأموم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه ، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد وإسحاق . واستدلوا : بأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب ، ومختلف في وجوبها كلما ذكر ، فيشرع الإتيان بها في حال الخطبة عند ذكره ، لأن سببها موجود ، فهو كالتأمين على دعاء الإمام ، وأولى . وقال بعض الشافعية : إذا قرأ الإمام : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية ، جاز للمأموم أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرفع بها صوته . وقالت طائفة : بل ينصت ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعد ومالك - في رواية - والشافعي . وقال الأوزاعي : ينبغي للإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس ، فإن لم يسكت فأنصت ، وأمن على دعائه . واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده : هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه ، أو ينصت ؟ على قولين : أحدهما : يذكر الله في نفسه ويقرأ ، وهو قول علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق . وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته . والثاني : أنه ينصت ولا يتكلم بشيء ، وهو قول الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة . واستدلوا بقول عثمان : إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت . خرجه مالك في الموطأ . وقالت طائفة : من لا يسمع لا إنصات عليه ، بل يباح له الكلام ، وهو قول عروة بن الزبير ، وطائفة من أصحاب الشافعي . وأومأ إليه أحمد ، فإنه قال : يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة . واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا . وقال ابن عقيل منهم : له أن يقرئ القرآن ، ويذاكر بالعلم . وهو بعيد ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع ، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة . واختلفوا : هل إنصات من سمع الخطبة واجب ، وكلامه في تلك الحال محرم ، أو هو مكروه فقط ، فلا يأثم به ؟ على قولين : أحدهما : أنه محرم ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في المشهور عنه . والمنقول عن أكثر السلف يشهد له . وقال عطاء ومجاهد : الإنصات يوم الجمعة واجب . وقد أمر ابن مسعود بقرع رأس المتكلم بالعصى ، وكان ابن عمر يحصبه بالحصباء . وروي عنه أنه قال : المتكلم لا جمعة له ، ولمن أجابه : أنت حمار . وقال ابن مسعود وغيره لمن تكلم في جمعة : هذا حظك من صلاتك . ويدل على تحريمه : قول الله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقد تقدم قول الإمام أحمد : أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة . ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيرا للناس وموعظة لهم ، فإذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها ؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغوا لا فائدة له . وفي مسند الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، لا جمعة له . وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفارا ، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء ، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة . وهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم ، وليس لنا مثل السوء ، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا ، فيما ذموا عليه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من دنا من الإمام فلغا ، ولم يستمع ولم ينصت ، كان له كفل من الوزر ، ومن قال له : مه ، فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له . والقول الثاني : أنه مكروه غير محرم ، وهو قول الشافعي - الجديد - وحكي رواية عن أحمد . واختلف من قال بتحريمه : هل تبطل به الجمعة ؟ فحكي عن طائفة أنه تبطل به الجمعة . قال عطاء الخراساني وعكرمة : من لغا فلا جمعة له . وقال الأوزاعي : من تكلم عمدا صارت جمعته ظهرا ، ومن تكلم ساهيا لم يتره الله فضلها ، إن شاء الله تعالى . وزعم بعضهم أن قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع ، وليس كذلك ، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهرا ، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته ، ويبقى له فضل صلاة الظهر ، وتبرأ ذمته منها . وكذلك قال فيمن قال كتابا والإمام يخطب ، قال : ذاك حظه من جمعته ، ولم يأمره بإعادة الصلاة . وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب . وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة ، وبعضها متصلة الأسانيد ، وفيها ضعف ، أن من لغا لا جمعة له ، وأن ذلك حظه منها . والمراد : أنه يفوته ثواب الجمعة ، وبذلك فسره عطاء وابن وهب - صاحب مالك . وقال إسحاق : يخشى عليه فوات الأجر . قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : يقال : من تكلم فكلامه حظه من الجمعة - يقول : من أجر الجمعة ، فأما أن يوفي أربعا ، فلا . وقال - أيضا - : قلت لعطاء : هل تعلم شيئا يقطع جمعة الإنسان ، حتى يجب أن يصلي أربعا ، من كلام أو تخطي رقاب الناس ، أو شيء غير ذلك ؟ قال : لا . وكذا قال الحسن والزهري ، فيمن تكلم والإمام يخطب : يصلي ركعتين . وقال الثوري : يستغفر الله ، ويصلي . ولا يصح عن أحد خلاف ذلك . والله أعلم . واختلفوا : متى يجب الإنصات يوم الجمعة ؟ فقال الجمهور : بشروع الإمام في الخطبة ، وهو المروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانوا يفعلونه في زمانه ، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس . وقالت طائفة : ينقطع بخروج الإمام ، وإن لم يتكلم ، كما تنقطع الصلاة بخروجه ، وهو قول طائفة من الكوفيين ، منهم : الحكم ، وحكي عن أبي حنيفة ، وروي عن ابن عمر وابن عباس . وقد خرج البخاري حديث سلمان الفارسي في الإنصات بلفظين : في أحدهما : ذكر خروج الإمام ، وفي الآخر : ذكر كلامه . فمن الناس من قال : رواية الخروج مطلقة ، تحتمل حالة الكلام وغيرها ، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة . ومنهم من قال : إن الرواية المطلقة إنما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج ، لا على منعه وتحريمه . واستحب عطاء : أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء : قال : إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب . قلت : سلم الإمام ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلا ؟ قال : إني أحب أن تزيد - أيضا - بكلام ، السلام في القرآن . يعني : أن السلام لا يكفي في الفصل ؛ لأنه مما في القرآن ، والمقصود : الفصل بكلام من كلام الآدميين . وهذا قول غريب . واختلفوا : إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام ؟ فقال الجمهور : ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين ، ويجوز الكلام مع نزوله ، وبين الصلاة والخطبة . وقالت طائفة : ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة . وقد سبق ذكر ذلك عند ذكر الكلام بين الإقامة والصلاة بما يغني عن إعادته هاهنا . واتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة ، من حمد الله والثناء ، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن ، والموعظة وغير ذلك . وحكى ابن عبد البر عن طائفة ، منهم : الشعبي وأبو بردة ، أنه لا ينهى عن الكلام إلا في حال قراءة القرآن خاصة ، ويجوز في غيرها . وهذا لا يصح عنهم ، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد - إن شاء الله تعالى . ولو شرع الإمام في خطبته في كلام مباح أو مستحب كالدعاء ، فإنه يستمع له وينصت ، وهذا قول جمهور العلماء ، منهم : عطاء وغيره . ولأصحابنا ثلاثة أوجه : أحدها : تحريم الكلام في الحالين . والثاني : لا يحرم . والثالث : إن كان مستحبا كالدعاء حرم الكلام معه ، وإن كان مباحا لم يحرم . فأما إن تكلم بكلام محرم ، كبدعة أو كسب السلف ، كما كان يفعله بنو أمية ، سوى عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فقالت طائفة : يلحق بالخطب وينصت له ، روي عن عمرو بن مرة وقتادة . والأكثرون على خلاف ذلك ، منهم : الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث بن سعد . وهو الصحيح ؛ فإن الله تعالى يقول : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الآية ، وما كان محرما حرم استماعه والإنصات إليه ، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء وآلات اللهو ، ونحو ذلك . ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلام مباح لا في محرم . وفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا ، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه . وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية ، ومنعه أصحاب مالك . وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام ، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة ، فقال طائفة : إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه ، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه ، وهذا قول الزهري وقتادة والثوري والشافعي . وعموم قوله : إذا قلت لصاحبك : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت ، يشمل القائم والقاعد والماشي .
36 - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه : أنصت فقد لغا وقال سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وينصت إذا تكلم الإمام . حديث سلمان ، خرجه البخاري فيما تقدم في موضعين .
40 – باب قول الله عز وجل : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ الآية 938 - حدثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا أبو غسان ، حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا ، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق ، فتجعله في قدر ، ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها ، فتكون أصول السلق عرقه ، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها ، فتقرب ذلك الطعام إلينا ، فنلعقه ، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك . 939 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، نا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد - بهذا ، وقال : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . المقصود من هذا الحديث هاهنا : أن الصحابة لم يكونوا يجلسون بعد صلاة الجمعة في المسجد إلى العصر لانتظار الصلاة - كما ورد في الحديث المرفوع أنه يعدل [عمرة] وقد خرجه البيهقي بإسناد ضعيف ، وقد سبق ذكره - وإنما كانوا يخرجون من المسجد ينتشرون في الأرض ، فمنهم من كان ينصرف لتجارة ، ومنهم من كان يزور أصحابه وإخوانه ، وكانوا يجتمعون على ضيافة هذه المرأة . وقد ذهب بعضهم إلى [أن] الأمر بالانتشار بعد الصلاة للاستحباب ، كان عراك بن مالك إذا خرج من المسجد يوم الجمعة [قال] : اللهم ، أجبت دعوتك ، وقضيت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك ، وأنت خير الرازقين . خرجه ابن أبي حاتم وغيره . وهذا يدل على أنه رأى قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ أمرا على ظاهره . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن عمران بن قيس ، قال : من باع واشترى يوم الجمعة بارك الله له سبعين مرة . قال بعض رواته : وذلك بعد صلاة الجمعة ؛ لهذه الآية . وذهب الأكثرون إلى أنه ليس بأمر حقيقة ، وإنما هو إذن وإباحة ، حيث كان بعد النهي عن البيع ، فهو إطلاق من محظور ، فيفيد الإباحة خاصة . وكذا قال عطاء ومجاهد والضحاك ومقاتل بن حيان وابن زيد وغيرهم . وروى أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد لا يصح ، عن أنس - مرفوعا - في قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ قال : ليس بطلب دنيا ، ولكن عيادة مريض ، وتشييع جنازة ، وزيارة أخ في الله . وفي حديث سهل : دليل على زيارة الرجال للمرأة ، وإجابتهم لدعوتها ، وعلى استحباب الضيافة يوم الجمعة خصوصا لفقراء المسلمين ، فإطعام الفقراء فيه حسن مرغب فيه . وفيه : أن فرح الفقير بوجود ما يأكل وتمنيه لذلك غير قادح في فقره ، ولا مناف لصبره ، بل ولا لرضاه . وفي الحديث ألفاظ تستغرب : فـ الأربعاء : جداول الماء في الأرض ، واحدها : ربيع . وقوله : فيكون أصول السلق عرقه - وفي رواية : عراقه - وهو بالعين المهملة والقاف ، والعرق والعراق : اللحم . والمعنى : أن أصول السلق تصير في هذا الطعام كاللحم لما يطبخ باللحم من الأطعمة . ورواه بعضهم : غرفه - بالغين المعجمة والفاء - وفسر بـ المرقة ؛ فإنها تغرف باليد . وهذا بعيد ؛ فإن أصول السلق لا تصير بغرف . وقوله : فنلعقه أي : نلحسه ، وهذا يدل على أنه كان قد ثخن . وقيل : الفرق بين اللحس واللعق : أن اللحس يختص بالأصبع ، واللعق يكون بالأصبع وبآلة يلعق بها كالملعقة .
2 - باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة ، أو على النساء ؟ فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 877 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل . ليس في هذا الحديث ، ولا فيما بعده من الأحاديث المخرجة في هذا الباب ذكر فضل الغسل وثوابه ، كما بوب عليه ، بل الأمر به خاصة . وقد خرج فيما بعد هذا الباب أحاديث في فضل الغسل مع الرواح ، أو مع الدهن والطيب ، وستأتي في مواضعها - إن شاء الله تعالى . وقد بوب على أن الصبي والمرأة : هل عليهما شهود الجمعة ؟ فأما الصبي ، فسيأتي الحديث الذي يؤخذ منه حكمه . وأما حكم المرأة ، فكأنه أخذه من هذا الحديث ، وهو قوله : إذا جاء أحدكم الجمعة ، فإن الخطاب كان للرجال ، والضمير يعود إليهم ، لأنه ضمير تذكير ، فلا يدخل فيه النساء . وقد اختلف المتكلمون في أصول الفقه في صيغ الجموع المذكرة : هل يدخل فيها النساء تبعا ، أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف مشهور بينهم . وأكثر أصحابنا على دخولهن مع الذكور تبعا . ومن أصحابنا من قال : لا يدخلن معهم ، وهو قول أكثر الشافعية والحنفية وغيرهم . ولفظة : أحد وإن لم تكن جمعا ، إلا أنها مقتضية للعموم ، إما بطريق البدلية ، أو الشمول ، كما في قوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ولكن الأمر هنا بالغسل ، لا بمجيء الجمعة ، ولكن المأمور به بالغسل هو الذي يأتي الجمعة ، بلفظ يقتضي أنه لا بد من المجيء إلى الجمعة ؛ فإن إذا إنما يعلق بها الفعل المحقق وقوعه غالبا قد يقتضي - أيضا - العموم ، لكن هذا العموم يخرج منه المرأة ، بالأحاديث الدالة على أنه لا جمعة عليها ، وقد سبق بعضها . وخرج أبو داود من حديث أم عطية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، فأرسل إليهن عمر ، فقال : أنا رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن ، وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحيض والعتق ، ولا جمعة علينا . وقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة ، وعلى أنهن إذا صلين الجمعة مع الرجال أجزأهن من الظهر . ومن حكى من متأخري أصحابنا في هذا خلافا ، فقد غلط ، وقال ما لا حقيقة له . وروى أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن الحسن ، قال : كن النساء يجمعن مع النبي - صلى الله عليه وسلم وعن واصل ، عن مجاهد ، قال : كان الضعفاء من الرجال والنساء يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لا يأوون إلى رحالهم إلا من الغد ، من الضعف . وواصل ، فيه ضعف . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال للنساء يوم الجمعة : إذا صليتن مع الإمام فبصلاته ، وإذا صليتن وحدكن فتصلين أربعا . وعنه ، أنه كان يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ، ويقول : اخرجن ؛ فإن هذا ليس لكن . خرجهما البيهقي . ولعله كره أن يضيقن المسجد على الرجال لكثرة زحام الجمعة ، أو كره لهن الخروج من بيوتهن بالنهار . ومن الشافعية من استحب للعجائز حضور الجمعة . وعند أصحابنا : لا يكره للعجائز حضور الجمعة . وفي كراهته للشواب وجهان .
الحديث الثاني : 878 - ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، أنا جويرية ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداه عمر : أية ساعة هذه ؟ قال : إني شغلت ، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي ، فلم أزد أن توضأت . فقال : والوضوء أيضا ؟ وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل . وهذا - أيضا - ليس فيه ذكر فضل الغسل ، إنما فيه الأمر به ، ولعل مراده بتخريجه في هذا الباب : أن فيه ما يشعر بأن الأهل لا يخرجن إلى الجمعة ؛ فإن هذا الرجل لما قال لعمر : لم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي ، فلم أزد أن توضأت ، وسمع ذلك عمر ومن حضره من الصحابة ، دل على اتفاقهم على أن خروج الأهل إلى الجمعة غير واجب . والله أعلم .
الحديث الثالث : 879 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . وهذا الحديث إنما يدل على تخصيص المحتلمين بوجوب الغسل ، كما سبق ذكره في باب : وضوء الصبيان وطهارتهم . وقد تقدم ما يدل على أن المأمورين بالغسل هم الآتون للجمعة ، فيستدل بذلك على اختصاص الإتيان للجمعة بمن بلغ الحلم ، دون من لم يبلغ . وقد خرج النسائي من رواية عياش بن عباس ، عن بكير بن الأشج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : رواح الجمعة واجب على كل محتلم . وهذا صريح بأن الرواح إنما يجب على المحتلم ، فيفهم منه أنه لا يجب على من لم يحتلم . وخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه ، ولفظ أبي داود : على كل محتلم رواح الجمعة ، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل . وقد أعل ، بأن مخرمة بن بكير رواه عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر حفصة . وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما ؛ فإن ابن عمر صرح بأنه سمع حديث الغسل من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث عياش في لفظه ، أم لا ؟ وقد سبق القول في وجوب الجمعة على من لم يحتلم من الصبيان في باب : وضوء الصبيان . وحديث عمر وابن عمر فيهما التصريح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل للجمعة ، وحديث أبي سعيد فيه التصريح بوجوبه . وقد اختلف العلماء في غسل الجمعة : هل هو واجب - بمعنى : أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر - أم هو مستحب - فلا يأثم بتركه بحال - ؟ ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة ، وأنها تصح بدونه ، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل ، ولم يأمروه بالخروج للغسل . وقد استدل - أيضا - بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب ؛ لأنه لو كان واجبا لأمروه بالخروج له . وأجاب بعضهم عن ذلك : بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت . وأكثر العلماء على أنه يستحب ، وليس بواجب . وذكر الترمذي في كتابه أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم . وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك . وقد حكي عن عمر وعثمان ، ومستند من حكاه عنهما : قصة عمر مع الداخل إلى المسجد ؛ فإنه قد وقع في رواية أنه كان عثمان ، وسنذكرها - إن شاء الله تعالى . وممن قال : هو سنة : ابن مسعود . وروي عن ابن عباس ، أنه غير واجب ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار : الثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق . ورواه ابن وهب ، عن مالك ، وأنه قيل له : في الحديث : هو واجب ؟ قال ليس كل ما في الحديث : هو واجب يكون كذلك . وهو اختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه . واستدل من قال : ليس بواجب : بما روي عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه . وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة . وخرجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي ، عن أنس - مرفوعا - أيضا . ويزيد ، ضعيف الحديث . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وزيادة ثلاثة أيام . وهذا يدل على أن الوضوء كاف ، وأن المقتصر عليه غير آثم ولا عاص ، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب . وقد روي من حديث عائشة وابن عباس ما يدل على ذلك ، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وأما رواية الوجوب ، فالوجوب نوعان : وجوب حتم ، ووجوب سنة وفضل . وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل ، وروي عن أبي هريرة ، والحسن ، وروي - أيضا - عن سعد ، وعمار ، وابن عباس - في رواية أخرى عنه - وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود ، وعطاء بن السائب ، وعمرو بن سليم وغيرهم من المتقدمين . وحكي رواية عن أحمد ، قال أحمد - في رواية حرب وغيره - : أخاف أن يكون واجبا ، إلا أن يكون برد شديد . وهذا لا يدل على الوجوب جزما . وهو رواية عن مالك ، ولم يذكر في تهذيب المدونة سواها . وذكر ابن عبد البر : أنه لا يعلم أحدا قال : إنه يأثم بتركه ، غير أهل الظاهر ، وأن من أوجبه ، قال : لا يأثم بتركه . وحكى - أيضا - الإجماع على أنه ليس بفرض واجب . وذكر عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : غسل الجمعة واجب ؟ قال : نعم ، من تركه فليس بآثم . قال عبد الرزاق : وهو أحب القولين إلى سفيان ، يقول : هو واجب . يعني : وجوب سنة . وذكر ابن عبد البر قولين للعلماء ، وذكر أنه أشهر الروايتين ، عن مالك . والثاني : أنه مستحب وليس بسنة ، بل هو كالطيب والسواك ، وحكاه رواية عن مالك . وحكى عن بعضهم : أن الطيب يغني عنه ، حكاه عن عطاء الخراساني ، وعن عبد الكريم بن الحارث المصري ، وعن موسى بن صهيب ، قال : كانوا يقولون ذلك . وعن النخعي ، قال : ما كانوا يرون غسلا واجبا إلا غسل الجنابة ، وكانوا يستحبون غسل الجمعة . فابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة - بمعنى كونه فرضا يأثم بتركه - اختلافا بين العلماء المعتبرين ، وإنما خص الخلاف في ذلك بأهل الظاهر . والأكثرون : أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة ، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف ، كما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة وعمار ، وعن مالك - أيضا . والذي ذكره ابن عبد البر هو التحقيق في ذلك - والله أعلم - وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إطلاق اسم الواجب عليه ، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي الإثم بتركه ، كما حمل أكثر العلماء كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل ذلك - أيضا . وممن صرح بهذا : عطاء ، كما سبق ذكره عنه ، ومنهم : يحيى بن يحيى النيسابوري ، والجوزجاني . وقد تبين بهذا أن لفظ الواجب ليس نصا في الإلزام بالشيء والعقاب على تركه ، بل قد يراد به ذلك - وهو الأكثر - وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب . ولهذا قال إسحاق : إن كل ما في الصلاة فهو واجب ، وإن كانت الصلاة تعاد من ترك بعضه ، كما سبق ذكره عنه . وسبق - أيضا - عن الشافعي وأحمد في لفظ : الفرض ما يدل على نحو ذلك ، فالواجب أولى ؛ لأنه دون الفرض . ونص الشافعي - في رواية البويطي - على أن صلاة الكسوف ليست بنفل ، ولكنها واجبة وجوب السنة . وهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى واجبا . والله أعلم .
خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الأول : 907 - ثنا علي بن عبد الله ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا يزيد بن أبي مريم ، ثنا عباية بن رفاعة ، قال : أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار . يزيد بن أبي مريم ، هو : الأنصاري الشامي ، وهو بالياء المثناة من تحت ، وبالزاي . وأما بريد بن أبي مريم - بالباء الموحدة ، والراء المهملة - فبصري ، لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئا . وخرج الإسماعيلي في صحيحه هذا الحديث بسياق تام ، ولفظه : عن يزيد بن أبي مريم : بينما أنا رائح إلى الجمعة إذ لحقني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري ، وهو راكب وأنا ماش ، فقال : احتسب خطاك هذه في سبيل الله ، فإني سمعت أبا عبس بن جبر الأنصاري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار . وخرجه الترمذي والنسائي - بمعناه . ففي هذه الرواية أن هذه القصة جرت ليزيد مع عباية ، وفي رواية البخاري أنها جرت لعباية مع أبي عبس ، وقد يكون كلاهما محفوظا . والله أعلم . وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة ، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله ، فأدخل الراوي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل ، وجعله شاملا له وللجهاد . والأظهر في إطلاق سبيل الله : الجهاد ، وقد يؤخذ بعموم اللفظ ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه ، وقال : الحج من سبيل الله ، وقد ذكرناه في موضع آخر . وقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة ، كما سبق عن غير واحد من الصحابة . وقد روي عن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - أنه كان يبكر إلى الجمعة ، ويخلع نعليه ، ويمشي حافيا ، ويقصر في مشيه . خرجه الأثرم بإسناد منقطع .
الحديث الثالث : 909 - حديث : يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة - قال أبو عبد الله : ولا أعلمه إلا عن أبيه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تقوموا حتى تروني ، وعليكم السكينة . وقد تقدم - أيضا - باختلاف ألفاظه . وليس في هذا - والذي قبله - ذكر الجمعة ، إنما فيه ذكر الصلاة ، وهي تعم الجمعة وغيرها . وحديث أبي هريرة إنما يدل على النهي عن السعي عند سماع الإقامة ، وحديث أبي قتادة إنما فيه الأمر بالسكينة في القيام إلى الصلاة ، لا في المشي إليها .
- 18 باب المشي إلى الجمعة وقول الله عز وجل : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ومن قال : السعي العمل والذهاب ، لقوله : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وقال ابن عباس : يحرم البيع حينئذ . وقال عطاء : تحرم الصناعات كلها . وقال إبراهيم بن سعد ، عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ، وهو مسافر ، فعليه أن يشهد . اشتمل كلامه - هاهنا - على مسائل : إحداها : المشي إلى الجمعة ، وله فضل . وفي حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من بكر وابتكر ، وغسل واغتسل ، ومشى ولم يركب " . وقد سبق . وفي حديث اختصام الملأ الأعلى ، " إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات ، والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ، والمشي على الأقدام إلى الجمعات " . وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ . وله طرق كثيرة ، ذكرتها مستوفاة في " شرح الترمذي " . وروى ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشيا ، فإذا رجع رجع كيف شاء ماشيا ، وإن شاء راكبا . وفي رواية : وكان بين منزله وبين الجمعة ميلان . وعن أبي هريرة ، أنه كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشيا . وذكر ابن سعد في " طبقاته " بإسناده ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين . وقال النخعي : لا يركب إلى الجمعة . المسألة الثانية : أنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا ، كما في سائر الصلوات ، على ما سبق ذكره في موضعه . فأما قول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فقد حمله قوم من المتقدمين على ظاهره ، وأنكر ذلك عليهم الصحابة . فروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت ، قال : خرجت إلى المسجد يوم الجمعة ، فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء ، فرفعت في المشي ؛ لقول الله عز وجل : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه ، ثم قال : أولسنا في سعي ؟ . فقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو ، وبين أن المشي إليها سعي ؛ لأنه عمل ، والعمل يسمى سعيا ، كما قال تعالى : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى وقال : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ومثل هذا كثير في القرآن . وبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم ، ومنهم : عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، والثوري ، والشافعي وغيرهم . وروي عن ابن عباس - أيضا - من وجه منقطع . ومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة ، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام ، هذا قول الحسن . وجمع قتادة بين القولين - في رواية - فقال : السعي بالقلب والعمل . وكان عثمان وابن مسعود وجماعة من الصحابة يقرءونها : " فامضوا إلى ذكر الله " . وقال النخعي : لو قرأتها " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . وروي هذا الكلام عن ابن مسعود من وجه منقطع . المسألة الثالثة : في تحريم البيع وغيره مما يشتغل به عن السعي بعد النداء . وقد حكي عن ابن عباس تحريم البيع وغيره . وروى القاضي إسماعيل في كتابه " أحكام القرآن " من رواية سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع . وبإسناده : عن ميمون بن مهران ، قال : كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من يوم الجمعة نادوا : حرم البيع ، حرم البيع . وعن أيوب ، قال : لأهل المدينة ساعة ، وذلك عند خروج الإمام ، يقولون : حرم البيع ، حرم البيع . وعن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة . وعن الحسن وعطاء والضحاك : تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة . وعن الشعبي ، أنه محرم . وكذا قال مكحول . وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء . وحكى القاضي إسماعيل ، عمن لم يسمه ، أن البيع مكروه ، وأنه استدل بقوله : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ورد عليه : بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خير له ، كما قال تعالى : وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالك . ورواه ابن عيينة ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد أو غيره . وهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . وخالف فيه أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وعبيد الله العنبري ، وقالوا : البيع غير مردود ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيا عنه لذاته بل لوقته . والأولون يقولون : النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته ، كالصوم يوم العيد ، والصلاة وقت النهي ، فكذلك العقود . وقال الثوري - فيما إذا تصارفا ذهبا بفضة وقبضا البعض ، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة ، فإنهما يترادان البيع . وهذا يدل على أن القبض عنده شرط لانعقاد الصرف ، فلا يتم العقد إلا به ، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا - أيضا . وأما ما ذكره عن عطاء ، أنه تحرم الصناعات حينئذ ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع ؛ لأنه شاغل عن السعي إلى ذكر الله والصلاة ، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها ، حتى الأكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك ، وهذا قول الشافعية وغيرهم - أيضا . لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان ، فإن وقوعها بعد النداء نادر ، بخلاف البيع ، فإنه غالب ، فلو لم يبطل لأدى إلى الاشتغال عن الجمعة به ، فتفوت الجمعة غالبا . وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك ، وفيه نظر ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه . وقد روي عن زيد بن أسلم ، قال : لم يأمرهم الله أن يذروا شيئا غيره ، حرم البيع ، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا . وهذا ضعيف جدا ؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي ، عن السعي ، فيشاركه في المعنى كل شاغل . واستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة ، وقال : قد أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب . وهذا لا يصح ؛ فإن الصدقة قربة وطاعة ، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها . فإن ألحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجها ، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح ، وهو ابن عقيل . وعن أحمد رواية : إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب ، وهو زوال الشمس . وقد سبق مثله عن الحسن ، وعطاء ، والضحاك ، وهو - أيضا - قول مسروق ، ومسلم بن يسار ، والثوري ، وإسحاق . وقياس قولهم : إنه يجب السعي بالزوال ، ويحرم حينئذ كل شاغل يشغل عنه . والجمهور : على أنه لا يحرم بدون النداء . ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام ؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه . وفي " صحيح الإسماعيلي " من حديث الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام ، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر . وعن أحمد رواية : أنه يحرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول . وهو قول مقاتل بن حيان ، قال : وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس . ونقله ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه - صريحا . وعن أحمد ، أنه قال : أخاف أن يحرم البيع ، وإن أذن قبل الوقت . ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية ؛ لأنه صار نداء مشروعا مسنونا من سنة الخلفاء الراشدين . قال أصحابنا : ولو اقتصر عليه أجزأ ، وسقط فرض الأذان . وعند أصحاب الشافعي : يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي الإمام ، إذا كان قاطعا عن السعي ، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف ، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم . وهذا بعيد ، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان ؛ لزمانه ومكانه ، فهو أولى بالتحريم . المسألة الرابعة : حكي عن الزهري : أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة ، فعليه أن يشهدها ، وقد سبق ذكر ذلك عنه ، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاء : أن عليه شهودها ، سمع الأذان أو لم يسمعه ، وأن الجمهور على خلاف ذلك . وهل للمسافر أن يبيع ويشتري في المصر بعد سماع النداء ؟ فيه اختلاف بين أصحابنا ، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر ، كالمريض : هل له أن يبيع بعد النداء ، أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد . وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية ، كالمرأة ، فلها البيع والشراء بغير خلاف ، وكذا العبد ، إذا قلنا : لا يجب عليه الجمعة .
الحديث الثاني : 908 - حديث : أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا . وقد تقدم في كتاب : الصلاة باختلاف أسانيده وألفاظه .
14 - باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر 901 - حدثنا مسدد ، نا إسماعيل : أخبرني عبد الحميد - صاحب الزيادي نا عبد الله بن الحارث - ابن عم محمد بن سيرين - : قال ابن عباس لمؤذنه يوما مطيرا : إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ، فقال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أخرجكم ، فتمشون في الطين والدحض . قد سبق هذا الحديث في موضعين : في باب : الكلام في الأذان ، وفي أبواب الجماعة في باب : هل يصلي لمن حضر ، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر . وفي هذه الرواية زيادة ، وهي قوله : إن الجمعة عزمة ، ولم يذكر فيما تقدم لفظ الجمعة . وقد قال الإسماعيلي في صحيحه : هذه اللفظة ما إخالها صحيحة ، فإن في هذا الحديث بيان أن العزمة قوله : حي على الصلاة فكأن الدعاء إليها يوجب على السامع الإجابة ، ولا أدري هذا في الجمعة أو غيرها ، فلو كان المعنى : الجمعة عزمة ، لكانت العزمة لا تزول بترك بقية الأذان ، لأن الجمعة قائمة ، وإن لم يدع إليها الناس ، والعزمة - إن شاء الله - هي الدعاء إلى الصلاة . والله أعلم . انتهى ما ذكره . ولكن ذكر الخطبة يشهد لأنه كان في يوم جمعة . وقد ورد التصريح بأن ذلك كان يوم جمعة في روايات أخر : فخرج مسلم ذكر الجمعة في هذا الحديث ، من طريق شعبة ، عن عبد الحميد . قال البيهقي : ورواه - أيضا - معمر ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث . وذكره - أيضا - وهيب ، عن أيوب ، عن عبد الله بن الحارث . والظاهر : أن المراد : أن الجمعة فرض عين حتم ، لا رخصة لأحد في تركه ، إلا بإذن الإمام للناس في التخلف في الأذان ؛ فإن الأذان الذي بين يدي الإمام هو الموجب للسعي إليها على الناس ، فلذلك احتاج أن يرخص للناس فيه في التخلف . وقد ذكرنا فيما تقدم ، عن أحمد ، أنه قال : إذا قال المؤذن في أذانه : صلوا في الرحال فلك أن تتخلف ، وإن لم يقل ، فقد وجب عليك إذا قال : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . ولم يفرق بين جمعة وغيرها . وسبق ذكر حكم التخلف عن حضور الجمعة للمطر والوحل بما فيه كفاية . والله أعلم .
24 - باب الجلوس على المنبر عند التأذين 915 - حدثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أن السائب بن يزيد أخبره ، أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام . إنما سماه الثاني باعتبار الأذان عند الجلوس على المنبر ، فهما أذانان بهذا الاعتبار ، و الإقامة لا تسمى أذانا عند الإطلاق . وجلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إذا رقي المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة ، تلقاها الأمة بالعمل بها خلفا عن سلف . إلا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة : أنه غير مسنون . ولا خلاف أنه غير واجب .
قال البخاري : 902 - نا أحمد ، نا عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي ، فيأتون في الغبار ، يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى إنسان منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عندي - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . أحمد هذا ، قد سبق الاختلاف فيه : هل هو ابن أخي ابن وهب ، أو ابن صالح ، أو ابن عيسى التستري ؟ وذكر أبو نعيم في مستخرجه : أنه ابن عبد الله . كذا قال ، ولم يبين من هو ؟ وفي أكثر النسخ : فيأتون في الغبار ، وفي بعضها : في العباء ، وهو الأشبه . وفي النسخ : فيخرج منهم العرق ، وفي صحيح مسلم : فيخرج منهم الريح . وفيه - أيضا - : العباء . وهذا من أوضح الأدلة على أن غسل الجمعة ليس بواجب ، حتى ولا على من له ريح تخرج منه ، وإنما يؤمر به ندبا واستحبابا ، لقوله : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . ومقصود البخاري من هذا الحديث : أن أهل العوالي كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس في هذا ما يدل على وجوب الجمعة على من كان خارج المصر ، فإنه ليس فيه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بشهود الجمعة . وكذا ، ما خرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إن أهل قباء كانوا يجمعون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم لكن قد روي عنه ، أنه أمرهم بذلك . خرجه الترمذي من رواية إسرائيل ، عن ثوير - هو : ابن أبي فاختة - عن رجل من أهل قباء ، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشهد الجمعة من قباء . وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال : ولا يصح في هذا الباب شيء . انتهى . وثوير ، ضعيف الحديث ، وشيخه مجهول . وقد خرجه وكيع في كتابه ، عن إسرائيل ، به ، ولفظه : كنا نجمع من قباء - ولم يذكر : أمرهم بذلك . وقال الزهري : كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة . خرجه ابن أبي شيبة وغيره . ومراسيل الزهري ضعيفة . وقد ذكر الإمام أحمد أن بين ذي الحليفة والمدينة فرسخين ، وقال : كانوا يتطوعون بذلك من غير أن يجب عليهم . ويشهد لقوله : أن أبا هريرة كان بذي الحليفة ، وكان أحيانا يأتي الجمعة ، وأحيانا لا يأتيها . وكذلك ذكر عمرو بن شعيب ، أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكون بالرهط ، فلا يشهد الجمعة مع الناس بالطائف ، وإن ما بينه وبين الطائف أربعة أميال أو ثلاثة . خرجه عبد الرزاق . وروى عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، أنه كان يشهد الجمعة بالطائف من الرهط . وهذا يدل على أنه كان يشهدها أحيانا ، ويتركها أحيانا ، كما فعل غيره من الصحابة - رضي الله عنهم .
15 - باب من أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجب ؟ لقول الله عَزَّ وَجَلَّ : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله . وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه . وكان أنس بن مالك في قصره ، أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وهو بالزاوية على فرسخين . تضمن هذا الذي ذكره مسألتين : إحداهما : أن من هو في قرية تقام فيها الجمعة ، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة ، وشهودها ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه ، وقد حكاه عن عطاء . وهذا الذي في القرية ، إن كان من أهلها المستوطنين بها ، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له ، وسواء سمع النداء أو لم يسمع ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه . وإن كان من غير أهلها ، فإن كان مسافرا يباح له القصر ، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعة عليه . وحكي عن الزهري والنخعي ، أنه يلزمه تبعا لأهل القرية . وروي عن عطاء - أيضا - أنه يلزمه . وكذا قال الأوزاعي : إن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب . وإن كان المسافر قد نوى إقامة بالقرية تمنعه من قصر الصلاة ، فهل يلزمه الجمعة ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال : مالك وأبو حنيفة ، ولم يوجبها عليه الشافعي وأصحابه . المسألة الثانية : أن من كان خارج القرية أو المصر الذي تقام فيه الجمعة ، هل تلزمه الجمعة مع أهل القرية أو المصر ، أم لا ؟ هذا مما اختلف فيه العلماء : فقالت طائفة : لا تلزم من كان خارج المصر أو القرية الجمعة مع أهله بحال ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة ، ولو كانوا من ربض المصر . وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، إلحاقا لهم بأهل القرى ، فإن الجمعة لا تقام عندهم في القرى . وقال أكثر أهل العلم : تلزمهم الجمعة مع أهل المصر أو القرية ، مع القرب دون البعد . ثم اختلفوا في حد ذلك : فقالت طائفة : المعتبر : إمكان سماع النداء ، فمن كان من موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه ، وإلا فلا . هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق . واستدلوا بظاهر قول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب . وروي عن أبي أمامة الباهلي - معناه . وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الجمعة على من سمع النداء . وروي موقوفا ، وهو أشبه . وروى إسماعيل ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه - يرفعه - قال : لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ، ثم لا يشهدونها ، أو ليطبعن الله على قلوبهم ، وليكونن من الغافلين ، أو ليكونن من أهل النار . عبد العزيز هذا ، شامي تكلموا فيه . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ ، وهو ثلاثة أميال ، وهو قول ابن المسيب والليث ومالك ومحمد بن الحسن ، وهو رواية عن أحمد . ومن أصحابنا من قال : لا فرق بين هذا القول والذي قبله ، لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء - غالبا - فإن أحمد قال : الجمعة على من سمع النداء ، والنداء يسمع من فرسخ ، وكذلك رواه جماعة عن مالك ، فيكون هذا القول والذي قبله واحدا . وخرج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عسى أحدكم أن يتخذ الصبة على رأس ميلين أو ثلاثة ، تأتي عليه الجمعة لا يشهدها ، ثم تأتي الجمعة لا يشهدها - ثلاثا - فيطبع على قلبه . مندل ، فيه ضعف . وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعا . وفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف . وروى معدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ ، فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه . خرجه ابن ماجه . وخرجه أبو بكر النجاد وابن عبد البر ، وفي روايتهما : ميلين أو ثلاثة . ومعدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره ، وقال أبو حاتم : شيخ . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال ، وروي عن ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة . وروي عن الزهري - أيضا - تحديده بستة أميال ، وهي فرسخان . وروي عن أبي هريرة ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين . خرجه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف . وروى عبد الرزاق بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ، فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ : إن الجمعة لزمتكم ، وأن لا جمعة إلا معنا . وبإسناد منقطع ، عن معاوية ، أنه كان يأمر بشهود الجمعة من بينه وبين دمشق أربعة عشر ميلا . وقال بقية : عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار الخميس إلى جوسية وحماة والرستن يجلبون الناس إلى الجمعة ، ولم يكن يجمع إلا بحمص . وعن عطاء ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميال . وعنه ، قال : يقال : من عشرة أميال إلى بريد . وعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين . وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله : لا يجمعوا ، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة . وعن ربيعة - أيضا - أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة الجمعة خرج من بيته ماشيا أدرك الجمعة . وقالت طائفة : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله . قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور . انتهى . وهو قول أبي خيثمة زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي . وحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد نحوه ، واختاره الجوزجاني . وفيه حديث مرفوع ، من حديث أبي هريرة . وقد ذكره الترمذي ، وبين ضعف إسناده ، وأن أحمد أنكره أشد الإنكار . وفيه - أيضا - عن عائشة ، وإسناده ضعيف . وفيه - أيضا - من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف . وقالت طائفة : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق ، نقله عنه حرب . لكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد . وخرج حرب من طريق ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه وبين البصرة ثلاثة أميال ، فيشهد الجمعة بالبصرة . وقد ذكر البخاري عنه ، أنه كان أحيانا لا يجمع . وكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة - وهي ذو الحليفة - فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع . وقد روي عنه الأمران جميعا . وكذلك سعد بن أبي وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكان أحيانا يجمع ، وأحيانا لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميال أو ثمانية . وكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل .
17 - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة 906 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا حرمي بن عمارة ، ثنا أبو خلدة - هو : خالد بن دينار - قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة - يعني : الجمعة . وقال يونس بن بكير : أنا أبو خلدة ، وقال : بالصلاة ، ولم يذكر : الجمعة . وقال بشر بن ثابت : ثنا أبو خلدة : صلى بنا أمير المؤمنين الجمعة ، ثم قال لأنس : كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر ؟ خرج الإسماعيلي في صحيحه - وهو المستخرج على صحيح البخاري - من طريق هارون بن عبد الله ، عن حرمي بن عمارة ، حدثني أبو خلدة ، قال : سمعت أنس بن مالك - وناداه يزيد الضبي : يا أبا حمزة ، قد شهدت الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدت الصلاة معنا ، فكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة ؟ - فقال : كان إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة . وخرجه - أيضا - من رواية محمد بن المثنى ، عن حرمي ، ولم يذكر في حديثه : الجمعة . وخرج - أيضا - رواية يونس بن بكير التي علقها البخاري ، ولفظ حديثه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بها - يعني : الظهر . وخرج - أيضا - حديث بشر بن ثابت الذي علقه البخاري - أيضا - ولفظ حديثه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الشتاء يبكر بالظهر ، وإذا كان الصيف أبرد بها ، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء . وخرجه البيهقي من رواية بشر بن ثابت - بهذا المعنى . وخرج - أيضا - رواية يونس بن بكير : ثنا أبو خلدة : سمعت أنس بن مالك - وهو جالس مع الحكم أمير البصرة على السرير - يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بالصلاة . وروى هذا الحديث - أيضا - خالد بن الحارث : ثنا أبو خلدة ، أن الحكم بن أيوب أخر الجمعة يوما ، فتكلم يزيد الضبي . وقال : دخلنا الدار وأنس معه على السرير ، فقال له يزيد : يا أبا حمزة ، قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرت صلاتنا ، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : إذا كان الحر برد بالصلاة ، وإذا كان البرد يبكر بالصلاة ، ولم يسمعه ، ولكنه قد شهد الأمر . خرجه النسائي في كتاب الجمعة . وهذه الرواية تخالف رواية البخاري التي فيها التصريح بالسماع . وقد رواه سهل بن حماد ، عن أبي خلدة ، قال : بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة إذ قام يزيد الضبي ، فناداه ، فقال : أيها الأمير : إنك لا تملك الشمس ، فقال : خذاه ، فأخذ ، فلما قضى الصلاة أدخل عليه ، ودخل الناس ، وثم أنس بن مالك ، فأقبل على أنس ، فقال : كيف كنتم تصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبرد بالصلاة في الحر ، ويبكر بها في الشتاء . خرجه المروزي في كتاب الجمعة . فقد تبين بهذه الروايات أن سبب سؤال أنس إنما كان تأخير الحكم بن أيوب . وقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة ، وكان أنس بن مالك حاضرا . وقد خرجها بتمامها ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف من رواية جعفر بن سليمان ، حدثني المعلى بن زياد ، قال : حدثني يزيد الضبي ، قال : أتيت الحسن ثلاث مرات ، فقلت : يا أبا سعيد ، غلبنا على كل شيء ، وعلى صلاتنا نغلب ؟! فقال الحسن : إنك لن تصنع شيئا ، إنما تعرض نفسك لهم . قال : فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب ، فقلت : الصلاة يرحمك الله ، قال : فجاءتني الزبانية ، فسعوا إلي من كل جانب ، فأخذوا بلبتي ، وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء ، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم ، قال : وسكت الحكم بن أيوب ، وكدت أن أقتل دونه ، ففتح باب المقصورة ، فأدخلت عليه ، فقال : أمجنون أنت ؟ قلت : ما بي من جنون ، قال : أوما كنا في صلاة ؟ قلت : أصلحك الله ، هل من كلام أفضل من كتاب الله ؟ قال : لا ، قلت : لو أن رجلا نشر مصحفه فقرأه غدوة حتى يمسي ، ولا يصلي فيما بين ذلك ، كان ذلك قاضيا عنه صلاته ؟ قال الحكم : إني لأحسبك مجنونا : قال : وأنس بن مالك جالس قريبا من المنبر ، على وجهه خرقة خضراء ، فقلت : يا أبا حمزة ، أذكرك الله ، فإنك صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخدمته ، أحق أقول أم باطل ؟ قال : فوالله ما أجابني بكلمة . فقال له الحكم : يا أنس ، قال : لبيك ، أصلحك الله - قال : وقد كان فات ميقات الصلاة - قال : يقول له أنس : قد كان بقي من الشمس بقية ؟ فقال : احبساه . قال : فحبست ، فشهدوا أني مجنون . قال جعفر : فإنما نجا من القتل بذلك - وذكر بقية القصة . فقد تبين بهذا السياق أن الصحابة والتابعين كانوا كلهم خائفين من ولاة السوء الظالمين ، وإنهم غير قادرين على الإنكار عليهم ، وأنه غير نافع بالكلية ؛ فإنهم يقتلون من أنكر ، ولا يرجعون عن تأخير الصلاة على عوائدهم الفاسدة . وقد تكلم بعض علماء أهل الشام في زمن الوليد بن عبد الملك في ذلك ، وقال : أبعث نبي بعد محمد يعلمكم هذا - أو نحو ذلك ؟ فأخذ فأدخل الخضراء ، فكان آخر العهد به . ولهذا لم يستطع أنس أن يجيب يزيد الضبي بشيء حين تكلم يزيد ، وإنما قال للحكم لما سأله : قد بقي من الشمس بقية - يريد : قد بقي من ميقات العصر بقية - وهو كما قال ، لكن وقت الجمعة كان قد فات ، ولم يستطع أن يتكلم بذلك ، فلما دخل الحكم داره ، وأدخل معه أنسا ويزيد الضبي ، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر أنه كان يعجل في البرد ، ويبرد في الحر ، ومراده - والله أعلم - : صلاة الظهر ، وهذا هو الذي أمكن أنسا أن يقوله في ذلك الوقت ، ولم يمكنه الزيادة على ذلك . وأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال ، بل تعجل في أول الوقت ، وللشافعية في ذلك وجهان . وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهد جهيد ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها ، وكانوا يصلون الجمعة في آخر وقت العصر ، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم ، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل . وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنه ما صلى في بيته قبل أن يجيء . قال إبراهيم بن مهاجر : كنت أنا وسعيد بن جبير وإبراهيم نصلي الظهر ، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة . خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن أبي بكر بن عتبة ، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة ، فتمسى الحجاج بالصلاة ، فقام يصلي الجمعة ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أبا بكر ، أشهدك أنها الجمعة . وهذا غريب ، يدل على أنه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده . وبإسناده : عن الأعمش ، عن إبراهيم وخيثمة ، أنهما كانا يصليان الظهر والعصر ، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة ، فيصليان معه . وعن أبي وائل ، أنه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم ، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة . وعن محمد بن أبي إسماعيل ، قال : كنت في مسجد منى ، وصحف تقرأ للوليد ، فأخروا الصلاة : قال : فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان ، وهما قاعدان . وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في كتاب أدب السلطان بابا في تأخير الأمراء الصلاة ، خرج فيه الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة في ذلك ، وقد سبق ذكر بعضها في أبواب : المواقيت . وروى فيه بإسناده : أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر ، فيجلس فينتظر ، فيقول : ما له قاتله الله ؟ يصيح على منبره صياحا ، وقد فاتته العصر ، ولم يصل الظهر بعد . وبإسناده : عن عمرو بن هرم ، قال : كان أنس بن مالك يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة . وبإسناده : عن عبد الله بن أبي زكريا ، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة ، ويعتد بها جمعة ، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعا إيماء ، ثم صلى الجمعة معه ، وجعلها تطوعا ، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها إيماء . وبإسناده : عن حصين ، قال : كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة ، يومئ إيماء : يتناعس . وبإسناده : عن جرير ، قال : شهدت الجمعة مع ابن هبيرة ، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر ، فرأيت الناس يخرجون ، فرأيت أبا حنيفة خرج ، فكان شيخ يصيح في المسجد : لو كان الحجاج ما خرجوا ، وجعل فضيل بن غزوان ويقول : إنهم ، إنهم . وبإسناده : عن ابن سيرين ، أنه حضر الجمعة ، فأخر الأمير الصلاة ، فأدمى ظفره ، ثم قام فخرج ، وأخذته السياط حتى خرج من المسجد . وعن عطاء بن السائب : قال : رأيت سعيد بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة ، والحجاج يخطب ، وهم جلوس . وعن محمد بن إسماعيل ، قال : رأيت سعيد بن جبير وعطاء ، وأخر الوليد الجمعة والعصر ، فصلاهما جميعا ، قال : فأومآ إيماء ، ثم صليا معه بمنى . وبإسناده : عن حميد ، أن الوليد بن عبد الملك خرج بمنى بعد العصر ، فخطب حتى صارت الشمس على رءوس الجبال ، فنزل فصلى الظهر ، ثم صلى العصر ، ثم صلى المغرب . وروى بإسناد له : عن سالم ، أنه ذكر أن الوليد قدم عليهم المدينة ، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة ، ثم مضى وقت العصر ، فقال القاسم بن محمد لسالم : أما قمت فصليت ؟ قال : لا . قال : أفما أومأت ؟ قال : لا . وقال : خشيت أن يقال : رجل من آل عمر . وروى بإسناده : عن عمارة بن زاذان ، حدثني مكحول ، قال : خطب الحجاج بمكة ، وأنا إلى جنب ابن عمر ، يحبس الناس بالصلاة ، فرفع ابن عمر رأسه ، ونهض ، وقال : يا معشر المسلمين ، انهضوا إلى صلاتكم ، ونهض الناس ، ونزل الحجاج ، فلما صلى قال : ويحكم ، من هذا ؟ قالوا : ابن عمر . قال : أما والله لولا أن به لمما لعاقبته . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا زهير ، عن جابر - وهو : الجعفي - عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ، فلما أخرها ترك الصلاة معه . وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم ، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج ، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج ، والحسن متوار عنه بالبصرة . وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب مناقب الحسن بإسناد له ، أن الحسن شهد الجمعة مع الحجاج ، فرقى الحجاج المنبر ، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر ، فقال الحسن : أما من رجل يقول : الصلاة جامعة ؟ فقال رجل : يا أبا سعيد ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب ؟ فقال : إنما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا ، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا ، قوموا ، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن ، فقطع الحجاج خطبته ، ونزل فصلى بهم ، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه . وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أن تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة . فروى إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعا ونحوه ، وذلك في الساعة السابعة . وقال ابن عون : كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية .
خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 903 - ثنا عبدان ، أنا عبد الله - هو : ابن المبارك أنا يحيى بن سعيد ، أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة ، فقالت : قالت عائشة : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم . هذا مما يستدل به على أن الغسل للجمعة غير واجب ، كما سبق . والمراد بالمهنة : الخدمة ، وقضاء الحوائج والأشغال ، وذلك يوجب الوسخ والشعث . ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب : أن فيه ذكر رواح الناس إلى الجمعة ، والرواح إنما يكون بعد الزوال ، فدل على أن الجمعة إنما كانت تقام في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الزوال . وقد يقال : ذكر الرواح في هذا الحديث كذكر الرواح في قوله : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة - الحديث ، ولم يحمله أكثر العلماء على ما بعد الزوال ، كما سبق ، فالقول في هذا كالقول في ذاك .
16 - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس وكذلك يروى عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشير ، وعمرو بن حريث . أما المروي عن عمر : فروى مالك في الموطأ ، عن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، قال : كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي ، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة . قال : ثم نرجع بعد الجمعة فنقيل قائلة الضحى . وأما المروي عن علي : فمن طريق إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين ، قال : صليت خلف علي بن أبي طالب الجمعة حين زالت الشمس . وأما المروي عن النعمان بن بشير وعمرو بن حريث : فخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك ، قال : كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس . ومن طريق الوليد بن العيزار ، قال : ما رأيت إماما كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث ، وكان يصليها إذا زالت الشمس . وقد روي هذا - أيضا - عن معاذ بن جبل ، لكن من وجه منقطع . وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : الحسن ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي . وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال ، وسنذكر ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
الحديث الثاني : 904 - ثنا سريج بن النعمان ، ثنا فليح بن سليمان ، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس . ومعنى تميل : أي تزول عن كبد السماء ، بعد استوائها في قائم الظهيرة . وهذا يدل على أن هذه كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - الغالبة ، ولا يدل على أنه لم يكن يخل بذلك . وقد قال أنس : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة . وقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في حجرتي . وقال أبو برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الهجير حين تدحض الشمس - الحديث بطوله . وإنما أرادوا : أن ذلك كان الغالب عليه ، وإلا فقد يؤخرها عن ذلك أحيانا ، كما أخرها لما سأله السائل عن مواقيت الصلاة ، وأخرها يوم الخندق ، وغير ذلك .
الحديث الثالث : 905 - ثنا عبدان ، أنا عبد الله ، أنا حميد ، عن أنس : قال : كنا نبكر بالجمعة ، ونقيل بعد الجمعة . هذا ما يستدل به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال ، لأن التبكير والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال . وقد تقدم أنهم كانوا في عهد عمر يصلون معه الجمعة ، ثم يرجعون فيقيلون قائلة الضحى ، وهذا يدل على أن وقت الضحى كان باقيا . وكل ما استدل به من قال : تمنع إقامة الجمعة قبل الزوال ليس نصا صريحا في قوله ، وإنما يدل على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال أو على استحبابه ، أما منع إقامتها قبله فلا ، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة ، ويجمع بينها كلها ، ولا يرد منها شيئا . فروى جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج ، عن عبد الله بن سيدان ، قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول : انتصف النهار ، ثم شهدتها مع عثمان ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول : مال النهار ، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره . خرجه وكيع في كتابه عن جعفر ، به . وخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه . وخرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن جعفر ، به . وخرجه الأثرم والدارقطني . ورواه الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - عن وكيع ، عن جعفر ، واستدل به . وهذا إسناد جيد : وجعفر : حديثه عن غير الزهري حجة يحتج به - : قاله الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما . وثابت بن الحجاج : جزري تابعي معروف ، لا نعلم أحدا تكلم فيه ، وقد خرج له أبو داود . وعبد الله بن سيدان السلمي المطرودي ، قيل : إنه من الربذة ، وقيل : إنه جزري ، يروي عن أبي بكر وحذيفة وأبي ذر ، وثقه العجلي ، وذكره ابن سعد في طبقة الصحابة ممن نزل الشام ، وقال : ذكروا أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم وقال القشيري في تاريخ الرقة : ذكروا أنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم وأما البخاري ، فقال : لا يتابع على حديثه - كأنه يشير إلى حديثه هذا . وقول ابن المنذر : إن هذا الحديث لا يثبت . هو متابعة لقول البخاري ، وأحمد أعرف بالرجال من كل من تكلم في هذا الحديث ، وقد استدل به واعتمد عليه . وقد عضد هذا الحديث : أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر وعثمان كانت بعد صلاة الجمعة ، وصح عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل . خرجه مالك في الموطأ ، وبين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلا ، وقيل : ثمانية عشر ميلا ، ويبعد أن يلحق هذا السائر بعد زوال الشمس . وروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى : وقال : خشيت عليكم الحر . وروى الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن سويد ، قال : صلى بنا معاوية الجمعة ضحى . وروى إسماعيل بن سميع ، عن بلال العبسي ، أن عمارا صلى للناس الجمعة ، والناس فريقان ، بعضهم يقول : زالت الشمس ، وبعضهم يقول : لم تزل . خرج ذلك كله ابن أبي شيبة . وخرج - أيضا - من طريق الأعمش ، عن مجاهد ، قال : ما كان للناس عيد إلا أول النهار . ومن طريق يزيد بن أبي زياد ، عن عطاء ، قال : كان من كان قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : كل عيد حين يمتد الضحى : الجمعة ، والأضحى ، والفطر ، كذلك بلغنا . وروى وكيع في كتابه ، عن جعفر بن برقان ، عن حبيب بن أبي مرزوق ، عن عطاء ، قال : كل عيد في صدر النهار . وعن شعبة ، عن الحكم ، عن حماد ، قال : كل عيد قبل نصف النهار . وروى أبو سعد البقال ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، قال : ما كان عيد قط إلا في صدر النهار ، ولقد رأيتنا وإنا لنجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ظل الخطبة . أبو سعد ، فيه ضعف . وحكى الماوردي في كتابه الحاوي ، عن ابن عباس ، أنه يجوز صلاة الجمعة قبل الزوال . وهو مذهب أحمد وإسحاق - : نقله عنهما ابن منصور ، وهو مشهور عن أحمد ، حتى نقل أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال ، كذا قاله غير واحد من أصحابه ، ومنهم : ابن شاقلا وغيره . وقد روى حنبل ، عن أحمد ، قال : صلاة الجمعة تعجل ، يؤذن المؤذن قبل أن تزول الشمس ، وإلى أن يخطب الإمام ، وتقام الصلاة ، قد قام قائم الظهيرة ، ووجبت الصلاة ، ويقال : إن يوم الجمعة صلاة كله لا تحرى فيها الصلاة ، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرون بصلاة الجمعة ، إلا أنه لا ينبغي أن تصلى حتى تزول الشمس لأول الوقت ، هذه السنة التي لم يزل الناس يعملون عليها بالمدينة والحجاز ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على ذلك . وظاهر هذه الرواية : أنه إنما يقدم على الزوال الأذان والخطبة خاصة ، وظاهرها : أنه يجوز الصلاة في وقت الزوال يوم الجمعة خاصة . وقال صالح بن أحمد : سألت أبي عن وقت الجمعة ؟ فقال : إذا زالت الشمس . ونقل صالح - أيضا - عن أبيه - في موضع آخر - أنه قال : إن فعل ذلك قبل الزوال فلا أعيبه ، فأما بعده فليس فيه شك . ونحوه نقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق . ونقل أبو طالب ، عنه ، قال : ما ينبغي أن يصلي قبل الزوال ، وقد صلى ابن مسعود . ونقل عنه جماعة ما يقتضي التوقف . ونقل عنه عبد الله ، أنه قال : لا بأس أن يصلي قبل الزوال ، قد صلى ابن مسعود . وقد نقل عنه ابن القاسم ، قال : وقت الجمعة قبل الزوال وبعد الزوال ، أي ذلك فعل جاز . ونقل عنه أحمد بن الحسن الترمذي ، أنه قال : على ما جاء من فعل أبي بكر وعمر : لا أرى به بأسا ، لأنها عيد ، والأعياد كلها في أول النهار . وكذا نقل عبد الله ، عن أبيه ، قال : يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال ، يذهب إلى أنها كصلاة العيد . قال أبو بكر : وعلى هذا استقرت الروايات عنه ، وعليه العمل . واختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه : فقال الخرقي : في الساعة السادسة - وفي بعض النسخ : الخامسة . وقال القاضي وكثير من أصحابه : يجوز فعلها في وقت جواز صلاة العيد ، وهو إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها ، وزال وقت النهي . وهو ظاهر رواية عبد الله ، عن أبيه . ومن أصحابنا من قال : يجوز فعلها من وقت طلوع الفجر يوم الجمعة ، إذا دخل وقت الفجر ، حكاه ابن عقيل في مفرداته و عمد الأدلة . وهذا القول غلو من قائله ، وكيف يجوز إقامة الجمعة في وقت صلاة الفجر ؟ وهل فعل هذا أحد سلفا أو خلفا ؟ وإذا كانت صلاة لا تفعل قبل طلوع الشمس ، ووقتها قبل الزوال دون ما بعده ، فكيف تصلى الجمعة قبل طلوع الشمس ، وإنما جاز تقديمها على الزوال إلحاقا لها بالعيد ، وتشبيها لها بها . وبكل حال ؛ فلا يجب فعلها إلا بعد الزوال ، على الصحيح من المذهب . وعليه جمهور الأصحاب . وإنما يجوز تقديمها قبله وتعجيلها كما تعجل الصلاة المجموعة ؛ فإن صلاة الجمعة سببها : اليوم ؛ ولهذا تضاف إليه ، فيقال : صلاة الجمعة ، وشرطها : الزوال ، فيجوز تقديمها على شرطها بعد وجود سببها ، وهو اليوم ، كما يجوز تعجيل الزكاة بعد كمال النصاب ، وهو سبب الوجوب ، وقيل : الحول ، وهو شرطه . وهذا هو الذي تخيله من قال من الأصحاب : يجوز فعلها في وقت صلاة الفجر ، لكن الصحيح : أنه غير جائز ، ما دام وقت الفجر باقيا ؛ لئلا يتداخل وقت الصلاتين ، فإذا خرج وقت صلاة الفجر ، وزال وقت النهي ، ودخل وقت صلاة العيد والضحى جاز تقديم صلاة الجمعة حينئذ . ومع هذا ، فلا تصلى في حال استواء الشمس في السماء ، ويجوز قبله ، نص عليه أحمد ، وقال : ما يعجبني ، وأتوقاه في صلاتها في قائم الظهيرة ، مع قوله : يجوز صلاتها قبل الزوال . وأما آخر وقت الجمعة : فهو آخر وقت الظهر ، هذا هو قول جمهور العلماء ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والحسن بن حي ، ومالك - في رواية - والشافعي ، وأحمد ، وعبد العزيز بن الماجشون . واتفقوا على أنه متى خرج وقت الظهر ، ولم يصل الجمعة ، فقد فاتت ويصلي الظهر . وأما إن صلى الجمعة ، ثم خرج الوقت وهم في الصلاة ، فقال أبو حنيفة والشافعي : تبطل الصلاة ، إلا أن يخرج قبل السلام - على رأي أبي حنيفة وحده . والمنصوص عن أحمد : أنه إن خرج الوقت وهم في التشهد أتموا الجمعة . واعتبر الخرقي من أصحابنا أن يكون قد أدرك في الوقت ركعة فصاعدا ، فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعة صلوا ظهرا . وحكي رواية عن مالك كذلك . ومن أصحابنا من قال : تلحق الجمعة بتكبيرة الإحرام في الوقت كسائر الصلوات . ونقل ابن القاسم ، عن مالك ، أن آخر وقتها غروب الشمس . قال ابن القاسم : من صلى من الجمعة ركعة ، ثم غربت الشمس صلى الركعة الثانية بعد غروب الشمس ، وكانت جمعة . والعجب ممن ينصر هذا القول ، ويحتج له ، مع أنه لا يعرف العمل به إلا عن ظلمة بني أمية وأعوانهم ، وهو مما ابتدعوه في الإسلام ، ثم ينكر على من قدم الجمعة على الزوال متابعة لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكثير من التابعين لهم بإحسان . فإن قيل : فقد كان الصحابة يصلون مع من يؤخر الجمعة إلى بعد العصر ، وإلى قريب من غروب الشمس ؟ قيل : كانوا يصلون الظهر والعصر في بيوتهم قبل مجيئهم ، ثم يجيئون اتقاء شر الظلمة ، كما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم بذلك ، ومنهم من كان يومئ بالصلاة وهو جالس في المسجد إذا خاف فوت الوقت . وسنذكر ذلك في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى .
4 - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء ، كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا ، فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير . ويؤخرونها حتى يأمنوا . وبه قال مكحول . إنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب . قال الفزاري ، عن يزيد بن السمط ، عن مكحول ، قال : إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا ، لم يطيقوا أن يصلوا ، أخروا الصلاة حتى يصلوا على الأرض ، وقال : صلاة الطالب : أن ينزل فيصلي ، فيؤثر صلاته على ما سواها ، وصلاة الهارب : أن يصلي حيث كان ركعة . قال أبو إسحاق ، وقال الأوزاعي : الصلاة حيث وجهوا على كل حال ، لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب ، وصلاة الخوف : أن يصلي القوم كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى ، مستقبلي القبلة ، يركعون ويسجدون ، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا ، فيقضوها . قالَ : وقال الأوزاعي : إن ثلموا في الحصن ثلمة ، وحضرت الصلاة فإن قدروا أن يصلوا جلوسا أو يومئون إيماءً أو يتعاقبون فعلوا وإلاّ أخروا الصلاة إن خافوا إن صلّوا أن يغلبوا عليهِ ، وقد طمعوا في فتحه ، صلوا حيث كانت وجوههم ، ويتمموا إن خافوا . وقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل . منها : أن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب ، وهو رواية عن أحمد .وقال إسحاق - فيما نقله عن حرب - : يصلي بالأرض ويومئ إيماءً . وفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث ، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس ، وهو مما تفرد به ابن إسحاق . وذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلّا بالأرض صلاة الأمن ، إلاّ أن يخاف ، منهم : الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وقد سبق ذكر ذَلِكَ . ومنها : أن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة ، بل فرادى ، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذَلِكَ . ومنها : أنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا . وممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه ، وهو قال أبي حنيفة وأصحابه . وحكى ابن عبد البر ، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلا إلى القبلة ، ولا يصلي في حال المسايفة ، بل يؤخر الصلاة . وعن أحمد رواية : أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير . قال أبو داود : سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار ، فيؤخرون الصلاة حتى تطلع الشمس ، أو يصلون على دوابهم ؟ قَالَ : كلٌ أرجو . واستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر فِي بني قريظة وفي الطريق ، وأنه لم يعنف واحد منهما ، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال ، وتصلى على حسب حاله ، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال . فكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضًا عن وقته ، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال ، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع . فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف ، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء . وقول ابن عباس : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير خوف ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف ؛ فإن الخوف عذر ظاهر ، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما . فأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر ، فالجمهور على منعه . وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه ، مخرجة عن رواية حنبل عنه ، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو . وروي عن عثمان بن عفان ، أنه قالَ : لا يقصر الصلاة إلّا من كان شاخصًا أو بحضرة العدو . وظاهره : أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر - أيضًا - وبذلك فسره أبو عبيدة في غريبه . وذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان - أيضًا . وقد يفسر بأنه لا يجوز القصر إلّا في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال العدو ، وهذا قول كثير من العلماء ، ويأتي بيانه في كتاب قصر الصَّلاة إن شاء الله سبحانه وتعالى . وسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة الخوف . ومنها : أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامةً ، وهذا قول كثير من العلماء ، منهم : ابنُ عباس . ففي صحيح مسلم ، عنه ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في السفر ركعتين ، وفي الحضر أربعًا ، وفي الخوف ركعة . وقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر ، وقد سبق ذكر قولهما . ورواه الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن أبي موسى - أيضًا - أنه فعله . وهو مروي - أيضًا - عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد ، وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي . حتى قاله في صلاة الصبح ، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لا ينقص عن ركعتين وثلاث ، في خوف ولا أمن ، في حضر ولا سفرٍ . ولم يفرق هؤلاء بين حضر ولا سفر ، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصَّلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه ، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعةٍ واحدةٍ . وحكي رواية عن أحمد ، وهو ظاهر كلامه في رواية جماعة ، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا ، والمشهور عنه : المنع . وقد نقل جماعة عنه ، أنه قال : لا يعجبني ذلك . وهو قول أصحابنا . والمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي . وقد تقدم من حديث ابن عباس ، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا . ومن حديث حذيفة - أيضًا - وما في ذلك من التأويل . وروى يزيد الفقير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة الخوف ، فقام صف بين يديه ، وصف خلفه ، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم ، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء ، فصلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة وسجدتين ، ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولهم ركعة . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما . وفي رواية النسائي : ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم فسلم الذين خلفه ، وسلم أولئك . وذكر أبو داود في سننه : أن بعضهم قال في حديث يزيد الفقير : أنهم قضوا ركعة أخرى . وروى عبد الله بن شقيق : نا أبو هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بين ضجنان وعسفان ، فقال المشركون : أن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، وهي العصر ، فأجمعوا أمركم ، فميلوا عليهم ميلةً واحدة ، وأن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يقيم أصحابه شطرين ، فيصلي بهم ، وتقوم طائفة أخرى وراءهم ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة ، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ، فيكون لهم ركعة ركعة ، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان . خرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه . وقال الترمذي : حسنٌ صحيحٌ . ونقل الترمذي في علله عن البخاري ، أنه قال : هو حديثٌ حسنٌ . وقد حمله بعضهم على أن كل واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم فأما الأخرى فإنها صلتها مفردة . وخرجه النسائي عنده : يكون لهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان . وخرج ابن حبان في صحيحه هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وأصله في سنن النسائي . وقد أجاب بعضهم بأن الروايات إذا اختلفت ، وكان في بعضها عدم القضاء ، وفي بعضها القضاء ، فالحكم للإثبات ؛ لأن المثبت قد حفظ ما خفي على الباقي . وهذا صحيح أن لو كانت الروايات كلها حكاية عن واقعة واحدة ، فأما مع التعدد فيمكن أن القضاء وجد في واقعة ولم يوجد في أخرى . وقد زعم مجاهد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الخوف إلا مرتين ، مرة بذات الرقاع ، ومرة بعسفان . واختلاف الروايات في صفة صلاة الخوف يدل على أن ذلك وقع أكثر من مرتين . واستدل بعض من رأى أن صلاة الخوف ركعة بأن ظاهر القرآن يدل عليهِ ؛ فإن الله تعالى ذكر أن الطائفة الأولى تصلي معه حتَّى يسجد ، فتكون من وراء الناس ، وأن الطائفة الثانية التي لم تصل تأتي وتصلي معه ، فظاهره : أن الطائفة الأولى تجتزئ بما صلت معه من تلك الركعة ، وأن الثانية تكتفي بما أدركت معه ، ولم يذكر قضاء على واحدة من الطائفتين . ومنها : أنهم إذا عجزوا عن الصلاة بأركانها في حال الخوف ، فقال الأوزاعي : لا يجزئهم التكبير بمجرده . وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو : أنه لا يجزئ في حال شدة الخوف الاقتصار على التكبير ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، قالا : لا بد من القراءة ، ولا يجزئهم التكبير . ونقل جماعة عن أحمد ، أنه قال : لا بد في صلاة الخوف من القراءة والتشهد والسلام . وذهب آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبير . روي عن جابر وابن عمر : تجزئهم تكبيرةٌ واحدة ، وعن مجاهد والسدي . وكذا قال عبد الوهاب بن بخت ، وزاد : وإن لم يقدر على التكبير ، فلا يتركها في نفسه . يعني : النية . وروي عن عبد الله بن الزبير ، أنه ارتث يوم الجمل قبل غروب الشمس ، فقيل له : الصلاة . فقال : لا أستطيع أن أصلي ، ولكني أكبر . وعن الضحاك : إن لم يستطع أن يومئ كبر تكبيرة أو تكبيرتين . وقال الثوري : إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبير في كل خفض ورفع ، وإن لم يستطع أن يتوضأ تيمم بغبار سرجه . وكذلك مذهب الثوري في المريض المدنف : إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه ، فإنه يكبر لكل ركعة تكبيرة ، مستقبل القبلة ، وتجزئه . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لم يقدروا على ركعة فسجدة واحدة ، فإن لم يقدروا فتكبيرةٌ واحدة ، واستدل بقولِهِ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فإذا قدر على الإتيان بشيء من الصلاة ، وعجز عن الباقي لزمه أن يأتي به في وقته ويجزئه ، ولا يجوز له تأخيره عن الوقت . وذكر ابن جرير بإسناده ، أن هرم بن حيان كان معه أصحابه يقاتلون العدو مستقبلي المشرق ، فحضرت الصلاة ، فقالوا : الصلاة الصلاة ، فسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة ، وهم مستقبلو المشرق . ويستدل للجمهور بأن ما دون الركعة ليس بصلاة ، فلا يكون مأمورًا به من عجز عن الصلاة ، وأقل ما ورد في صلاة الخوف أنها ركعة ، فما دون الركعة ليس بصلاة ، ولا يؤمر به في خوف ولا غيره ، ولا يسقط به فرض الصلاة .
ثم قال البخاري - رحمه الله - : وقال أنس بن مالك : حضرت مناهضة حصن تستر عند صلاة الفجر - واشتد اشتعال القتال - فلم يقدروا على الصلاة ، فلم نُصل إلاّ بعد ارتفاع النهار ، فصليناها ونحن مع أبي موسى ، ففتح لنا . قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها . هذه الواقعة كانت في زمن عمر - رضي الله عنه - سنة عشرين . قال خليفة بن خياط في تاريخه : نا ابن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، قالَ : لم نصل يومئذ صلاة الغداة حتى انتصف النهار ، فما يسرني بتلك الصلاة الدنيا كلها . قال خليفة : وذلك سنة عشرين .
ثم قال البخاري : 945 - حدثني يحيى ، ثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاء عمر يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش ، ويقول : يا رسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وأنا ما صليتها بعد . قال : فنزل إلى بطحان ، فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس ، ثم صلى المغرب بعدها . يحيى شيخ البخاري ، قيل : إنه ابن جعفر بن أعين البيكندي . وقيل : إنه ابن موسى بن عبد ربه ابن ختّ البلخي ، وكلاهما يروي عن وكيع . وقد خرجه البخاري في آخر المواقيت من غير وجهٍ ، عن يحيى بن أبي كثير . وسبق الكلام على وجه تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في ذلك اليوم : هل كان نسيانًا ، أو اشتغالا بالحرب ؟ وعلى هذا التقدير : فهل هوَ منسوخ بنزول آيات صلاة الخوف ، كما روي ذَلِكَ عن أبي سعيد الخدري ، أو هو محكم باقٍ ؟ والبخاري يشير إلى بقاء حكمه من غير نسخ . وقال كثير من العلماء : إنه نسخ بصلاة الخوف ، وحديث أبي سعيد يدل عليه ، وقد ذكرناه هنالك ، وممن ذكر ذلك : الشافعي ، وكثير من أصحابنا وغيرهم . وأما قول ابن إسحاق : إن صلاة عسفان وذات الرقاع كانت قبل الخندق ، ففيه نظر . والله سبحانه وتعالى أعلم . وكذلك ذكر ابن سعد : أن غزوة ذات الرقاع كانت على رأس سبعة وأربعين شهرًا من الهجرة ، وفيها صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو أول ما صلاها . وقد رد البخاري في المغازي من صحيحه هذا بوجهين : أحدهما : أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع ، وأبو موسى إنما جاء بعد خيبر ، وذلك بعد الخندق . والثاني : أن جابرًا ذكر أن صلاة الخوف إنما كانت في السنة السابعة ، وقد ذكرنا حديثه هذا في الباب الأول من أبواب صلاة الخوف . وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث - أعني : حديث جابر في تأخير الصلاة يوم الخندق - على جواز تأخير الصلاة في حال الخوف لمن لم يقدر على الوضوء إلا بعد الوقت - في رواية جماعة من أصحابه . وعنه رواية أخرى : أنه يتيمم ويصلي في الوقت ، وقد سبق ذلك في التيمم . فحمل الإمام أحمد تأخير الصلاة يوم الخندق على أنه كان للاشتغال بالحرب ، كما حمله البخاري . قال الإمام أحمد : وقد قيل : إن ذلك كان قبل نزول هذه الآية : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا يعني : حديث أبي سعيد . وحديث أبي سعيد إنما يدل على أن ذلك قبل نزول صلاة شدة الخوف بالإيماء رجالا وركبانا ، لم يدل على أن صلاة الخوف لم تكن نزلت . والبخاري قد قرر في كتاب المغازي أن صلاة الخوف إنما شرعت في السنة السابعة ، وذلك بعد الخندق بلا ريب ، ومع هذا فجعل التأخير يوم الخندق محكما غير منسوخ بصلاة الخوف ، ويكون الجمع بينهما بأنه مخير حال شدة الخوف بين التأخير وبين الصلاة بالإيماء ، كما يقوله الإمام أحمد - في رواية عنه . واجتماع الصحابة كلهم على النسيان يوم الخندق بعيد جدا ، إلا أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الناسي ، وإن الصحابة اتبعوه على التأخير من غير سؤال له عن سببه . ويشهد لهُ : أنه جاء في رواية للإمام أحمد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ قالوا : لا ، فصلاهما . وفيه : دليل على رجوع الشاك في أصل صلاته : هل صلاها ، أو لا ؟ إلى قول غيره ، كما يرجع إلى قوله في الشك في عدد ما صلى . وقد قال الحسن - في الرجل يشك : هل صلى ، أم لا ؟ - : يعيد ما كانَ في وقت تلك الصَّلاة ، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليهِ . ذكره عبد الرزاق ، بإسناده عنه .
قال البخاري - رحمه الله - : 942 - نا أبو اليمان : ثنا شعيب ، عن الزهري ، قال : سألته : هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ : أخبرني سالم ، أن عبد الله بن عمر قالَ : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، فوازينا العدو ، فصاففنا لهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا ، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو ، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وسجد سجدتين ، ثُمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ، فجاءوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد سجدتين ، ثُمَّ سلم ، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين . وخرجه في موضع آخر من رواية معمر . وخرجه مسلم من رواية معمر وفليح كلاهما ، عن الزهري ، به - بمعناه . وقد روي عن حذيفة نحو رواية ابن عمر - أيضا . خرجه الطبراني من رواية حكام بن سلم ، عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال : صلى بنا أبو موسى الأشعري بأصبهان صلاة الخوف ، وما كان كبير خوفٍ ؛ ليرينا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقام فكبر ، وكبر معه طائفة من القوم ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بهم ركعة فانصرفوا ، وقاموا مقام إخوانهم ، فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة أخرى ، ثُمَّ سلم ، فصلى كل واحد منهم الركعة الثانية وحدانا . ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، أن أبا موسى كان بالدار من أرض أصبهان ، وما بها كبير خوف ، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم ، فجعلهم صفين : طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها ، وطائفة من ورائها ، فصلى بالذين بإزائه ركعة ، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الأخرى ، وجاءوا يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم سلم ، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة ، ثم سلم بعضهم على بعض ، فتمت للإمام ركعتان في جماعة ، وللناس ركعة ركعة . يعني : في جماعة . خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده . وهو إسناد جيد . وهو في حكم المرفوع ؛ لما ذكر فيه من تعليمهم بسنة نبيهم . ورواه أبو داود الطيالسي ، عن أبي حرة ، عن الحسن ، عن أبي موسى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه - فذكر نحوه ، وفيه زيادة على حديث ابن عمر : أن الطائفة الأولى لما صلت ركعة وذهبت لم تستدبر القبلة ، بل نكصت على أدبارها . وروي - أيضا - عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك ، من رواية خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فقاموا صفين ، فقام صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل العدو ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذين يلونه ركعة ، ثم قاموا فذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، وجاءوا أولئك فقاموا مقامهم ، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم سلم ، ثم قاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ثم ذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم ، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا . خرجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - وأبو داود - بمعناه . وخصيف ، مختلف في أمره . وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته ، فهي صحيحة عندهم . وهذه الصفة توافق حديث ابن عمر وحذيفة ، إلّا في تقدم الطائفة الثانية بقضاء ركعة ، وذهابهم إلى مقام أولئك مستقبلي العدو ، ثُمَّ مجيء الطائفة الأولى إلى مقامهم فقضوا ركعة . وحديث ابن عمر وحذيفة فيهما : قيام الطائفتين يقضون لأنفسهم ، وظاهره : أنهم قاموا جملة وقضوا ركعة ركعة وحدانا . وقد رواه جماعة ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، وزادوا فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وكبر الصفان معه جميعًا . وقد خرجه كذلك الإمام أحمد وأبو داود . وزاد الإمام أحمد : وهم في صلاة كلهم . واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن عمر ، وما وافقه : فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة ، وإن كان غيرها أفضل منها ، هذا قول الشافعي - في أصح قوليه - وأحمد وإسحاق وغيرهم . وقالت طائفة : هي غير جائزة على هذه الصفة ؛ لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة والمشي الكثير ، والتخلف عن الإمام ، وادعوا أنها منسوخة ، وهو أحد القولين للشافعي . ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها . وقالت طائفة : هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم لا فضل لبعضها على بعض ، وهو قول إسحاق : نقله عن ابن منصور . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أن حديث ابن عمر وابن مسعود يعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة . وكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك . وقالت طائفة : هي أفضل أنواع صلاة الخوف ، هذا قول النخعي ، وأهل الكوفة وأبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان ، وحكي عن الأوزاعي وأشهب المالكي . وروى نافع ، أن ابن عمر كان يعلم الناس صلاة الخوف على هذا الوجه . وحكي عن الحسن بن صالح ، أنه ذهب إلى حديث ابن مسعود ، وفيه : أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام الركعة الثانية ، ثم إذا سلم قضت ركعة ، ثم ذهبت إلى مكان الطائفة الأولى ، ثم قضت الطائفة الأولى ركعة ، ثم تسلم . وقد قيل : إن هذا هو قول أشهب . وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد ، أنه ذهب إلى هذا - أيضا . وقال بعض أصحابنا : هو أحسن من الصلاة على حديث ابن عمر ؛ لأن صلاة الطائفة الثانية خلت عن مفسد بالكلية . وحكي عن أبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد والمزني : أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لظاهر قول الله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ الآية . قالوا : وإنما يصلي الناس صلاة الخوف بعده بإمامين ، كل إمام يصلي بطائفة صلاة تامة ، ويسلم بهم . وهذا مردود بإجماع الصحابة على صلاتها في حروبهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم وقد صلاها بعده : علي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو موسى الأشعري ، مع حضور غيرهم من الصحابة ، ولم ينكره أحد منهم . وكان ابن عمر وغيره يعلمون الناس صلاة الخوف ، وجابر ، وابن عباس وغيرهما يروونها للناس تعليما لهم ، ولم يقل أحد منهم : أن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم وخطابه - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع مشاركة أمته له في الأحكام ، كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ وحكي عن مالك ، أنها تجوز في السفر دون الحضر ، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابه . ويحتج له بحمل آية القصر على صلاة الخوف ، وقد شرط لها شرطان : السفر والخوف ، كما سبق ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانَ يصلي صلاة الخوف في أسفاره ، ولم يصلها في الحضر مع أنه حوصر بالمدينة عام الخندق ، وطالت مدة الحصار ، واشتد الخوف ، ولم يصل فيها صلاة الخوف . وقد قيل : إن صلاة الخوف إنما شرعت بعد غزوة الأحزاب في السنة السابعة . وقد ذكر البخاري في المغازي من كتابه هذا - تعليقا - من حديث عمران القطان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة : غزوة ذات الرقاع . وخرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست مرار قبل صلاة الخوف ، وكانت صلاة الخوف في السابعة . وقد تقدم في حديث أبي عياش ، أن أول صلاة الخوف كانت بعسفان وعلى المشركين خالد . وقد روى الواقدي بإسناد له ، عن خالد بن الوليد ، أن ذلك كان في مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرة الحديبية . وقد تقدم أن أبا موسى صلى بأصبهان هذه الصلاة ، ولم يكن هناك كبير خوف ، وإنما صلى بهم ليعلمهم سنة صلاة الخوف . وهذا قد يحمل على أنه كان ثم خوف يبيح هذه الصلاة ، ولم يكن وجد خوف شديد يبيح الصلاة بالإيماء . وقد قال أصحابنا وأصحاب الشافعي : لو صلى صلاة الخوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف لم تصح صلاة المأمومين كلهم ؛ لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشي والتخلف عن الإمام . فأما الإمام ، فلأصحابنا في صلاته وجهان ، بناء على أن الإمام إذا بطلت صلاة من خلفه ، فهل تبطل صلاته لنيته الإمامة وهو منفرد ، أو يتمها منفردا وتصح ؟ وفيه وجهان للأصحاب .
12 كتاب صلاة الخوف بسم الله الرحمن الرحيم 12 صلاة الخوف وقول الله عز وجل : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا قوله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قد ذكر طائفة من السلف أنها نزلت في صلاة في السفر ، لا في صلاة السفر بمجرده ؛ ولهذا ذكر عقيبها قوله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ثم ذكر صفة صلاة الخوف ، فكان ذلك تفسيرا للقصر المذكور في الآية الأولى . وهذا هو الذي يشير إليه البخاري ، وهو مروي عن مجاهد والسدي والضحاك وغيرهم ، واختاره ابن جرير وغيره . وتقدير ذلك من وجهين : أحدهما : أن المراد بقصر الصلاة قصر أركانها بالإيماء ونحوه ، وقصر عدد الصلاة إلى ركعة . فأما صلاة السفر ، فإنها ركعتان ، وهي تمام غير قصر ، كما قاله عمر -رضي الله عنه وروى سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : الركعتان في السفر تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة . خرجه ابن جرير وغيره . وروى ابن المبارك عن المسعودي ، عن يزيد الفقير ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن الركعتين في السفر : أقصرٌ هما ؟ قالَ : إنما القصر ركعةٌ عندَ القتال ، وإن الركعتين في السفر ليستا بقصرٍ . وخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي ، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر ؟ قال : إنها ليست بتقصير ، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم . وخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ركعتين ، وحين أقام أربعا أربعا . وقال ابن عباس : فمن صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين . وقال ابن عباس : لم تقصر الصلاة إلّا مرة واحدة حيث صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، وصلى الناس ركعة واحدة . يعني : في الخوف . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ركعة ركعة . قال سعيد : كيف تكون مقصورة وهما ركعتان . والوجه الثاني : أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق ، يدخل فيه قصر العدد ، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر ، فأما إذا انفرد أحد الأمرين - وهو السفر أو الخوف - فإنه يختص بأحد نوعي القصر ، فانفراد السفر يختص بقصر العدد ، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان . لكن هذا مما لم يفهم من ظاهر القرآن ، وإنما بين دلالةٌ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآية لا تنافيه . وإن كان ظاهرها لا يدل عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقيل : إن قوله : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف ، وأن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف . روي ذلك عن عَلِيّ - رضي الله عنه خرجه ابن جرير ، عنه بإسناد ضعيف جدا ، لا يصح . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف . فروى منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسفان - وعلى المشركين خالد بن الوليد - فصلينا الظهر ، فقال المشركونَ : لقد أصبنا غرةً ، لقد أصبنا غفلةً ، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة ، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر ، فلما حضرت العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه ، فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صف ، وصف بعد ذلك الصف صف آخر ، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعا ، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا ، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه ، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين ، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعا ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون ، ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم جميعا ، فصلاها بعسفان ، وصلاها يوم بني سليم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم . وقال : على شرطهما . وفي رواية للنسائي وابن حبان ، عن مجاهد : نا أبو عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره . ورد ابن حبان بذلك على من زعم : أن مجاهدا لم يسمعه من أبي عياش ، وأن أبا عياش لا صحبة له . كأنه يشير إلى ما نقله الترمذي في علله عن البخاري ، أنه قال : كل الروايات عندي صحيحٌ في صلاة الخوف ، إلا حديث مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، فإني أراه مرسلًا . وابن حبان لم يفهم ما أراده البخاري ، فإن البخاري لم ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ ، وقد عدَة في تاريخه من الصحابة ، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش ، وإنما مراده : أن هذا الحديث الصواب : عن مجاهد إرساله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر أبي عياش ؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد ، عنه بخلاف رواية منصور ، عنه ، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم ، عن مجاهد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا من غير ذكر أبي عياش . وهذا أصح عند البخاري ، وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ . وأما أبو حاتم الرازي ، فإنه قال - في حديث منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش - : إنه صحيح . قيل له : فهذه الزيادة فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر محفوظةٌ هي ؟ قال : نعم . وقال الإمام أحمد : كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح . وقد جاء في رواية : فنزلت وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ وهذا لا ينافي رواية : فنزلت آية القصر بل تبين أنه لم تنزل آية القصر بانفرادها في هذا اليوم ، بل نزل معها الآيتان بعدها في صلاة الخوف . وهذا كله مما يشهد لأن آية القصر أريد بها قصر الخوف في السفر ، وإن دلت على قصر السفر بغير خوف بوجه من الدلالة . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .
3 - باب يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف 944 - حدثنا حيوة بن شريح : نا محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، قالَ : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الناس معه ، فكبر وكبروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ، ثم قام للثانية ، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم ، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه ، والناس كلهم في صلاة ، ولكن يحرس بعضهم بعضا . وخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير ، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد ، وزاد فيه ألفاظا بعد قوله : ثم قام إلى الركعة فتأخر الذين سجدوا معه وحرسوا إخوانهم . ورواه النعمان بن راشد ، عن الزهري بهذا الإسناد ، وزاد فيه زيادات كثيرة ، ولفظه : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا خلفه صفين ، فكبر وركع وركعنا جميعا ، الصفان كلاهما ، ثم رفع رأسه ، ثم خر ساجدا ، وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياما يحرسون إخوانهم ، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجودا ، فسجد سجدتين ، ثم قاموا فتأخر الصف المقدم الذي بين يديه ، وتقدم الصف المؤخر ، فركع وركعوا جميعا ، وسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه ، وثبت الآخرون قياما يحرسون إخوانهم ، فلما قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خر الصف المؤخر سجودا ، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الدارقطني ، ومن طريقه البيهقي . وفي هذه الرواية : أن الصفين ركعوا معه ، ورواية الزبيدي تدل على أن بعضهم ركع معه ، وبعضهم لم يركع . ورواه أبو بكر بن أبي الجهم ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي قرد ، فصف الناس خلفه صفين ، صف خلفه ، موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ، ولم يقضوا . خرجه النسائي من طريق سفيان ، عنه . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بذي قرد - أرض من أرض بني سليم - فصف الناس خلفه صفين ، صفا موازي العدو ، وصفا خلفه ، فصلى بالذي يليه ركعة ، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، فصلى بهم ركعة أخرى . وفي رواية أخرى لهُ : ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ولكل طائفة ركعة . وهذه الزيادة مدرجة من قول سفيان ؛ كذلك هوَ في رواية البيهقي . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال البخاري في المغازي : وقال ابن عباس : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخوف بذي قرد - ولم يزد على ذَلِكَ . وقال الشافعي : هو حديث لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله . قالَ : وإنما تركناه لاجتماع الأحاديث على خلافه ، ولأنه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده . انتهى . وإذا اختلف أبو بكر بن أبي الجهم والزهري ، فالقول قول الزهري ، ولعل مسلما ترك تخريج هذا الحديث للاختلاف في متنه ، وقد صحح الإمام أحمد إسناده . قال - في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف - : قد روي ركعة وركعتان ، ابن عباس يقول : ركعة ركعة ، إلّا أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان وللقوم ركعة ، وما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها صحاح . وقال - في رواية حرب - : كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح الإسناد ، وكل ما فعلت منه فهو جائز . وقد حمل بعضهم معنى رواية أبي بكر بن أبي الجهم على معنى رواية الزهري ، وقال : إنما المراد أن الصفين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم ثم حرس أحد الصفين في الركعة الأولى ، والآخر في الثانية ، وإنما لم يقضوا بعد سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم قضوا ما تخلفوا به عنه قبل سلامه ، كما في رواية النعمان بن راشد ، عن الزهري . وأما قوله : فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان وللقوم ركعة ، فهو من قول سفيان ، كما هو مصرح به في رواية البيهقي ، وذلك ظن ظنه ، قد خالفه غيره فيهِ . ويشهد لهذا التأويل : أنه قد روي عن ابن عباس التصريح بهذا المعنى من وجه . خرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : ما كانت صلاة الخوف إلا كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء إلا أنها كانت عقبا ، قامت طائفة منهم وهم جميعا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم وسجدت معه طائفة ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجد الذين كانوا قياما لأنفسهم ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاموا معه جميعًا ، ثم ركع وركعوا معه جميعًا ، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قياما أول مرة ، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم سجد الذين كانوا قياما لأنفسهم ، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتسليم . وخرج الإمام أحمد من رواية النضر أبي عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قالَ : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة فلقي المشركين بعسفان فأنزل الله وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآية ، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر وكانوا في القبلة صلى المسلمون خلفه صفين فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبروا معه - فذكر صلاة الخوف - وفيه : تأخر الصف الذين يلونه في الركعة الثانية وتقدم الآخرين - وقال في آخر الحديث : فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم ، قالوا : لقد أخبروا بما أردناهم . وقال : صحيح على شرط البخاري . وليس كما قال ؛ والنضر أبو عمر ، ضعيف جدا . وخرجه البزار - أيضا . وقد تقدم حديث أبي عياش الزرقي في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان بهذا المعنى . وروي - أيضا - من حديث جابر ، من رواية عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قالَ : شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، وصفنا صفين ، صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وكبرنا جميعا ، ثم ركع وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه ، وقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود ، وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر في نحور العدو ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا . قال جابر : كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم . خرجه مسلم . وخرجه - أيضا - من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما من جهينة ، فقاتلونا قتالا شديدا - ثم ذكره بمعناه . وروي - أيضا - من حديث حذيفة . خرجه الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق ، عن سليم بن عبد السلولي ، قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ، فقال : أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ حذيفة : أنا ، فأخر أصحابك يقومون طائفتين ، طائفة خلفك وطائفة بإزاء العدو ، فتكبر فيكبرون جميعا ، ثُمَّ تركع فيركعون جميعا ، ثُمَّ ترفع فيرفعون جميعا ، ثُمَّ تسجد ويسجد معك الطائفة التي تليك ، والطائفة التي بإزاء العدو قيام بإزاء العدو ، فإذا رفعت رأسك من السجود يسجدون ، ثُمَّ يتأخر هؤلاء ويتقدم الآخرون ، فقاموا مقامهم ، فتركع ويركعون جميعا ، ثُمَّ ترفع ويرفعون جميعا ، ثُمَّ تسجد فتسجد الطائفة التي تليك ، والطائفة الأخرى قائمة بإزاء العدو ، فإذا رفعت رأسك من السجود سجدوا ، ثُمَّ سلمت ويسلم بعضهم على بعض ، وتأمر أصحابك إن هاجهم هيج من العدو ، فقد حل لهم القتال والكلام . وسليم بن عبد ، ذكره ابن حبان في ثقاته . وقد روي حديث حذيفة بألفاظ محتملة ، وهذه الرواية مفسرة لما أجمل في تلك . كما روى الأسود بن هلال ، عن ثعلبة بن زهدم ، قالَ : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ، فقام ، فقال : أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ حذيفة : أنا ، فصلى بهؤلاء ركعة ، وبهؤلاء ركعة ، وانفضوا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وهذا لفظه . وخرجه النسائي ، ولفظه : فقام حذيفة ، فصف الناس خلفه صفين ، صفا خلفه ، وصفا موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا . وفي رواية : قال له حذيفة : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بطائفة ركعة ، صف خلفه ، وأخرى بينه وبين العدو ، فصلى بالطائفة التي تليه ركعة ، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف أولئك ، فصلى بهم ركعة . وروى أبو روق ، عن مخمل بن دماث ، قال : غزونا مع سعيد بن الحارث ، فقال : من شهد منكم صلاة الخوف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالَ حذيفة : أنا ، صلى بإحدى الطائفتين ركعة ؛ والأخرى مستقبلة العدو ، ثُمَّ ذهبت هذه الطائفة فقامت مقام أصحابهم ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، فصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل طائفة ركعة ركعة . وقد خرجه الإمام أحمد وغيره - أيضا . فهذا الاختلاف في حديث حذيفة يشبه الاختلاف في حديث ابن عباس ، وبعضه محتمل ، وبعضه مفسر ، فيرد المحتمل إلى المفسر المبين ، كما قلنا في حديث ابن عباس . والله - سبحانه وتعالى - أعلم . وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحة الصلاة على وجه الحرس ، على ما في حديث أبي عياش الزرقي وما وافقه من رواية جابر وابن عباس وحذيفة ، وقد أمر بها حذيفة كما سبق . وروى حطان بن عبد الله ، أن أبا موسى صلاها في بعض حروبه ، واستحبها طائفة منهم إذا كان العدو في جهة القبلة ، منهم : سفيان وإسحاق وأبو يوسف . وروي عن أبي حنيفة : أنه لا يجوز الصلاة بها ، ولا يجوز إلا على حديث ابن مسعود وما وافقه ، كما سبق . والصلاة بهذه الصفة والعدو في جهة القبلة إذا لم يخش لهم كمين حسن ؛ فإن أكثر ما فيها تأخر كل صف عن متابعة الإمام في السجدتين وقضاؤهما في الحال قبل سلامه ، وتكون الحراسة في السجود خاصة ، وهذا قول الشافعي وأصحابه . وللشافعية وجه آخر : أنهم يحرسون في الركوع مع السجود ، وقد سبق في رواية البخاري لحديث ابن عباس ما يدل عليهِ . واعلم ؛ أن البخاري لم يخرج في أبواب صلاة الخوف مما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنواع صلاة الخوف سوى حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وخرج في المغازي حديث جابر وسهل بن أبي حثمة ، وذكر حديث أبي هريرة - تعليقًا . فأما حديث جابر ، فقال : وقال أبان : نا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع - فذكر الحديث إلى أن قال - : وأقيمت الصَّلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتين . هكذا ذكره تعليقًا . وخرجه مسلم مسندًا من حديث أبان ، ولفظه : قالَ : فنودي بالصلاة - وذكره . في الحديث : دليل على أن صلاة الخوف ينادى لها بالأذان والإقامة كصلاة الأمن ، ولا أعلم في هذا خلافًا ، إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم ، عنه ، أنه قالَ : ليس في صلاة الخوف أذان ولا إقامة في حضر ولا سفر . وخرج الدارقطني من حديث الحسن ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحاصر بني محارب بنخل ، ثم نودي في الناس : أن الصلاة جامعة - وذكر معنى حديث أبي سلمة ، وصرح فيه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم بين كل ركعتين . وقد خرجه النسائي - مختصرًا - من رواية حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن جابر - بذكر السلام - أيضا ، وليس فيه : ذكر الصلاة جامعة . ورواه قتادة - أيضا - عن سليمان اليشكري ، عن جابر - بذكر السلام بين كل ركعتين ، وفيه : أن يومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة ، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح ، وفي الحديث أن ذلك كان بنخلٍ . والحسن ، لم يسمع من جابر ، وقتادة ، لم يسمع من سليمان اليشكري . وقد رواه أشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه صلى في خوف ثقيف ركعتين ، ثم سلم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين ، ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعًا ، ولأصحابه ركعتين ركعتين . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه . وعند أبي داود : وبذلك كان يفتي الحسن . وصلاة الخوف على هذه الصفة : أن يصلي الإمام أربع ركعات ويصلي كل طائفة خلفه ركعتين ، لها صورتان : إحداهما : أن يسلم الإمام من كل ركعتين ، فهو جائز عن الشافعي وأصحابه . واختلفوا : هل هي أفضل من صلاة ذات الرقاع - التي يأتي ذكرها ؟ على وجهين لهم . وكذلك اختار الجوزجاني هذه الصلاة على غيرها من أنواع صلوات الخوف ؛ لما فيها من تكميل الجماعة لكل طائفة . واختلف أصحابنا في ذلك : فمنهم من أجازها في صلاة الخوف دون غيرها ، وهو منصوص أحمد ، وهو قول الحسن البصري - أيضا - واختاره طائفة من أصحابنا . ومن أصحابنا من قال : هي مُخرجة على الاختلاف عن أحمد في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل ، كما سبق ذكره . ومنع منها أصحاب أبي حنيفة ؛ لذلك . والصورة الثانية : أن لا يسلم الإمام ، ويكون ذلك في سفر ، فينبني على أنه : هل يصح أن يقتدي القاصر بالمتم في السفر ؟ والأكثرون على أنه إذا اقتدى المسافر بمن يتم الصلاة فأدرك معه ركعة فصاعدًا ، فإنه يلزمه الإتمام . فإن أدرك معه دون ركعة ، فهل يلزمه الإتمام ؟ قالَ الزهري وقتادة والنخعي ومالك : لا يلزمه ، وهو رواية عن أحمد . والمشهور ، عنه : أنه يلزمه الإتمام بكل حال ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور . وقالت طائفة : لا يلزمه الإتمام ، وله القصر بكل حال وهو قول الشعبي وطاوس وإسحاق . فعلى قول هؤلاء : لا تردد في جواز أن يصلي الإمام أربع ركعات في السفر ، وتصلي معه كل طائفة ركعتين . وعلى قول الأولين : فهل يجوز ذلك في صلاة الخوف خاصة ؟ فيه لأصحابنا وجهان . ومن منع ذلك قال : ليس في حديث جابر تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم بين كل ركعتين . بل قد ورد ذلك صريحًا في روايات متعددة ، فتحمل الروايات المحتملة على الروايات المفسرة المبينة . ثم قال البخاري : وقال أبو الزبير ، عن جابر : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخل ، فصلى الخوف . وقال - أيضا - : وقال معاذ : ثنا هشام ، عن أبي الزبير ، عن جابر : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخل - فذكر صلاة الخوف . وقد خرجه النسائي من رواية سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخل ، والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكبروا جميعًا ، ثم ركع فركعوا جميعًا ، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما قاموا سجد الآخرون مكانهم الذي كانوا فيهِ ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع فركعوا جميعًا ، ثم رفع فرفعوا جميعًا ، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصف الذين يلونه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وجلسوا سجد الآخرون مكانهم ، ثم سلم . قال جابر : كما يفعل أُمراؤكم . وخرجه مسلم - بمعناه - من رواية زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، وليس عنده : بنخلٍ . وذكر البخاري - أيضًا - تعليقًا ، عن جابر من طريقين آخرين ، فقال : وقال بكر بن سوادة : حدثني زياد بن نافع ، عن أبي موسى ، أن جابرًا حدثهم : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم يوم محارب وثعلبة . وقال ابن إسحاق : سمعت وهب بن كيسان : سمعت جابرًا : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذات الرقاع من نخل ، فلقي جمعًا من غطفان ، فلم يكن قتال ، وأخاف الناس بعضهم بعضًا ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتي الخوف . انتهى . وأبو موسى ، ليس هو الأشعري ، بل تابعي ، ذكره أبو داود ، وذكر في حديثه : أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل طائفة ركعة . وقد رواه ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة بهذا الإسناد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة ، بكل طائفة ركعة وسجدتين . وذكر أبو مسعود الدمشقي وغيره : أن أبا موسى هذا هو علي بن رباح اللخمي ، وقيل : إنه أبو موسى الغافقي ، واسمه : مالك بن عبادة ، وله صحبةٌ . قال صاحب التهذيب : والقول الأول أولى . والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما حديث سهل بن أبي حثمة : فقال البخاري : ثنا قتيبة ، عن مالك ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف : أن طائفة صفت معه ، وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم . قال مالك : وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف . حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة ، وطائفة منهم معه ، وطائفة من قبل العدو ، ووجوههم إلى العدو ، فيصلي بالذين معه ركعة ، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم ، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك ، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة ، فله ثنتان ، ثم يركعون ويسجدون سجدتين . حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن عبيد الله : ثنا ابن أبي حازم ، عن يحيى : سمع القاسم : أخبرني صالح بن خوات ، عن سهل ، حدثه - قوله . حاصل الاختلاف في إسناد هذا الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا : أن يزيد بن رومان رواه عن صالح بن خوات ، عمن شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع ، ولم يسمه . ورواه القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، واختلف عليه في رفعه ووقفه : فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن القاسم ، فوقفه على سهل . وقد خرجه البخاري هاهنا من طريق يحيى القطان وابن أبي حازم ، عن يحيى الأنصاري . كذلك رواه شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، فرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم قال الإمام أحمد : رفعه عبد الرحمن ، ويحيى لم يرفعه . ثم قالَ : حسبك بعبد الرحمن ، هو ثقة ثقة ثقة . قيل له : فرواه عن عبد الرحمن غير شعبة ؟ قالَ : ما علمت . ثم قال : قد رواه يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم فهذا يشد ذاك . يريد : أنه يقوي رفعه . ونقل الترمذي في علله عن البخاري ، أنه قال : حديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن ، وهو مرفوع ، رفعه شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم . انتهى . ولكن رواه حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه ، عن الثقفي ، عن يحيى الأنصاري ، وقال في حديثه : من السنة . وهذا - أيضا - رفعٌ له . وهو غريب عن الأنصاري . ورواه عبد الله العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وأخطأَ في قوله : عن أبيه ، إنما هو : عن سهل : قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . وقالا - أيضا - رواه أبو أويس ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عن أبيه - أيضا - وأخطأ - أيضًا - في قوله : عن أبيه . وقد ذكر أبو حاتم الرازي وغيره : أن الذي قال صالح بن خوات في رواية يزيد بن رومان ، عنه : حدثني من شهد النبي - صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي حثمة ، كما قاله القاسم ، عن صالح . قال أبو حاتم : وسهل بن أبي حثمة بايع تحت الشجرة ، وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أحد ، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا . قالَ عبد الرحمن بن أبي حاتم : سمعت رجلًا من ولده ، سأله أبي عن ذلك ، فأخبره به . ولكن ذكر أكثر أهل السير كالواقدي والطبري وغيرهما : أن سهل بن أبي حثمة توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان سنين . قال الواقدي والطبري : وقد حفظ عنه ، وقيل : إن الذي كان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد وشهد معه المشاهد هو أبو حثمة والد سهل . والله سبحانه أعلم . وقد ذكر الإمام أحمد وأبو داود أن رواية يحيى بن سعيد ، عن القاسم تخالف رواية يزيد بن رومان في السلام ؛ فإن في رواية يزيد بن رومان : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ سلم بالطائفة الثانية ، وفي رواية يحيى بن سعيد : أنهم قضوا الركعة بعد سلامه . وقد خرجه أبو داود من رواية مالك ، عن يحيى بن سعيد كذلك ، وفي حديثه : فركع بهم وسجد بهم ويسلم ، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ، ثم يسلمون . وقد روى يحيى القطان الحديث ، عن يحيى الأنصاري ، ورواه عن شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، وقال : لا أحفظ حديثه ، ولكنه مثل حديث يحيى . كذا خرجه الترمذي وابن ماجه . وكذلك في رواية البخاري : أن يحيى القطان رواه عن شعبة مثل حديث يحيى بن سعيد . ولكن بينهما فرق في السلام : فقد رواه معاذ بن معاذ ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بهذا الإسناد ، وقال فيه : وتأخر الذين كانوا قدامهم ، فصلى بهم ركعة ، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ، ثم سلم . كذلك خرجه مسلم من طريقه . ورجح ابن عبد البر رواية يحيى القطان ، عن شعبة ، على رواية معاذ بن معاذ ، عنه ، وقال في القطان : هو أثبت الناس في شعبة . وخالفه البيهقي ، ورجح رواية معاذ بن معاذ ؛ لأن يحيى القطان لم يحفظ حديث شعبة . وقال : رواه - أيضا - روح بن عبادة ، عن شعبة ، كما رواه عنه معاذ . قالَ : وكذلك رواه الثوري ، عن يحيى الأنصاري بخلاف رواية مالك ، عنه . قالَ : وهذا أولى أن يكون محفوظًا ؛ لموافقته رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، ورواية مالك . عن يزيد بن رومان . قلت : فقد رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم ، وقال : أما عبد الرحمن فرفعه ، وساق الحديث ، وفي آخره : ثم يقعد حتى يقضوا ركعة أخرى ، ثم يسلم عليهم . وهذا يوافق رواية معاذ ، وغندر مقدم في أصحاب شعبة . وقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع في هذا الحديث . قال القاسم بن محمد : ما سمعت في صلاة الخوف أحب إلي منه . وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والثوري - في رواية - وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز ، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ، وحكاه الترمذي ، عن إسحاق . وصرح إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به ، ولا يختاره على غيره من الوجوه . إلا أنهم اختلفوا : هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام ، أو بعده ؟ فعند الشافعي وأحمد وداود : تقضي قبل سلام الإمام ، ثُمَّ يسلم بهم . وهو رواية عن مالك ، ثُمَّ رجع عنها ، وقال : إنما يقضون بعد سلام الإمام ، وهو قول أبي ثور وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، ذكره في كتابه الشافي . ونص أحمد على أن هذه الصلاة تصلى وأن كان العدو في جهة القبلة . وقال القاضي أبو يعلى : إنما تصلى إذا كان العدو في غير جهة القبلة ، وكذلك حمل بعض أصحاب سفيان قوله على ذلك . قال بعض أصحابنا : نص أحمد محمول على ما إذا لم يمكن صلاة عسفان لاستتار العدو ، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكن أن يصلوا صلاة عسفان لظهور العدو . وكذا قال أصحاب الشافعي ، لكنهم جعلوا ذلك شرطا لاستحباب صلاة ذات الرقاع ، لا لجوازها . قال البخاري : وقال أبو هريرة : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة نجد صلاة الخوف . وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية حيوة وابن لهيعة - إلا أن النسائي كنى عنه برجل آخر - كلاهما ، عن أبي الأسود ، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث ، عن مروان بن الحكم ، أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ قالَ أبو هريرة : نعم . قالَ مروان : متى ؟ قالَ أبو هريرة : عام غزوة نجد ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة العصر ، فقامت طائفة معه ، وطائفة أخرى مقابل العدو ، وظهورهم إلى الكعبة ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبروا جميعا : الذين معه والذين مقابلو العدو ، ثُمَّ ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة واحدة ، وركعت الطائفة الذين معه ، ثُمَّ سجد فسجدت الطائفة التي تليه ، والآخرون قيام مقابل العدو ، ثُمَّ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقامت الطائفة التي معه ، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم ، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم كما هوَ ، ثُمَّ قاموا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة أخرى وركعوا معه ، وسجد وسجدوا معه ، ثُمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو ، فركعوا وسجدوا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد ، ومن كان معه ، ثم كان السلام ، فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلموا جميعا ، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة . واللفظ لأبي داود . ولفظ النسائي : فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان . فتحمل - حينئذ - رواية أبي داود على أنه كان لكل واحد من الطائفتين ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والركعة الأخرى هو صلاها لنفسه ، وعلى مثل ذلك تحمل كثير من أحاديث صلاة الركعة في الخوف . ورواية ابن إسحاق ، عن أبي الأسود ، عن عروة أنه سمع أبا هريرة ومروان بن الحكم يسأله - فذكر الحديث بمعناه . خرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . ورواية من روى عن عروة ، عن مروان ، عن أبي هريرة أشبه بالصواب - : قاله الدارقطني . ونقل الترمذي في علله عن البخاري ، أنه قال : حديث عروة ، عن أبي هريرة ، حسن . وقد روي هذا الحديث عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن أبي هريرة . خرجه الأثرم . وليس في حديثه : أن الطائفتين كبَرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول صلاته . وروي عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة . خرجه أبو داود . ولفظ حديثه : قالت : كبَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكبرت الطائفة الذين صفوا معه ، ثم ركع فركعوا ، ثم سجد فسجدوا ، ثم رفع فرفعوا ، ثم مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية ، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم ، وجاءت الطائف الأخرى فقاموا فكبروا ، ثُمَّ ركعوا لأنفسهم ، ثم سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجدوا معه ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم سجدوا لأنفسهم الثانية ، ثم قامت الطائفتان جميعا فصلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فركع فركعوا ، ثم سجد فسجدوا جميعا ، ثم عاد فسجد الثانية فسجدوا معه سريعا كأسرع الإسراع جاهدا ، لا يألون إسراعا ، ثم سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شاركه الناس في الصلاة كلها . فقد اضطرب ابن إسحاق في لفظ الحديث وإسناده . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه - مرسلا - بنحو حديث أبي عياش الزرقي . ذكره أبو داود - تعليقا . وقد أجاز الإمام أحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وابن جرير وجماعة من الشافعية صلاة الخوف على كل وجه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم وإن رجحوا بعض الوجوه على بعض . وأما صلاة الخوف ركعة ، فيأتي الكلام عليه فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وظاهر كلام البخاري : أنه يجوز . وقد نقل الترمذي عنه في العلل ، أنه قال : كل الروايات في صلاة الخوف عندي صحيح ، وكل يستعمل ، وإنما هو على قدر الخوف ، إلا حديث مجاهد ، عن أبي عياش ، فإني أراه مرسلا . وهذا يدل على أنه يستعمل كل وجه من وجوه صلاة الخوف على قدر ما تقتضيه حال الخوف ، ويكون ذلك الوجه أصلح له . وروي نحو ذلك عن سليمان بن داود الهاشمي ، وحكي عن إسحاق - أيضا - وقاله بعض أصحابنا .
2 - باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجلٌ : قائمٌ . 943 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي : أنا أبي : نا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما . وزاد ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . وخرج مسلم من حديث سفيان عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه ، فقامت طائفة معه ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ذهبوا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ، ثم قضت الطائفتان ركعة ، ركعة . قالَ : وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء . فجعل هذا الوجه من قول ابن عمر ، ولم يرفعه . وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر الحديث مرفوعا ، ولم يذكر في آخره : فإذا كان خوف أكثر من ذلك - إلى آخره . وخرج ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف ، فذكر صفتها بمعنى حديث موسى بن عقبة ، وقال في آخر الحديث : فإن كان خوفا أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا . وقد خالف جريرا يحيى القطان وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وغيرهم ، رووه عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، موقوفا كله . ورواه مالك في الموطأ ، عن نافع ، عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف بطوله - وفي آخره : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، أو ركبانا ، مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها . قال مالك : قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلّا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك كذلك . قال ابن عبد البر : رواه مالك ، عن نافع ، على الشك في رفعه ، ورواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه ، منهم : ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى . وذكر الدارقطني : أن إسحاق الطباع رواه عن مالك ورفعه من غير شك . وهذا الحديث ينبغي أن يضاف إلى الأحاديث التي اختلف في رفعها نافع وسالم ، وهي أربعة سبق ذكرها بهذا الاختلاف في رفع أصل الحديث في صلاة الخوف عن نافع . وبقي اختلاف آخر ، وهو : في قوله في آخر الحديث : فإن كان خوفا أكثر من ذَلِكَ إلى آخره ؛ فإن هذا قد وقفه بعض من رفع أصل الحديث ، كما وقفه سفيان ، عن موسى بن عقبة ، وجعله مدرجًا في الحديث . وقد ذكر البخاري : أن ابن جريج رفعه عن موسى ، وخرجه من طريقه كذلك . وأما قول مجاهد المشار إليه في رواية البخاري : روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا إذا وقع الخوف صلى على كل وجهةٍ ، قائما أو راكبا أو ما قدر ، ويومئ برأسه ، ويتكلم بلسانه . وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن ابن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا سُئل عن الصلاة عند المسايفة ؟ قالَ : ركعتين ركعتين ، حيث توجهت على دابتك تومئ إيماء . ابن أبي أنيسة ، أظنه : يحيى ، وهو ضعيف . وخرجه الإسماعيلي في صحيحه ، وخرجه من طريقه البيهقي ، من رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن ابن كثير ، عن مجاهد ، قالَ : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس . قال ابن جريج : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم بمثل قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس . وزاد : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم يعني : صلاة الخوف . وخرجه - أيضا - من رواية سعيد بن يحيى الأموي ، عن أبيه ، عن ابن جريج ، ولفظه : عن ابن عمر - نحوًا من قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر وإشارة بالرأس . وزاد ابن عمر : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا . كذا قرأته بخط البيهقي . وخرجه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح البخاري من هذا الوجه ، وعنده : قياما وركبانا وهو أصح . وهذه الرواية أتم من رواية البخاري . ومقصود البخاري بهذا : أن صلاة الخوف تجوز على ظهور الدواب للركبان ، كما قال تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ويعني : رجالا : قياما على أرجلهم ، فهو جمع راجل ، لا جمع رجل ، و الركبان : على الدواب . وقد خرج فيه حديثا مرفوعًا . وقد روي عن ابن عمر وجابر ، كما سبق . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته - كذلك قال عطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور - وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض . قال الشافعي : إلا في حال واحدة ، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين ، ويقطع الطالبون عن أصحابهم ، فيخافون عودة المطلوبين عليهم ، فإذا كانوا هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً . انتهى . وممن قال : يصلي على دابته ويومئ : الحسن والنخعي والضحاك ، وزاد : أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوبًا ، وكذا قال الأوزاعي . واختلفت الرواية عن أحمد : هل يصلي الطالب على دابته ، أم لا يصلي إلا على الأرض ؟ على روايتين عنه ، إلا أن يخاف الطالب المطلوب ، كما قال الشافعي ، وهو قول أكثر العلماء . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : أما المطلوب ، فلا يختلف القول فيه ، أنه يصلي على ظهر الدابة ، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه : ينزل فيصلي على الأرض ، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد ، وإن أخر فلا بأس ، والقول الآخر : أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه ، فإنه يصلي على ظهر دابته ، فإنه مثل المطلوب لخوفه ، وبه أقول . انتهى . وما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد ، فلم يذكر به نصا عنه ، بل قد نص على أنه مثل المطلوب . قال - في رواية أبي الحارث - : إذا كان طالبا وهو لا يخاف العدو ، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة ، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس ، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس ، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب . ونقل هذا المعنى عنه جماعة ، منهم : أبو طالب والأثرم . وله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة . وفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد : فمن أصحابنا من قال : الروايتان مع القدرة ، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة . وقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك ، قالَ : يجب مع القدرة ، ومع عدم الإمكان ، روايتان . وهذا بعيد جدا - أعني : وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز ، ولعل فائدة إيجاب الإعادة بدونه . ولهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا في جماعة ، نص عليه أحمد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : لا يصلون جماعة بل فرادى ؛ لأن المحافظة على الموقف والمتابعة لا تمكن . وقال أصحابنا ومن وافقهم : يعفى عن ذلك هاهنا ، كما يعفى عن استدبار القبلة والمشي في صلوات الخوف ، وإن كان مع الانفراد يمكن ترك ذَلِكَ . قالوا : ومتى تعذرت المتابعة لم تصح الجماعة بلا خلاف .
6 – باب التبكير والتغليس بالصبح والصلاة عند الإغارة والحرب 947 - حدثنا مسدد : ثنا حماد بن زيد ، عن عبد العزيز بن صهيب وثابت ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح بغلس ، ثم ركب ، فقال : الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ ، فساء صباح المنذرين . وذكر بقية الحديث ، وفي آخره قصة صفية ، وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ، وجعل عتقها صداقها . وقد تقدم أول الحديث في أبواب الأذان من حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس . والمقصود منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الإغارة على أهل خيبر ، ولم يكن عندهم علم من قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم بكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصبح ، وصلاها بغلس ، ثم أغار عليهم . فيستفاد من ذلك : أنه يستحب لمن أراد الإغارة على المشركين أن يعجل بصلاة الصبح في أول وقتها ، ثم يغير بعد ذلك : وروى وكيع في كتابه ، عن عمران بن حدير ، عن أبي عمران ، قال : صليت مع أبي موسى الغداة ثلاث مرات في غداة واحدة ، كأنه أراد أن يغير على قوم . ومعنى هذا : أن أبا موسى الأشعري لما أراد الإغارة عجل بصلاة الصبح ، ثم تبين أنه صلاها قبل طلوع الفجر ، فأعادها ، فعل ذلك ثلاث مرات في يوم واحد .
5 – باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء أو قائما وقال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة ، فقال : ذلك الأمر عندنا ، إذا تخوفت الفوت . واحتج الوليد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . 946 - حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء : نا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الأحزاب : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، وقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذَلِكَ . فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم . وقد تقدم أن الأوزاعي وأصحابه - ومنهم : الوليد بن مسلم - يرون جواز صلاة شدة الخوف للطالب ، كما يجوز للمطلوب ، وهو رواية عن أحمد ، وأنهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها إذا لم يقدروا على فعلها في وقتها على وجه تام ، كما تقدم - أيضا . وقد استدل الوليد بن مسلم لذلك بحديث ابن عمر في البعث إلى قريظة . وأما صلاة شرحبيل بن السمط التي استدل بها الأوزاعي ومما يتفرع على جواز صلاة الطالب صلاة شدة الخوف : أن من كان ليلة النحر قاصدا لعرفة ، وخشي أن تفوته عرفة قبل طلوع الفجر ، فإنه يصلي صلاة شدة الخوف وهو ذاهب إلى عرفة ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا ، ولأصحاب الشافعي - أيضا . وضعفه بعض أصحابهم ، بأنه ليس بخائف بل طالب . والصحيح : أنا إن قلنا : تجوز صلاة الطالب جازت صلاته ، وإلا فلا تجوز ، أو يكون فيه وجهان . وهل يجوز تأخير العشاء إلى بعد طلوع الفجر ؟ فيهِ - أيضا - وجهان للشافعية ولأصحابنا . وأما استدلال الوليد بحديث ابن عمر في ذكر بني قريظة ، فإنما يتم ذلك إذا كان الذين لم يصلوا العصر حتى بلغوا بني قريظة لم يصلوها إلاّ بعد غروب الشمس ، وليس ذلك في هذا الحديث ، فإن حديث ابن عمر إنما يدل على أن بعضهم أخر العصر إلى بني قريظة ، فقد يكونون صلوها في آخر وقتها ، وهذا لا إشكال في جوازه . وممن ذهب إلى ذلك : الخطابي ، ورد به على من استدل بالحديث على أن كل مجتهد مصيب . وذهب آخرون إلى أن الذين صلوا في بني قريظة صلوا بعد غروب الشمس . واستدلوا بأن مسلما خرج الحديث ، ولفظه : عن ابن عمر ، قالَ : نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب : أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت . قال : فما عنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . وخرج البيهقي ، بإسناد فيه نظر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عمه عبد الله أخبره ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم على الناس لما رجع من الأحزاب أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة . قالَ : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم علينا ألا نصلي حتى نأتي بني قريظة ، فإنما نحن في عزيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس علينا إثم ، وصلى طائفة من الناس احتسابا ، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلوها حين جازوا بني قريظة احتسابا ، فلم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . وهذا مرسل . وقد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري - مرسلا - بغير إسناد للزهري بالكلية ، وهو أشبه . وخرج البيهقي نحوه - أيضا - من طريق عبد الله بن عمر العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، وفي حديثها : فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، ولم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين . والاستدلال بهذا الحديث على تأخير الصلاة للاشتغال بالحرب ، استدلال ضعيف ، وكذلك الاستدلال به على تأخير الصلاة لطالب العدو ؛ فإن يوم ذهابهم إلى بني قريظة لم تكن هناك حرب تشغل عن صلاة ، ولا كانوا يخافون فوات العصر ببني قريظة بالاشتغال بالصلاة بالكلية ، وإنما وقع التنازع بين الصحابة في صلاة العصر في الطريق ، التفاتا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وإلى معنى كلامه ومراده ومقصوده : فمنهم من تمسك بظاهر اللفظ ، ورأى أنه لا ينبغي أن يصلي العصر إلا في بني قريظة ، وإن فات وقتها ، وتكون هذه الصلاة مخصوصة من عموم أحاديث المواقيت بخصوص هذا النص ، وهو النهي عن الصلاة إلا في بني قريظة . ومنهم من نظر إلى المعنى ، وقال : لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وإنما أراد منا تعجيل الذهاب إلى بني قريظة في بقية النهار ، ولم يرد تأخير الصلاة عن وقتها ، ولا غير وقت صلاة العصر في هذا اليوم ، بل هو باق على ما كان عليه في سائر الأيام . وهذا هو الأظهر . والله أعلم . ولا دلالة في ذلك على أن كل مجتهد مصيب ، بل فيه دلالة على أن المجتهد سواء أصاب أو أخطأ فإنه غير ملوم على اجتهاده ، بل إن أصاب كان له أجران ، وإن أخطأ فخطؤه موضوع عنه ، وله أجر على اجتهاده . ومن استدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدًا يقضي بعد الوقت فقد وهم ؛ فإن من أخر الصَّلاة في ذَلِكَ كانَ باجتهاد سائغ ، فهوَ في معنى النائم والناسي ، وأولى ؛ فإن التأخير بالتأويل السائغ أولى بأن يكون صاحبه معذورًا .
16 - باب خروج الصبيان إلى المُصلى 975 - حدثنا عمرو بن عباس : ثنا عبد الرحمن : ثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن عابس ، قال : سمعت ابن عباس يقول : خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر - أو أضحى - فصلى ثم خطب ، ثم أتى النساء ، فوعظهن وذكرهن ، وأمرهن بالصدقة . 977 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : قال سفيان : حدثني عبد الرحمن بن عابس ، قال : سمعت ابن عباس - وقيل له - : أشهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته خرج حتَّى أتى العلم الذي عندَ دار كثير بن الصلت فصلى ثُمَّ خطب ثُمَّ أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال ، ثُمَّ انطلق هوَ وبلال إلى بيته . قد سبق هذا الحديث في باب : وضوء الصبيان وصلاتهم وذكرنا هنالك ما يتعلق به من خروج الصبيان إلى العيد ؛ وأن هذا الحديث يدل على أن الأصاغر من الصبيان لم يكونوا يشهدون العيد إلا من كانَ منهم من أقارب الإمام فلهم خصوصية على غيرهم . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إلى العيد ومعه من أهله كبارهم وصغارهم . خرجه ابن خزيمة في صحيحه عن ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ، رافعًا صوته بالتهليل والتكبير ، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى ، فإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله . وقال : في القلب من هذا الخبر ، وأحسب الحمل فيه على العمري ، إن لم يكن الغلط من ابن أخي ابن وهب . انتهى . والحمل فيه على ابن أخي ابن وهب ؛ فقد رواه جماعة عن ابن وهب ، وعن العمري ليس فيهِ شيء من هذه الألفاظ المستنكرة . وروى حجاج بن أرطاة ، عن عبد الرحمن بن عابس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج نساءه وبناته في العيدين . واحتج به إسحاق بن راهويه . وخرج الإمام أحمد من رواية حجاج - أيضًا - عن عطاء عن جابر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في العيدين ويخرج أهله . والعلم الذي عند دار كثير بن الصلت ، ودار كثير بن الصلت ، الظاهر أن ذلك كله محدث ، أحدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكان المصلى . وقد تقدم أن المصلى كان فضاء ، ليس فيه سترة ؛ فلذلك كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمل لهُ الحربة ؛ ليصلي إليها .
14 – باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد 973 - حدثنا إبراهيم بن المنذر : ثنا الوليد : ثنا أبو عمرو - هو : الأوزاعي - : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل ، وتنصب بالمصلى بين يديه ، فيصلي إليها . قد ذكرنا في الباب الماضي معنى حمل العنزة بين يديه ، فلا حاجة إلى إعادته . وسبق الفرق بين العنزة والحربة في أبواب السترة . وفي هذه الرواية : التصريح بسماع الأوزاعي لهذا الحديث من نافع . وقد رواه الوليد بن مزيد ، عن الأوزاعي : حدثني الزهري ، عن نافع - فذكره . وقد ذكر غير واحد : أن الأوزاعي لم يصح له سماع من نافع ، منهم ابن معين ويحيى بن بكير . وقيل : سمع منه حديثا واحدًا . وقد قيل : إن الشاميين كانوا يتسمحون في لفظة أنا ، و ثنا ، ويستعملونها في غير السماع . ذكره الإسماعيلي وغيره .
4 – باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج 953 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم : نا سعيد بن سليمان ، أنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات . وقال مرجأ بن رجاء : حدثني عبيد الله بن أبي بكر : حدثني أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأكلهن وترًا . هذا الحديث مما تفرد به البخاري ، ولم يخرجه مسلم . وإنما ذكر متابعة مرجى بن رجاء لثلاثة فوائد : أحدها : أنه حديث أنكره الإمام أحمد من حديث هشيم ، وقال : إنما كان هشيم يحدث به عن محمد بن إسحاق ، عن حفص بن عبيد الله ، عن أنس . قَالَ : وإنما ثناه علي بن عاصم ، عن عبيد الله بن أبي بكر . كذا نقله عن أحمد ابنه عبد الله . وقد رواه قتيبة ، عن هشيم ، عن ابن إسحاق ، عن حفص ، كما قاله الإمام أحمد ومن هذه الطريق خرجه الترمذي ، وصححه . وقد رواه كذلك عن هشيم بهذا الإسناد الإمام أحمد ، ويحيى ، وابن أبي شيبة وغيرهم . قال البيهقي : ورواه سعيد بن سليمان ، عن هشيم بالإسنادين معا . وهذا يدل على أنهما محفوظان عن هشيم ، فبين البخاري أنه قد توبع عليه هشيم . وقد خرجه الإمام أحمد من حديث مرجى ويأكلهن أفرادًا . وخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديثه ، وعندهما : ويأكلهن وترا . ومرجى بن رجاء ، مختلف في أمره . وثقه أبو زرعة ، وضعفه غيره . وتابعه - أيضا - : علي بن عاصم ، فرواه عن عبيد الله بن أبي بكر : سمعت أنسا يقول : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر قط حتى يأكل تمرات . خرجه الإمام أحمد ، عنه . وخرجه ابن شاهين في كتاب العيدين ، وزاد : ثلاثا ، وكان أنس يأكل ثلاث تمرات أو خمسا ، وإن شاء زاد ، إلا أنه يجعلهن وترا . ورواه - أيضا - عتبة بن حميد : نا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس : سمعت أنسا قالَ : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر حتى يأكل ثمرات ، ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أقل من ذلك أو أكثر ، وترًا . خرجه الطبراني . وخرجه ابن حبان في صحيحه إلى قوله : سبعا . ورواه - أيضا - أبو جزي نصر بن طريف ، عن عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس . فقد رواه جماعة ، عن عبيد الله ، عن أنس - كما ترى - وإنما استنكره أحمد من حديث هشيم . الفائدة الثانية : أن في رواية مرجى زيادة الوتر . والثالثة : أن فيها التصريح بسماع عبيد الله له من أنس . وقد ذكرنا أنه توبع على هاتين الزيادتين . وفي الباب أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري . وقد استحب أكثر العلماء الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى ، ومنهم علي وابن عباس . وروي عنهما أنهما قالا : هو السنة . وكان ابن عمر يفعله . وعن أم الدرداء ، أنها قالت : خالفوا أهل الكتاب ، فإنهم لا يفطرون في أعيادهم حتى يرجعوا . وعن ابن المسيب ، قال : كان الناس يؤمرون بذلك . وعن الشعبي ، قال : هو السنة . وعن عَكْرِمَة ، قال : كَانَ الناس يفعلونه . وهو قول أبي حنيفة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم . وروي عن النخعي ، قالَ : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . وروي عنه ، أنه قال : كانوا لا يبالون بذلك . وعن ابن مسعود : إن شاء لم يأكل . ولعله أراد به بيان أن الأكل قبل الخروج ليس بواجب ، وهذا حق ، وإن أراد أنه ليس هو الأفضل فالجمهور على خلافه ، والسنة تدل عليهِ . ونص الشافعي على أن تركه مكروه . وقد علل الأكل يوم الفطر قبل الخروج بالمبادرة إلى الفطر في يوم العيد ، ليظهر مخالفته لرمضان حيث كان تحريم الأكل في نهاره . وقد تقدم ، عن أبي الدرداء : تعليله بمخالفة أهل الكتاب . وقد علل بأن السنة تأخير الصلاة يوم الفطر ، فيكون الأكل قبل الخروج أسكن للنفس ، بخلاف صلاة النحر ؛ فإن السنة تعجيلها . وقد رَوَى الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج : أخبرني عَطَاء ، أنه سَمِعَ ابن عَبَّاس يَقُول : إن استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حَتَّى يطعم فليفعل قَالَ : فَلَمْ أدع أن آكل قَبْلَ أن أغدو منذ سَمِعْت ذَلِكَ من ابن عَبَّاس . قُلتُ : فعلى ماذا تأول هَذَا ؟ قال : أظن سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم قال : كانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا . وذكر بعضهم معنى آخر ، وهو أن يوم الفطر قبل الصلاة تشرع الصدقة على المساكين بما يأكلونه خصوصا التمر ، فشرع له أن يأكل معهم ويشاركهم ، وفي النحر لا تكون الصدقة على المساكين إلا بعد الرجوع من الصلاة ، فيؤخر الأكل إلى حال الصدقة عليهم ، ليشاركهم - أيضا . ويشهد له : ما خرجه ابن ماجه ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يغدي أصحابه من صدقة الفطر . وإسناده ضعيف جدا . وقد قيل : إن صوابه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام . قاله العقيلي .
19 - باب موعظة الإمام النساء يوم العيد 978 - حدثنا إسحاق : ثنا عبد الرزاق : ثنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قالَ : سمعته يقول : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر فصلى ، فبدأ بالصلاة ، ثم خطب ، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ، وهو يتوكأ على بلال ، وبلال باسط ثوبه ، يلقي فيه النساء الصدقة . قلت لعطاء : زكاة يوم الفطر ؟ قالَ : لا . ولكن صدقة يتصدقن حينئذ ، تلقي فتخها ويلقين . قلت : أترى حقا على الإمام ذلك ، يأتيهن ويذكرهن ؟ قالَ : إنَّهُ لحق عليهم ، وما لهم لا يفعلونه ؟ 979 - قالَ ابن جريج : وأخبرني حسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قالَ : شهدت الفطر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، يصلونها قبل الخطبة ، ثُمَّ يخطب بعد ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ كأني أنظر إليه حين يجلس بيده ، ثُمَّ أقبل يشقهم حتَّى جاء النساء ، معه بلال ، فقالَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ الآية ، ثُمَّ قالَ - حين فرغ منها - : أأنتن على ذَلِكَ ؟ ، قالت امرأة واحدة منهن ، لم يجبه غيرها : نعم - لا يدري حسن من هي - قال : فتصدقن ، فبسط بلال ثوبه ، ثم قال ، هلم لكن فداء أبي وأمي ، فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال . قال عبد الرزاق : الفتخ : الخواتيم العظام ، كانت في الجاهلية . قد تقدم الكلام على قوله : فلما فرغ نزل وأنه يشعر بأنه كان على موضع عالٍ . وموعظته للنساء وهو يتوكأ على بلال : دليل على أن الإمام إذا وعظ قائما على قدميه فله أن يتوكأ على إنسان معه ، كما يتوكأ على قوس أو عصا . وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انتقل من مكان خطبته للرجال ، أشار إليهم بيده أن لا يذهبوا . وفيه : دليل على أن الأولى للرجال استماع خطبة النساء - أيضًا - لينتفعوا بسماعها وفعلها ، كما تنتفع النساء . وقد تقدم : أن الإمام يفرد النساء بموعظة إذا لم يسمعوا موعظة الرجال ، وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأصحابنا . وقال النخعي : يخطب قدر ما ترجع النساء إلى بيوتهن . وهذا يخالف السنة ، ولعله لم يبلغه ذلك . وقد روي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خير الناس بين استماع الخطبة والذهاب . فروى عطاء ، عن عبد الله بن السائب ، قال : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد ، فلما قضى الصلاة قالَ : إنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب . خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه ، من رواية الفضل بن موسى السيناني ، عن ابن جريج ، عن عطاء . وقال أبو داود : ويروى - مرسلا - عن عطاء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى عباس الدوري ، عن ابن معين ، قال : وصله خطأ من الفضل ، وإنما هو عن عطاء مرسلا . وكذا قال أبو زرعة : المرسل هو الصحيح . وكذا ذكر الإمام أحمد أنه مرسل . وكان عطاء يقول به ، ويقول : إن شاء فليذهب . قال أحمد : لا نقول بقول عطاء ، أرأيت لو ذهب الناس كلهم على من كان يخطب ؟ ولم يرخص في الانصراف قبل فراغ الخطبة ، ولعله أراد انصراف الناس كلهم ، فيصير الإمام وحده فتتعطل الخطبة . والله أعلم . واختلف قول الإمام أحمد في جواز الكلام والإمام يخطب في العيد ، على روايتين عنه . وروى وكيع بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه كره الكلام في أربعة مواطن : في الجمعة ، والفطر ، والأضحى ، والاستسقاء ، والإمام يخطب . وكرهه الحسن وعطاء . وقال مالك : من صلى مع الإمام فلا ينصرف حتى ينصرف الإمام . وكذلك مذهبه فيمن حضر من النساء العيدين ، فلا ينصرف إلا بانصراف الإمام . ذكره في تهذيب المدونة . ومذهب الشافعي من أصحابنا كقول عطاء : إن استماع الخطبة مستحب غير لازم . وظاهره : أنه يجوز للرجال كلهم الانصراف وتعطيل الخطبة ؛ لأنها مستحبة غير واجبة . وقد رأيت كلام أحمد مصرحًا بخلاف ذلك . وفي حديث ابن عباس ، أنه يجوز للإمام أن يشق الناس ويتخطاهم إذا كان له في ذلك مصلحة . وفي اكتفائه - صلى الله عليه وسلم - بإجابة امرأة واحدة بعد قوله للنساء : أأنتن على ذلك ؟ دليل على أن إقرار واحد من الجماعة في الأمور الدينية كاف ، إذا سمع الباقون ، وسكتوا عن الإنكار . وقوله : لا يدري حسن من هي حسن ، هو : ابن مسلم - صاحب طاوس . وفي رواية مسلم في صحيحه لهذا الحديث : لا يدرى حينئذ من هي . وقد قال بعض الحفاظ المتأخرين : إن رواية البخاري هي الصحيحة . وقد فسر عبد الرزاق في رواية البخاري الفتخ بالخواتيم العظام . وقيل : الفتخة حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها ، وربما اتخذ لها فص . وقيل : إنها تكون في أصابع اليدين والرجلين من النساء . وهي بفتح الفاء والتاء والخاء المعجمة . ويفرق بين مفردها وجمعها تاء التأنيث ، كأسماء الجنس الجمعي ، وهو في المخلوقات كثير كتمرة وتمر ، وفي المصنوعات قليل كعمامة وعمام . ومنه : فتخة وفتخ . وتجمع فتخة على فتخات وفتوخ - أيضًا . وفي الحديث : التفدية بالأب والأم ، ولبسط القول فيه موضع آخر ، يأتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وفيه جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها تطوعًا . ولعل ابن جريج استشكل ذلك فظن أن هذه الصدقة كانت صدقة الفطر ؛ لأن الصدقة الواجبة لا إشكال في إخراج المرأة لها بدون إذن زوجها ، فسأل عطاء عن ذَلِكَ ، فأخبره عطاء أنها لم تكن صدقة الفطر ، وإنما هي صدقة تطوع . ولم يستدل عطاء بأن صدقة الفطر لا تؤخذ فيها القيمة ، فلعله كان يرى جواز إخراج القيمة فيها . وإنما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - معه بلالا ليتوكأ عليهِ ، وليحمل الصدقة التي تلقيها النساء . وفيه : دليل على أن الإمام يستصحب معه المؤذن في الصلوات التي يجمع لها ويخطب ، وإن لم يكن يؤذن لها ويقام ، ويستعين به .
5 - باب الأكل يوم النحر 954 - حدثنا مسدد : نا إسماعيل ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس بن مالك : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ذبح قبل الصلاة فليعد . فقام رجل ، فقال : هذا يوم يشتهى فيه اللحم ، وذكر من جيرانه ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقه ، فقال : وعندي جذعة أحب إلي من شاتي لحمٍ ، فرخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه ، أم لا .
13 – باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد 972 - حدثنا محمد بن بشار : ثنا عبد الوهاب : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تركز له الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ، ثم يصلي . قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في أبواب : سترة المصلي . وذكرنا أن ابن ماجه خرجه من رواية الأوزاعي ، عن نافع ، وفي أول حديثه زيادة : أن العنزة كانت تحمل بين يديه ، وفي آخره : أن المصلى كان فضاءً ، ليس شيء يستتر به . ولعل هذه الزيادة في آخره مدرجة . وقد خرجه البخاري بدونهما في الباب الآتي . وتقدم - أيضًا - قول مكحول : إنما كانت تحمل الحربة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد ؛ لأنه كانَ يصلي إليها . وفي هذا : إشارة إلى أنه لم يكن يفعل ذلك تعاظمًا وتكبرًا ، كما كان أمراء بني أمية ونحوهم يفعلونه . وقد يريد به - أيضًا - : أن الحربة من السلاح ، والسلاح يكره حمله في العيدين ، إلا من حاجة ، كما سبق ذكره ، والحاجة إلى الحربة الصلاة إليها في الفضاء . فأما إن كان في المصلى سترة مبنيةٌ ، فلا حاجة إلى حمل عنزة مع الإمام . وقد أشار إلى هذا جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم ، منهم : أبو بكر عبد العزيز بن جعفر . ولا يقال : فقد يحتاج إليها الإمام ليعتمد عليها في حال خطبته ؛ لأن هذا لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه كانَ يعتمد في خطبته للعيدين على العنزة من وجه يعتمد عليهِ . فقد رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد - هو : ابن أبي يحيى - عن ليث ، عن عطاء ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب يعتمد على عنزة اعتمادًا . وفي رواية : على عنزة أو عصًا . وهذا مرسل ضعيف . وقد سبق من حديث البراء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي قوسًا أو عصًا ، فاتكأ عليه لما خطب .
7 – باب المشي والركوب إلى العيد بغير أذان ولا إقامة 957 - حدثنا إبراهيم بن المنذر : نا أنس ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في الأضحى والفطر ، ثم يخطب بعد الصَّلاة . 958 - حدثنا إبراهيم بن موسى : أنا هشام ، أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قالَ : سمعته يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة . 959 - قال : وأخبرني عطاء ، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع لهُ : إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر ، وإنما الخطبة بعد الصَّلاة . 960 - وأخبرني عطاء ، عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، قالا : لم يكن يؤذن يوم الفطر ، ولا يوم الأضحى . 961 - وعن جابر بن عبد الله ، قال : سمعته يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد ، فلما فرغ نبي الله نزل ، فأتى النساء فذكرهن ، وهو يتوكأ على يد بلال ، وبلال باسط ثوبه ، يلقي فيه النساء صدقة . قلت لعطاء : أترى حقا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ ؟ قالَ : إن ذَلِكَ لحق عليهم ، وما لهم أن لا يفعلوا ؟ ولا إقامة وخرج - أيضا - من طريق عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة . وخرج أبو داود من طريق الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبا بكر وعمر - أو عُثْمَان . وخرجه ابن ماجه مختصرا . وخرج أبو داود من حديث سفيان ، عن عبد الرحمن بن عباس ، قال : سأل رجل ابن عباس : أشهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ولولا منزلتي مِنْهُ مَا شهدته من الصغر ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلم الَّذِي عِنْدَ دار كثير بْن الصلت ، فصلى ثُمَّ خَطَبَ ، ولم يذكر أذانا ولا إقامة - وذكر الحَدِيْث . وفي الباب : عن ابن عُمَر . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وفي إسناده مقال . خرجه الإمام أحمد من رواية الزهري ، عن سالم ، عن أبيه - وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر . وهو من رواية عبد الرزاق بن عمر والنعمان بن راشد ، عن الزهري . وقال أبو حاتم : هو حديث منكر . وخرجه النسائي ، من رواية الفضل بن عطية ، عن سالم ، عن أبيه - ولم يذكر أبا بكر وعمر . والفضل بن عطية ، مختلف فيهِ . وروي عنه عن عطاء عن جابر . وخرج مسلم من حديث سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد غير مرة بغير أذان ولا إقامة . ولا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة . قال مالك : تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا . واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث . وممن قالَ : إنه بدعة : عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم . وقال ابن سيرين : وهو محدث . وقال سعيد بن المسيب والزهري : أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية . وقال ابن سيرين : أول من أحدثه آل مروان . وعن الشعبي ، قالَ : أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج ، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه . وقال حصين : أول من أذن في العيدين زياد . وروى ابن أبي شيبة : نا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن يسار ، أن ابن الزبير سأل ابن عباس - وكان الذي بينهما حسنا يومئذ - فقال : لا تؤذن ولا تقم ، فلما ساء الذي بينهما أذن وأقام . وقال الشافعي : قال الزهري : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر في العيدين المؤذن فيقول : الصلاة جامعة . واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا . واستدلوا بمرسل الزهري ، وهو ضعيف ، وبالقياس على صلاة الكسوف ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صح عنه أنه أرسل مناديا ينادي : الصَّلاة جامعة . وقد يفرق بين الكسوف والعيد ، بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم ، فنودوا لذلك ، وأما العيد ، فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام . وقول جابر : ولا إقامة ولا نداء ولا شيء يدخل فيه نفي النداء بـ الصَّلاة جامعة . وقد يقال : إن الصَّلاة جامعة هي بدل إقامة الصَّلاة للمكتوبات عندَ خروج الإمام حتَّى يعلم الناس حضور الصَّلاة ؛ فيتهيئون لها بالقيام ، وليس كلهم يشاهد الإمام ودخوله وصلاته ، فاحتيج إلى ما يعلم به ذلك . والإقامة مكروهة لهذه الصَّلاة ، فتعين إبدالها بـ الصَّلاة جامعة . وفي كراهة : حي على الصَّلاة بدل الصَّلاة جامعة وجهان للشافعية . والمنصوص عن الشافعي : أنه خلاف الأولى . وفي الحديث : أن الإمام إذا رأى أنه لم يسمع الموعظة النساء ، فإنه يأتيهن بعد فراغه من موعظة الرجال ، فيعظهن ويذكرهن . وقد قال عطاء : إن ذلك حق عليهِ . ولعله أراد أنه مندوب إليه ، متأكد الندب . قال طائفة من أصحاب الشافعي : إذا علم الإمام أن قوما فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة ، سواء كانوا رجالا أو نساءً ، واستدلوا بهذا الحديث .
976 - حدثنا أبو نعيم : ثنا محمد بن طلحة ، عن زبيد ، عن الشعبي ، عن البراء ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى إلى البقيع ، فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه ، وقال : إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ، ومن ذبح قبل ذلك ، فإنه شيء عجله لأهله ، ليس من النسك في شيء . فقام رجل ، فقال : يا رسول الله ، إني ذبحت ، وعندي جذعة خير من مسنة . قال : اذبحها ، فلا تفي عن أحد بعدك . في هذا الحديث : أن خروجه وصلاته كانت بالبقيع ، وليس المراد به : أنه صلى في المقبرة ، وإنما المراد : أنه صلى في الفضاء المتصل بها ، واسم البقيع يشمل الجميع . وقد ذكر ابن زبالة ، بإسناد له ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد خارج المدينة في خمسة مواضع ، حتَّى استقر من صلاته في الموضع الذي عرف به ، وصلى فيه الناس بعده . وأما استقباله الناس ، فالمراد به : بعد الصلاة عند الخطبة . وذكر استقباله الناس : يدل على أنه لم يرق منبرًا ، وأنه كان على الأرض والله سبحانه وتعالى أعلم .
17 – باب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد وقال أبو سعيد : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - مقابل الناس . حديث أبي سعيد ، قد خرجه فيما سبق .
8 - باب الخطبة يوم العيد فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 962 - نا أبو عاصم : أنا ابن جريج : أخبرني الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة . فيهِ : دليل على أنهم كانوا يخطبون للعيدين ، وأنهم كانوا يخطبون بعد الصَّلاة . وخرجه فيما بعد من طريق عبد الرزاق ، بسياق طويل .
الحديث الرابع : 965 - نا آدم : نا شعبة : نا زبيد ، قال : سمعت الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قالَ : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أول ما نبدأ في يومنا هذا ، أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من النسك في شيء ، فقال رجل من الأنصار - يقال له : أبو بردة بن نيار - : يا رسول الله ، ذبحت ، وعندي جذعة خير من مسنة ؟ قالَ : اجعله مكانه ، ولن توفي - أو تجزي - عن أحد بعدك . في هذا الحديث : دليل على أن الخطبة كانت بعد الصَّلاة ؛ لقوله : إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ولو كانَ يخطب قبل ، لكان أول ما بدأ به الخطبة . وهذا القول قاله في خطبته ، كما خرجه البخاري فيما بعد ، عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، بهذا الإسناد . وقد تقدم : أن الإمام أحمد خرجه من رواية أبي جناب الكلبي ، عن يزيد بن البراء ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله قبل الصَّلاة ، ثم صلى ، ثم خطب ، وذكر أنه قال في خطبته : من كان منكم عجل ذبحا فإنما هي جزرة أطعمها أهله - وذكر قصة أبي بردة - ثم قال : يا بلال قال : فمشى ، وأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى النساء ، فقال : يا معشر النسوان ، تصدقن ، الصدقة خير لكن . قال : فما رأيت يوما قط أكثر خدمة مقطوعة ، ولا قلادة ، ولا قرطا من ذلك اليوم . وقال الإمام أحمد - أيضا - : نا يحيى بن آدم : نا أبو الأحوص ، عن منصور ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بعد الصلاة - ولم يزد على ذَلِكَ . وأما ذكر الخطبتين في العيد ، فخرجه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم : نا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر - أو أضحى - فخطب قائما ، ثم قعد قعدة ، ثم قام . وإسماعيل ، هو المكي . ضعيف جدا .
الحديث الثاني : 963 - نا يعقوب بن إبراهيم : نا أبو أسامة : نا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة . وقد خرجه مسلم بنحوه من حديث أبي أسامة وعبدة بن سليمان كلاهما ، عن عبيد الله . وقد قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : ما سمعت من أحد يقول في هذا الحديث : أبو بكر وعمر إلا عبدة . كذا قال ، وكأنه لم يسمعه من أبي أسامة .
الحديث الثالث : 964 - نا سليمان بن حرب : نا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قالَ : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفطر ركعتين ، لم يصل قبلهما ولا بعدهما ، ثم أتى النساء ومعه بلال ، فأمرهن بالصدقة ، فجعلن يلقين ، تلقي المرأة خرصها وسخابها . ظاهره : أنه بعد الصلاة خطب النساء ، وليس كذلك ، وإنما خطب الرجال ثم أتى النساء بعد الرجال ، وسيأتي ذلك من حديث طاوس . و الخرص ، و القرط حلقة في الأذن ، وربما كانت فيها حبة . و السخاب : قلادة تتخذ من أنواع الطيب . وفي الحديث : دليل على جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها .
15 – باب خروج الحُيض إلى المُصلى 974 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أم عطية ، قالت : أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور . وعن أيوب ، عن حفصة - بنحوه ، وزاد في حديث حفصة : أو قالت : العواتق وذوات الخدور ويعتزلن الحُيض المصلى . قد سبق هذا الحديث بتمامه في كتاب الحيض في باب : شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ، وفيه : أن حفصة قالت لأم عطية : الحيض ؟ فقالت : أليست تشهد عرفة وكذا وكذا . وتقدم هنالك الكلام عليه مستوفى . وفي الحديث : أمر النساء بالخروج إلى العيدين حتى شوابهن وذوات الخدور منهن . وقد تقدم تفسير العواتق وأنها جمع عاتق ، وهي البكر البالغ التي لم تُزوج . وفي خروج النساء إلى العيدين أحاديث كثيرة ، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها - أيضًا . وقد اختلف العلماء فيه على أقوال : أحدها : أنه مستحب ، وحكي عن طائفة من السلف ، منهم علقمة . وروي عن ابن عمر ، أنه كان يخرج نساءه . وروي عنه ، أنه كان يحبسهن . وروى الحارث ، عن علي قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين . ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلا في العيدين . وهو قول إسحاق وابن حامد من أصحابنا . وقال أحمد - في رواية ابن منصور - : لا أحب منعهن إذا أردن الخروج . والثاني : أنه مباح ، غير مستحب ولا مكروه ، حكي عن مالك ، وقاله طائفة من أصحابنا . الثالث : أنه مكروه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم وهو قول النخعي ويحيى الأنصاري والثوري وابن المبارك . وأحمد - في رواية حرب - قال : لا يعجبني في زماننا ؛ لأنه فتنةٌ . واستدل هؤلاء بأن الحال تغير بعد النبي - صلى الله عليه وسلم وقد قالت عائشة : لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد ، وقد سبق . والرابع : أنه يرخص فيه للعجائز دون الشواب ، روي عن النخعي - أيضًا - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، ونقله حنبل عن أحمد . وروي عن ابن عباس بإسناد فيه ضعف ، أنه أفتى بذلك سعيد بن العاص ، فأمر مناديه أن لا تخرج يوم العيد شابة ، وكل العجائز يخرجن . الخامس : - قول الشافعي - : يستحب الخروج للعجائز ومن ليست من ذوات الهيئات . وفسر أصحابه ذوات الهيئات بذوات الحسن والجمال ، ومن تميل النفوس إليها ، فيكره لهن الخروج ؛ لما فيهِ من الفتنة .
13 كتاب العيدين بسم الله الرحمن الرحيم 13 أبواب العيدين 1 - باب في العيدين والتجمل فيهما 948 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قالَ : أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود . فقال لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما يلبس هذه من لا خلاق لهُ . ثم ذكر بقية الحديث في إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - بجبة ديباج إلى عمر . وقد سبق في كتاب الجمعة من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وفيه : لو اشتريت هذه للجمعة والوفود ؟ . وهي قضية واحدة والله أعلم . وقد يكون أريد بالعيد جنس الأعياد ، فيدخل فيهِ العيدان والجمعة . وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد ، وأنه كان معتادا بينهم . وقد تقدم حديث لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في العيدين برده الأحمر . وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا وغيرهم . وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد . وقال مالك : سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد . واستحبه الشافعي . وخرج البيهقي بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه . والمنصوص عن أحمد في المعتكف : أنه يخرج إلى العيد في ثياب اعتكافه ، وحكاه عن أبي قلابة . وأما غير المعتكف ، فالمنصوص عن أحمد : أنه يخير بين التزين وتركه . قال المروذي : قلت لأحمد : أيما أحب إليك : أن تخرج يوم العيد في ثياب جياد أو ثياب رثة ؟ قالَ : أما طاوس فكان يأمر بزينة الصبيان حتَّى يخضبوا ، وأما عطاء فقالَ : لا ، هوَ يوم تخشع . فقلت لأحمد : فإلى ما تذهب ؟ قالَ : قد روي هذا وهذا ، واستحسنهما جميعا . ذكره أبو بكر بن جعفر في كتابه الشافي ، عن الخلال ، عنه . وحكاه القاضي في شرح المذهب مختصرا ، وفيه : وقال عطاء : لا ، هو يوم تخشع ، وهذا أحسن . ومما يتصل بذلك : الغسل للعيدين ، وقد نص أحمد على استحبابه . وحكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ . وكان ابن عمر يفعله ، كذا رواه نافع ، عنه ، ورواه عن نافع : مالك وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة وابن عجلان وابن إسحاق وغيرهم . وروى أيوب ، عن نافع ، قالَ : ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد ، كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ، ثم يغدو منه إذا صلى الصبح إلى المصلى . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . وعجب ابن عبد البر من رواية أيوب ، لمخالفتها رواية مالك وغيره ، عن نافع . ولا عجب من ذلك ، فقد يجمع بينهما : بأن ابن عمر كان إذا اعتكف بات ليلة الفطر في المسجد ، ثم يخرج إلى العيد على هيئة اعتكافه ، كما قاله أحمد ومن قبله من السلف ، وهو قول مالك - أيضا - وإن لم يكن معتكفا ، اغتسل وخرج إلى المصلى . وممن روي عنه الغسل للعيد - أيضا - من الصحابة : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع ، والسائب بن يزيد . وقال ابن المسيب : هو سنة الفطر . وروى مالك ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع : يا معشر المسلمين ، إن هذا اليوم جعله الله عيدا ، فاغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك . وهذا تنبيه على أن ذلك مأمور به في كل عيد للمسلمين . رواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد ، عن ابن عباس . خرجه ابن ماجه . ورواية مالك أصح . ورواه بعضهم ، عن مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه كذلك الطبراني وغيره . وهو وهم على مالك : قاله أبو حاتم الرازي والبيهقي وغيرهما . وروى صبيح أبو الوسيم : ثنا عقبة بن صهبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الغسل واجب في هذه الأيام : يوم الجمعة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، ويوم عرفة . غريب جدا . وصبيح هذا ، لا يعرف . وخرج ابن ماجه من رواية الفاكه بن سعد - وله صحبة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام . وفي إسناده : يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف جدا . وخرج ابن ماجه عن جبارة بن مغلس ، عن حجاج بن تميم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى . وحجاج بن تميم وجبارة بن مغلس ، ضعيفان . وروى مندل ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل للعيدين . خرجه البزار . ومحمد هذا ، ضعيف جدا . والغسل للعيد غير واجب . وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ ، ولأصحابنا وجه ضعيف بوجوبه . وروى الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : الاغتسال للفطر والأضحى قبل أن يخرج إلى الصلاة حق . وخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد ضعيف ، عن الحارث ، عن علي ، قال : كان بعضنا يغتسل وبعضنا يتوضأ ، فلا يصلي أحد منا قبلها ولا بعدها حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم ويستحب - أيضًا - التطيب والسواك في العيدين . وكان ابن عمر يتطيب للعيد . وروى أبو صالح ، عن الليث بن سعد ، حدثني إسحاق بن بزرجٍ ، عن الحسن بن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نلبس أجود ما نجد ، ونتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد ، وأن نظهر التكبير ، وعلمنا السكينة والوقار . خرجه الطبراني والحاكم . وقال : لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمنا للحديث بالصحة . قلت : ورويناه من وجه آخر ، من طريق ابن لهيعة : حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عتبة بن حميد ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، قالَ : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب ، وأن نخرج وعلينا السكينة ، وأن نجهر بالتكبير . وهذا منكر جدًا . ولعله مما وضعه المصلوب ، وأسقط اسمه من الإسناد ؛ فإنه يروى بهذا الإسناد أحاديث عديدة منكرة ترجع إلى المصلوب ، ويسقط اسمه من إسنادها كحديث التنشف بعد الوضوء . والله سبحانه وتعالى أعلم . وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة والجالس في بيته ، حتى النساء والأطفال . وقد تقدم ذلك عن طاوس . وقال الشافعي : تزين الصبيان بالمصبغ والحلي ، ذكورًا كانوا أو إناثًا ؛ لأنه يوم زينة ، وليس على الصبيان تعبد ، فلا يمنعون لبس الذهب . قال بعض أصحابه : اتفق الأصحاب على إباحة زينة الصبيان يوم العيد بالمصبغ وحلي الذهب والفضة ، واختلفوا في غير يوم العيد على وجهين . وأما أصحابنا ، فلم يفرقوا بين عيد وغيره ، وحكوا في جواز إلباس الولي الصبي الحرير والذهب روايتين .
الحديث الثاني : 952 - نا عبيد بن إسماعيل : نا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار ، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث . قالت : وليستا بمغنيتين . فقال أبو بكر : مزامر الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا بكر ، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا . في هذا الحديث : الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب . وإن سمع ذلك النساء والرجال ، وإن كان معه دف مثل دف العرب ، وهو يشبه الغربال . وقد خرجه البخاري في آخر كتاب العيدين من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه ، فقال : دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد ، وتلك الأيام أيام منى . ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به ، وكان لهم دفوف يضربون بها ، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها ، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل ، ليس فيها جلاجل ، كما في حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال . خرجه الترمذي وابن ماجه ، بإسناد فيه ضعفٌ . فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرخص لهم في أوقات الأفراح ، كالأعياد والنكاح وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف ، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار ، وما كان في معناها . فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة ، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس ، المجبول محبته فيها ، بآلات اللهو المطربة ، المخرج سماعها عن الاعتدال ، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه ، ونهوا عنه وغلظوا فيه . حتى قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل . وروي عنه - مرفوعا . وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه لم يكن هذا الغناء ، ولا آلاته هي هذه الآلات ، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده ، مما يتعارفه العرب بآلاتهم . فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة ، وإن سمي غناءً ، وسميت آلاته دفوفا ، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل ، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى ، ويغير الطباع ، ويدعو إلى المعاصي ، فهو رقية الزنا . وغناء الأعراب المرخص فيه ، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة ، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى ، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا ، وإنما هي قضايا أعيان ، وقع الإقرار عليها ، وليس لها من عموم . وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة ؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات ، بخلاف غناء الأعراب ، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل ، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب . وقد صحت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذم من يستمع القينات في آخر الزمان ، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم . وقد خرج البخاري في الأشربة حديث عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك - أو أبي عامر - الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى . فقال فيه : قال هشام بن عمار - فذكره . والظاهر : أنه سمعه من هشام . وقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي . وخرجه من طريقه البيهقي وغيره . وخرجه الطبراني : نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد : نا هشام بن عمار . فصح واتصل عن هشام . وخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرا . وقد بينت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث ، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور . وباؤه مثلثة وعينه مهملة ، ومنهم من حكى أنها معجمة . قال الخطابي : هو يوم مشهور من أيام العرب ، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج ، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام ، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره . قالَ : وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب ، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين ، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار للحرم ، فهو المحظور من الغناء ، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه ، أو يترك النكير لهُ ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به . قالَ : وقول عائشة : ليستا بمغنيتين ، إنما بينت ذلك ؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة ، وذلك لا يليق بحضرته ، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش ، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة . وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا ينكر من الغناء النصب والحداء ونحوهما ، وقد رخص فيه غير واحد من السلف . قالَ : وقوله : هذا عيدنا يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين ، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير . انتهى . وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل بأنها أيام عيد ، فدل على أن المقتضي للمنع قائم ، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد . وقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان ، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع . وقد قال كثير من السلف ، منهم : قتادة : الشيطان قرآنه الشعر ، ومؤذنه المزمار ، ومصايده النساء . وروي ذلك من حديث أبي أمامة - مرفوعا . وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب ، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير ، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور ، وإن سمع ذلك الرجال تبعا . ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال ؛ فإنه من التشبه بالنساء ، وهو ممنوع منه ، هذا قول الأوزاعي وأحمد ، وكذا ذكره الحليمي وغيره من الشافعية . وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء ، أو من يشبه بهن من المخنثين ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت . وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق ، عملا بهذه السنة الصحيحة . وسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه ، فقال : كسب المخنث خبيث ، كسبه بالغناء ، نقله عنه المروذي . وفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع ، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف . فأما الغناء بغير ضرب بدف ، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز . وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة . والنصب : شبيه الحداء - : قاله الهروي وغيره . وهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانا للراحة . فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليس منا من لم يتغن بالقرآن والمراد : أنه يجعله عوضا عن الغناء فيطرب به ويلتذ ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه ، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر . وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود - أيضًا . وأما الغناء المهيج للطباع ، المثير للهوى ، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه ؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة [ ] ؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع ؛ ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - زنا العينين النظر ، وزنا الأذن الاستماع . ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه ، ولم يرخص فيه أحد يعتد به . وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين . وقد روى الإمام أحمد ، عن إسحاق الطباع ، أنه سأل مالكا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء ؟ فقالَ : إنما يفعله عندنا الفساق . وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وهو من علماء أهل المدينة - أيضا . وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ . وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به بالنساء . وقال أحمد : الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب : أتيناكم أتيناكم . وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم ، فمحرم مجمع على تحريمه ، ولا يعلم عن أحد منهم الرخصة في شيء من ذَلِكَ ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى . وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنه يرخص فيه مطلقا للنساء . وقد روي عن أحمد ما يشهد له ، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، كصاحب المغني وغيره . والثاني : إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها ، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم . والثالث : أنه لا يرخص فيه بحال . وهو قول النخعي وأبي عبيد . وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها . وقال الحسن : ليس الدف من أمر المسلمين في شيء . ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة . وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف ، وكأنه حصل عنده تردد : هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الأعاجم فيه جرس ؟ وقد قيل لأحمد : الدف فيهِ جرس ؟ قال : لا . وقد نص على منع الدف المصلصل . وقال مالك في الدف : هو من اللهو الخفيف ، فإذا دعي إلى وليمة ، فوجد فيها دفًا فلا أرى أن يرجع . وقاله ابن القاسم من أصحابه . وقال أصبغ - منهم - : يرجع لذلك . وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر : خرج ابن ماجه من رواية الشعبي ، قال : شهد عياض الأشعري عيدًا بالأنبار ، فقال : ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم ومن رواية الشعبي ، عن قيس بن سعد ، قال : ما كان شيء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد رأيته ، إلا شيء واحد ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقلس له يوم الفطر . قال يزيد بن هارون : التقليس : ضرب الدف . وقال يوسف بن عدي : التقليس : أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق ، يلعبون بالطبل وغير ذلك . وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد ، سميناه : نزهة الأسماع في مسألة السماع ، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة . ومما يدخل في هذا الباب : ما روى حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : ما هذان اليومان ؟ قالوا : نلعبهما في الجاهلية . فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما : يوم الفطر ، ويوم الأضحى . خرجه أبو داود والنسائي .
3 – باب سنة العيدين لأهل الإسلام فيه حديثان : الأول : 951 - حدثنا حجاج : أنا شعبة : أخبرني زبيد : سمعت الشعبي ، عن البراء : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال : إن أول ما نبرأ في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا . مراده : الاستدلال بهذا الحديث على أن سنة أهل الإسلام التي سنها لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في عيد النحر : الصلاة ثم النحر بعد رجوعهم من الصلاة . وهذا مما اتفق المسلمون على أنه سنة في يوم النحر ، وإنما اختلفوا : هل هو واجب ، أم لا ؟ فأما النحر ، فيأتي الكلام عليه في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وأما صلاة العيد ، فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها سنة مسنونة ، فلو تركها الناس لم يأثموا . هذا قول الثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . واختلفوا : هل يقاتلون على تركها ؟ وفيه وجهان للشافعية . وقال أبو يوسف : آمرهم وأضربهم ؛ لأنها فوق النوافل ، ولا أقاتلهم ؛ لأنها دون الفرائض . وقد يتعلق لهذا القول بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المصلي يوم العيد أنه أصاب السنة . ولا دليل فيه ؛ فإن السنة يراد بها الطريقة الملازمة الدائمة ، كقوله : سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا والقول الثاني : أنها فرض كفاية ، فإذا اجتمع أهل بلد على تركها أثموا وقوتلوا على تركها . وهو ظاهر مذهب أحمد ، نص عليه في رواية المروذي وغيره . وهو قول طائفة من الحنفية والشافعية . والقول الثالث : أنها واجبة على الأعيان كالجمعة . وهو قول أبي حنيفة ، ولكنه لا يسميها فرضًا . وحكى أبو الفرج الشيرازي - من أصحابنا - رواية عن أحمد : أنها فرض عين . وقال الشافعي - في مختصر المزني - : من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين . وهذا صريح في أنها واجبة على الأعيان . وليس ذلك خلافًا لإجماع المسلمين ، كما ظنه بعضهم . وكثير من أصحابه تأولوا نصه بتأويلات بعيدة ، حتى إن منهم من حمله على أن الجمعة فرض كفاية كالعيد . وأقرب ما يتأول به : أن يحمل على أن مراده : أن العيد فرض كفاية ؛ لأن فروض الكفاية كفروض الأعيان في أصل الوجوب ، ثُمَّ يسقط وجوب فرض الكفاية بفعل البعض دون فرض العين . فقد يقال : إن الشافعي أراد أن يعلق الوجوب في العيد بمن يتعلق به وجوب الجمعة وإن كانت العيد تسقط بحضور بعض الناس دون الجمعة . وهذا أشبه مما تأوله به أصحابه ، مع مخالفته لظاهر كلامه وبعده منه ؛ فإنه صرح بوجوب الحضور في العيد كحضور الجمعة .
2 – باب الحرب والدرق يوم العيد 949 - حدثنا أحمد : نا ابن وهب : أنا عمرو ، أن محمد بن عبد الرحمن الأسدي حدثه ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فأقبل عليهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : دعهما . فلما غفل غمزتهما فخرجتا . 950 - وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحرب ، فإما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما قال : تشتهين تنظرين ؟ ، فقلت : نعم . فأقامني وراء خدي على خده ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة ، حتَّى إذا مللت قالَ : حسبك ؟ ، قلت : نعم . قال : فاذهبي . أحمد الراوي عن ابن وهب سبق الاختلاف فيه . و عمرو ، هو : ابن الحارث . وشيخه ، هو : أبو الأسود يتيم عروة . وقد سبق الحديث باختلاف طرقه وألفاظه في أبواب المساجد في باب : أصحاب الحراب في المسجد . وذكرنا فيه : أن هذا العيد كان أحد عيدي الإسلام ، وأنه قد قيل : إنه كان يوم عاشوراء . والظاهر : أن هذا كان قبل نزول الحجاب ؛ لقولها : خدي عَلَى خده . ويحتمل أنه كَانَ بعده ؛ فإن البخاري خرجه في باب : أصحاب الحراب في المسجد بزيادة : وهو يسترني بردائه . واللعب بالحراب والدرق في الأعياد مما لا شبهة في جوازه ، بل واستحبابه ؛ لأنه مما يتعلم به الفروسية ، ويتمرن به على الجهاد . وقد رخص إسحاق وغيره من الأئمة باللعب بالصولجان والكرة ، للتمرن على الجهاد . وأما ذكر الغناء ، فنذكره في الباب الآتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
قال البخاري - رحمه الله - : 966 - حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين : نا المحاربي : نا محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير ، قال : كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه ، فلزقت قدمه بالركاب ، فنزلت فنزعتها ، وذلك بمنى ، فبلغ الحجاج فجاء يعوده ، فقال الحجاج : لو نعلم من أصابك ؟ قالَ : أنت أصبتني . قالَ : وكيف ؟ قال : حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه ، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم . 967 - حدثنا أحمد بن يعقوب : حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، عن أبيه ، قال : دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده ، فقال : كيف هو ؟ قالَ : صالح . قالَ : من أصابك ؟ قال : أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله - يعني : الحجاج . زكريا بن يحيى أبو السكين الطائي الكوفي ، روى عنه البخاري هذا الحديث ، ولم يرو عنه في كتابه ، ولم يخرج لهُ أحد من أهل الكتب الستة سواه . وكذلك أحمد بن يعقوب المسعودي الكوفي ، لم يرو عنه غير البخاري من أهل الكتب ، لكنه روى عنه في مواضع أخر من كتابه . وظاهر كلام ابن عمر : يقتضي أن حمل السلاح يوم النحر غير جائز ، سواء كان في الحرم أو غيره ، وكذلك حمله في الحرم . وفي صحيح مسلم من حديث معقل ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح . وقول ابن عمر قالَ : لم يكن يحمل فيه ، في معنى رفعه ؛ لأنه إشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الزمان . ولعل النهي إنما هو عن إشهار السلاح لا عن حمله في القراب ، كما نهى عن ذلك في المساجد . ويدل عليه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يدخلها من قابل ، وأن لا يدخلها إلا بجلبان السلاح ، وهي السيوف في القراب . ولكن ألفاظ الأحاديث عامة ، وقد يكون دخوله مكة عام القضية بالسلاح ؛ لأنه كانَ خائفًا . وقد حكي عن عطاء ومالك والشافعي ، أنه يكره إدخال السلاح إلى الحرم لغير حاجة إليه . وأما حمل السلاح يوم العيد ، فقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه قال : نهوا عنه ، إلا أن يخافوا عدوًا . وقد روي عنه مرفوعًا . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي ، من طريق علي بن عياش : ثنا إسماعيل ، عن ابن أبي نعم ، عن الحسن ، عن جابر ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج السلاح في العيدين . إسماعيل : كأنه : ابن عياش . والصحيح : الموقوف . وبوب عليه أبو بكر : باب : القول في لبس السلاح في العيدين وذكر الثغور . يشير إلى أنه في الثغور التي يخاف فيها من هجم العدو غير منهي عنه .
9 - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم وقال الحسن : نهوا عن حمل السلاح يوم العيد ، إلا أن يخافوا عدوًا . هذا الذي ذكره عن الحسن ، قد روي مرفوعًا : فروى أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن الضحاك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخرج يوم العيد بالسلاح . وبإسناده ، عن مكحول ، قال : إنما كانت الحربة تحمل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد لأنه كانَ يصلي إليها . وخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف جدًا ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يلبس السلاح في بلاد الإسلام في العيدين ، إلا أن يكونوا بحضرة العدو . وفي إسناده : إسماعيل بن زياد ، متروك .
26 – باب الصلاة قبل العيد وبعدها وقال أبو المعلى : سمعت سعيدًا ، عن ابن عباس : كره الصلاة قبل العيد . 989 - حدثنا أبو الوليد : ثنا شعبة : أخبرني عدي بن ثابت ، قالَ : سمعت سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم عيد الفطر ، فصلى ركعتين ، ولم يصل قبلها ولا بعدها ، ومعه بلال . أبو المعلى ، هو : يحيى بن ميمون الكوفي ، ثقة مشهور . وقد اختلف الناس في معنى ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد قبلها وبعدها : فمنهم من قال : لأنه كان إمامًا ، والإمام لا يتطوع موضع صلاة العيد قبلها ولا بعدها ؛ لأن حضوره كإقامة الصَّلاة ، فلا يتطوع بعده ، وإذا خطب انصرف وانصرف الناس معه ، فلو صلى فلربما احتبس الناس لهُ ، وفيه مشقة . وهذا تأويل جماعة ، منهم : سليمان بن حرب وطائفة من الشافعية وغيرهم . وأنكر ذلك الإمام أحمد ، وقال : إنما لم يصل قبلها ولا بعدها ؛ لأنه لا صلاة قبلها ولا بعدها . واستدل بأن ابن عباس وابن عمر رويا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قبلها ولا بعدها وكرها الصلاة قبلها وبعدها استدلالًا بما روياه ، فعلم أنهما فهما مما روياه كراهة الصلاة قبلها وبعدها ، وهما أعلم بما رويا . فأما كراهة ابن عباس ، فقد ذكره البخاري تعليقًا ، وروي عنه من وجوه أخرَ . وأما حديث ابن عمر ، فمن رواية أبان بن عبد الله البجلي ، عن أبي بكر بن حفص ، عن ابن عمر ، أنه خرج يوم عيد فطر ، ولم يصل قبلها ولا بعدها ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله . خرجه الإمام أحمد والترمذي . وقال : حسن صحيح . وحكى في علله عن البخاري ، أنه قال : هو حديث صحيح ، وأبان البجلي صدوق . وأبان هذا ، وثقه ابن معين ، وقال أحمد : صدوق صالح الحديث . وروى مالك وغيره ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يصلي قبل العيد ولا بعدها - ولم يرفعه . وكذا رواه عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر . قال الإمام أحمد : روي عن ابن عمر وابن عباس وسلمة بن الأكوع وبريدة ، أنهم لم يصلوا قبلها ولا بعدها . انتهى . وروي - أيضا - عن علي وجابر وابن أبي أوفى . وقال الزهري : ما علمنا أحدًا كانَ يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد ولا بعده . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . وخرجه جعفر الفريابي من رواية يونس ، عن الزهري ، قال : لم يبلغنا أن أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح يوم الفطر والأضحى قبل الصلاة ولا بعدها ، إلا أن يمر منهم مار بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيسبح فيه . وخرجه الأثرم من رواية الزبيدي ، عن الزهري ، قال : لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر عن أحد من سلف هذه الأمة ، أنه كان يصلي قبلها ولا بعدها . وكان عمر بن عبد العزيز لا يسبح قبلها ولا بعدها ، ويبكر بالخروج إلى الخطبة والصلاة ، كيما لا يصلي أحد قبلها . وحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة . وروي عن الشعبي ، قالَ : أتيت المدينة وهم متوافرون ، فلم أر أحدًا من الفقهاء يصلي قبلها ولا بعدها . خرجه الفريابي . وهو قول مالك وأحمد وإسحاق . وحكاه الترمذي عن الشافعي . وهؤلاء ، منهم من كان ينهى عن الصلاة قبلها ، ويزجر عنه ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري وحذيفة وغيرهما . ومنهم من كان يخبر بأنه ليس من السنة ، ولا ينهى عنه ، ومنهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وحكى الإمام أحمد عن أهل البصرة ، أنهم رجعوا في الصلاة قبلها وبعدها ، روي عن أنس وأبي برزة الأسلمي والحسن وأخيه سعيد وجابر بن زيد وأبي بردة بن أبي موسى ، وهو المشهور عن الشافعي . وقد حكاه الإمام أحمد - في رواية الأثرم - عن أنس وأبي برزة . وروى الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : نا محمد بن جعفر : نا سعيد ، عن قتادة ، أن أبا برزة الأسلمي وأنس بن مالك والحسن وعطاء بن يسار ، كانوا لا يرون بالصلاة قبل الإمام ولا بعده بأسًا . وقد خرج البيهقي من رواية الداناج ، أنه رأى أبا بردة يصلي يوم العيد قبل الإمام . فظن صاحب شرح المهذب ، أن من حكاه عن أبي برزة الأسلمي فقد وهم وصحف ، وليس كما قال . ورخصت طائفة أخرى في الصلاة بعدها دون ما قبلها ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الكوفة . وقد روي عن علي من وجه ضعيف . وعن ابن مسعود وأصحابه . وعن ابن أبي ليلى والنخعي والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي . وفرقت طائفة بين أن يصلي العيد في المصلى ، فلا يصلي قبلها ولا بعدها ، وبين أن يصلي في المسجد فيصلي قبلها وبعدها ، وهو قول الليث ، ورواية عن مالك . ولم يذكر في تهذيب المدونة سواها . وعنه ، الرخصة أن يصلي قبلها في المسجد خاصة . وهذا كله في حق غير الإمام ، فأما الإمام فلا نعلم في كراهة الصلاة له خلافًا قبلها وبعدها . وكل هذا في الصلاة في موضع صلاة العيد ، فأما الصلاة في غير موضع صلاة العيد ، كالصلاة في البيت أو في المسجد ، إذا صليت العيد في المصلى ، فقال أكثرهم : لا تكره الصلاة فيه قبلها وبعدها . روي ذلك عن بريدة ورافع بن خديج . وذكره عباس بن سهل ، عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يفعلونه . وكان عروة يفعله . وروي عن ابن مسعود ، أنه كان يصلي بعد العيد في بيته . وهو مذهب أحمد وإسحاق . وروى عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي قبل العيد شيئًا ، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم . وقال : سنة عزيزة ، بإسناد صحيح . كذا قال ؛ وابن عقيل مختلف فيهِ . وقالت طائفة : لا صلاة يوم العيد حتَّى تزول الشمس . وصح عن ابن عمر ، أنه كان يفعله . وعن كعب بن عجرة ، أنه أنكر على من صلى بعد العيد في المسجد ، وذكر أنه خلاف السنة ، وقال : هاتان الركعتان سبحة هذا اليوم حتى تكون الصلاة تدعوك . واختار هذا القول أبو بكر الآجري ، وأنه تكره الصلاة يوم العيد حتى تزول الشمس ، وحكاه عن أحمد . وحكايته عن أحمد غريبة . وعند أحمد وأكثر أصحابه : لا تصلى قبل العيد ، ولو صليت في المسجد ودخل إليه بعد زوال وقت النهي . وسئل أحمد - في رواية أحمد بن القاسم - : لو كان على رجل صلاة في ذلك الوقت : هل يصلي ؟ قالَ : أخاف أن يقتدي به بعض من يراه . قيل لهُ : فإن يكن ممن يقتدى به ؟ قال : لا أكرهه ، وسهل فيه .
20 – باب إذا لم يكن لها جلبابٌ في العيد 980 - حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا أيوب ، عن حفصة بنت سيرين ، قالت : كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد ، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف ، فأتيتها فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة ، فكانت أختها معه في ست غزوات . قالت : وكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى فقالت : يا رسول الله ، أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج ؟ قالَ : لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين . قالت حفصة : فلما قدمت أم عطية أتيتها ، فسألتها : أسمعت في كذا ؟ فقالت : نعم بأبي - وقلما ذكرت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قالت : بأبي - قالَ : ليخرج العواتق ذوات الخدور - أو قالَ : العواتق وذوات الخدور - شك أيوب - والحُيض ، فيعتزل الحُيض المصلى ، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين . فقلت لها : الحُيض ؟ قالت : نعم ، أليس الحائض تشهد عرفات ، وتشهد كذا وكذا ؟ قصر بني خلف بالبصرة ، منسوب إلى بني خلف الخزاعيين ، وخلف هذا جدُ طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف . وفي هذه الرواية عن أيوب : بيان أن ذكر الجلباب إنما روته حفصة بنت سيرين ، عن امرأة غير مسماة ، عن أختها عن النبي - صلى الله عليه وسلم وأن بقية الحديث ترويه حفصة ، عن أم عطية ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وكذا رواه ابن علية ، عن أيوب - أيضًا . ونحوه رواه حماد بن زيد وابن عيينة ، عن أيوب . وهذا هو الصحيح عند أبي بكر الخطيب وغيره . وروى حماد بن سلمة الحديث كله ، عن أيوب ويونس بن حبيب ويحيى بن عتيق وهشام في آخرين ، عن محمد بن سيرين ، عن أم عطية - بتمامه . وكذا رواه أبو جعفر الرازي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد وحفصة ، كلاهما عن أم عطية - بتمامه . وقد خرجه مسلم في صحيحه من حديث عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن حفصة ، عن أم عطية - بتمامه ، حتى ذكر فيه : قصة الجلباب . وكذا خرجه الترمذي من حديث منصور بن زاذان ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية - أيضًا . وخرج البخاري الحديث بتمامه ، وفيه قصة الجلباب في كتاب الحيض - كما تقدم - من طريق يزيد بن إبراهيم ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية - أيضًا . وفي الحديث : تأكيد في خروج النساء في العيدين . وقد ورد التصريح بوجوبه . فخرج الإمام أحمد من رواية طلحة بن مصرف ، عن امرأة من بني عبد القيس ، عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : وجب الخروج على كل ذات نطاق . وفيه : امرأة لا تُعرف . وخرج ابن شاهين في كتاب العيدين من حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : العيدان واجبان على كل حالم ، من ذكر أو أنثى . وفي إسناده : عمرو بن شمر ، ضعيف جدا . وروى الحارث عن علي ، قالَ : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين . وهذا مما لا يعلم به قائل - أعني : وجوب الخروج على النساء في العيد .
10 - باب التبكير إلى العيد وقال عبد الله بن بسر : إن كنا قد فرغنا في هذه الساعة ، وذلك حين التسبيح . 968 - حدثنا سليمان بن حرب : نا شعبة ، عن زبيد ، عن الشعبي ، عن البراء ، قال : خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، فقال : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر . ثم ذكر بقية الحديث - يعني حديث آدم ، عن شعبة - وقد سبق قريبًا ، إلا أنه قال : اجعلها مكانها - أو قال - : اذبحها ، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك . وجه الاستدلال بحديث البراء على التبكير بصلاة العيد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أول ما يبدأ به في يوم النحر الصَّلاة ، ثُمَّ النحر بعد رجوعه ، والمراد باليوم هاهنا : ما بعد طلوع الشمس ، فإنه لا يجوز صلاة العيد قبل ذَلِكَ بالاتفاق . وهذا مما يرد قول من قال من أصحابنا بجواز صلاة الجمعة قبل طلوع الشمس . وقد يستدل به من يرى أن صلاة العيد تجوز قبل زوال وقت النهي . ويجاب عنه بأن ذكره أول ما يبدأ به في وقت متسع ، لا يلزم منه أن يكون فعله له في أول ذلك الوقت . وقال الشافعي : أنا الثقة ، أن الحسن كان يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس ، فيتتام طلوعها . وأما حديث عبد الله بن بسر الذي ذكره تعليقًا : فخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير الرحبي ، قال : خرج عبد الله بن بسر - صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم مع الناس في يوم عيد فطر - أو أضحى - فأنكر إبطاء الإمام ، وقال : أنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه ، وذلك حين التسبيح . والمراد بصلاة التسبيح : صلاة الضحى . والمراد بحينها : وقتها المختار ، وهو إذا اشتد الحر . فهذا التأخير هو الذي أنكره عبد الله بن بسر ، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي ؛ فإن ذَلِكَ هوَ الأفضل بالاتفاق ، فكيف ينكره . وقد اختلف في أول وقت صلاة العيد : فقال أبو حنيفة وأحمد : أول وقتها إذا ارتفعت الشمس ، وزال وقت النهي . وهو أحد الوجهين للشافعية . والثاني - لهم - : أول وقتها إذا طلعت الشمس ، وإن لم يزل وقت النهي . وهو قول مالك . ويتخرج لأصحابنا مثله ، على قولهم : إن ذوات الأسباب كلها تفعل في أوقات النهي . وقد خرجه بعضهم في صلاة الاستسقاء ، وصلاة العيد مثلها . وعمل السلف يدل على الأول ؛ فإنه قد روي عن ابن عمر ورافع بن خديج وجماعة من التابعين ، أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيد حتَّى تطلع الشمس ، وكان بعضهم يصلي الضحى في المسجد قبل أن يخرج إلى العيد . وهذا يدل على أن صلاتها إنما كانت تفعل بعد زوال وقت النهي . واختلفوا : هل يستحب إقامة العيدين في وقت واحد بالسوية ، أو يعجل أحدهما عن آخر ؟ على قولين . أحدهما : أنهما يصليان بالسوية ، وهو قول مالك . وقال ربيعة : إذا طلعت الشمس فالتعجيل بهما - يعني : الفطر والأضحى - أحسن من التأخير . قال الزهري : كانوا يؤخرون العيدين حتى يرتفع النهار جدًا . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يبكر بالخروج إلى الصلاة ؛ كيلا يصلي أحد قبلها . خرجه كله جعفر الفريابي في كتاب العيدين . والثاني : يستحب أن يؤخر صلاة الفطر ، وتقدم الأضحى ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد . وفي حديث مرسل ، خرجه الشافعي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم - وهو بنجران - أن عجل الأضحى ، وأخر الفطر . وفي إسناده : إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، وهو ضعيف جدًا . والمعنى في ذلك : أنه بتأخير صلاة عيد الفطر يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها فيه ، وبتعجيل صلاة الأضحى يتسع وقت التضحية ، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتَّى يأكلوا من ضحاياهم . وقد تقدم في حديث ابن عباس المخرج في المسند : وكانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا . وأظنه من قول عطاء . ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم - نص عليه أحمد في رواية حنبل - ؛ ليكون أهل الأمصار تبعًا للحاج في ذَلِكَ ؛ فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار . وأما آخر وقت صلاة العيد فهو : زوال الشمس . قال عطاء : كل عيد في صدر النهار . وقال مجاهد : كانوا يعدون العيد في صدر النهار . وقال مجاهد : كل عيد للمسلمين فهو قبل نصف النهار . وقال أحمد : لا يكون الخروج للعيدين إلا قبل الزوال . وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار ، فإن علم به قبل زوال الشمس خرجوا من وقتهم ، وصلوا صلاة العيد . وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار ، فقال أكثر العلماء : يخرجون من الغد للصلاة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي والليث وإسحاق وأحمد وابن المنذر . واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس ، قال : حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : غم علينا هلال شوال ، فأصبحنا صيامًا ، فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم ، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وصححه إسحاق بن راهويه والخطابي والبيهقي . واحتج به أحمد . وتوقف فيه الشافعي ، وقال : لو ثبت قلنا به . وقالت طائفة : تسقط ولا تصلى بعد ذلك ، كما لا تقضى الجمعة إذا فاتت ، وهو قول مالك وأبي ثور والشافعي - في قول له . والقول المشهور ، عنه : أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد خرجوا ، وصلوا في بقية اليوم ، وإلا أخروه إلى الغد . وبنى ذلك أصحابه على أن التأخير إلى الغد قضاء ، أو أداء . فإن قيل : إنه أداء ، لم تصل بعد الزوال ؛ لأن وقت أدائها قد فات . وإن قيل : إنَّهُ قضاء - وهو أصح عندهم - قضيت في بقية النهار ، إذا أمكن جمع الناس فيهِ . وهو أفضل - عندهم - من تأخيرها إلى الغد ، في أصح الوجهين عندهم . ولا خلاف عندهم ، أنه إذا لم يعلم بالعيد إلا في الليلة الثانية ، أنه يصلى من الغد . قالوا : ويكون أداء ، بغير خلاف . واتفقوا على أن هذه الشهادة لا تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد ، بل تصلى من الغد أداء بغير خلاف . قال في شرح المهذب : قال أصحابنا : ليس يوم الفطر أول شوال مطلقًا وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس ؛ بدليل حديث : فطركم يوم تفطرون وكذلك يوم النحر ، وكذلك يوم عرفة هوَ اليوم الذي يظهر للناس ، أنه يوم عرفة ، سواء كانَ التاسع أو العاشر . وقال الشافعي في الأم عقب هذا الحديث : فبهذا نأخذ . قالَ : وإنما كلف العباد الظاهر ، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا . انتهى . وقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة ، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف ، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام - : إن شهادتهم غير مقبولة ؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنة ، بتفويت حجهم . ذكره صاحب الكافي - منهم .
ثم خرج البخاري في هذا الباب : 987 - حديث عائشة في الجاريتين اللتين كانتا عندها تدففان وتغنيان . وقد ذكرنا لفظه في باب : سنة العيدين لأهل الإسلام إلى قوله : دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى . وزاد فيه :
25 – باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين ، وكذلك النساء ، ومن كان في البيوت والقرى ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا عيدنا أهل الإسلام وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية ، فجمع أهله وبنيه ، فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم . وقال عكرمة : أهل السواد يجتمعون في العيد ، يصلون ركعتين ، كما يصنع الإمام . وكان عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين . ذكر البخاري في هذا الباب مسائل . أحدها : من فاته صلاة العيد مع الإمام من أهل المصر ، فإنه يصلي ركعتين . وحكاه عن عطاء . وحكي - أيضا - عن أبي حنيفة والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد - في رواية ، عنه . ثم اختلفوا : هل يصلي ركعتين بتكبير كتكبير الإمام ، أم يصلي بغير تكبير ؟ فقالَ الحسن والنخعي ومالك والشافعي وأحمد - في رواية - : يصلي بتكبير ، كما يصلي الإمام . واستدلوا بالمروي عن أنس ، وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكنًا خارجًا من المصر بعيدًا منه ، فهو في حكم أهل القرى . وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد - في رواية عنه . والقول بأنه يصلي كما يصلي الإمام قول أبي حنيفة وأبي بكر بن أبي شيبة ، حتى قالَ : لا يكبر إلا كما يكبر الإمام ، لا يزيد عليه ولا ينقص . وكذا قاله الإمام أحمد - في رواية أبي طالب . وعن ابن سيرين ، قال : كانوا يستحبون إذا فات الرجل العيدان أن يمضي إلى الجبان ، فيصنع كما يصنع الإمام . وقال أحمد - في رواية الأثرم - : إن صليت ذهب إلى الجبان فصلى ، وإن شاء صلى مكانه . وقال - في رواية إسماعيل بن سعيد - : إذا صلى وحده لم يجهر بالقراءة ، وإن جهر جاز . وهذا عنده حكم المصلي الصلاة الجهرية مفردًا ، فلو صلاها في جماعة جهر بها بغير إشكال ، كما فعله الليث بن سعد . وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة العيدين إلا بمقدار ما يسمع من يليه ، روي ذلك عن علي ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري . وذكر الحسن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسمعون القراءة في العيدين والجمعة من يليهم . خرجه المروزي في كتاب العيدين . وهو قول الثوري في الجمعة والعيدين جميعًا . وقال عطاء والأوزاعي وأحمد - في الرواية الأخرى - : يصلي من فاته العيد ركعتين بغير تكبير . وهذه الرواية ، حكاها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي . وقال أحمد : إنما التكبير مع الجماعة . وجعله أبو بكر عبد العزيز كالتكبير خلف المكتوبة في أيام التشريق . وروى حنبل ، عن أحمد ، أنه مخير ، إن شاء صلى بتكبير ، وإن شاء صلى بغير تكبير . وقالت طائفة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات . روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه . وسوى ابن مسعود بين من فاتته الجمعة ، ومن فاته العيد ، فقال - في كل منهما - : يصلي أربعًا . واحتج به الإمام أحمد . ولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له ؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة . وهذا قول الشعبي والثوري وأحمد - في رواية أخرى ، عنه - وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، بناءً على اختيارهم اشتراط الجماعة للعيد والاستيطان ، ويكون الأربع عيدًا . نص عليه أحمد في رواية الميموني . وهذا يشبه قول ابن شاقلا : إن أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعًا ، وهي جمعة له ، كما سبق ذلك . وعلى هذا ، فيصلي وحده من غير جماعة ، نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم ، وكذا ذكره أبو بكر عبد العزيز . وإنما يصلي في جماعة إذا قلنا : يصلي صلاة العيد على صفتها . وهل يصلي الأربع بسلام واحد ، أو يخير بين ذلك وبين صلاتها بسلامين ؟ فيهِ عن أحمد روايتان . واختار أبو بكر صلاتها بسلام واحد ، تشبيهًا لصلاتها بصلاة من تفوته الجمعة . وعن أحمد : يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعًا . وهذا مذهب الثوري الذي حكاه أصحابه ، عنه . واستدل أحمد ، بأنه روي عن أنس ، أنه صلى ركعتين ، وعن ابن مسعود أنه صلى أربعًا . وكذلك روي عن علي ، أنه أمر من يصلي بضعفة الناس في المسجد أربعًا ، ولا يخطب بهم . وروى أحمد بن القاسم ، عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر ، وهو : إن صلى من فاته العيد جماعة صلى كصلاة الإمام ركعتين ، كما فعل أنس ، وإن صلى وحده صلى أربعًا ، كما قال ابن مسعود . وقال إسحاق : إن صلاها في بيته صلاها أربعًا كالظهر ، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتين بالتكبير ؛ لأن عليًا أمر الذي يصلي بضعفة الناس في المسجد أن يصلي أربعا ، ركعتين مكان صلاة العيد ، وركعتين مكان خروجهم إلى الجبان ، كذا رواه حنش بن المعتمر عن علي . واعلم أن الاختلاف في هذه المسألة ينبني على أصل ، وهو : أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ؟ فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . وأكثر العلماء ، على أنه لا يشترط لها ذَلِكَ ، وهو قول مالك والشافعي . ومذهب أبي حنيفة وإسحاق : أنه يشترط لها ذلك . فعلى قول الأولين : يصليها المنفرد لنفسه في السفر والحضر والمرأة والعبد ومن فاتته ، جماعة وفرادى . لكن لا يخطب لها خطبة الإمام ؛ لأن فيهِ افتئاتًا عليهِ ، وتفريقًا للكلمة . وعلى قول الآخرين : لا يصليها إلا الإمام أو من أذن لهُ ، ولا تصلى إلا كما تصلى الجمعة ، ومن فاتته ، فإنه لا يقضيها على صفتها ، كما لا يقضي الجمعة على صفتها . ثم اختلفوا : فقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تقضى بالكلية ، بل تسقط ، ولا يصلي من فاتته مع الإمام عيدا أصلا ، وإنما يصلي تطوعًا مطلقًا ، إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء صلى أربعًا . وقال أحمد وإسحاق : بل تقضى كما قال ابن مسعود وغيره من الصحابة . وليست العيد كالجمعة ؛ ولهذا يصليها الإمام والناس معه إذا لم يعلموا بالعيد إلا من آخر النهار من غد يوم الفطر ، والجمعة لا تقضى بعد خروج وقتها ، ولأن الخطبة ليست شرطًا لها ، فهي كسائر الصلوات ، بخلاف الجمعة . والذين قالوا : تقضى إذا فاتت مع الإمام ، لم يختلفوا أنها تقضى ما دام وقتها باقيًا . فإن خرج وقتها ، فهل تقضى ؟ قالَ مالك : لا تقضى . وعن الشافعي قولان . والمشهور عندنا : إنما تقضى . وخرجوا فيها رواية أخرى : أنها لا تقضى . وأصل ذلك : أن السنن الرواتب : هل تقضى في غير وقتها ، أم لا ؟ وفيه قولان ، وروايتان عن أحمد ؛ فإن فرض العيد يسقط بفعل الإمام ، فيصير في حق من فاتته سنة . ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال : أحدها : أنه يجلس فيسمع الخطبة ، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ، ونص عليه أحمد - أيضا . والثاني : أنه يصلي والإمام يخطب ، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب ، وهو قول الليث ؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب . وقال الشافعية : إن كانَ الإمام يخطب في المصلى ، جلس واستمع ؛ لأنه ما لم يفرغ من الخطبة فهو في شعار إقامة العيد ، فيتابع فيما بقي منه ، ولا يشغل عنه بالصلاة ، وإن كان يخطب في المسجد ؛ فإنه يصلي قبل أن يجلس . ثم لهم وجهان : أحدهما : يصلي تحية المسجد ، كالداخل يوم الجمعة ، وهو قول بعض أصحابنا - أيضا . والثاني : يصلي العيد ؛ لأنها آكد ، وتدخل التحية ضمنا وتبعًا ، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر ؛ فإنه يقضيها وتدخل التحية تبعًا . ووجه قول الأوزاعي وأحمد : أن استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم ، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة ، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة ؛ لأن المقصود الأعظم الصلاة ، وهي لا تفوت بالتحية . المسألة الثانية : صلاة النساء في بيوتهن في المصر ، وكذلك المريض ونحوه . وهذا مبني على أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ، أم لا ؟ فمن قالَ : لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها ، وكذلك المريض ، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته ، أن يصلي كما يصلي الإمام ، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة ، كما يقوله الشافعي وغيره . وقال الحسن - في المسافر يدركه الأضحى - : فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين ، ويضحي إن شاء . وأما من يشترط لها العدد وإذن الإمام ، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها ، بل يصلي ركعتين بغير تكبير - أو أربعًا - على ما سبق . قال الثوري وإسحاق - في النساء - : يصلين في بيوتهن أربعًا . وعند أبي حنيفة وأصحابه : لا تقضي بحال ، كما تقدم . المسألة الثالثة : أهل القرى : هل يصلون العيد في قراهم كما يصلي الإمام في المصر ونوابه في الأمصار ؟ وقد حكى عن عكرمة ، أنهم يصلونها كصلاة أهل الأمصار . قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، في القوم يكونون في السواد في سفرتهم عيد فطر أو أضحى ، قال : فيجتمعون ، فيصلون ، يؤمهم أحدهم . وقد تقدم أن جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى ، فالعيد أولى . لكن من يشترط العدد لصلاة العيد ، كأحمد - في رواية - وإسحاق ، يقول : لا بد أن يكون في القرية أربعون رجلا كالجمعة . قال إسحاق : وإن لم يخطب بهم صلوا أربعا - أيضا - قال : وإذا لم تكن خطبة فليس بعيد . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا عيد إلا في مصر جامع ، كقولهم في الجمعة . ولا خلاف أنه يجب على أهل القرى والمسافرين ، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم ، والأكثرون على صحته وجوازه . ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك ؛ فإنه كانَ يسكن خارجا من البصرة على أميال منها . فروى الإمام أحمد - فيما رواه عنه ابنه عبد الله في مسائله - : ثنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن جده أنس بن مالك ، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة ، وكان منزله بالطف جمع أهله وولده ومواليه ، ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة أن يصلي بهم . قال : يكبر بهم تسع تكبيرات ، خمس في الأولى ، وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين . وروى محمد بن الحكم ، عن أحمد - فيمن تفوته صلاة العيد - : يجمع أهله وولده ، كما فعل أنس ، ويكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين . وهذا يدل على أنه أخذ بجميع ما روي عن أنس فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام ، سواء كان لبعده عن الإمام أو لغير ذَلِكَ ، وأنه يكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين . وهذا خلاف مذهبه في تكبير الإمام ونوابه في الأمصار ، فإنه يرى أنهم يكبرون في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات . وفي موالاته بين القراءتين روايتان عنه : أشهرهما : أنه يكبر قبل القراءة في الركعتين . والثانية : أنه يوالي بينهما . واختارها أبو بكر بن جعفر . فأما التكبير في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا ، وهو قول جمهور العلماء ، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ، عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري ، وقال : مضت السنة به . وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة . وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود . وأكثر أهل الحديث ، منهم : ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم . ولكن اختلفوا : هل يكبر في الأولى سبعًا غير تكبيرة افتتاح الصلاة ، أم بها ؟ فقالَ مالك وأحمد : يحسب منها تكبيرة الافتتاح . وروي ذلك عن ابن عباس صريحًا . وقال الشافعي : لا يحسب منها . وعن الليث والأوزاعي قولان ، كالمذهبين . وقالت طائفة : يكبر في الأولى خمسًا بتكبيرة الافتتاح ، وفي الثانية أربعًا بعد القراءة ، بتكبيرة الركوع . روي ذلك عن ابن مسعود وإسحاق ، وهو قول سفيان وأهل الكوفة . وروي عن ابن عباس - في رواية عنه . وفي عدد التكبير أقوال متعددة للسلف ، وفيه أحاديث مرفوعة متعددة - أيضا - لم يخرج منها البخاري شيئًا ، وليس منها على شرطه شيء . وقد روى هارون بن عبد الله ، عن أحمد ، أنه قالَ : ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ذكره الخلال . وروى حرب ، عن أحمد قريبًا من ذلك . قال حرب : وسألت ابن المديني : هل صح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ويروى عن أبي هريرة - من قوله - صحيح . انتهى . وحكى الترمذي في علله ، عن البخاري ، أنه صحح هذا الحديث . وقال أحمد - في رواية - : أنا أذهب إليه . وقد خرجه في المسند وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة ، ومعناها واحد : أن التكبير في الأولى سبع ، وفي الثانية خمس . وفي رواية أحمد وأبي داود : أن القراءة بعدهما . وقد استوفينا الأحاديث في ذَلِكَ ، والكلام عليها في شرح الترمذي بحمد الله ومنه . ونقل الميموني ، عن أحمد ، قال : التكبير في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا ، وقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التكبير ، وكله جائز . وهذا نص منه على أنه يجوز التكبير على كل صفة رويت عن الصحابة من غير كراهة ، وإن كانَ الأفضل عنده سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية . ورجح هذا ابن عبد البر ، وجعله من الاختلاف المباح ، كأنواع الأذان والتشهدات ونحوها .
988 – وقالت عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني ، وأنا أنظر إلى الحبشة ، وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعهم ، أمنا بني أرفدة - يعني : من الأمن . خرجه عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . ولكن ؛ ليس فيهِ اللفظ الذي احتج به في أول الباب ، وهو قوله : هذا عيدنا أهل الإسلام ، إنما خرجه بهذا اللفظ في باب : سنة العيدين كما تقدم . وليس فيه لفظة : أهل الإسلام ، ولم أجده بهذه الزيادة في شيء من الكتب الستة ، وإنما تعرف هذه اللفظة في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يوم عرفة ، ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام . ووجه الاستدلال به على ما بوب عليه البخاري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العيد عاما لأهل الإسلام كلهم ، فدل على أنهم يشتركون فيما يشرع فيه جميعهم ، رجالهم ونساؤهم ، أهل أمصارهم ، وأهل قراهم فتكون صلاة العيد مشروعة لجميعهم من غير تخصيص لأحد منهم . والمنازع في ذلك قد يقول : أنا لا أمنع ذلك ، ولا أن يشهد العيد جميع المسلمين إذا صلاها الإمام أو نائبه في المصلى ، فأما الانفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله ، ولو كان مشروعًا لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل . وأيضا ؛ فمما يدل عَلَى أن الاستيطان يعتبر لها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يفعلها قط فِي أسفاره مَعَ كثرة أسفاره ، وقد أدركه عيد النحر بمنى ، وأدركه عيد الفطر فِي غزوة الفتح وَهُوَ مسافر ، ولم ينقل أنهُ صلى العيدين فِي شيء من أسفاره ، ولو فعل ذَلِكَ لما أهمل نقله ؛ لتوفر الدواعي على نقله ، وكثرة الحاجة إليه . والله سبحانه وتعالى أعلم . وأيضا ؛ فالحديث إنما ورد في أيام منى ، وظاهره : أنها أيام التشريق . ولو قيل : إن يوم النحر يدخل فيها ، فلا يلزم من كونها عيدًا للمسلمين جميعًا أن يشترك المسلمون جميعهم في كل ما يشرع فيها ؛ فإنه يشرع فيها للحاج ما لا يشرع لغيرهم من أهل الأمصار ، فلا يمتنع أن يشرع لأهل الأمصار الاجتماع على ما لا يشرع لغيرهم بانفرادهم ، كالنساء والمسافرين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال البخاري - رحمه الله تعالى - : 969 - نا محمد بن عرعرة : نا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام - يعني : أيام العشر - قالوا : ولا الجهاد ؟ قالَ : ولا الجهاد ، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء . هكذا في أكثر النسخ المعتمدة ، وفي أكثر النسخ : ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام - وكأنه يشير إلى أيام التشريق - والحديث بهذا اللفظ غير معروف . وفيه : تفضيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعًا . ولعل هذا من تصرف بعض الرواة ، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في باب : فضل العمل في أيام التشريق . والبخاري اتبع عبد الرزاق ؛ فإنه خرج هذا الحديث في ( مصنفه ) في باب : فضل أيام التشريق - أيضًا . وقد ذكر أن البخاري وإن بوب على أيام التشريق ، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا ، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات . وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر . وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل ، فعلم أنه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها ، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع ، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر . وهذا الحديث حديث عظيم جليل . وسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش ، وقد رواه جماعة عن الأعمش بهذا الإسناد ، وهو المحفوظ - : قاله الدارقطني وغيره . واختلف على الأعمش فيه : ورواه عن مسلم البطين مع الأعمش : حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد . ورواه عن سعيد بن جبير مع البطين : أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم ، مع اختلاف على بعضهم فيه . ورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير ، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة ومقسم ، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره . ولعل مسلمًا لم يخرجه للاختلاف في إسناده . والله سبحانه وتعالى أعلم . وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل ، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه . وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره . ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد ، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله ، ثم لا يرجع منهما بشيء . وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الجهاد أفضل ؟ ، قالَ : من عقر جواده ، وأهريق دمه . وسمع رجلا يقول : اللَّهُمَّ أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين ، فقالَ لهُ : إذن يعقر جوادك ، وتستشهد . فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر ، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال ، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها . وفي رواية : وأحب إلى الله عز وجل . فإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد ؛ لأن الحج يختص بهذه العشر ، وهو من أفضل أعماله ، ومع هذا فالجهاد أفضل منه ؛ لما في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله ، ثُمَّ حج مبرور . قيل : للجمع بينهما وجهان : أحدهما : بأن يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد ، إلا الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله ، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج خاصة . وقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد ، ومنهم : عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم ، وعن مجاهد وغيره . فيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلها . الوجه الثاني : أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد ، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ . ولذلك أمثلة : منها : أن يكون الحج مفروضا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قول جمهور العلماء . وقد روي صريحًا ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وروي - مرفوعًا - من وجوه متعددة ، في أسانيدها لين . ونص عليه الإمام أحمد وغيره . وقد دل عليه : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . وقد خرجه البخاري في كتابه هذا . ومنها : أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد ، فحجه أفضل من جهاده ، كالمرأة . وقد خرج البخاري حديث عائشة ، أنها قالت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قالَ : لكن أفضل الجهاد حج مبرور . ومنها : أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر ، ويؤتى به على أكمل الوجوه ، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات ، مع كثرة ذكر الله عز وجل والإحسان إلى عباده ، وكثرة العج والثج ، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد . وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضيل الحج على الجهاد ، كما سبق . وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر ، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه . ويدل عليه - أيضًا - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن عمل يعدل الجهاد ، فقال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد ، أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ . فدل على أن العمل من فتور في أي وقت كانَ يعدل الجهاد ، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه كان أفضل في عدد أيامه من سائر السنة ، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم . ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث ، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه . وروي عنه ، أنه قال : لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة . فإن قيل : هل المراد : تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟ قيل : أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره ، فلا شك في ذَلِكَ . ويدل عليه : ما خرجه ابن حبان في صحيحه ، من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة . فقال رجل : يا رسول الله ، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله ؟ قالَ : هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل . فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها ، ومن ذلك عشر رمضان . لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار ، ونوافله أفضل من نوافلها ، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره ، كما سبق تقريره في الحج والجهاد . وحينئذ ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة ؛ لأن الفرض أفضل من النفل . وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان ، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره . وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ؛ لفضل أيامه ، وخالفه في ذَلِكَ علي ، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع . وبذلك علله أحمد وإسحاق ، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان . وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من غيره ، ففيه نظر . وقد روي ما يدل عليهِ : فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، وكل ليلة منها بليلة القدر . والنهاس ، ضعفوه . وذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادة ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قالَ : ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر ؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة . وممن روي عنه : أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة : ابن سيرين وقتادة وعن الحسن : صيام يوم منه يعدل شهرين . وروى هارون بن موسى النحوي : سمعت الحسن يحدث ، عن أنس ، قالَ : كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم . وفي صحيح مسلم ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - إن صيامه كفارة سنتين . وهذه النصوص : تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره ، إما سنة أو أكثر من ذلك أو أقل . والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله . وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان : يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا . وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان ، بزيادة فيهِ ، وهي : ولا ليالي أفضل من لياليهن . وفي مسند البزار من وجه آخر ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : أفضل أيام الدنيا العشر . وروي مرسلًا . وقيل : إنه أصح . وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة ، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا . وقال مسروق في قوله : وَلَيَالٍ عَشْرٍ هي أفضل أيام السنة . وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة . وفي صحيح ابن حبان عن جابر - مرفوعا - : إنه أفضل أيام الدنيا وفيه : يوم النحر . وفي حديث عبد الله بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر . خرّجه أبو داود وغيره . وقد سبق في الحديث المرفوع : أن صيام كل يوم منه بسنة ، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر . وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان ، لياليه وأيامه . وقد زعم طائفة من أصحابنا : أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر . وقد تقدم عن ابن عمر ، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة ، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر . وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك ، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين : مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها . والله سبحانه وتعالى أعلم . وروى سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن كعب : أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول . وروي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا ، ولا يصح . وكذا قال سعيد بن جبير : ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة . وفي مسند البزار من حديث أبي سعيد - مرفوعا - : سيد الشهور رمضان ، وأعظمها حرمة ذو الحجة . وفي إسناده مقال . وفي مسند الإمام أحمد ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في خطبته في حجة الوداع يوم النحر - : ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ، وأحرم الشهور شهركم هذا ، وأحرم البلاد بلدكم هذا . وروي هذا من حديث جابر ، ووابصة ، ونبيط بن شريط وغيرهم - أيضًا . وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم ؛ حيث كانَ أعظمها حرمة . وروي عن الحسن : أن أفضلها المحرم . وأما ما قاله بعض الفقهاء الشافعية : إن أفضلها رجب : فقوله ساقط مردود . والله تعالى أعلم .
11 – باب فضل العمل في أيام التشريق وقال ابن عباس واذكروا الله في أيام معلومات : أيام العشر . والأيام المعدودات : أيام التشريق . وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر ، ويكبران ويكبر الناس بتكبيرهما . وكبر محمد بن علي خلف النافلة . بوب على فضل أيام التشريق والعمل فيها . وذكر في الباب أيام التشريق وأيام العشر ، وفضلهما جميعًا . وذكر ابن عباس : أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر ، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق . وفي كل منهما اختلاف بين العلماء : فأما المعلومات : فقد روي عن ابن عباس ، أنها أيام عشر ذي الحجة ، كما حكاه عنه البخاري . وروي - أيضًا - عن ابن عمر ، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة . وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور عنه . وقالت طائفة : الأيام المعلومات : يوم النحر ويومان بعده ، روي عن ابن عمر وغيره من السلف . وقالوا : هي أيام الذبح . وروي - أيضًا - عن علي وابن عباس ، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه . ومن قال : أيام الذبح أربعة ، قال : هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده . وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال - في خطبته يوم النحر - : هذا يوم الحج الأكبر ، وهذه الأيام المعلومات التسعة التي ذكر الله في القرآن ، لا يرد فيهن الدعاء ، هذا يوم الحج الأكبر ، وما بعده من الثلاثة اللائي ذكر الله الأيام المعدودات ، لا يرد فيهن الدعاء . وهؤلاء جعلوا ذكر الله فيها هو ذكره على الذبائح . وروي عن محمد بن كعب ، أن المعلومات أيام التشريق خاصة . والقول الأول أصح ؛ فإن الله سبحانه وتعالى قالَ - بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ والتفث : هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار . وقضاؤه : إكماله . وذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام ، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات ، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق . فلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكر فيها بعد قضاء التفث ووفاء النذور والتطوف بالبيت العتيق ، والقرآن يدل على أن الذكر فيها قبل ذلك . وأما قوله تعالى : عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فإما أن يقال : إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر ، وهو أفضل أوقات الذبح ، وهو آخر العشر . وإما أن يقال : إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، ليس هو ذكره على الذبائح ، بل ذكره في أيام العشر كلها ، شكرًا على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام ؛ فإن لله تعالى علينا فيها نعمًا كثيرة دنيوية ودينية . وقد عدد بعض الدنيوية في سورة النحل ، وتختص عشر ذي الحجة منها بحمل أثقال الحاج ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكهم والانتفاع بركوبها ودرها ونسلها وأصوافها وأشعارها . وأما الدينية فكثيرة ، مثل : إيجاب الهدي وإشعاره وتقليده ، وغالبا يكون ذلك في أيام العشر أو بعضها ، وذبحه في آخر العشر ، والتقرب به إلى الله ، والأكل من لحمه ، وإطعام القانع والمعتر . فلذلك شرع ذكر الله في أيام العشر شكرًا على هذه النعم كلها ، كما صرح به في قوله تعالى : كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ كما أمر بالتكبير عند قضاء صيام رمضان ، وإكمال العدة ، شكرًا على ما هدانا إليه من الصيام والقيام المقتضي لمغفرة الذنوب السابقة . وأما الأيام المعدودات : فالجمهور على أنها أيام التشريق ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما . واستدل ابن عمر بقوله : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وإنما يكون التعجيل في ثاني أيام التشريق . قال الإمام أحمد : ما أحسن ما قال ابن عمر . وقد روي عن ابن عباس وعطاء ، أنها أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة بعده . وفي إسناد المروي عن ابن عباس ضعف . وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة ، فهو من رواية سلام أبي المنذر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران ، لا يخرجان إلا لذلك . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي وأبو بكر المروزي القاضي في كتاب العيدين . ورواه عفان : نا سلام أبو المنذر - فذكره ، ولفظه : كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر ، فيكبران ، ويكبر الناس معهما ، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك . وروى جعفر الفريابي ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، قال : رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر . الله أكبر ولله الحمد . وروى المروزي ، عن ميمون بن مهران ، قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر ، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها ، ويقول : إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير . وهو مذهب أحمد ، ونص على أنه يجهر به . وقال الشافعي : يكبر عند رؤية الأضاحي . وكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القرآن ، وهو وإن كان داخلا فيه ، إلا أنه لا يختص به ، بل هو أعم من ذلك كما تقدم . وهذا على أصل الشافعي وأحمد : في أن الأيام المعلومات هي أيام العشر ، كما سبق . فأما من قال : هي أيام الذبح ، فمنهم من لم يستحب التكبير في أيام العشر ، وحكي عن مالك وأبي حنيفة . ومن الناس من بالغ ، وعده من البدع ، ولم يبلغه ما في ذلك من السنة . وروى شعبة ، قال : سألت الحكم وحمادًا عن التكبير أيام العشر ؟ فقالا : لا ؛ محدث . خرّجه المروزي . وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيه من هذه الأيام العشر ؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد . ويروى نحوه من حديث ابن عباس - مرفوعًا ، وفيه : فأكثروا فيهن التهليل والتكبير ؛ فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل . وأما ما ذكره عن محمد بن علي في التكبير خلف النافلة ، فهوَ في أيام التشريق . ومراده : أن التكبير يشرع في أيام العشر وأيام التشريق جميعًا ، وسيأتي ذكر التكبير في أيام التشريق فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
24 – باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد 986 - حدثنا محمد : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق . تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وحديث جابر أصح . كذا في بعض النسخ : تابعه : يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة وهي رواية ابن السكن . ويقال : إن ذلك من إصلاحه . وفي أكثر النسخ : تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، وحديث جابر أصح . وذكر أبو مسعود الدمشقي : أن البخاري قالَ : تابعه يونس بن محمد ، عن فليح . قال : وقال : محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح . ثم ذكر أن ذلك وهم منه - يعني : متابعة يونس لأبي تميلة - وإنما رواه يونس ومحمد بن الصلت ، كلاهما عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وكذا رواه الهيثم بن جميل ، عن فليح ، وأن البخاري أراد أن يونس قال فيهِ : عن جابر . وفيه : إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر ، وأن ذكره أصح ، وما ذكره أبو مسعود تصريح بذلك . وقوله : وحديث جابر يدل عليه ، والله أعلم . وحاصل الأمر : أنه اختلف في إسناده على فليح : فرواه عنه الأكثرون ، منهم : محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج ، فقالوا : عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة . وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارث ، عن جابر . وعند البخاري ، أن هذا أصح . وأما يونس بن محمد ، فرواه عن فليح ، واختلف عنه : فذكر البخاري والترمذي في جامعه : أنه رواه عن فليح عن سعيد ، عن جابر ، متابعة لأبي تميلة . وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي ، عن يونس . وقد قال مهنا : قلت لأحمد : هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة ؟ فلم يقل شيئًا . وقد ذكر البيهقي : أن أبا تميلة روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - أيضًا . ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك . فتبين بهذا : أن أبا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر : أبي هريرة وجابر ، وأن أكثر الرواة قال فيه : عن أبي هريرة ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر أبي هريرة وجابر . وقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديث أبي هريرة ، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ : عن أبي هريرة ، كما قاله أبو مسعود ، خلاف ما قاله البخاري . وفي الباب : أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري . ومن أجودها : حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم العيد في طريق ، ثم رجع من طريق آخر . خرجه أبو داود . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق ، ويرجع في أخرى ، ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقد استغربه الإمام أحمد ، وقال : لم أسمع هذا قط . وقال - أيضًا - : العمري يرفعه ، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه . يعني : يقفانه على ابن عمر من فعله . قيل له : قد رواه عبيد الله - يعني : أخا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ؟ فأنكره ، وقال : من رواه ؟ قيل لهُ : عبد العزيز بن محمد - يعني : الدراوردي - قالَ : عبد العزيز يروي مناكير . وقال البرقاني : سألت الدارقطني : هل رواه عن نافع غير العمري ؟ قَالَ : من وجه يثبت ، لا . ثُمَّ قالَ : روي عن مالك ، عن نافع ، ولكن لا يثبت . انتهى . والصحيح عن مالك وغيره : وقفه دون رفعه . وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفا . وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد . وألحق الجمعة بالعيد في ذلك . ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره . وفي سنن أبي داود حديث ، فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك في زمانه . وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يستحب مخالفة الطريق ، وكثر قولهم في ذلك ، وأكثره ليس بقوي . وقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو من طريق ويرجع من آخر ؛ ليتسع الناس في الطرق . وعبد الرحمن هذا ضعيف جدًا . ومعنى الاتساع في الطرق : أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول . وهذا أحد ما قيل في معناه . وقيل : ليشهد به الطريقان . وقيل : ليتصدق على من كان فيهما من السؤال . وقيل : ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد . وقيل : للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة ؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفورًا لهُ . وقيل : كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما ؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة . وهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية . وقد روي في حديث عكس هذا : فرواه سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه . وسليمان بن أرقم ، متروك . ولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد . وعلى تقدير أن يكون له أصل ، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق ؛ لأنه إن كانَ أمامًا فلئلا يطول انتظاره ، وإن كانَ مأمومًا فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها ، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام ؛ ولهذا شرع له التبكير ؛ ليقرب من الإمام . والراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله ، فيمشي حيث شاء ، ويسلك أبعد الطرق ، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم ، وغير ذَلِكَ من المصالح . وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول . ورخص فيه الإمام أحمد ، وقال : لا أبتدئ به أحدًا ، فإن قاله لي ، رددت عليه . وقال - مرة - : ما أحسنه ، إلا أن يخاف الشهرة . كأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك ، فيقصد لدعائه ، فيكره لما فيه من الشهرة . وقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا في السوق يوم العيد ، ينظر والناس يمرون . ورواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد : حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد ، فسلك على التمارين أسفل السوق ، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم ، فدعا ثم انصرف . قال الشافعي : فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع يدعو الله عز وجل ، مستقبل القبلة .
الحديث الثالث : 985 - ثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الأسود ، عن جندب ، قالَ : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، ثم خطب ، ثم ذبح ، فقال : من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله . في الاستدلال بهذا الحديث على الكلام في خطبة العيد نظر ؛ لوجهين : أحدهما : أنه ليس فيهِ التصريح بأن ذَلِكَ كانَ في الخطبة فيحتمل أنه قاله قبلها ، أو بعدها . وقد وقع في رواية لمسلم في صحيحه من هذا الحديث ما يدل على أنه قاله قبل الخطبة ؛ فإنه قالَ : فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته سلم ، فإذا هوَ يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته ، فقالَ : من كانَ ذبح - إلى آخره . ولكن رواه غير واحد ، عن شعبة ، فذكروا فيهِ : أنه قاله في خطبته . والثاني : أن هذا لم يكن خطابا لأحد معين ، ولا في الحديث أن أحدا قام إليه فخاطبه ، كما في حديث البراء وحديث أنس المتقدمين . وحينئذ ؛ فيكون ذكره لهذا في الخطبة من جملة تعليم أحكام الأضاحي ، ولا شك في أن الإمام لهُ أن يعلم الناس في خطبة عيد النحر أحكام الأضاحي ، وما يحتاجون إلى معرفته منها . وحديث البراء وأنس يدلان على ذلك - أيضًا . وهذا كله مستحب ، وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا . وقالوا - أيضًا - يسن للإمام أن يعلم الناس في خطبة عيد الفطر حكم إخراج الفطرة . وقد روي عن ابن عباس ، أنه خطب بالبصرة يوم الفطر ، فعلم الناس صدقة الفطر . خرجه ابن شاهين في كتاب العيدين . وفي إسناده : ضعف . والصحيح : ما روى الحسن ، قالَ : خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة ، فقالَ : أخرجوا صدقة صومكم . فكأن الناس لم يعلموا ، فقال : من هاهنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . والحسن ، لم يسمع من ابن عباس ، ولم يكن بالبصرة يوم خطب ابن عباس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود ، من رواية الزهري ، قال : قال عبد الله بن ثعلبة بن صعير : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس قبل الفطر بيومين ، فقال : أدوا صاعًا من بر - الحديث . وفي إسناده : اختلاف كثير على الزهري . واختلف في عبد الله بن ثعلبة : هل له صحبة ، أم لا ؟ وقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله بإسناده ، عن الزهري عن ابن المسيب : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قبل الفطر بيومين ، ويأمرهم بأداء زكاة الفطر ، فيخرجونها قبل الصَّلاة . وروى الواقدي بأسانيد له متعددة ، عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد حديثًا طويلًا ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قبل الفطر بيومين ، فيأمر بإخراج صدقة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى . ذكره عنه محمد بن سعد . وذكر ابن سعد ، عنه - أيضًا - : ثنا عمرو بن عثمان بن هانئ ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة ، وهو خليفة ، خطب الناس قبل يوم الفطر بيوم ، وذلك يوم الجمعة ، فذكر الزكاة فحض عليها ، وقال : على كل إنسان صاع تمرًا ومدان من حنطة . وقال : إنه لا صلاة لمن لا زكاة له ، ثم قسمها يوم الفطر . ويدل على أن الإمام إنما يعلم الناس حكم صدقة الفطر قبل يوم الفطر : حديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وفيه : دليل واضح على أنه كان يأمر بذلك قبل يوم الفطر ، وإلا فكيف كان يأمر بعد الصلاة بأن تؤدى قبل الصلاة ؟ وبقية ما دل عليهِ هذه الأحاديث ، من الذبح قبل الصَّلاة ، ومن الأمر لمن ذبح قبلها بالإعادة ، ومن أحكام الجذع من الضأن والمعز موضعه غير هذا ، ويأتي فيهِ - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
23 – باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد فيه ثلاثة أحاديث . الأول : 983 - ثنا مسدد : ثنا أبو الأحوص : ثنا منصور ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قالَ : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بعد الصَّلاة ، فقالَ : من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم . فقام أبو بردة بن نيار ، فقالَ : يا رسول الله ، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب ، فعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تلك شاة لحم . قال : فإن عندي عناقا جذعة ، هي خير من شاتي لحم ، فهل تجزي عني ؟ قالَ : نعم ، ولن تجزي عن أحد بعدك . مقصود البخاري بهذا الحديث : الاستدلال على جواز أن يكلم الإمام أحدا من الناس أو يكلمه أحد ، وهو يخطب للعيد . وقد تقدم : أن الكلام في حالة خطبة العيد قد كرهه الحسن وعطاء ، وأباحه الشافعي وغيره . وروى الشافعي بإسناد ضعيف ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يترك المساكين يطوفون يسألون الناس في المصلى في خطبته الأولى يوم الأضحى والفطر ، فإذا خطب خطبته الأخيرة أمر بهم فأجلسوا . قال الشافعي : وسواء الأولى والآخرة ، أكره لهم المسألة ، وإن فعلوا فلا شيء عليهم فيها ، إلا ترك الفضل في الاستماع . وعن أحمد - في تحريمه وإباحته - روايتان . ويستثنى من ذلك - عنده - : كلام الإمام لمصلحة ، وكلام من يكلمه لمصلحة ، كما قال في خطبة الجمعة . وهذا الذي في هذا الحديث من هذا الجنس ، فلا يستدل به على إباحة الكلام مطلقا .
الحديث الثاني : 984 - ثنا حامد بن عمر ، عن حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، أن أنس بن مالك قالَ : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم النحر ، ثم خطب ، فأمر من ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحه ، فقام رجل من الأنصار ، فقالَ : يا رسول الله ، جيران لي - إما قالَ : بهم خصاصة ، وإما قالَ : فقراء - وإني ذبحت قبل الصَّلاة ، وعندي عناق لي أحب إلي من شاتي لحم ، فرخص له فيها . وهذا الحديث ، كالذي قبله في الدلالة .
الحديث الثاني : 971 - ثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن عاصم ، عن حفصة ، عن أم عطية ، قالت : كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها ، وحتى نخرج الحيض ، فيكن خلف الناس ، فيكبرون بتكبيرهم ، ويدعون بدعائهم ، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته . في هذا الحديث : دليل على أن إظهار التكبير للرجال مشروع في يوم العيد ، ولولا إظهاره من الرجال لما كبر النساء خلفهم بتكبيرهم . وإظهار التكبير يكون في حال انتظار الإمام قبل خروجه . وهذا مما يستدل به على أن التكبير لا ينقطع ببلوغ المصلى ، كما هو قول طائفة . ويكون في حال تكبير الإمام في خطبته ؛ فإن الناس يكبرون معه ، كما كانَ ابن عمر يجيب الإمام بالتكبير إذا كبر على المنبر . وكان عطاء يأمر بذلك بقدر ما يسمعون أنفسهم . خرجه الجوزجاني . وفيه - أيضًا - : ما يدل على أن إظهار الدعاء مشروع في ذلك اليوم ، ولعل إظهار الدعاء حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في خطبته ، ويؤمن الناس على دعائه . وروي عن أبي موسى الأشعري ، أنه كان يقول في خطبته في العيدين : هذا يوم لا يرد فيه الدعاء ، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل ، ثم يرفع يديه ويدعو . خرجه الفريابي .
12 – باب التكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتج منى تكبيرا . وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جمعا . وكانت ميمونة تكبر يوم النحر . وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد . قد تقدم : أن الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها هي أيام منى . وهل هي الأربعة كلها ، أو أيام الذبح منها ؟ فيهِ خلاف سبق ذكره . وهو مبني على أن ذكر الله فيها : هل هوَ ذكره على الذبائح . أو أعم من ذَلِكَ ؟ والصحيح : أنه أعم من ذَلِكَ . وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أيام منى : إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل . وذكر الله في هذه الأيام نوعان : أحدهما : مقيد عقيب الصلوات . والثاني : مطلق في سائر الأوقات . فأما النوع الأول : فاتفق العلماء على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ . وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم بل يكتفى بالعمل به . وقد قالَ مالك في هذا التكبير : إنه واجب . قالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة . وهو كما قالَ . وقد اختلف العلماء في أول وقت هذا التكبير وآخره . فقالت طائفة : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق . فإن هذه أيام العيد ، كما في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وصححه . وقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعًا من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس . فقيل له : فابن عباس اختلف عنه ؛ فقالَ : هذا هوَ الصحيح عنه ، وغيره لا يصح عنه . نقله الحسن بن ثواب ، عن أحمد . وإلى هذا ذهب أحمد ؛ لكنه يقول : إن هذا في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ؛ لأنهم قبل ذَلِكَ مشتغلون بالتلبية . وحكاه عن سفيان بن عيينة ، وقال : هوَ قول حسن . ويمتد تكبيرهم إلى آخر أيام التشريق - أيضًا - على المشهور عنه . ونقل حرب عنه ، أنهم يكبرون إلى صلاة الغداة من آخر أيام التشريق . وممن فرق بين الخارج وأهل الأمصار : أبو ثور . وروى الخضر الكندي ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : إذا كان عليه تكبير وتلبية بدأ بالتكبير ، ثم بالتلبية . قال أبو بكر بن جعفر : لم يروها غيره . قلت : الخضر هذا ، غير مشهور ، وهو يروي عن عبد الله بن أحمد المناكير التي تخالف روايات الثقات ، عنه . والذي نقل الثقات ، عن أحمد ، أن الحاج لا يكبر حتى يقطع التلبية ، فكيف يجتمعان عليهِ ؟ وقد حملها أبو بكر على ما إذا أخر الحاج رمي جمرة العقبة حتَّى صلى الظهر ؛ فإنه يجتمع عليهِ في صلاة الظهر - حينئذ - تلبية وتكبير . ووجهه : بأن هذا الوقت وقت التكبير ، وإنما صار وقت تلبية في حق هذا لتأخيره الرمي ، وهو نوع تفريط منه ، فلذلك بدأ بالتكبير قبل التلبية . والإجماع الذي ذكره أحمد ، إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة من صلاة الصبح . أما آخر وقته ، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم . فأما علي ، فكان يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق . وهي الرواية التي صححها الإمام أحمد ، عن ابن عباس . وكذلك روي عن عمر . وروي ، عنه : إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق . وأنكره يحيى القطان . وإلى قول علي ذهب الثوري وابن أبي ليلى وشريك وإسحاق . ولم يفرق بين أهل منى وغيرهم . وكذلك أكثر العلماء ، وهو قول الثوري . وكذلك قال : إذا اجتمع التكبير والتلبية بدأ بالتكبير . وأما ابن مسعود ، فإنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة العصر يوم النحر . وهو قول أصحابه ، كالأسود وعلقمة ، وقول النخعي وأبي حنيفة . وروى خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : التكبير من صلاة الظهر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق . وهذه الرواية التي ضعفها أحمد ، وذكر أنها مختلفة . قال عبد الرزاق : وبلغني عن زيد بن ثابت - مثله . وعن الحسن ، قال : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول . وروى العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر ، من آخر أيام التشريق . وروى الواقدي بأسانيده ، عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد - نحوه . وعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرون صلاة الظهر يوم النحر ، يبتدئون بالتكبير كذلك إلى آخر أيام التشريق . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق . وإليه ذهب مالك والشافعي - في أشهر أقواله . وله قول آخر كقول علي ومن وافقه . وله قول ثالث : يبدأ من ليلة النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق . والمحققون من أصحابه على أن هذه الأقوال الثلاثة في حق أهل الأمصار ، فأما أهل الموسم بمنى ، فإنهم يبدءون بالتكبير عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بغير خلاف ، ونقلوه عن نص الشافعي . وهذا يوافق قول أحمد في ابتدائه . واختار جماعة من أصحابه القول بأن ابتداءه في الأمصار من صبح يوم عرفة وانتهاءه عصر آخر يوم من أيام التشريق . منهم المزني وابن سريج وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من الفقهاء المحدثين منهم . قالوا : وعليه عمل الناس في الأمصار . وفي المسألة للسلف أقوال أخر . وفي الباب حديث مرفوع ، لا يصح إسناده . وخرجه الحاكم من حديث علي وعمار . وضعفه البيهقي ، وهو كما قال . وقد أشار البخاري إلى مسألتين من مسائل هذا التكبير . إحداهما : أن التكبير يكون خلف الفرائض . وهل يكبر خلف صلاة التطوع ؟ فقد تقدم في باب الماضي ، عن محمد بن علي - وهو : أبو جعفر - أنه كانَ يكبر خلف النوافل . وإلى قوله ذهب الشافعي - في أشهر قوليه - وابن المنذر . وقال أكثر العلماء : لا يكبر عقب النوافل . واختلفوا في التكبير عقب صلاة عيد النحر : فقال مجاهد : يكبر . وقال أحمد : إن ذهب رجل إلى ذا فقد روي فيه عن بعض التابعين ، والمعروف في المكتوبة . وقال أبو بكر بن جعفر - من أصحابنا - : يكبر ؛ لأن صلاة العيد عندنا فرض كفاية ، فهي ملحقة بالفرائض ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وحكاه عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء الخراساني وغيرهم . وللشافعي قولان . واختلفوا : هل يكبر من صلى الفرض وحده ؟ على قولين . أحدهما : لا يكبر ، وهو مروي عن ابن عمر . وذكره سفيان الثوري ، عن أبي جعفر ، عن أنس . وقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ، التكبير على من صلى في جماعة . وممن قال : لا يكبر إذا صلى الفرض وحده : الثوري وأبو حنيفة وأحمد - في رواية . والقول الثاني : وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية أخرى - والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى . وقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفر والحضر . وقال أبو حنيفة : لا يكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعًا له ، واتفقوا على أن الحاج يكبرون بمنى . المسألة الثانية : أن النساء كن يكبرن إذا صلين مع الرجال في المسجد خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني : مسجد المدينة - في ليالي أيام التشريق . وهذا يدل على أن النساء إنما كن يشهدن المساجد بالليل ، كما سبق . ولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعًا ، إذا صلين معهم جماعة ، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير . وإن صلت منفردة ، ففي تكبيرها ما في تكبير الرجل المنفرد ، بل هي أولى بعدم التكبير . وإن صلى النساء جماعة ، ففي تكبيرهن قولان - أيضًا - وهما روايتان عن الثوري وأحمد . ومذهب أبي حنيفة : لا يكبرن . ومذهب مالك والشافعي : يكبرن . النوع الثاني : التكبير المطلق ، الذي لا يتقيد بوقت . وقد ذكر البخاري عن عمر وابن عمر ، أنهما كانا يكبران بمنى - يعني : في غير إدبار الصلوات - وأن الناس كانوا يكبرون بتكبير عمر حتى ترتج منى . وعن ميمونة ، أنها كانت تكبر يوم النحر . وقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أن عمر كان يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا . وخرجه عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمر بن دينار : سمعت عبيد بن عمير - فذكره بمعناه . وخرجه وكيع في كتابه ، عن طلحة ، عن عطاء . وخرجه - أيضًا - عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، أن عمر كان يكبر تلك الأيام بمنى ، ويقول : التكبير واجب على الناس ، ويتأول هذه الآية : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وذكر مالك في الموطأ ، أنه بلغه ، أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ، حين ارتفع النهار شيئًا ، فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر ، فكبر الناس بتكبيره ، حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي . وهذا منصوص الشافعي ، قال في المصلي : إذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال . وذكر في الأم من هذا الباب ، أنه يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار . ومذهب مالك ، أنه لا يكبر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال : كذلك كان من يقتدي به يفعل . ذكره صاحب تهذيب المدونة . وتأول بعض أصحابه تكبير عمر بمنى على أنه كان عند رمي الجمار وهو تأويل فاسد . ولم يذكر أصحابنا التكبير في عيد النحر إلا في أدبار الصلوات ، غير أنهم ذكروا إظهار التكبير في ليلة العيد ، وفي الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والتكبير مع الإمام إذا كبر في خطبته . وحكى بعضهم خلافًا عن أحمد في التكبير في حال الرجوع من المصلى إلى المنزل .
خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الأول : 970 - ثنا أبو نعيم : ثنا مالك بن أنس ، حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي ، قال : سألت أنسًا - ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية : كيف كنتم تصنعون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : كانَ يلبي الملبي ، لا ينكر عليهِ ، ويكبر المكبر ، لا ينكر عليهِ . وقد أعاده في كتاب الحج ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي حديثه : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ، ويكبر منا المكبر ، فلا ينكر عليه . في هذا الحديث : دليل على أن إظهار التكبير يوم عرفة مشروع ، ولو كان صاحبه محرمًا قاصدًا عرفة للوقوف بها ، مع أن شعار الإحرام التلبية . فإذا لم ينكر عليه إظهار التكبير للمحرم الذي وظيفته إظهار التلبية ، فلغير المحرم من أهل الأمصار أولى . فهذا من أحسن ما يستدل به على استحباب إظهار التكبير يوم عرفة في الأمصار وغيرها ؛ فإن يوم عرفة أول أيام العيد الخمسة لأهل الإسلام ؛ ولذلك يشرع إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار . وقد روي ذلك عن عمر وعليّ وابن عمر وأبي قتادة ، وعن خلق من التابعين ومن بعدهم . وهو إجماع من العلماء لا يعلم بينهم فيه خلاف في عيد النحر ، إلا ما روى الأثرم ، عن أحمد ، أنه لا يجهر به في عيد النحر ، ويجهر به في عيد الفطر . ولعل مراده : أنه يجهر به في عيد النحر دون الجهر في عيد الفطر ؛ فإن تكبير عيد الفطر - عنده - آكد . وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي : كانوا في عيد الفطر أشد منهم في الأضحى . يعني : في التكبير . وروي عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، أنه سمع تكبير الناس يوم العيد ، فقال : أيكبر الإمام ؟ قالوا : لا . قالَ : ما شأن الناس أمجانين ؟ وشعبة هذا ، متكلم فيه . ولعله أراد التكبير في حال الخطبة . وروي التكبير في الخروج يوم الفطر عن أبي أمامة وغيره من الصحابة . خرجه الجوزجاني بإسناد ضعيف . وعن النخعي وأبي حنيفة ، أنه لا يكبر في عيد الفطر بالكلية . وروي عنهما موافقة الجماعة . وقال أحمد في التكبير في عيد الفطر : كأنه واجب ؛ لقوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سياق ذكر الهدايا : كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ فاستوى العيدان في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
22 – باب النحر والذبح بالمصلى 982 - حدثنا عبد الله بن يوسف : ثنا الليث : حدثني كثير بن فرقد ، عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينحر - أو يذبح - بالمصلى . وخرجه في الأضاحي عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، وقال فيهِ : كان يذبح وينحر بالمصلى . وخرج - أيضًا - من رواية عبيد الله ، عن نافع ، قال : كان عبد الله ينحر في المنحر . قال عبيد الله : يعني منحر النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج أبو داود من رواية أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذبح أضحيته بالمصلى ، وكان ابن عمر يفعله . وخرجه ابن ماجه - مختصرا . وقال الإمام أحمد - في رواية حنبل - هو منكر . وخرج ابن ماجه بإسناد فيه ضعف ، عن سعد القرظ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح أضحيته عند طرف الزقاق طريق بني زريق بيده بشفرة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث المطلب ، عن جابر قال : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الأضحى بالمصلى ، فلما قضى خطبته نزل من منبره ، فأتي بكبش فذبحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وقال : باسم الله ، وبالله ، والله أكبر ، هذا عني وعمن لم يضحِ من أمتي . وهذا لفظ الترمذي . وقال : غريب ، والمطلب يقال : إنه لم يسمع من جابر . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن علي بن حسين ، عن أبي رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلى وخطب أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه ، فذبحه بنفسه بالمدية وذكر الحديث . وقد يعارض هذه الأحاديث حديث البراء بن عازب ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ، ثم نرجع فننحر . وخرج النسائي من رواية عبد الله بن سليمان : حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر يوم الأضحى بالمدينة . قال : وكان إذا لم ينحر ذبح بالمصلى . فهذه الرواية يجمع بها بين سائر الروايات ، وأنه كان إذا نحر ما ينحر نحره بالمدينة ، فإن ذبح الغنم ذبحها بالمصلى . وعلى هذا ، فتكون رواية البخاري الصحيحة لحديث ابن عمر : كان يذبح - أو ينحر - بالمصلى - بالشك . وذبح ابن عمر بالمصلى يدل على أنه كان يرى استحباب ذلك للإمام وغيره . ومن العلماء من يستحب ذلك للإمام ، منهم مالك . وقال : لا نرى ذلك على غيره . وفيه : إشارة إلى أن غيره لا يتأكد في حقه ذلك كالإمام . وقال سفيان : للإمام أن يحضر أضحيته عند المصلى ؛ ليذبح حين يفرغ من الصَّلاة والخطبة ؛ لئلا يذبح أحد قبله . قالَ : وذلك من الأمر المعروف . وروى الواقدي بأسانيد لهُ متعددة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يذبح يوم النحر عندَ طرف الزقاق ، عندَ دار معاوية . ثم قال الواقدي : وكذلك يصنع الأئمة عندنا بالمدينة . وروى - أيضًا - عن عمرو بن عثمان ، أنه رأى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - خطب يوم النحر ، ثم أتي بكبش في مصلاه ، فذبحه بيده ، ثم أمر به فقسم على المساكين ، ولم يحمل إلى منزله منه شيئًا .
21 – باب اعتزال الحيض المصلى 981 - حدثنا محمد بن المثنى : ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن محمد : قالت أم عطية : أمرنا أن نخرج ، فنخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور - وقال ابن عون : أو العواتق ذوات الخدور - فأما الحيض ، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزلن مصلاهم . قد سبق الكلام على هذا الحديث في كتاب الحيض وذكرنا وجه اعتزال الحيض المصلى : هل هو لأن حكم المصلى حكم المساجد ، أو خشية التضييق على من يصلي من النساء ، فيكون الاعتزال في حالة الصلاة خاصة ؟ وهو الأظهر . والله سبحانه وتعالى أعلم .
992 - الحديث الثاني : حديث ابن عباس ، أنه بات عند ميمونة وهي خالته . فذكر الحديث في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته بالليل ركعتين ركعتين ست مرات . ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام ، فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى الصبح . وقد خرّجه في الوضوء في باب : القراءة بعد الحدث ، عن إسماعيل ، عن مالك . وخرجه هاهنا ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك . وقد خرجه أبو داود ، عن القعنبي ، وقال القعنبي : ست مرات ، يعني : لفظة : الركعتين . قال ابن عبد البر : لم يختلف على مالك في إسناده ، ولا في لفظه . وقد خرجه البخاري في أواخر كتاب العلم ، في باب : السمر في العلم ، من حديث شعبة ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى قبل أن ينام أربع ركعات ، ثم نام ، ثم لما قام من الليل صلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ، ثم نام ، ثم خرج إلى الصلاة . وهذا قد يشعر بأنه أوتر بخمس لم يسلم إلا في آخرهن . وخرّجه في أبواب الصفوف - أيضا - بنحوه . وخرّجه فيها - أيضا - من رواية كريب ، فقال فيه : فصلى ثلاث عشرة ركعة ، ثم نام حتى نفخ . وخرّج أبو داود من حديث يحيى بن عباد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - في هذا الحديث - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بخمس لم يجلس بينهن . وخرّجه أبو داود من حديث محمد بن قيس الأسدي ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وفيه : ثم صلى سبعًا أو خمسا ، أوتر بهن ، لم يجلس إلا في آخرهن . ورده الأثرم بمخالفته الروايات الكثيرة الصحيحة عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر تلك الليلة بركعة بعد أن صلى قبلها ركعتين ، ثم ركعتين ستًا أو خمسًا . وفي رواية مالك : أن اضطجاع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل ركعتي الفجر . وأكثر الروايات تدل على خلاف ذلك ، كرواية سلمة بن كهيل ، عن كريب ، ورواية عبد ربه بن سعيد ، عن مخرمة ، عن كريب . وكلاهما مخرجة في الصحيحين . وكذلك رواية بكير بن الأشج ، عن كريب . وهي مخرجة في صحيح مسلم . لكن رواه الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، وقال في حديثه : إنه صلى إحدى عشرة ركعة ، ثم احتبى حتى إني لأسمع نفسه راقدًا ، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين . خرجه مسلم . وهذا يوافق رواية مالك ، إلا أنه يخالفها في ذكر الاحتباء دون الاضطجاع . ورواه سعيد بن أبي هلال ، عن مخرمة - بنحو رواية مالك - أيضًا . خرّجه أبو داود والنسائي . وقد روي في هذا الحديث ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى تلك الليلة ثمان ركعات ، ثم أوتر بثلاث ، من وجوه غير قوية . خرّجه أبو داود من بعضها . وخرّج مسلم من رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى تلك الليلة ست ركعات ، ثم أوتر بثلاث ، ثم أذن المؤذن ، فخرج إلى الصلاة . وخرجه أبو داود ، وزاد فيه : أنه صلى ركعتي الفجر حين طلع الفجر . فعلى هذه الرواية : تكون كل صلاته إحدى عشرة ركعة . وأكثر الروايات تدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة . لكن رواية مالك وسعيد بن أبي هلال ، فيهما : أن الثلاث عشرة بدون ركعتي الفجر . وكذلك رواه الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن كريب ، عن ابن عباس . خرج حديثه النسائي . وذكر الإمام أحمد ، أن الأعمش وهم في إسناده . وأكثر الروايات تدل على أن ركعتي الفجر من الثلاث عشرة ، ورواية الضحاك عن مخرمة مصرحة بذلك . وقد خرّجها مسلم . وخرّج البخاري - أيضا - ذلك من رواية شريك بن أبي نمر ، عن كريب ، عن ابن عباس . وكذلك خرّج أبو داود ، من رواية ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس ، فذكر الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثلاث عشرة ركعة ، منها ركعتا الفجر ، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ وفي رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس التي خرجها البخاري ، أنه صلى الله عليه وسلم صلى قبل نومه أربعا ، ثم بعد قيامه من نومه خمسًا ، ثم صلى ركعتين . فهذه إحدى عشرة ركعة . والظاهر : أن الركعتين بعد الخمس هما ركعتا الفجر . وخرّجه أبو داود ، وعنده : أن نومه كان قبل الركعتين ، ثم صلى الركعتين ، ثم خرج فصلى الغداة . وهو يدل على ما قلناه . وخرّجه النسائي ، وعنده : أنه صلى خمسا ، ثم ركعتين ، ثم نام ، ثم صلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصلاة . فعلى هذه الرواية : صلاته ثلاث عشرة ركعة . وكل هذه الروايات من رواية شعبة ، عن الحكم .
الحديث الرابع : 994 - ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني عروة ، أن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك صلاته - تعني : بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، قبل أن يرفع رأسه ، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ، ثم يضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للصلاة . كذا روى شعيب ، عن الزهري ، هذا الحديث . ورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري - بمعناه وفي حديثهما : أنه كان فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة . خرّجه مسلم من طريقهما . وخرّجه أبو داود من طريق الأوزاعي وابن أبي ذئب ، عن الزهري ، بنحوه أيضًا . وخرّج ابن ماجه من طريق الأوزاعي وحده . وخرّجه النسائي من طريق عقيل ، عن الزهري ، بمعناه . ورواه مالك ، عن الزهري ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين . خرجه مسلم . وخرجه البخاري فيما بعد ، في ما يقرأ في ركعتي الفجر - مختصرا - ولفظه : كانَ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين . كذا خرّجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك . ولفظ : ثلاث عشرة غريب ، وإنما هو في الموطأ كما خرجه مسلم : إحدى عشرة . وكذا خرّجه الترمذي وغيره من طريق مالك . وأسقط البخاري منه : ذكر : الاضطجاع ؛ لأن مالكًا خالف أصحاب ابن شهاب فيهِ ، فإنه جعل الاضطجاع بعد الوتر ، وأصحاب ابن شهاب كلهم جعلوه بعد ركعتي الفجر . وهذا مما عده الحفاظ من أوهام مالك ، منهم : مسلم في كتاب التمييز . وحكى أبو بكر الخطيب مثل ذلك عن العلماء . وحكاه ابن عبد البر عن أهل الحديث ، ثم قال : يمكن أن يكون ذلك صحيحًا ، وأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مرة يضطجع قبل ركعتي الفجر ، ومرة بعدها . وعضده برواية مالك ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، كما سبق . وقد عضد ذلك أحاديث أخر : منها : رواية أبي سلمة ، عن عائشة : ما ألفى رسول الله السحر الأعلى في بيتي إلا نائمًا . خرّجاه في الصحيحين ، ولفظه لمسلم . وخرّجه مسلم ، وزاد فيه : يعني : بعد الوتر . وفي رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وسلم كان ينام قبل الوتر - أيضا وأن عائشة سألته عن ذلك ، فقال : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي وهذا يدل على أن وقت نومه كان يختلف . كذا في رواية مالك ، عن المقبري ، عن أبي سلمة . وقد خرّجها البخاري فيما بعد . ورواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن المقبري ، فذكر في حديثه : أنه كان ينام بعد العشاء ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي ثلاثا ، يوتر بواحدة ، ثم يضطجع ما شاء الله ، حتى إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين ، حتى يأتيه المؤذن ، فيخرج إلى الصلاة . خرجه بقي بن مخلد في مسنده . وفي الصحيحين أيضا عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ، ويقوم آخره ، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن المؤذن وثب ، فإن كان به حاجة اغتسل ، وإلا توضأ وخرج . وهذا لفظ البخاري . وزاد مسلم - في رواية - : ثم صلى الركعتين . وفي رواية غيرهما : أنه كان يوتر ، ثم ينام . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين جالسا ، ثم يضع جنبه ، وربما جاء بلال فآذنه قبل أن يغفي ، وربما أغفى ، وربما شككت أغفى أم لا ، قالت : فما زالت تلك صلاته صلى الله عليه وسلم . وخرّجه أبو داود مختصرا . وروى الإمام أحمد : نا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، نا أبي ، عن أنس بن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : ركعتا الفجر أطيل فيهما القراءة ؟ فقالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي الصبح أوتر بركعة ، ثم يضع رأسه ، فإن شئت قلت : نام ، وإن شئت قلت : لم ينم ، ثم يقوم إليهما والأذان في أذنيه ، فأي طول يكون ثم ؟ وخرّجه في الصحيحين من طريق حماد ، عن أنس بن سيرين مختصرا . وقد استحب طائفة من السلف الفصل بين صلاة الليل والنهار بالاضطجاع بينهما . روى وكيع في كتابه ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : اضطجع ضجعة بعد الوتر . وعن عاصم بن رجاء بن حيوة ، عن أبيه ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي الدرداء ، قال : مر بي أبو الدرداء من آخر الليل وأنا أصلي ، فقال : افصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار . يعني : يعني بعد الوتر ، قبل الركعتين . فهذه رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . وقد سبق أن هشام بن عروة رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر منها بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن . وقد خرجه مسلم بمعناه . وفي رواية عن هشام ، أنه كان يصلي قبل هذه الخمس ثمان ركعات ، يجلس في كل ركعتين ويسلم . ورواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتيه قبل الصبح ، يصلي ستا مثنى مثنى ، ويوتر بخمس ، لا يقعد بينهن إلا في آخرهن . خرّجه أبو داود . وذكر البيهقي في كتاب المعرفة ، عن الشافعي ، أنه اختار حديث الزهري ، من غير أن يضيق غيره ؛ لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره ؛ ولموافقته رواية القاسم ، عن عائشة ، ورواية الجمهور عن ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام في الوتر ، ورواية سعد بن هشام ، عن عائشة في الوتر ، فلم يخرج واحدة منهما في صحيحه ، مع كونها من شرطه في سائر الروايات . ثم ذكر بإسناده ، عن ابن معين ، قال : الزهري أثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة . وخرّج مسلم من حديث عراك ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتي الفجر . وقد روى هذا المعنى عن عائشة : أبو سلمة والقاسم بن محمد ومسروق . وقد خرّج البخاري أحاديثهم ، وتأتي فيما بعد . ولفظ حديث مسروق ، عنده : قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، فقالت : سبع وتسع وإحدى عشرة . وخرّج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، أن النبي كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين ، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر . ففي هذه الرواية : أن الإحدى عشرة التي كان يصليها بالليل منها ركعتان بعد العشاء ، قبل أن ينام . وقد تقدم في رواية عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، ما يشهد لذلك أيضا . وقد روي عنها أن الإحدى عشرة ركعة منها ركعتان كان يصليهما بعد الوتر . روى ذلك عنها أبو سلمة وسعد بن هشام . وسنذكر حديثهما فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وفي حديث سعد ، عنها : أنه كان يصلي إحدى عشرة ، ثم لما أسن وأخذ اللحم صلى تسعًا . خرّجه مسلم . وخرّج أبو داود من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ، ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ، ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات . وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات . وحسنه الترمذي . وفي إسناده اختلاف عن الأعمش . وقد روي عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن يحيى بن الجزار ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل تسع ركعات ، فلما كثر لحمه وسن صلى سبع ركعات . خرّجه النسائي . ورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن أم سلمة ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث عشرة ، فلما كبر وضعف أوتر بسبع . خرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي ، وحسنه . وأبو معاوية مقدم على أصحاب الأعمش ، إلا أن الدارقطني قال : من قال فيه : عن عمارة بن عمير فهو أشبه بالصواب من قول من قال : عمرو بن مرة . وقال الأثرم : اضطرب الأعمش في إسناده وفي متنه ، قال : ويحيى الجزار لم يلق عائشة ، ولا أم سلمة . وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة : بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر ؟ قالت : بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشرة وثلاث ، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ، ولا بأنقص من سبع ، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر . ففي هذه الرواية : أن مجموع صلاة الليل تسمى وترًا ، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر ، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها . وأما إطالة السجود المذكور في حديث عائشة الذي خرجه ، فقد بوب عليه في أبواب قيام الليل ، وأعاد فيه الحديث ، ويأتي الكلام على معناه هنالك إن شاء الله سبحانه وتعالى .
الحديث الثالث : 993 - ثنا يحيى بن سليمان ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو ، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت . قال القاسم : ورأينا أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث ، وإن كلًا لواسع ، أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس . هذه الرواية بمعنى رواية نافع عن ابن عمر المتقدمة . وما ذكره القاسم بن محمد يدل على أنه يجوز الوتر بركعة واحدة ، وبثلاث ركعات ، وأنه أدرك أناسا يوترون بثلاث . وقد سبق الكلام في قدر الوتر بما فيه كفاية .
14 كتاب الوتر بسم الله الرحمن الرحيم 1 - أبواب الوتر 1 - باب ما جاء في الوتر فيه أربعة أحاديث : الحديث الأول : 990 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح ، صلى ركعة واحدة ، توتر له ما قد صلى . 991 - وعن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر ، حتى يأمر ببعض حاجته . قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى - يعني : ركعتين ركعتين . والمراد : أنه يسلم في كل ركعتين ، وبذلك فسره ابن عمر . أخرجه مسلم في صحيحه . ويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك ، وأنه يجوز أن تصلى أربعا . وقد كان ابن عمر - وهو راوي الحديث - يصلي بالنهار أربعا ، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى . فروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار بأربعٍ ، لا يفصل بينهن . وبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، من رواية شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن علي الأزدي ، عن ابن عمر . وقد أعله الترمذي ، بأن شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه . وذكر الإمام أحمد : أن شعبة كان يتهيبه . وأعله ابن معين وغيره ، بأن أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم ، عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى ، من غير ذكر النهار ، أكثر من خمسة عشر نفسا ، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم . وأعله الإمام أحمد وغيره بأنه روي عن ابن عمر ، أنه كان يصلي بالنهار أربعًا ، فلو كان عنده نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخالفه . وتوقف أحمد - في رواية ، عنه - في حديث الأزدي . وقال - مرة - : إسناده جيد ، ونحن لا نتقيه . وقد روي ، عن ابن عمر موقوفًا عليه - أيضًا - صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . وروي عنه - مرفوعًا - من وجه آخر . وقيل : إنه ليس بمحفوظ . قاله الدارقطني وغيره . وذكر مالك ، أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يقول : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، يسلم من كل ركعتين . قلت : من يقول : لا مفهوم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى يقول : إن ذكر الليل إنما كان جوابا لسؤال سائل ، سأل عن صلاة الليل ، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد بوب البخاري في أبواب صلاة التطوع على أن صلاة النهار مثنى مثنى ، ويأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى . والكلام هنا في صلاة الليل . وهذا الحديث : يدل على أن التطوع بالليل كله مثنى مثنى ، سوى ركعة الوتر ، فإنها واحدة . وقد عارض هذا حديث عائشة الذي خرجه مسلم ، خرجه من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر في ذلك بخمس ، لا يجلس في شيء منهن ، إلا في آخرهن . وقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد . قال ابن عبر البر : قد أنكر مالك . وقال : مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه . وقد أعله الأثرم ، بأن يقال في حديثه : كان يوتر بواحدة ، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري . ورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، وفي حديثهما : يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة . وقد خرجه مسلم من طريقهما - أيضا . وكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي ، عن الزهري . خرج حديثهما أبو داود . قال الأثرم : وقد روى هذا الحديث عن عائشة غير واحد ، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه ، من سرد الخمس . ورواه القاسم ، عن عائشة ، في حديثه : يوتر بواحدة . ولم يوافق هشامًا على قوله إلا ابن إسحاق ، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - بنحو رواية هشام . وخرجه أبو داود من طريقه كذلك . ورواه - أيضا - سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه فيه : فخرجه مسلم من رواية قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، أنه سأل عائشة عن وتر النبي - صلى الله عليه وسلم فقالت : كان يصلي تسع ركعات ، لا يجلس إلا في الثامنة ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثُمَّ ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يقعد ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فتلك إحدى عشرة ركعة ، فلما أسن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول ، فتلك تسع يا بني . وفي رواية له : أن قتادة أخبره سعد بن هشام بهذا ، وكان جارًا له . وقد خرّجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثمان ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيجلس فيذكر الله ، ثم يدعو ، ثم يسلم تسليمًا ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة ، فتلك إحدى عشرة ركعة . وفي هذه الرواية : أنه كان يصلي الركعتين جالسًا قبل الوتر ، ثم يوتر بعدها بواحدة . وهذا يخالف ما في رواية مسلم . ورواه سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه في لفظه : فروي عنه : الوتر بتسعٍ ، وروى عنه : بواحدة . ورواه أبان عن قتادة بهذا الإسناد ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ، ولا يقعد إلا في آخرهن . قال الإمام أحمد : فهذه الرواية خطأ . يشير إلى أنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة . وقد روي في هذا المعنى من حديث ابن عباس وأم سلمة . وقد تكلم الأثرم في إسنادهما . وطعن البخاري في حديث أم سلمة بانقطاعه ، وذكر أن حديث ابن عمر في الوتر بركعة أصح من ذلك . وكذلك الروايات الصحيحة عن ابن عباس في وصفه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة بات عند خالته ميمونة ، يدل عليه : أنه - صلى الله عليه وسلم - من كل ركعتين وأوتر بواحدة . فلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس ، وقالوا : لا يصلي بالليل إلا مثنى مثنى ، ويوتر بواحدة . وهذه طريقة البخاري والأثرم . وقال ابن عبد البر : هو قول أهل الحجاز ، وبعض أهل العراق . ثم حكى عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ، أن صلاة الليل مثنى مثنى . قال : وقال أبو حنيفة في صلاة الليل : إن شئت ركعتين ، وإن شئت أربعا ، وإن شئت ستًا وثمانيًا ، لا تسلم إلا في آخرهن . وقال الثوري والحسن بن حي : صلاة الليل ما شئت ، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن . وحكى الترمذي في كتابه أن العمل عند أهل العلم على أن صلاة الليل مثنى مثنى . قال : وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق . وحكاه ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وعمار ، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبيرٍ وحماد ومالك والأوزاعي . وحكي عن عطاء ، أنه قال : في صلاة الليل والنهار : يجزئك التشهد . وهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر ، عن الثوري والحسن بن حي . وهو مبني على أن السلام ليس من الصلاة ، وأنه يخرج منها بدونه ، كما سبق ذكره . وقد روي عن النخعي نحوه . ومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعا أو ستا أو أكثر من ذلك ، لا يفصل بينهنَّ إلا في آخرهن . قال : وإذا صلى بالليل مثنى ، فهو أحب إليّ . وحمل هؤلاء كلهم قول عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أربعا ، ثم أربعا على أنه كان لا يسلم بينها ، وسيأتي حديثها بذلك - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحمله الآخرون على أنه كان يفصل بينها بسلام . وهذا كله في التطوع المطلق في الليل ، فأما الوتر فاختلفوا فيه على أقوال : أحدها : أنه ركعة واحدة ، مفصولة مما قبلها ، على مقتضى حديث ابن عمر ، وبعض ألفاظ حديث عائشة . قال ابن المنذر : روينا عن ابن عمر ، أنه يقول : الوتر ركعة . ويقول : كان ذلك وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر . قالَ : وممن روينا عنه : الوتر ركعة : عثمان وسعد وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية وأبو موسى وابن الزبير وعائشة ، وفعله معاذ القاري ، ومعه رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك منهم أحد . وبه قال ابن المسيب وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، غير أن مالكًا والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين ، ثم يسلم ، ثم يوتر بركعة . انتهى . وذكر الزهري وغيره : أن عمل المدينة كان على ذلك إلى زمن الخيرة . وممن قال الوتر : ركعة - أيضًا - : فقهاء أهل الحديث ، سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم . والأفضل عندهم : أن يصلي ركعة يوتر بها بعد ركعتين . أما إن اقتصر على ركعة يوتر بها ، ففي كراهته قولان : أحدهما : أنه يكره . وهو قول أحمد - في أكثر الروايات ، عنه . ويستثني من ذلك من يستيقظ قرب الفجر ، ويخاف أن يطلع عليه الفجر ، فيوتر بواحدة . وهو قول إسحاق ، قال : إلا من عذر مرض أو سفر . وكذا قال أبو بكر من أصحابنا . قال أحمد : إنما جاء الوتر بركعة بعد تطوع مثنى . وقال سفيان : إن خشي الفجر فأوتر بواحدة أجزأه ، والثلاث أحب إلينا . ومذهب مالك : لا بد أن يكون قبل ركعة الوتر شفع يسلم بينهما في الحضر والسفر . وقال مجاهد : ما أحب إن يكون وتري إلا على صلاة . وروى ابن عبد البر ، بإسناد فيه نظر ، عن عثمان بن محمد بن ربيعة ، عن الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البتيراء ، أن يصلي الرجل ركعة واحدة ، يوتر بها . وعثمان هذا ، قال العقيلي : الغالب على حديثه الوهم . وقبله في الإسناد من لا يعرف . وقد روي هذا - مرسلًا . خرجه سعيد بن منصور ، من حديث محمد بن كعب القرظي ، مرسلًا . والقول الثاني : لا يكره . وروي عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي موسى ، ومعاوية أنهم فعلوه . وعن ابن عباس ، أنه صوب فعل معاوية . وقال أحمد - في رواية الشالنجي - : لا بأس به . وهو قول الشافعي . واختلف أصحابه : هل الركعة المفردة أفضل من ثلاث موصولة ؟ على وجهين لهم . ومنهم من قالَ : المنفردة أفضل من إحدى عشرة موصولة . وقال الأوزاعي : حدثني المطلب بن عبد الله المخزومي ، قال : أتى ابن عمر رجل ، فقال : كيف أوتر ؟ قالَ : أوتر بواحدة ، قالَ : إني أخشى أن يقول الناس : إنها البتيراء ، قالَ : سنة الله ورسوله ، يريد : هذه سنة الله ورسوله . المطلب ، لم يسمع من ابن عمر . وروى ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي منصور مولى سعد ابن أبي وقاص ، قال : سألت ابن عمر عن الوتر ، فقال : وتر الليل واحدة ، بذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم قلت : يا أبا عبد الرحمن ، إن الناس يقولون : البتيراء ؟ قالَ : يا بني ، ليس تلك البتيراء ، إنما البتيراء أن يصلي الرجل الركعة التامة في ركوعها وسجودها وقيامها ، ثُمَّ يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعًا ولا سجودًا ولا قيامًا ، فتلك البتيراء . خرجهما البيهقي . وأجاز أحمد وأصحابه وإسحاق : أن يوتر بثلاث موصولة ، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة ، ولا يسلم ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يسلم ؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم . وجعلوا هذه النصوص خاصة ، تخص عموم حديث صلاة الليل مثنى مثنى ، وقالوا - في التسع والسبع والخمس - : الأفضل أن تكون بسلام واحد لذلك . فأما الوتر بسبع ، فنص أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن . ومن أصحابنا من قالَ : يجلس عقيب السادسة بتشهد ، ولا يسلم . وقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك . فأما الوتر بإحدى عشرة ، فيكون بست تسليمات ، وإن صلاه بتسليمة واحدة ، وتشهد عقب العاشرة ، ولم يسلم جاز ، قاله بعض ومنهم من حكى في الجميع وجهين : أحدهما : أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين ، وصححه غير واحد من أصحابنا . والثاني : الأفضل سرد الجميع بسلام واحد ، ولا يجلس إلا في آخر الإشفاع ، فيتشهد ، ثم يصلي ركعة ويسلم . ومذهب إسحاق : إن أوتر بإحدى عشرة ركعة سلم في كل ركعتين . ويجوز عند أصحابنا أن يتطوع بأربع ، وبأكثر من أربع ، بسلام واحد ، وحكوه عن أكثر العلماء ، إلا عن محمد بن الحسن وزفر ، فإنهما قالا : لا بد أن يتشهد عقيب كل ركعتين . وفي صحة التنفل بالإشفاع ، كثلاث ركعات ، وخمس ركعات ، وسبع في غير صلاة الوتر عن أحمد روايتان . ومذهب الشافعي وأصحابه أنه يجوز أن يصلي بسلام واحد ، ما شاء من الركعات ، من واحدة إلى ما لا نهاية له بالليل والنهار ، وإن كان الأفضل أن يسلم فيهما في كل ركعتين ، والوتر وغيره . ونص الشافعي في الإملاء على أنه يجوز له أن يصلي عددًا لا يعلمه ، ثم يسلم ، كما روى عن أبي ذر أنه فعله . ولأصحابه وجه : أنه لا يجوز الزيادة على ثلاثة عشر ركعة بتسليمة واحدة ؛ لأنه أكثر المنقول في الوتر ، وهوَ ضعيف عندهم . فإن صلى ركعة واحدة تشهد عقيبها وسلم ، وإن صلى أكثر من ذلك فله أن يقتصر على تشهد في آخر الركعات - وإن كثرت ويسلم عقيبه بغير خلاف عندهم ، إلا في وجه ضعيف لا يعبأ به . وإن أراد الزيادة على تشهد واحد ، ففيه أوجه لهم : أحدها : أن له أن يتشهد في كل ركعتين ، وإن كثرت التشهدات ، ويتشهد في الأخيرة ، وله أن يتشهد في كل أربع ، أو ثلاث أو ست ، أو غير ذلك . ولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة ؛ لأنه اختراع صورة في الصَّلاة لا عهد بها . والثاني : لهُ أن يتشهد في كل ركعتين ، وفي كل ركعة ، وضعفه المحققون منهم . والثالث : لا يجلس إلا في الأخيرة ، وغلطوه - أيضا . والرابع : لا يجوز الزيادة على تشهدين بحال في الصلاة الواحدة ، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين ، إن كان العدد شفعًا ، وإن كان وترًا لم يجز بينهما أكثر من ركعة . قال صاحب شرح المهذب : وهو قوي ، وظواهر السنة تقتضيه . وهذا كله في النوافل المطلقة ، فأما في الوتر بخصوصه ، فهل يجوز أن يزاد فيه على تشهدين ؟ فيهِ وجهان : أصحهما - عندهم - : لا يجوز ؛ لأنه خلاف المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولأن النوافل المطلقة لا حصر لركعاتها وتشهداتها ، بخلاف الوتر . وذهبت طائفة إلى أنها لا تجوز الزيادة على ركعتين بتسليمة واحدة ، ولا زيادة الوتر على ركعة . وهو الذي رجحه الأثرم ، وقال : لم يصح في الوتر بثلاث ، فما زاد من غير تسليم حديث واحد ، ولا أكثر منه . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوتر بثلاث ركعات بتشهدين من غير تسليم كالمغرب لا يجوز زيادته ولا نقصه . وروي الوتر بثلاث عن جماعة من الصحابة والتابعين . وحكاه الحسن ، عن عمر وأبي بن كعب . وهو منقطع عنهما . وروى الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الوتر بثلاث كوتر النهار المغرب . قال البيهقي : هو صحيح عن ابن مسعود ، ورفعه رجل ضعيف عن الأعمش ، وكذا قال الدارقطني : إن رفعه لا يصح . وروي - أيضا - عن أنس بن مالك . وهو قول ابن المسيب ، وأبي العالية ومكحول والنخعي وعمر بن عبد العزيز . وقال الأوزاعي : إن فصل فحسن ، وإن لم يفصل فحسن . وأجاز أحمد الفصل وتركه ، والفصل عنده أحسن ، وقال : الأحاديث فيه أقوى وأكثر وأثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم وكذلك مذهب الشافعي ، كما سبق . ولأصحابنا وجه : أن الوتر بثلاث موصولة يكون بتشهد واحد . وروي عن عطاء ، أنه كان يوتر بثلاث لا يجلس فيهن ، ولا يتشهد إلا في آخرهن . وروى البخاري في تاريخه بإسناده ، عن إسماعيل بن زيد بن ثابت ، أن زيدا كان يوتر بخمس ، لا يسلم إلا في الخامسة ، وكان أبي يفعله . قال البيهقي : كذا وجدته أبي مقيدًا . يعني : بالتشديد ، يريد : ابن أبي بن كعب . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن بعض أصحابه ، قال : قالَ عبد الله : الوتر سبع أو خمس ، ولا أقل من ثلاث . وروي عن عراك ، عن أبي هريرة ، قال : لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب ، ولكن أوتروا بخمس ، أو سبع ، أو تسع ، أو إحدى عشرة أو أكثر من ذَلِكَ . وروي عنه ، مرفوعًا . خرجه الحاكم ، وصححه . وفي رفعه نكارة . وقال أبو أيوب الأنصاري : أوتر بخمس ، أو بثلاث ، أو بواحدة . خرجه النسائي وغيره - موقوفا . وخرجه أبو داود والنسائي - أيضا - وابن ماجه مرفوعًا . والموقوف أصح عند أبي حاتم والنسائي والأثرم وغيرهم . وقال ابن سيرين : كانوا يوترون بخمسٍ ، وبثلاثٍ ، وبركعة ، ويرون كل ذلك حسنًا . خرجه الترمذي . قال : وقال سفيان : إن شئت أوترت بخمسٍ ، وإن شئت أوترت بثلاث ، وإن شئت أوترت بواحدة ، قال : والذي أستحب أن يوتر بثلاث . وحكى أصحاب سفيان ، عنه ، أنه إن شاء أوتر بخمسٍ ، أو سبع ، أو تسعٍ ، أو إحدى عشرة ، لا يسلم إلا في آخرهن ، إذا فرغ . ومن العلماء من قال : الوتر ثلاث عشرة ، وهو قول بعض الشافعية ، ووجه لأصحابنا . ولو زاد على ذلك لم يجز ولم يصح وتره عند جمهور الشافعية . ولهم وجه آخر : بصحته وجوازه . وهذا إذا كان الجميع بسلام واحد ، أو نوى بالجميع الوتر . وروى الشافعي بإسناده ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : هي واحدة ، أو خمس ، أو سبع ، أو أكثر من ذلك ، الوتر ما شاء . وقد كره قوم الوتر بثلاث ، وقالوا : لا يكون إلا سبع أو خمس . فروى شعبة ، عن الحكم ، قالَ : قلت لمقسم : إني أسمع الأذان فأوتر بثلاث ، ثم أخرج إلى الصلاة ؛ خشية أن تفوتني ؟ قالَ : إن ذَلِكَ لا يصلح إلا بخمس ، أو سبع ، فسألته عمن ؟ فقالَ : عن الثقة ، عن الثقة ، عن عائشة وميمونة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد . وروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه كان يوتر بخمس أو سبع . وبإسناد منقطع عنه ، أنه كان يكره أن يكون ثلاثا تترى ، ولكن خمسًا أو سبعا . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ، توتر له ما قد صلى يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وترًا ، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر . وهذا قول إسحاق بن راهويه ، واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوتروا يا أهل القرآن ، وإنما أراد صلاة الليل . وقالت طائفة : الوتر هو الركعة الأخيرة ، وما قبله فليس منه . وهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم : الخرقي وأبو بكر وابن أبي موسى . وفي كلام أحمد ما يدلُّ عليه . ومن أصحابنا من قال : الجميع وتر . وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته الوتر ، وقلنا : يقضيه ، هل يقضي ركعة واحدة ؟ أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين ، عنه . ويحسن أن يكون مأخذهما أن الوتر : هل هو الركعة الواحدة ، وما قبله تنفل مطلق ؟ أو الوتر مجموع الثلاث ؟ وإلى هذا أشار أبو حفص البرمكي من أصحابنا . وقد نقل الأثرم وغيره عن أحمد ، أنه إذا قضى الوتر بعد طلوع الفجر فإنه يقضي ثلاث ركعات . وقال : لم يرد التطوع ، وإنما أراد الوتر . وهذا ظاهر في أن المجموع وتر ، ويحتمل أن يكون مراده أن الركعتين قبل الوتر متأكدة تابعة للوتر ، فتقضى معه في أوقات النهي أيضا . وقد تقدم عن المالكية أن ما قبل الوتر هو شفع له . وقاله بعض أصحابنا أيضا . وقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح : أن أصحاب الشافعي اختلفوا في ذلك على أوجه : أحدها : أن من أوتر بثلاث ينوي بالركعتين مقدمة الوتر ، وبالأخيرة الوتر ، قاله أبو محمد الجويني . والثاني : أنه ينوي بالركعتين سنة الوتر وبالثالثة الوتر ، حكاه الروياني . قال : وفي هذين الوجهين تخصيص للوتر بالركعة الأخيرة ، والثاني يشعر بأن للوتر سنة ، ولا عهد لنا بسنة لها سنة هي صلاة . وفي الوجهين أن الركعتين قبل الوتر لهما تعلق بالوتر . والثالث : أن ينوي بما قبل الركعة الأخيرة التهجد أو قيام الليل ، وفي هذا قطع لذلك عن الوتر . قال : وما اتفقت عليه هذه الوجوه من تخصيص الوتر بالركعة المفردة على وفق قول الشافعي في رواية البويطي : الوتر ركعة واحدة . وقال الماوردي : لا يختلف قول الشافعي : أن الوتر ركعة واحدة . ويشهد للوجه الثالث حديث ابن عمر : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة . والرابع : أنه ينوي بالجميع الوتر ، قاله القاضي أبو الطيب الطبري ، واختاره الروياني . ويشهد له قول الشيخ أبي إسحاق وغيره : أقل الوتر ركعة ، وأكثره إحدى عشرة ركعة . وفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه . قال : وهو المختار ؛ لأن فيهِ جمعا بين الأحاديث كلها ؛ إذ الواحدة الأصل في الإيتار ، وبها يصير ما قبلها وترًا . واستدل برواية من روى : توتر له ما قد صلى ، كما خرجه البخاري ، وبأن نافعا ذكر عن ابن عمر ، أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر ؛ فإنه يدل على أن الجميع من الوتر . ورواية من روى : فأوتر بواحدة فيها محذوف ، تقديره : فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة ، كما صرح به في الرواية الأخرى . قالَ : ويلي هذا الوجه في القوة الوجهان الأولان ، وأبعدها الثالث ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وفي شرح المهذب : الصحيح المنصوص - يعني : عن الشافعي في الأم و المختصر - : أن الوتر يسمى تهجدًا . وفيه وجه : أنه لا يسمى تهجدا بل الوتر غير التهجد . وهذا هو الذي ذكره بعض أصحابنا . وينبغي أن يكون مبنيًا على القول بأن الوتر هو الركعة المنفردة وحدها ، فأما إن قلنا : الوتر الركعة بما قبلها ، فالوتر هو التهجد ، وإن لم ينو به الوتر . وقد كان ابن عمر يفصل بين الركعة التي يوتر بها وما قبلها بكلام ، كما في رواية البخاري . واستحب أحمد أن يكون عقيبها ، ولا يؤخرها عما قبلها ، وقال : كان ابن عمر يستحب أن يتكلم بينهما بالشيء ، ثم يقوم فيوتر بركعة ، وقال : هذا عندنا ثبت ، ونحن نأخذ به . وينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وترًا مختصًا بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها ، فأما إن أوتر بتسع ، أو بسبع ، أو بخمس ، أو ثلاث بسلام واحد ، فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر . ويدل عليه ما خرجه مسلم ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر في ذلك بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن . فجعلت الوتر الخمس الموصولة بسلام واحد ، دون ما قبلها . وقوله صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر - : فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ، توتر له ما صلى وفي رواية تأتي فيما بعد : فاركع ركعة واحدة ، يدل على أن الأفضل تأخير الوتر إلى آخر الليل ، ويأتي الكلام فيه فيما بعد ، إن شاء الله سبحانه وتعالى . ويدل على أن الوتر مأمور به . وهل الأمر به للوجوب ، أم لتأكد الاستحباب ؟ فيهِ قولان مشهوران . وأكثر العلماء على أنه للاستحباب ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وروي عن علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت . وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه واجب . وعن معاذ ، من وجه منقطع . وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي بكر بن جعفر من أصحابنا ، ذكره في كتاب التنبيه . وكذا قال في صلاة التراويح ، مع أنه صرح في كتاب الشافي بأن الوتر ليس بواجب ، وليس هو بفرض كالصلوات الخمس بغير خلاف . وقد سبق الكلام في ذلك في كتاب الإيمان عند ذكر حديث طلحة ، أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام ، فذكر له الصلوات الخمس فقالَ : هل علي غيرها ؟ قالَ : لا ، إلا أن تتطوع . وذكرنا قول من قال : إن الوتر واجب على أهل القرآن دون غيرهم ، وأنه يرجع إلى القول بوجوب قيام شيء من الليل على أهل القرآن خاصة . وعن الحسن وابن سيرين : لا بد من قيام الليل ، ولو قدر حلب شاة . وعن عبيدة السلماني . وفيه حديث مرفوع ، ولا يصح . ومن المتأخرين من قال : من صلى بالليل تهجدا وجب عليه أن يوتره ، ويجعل آخره وترا ؛ لحديث ابن عمر ، ومن لم يتهجد فلا وتر عليهِ . وقال أحمد : من ترك الوتر فهو رجل سوء ؛ هوَ سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقال في رواية جعفر بن محمد : هوَ رجل سوء ، لا شهادة لهُ . فاختلف أصحابنا في وجه ذلك : فمنهم من حمله على أنه أراد أنه واجب ، كما قاله أبو بكر بن جعفر ، وهو بعيد ؛ فإن أحمد صرح بأنه سنة . ومنهم من قال : أراد إن داوم على تركه أو أكثر منه ؛ فإنه ترد شهادته بذلك ؛ لما فيه من التهاون بالسنن المؤكدة ، وكذا حكم سائر السنن الرواتب ، وهذا قول المحققين من أصحابنا . ومنهم من قال : هو يدل على أن ترك المستحبات المؤكدة يلحق بها إثم دون إثم ترك الفرائض . وقال القاضي أبو يعلى : من داوم على ترك السنن الرواتب أثم . وهو قول إسحاق بن راهويه ، قال في كتاب الجامع : لا يعذب أحد على ترك شيء من ترك النوافل ، وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سننًا غير الفرائض التي فرضها الله ، فلا يجوز لمسلم أن يتهاون بالسنن التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم مثل الفطر والأضحى والوتر والأضحية ، وما أشبه ذلك ؛ فإن تركها تهاونًا بها فهوَ معذب ، إلا أن يرحمه الله ، وإني لأخشى في ركعتي الفجر والمغرب ؛ لما وصفها الله في كتابه وحرض عليها ، قالَ : فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ وقال : فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ وقال سعيد بن جبير : لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي . انتهى .
خرّج البخاري في هذا الباب حديثين : الأول : 995 - نا أبو النعمان ، نا حماد بن زيد ، نا أنس بن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة ، أطيل فيهما القراءة ؟ قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل مثنى مثنى ، ويوتر بركعة ، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، وكأن الأذان بأذنيه ، قالَ حماد : أي : سرعة . وخرّجه مسلم بمعناه . وخرّجه من حديث شعبة ، عن أنس بن سيرين ، وزاد فيه : ويوتر بركعة من آخر الليل . وخرّجه الإمام أحمد من حديث حبيب بن الشهيد ، عن أنس بن سيرين ، وفيه : فإذا خشي الصبح أوتر بركعة . وقد تقدم لفظه بتمامه . وقد تقدم حديث نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة . خرج مسلم من حديث أبي مجلز : سمعت ابن عمر يحدث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : الوتر ركعة من آخر الليل . وفي رواية - أيضا - : سألت ابن عباس عن الوتر ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ركعة من آخر الليل ، وسألت ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ركعة من آخر الليل .
2 – باب ساعات الوتر وقال أبو هريرة : أوصاني النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل النوم . حديث أبي هريرة هذا قد أسنده في أبواب صلاة الضحى من رواية شعبة ، ثنا عباس الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث ، لا أدعهن حتى أموت : صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر . وخرّجه مسلم ، وزاد فيه : عن عباس الجريري وأبي شمر الضبعي كلاهما ، عن أبي عثمان . وخرّجاه - أيضا - من رواية أبي التياح ، عن أبي عثمان ، عن أبي هريرة بنحوه ، وفي حديثه : وأن أوتر قبل أن أنام . وخرجه مسلم وحده من رواية أبي رافع الصائغ ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث أبي عثمان ، عنه . وله طرق كثيرة جدا ، عن أبي هريرة ، قد ذكرت كثيرا منها في كتاب شرح الترمذي . وذكر الحافظ أبو موسى المديني ، أنه رواه عن أبي هريرة قريب من سبعين رجلا . وفي متنه - أيضا - اختلاف ، إلا أن المحفوظ منه ذكر هذه الخصال الثلاث المذكورة في رواية أبي عثمان . وقد روي عن أبي الدرداء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاه بهذه الخصال الثلاث أيضا . خرّجه مسلم في صحيحه . وروي - أيضا - عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه بها . خرّجه الإمام أحمد والنسائي . وخرّج ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب ، أن النبي قال : لا تنم إلا على وتر . وخرّجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وهو قطعة من حديث ، خرج بعضه أبو داود أيضا . وقال علي بن المديني : إسناده مجهول . وخرج الإمام أحمد بإسناد فيه انقطاع ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان يوتر بعد العشاء بركعة ، ويقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الذي لا ينام حتى يوتر حازم . وخرّج البزار بإسناد ضعيف جدًا ، عن علي بن أبي طالب : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنام إلا على وتر . وخرّج ابن عدي بإسناد ضعيف ، عن عمار بن ياسر ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوتر قبل أن تنام . وروى الإمام أحمد : ثنا أبو سلمة الخزاعي ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي ، أخبرني نافع بن ثابت ، عن ابن الزبير ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى العشاء ركع أربع ركعات ، وأوتر بسجدة ، ثم نام حتى يصلي بعد صلاته بالليل . نافع ، هو ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، ورواياته عن جده ابن الزبير منقطعة ، في ظاهر كلام البخاري وأبي حاتم .
الحديث الثاني : 996 - نا عمر بن حفص ، نا أبي ، نا الأعمش ، نا مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم وانتهى وتره إلى السحر . مسلم ، هو : ابن صبيح أبو الضحى ، وصُبيح بضم الصاد . وخرّجه مسلم - أيضا - من طريق الأعمش ، ولفظه : من كل الليل قد أوتر الحديث . وخرّجه من حديث سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، كما خرجه البخاري - أعني : كل الليل أوتر - إلا أنه قال : فانتهى وتره إلى آخر الليل . وخرّجه أيضا من رواية أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم من أول الليل ، وأوسطه ، وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر . وهذه الرواية تصرح بأن المراد : أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يوتر أحيانا من أول الليل ، وأحيانا من وسطه ، وأحيانا من آخره ، وأنه ليس المراد : أن وتره وقع في كل ساعة ساعة من الليل ، أو في كل جزء جزء منه . وروي هذا الحديث عن عائشة - بمعناه - من رواية ربيعة الجرشي ، وعبد الله بن أبي قيس عنها ، وغضيف بن الحارث ، ويحيى بن يعمر . وروي عن علي من رواية أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أوله ، وأوسطه ، وانتهى وتره إلى السحر . خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه . وخرّجه أحمد - أيضا - من رواية أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، بنحوه . وقال علي بن المديني : هو إسناد كوفي حسن . وروي عن عبد خير ، عن علي ، بنحوه ، أيضا . وخرّج الإمام أحمد - أيضا - بإسناد جيد ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره . وخرّج الإسماعيلي في مسند عمر من رواية أبي بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن الحارث بن معاوية ، قال : سألت عمر عن الوتر في أول الليل ، أو في وسطه ، أو في آخره ؟ فقالَ عمر : كل ذَلِكَ قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولكن ائت أمهات المؤمنين فسلهن عن ذَلِكَ ؛ فإنهن أبصر بما كان يصنع من ذلك ، فأتاهن فسألهن ، فقلن له : كل ذلك قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقبض وهو يوتر من آخر الليل . أبو بكر بن أبي مريم ضعيف . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حسن الوتر من أول الليل ومن آخره . كما خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر : أي حين توتر ؟ قالَ : أول الليل بعد العتمة ، قالَ : فأنت يا عمر ؟ قال : آخر الليل ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما أنت يا أبا بكر فقد أخذت بالوثقى ، وأما أنت يا عمر فقد أخذت بالقوة . وخرّج أبو داود من حديث عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . وإسناده ثقات ، إلا أن الصواب عند حذاق الحفاظ : عن ابن رباح ، مرسلا . وقد روي هذا الحديث من رواية ابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهما ، بأسانيد لينة . ورواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وهو من أجود المراسيل . كذا رواه الزبيدي وغيره عن الزهري . ورواه بعضهم ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . والصواب إرساله ، قاله الدارقطني . ورواه مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، واختلف عنه : فقيل : عن مسعر ، عن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري . وقيل : عنه ، عن سعد ، عن أبي سلمة مرسلا . وقيل : عنه ، عن سعد ، عن ابن المسيب ، عن أم سلمة . والظاهر : أنه غير ثابت . وخرّجه ابن مردويه من هذا الوجه ، وفي حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما أنت يا أبا بكر ، كما قال القائل : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل ، وأما أنت يا عمر ، فتأخذ - أو تعمل - عمل الأقوياء . ورواه وكيع في كتابه عن معسر ، عن ابن المسيب - مرسلا - وزاد فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر : أنت مثل الذي قال : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل . وهذه الرواية أصح ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن المسيب مرسلا ، بهذه الزيادة أيضا . والكلام في وقت الوتر في مسألتين : إحداهما : في وقت جوازه . فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد صلاة العشاء ، فلو أوتر من قبل صلاة العشاء لم يقع موقعا وأمر بإعادته . ولو كان ناسيا ، أو ظانا أنه قد صلى العشاء ، مثل أن يصلي العشاء محدثا ناسيا ، ثم يتوضأ ويصلي الوتر ، ثم يذكر بعد صلاة أنه صلى العشاء ناسيا ، فإنه يقضي القضاء ثم الوتر . هذا قول جمهور العلماء ، منهم : الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : وقته وقت العشاء ؛ فإنه واجب عنده ، ويجب الترتيب بينهما ، بشرط الذكر ويسقط بالسهو ، فلا يعيد الوتر عنده في الصورة المذكورة . وكذلك مذهب سفيان ، إذا صلى الوتر ناسيا للعشاء ، ثم ذكر أنه يصلي العشاء ولا يعيد الوتر . وللشافعية وجهان آخران : أحدهما : أن وقته يدخل بدخول وقت العشاء ، ويجوز فعله قبل صلاة العشاء ، تعمد ذلك أو لم يتعمد . والثاني : أن وقته لا يدخل إلا بعد العشاء وصلاة أخرى ، فإن كان وتره بأكثر من ركعة صح فعله بعد صلاة العشاء ، وإن أوتر بركعة لم يصح حتى يتقدمه نفل بينه وبين صلاة العشاء . واستدل لقول الجمهور بحديث خارجة بن حذافة ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم : الوتر ، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وغربه ، والحاكم وصححه . وقال الأثرم : ليس بقوي . وخرّج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي بصرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها ما بين العشاء إلى أن يطلع الفجر . وبإسناد فيه انقطاع ، عن معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : زادني ربي صلاة ، هي الوتر ، ووقتها بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر . وأما آخر وقته ، فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل ، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء ، وما دام الليل باقيا ، فإن وقته باق . ولا نعلم في ذلك خلافا ، إلا ما ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه شرح المذهب ، أنه إذا أخره حتى خرج وقت العشاء المختار - وهو نصف الليل ، أو ثلثه - صار قضاء . وهذا قول ساقط جدا ؛ لأن صلاة العشاء لا تصير قضاء بتأخيرها حتَّى يخرج وقتها المختار ، وإن قيل : إن تأخيرها إليه عمدا لا يجوز ، كما سبق ذكره في المواقيت ، فكيف يصير تأخير الوتر إلى ذَلِكَ الوقت قضاء ؟ وأما إذا خرج الليل بطلوع الفجر ، فإنه يذهب وقت أدائه عند جمهور العلماء ، ويصير قضاء حينئذ . وهو قول الشافعي وأحمد - في المشهور عنهما - وقول أبي حنيفة والثوري . وروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي . حتى قال النخعي : لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر . ويدل عليه : حديث : فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ، وسيأتي حديث : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا . وخرّج مسلم من طرق ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف صلاة الليل ؟ قالَ : مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة ، واجعل آخر صلاتك وترا . وخرّجه من طريق ابن أبي زائدة ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : بادروا الصبح بالوتر . وهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله . وخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن أبي زائدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : بادروا الصبح بالوتر . وصححه الترمذي . وقد ذكر الدارقطني وغيره : أن ابن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث بالإسنادين . وذكر الأثرم : أنه ذكر لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين ، فقال في الإسناد الأول : عاصم ، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا ، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة ، وما أدري ، فذكر له الإسناد الثاني ، فقال أحمد : هذا أراه اختصره من حديث : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة ، وهو بمعناه ، قالَ : فقلت له : روى هذين أحد غيره ؟ قالَ : لا . قلت : والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر أيضا ، كما اختصر حديث عبيد الله ، عن نافع ، عنه . والله أعلم . وخرج مسلم أيضا من حديث ابن جريج ، أخبرني نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى بالليل فليجعل صلاته وترا قبل الصبح ، كذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم . خرجه ، عن هارون بن عبد الله ، نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج ، فذكره . وخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان ، عن عبد الرزاق ، أنا ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر ، فأوتروا قبل طلوع الفجر . وقال : تفرد به سليمان بن موسى على هذا اللفظ . وذكر المروذي عن أحمد ، أنه قال : لم يسمعه ابن جريج من سليمان بن موسى ، إنما قال : قال سليمان ، قيل له : إن عبد الرزاق قد قال : عن ابن جريج ، أنا سليمان ؟ فأنكره ، وقال : نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق ، ولم يكن بها ، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة . وخرجه الحاكم من طريق محمد بن الفرج الأزرق ، نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : حدثني سليمان بن موسى ، نا نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك ، فإذا كانَ الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أوتروا قبل الفجر . وقال : إسناد صحيح . وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي ؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر ، إنما هوَ من قول ابن عمر ، واستدل لهُ بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل الفجر . ورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى ، وسليمان مختلف في توثيقه . وخرج مسلم - أيضا - من رواية يحيى بن أبي كثير ، أخبرني أبو نضرة ، أن أبا سعيد أخبرهم ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر ، فقال : أوتروا قبل الصبح . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : قال : الوتر بليل . وخرجه ابن خزيمة والحاكم ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . وذهب طائفة إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح : فروي عن علي وابن مسعود ، وقال : الوتر ما بين الصلاتين . يريدان : صلاة العشاء وصلاة الفجر . وعن عائشة معنى ذلك . وممن روي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر : عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم . وقال أيوب وحميد الطويل : أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر . وهو قول القاسم بن محمد وغيره . وذكر ابن عبد البر : أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم ، قال : ويحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسيه أو نام عنه ، دون من تعمده . وممن ذهب إلى هذا : مالك ، والشافعي في القديم ، وأحمد في رواية عنه ، وإسحاق . وقد ذكرنا - فيما تقدم - حديث أبي بصرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن عقبة بن عامر وعمرو بن العاص كلاهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال - في صلاة الوتر - : هي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الشمس . وقد حكى يحيى بن آدم ، عن قوم ، أن الوتر لا يفوت وقته حتى تطلع الشمس . وظاهر هذا : أنه يوتر بعد صلاة الصبح ، ما لم تطلع الشمس ، وتكون أداء . وفي المسند ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر عند الأذان . وقد سبق ذكره في الصلاة إذا أقيمت الصلاة . وفيه أيضا بإسناد فيه جهالة ، عن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نوتر هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن أن يؤذن أو يقيم . وخرّج الطبراني من حديث أبي ذر ، قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوتر بعد الفجر . وفي إسناده اختلاف . وروي مرسلا . والمرسل أصح عند أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين . وروى ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد ، أن أبا نهيك أخبره ، أن أبا الدرداء خطب ، فقال : من أدركه الصبح فلا وتر له ، فقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدركه الصبح فيوتر . خرّجه الطبراني . وخرّجه الإمام أحمد ، ولفظه : كان يدركه بصبح فيوتر . وأبو نهيك ليس بالمشهور ، ولا يدرى : هل سمع من عائشة ، أم لا ؟ وقد روي عن أبي الدرداء خلاف هذا . وخرّج الحاكم من رواية أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : ربما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر ، وقد قام الناس لصلاة الصبح . وقال : صحيح الإسناد . وخرّج - أيضا - من رواية محمد بن فليح ، عن أبيه ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر . وقال : صحيح على شرطهما . والبخاري يخرج بهذا الإسناد كثيرا . وروى زهير بن معاوية ، عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة ، عن الأغر المزني ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أصبحت ولم أوتر ؟ فقالَ : إنما الوتر بليل - ثلاث مرات أو أربعة ثُمَّ قالَ : قم فأوتر . وخرجه البزار مختصرا ، ولفظه : من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له . ورواه وكيع في كتابه عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة ، مرسلا . وهو أشبه . وروى وكيع ، عن الفضل بن دلهم ، عن الحسن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، إلا أنه قال : عن الوتر حتى أصبحت . وفي المعنى أيضا عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ، من وجهين ، لا يصح واحد منهما . وروى أيوب بن سويد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، عن طلحة بن نافع ، عن ابن عباس ، أنه بات عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم فجعل يسلم من كل ركعتين ، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة ، ثم ركع ركعتي الفجر ، ثم اضطجع . خرّجه الطبراني وابن خزيمة في صحيحه . وحمله : إنما أوتر بعد طلوع الفجر الأول . ثم خرج من رواية عباد بن منصور ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس ، أنه بات ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه فذكر : فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان عليه من الليل ، مثنى مثنى ، ركعتين ركعتين ، فلما طلع الفجر الأول ، قام فصلى تسع ركعات ، يسلم في كل ركعتين ، وأوتر بواحدة ، وهي التاسعة ، ثم أمسك حتى إذا أضاء الفجر جدا قام فركع ركعتي الفجر ، ثم نام . قلت : وكلا الحديثين إسناد ضعيف . والله سبحانه وتعالى أعلم . وعلى تقدير صحة هذه الأحاديث ، أو شيء منها ، فقد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته ، وهو الليل ، لا على أن ما بعد الفجر وقت له . والمشهور عن أحمد : أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر ، ما لم يصل الفجر ، وإن كان لا يتطوع عنده في هذا الوقت بما لا سبب له ، وفيما له سبب عنه فيه خلاف ، فأما الوتر فإنه يقضى في هذا الوقت . ومن الأصحاب من يقول : لا خلاف عنه في ذلك ، منهم : ابن أبي موسى وغيره . وحكي للشافعي قول كذلك : أنه يقضي الوتر ما لم يصل الفجر . وقال أبو بكر - من أصحابنا - : يقضي ما لم تطلع الشمس . وهذا القول يرجع إلى أن الوتر يقضيه من نام عنه أو نسيه . وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات : فقالت طائفة : لا يقضى ، وهو قول أبي حنيفة ومالك ، ورواية عن أحمد وإسحاق ، وأحد قولي الشافعي . وحكاه أحمد عن أكثر العلماء . ويروى عن النخعي ، أنه لا يقضى بعد صلاة الفجر ، وعن الشعبي . وقالت طائفة : يقضى ، وهو قول الثوري والليث بن سعد ، والمشهور عن الشافعي ، ورواية عن أحمد . والصحيح عند أصحاب الشافعي : أن الخلاف في قضاء الوتر والسنن الرواتب سواء . ومنهم من قال : يقضي ما يستقل بنفسه كالوتر ، دون ما هو تبع كالسنن الرواتب . والمنصوص عن أحمد وإسحاق : أنه يقضي السنن الرواتب دون الوتر ، إذا صلى الفجر ولم يوتر . ونص عليه في رواية غير واحد من أصحابه . واستدل من قال : لا يقضي الوتر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة . خرجه مسلم من حديث عائشة . فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر . ويجاب عن هذا : بأنه يحتمل أنه كان إذا كان له عذر يوتر قبل أن ينام ، فلم يكن يفوته الوتر حينئذ . هذا في حال المرض ونحوه ظاهر ، وأما في حال غلبة النوم فيه نظر . وخرج النسائي حديث عائشة ، ولفظه : كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك نوم غلبه عنه أو وجع ، صلى من النهار ثلاث عشرة ركعة . فإن كانت هذه الرواية محفوظة دلت على أنه كان يقضي الوتر . واستثنى إسحاق أن يكون نام عن الوتر وصلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، فقال : يقضي الوتر ، ثم يصلي سنة الفجر ، ثم يصلي المفروضة . وقد ورد في هذا حديث ذكرناه في قضاء الصلوات . وخرجه النسائي من حديث محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، أنه كان في منزل عمرو بن شرحبيل ، فأقيمت الصلاة ، فجعلوا ينتظرونه ، فجاء فقال : إني كنت أوتر ، وقال : سئل عبد الله : هل بعد الأذان وتر ؟ قالَ : نعم ، وبعد الإقامة ، وحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ نام عن الصَّلاة حتَّى طلعت الشمس ، ثُمَّ صلى . فإن كان مراده : أنه نام عن الوتر فذاك ، وإن كان مراده : أنه نام عن الفريضة ثم قضاها ، فيكون مراده إلحاق القضاء الوتر بالقياس . وكذا روي عن ابن عمر ، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض . وأخذه بعضهم من عموم قوله : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . خرجه مسلم ، وقد سبق في موضعه . فيدخل في عمومه الوتر . وجاء في حديث التصريح به ، من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره . خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه . وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال : من نام عن وتره فيصله إذا أصبح . وقال : هذا أصح . وذكر : أن عبد الله بن زيد ثقة ، وأخاه عبد الرحمن ضعيف . ولكن خرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد مرفوعًا . وقال الحاكم : صحيح على شرطهما . وخرجه الدارقطني من وجه آخر ، عن زيد ، كذلك . لكنه إسناد ضعيف . ورده بعضهم بأن أبا سعيد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أوتروا قبل أن تصبحوا ، وهذا يخالفه ، وليس كذلك ؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته ، فإذا فات وخرج وقته ، ففي هذا أمر بقضائه ، فلا تنافي بينهما . وفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام أو نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك ، وهذا متوجه ؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة ، وفوتها في وقتها عمدًا ، فلا سبيل لهُ بعد ذَلِكَ إلى استدراكها ، بخلاف النائم والناسي . وممن روي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار : علي وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي وحماد . وهو قول الشافعي في الصحيح عنه ، وأحمد في رواية . والأوزاعي ، إلا أنه قال : يقضيه نهارًا وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة . وعن سعيد بن جبير ، قالَ : يقضيه من الليلة القابلة . وظاهر هذا : أنه لا يقضيه إلا ليلًا ؛ لأن وقته الليل ، فلا يفعل بالنهار . المسألة الثانية : في وقت أفضل الوتر . قد كان كثير من الصحابة يوتر من أول الليل ، منهم : أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان ، وعائذ بن عمرو ، وأنس ، ورافع بن خديج ، وأبو هريرة ، وأبو ذر ، وأبو الدرداء . وهؤلاء الثلاثة أوصاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فتمسكوا بوصيته . ومنهم من كان يفعل ذلك خشية من هجوم الموت في النوم ؛ فإنهم كانوا على نهاية من قصر الأمل . وذهب طائفة إلى أن الوتر قبل النوم أفضل ، وهو أحد الوجهين للشافعية . وهو مقتضى قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا في كتابه شرح المذهب ، حيث ذكر أن وقت الوتر تابع لوقت العشاء ، وأنه يخرج وقته بخروج وقت العشاء المختار . وقال أبو حفص البرمكي من أصحابنا - في شهر رمضان خاصة لمن صلى التراويح خلف الإمام - : فإن الأفضل أن لا ينصرف المأموم حتى ينصرف إمامه . ونقل مهنا ، عن أحمد ، أنه كان يوتر قبل أن ينام ، وقال : هو أحوط ، وما يدريه ؟ لعله لا ينتبه . وهذا يدل على أن الأخذ بالاحتياط أفضل . وروى شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، قال : النوم على وتر خير . وقال عمر : الأكياس يوترون أول الليل ، والأقوياء يوترون آخر الليل . خرجهما وكيع . وقد سبق هذا المعنى مرفوعًا من وجوه . والكيس : هو الحذر الحازم المحتاط لنفسه ، الناظر إلى عواقب الأمور . وممن كان يقدم الوتر : ابن المسيب والشعبي . وكان كثير من السلف يوتر في آخر الليل ، منهم : عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم . وروى وكيع ، عن الربيع بن صبيح ، عن ابن سيرين ، قال : ما يختلفون أن الوتر من آخر الليل أفضل . واستحبه النخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه وإسحاق ، إن قوي ووثق بنفسه القيام من آخر الليل ، فأما من ليس كذلك فالأفضل في حقه أن يوتر قبل النوم . وروي هذا المعنى عن عائشة . واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل . وفي رواية له : محضورة . وخرجه - أيضا - من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه . وحمل بعض هؤلاء أحاديث الأمر بالوتر قبل النوم على من خاف أن لا يقوم آخر الليل . وهذا بعيد جدا في حق أولئك الصحابة ، الذين أمروا بالوتر قبل النوم ، مع ما عرف من شدة اجتهادهم ، وكثرة تهجدهم . ومنهم من حمله على بيان الجواز ، وعدم الكراهة . ومنهم من أشار إلى نسخه . وروى الإسماعيلي في مسند علي بإسناد مجهول ، عن السدي ، عن الربيع بن خثيم ، قال : خرج علينا علي حين يبلج الصبح ، فقال : إن جبريل أتى نبيكم - صلى الله عليه وسلم فأمره أن يوتر أول الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر وسطًا من الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر هذه الساعة ، فقبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو يوتر من هذه الساعة ، أين السائلون عن الوتر ، نعم ساعة الوتر . وحديث عائشة : أنه انتهى وتره إلى السحر قد يشعر بذلك ، وأنه ترك الوتر من أول الليل ووسطه ، واستقر عمله على الوتر من آخره ، وإنما كان ينتقل من الفاضل إلى الأفضل . وعلى هذا : فهل الأفضل الوتر إذا خشي طلوع الفجر ، كما دل عليه حديث ابن عمر ، وكان ابن عمر يفعل ذلك ، ويوتر من السحر . قال الثوري : كانوا يحبون أن يؤخروا الوتر إلى آخر الليل ، وقد بقي عليهم من الليل شيء . وقال إسحاق : كانوا يستحبون أن يوتروا آخر الليل ، وأن يوتروا وقد بقي من الليل نحو مما ذهب منه من صلاة المغرب ، واستدل بقول عائشة : فانتهى وتره إلى السحر . نقله عنه حرب . وروى وكيع في كتابه عن الأعمش ، عن إبراهيم ، أنه بات عند عبد الله بن مسعود ، فسئل : أي ساعة أوتر ؟ قالَ : إذا بقي من الليل مثل ما مضى إلى صلاة المغرب . وعن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، نحوه . ومعنى ذلك : أنه يوتر وقد بقي من الليل قبل طلوع الفجر مقدار ما يصلي فيه صلاة المغرب ، بعد دخول الليل وغروب الشمس . والمراد : أنه لا يوتر إلا في ليل محقق بقاؤه . وهو معنى قول النخعي : الوتر بليل ، والسحور بليل . فجعل وقته كوقت السحور بل أشد ؛ فإنه قالَ : لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر . وكان علي بن أبي طالب يرخص في تأخير الوتر حتى ينشق الفجر ، وربما روي عنه أنه أفضل . وقد سبق عن طائفة من السلف نحوه . وهؤلاء ، منهم من رخص في تأخير السحور أيضا ، كما يأتي في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . ولأصحابنا وجه شاذ : أن الوتر في الليل كله ، سواء في الفضل .
الطريق الثاني : 1002 - ثنا مسدد ، ثنا عبد الواحد ، ثنا عاصم ، قال : سألت أنس بن مالك ، عن القنوت ؟ فقالَ : قد كانَ القنوت ، قلت : قبل الركوع أو بعده ؟ قال : قبله ، قلت : فإن فلانا أخبرني عنك ، أنك قلت : بعد الركوع ، فقال : كذب ، إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا ، أراه كان بعث قوما ، يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك ، وكان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو عليهم . وخرّجه - أيضا - في المغازي عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن عاصم ، بأتم من هذا . وخرّجه في أواخر الجهاد من طريق ثابت بن يزيد ، عن عاصم : سألت أنسًا عن القنوت ، قال : قبل الركوع ، فقلت : إن فلانا يزعم أنك قلت : بعد الركوع ؟ قالَ : كذب ، ثُمَّ حدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت شهرًا بعد الركوع ، فذكره . وخرّجه في الأحكام من طريق عباد بن عباد ، عن عاصم ، وفي الدعاء من طريق أبي الأحوص ، عن عاصم مختصرًا ، في القنوت شهرًا ، ولم يذكر فيه : قبل . وخرجه مسلم من رواية أبي معاوية ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : سألته عن القنوت قبل الركوع ، أو بعد الركوع ؟ فقالَ : قبل الركوع ، قلت : فإن ناسا يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع ؟ فقال : إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ، يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه ، يقال لهم : القراء . وخرجه من طرق أخرى ، عن عاصم ، عن أنس - في قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا فقط . وليس في شيء من هذه الروايات : مداومة القنوت ، كما في رواية عبد الواحد بن زياد التي خرجها البخاري ، مع أنه لا دلالة فيها على ذلك - على تقدير أن تكون محفوظة - ؛ فإنه ليس فيها تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هوَ الذي كانَ يقنت قبل الركوع ، فيحتمل أن يريد أن مدة قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت شهرا بعد الركوع ، وكان غيره من الخلفاء يقنت قبل الركوع ، ولعله يريد قنوت عمر ، لما كانَ يبعث الجيوش إلى بلاد الكفار ، فكان يقنت ويستغفر لهم . ولكن روى الطبراني ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب ، وكان قنوته قبل ذلك وبعده قبل الركوع . ولكن هذه الرواية شاذة منكرة ، لا يعرج عليها . وأبو جعفر الرازي ، اسمه : عيسى بن ماهان ، قد وثقه يحيى وغيره ؛ فإنه من أهل الصدق ولا يتعمد الكذب ، ولكنه سيئ الحفظ ؛ فلذلك نسبه ابن معين إلى الخطأ والغلط مع توثيقه له . وقال ابن المديني : هو يخلط مثل موسى بن عبيدة ، وقال أحمد والنسائي : ليس بالقوي في الحديث ، وقال أبو زرعة : يهم كثيرًا ، وقال الفلاس : فيه ضعف ، وهو من أهل الصدق سيئ الحفظ ، وقال ابن خراش : سيئ الحفظ صدوق ، وقال ابن حبان : ينفرد بالمناكير عن المشاهير . وقد روى أبو جعفر هذا ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس ، قال : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت حتى فارق الدنيا . خرجه الإمام أحمد وغيره . وهذا - أيضا - منكر . قال أبو بكر الأثرم : هو حديث ضعيف ، مخالف للأحاديث . يشير إلى أن ما ينفرد به أبو جعفر الرازي لا يحتج به ، ولا سيما إذا خالف الثقات . وقد تابعه عليه عمرو بن عبيد الكذاب المبتدع ، فرواه عن الحسن ، عن أنس بنحوه . وتابعه - أيضا - : إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو مجمع على ضعفه ، فرواه عن الحسن ، عن أنس . وقد خرج حديثه البزار ، وبين ضعفه . وروي - أيضا - ذلك عن أنس من وجوه كثيرة ، لا يثبت منها شيء ، وبعضها موضوعة . وروى خليد بن دعلج ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت في صلاة الفجر بعد الركوع ، وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار تقديم القنوت قبل الركوع . خليد بن دعلج ، ضعيف ، لا يعتمد . وقد روى مصعب بن المقدام ، عن سفيان ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا قبل الركوع . وروى الحسن بن الربيع ، عن أبي الأحوص ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا في صلاة الفجر ، يدعو على خيبر . قال عاصم : سألت أنسًا عن القنوت ؟ قالَ : هوَ قبل الركوع . وهاتان الروايتان تدل على أن القنوت قبل الركوع كانَ شهرا ، بخلاف رواية عبد الواحد ، عن عاصم . وروى قيس بن الربيع ، عن عاصم ، قال : قلنا لأنس : إن قومًا يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت بالفجر ؟ قالَ : كذبوا ؛ إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا واحدًا ، يدعو على حي من أحياء المشركين . فهذه تعارض رواية أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، وتصرح بأن مدة القنوت كلها لم تزد على شهر . وليس قيس بن الربيع بدون أبي جعفر الرازي ، وإن كان قد تكلم فيه ؛ لسوء حفظه - أيضا فقد أثنى عليهِ أكابر ، مثل : سفيان الثوري وابن عيينة وشريك وشعبة وأبي حصين . وأنكر شعبة على القطان كلامه فيه ، وأنكر ابن المبارك على وكيع كلامه فيه . وقال محمد الطنافسي : لم يكن قيس عندنا بدون سفيان ، إلا أنه استعمل ، فأقام على رجل حدًا ، فمات ، فطفئ أمره . وقال يعقوب بن شيبة : هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح ، إنما حفظه فيه شيء . وقال ابن عدي : رواياته مستقيمة ، وقد حدث عنه شعبة وغيره من الكبار ، والقول فيه ما قال شعبة : إنه لا بأس به . وقد توبع قيس على روايته هذه : فروى أبو حفص ابن شاهين : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد - هو : ابن عقدة الحافظ ثنا الحسن بن علي بن عفان ، ثنا عبد الحميد الحماني ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقنت إلا شهرًا واحدًا حتى مات . وابن عقدة ، حافظ كبير ، إنما أنكر عليه التدليس ، وقد صرح في هذا بالتحديث . وعبد الحميد الحماني ، وثقه ابن معين وغيره ، وخرج له البخاري . وخرج البيهقي من حديث قبيصة ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : إنما قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا ، فقلت : كيف القنوت ؟ قالَ : بعد الركوع . وهذه تخالف رواية من روى عنه القنوت قبل الركوع . وأما القنوت شهرا ، فقد سبق أن البخاري خرجه من رواية عباد بن عباد . وخرجه مسلم من رواية ابن عيينة ، وغير واحد ، كلهم عن عاصم . وهو المحفوظ عن سائر أصحاب أنس . فتبين بهذا : أن رواية عاصم الأحول عن أنس - في محل القنوت ، والإشعار بدوامه - مضطربة متناقضة . وعاصم نفسه ، قد تكلم فيه القطان ، وكان يستضعفه ، ولا يحدث عنه ، وقال : لم يكن بالحافظ . وقد حدث عاصم ، عن حميد بحديث ، فسئل حميد عنه ، فأنكره ولم يعرفه . وحينئذ ؛ فلا يقضى برواية عاصم ، عن أنس ، مع اضطرابها ، على روايات بقية أصحاب أنس ، بل الأمر بالعكس . وقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوت قبل الركوع : قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : يقول أحد في حديث أنس : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول ؟ قالَ : ما علمت أحدا يقوله غيره ، قالَ أبو عبد الله : خالفهم عاصم كلهم . يعني : خالف أصحاب أنس . ثم قال : هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع ، والتيمي ، عن أبي مجلز ، عن أنس ، وأيوب ، عن محمد : سألت أنسًا ، وحنظلة السدوسي ، عن أنس ، أربعة أوجه . وقال أبو بكر الخطيب في كتاب القنوت : أما حديث عاصم الأحول ، عن أنس ، فإنه تفرد بروايته ، وخالفه الكافة من أصحاب أنس ، فرووا عنه القنوت بعد الركوع ، والحكم للجماعة على الواحد . كذا قاله الخطيب في القنوت قبل الركوع ، فأما في دوام القنوت ، فإنه جعله أصلا اعتمد عليه ، ويقال له فيه كما قال هو في محل القنوت ، فيقال : إن أصحاب أنس إنما رووا عنه إطلاق القنوت أو تقييده بشهر ، ولم يرو عن أنس دوام القنوت من يوثق بحفظه . وأما القنوت قبل الركوع ، فقد رواه عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، كما خرج البخاري عنه من طريقه في السير ، وسنذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم ، عن أنس ، في القنوت قبل الركوع على أن المراد به : إطالة القيام ، كما في الحديث : أفضل الصلاة طول القنوت . والمراد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطيل القيام قبل الركوع للقراءة ، وإنما أطال القيام بعد الركوع شهرا حيث دعا على من قتل القراء ، ثم تركه . وقد صح عن ابن عمر مثل ذلك . وروى ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يقنت في الفجر ، ولا في الوتر ، وكان إذا سئل عن القنوت ، قال : ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن . ورواه يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله أيضا .
7 – باب القنوت قبل الركوع وبعده لم يبوب البخاري على القنوت إلا في عقب أبواب الوتر ، وهذا يدل على أنه يرى القنوت في الوتر ، إما دون غيره من الصلوات أو مع غيره منها . وخرج فيه حديث أنس بن مالك من طرق أربعة : الطريق الأول : 1001 - ثنا مسدد ، نا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، قال : سئل أنس بن مالك : أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصبح ؟ قالَ : نعم ، فقيل : أوقبل الركوع ؟ قال : بعد الركوع يسيرًا . هذا الحديث - بهذا اللفظ - يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في الصبح ، وأنه قنت بعد الركوع ، وأنه قنت يسيرًا . وقوله : يسيرًا يحتمل أن يعود إلى القنوت ، فيكون المراد : قنت قنوتًا يسيرًا ، ويحتمل أنه يعود إلى زمانه ، فيكون المعنى : قنوته زمانًا يسيرًا ، فيدل على أنه لم يدم عليه ، بل ولا كان غالب أمره ، وإنما كان مدة يسيرة فقط . ويدل عليه ما روى علي بن عاصم : أخبرني خالد وهشام ، عن محمد بن سيرين ، حدثني أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا في الغداة ، بعد الركوع ، يدعو . وقد خرجه أبو داود ، وعنده بدل يسيرًا : يسرًا أو يسر . وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنما تدل على أنه أسر بالقنوت ، ولم يجهر به .
الطريق الرابع : 1004 - ثنا مسدد ، ثنا إسماعيل ، أنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال : كان القنوت في المغرب والفجر . وخرجه - فيما تقدم - في باب : فضل اللهم ربنا ولك الحمد ، عن عبد الله بن أبي الأسود ، عن إسماعيل - وهو : ابن علية به أيضا . وليس في هذا الحديث أن ذلك كان من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ولا في عهده ، فيحتمل أنه أخبر عما كان في زمن بعض خلفائه ، والله أعلم . وقد روي حديث القنوت عن أنس من طرق أخرى ، وقد خرجه البخاري في السير و المغازي من بعضها . طريق آخر : قال البخاري : ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، ثنا عبد العزيز ، عن أنس ، قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعين رجلًا لحاجة ، يقال لهم : القراء ، فعرض لهم حيان من بني سليم : رعل وذكوان ، فقتلوهم ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا عليهم في صلاة الغداة ، وذلك بدء القنوت ، وما كنا نقنت . قال : وسأل رجل أنسًا عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغ من القراءة ؟ قالَ : بل عندَ فراغ من القراءة . ولكن ؛ ليس في هذه الرواية تصريح بأن قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ قبل الركوع ، إنما هوَ من فتيا أنس . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد تقدم عنه ما يخالف ذلك ، وما يوافقه ، فالروايات عن أنس في محل القنوت مختلفة . وفي هذه الرواية التصريح بأن هذا كان بدأ القنوت ، وأنهم لم يقنتوا قبله ، والتصريح بأن القنوت كان شهرا ، ولا شك أن هذا القنوت ترك بعد ذلك ، ولم يقل أنس : إنه استمر القنوت بعد الشهر . والله سبحانه وتعالى أعلم . طريق آخر : قال البخاري : ثنا يحيى بن بكير ، ثنا مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحًا حين يدعو على رعل ولحيان ، وعصية عصت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . قال أنس : فأنزل الله تعالى لنبيه في الذين قتلوا - أصحاب بئر معونة - قرآنًا ، حتى نسخ بعد : بلغوا قومنا ، فقد لقينا ربنا ، فرضي عنا ورضينا عنه
الطريق الثالث : 1003 - ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زائدة ، عن التيمي ، عن أبي مجلز ، عن أنس بن مالك ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو على رعل وذكوان . وخرجه في المغازي من رواية ابن المبارك ، عن سليمان التيمي ، وزاد فيه : بعد الركوع . وزاد - أيضا - فيه : ويقول : عصية عصت الله ورسوله . وكذلك خرجه مسلم من رواية المعتمر بن سليمان التيمي ، عن أبيه ، وزاد فيه : في صلاة الصبح .
6 – باب الوتر في السفر 1000 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به ، يومئ إيماء ، صلاة الليل ، إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته . الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر ، وقد كان ابن عمر يوتر في سفره . وروى وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن عامر ، عن ابن عباس وابن عمر ، أنهما قالا : الوتر في السفر سنة . وقال مجاهد : لا يترك الوتر في السفر إلا فاسق . وروى وكيع - أيضا - عن خالد بن دينار ، عن شيخ ، قال : صحبت ابن عباس في سفر ، فلا أحفظ أنه أوتر . وهذا إسناد مجهول . وقوله : لم أحفظ لا يدل على أنه لم يوتر . والوتر تابع لصلاة الليل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاته بالليل وترًا . وإنما اختلف العلماء في فعل السنن الرواتب في السفر ؛ لأنها تابعة للفرائض ، والفرائض تقصر في السفر تخفيفًا ، فكيف يحذف شطر المفروضة ويحافظ على سننها ؟ ولهذا قالَ ابن عمر : لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي . وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتي الفجر والمغرب ؛ لأن فريضتهما لا تقصر . وهو من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي . ونص عليه أحمد - في رواية المروذي - أنه لا يدع في السفر ركعتي الفجر والمغرب .
5 – باب الوتر على الدابة 999 - حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن سعيد بن يسار ، أنه قالَ : كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة ، قال سعيد : فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ، ثم لحقته ، فقال عبد الله بن عمر : أين كنت ؟ فقلت : خشيت الصبح فنزلت فأوترت ، قالَ عبد الله : أليس لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ؟ فقلت : بلى والله ، قال : فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر على البعير . هذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه متعددة ، قد خرجاه في الصحيحين من هذا الوجه ، ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه . وخرجه البخاري من حديث نافع ، ومسلم من حديث عبد الله بن دينار . وهذا مما استدل به على أن الوتر غير واجب ، وأنه ملتحق بالنوافل ؛ فإنه لو كانَ واجبا لألحق بالفرائض ، ولم يفعل على الدابة جالسًا ، مع القدرة على القيام . وقد اختلف العلماء في جواز الوتر على الراحلة : فذهب أكثرهم إلى جوازه ، ومنهم : ابن عمر ، وروي عن علي وابن عباس ، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وقال الثوري : لا بأس به ، وبالأرض أحب إلي . وكذا مذهب مالك ، في تهذيب المدونة : أن المسافر إذا كان له حزب ، فليوتر على الأرض ، ثم يتنفل في المحمل بعد الوتر . وهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره مع فعله على الراحلة . ومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب ، وهو قول أبي حنيفة . وقال النخعي : كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض . وحكى ابن أبي موسى من أصحابنا ، عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين ، دون الوتر . وحكي عن بعض الحنفية ، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة . وروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل ، ثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير ، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعًا ، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض . ولعله فعله استحبابًا ، وإنما أنكر على من لا يراه جائزًا . وروى محمد بن مصعب : ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر ، قالَ : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوعا ، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض . قال ابن جوصا في مسند الأوزاعي من جمعه : لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي : أو يوتر غير محمد بن مصعب وحده . وخرجه من طرق كثيرة عن الأوزاعي ، ليس في شيء منها : ذكر الوتر . ومحمد بن مصعب ، قال يحيى : ليس حديثه بشيء ، وقال ابن حبان : ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ، لا يجوز الاحتجاج به .
3 – باب في إيقاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بالوتر 997 - حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، ثنا هشام ، ثنا أبي ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت . قد سبق هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في باب : الصلاة خلف النائم . وقد دل هذا الحديث على إيقاظ النائم بين يدي المصلي . لكن هل كان إيقاظها لتوتر أو لتتنحى عن قبلته في الوتر ؟ قد وردت أحاديث تدل على الثاني ، قد سبق ذكرها في باب : من قالَ : لا يقطع الصَّلاة شيء . وروى الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ، فإذا انصرف قال لي : قومي فأوتري . خرّجه الإمام أحمد . فإن كان إيقاظها للإيتار استدل به على إيقاظ النائم للصلاة ، لا سيما إذا تضايق وقتها ؛ فإن إيتار النبي - صلى الله عليه وسلم - استقر في آخر عمره على أنه كانَ في السحر ، كما سبق في الباب الماضي . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان للصلاة بالليل والذكر والدعاء ، ففي سائر السنة كان إيقاظه لهم للوتر خاصة ؛ فإنه من آكد السنن الرواتب . وإن كانَ إيقاظها لتتنحى عن قبلته في الوتر ، استدل به على الرخصة في الصَّلاة إلى النائم في النفل المطلق دون النفل المعين المؤكد ، فالفرض أولى . وقد أشار إليه الإمام أحمد ، كما سبق ذكره في موضعه . وعلى التقديرين ، فيستدل به على أن من له من يوقظه للوتر في آخر الليل ، لا يكره له أن ينام قبل أن يوتر ، ولو كان امرأة أو صبيًا ، ممن يغلب عليه النوم ؛ فإن قولها : فأوترت يدل على أنها كانت تؤخر الوتر إلى ذَلِكَ الوقت ، وتنام قبله .
4 – باب ليجعل آخر صلاته وترًا 998 - حدثنا مسدد ، نا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا . وخرّجه مسلم . وخرّج - أيضا - من حديث الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر . وخرّجه أبو داود مطولًا . جعل الوتر آخر صلاة الليل يستفاد منه فوائد عديدة . فمنها : تأخير الوتر إلى آخر الليل ؛ فإن صلاة وسط الليل وآخر الليل أفضل من صلاة أوله ، فتأخير الوتر يتسع به وقت الصَّلاة في وسط الليل وآخره . ومنها : أنه لا ينبغي التنفل في الليل بوتر غير الوتر الذي يقطع عليه صلاة الليل ، كما لا ينبغي التنفل في النهار بوتر أيضا ، حتى تكون صلاة المغرب وتره . فروى الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون ، أنا هشام ، عن محمد ، هو : ابن سيرين ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : صلاة المغرب وتر النهار ، فأوتروا صلاة الليل . قال الدارقطني : رواه أيوب ، عن نافع وابن سيرين ، عن ابن عمر ، موقوفًا ، ورواه مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، موقوفًا . ورفعه بعضهم عن مالك . وهذا قد يستدل به على جواز الوتر بعد طلوع الفجر ، ويكون إيتارًا لصلاة الليل ، وإن كان بعد خروج الليل ، كما يوتر صلاة النهار بالمغرب ، وإنما يفعل بعد خروج النهار . فهذا يدل على أن لا وتر لصلاة النهار غير صلاة المغرب ، ولا وتر لصلاة الليل غير الوتر المأمور به ، فمن تطوع في ليل أو نهار بوتر غير ذلك ، فقد زال إيتاره لصلاته ، وصارت صلاته شفعًا . وفي صحة التطوع بشفع في الليل والنهار عن أحمد روايتان ، والصحة قول الشافعي ، وعدم الصحة قول أبي حنيفة ، وقد ذكرنا ما يستدل به للمنع . واستدل الشافعي ومن وافقه بأن عمر دخل المسجد ، فصلى ركعة ، ثم قال : هو تطوع ، فمن شاء زاد ، ومن شاء نقص . وقد يعارض ذلك بالحديث المرفوع والموقوف : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . واستدلوا - أيضا - بأن جماعة نقضوا وترهم بركعة . وهذا استدلال مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أنه قد أنكره عليهم غيرهم من الصحابة . والثاني : أنهم إنما نقضوه لتصير صلاتهم شفعًا ، ثم يوترون . ومن تطوع بركعة في الليل ، من غير نقض ، ثم أوتر ، لم يبق لوتره فائدة ؛ فإنه صار وتره شفعًا . ونحن نذكر هاهنا مسألة نقض الوتر : وهي : إذا أوتر الإنسان من الليل ، ثم أراد أن يصلي : فقال كثير من الصحابة : يصلي ركعة واحدة فيصير بها وتره الماضي شفعًا ، ثم يصلي ما أراد ، ثم يوتر في آخر صلاته . وهؤلاء أخذوا بقوله : اجعلوا آخر صلاتكم وترًا ، ولهذا روى ابن عمر هذا الحديث ، وهو كان ينقض وتره ، فدل على أنه فهمه منه . وروي عن أسامة بن زيد وغير واحد من الصحابة ، حتى قال أحمد : وروي ذلك عن اثني عشر رجلًا من الصحابة . وممن روي ذلك عنه ، منهم : عمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وابن عباس - في رواية وهو قول عمرو بن ميمون وابن سيرين وعروة ومكحول . وأحمد في رواية اختارها أبو بكر وغيره . قال ابن أبي موسى : هي الأظهر عنه . وقول إسحاق ، قال إسحاق : وإن لم يفعل ذلك لم يكن قد عمل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا . وهو أيضا وجه للشافعية . ورد بعضهم هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وتران في ليلة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان في صحيحه ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وحسنه الترمذي . وقالوا : هذا يؤدي إلى ثلاثة أوتار ، فيكون منهيا عنه . وقال الأكثرون : لا ينقض وتره ، بل يصلي مثنى مثنى . وهو قول ابن عباس - في المشهور عنه - وأبي هريرة وعائشة وعمار وعائذ بن عمرو وطلق بن علي ورافع بن خديج . وروي عن سعد . ورواه ابن المسيب ، عن أبي بكر الصديق . وفي رواية عنه : أن الصديق ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأقره عليه ، ولم ينكره . خرجه حرب الكرماني . ورواه خلاس ، عن عثمان ، ولم يسمع منه . وهو قول علقمة وطاوس وسعيد بن جبير وأبي مجلز والشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد في رواية عنه ، وصححها بعض أصحابنا . واستدلوا بحديث : لا وتران في ليلة ، وقد تقدم ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا قام أحدكم من الليل يصلي ، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين . خرجه مسلم من حديث أبي هريرة . وهو عام فيمن كان أوتر قبل ذلك ، ومن لم يوتر . واستدلوا - أيضا - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بعد وتره ، وسنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى . وبأن النقض يفضي إلى التطوع بالأوتار المعددة ، وهو مكروه أو محظور . وقد روي عن عائشة ، أنها قالت : ذاك يلعب بوتره . قال أحمد : كرهته عائشة ، وأنا أكرهه . وعن أحمد : أنه مخير بين الأمرين ؛ لأنهما جميعًا مرويان عن الصحابة . وقد روي عن علي ، أنه خير بين الأمرين . خرجه الشافعي بإسناد عنه ، فيه ضعيف . وخرج الطبراني : نا مقدام بن داود ، نا عبد الله بن يوسف ، نا ابن لهيعة ، عن عياش بن عباس القتباني ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العتمة ، ثم يصلي في المسجد قبل أن يرجع إلى بيته سبع ركعات ، يسلم في الأربع في كل ثنتين ، ويوتر بثلاث ، يتشهد في الأوليين من الوتر تشهده في التسليم ، ويوتر بالمعوذات ، فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين ويرقد ، فإذا انتبه من نومه صلى ركعتين ، وذكرت الحديث ، ولم تذكر أنه أوتر في آخر الليل . وهو غريب جدًا ومنكر مخالف جميع الروايات الصحيحة عن عائشة . ومقدام بن داود من فقهاء مصر ، ولم يكن في الحديث محمودًا . قالَ ابن يونس : تكلموا فيهِ ، وقال النسائي : ليس بثقة . ويتصل بهذا : الكلام على حكم الصلاة بعد الوتر : وقد كرهه طائفة من السلف ، ومستندهم : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا ، وما أشبهه . وروى عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه كره الصلاة بعد الوتر ، وكان أبو مجلز لا يصلي بعد الوتر إلا ركعتين . وقال قيس بن عباد : إذا أوترت ثم قمت فاقرأ وأنت جالس . وظاهر هذا : أنه يقرأ من غير صلاة . وأما الأكثرون ، فلم يكرهوا الصلاة بعد الوتر ، ولكن اختلفوا في نقضه ، كما سبق . ومذهب مالك : إذا أوتر في المسجد ، ثم أراد أن يتنفل بعده تربص قليلا ، وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب . نقله في تهذيب المدونة . واستحب أحمد أن يكون بين وتره وبين صلاته بعد الوتر فصل . قال حرب : قلت لأحمد : الرجل يوتر ، ثم يصلي بعد ذلك ؟ قالَ : لا بأس به ، يصلي مثنى مثنى ، قالَ : وأحب أن يكون بينهما ضجعة أو نوم أو عمل أو شيء ، قلت : ضجعة من غير نوم ؟ فما أدري ما قالَ . وروى المروذي ، عن أحمد ، في الرجل يصلي شهر رمضان ، يقوم فيوتر بهم ، وهو يريد يصلي بقوم آخرين : يشتغل بينهما بشيء ، يأكل أو يشرب أو يجلس . قال أبو حفص البرمكي : وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة ، ويشتغل بينهما بشيء ؛ ليكون فصلا بين وتره وبين الصَّلاة الثانية ، وهذا إذا كانَ يصلي بهم في موضعه ، فأما إن كانَ في موضع آخر ، فذهابه فصل ، ولا يعيد الوتر ثانية ؛ لأنه لا وتران في ليلة . انتهى . والمنصوص عن أحمد خلاف ذلك : قال - في رواية صالح - في رجل أوتر مع الإمام ، ثم دخل بيته : يعجبني أن يكون بعد ضجعة أو حديث طويل . واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان ، وهو : أن يقوموا في جماعة في المسجد ، ثم يخرجون منه ، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل . وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا ، فنقل المروذي وغيره ، عنه : لا بأس به ، وقد روي عن أنس فيه . ونقل عنه ابن الحكم ، قالَ : أكرهه ، أنس يروى عنه أنه كرهه ، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه ، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل ، كما قال عمر . قال أبو بكر عبد العزيز : قول محمد بن الحكم قول له قديم ، والعمل على ما روى الجماعة ، أنه لا بأس به . انتهى . وقال الثوري : التعقيب محدث . ومن أصحابنا من جزم بكراهته ، إلا أن يكون بعد رقدة ، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل ، وشرطوا : أن يكون قد أوتروا جماعة في قيامهم الأول ، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه . ولم يشترط أحمد ذلك . وأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ . وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب ؛ لما فيهِ من المشقة عليهم ، وقال : من كانَ فيهِ قوة فليجعلها على نفسه ، ولا يجعلها على الناس . وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى ؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته ، وإن لم يتم بهم في أول الليل وأخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره . فأما صلاة ركعتين بعد الوتر ، فقد رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، ولم يخرج البخاري منها شيئًا . لكنه خرج من حديث عراك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي بعد العشاء ثمان ركعات ، وركعتين جالسًا ، وركعتين بين النداءين . ولم تذكر الوتر في هذه الرواية ، ولا بد منه . والظاهر : أن الركعتين اللتين صلاهما جالسا كانتا بعد وتره ، ويحتمل أن يكون قبله . فقد خرج مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، يصلي ثمان ركعات ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح . وخرج - أيضا - من رواية زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ركعات - وذكرت صفتها ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ، صنع في الركعتين مثل صنيعه الأول . وفي رواية لأبي داود في هذا الحديث : كان يصلي ثمان ركعات ، لا يسلم إلا في آخرهن ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة . فعلى هذه الرواية : تكون صلاته ركعتين جالسا قبل الوتر ، لا بعده . وخرج أبو داود - أيضا - من رواية بهز بن حكيم ، عن زرارة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ، يسلم في التاسعة تسليمة شديدة ، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب ، ويركع وهو قاعد ، ثم يقرأ في الثانية ، فيركع ويسجد وهو قاعد ، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم . وهذه الرواية تخالف رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه كان إذا أراد أن يركع قام . وخرج أبو داود من رواية علقمة بن وقاص ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ركعات ، ثم أوتر بسبع ركعات ، وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر ، فقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد . وخرجه مسلم ، ولفظه : عن علقمة ، قال : قلت لعائشة : كيف كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين وهو جالس ؟ قالت : يقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع . وقد روي عن عائشة من وجوه أخر . وخرج النسائي من حديث شعبة ، عن الحاكم : سمعت سعيد بن جبير يحدث ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى من الليل خمس ركعات ، ثم ركعتين ، ثم نام ، ثم صلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصَّلاة . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ميمون المرئي ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس . وخرجه الترمذي إلى قوله : ركعتين . وذكر العقيلي أن ميمونًا تفرد برفعه ، وغيره يرويه موقوفا على أم سلمة . وفيه - أيضا - عن أبي أمامة وأنس وثوبان وغيرهم . واختلف العلماء في الركعتين بعد الوتر ؟ فمنهم من استحبها وأمر بها ، منهم : كثير بن ضمرة وخالد بن معدان . وفعلها الحسن جالسًا . وتقدم عن أبي مجلز أنه كان يفعلها . ومن أصحابنا من قال : هي من السنن الرواتب . وفي حديث سعد بن هشام ما يدل على مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما . ومن هؤلاء من قال : الركعتان بعد الوتر سنة له ، كسنة المغرب بعدها ، ولم يخرج بذلك المغرب عن أن يكون وترًا لها . ومن العلماء من رخص فيهما ، ولم يكرههما ، هذا قول الأوزاعي وأحمد . وقال : أرجو إن فعله أن لا يضيق ، ولكن يكون ذلك وهو جالس ، كما جاء في الحديث ، قيل له : تفعله أنت ؟ قالَ : لا . وقال ابن المنذر : لا يكره ذَلِكَ . ومن هؤلاء من قال : إنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك أحيانا لبيان الجواز فقط . وحكي عن طائفة كراهة ذلك ، منهم قيس بن عبادة ومالك والشافعي . فأما مالك ، فلم يعرف هاتين الركعتين بعد الوتر ، ذكره عنه ابن المنذر . وأما الشافعي ، فحكي عنه أنه قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نجعل آخر صلاتنا بالليل وترًا ، فنحن نتبع أمره ، وأما فعله فقد يكون مختصا به . وأشار البيهقي إلى أن هاتين الركعتين تركهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فعلهما ، وانتهى أمره إلى أن جعل آخر صلاته بالليل وترًا . وهذا إشارة إلى نسخهما ، وفيه نظر . وإذا كان مذهب الشافعي أنه لا تكره الصلاة بعد الوتر بكل حال ، فكيف تكره هاتان الركعتان بخصوصهما ، مع ورود الأحاديث الكثيرة الصحيحة بها ؟ وقد ذكر بعض الناس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي ركعتين بعد وتره جالسًا ، لما كانَ يوتر من الليل ويجعل الركعتين جالسا كركعة قائمًا ، فيكون كالشفع لوتره ، حتَّى إذا قام ليصلي من آخر الليل لم يحتج إلى نقضه بعد ذَلِكَ . وربما استأنسوا لذلك بحديث ثوبان : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن استيقظ ، وإلا كانتا له . خرجه ابن حبان في صحيحه . وهذا القول مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أن حديث عائشة يدل - لمن تأمله - على أن هذا كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله في وتره من آخر الليل ، لا من أوله ، وكذلك حديث ابن عباس . وثانيهما : أن صلاته جالسًا لم تكن كصلاة غيره من أمته على نصف صلاة القائم . يدل عليه : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فوجدته يصلي جالسًا ، فقلت : حُدّثتُ يا رسول الله أنك قلت : صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة ، وأنت تصلي قاعدًا ؟ قالَ : أجل ؛ ولكني لست كأحد منكم . وأما حديث ثوبان ، فتأوله بعضهم على أن المراد : إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين . وكأنه يريد أنه لا يقتصر في وتره في السفر على ركعة واحدة ، بل يركع قبلها ركعتين ، فيحصل له بهما نصيب من صلاة الليل ، فإن لم يستيقظ من آخر الليل كان قد أخذ بحظ من الصلاة ، وإن استيقظ صلى ما كتب له ، وهذا متوجه . والله سبحانه وتعالى أعلم . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي في السفر صلاته من الليل قبل أن ينام . ففي المسند من حديث شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فصلى العتمة ، وجابر إلى جنبه ، ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة . وشرحبيل مختلف فيه .
17 - باب كيف حول النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى الناس ؟ 1025 - حدثنا آدم ، نا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه قالَ : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خرج يستسقي ، فحول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ، ثُمَّ حول رداءه ، ثُمَّ صلى بنا ركعتين ، جهر فيهما بالقراءة . ظاهر الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا مستقبل القبلة ، وأنه حول رداءه بعد ذلك ، وقد سبق الكلام في وقت تحويل الرداء . وظاهر الحديث : يستدل به أنه ليس في الاستسقاء خطبة ، بل دعاء مجرد . وقد خرج البخاري - فيما تقدم - من حديث شعيب ، عن الزهري ، أنه صلى الله عليه وسلم دعا قائما ، ثم توجه إلى القبلة . وهذا صريح في أنه ابتدأ الدعاء مستقبل الناس ، ثم أتمه مستقبل القبلة . وأما من يقول : إنه يخطب ، فإنه يقول : إذا أنهى خطبته ودعا استقبل القبلة ، وحول ظهره إلى الناس فدعا . وأكثرهم قالوا : يستقبل القبلة في أثناء خطبته . وقال الشافعية : يكون ذلك في أثناء الخطبة الثانية ؛ لأن عندهم يسن لها خطبتان ، كما تقدم . وإنما استقبل القبلة في الاستسقاء للدعاء دون خطبة الجمعة ؛ لأن خطبة الجمعة خطاب للحاضرين وموعظة لهم فيستقبلهم بها ، والدعاء تابع لذلك ، ولو كانَ للاستسقاء . وأما الاستسقاء المجرد ، فإنه إنما يقصد منه الدعاء ، والدعاء المشروع إسراره دون إعلانه ، وإخفاؤه دون إظهاره ، فلذلك شرع إسراره في الاستسقاء وتولية الظهر إلى الناس ، واستقبال القبلة ؛ لأن الدعاء إلى القبلة أفضل . وقد كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقبل القبلة إذا استنصر على المشركين في يوم بدر وغيره . وأيضا ؛ فإن استدبار الناس في الدعاء واستقبال القبلة أجمع لقلب الداعي ؛ حيث لا يرى أحدًا من الناس ، وأدعى إلى حضوره وخشوعه في دعائه ، وذلك أقرب إلى إجابته .
15 كتاب الاستسقاء 16 - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء 1024 - ثنا أبو نعيم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي ، فتوجه إلى القبلة يدعو ، وحول رداءه ، ثم صلى ركعتين ، جهر فيهما بالقراءة . الصواب . فتبين بهذا : أن النعمان أخطأ في إسناده ، فلا يبعد خطؤه في متنه أيضا . وعن أحمد رواية ثالثة : أنه يخير بين أن يخطب قبل الصلاة وبعدها ، اختارها جماعة من أصحابنا ؛ لورود النصوص بكلا الأمرين . قالَ بعض أصحابنا : والأولى للإمام أن يختار الأرفق بالناس ، في كل وقت بحسبه . وعن أحمد رواية أخرى : أنه لا يخطب ، ولكن يدعو ؛ لقول ابن عباس : لم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في التضرع والتكبير ، وصلى ركعتين . خرجه الترمذي وغيره . وظاهر حديث عبد الله بن يزيد يدل على أنه لم يزد على الدعاء أيضا ، وعلى ذلك حمله الإمام أحمد في رواية المروذي . وحديث عائشة الذي ذكرناه في أبواب الاستسقاء : يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفتح خطبته بالحمد والتكبير ، ثم شرع في الدعاء ، واستفتحه بتلاوة أول سورة الفاتحة ، ثم بكلمات من الثناء على الله عز وجل ، إلى أن نزل ، وأنه كان في أول خطبته قاعدًا على المنبر ، وقد ثبت أنه دعا قائما في حديث عبد الله بن يزيد ، فهذا القدر هو المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أزيد منه في دعاء الاستسقاء . وروى حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عباس ، قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فقالَ : يا رسول الله ، لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ، ولا يخطر لهم فحل ، فصعد المنبر ، فحمد الله ، ثم قال : اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا طبقًا مريعًا غدقًا عاجلًا ، غير راث ثم نزل ، فما يأتيه أحد من وجه إلا قال : قد أحييتنا . خرجه ابن ماجه . وروي عن حبيب مرسلا ، وهو أشبه . وخرج الطبراني من حديث أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثم استقبل القوم بوجهه ، وقلب رداءه ، ثم جثا على ركبتيه ، ورفع يديه ، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ، ثم دعا . وإسناده ضعيف . وقد تقدم عن عمر وعبد الله بن يزيد الأنصاري ، أنهما لم يزيدا على الاستغفار . واختلف القائلون بأنه يخطب - وهم الجمهور - : هل يخطب خطبة واحدة ، أو خطبتين ؟ على قولين : أحدهما : يخطب خطبة واحدة ، وهو قول ابن مهدي وأحمد وأبي يوسف ومحمد . والثاني : أنه يخطب خطبتين ، بينهما جلسة كالعيد ، وهو قول الليث ومالك والشافعي ، وروي عن الفقهاء السبعة ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا . وقالت طائفة : يخير بين الأمرين ، وهو قول ابن جرير الطبري ، وحكي مثله عن أبي يوسف ومحمد أيضا . واختلفوا : بماذا تستفتح الخطبة ؟ فقالت طائفة : بالحمد لله ، وحكي عن مالك وأبي يوسف ومحمد ، وهو قول طائفة من أصحابنا ، وهو الأظهر . وقد سبق في الجمعة توجيه ذلك . ومذهب مالك : ليس في خطبة الاستسقاء تكبير ، ذكره في تهذيب المدونة . وقالت طائفة : يفتتحها بالتكبير كخطبة العيدين ، وهو قول أكثر أصحابنا ، وطائفة من الشافعية ، ونقل أنه نص الشافعي . وقد تقدم من حديث عائشة ما يشهد له . وقالت طائفة : يستفتحها بالاستغفار ، وهو قول أبي بكر بن جعفر من أصحابنا ، وأكثر أصحاب الشافعي . قال أبو بكر - من أصحابنا - : يستفتحها بالاستغفار ، ويختمها به ، ويكثر من الاستغفار بين ذلك . وهو منصوص الشافعي ، ونص على أنه يختمها بقوله : أستغفر الله لي ولكم . وأما الثاني - وهو الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء - : فحديث ابن أبي ذئب عن الزهري الذي خرجه البخاري صريح بذلك . قال الإمام أحمد - في رواية محمد بن الحكم - : كنت أنكره ، حتى رأيت في رواية معمر عن الزهري كما قال ابن أبي ذئب . يعني : أنه جهر بالقراءة . وحديث معمر ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من رواية عبد الرزاق ، عنه . ولا اختلاف بين العلماء الذين يرون صلاة الاستسقاء ، أنه يجهر فيها بالقراءة ، وقد تقدم عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه فعله بمشهد من الصحابة . وأكثر العلماء على أنه يقرأ فيهما بما يقرأ في العيدين ، وهو قول الثوري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم . قال الشافعي : وإن قرأ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا كان حسنًا . وقد قال ابن عباس : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ركعتين ، كما كان يصلي في العيد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . وصححه الترمذي . وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفعل كذلك . وخرج الطبراني من حديث أنس - مرفوعا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيهما بـ سبح و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وإسناده لا يصح ؛ فيهِ مجاشع بن عمرو ، متروك الحديث . وروى عبد الرزاق بإسناده ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في ركعتي الاستسقاء بالشمس وضحاها وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى واختار هذا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا .
29 - باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خمس لا يعلمهن إلا الله . حديث أبي هريرة هذا ، قد خرجه في كتاب : الإيمان في حديث سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان ، وأنه تلا عند ذلك هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ الآية ، وقد تقدم ذكره والكلام عليه .
1039 - حدثنا محمد بن يوسف ، نا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مفتاح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ما تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر . قد سبق في الباب المشار إليه : الإشارة إلى اختصاص الله بعلم هذه الخمس ، التي هي مفاتح الغيب ، التي قال فيها : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وهذه الخمس المذكورة في حديث ابن عمر ، ليس فيها علم الساعة ، بل فيها ذكر متى يجيء المطر ، بدل الساعة . وهذا مما يدل على أن علم الله الذي استأثر به دون خلقه لم ينحصر في خمس ، بل هو أكثر من ذلك ، مثل علمه بعدد خلقه ، كما قال : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ ومثل استئثاره بعلمه بذاته وصفاته وأسمائه ، كما قال : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وفي حديث ابن مسعود - في ذكر أسمائه - : أو استأثرت به في علم الغيب عندك . وإنما ذكرت هذه الخمس لحاجة الناس إلى معرفة اختصاص الله بعلمها ، والعلم بمجموعها مما اختص الله بعلمه ، وكذلك العلم القاطع بكل فرد فرد من أفرادها . وأما الاطلاع على شيء يسير من أفرادها بطريق غير قاطع ، بل يحتمل الخطأ والإصابة فهو غير منفي ؛ لأنه لا يدخل في العلم الذي اختص الله به ، ونفاه عن غيره . وتقدم - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي علم كل شيء ، إلا هذه الخمس . فأما إطلاع الله سبحانه له على شيء من أفرادها ، فإنه غير منفي - أيضا - وهو داخل في قوله تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الآية . ولكن علم الساعة مما اختص الله به ، ولم يطلع عليه غيره ، كما تقدم في حديث سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك جملة العلم بما في غد . وقد قالت جارية بحضرته - صلى الله عليه وسلم - : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فنهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول ذلك . وقد خرجه البخاري في النكاح . وأما العلم بما في الأرحام ، فينفرد الله تعالى بعلمه ، قبل أن يأمر ملك الأرحام بتخليقه وكتابته ، ثم بعد ذلك قد يطلع الله عليه من يشاء من خلقه ، كما أطلع عليه ملك الأرحام . فإن كان من الرسل فإنه يطلع عليه علما يقينا ، وإن كان من غيرهم من الصديقين والصالحين ، فقد يطلعه الله تعالى عليه ظاهرا . كما روى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال لها - في كلام ذكره - : إنما هو أخواك وأختاك ، قالت : فقلت هذا أخواي ، فمن أختاي ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة ، فإني أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت له عند ذلك : إنما هي أسماء ؟ فقال : وذات بطن بنت خارجة ، أظنها جارية . ورواه هشام ، عن أبيه : قد ألقي في روعي ، أنها جارية ، فاستوصي بها خيرا ، فولدت أم كلثوم . وأما علم النفس بما تكسبه غدا ، وبأي أرض تموت ، ومتى يجيء المطر ، فهذا على عمومه لا يعلمه إلا الله . وأما الاطلاع على بعض أفراده ، فإن كان بإطلاع من الله لبعض رسله ، كان مخصوصا من هذا العموم ، كما أطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كثير من الغيوب المستقبلة ، وكان يخبر بها . فبعضها يتعلق بكسبه ، مثل إخباره أنه يقتل أمية بن خلف ، وأخبر سعد بن معاذ بذلك أمية بمكة ، وقال أمية : والله ، ما يكذب محمد . وأكثره لا يتعلق بكسبه ، مثل إخباره عن الصور المستقبلة في أمته وغيرهم ، وهو كثير جدا . وقد أخبر بتبوك ، أنه تهب الليلة ريح شديدة ، فلا يقومن أحد ، وكان كذلك . والاطلاع على هبوب بعض الرياح نظير الاطلاع على نزول بعض الأمطار في وقت معين . وكذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة في مرضه ، أنه مقبوض من مرضه . وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة . خرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، والنسائي من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهو دليل على أنه علم موضع موته ودفنه . وقد روي عنه ، أنه قال : لم يقبض نبي إلا دفن حيث يقبض . خرجه ابن ماجه وغيره . وأما إطلاع غير الأنبياء على بعض أفراد ذلك فهو - كما تقدم - لا يحتاج إلى استثنائه ؛ لأنه لا يكون علما يقينا ، بل ظنا غالبا ، وبعضه وهم ، وبعضه حدس وتخمين ، وكل هذا ليس بعلم ، فلا يحتاج إلى استثنائه مما انفرد الله سبحانه وتعالى بعلمه ، كما تقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
19 - باب الاستسقاء في المُصلى 1027 - حدثنا عبد الله بن محمد ، أنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي بكر ، سمع عباد بن تميم ، عن عمه ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى يستسقي ، واستقبل القبلة ، فصلى ركعتين ، وقلب رداءه . قال سفيان : وأخبرني المسعودي ، عن أبي بكر ، قال : جعل اليمين على الشمال . الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء ، حتى وافق الشافعي عليه ، مع قوله : إن الأفضل في العيد أن يصلى في الجامع إذا وسعهم . وذلك لأن الاستسقاء يجتمع له الخلق الكثير ، فهو مظنة ضيق المسجد عنهم ، ويحضره النساء والرجال وأهل الذمة والبهائم والأطفال ، فلا يسعهم غير الصحراء .
قال البخاري - رحمه الله - : 1038 - نا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن زيد بن خالد الجهني ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على الناس ، فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب . قوله : على إثر سماء ، أي : مطر كان من الليل . والعرب تسمي المطر سماء ؛ لنزوله من السماء ، كما قال بعضهم : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا وقوله صلى الله عليه وسلم : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ وفي بعض الروايات : الليلة ، وهي تدل على أن الله تعالى يتكلم بمشيئته واختياره . كما قال الإمام أحمد : لم يزل الله متكلما إذا شاء . وقوله : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فمن قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، ومن قال : بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب . يعني : أن من أضاف نعمة الغيث وإنزاله إلى الأرض إلى الله عز وجل وفضله ورحمته ، فهو مؤمن بالله حقا ، ومن أضافه إلى الأنواء كما كانت الجاهلية تعتاده ، فهو كافر بالله ، مؤمن بالكوكب . قال ابن عبد البر : النوء في كلام العرب : واحد أنواء النجوم ، وبعضهم يجعله الطالع ، وأكثرهم يجعله الساقط ، وقد تسمى منازل القمر كلها أنواء ، وهي ثمانية وعشرون . وقال الخطابي : النوء واحد الأنواء ، وهي الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر ، كانوا يزعمون أن القمر إذا نزل ببعض تلك الكواكب مطروا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - سقوط المطر من فعل الله دون غيره ، وأبطل قولهم . انتهى . وقال غيره : هذه الثمانية وعشرون منزلا تطلع كل ثلاثة عشر يوما منزل صلاة الغداة بالمشرق ، فإذا طلع رقيبه من المغرب ؛ فسميت أنواء لهذا المعنى . وهو من الأضداد ، يقال : ناء إذا طلع ، وناء إذا غرب ، وناء فلان إذا قرب ، وناء إذا بعد . وقد أجرى الله العادة بمجيء المطر عند طلوع كل منزل منها ، كما أجرى العادة بمجيء الحر في الصيف ، والبرد في الشتاء . فإضافة نزول الغيث إلى الأنواء ، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك ، المدبرة له دون الله عز وجل ، فقد كفر بالله ، وأشرك به كفرا ينقله عن ملة الإسلام ، ويصير بذلك مرتدا ، حكمه حكم المرتدين عن الإسلام ، إن كان قبل ذلك مسلما . وإن لم يعتقد ذلك ، فظاهر الحديث يدل على أنه كفر نعمة الله . وقد سبق عن ابن عباس ، أنه جعله كفرا بنعمة الله عز وجل . وقد ذكرنا في كتاب : الإيمان أن الكفر كفران : كفر ينقل عن الملة ، وكفر دون ذلك ، لا ينقل عن الملة ، وقد بوب البخاري عليه هنالك . فإضافة النعم إلى غير المنعم بها بالقول كفر للمنعم في نعمه ، وإن كان الاعتقاد يخالف ذلك . والأحاديث والآثار متظاهرة بذلك . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ألم تروا إلى ما قال ربكم ؟ قال : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين ، يقولون : الكوكب وبالكوكب . وروي من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله عز وجل ليبيت القوم بالنعمة ، ثم يصبحون وأكثرهم بها كافر ، يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا . وروى أبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أمسك الله القطر عن الناس سبع سنين ، ثم أرسله ، كفرت طائفة منهم ، فقالوا : هذا من نوء المجدح . وروى أبو الدرداء ، قال : مطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجل يقول : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قلما أنعم الله على قوم نعمة ، إلا أصبح كثير منهم بها كافرين . وفي صحيح مسلم ، عن أبي مالك الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية ، لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة . وخرج البخاري في صحيحه ، من رواية ابن عيينة ، عن عبيد الله : سمع ابن عباس يقول : خلال من خلال الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والنياحة ، ونسي الثالثة ، قال سفيان : ويقولون : إنها الاستسقاء بالأنواء . وروي عن ابن عباس - مرفوعا - من وجه آخر ضعيف . وخرج ابن حبان في صحيحه معناه من حديث أبي هريرة مرفوعا . وروى ابن عيينة ، عن إسماعيل بن أمية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عثانين الأسد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كذبت ، بل هو سقي الله عز وجل ، ورزقه . وذكر مالك ، أنه بلغه عن أبي هريرة ، أنه كان يقول : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو هذه الآية : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وذكر الشافعي ، أنه بلغه ، أن عمر سمع شيخا يقول - وقد مطر الناس - : أجاد ما أقرى المجدح الليلة ، فأنكر ذلك عمر عليه . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن سلم العلوي ، قال : كنا عند أنس ، فقال رجل : إنها لمخيلة للمطر ، فقال أنس : إنها لربها لمطيعة . يشير أنس إلى أنه لا يضاف المطر إلى السحاب ، بل إلى أمر الله ومشيئته . وذكر ابن عبد البر ، عن الحسن ، أنه سمع رجلا يقول : طلع سهيل ، وبرد الليل ، فكره ذلك ، وقال : إن سهيلا لم يأت قط بحر ولا برد . قال : وكره مالك أن يقول الرجل للغيم والسحابة : ما أخلقها للمطر . قال : وهذا يدل على أن القوم احتاطوا ، فمنعوا الناس من الكلام بما فيه أدنى متعلق من كلام الجاهلية في قولهم : مطرنا بنوء كذا وكذا . انتهى . واختلف الناس في قول القائل : مطرنا بنوء كذا وكذا من غير اعتقاد أهل الجاهلية : هل هو مكروه ، أو محرم ؟ فقالت طائفة : هو محرم ، وهو قول أكثر أصحابنا ، والنصوص تدل عليه ، كما تقدم . وقال طائفة : هو مكروه ، وهو قول الشافعي وأصحابه ، وبعض أصحابنا . فأما إن قال : مطرنا في نوء كذا وكذا ، ففيه لأصحابنا وجهان : أحدهما : أنه يجوز ، كقوله : في وقت كذا وكذا ، وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره . وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال للعباس - رضي الله عنه - وهو يستسقي : يا عباس ، كم بقي من نوء الثريا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعا ، فما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس . رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن ابن المسيب ، قال : حدثني من لا أتهم ، عن عمر ، فذكره . والوجه الثاني : أنه يكره ، إلا أن يقول مع ذلك : برحمة الله عز وجل ، وهو قول أبي الحسن الآمدي من أصحابنا . واستدل للأول بما ذكر مالك في الموطأ ، أنه بلغه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : إذا نشأت بحريتها فشاءمت ، فتلك عين غديقة . وهذا من البلاغات لمالك التي قيل : إنه لا يعرف إسنادها . وقد ذكره الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، قال : إذا نشأت بحرية ، ثم استحالت شامية ، فهو أمطر لها . قال ابن عبد البر : ابن أبي يحيى مطعون عليه متروك . وإسحاق ، هو ابن أبي فروة ضعيف - أيضا - متروك . وهذا لا يحتج به أحد من أهل العلم . قلت : وقد خرجه ابن أبي الدنيا من طريق الواقدي ، نا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة ، سمعت عوف بن الحارث ، سمعت عائشة تقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا أنشأت السحابة بحرية ، ثم تشاءمت ، فتلك عين أو قال : عام غديقة . يعني : مطرا كثيرا . والواقدي : متروك أيضا . والمعنى : أن السحابة إذا طلعت بالمدينة من جهة البحر ، ثم أخذت إلى ناحية الشام ، جاءت بمطر كثير ، وهو الغدق . قال تعالى : لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا وقيده ابن عبد البر : غديقة بضم الغين بالتصغير . ومن هذا المعنى : قول الله عز وجل فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا وفسره علي بن أبي طالب وابن عباس ومن بعدهما بالسحاب . قال مجاهد : تحمل المطر .
28 - باب قول الله عز وجل : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال ابن عباس : شكركم . قال آدم بن أبي إياس في تفسيره : نا هشيم ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي : شكركم ، أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : هو قولهم : مطرنا بنوء كذا وكذا . قال ابن عباس : وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم به كافرا ، يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا . ثم خرج في سبب نزولها من رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . وقد خرجه مسلم في صحيحه من رواية عكرمة بن عمار ، حدثني أبو زميل ، حدثني ابن عباس ، قال : مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أصبح من الناس شاكر ، ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة وضعها الله ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، فنزلت هذه الآية فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حتى بلغ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وروى عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : شكركم ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، ونجم كذا وكذا . خرجه الإمام أحمد ، والترمذي وقال : حسن غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث إسرائيل ، عن عبد الأعلى . ورواه سفيان عن عبد الأعلى - نحوه - ولم يرفعه . ثم خرجه من طريق سفيان موقوفا على علي . وكان سفيان ينكر على من رفعه . وعبد الأعلى هذا ضعفه الأكثرون . ووثقه ابن معين . وخرج القاضي إسماعيل في كتابه أحكام القرآن كلام ابن عباس بالإسناد المتقدم ، عن سعيد بن جبير ، أن ابن عباس كان يقرؤها : وتجعلون شكركم تقولون : على ما أنزلت من الغيث والرحمة ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، قال : فكان ذلك كفرا منهم لما أنعم الله عليهم .
20 - باب استقبال القبلة في الاستسقاء 1028 - حدثنا محمد - وهو ابن سلام نا عبد الوهاب ، نا يحيى بن سعيد ، أخبرني أبو بكر بن محمد ، أن عباد بن تميم أخبره ، أن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يصلي ، وأنه لما دعا - أو أراد أن يدعو - استقبل القبلة ، وحول رداءه . وقد سبق هذا المعنى في كثير من الروايات ، وأنه حول ظهره في الدعاء إلى الناس واستقبل القبلة ، ودعا ، وسبق الكلام على معنى ذلك . وخرج البخاري في الدعاء من كتابه هذا ، من حديث عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المصلى يستسقي ، فدعا واستسقى ، ثم استقبل القبلة ، وقلب رداءه . وفي حديث عائشة : ثم أقبل على الناس ونزل . وفيه دليل على أنه يُقبل على الناس بعد ذلك وقبل نزوله .
27 - باب ما قيل في الزلازل والآيات فيه حديثان : الأول : 1036 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، أنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض . هذا قطعة من حديث طويل ، قد خرجه بتمامه في كتاب الفتن . وقبض العلم ، قد سبق الكلام عليه بما فيه كفاية . وتقارب الزمان ، فسر بقصر الأعمار ، وفسر بقصر الأيام في زمن الدجال . وقد روي في ذلك أحاديث متعددة ، الله أعلم بصحتها . وأما كثرة الزلازل ، فهو مقصود البخاري في هذا الباب من الحديث . والظاهر : أنه حمله على الزلازل المحسوسة ، وهي ارتجاف الأرض وتحركها . ويمكن حمله على الزلازل المعنوية ، وهي كثرة الفتن المزعجة الموجبة لارتجاف القلوب . والأول أظهر ؛ لأن هذا يغني عنه ذكر ظهور الفتن . وكأن البخاري ذكر هذا الباب استطرادا لذكر الرياح واشتدادها ، فذكر بعده الآيات والزلازل . وقيل : إنه أشار إلى أن الزلازل لا يصلى لها ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ظهورها وكثرتها ، ولم يأمر بالصلاة لها ، كما أمر به في كسوف الشمس والقمر ، وكما أنه لم يكن يصلي للرياح إذا اشتدت ، فكذلك الزلازل ونحوها من الآيات . وقد اختلف العلماء في الصلاة للآيات : فقالت طائفة : لا يصلى لشيء منها سوى كسوف الشمس والقمر ، وهو قول مالك والشافعي . وقد زلزلت المدينة في عهد عمر بن الخطاب ، ولم ينقل أنه صلى لها ، هو ولا أحد من الصحابة . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن صفية بنت أبي عبيد ، قالت : زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر ، وابن عمر يصلي ، فلم يدر بها ، ولم يوافق أحدا يصلي فدرى بها ، فخطب عمر الناس ، فقال : أحدثتم ، لقد عجلتم ، قالت : ولا أعلمه إلا قال : لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم . خرجه البيهقي . وخرجه حرب الكرماني ، من رواية أيوب ، عن نافع ، مختصرا . وروي أيضا من رواية ليث ، عن شهر ، قال : زلزلت المدينة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يستعتبكم فاعتبوه . وهذا مرسل ضعيف . وقالت طائفة : يصلى لجميع الآيات في البيوت فرادى ، وهو قول سفيان وأبي حنيفة وأصحابه . وكذلك إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد ، قال : صلاة الآيات وصلاة الكسوف واحد . كذا نقله أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي من طريق الجوزجاني ، عن الشالنجي ، عن أحمد . ونقله - أيضا - من طريق الفضل بن زياد وحبيش بن مبشر ، عن أحمد أيضا . والذي نقله الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد عن صلاة كسوف الشمس والقمر والزلازل ؟ قال : تصلى جماعة ، ثمان ركعات وأربع سجدات ، وكذلك الزلزلة . قال : وبذلك قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة . وقال : ابن أبي شيبة يرى فيها الخطبة وجماعة . وقد نقل أبو بكر في الشافي هذا - أيضا - من طريق الجوزجاني . وخرج الجوزجاني من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل ، قال : صلى بنا ابن عباس في زلزلة كانت ، فصلى بنا ست ركعات في ركعتين ، فلما انصرف التفت إلينا وقال : هذه صلاة الآيات . فالمنصوص عن أحمد إنما يدل على الصلاة للزلزلة خاصة ، وهو الذي عليه عامة أصحابنا ، وخصوه بالزلزلة الدائمة التي يتمكن من الصلاة لها مع وجودها . وروي عن ابن عباس ، أنه صلى للزلزلة بعد سكونها وانقضائها . وحكى بعض أصحاب الشافعي قولا له : أنه يصلى للزلزلة . ومنهم من حكاه في جميع الآيات . وحكى ابن عبد البر ، عن أحمد وإسحاق وأبي ثور : الصلاة للزلزلة والطامة والريح الشديدة . وهذا يدل على استحبابها لكل آية ، كالظلمة في النهار ، والضياء المشبه للنهار بالليل ، سواء كان في السماء أو انتثار الكواكب ، وغير ذلك . وهو اختيار ابن أبي موسى من أصحابنا ، وظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز في الشافي أيضا . وممن روي عنه ، أنه يصلي في الآيات : ابن عباس . وفي المسند و سنن أبي داود ، عنه ، أنه سجد لموت بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم وقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا رأيتم آية فاسجدوا . وروي عن عائشة ، قالت : صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات . وروي عنها ، مرفوعا . خرجه الجوزجاني من طريق حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في صلاة الآيات ، فيركع ثلاث ركعات ، ويسجد سجدتين ، ثم يقوم فيركع ثلاث ركعات ، ثم يسجد سجدتين . واستدل به على الصلاة للزلزلة . ولكن رواه وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، فوقفه على عائشة ، وهو الصواب . وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ، من رواية مكحول ، عن أبي صخر زياد بن صخر ، عن أبي الدرداء ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد ، حتى تسكن الريح ، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي . وهو منقطع ، وفي إسناده : نعيم بن حماد ، وله مناكير . وخرج أبو داود من رواية عبيد الله بن النضر ، قال : أخبرني أبي ، قال : كانت ظلمة على عهد أنس بن مالك ، قال : أتيت أنس بن مالك ، فقلت : يا أبا حمزة ، هل كان يصيبكم هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : معاذ الله ، إن كانت الريح تشتد فنبادر المسجد مخافة القيامة . وبوب عليه : باب : الصلاة عند الظلمة . وهو دليل على الصلاة عند اشتداد الريح أيضا . وأبو داود من أجل أصحاب الإمام أحمد . ثم بوب على السجود عند الآيات ، وذكر فيه حديث ابن عباس المتقدم . وظاهره يدل على أن الآيات يسجد عندها سجودا مفردا ، كسجود الشكر من غير صلاة . وذكر الشافعي أنه بلغه عن عباد ، عن عاصم الأحول ، عن قزعة ، عن علي ، أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات : خمس ركعات وسجدتين في ركعة ، وركعة وسجدتين في ركعة . قال الشافعي : ولو ثبت هذا الحديث عندنا لقلنا به . قال البيهقي : هو ثابت عن ابن عباس . ثم ذكر بنحو ما تقدم . وله طرق صحيحة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس . وروى حرب : نا إسحاق ، نا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه البيهقي من رواية حبيب بن حسان ، عن الشعبي ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : إذا سمعتم هادا من السماء ، فافزعوا إلى الصلاة . وخرجه ابن عدي من رواية حبيب بن حسان ، عن إبراهيم والشعبي ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء ، فافزعوا إلى الصلاة . وقال : حبيب بن حسان قد اتهم في دينه ، ولا بأس برواياته . قلت : الصحيح رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة من قوله . والله سبحانه وتعالى أعلم . وروى حرب بإسناده ، عن أبي الجبر ، قال : أظلمت يوما نهارا ، حتى رأينا الكواكب ، فقام تميم بن حذلم ، فصلى ، فأتاه هني بن نويرة ، فسأله ما صنع ؟ فأمره أن يرجع إلى بيته فيصلي . واعلم أن الشغل بالصلاة في البيوت فرادى عند الآيات أكثر الناس على استحبابه ، وقد نص عليه الشافعي وأصحابه . كما يشرع الدعاء والتضرع عند ذلك ؛ لئلا يكون عند ذلك غافلا . وإنما محل الاختلاف : هل تصلى جماعة ، أم لا ؟ وهل تصلى ركعة بركوعين كصلاة الكسوف ، أم لا ؟ وظاهر كلام مالك وأكثر أصحابنا : أنه لا تسن الصلاة للآيات جماعة ولا فرادى . وفي تهذيب المدونة : أنكر مالك السجود للزلزلة . ولا وجه لكراهة ذلك ، إلا إذا نوى به الصلاة لأجل تلك الآية الحادثة دون ما إذا نوى به التطوع المطلق . وقد روي عن طائفة من علماء أهل الشام ، أنهم كانوا يأمرون عند الزلزلة بالتوبة والاستغفار ، ويجتمعون لذلك ، وربما وعظهم بعض علمائهم وأمرهم ونهاهم ، واستحسن ذلك الإمام . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب إلى أهل الأمصار : إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد ، وقد كنت كتبت إلى أهل بلد كذا وكذا أن يخرجوا يوم كذا وكذا ، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل ؛ فإن الله يقول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وقولوا كما قال أبوكم آدم : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال نوح : وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقولوا كما قال موسى : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي وقولوا كما قال ذو النون : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقال أبو بكر الخلال في كتاب العلل : نا أبو بكر المروذي ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يقول : سألني إنسان عن الرجفة ، فكتبت له هذا الحديث - وقال : ما أحسنه - : أنا أبو المغيرة ، قال : أصاب الناس رجفة بحمص ، سنة أربع وتسعين ، ففزع الناس إلى المسجد ، فلما صلى أيفع بن عبد الكلاعي صلاة الغداة ، قام في الناس ، فأمرهم بتقوى الله ، وحذرهم وأنذرهم ، ونزع القوارع من القرآن ، وذكر الذين أهلكوا بالرجفة قبلنا ، ثم قال : والله ، ما أصابت قوما قط قبلكم إلا أصبحوا في دارهم جاثمين ، فاحمدوا الله الذي عافاكم ودفع عنكم ، ولم يهلككم بما أهلك به الظالمين قبلكم ، وكان أكثر دعائه : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، واستغفروا الله ، ويقول : يا أيها الناس ، عليكم بهؤلاء الكلمات ؛ فإنهن القرآن ، وهي الباقيات الصالحات . ثم إن أيفع قال لأبي ضمرة القاضي : قم في الناس ، فقام فصنع كما صنع ، أيفع ، فلما قضى موعظته انصرف ، ثم صنع ذلك دبر الصلوات ثلاثة أيام ، فاستحسن ذلك المسلمون . ومما يتعلق بالزلزلة : هل يجوز الخروج منها والهرب إلى الصحراء ؟ قال الأوزاعي : لا بأس به ؛ كل يعلم أنه ليس يسبق قدر الله من فر ومن جلس ، قال : والجلوس أحب إلي . خرجه حرب من رواية الوليد بن مسلم ، عنه . قال حرب : وسألت إسحاق بن راهويه ، عن الرجل يكون في بيته ، فتصيبه الزلزلة : هل يقوم فيخرج من البيت ؟ قال : إن فعل فهو أحسن . وقد صنف في هذه المسألة أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الدمشقي مصنفا ، ولم يذكر في ذلك أثرا عمن تقدم من العلماء ، لكنه حكى عن بعض من في زمانه ، أنه استحب الفرار منها . واستدل بحديث مرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بحائط مائل ، فأسرع ، وقال : أكره موت الفوات . وهذا حديث مرسل ، خرجه أبو داود في مراسيله . وقد روي مسندا ، ولا يصح . ورد أبو القاسم على هذا القائل قوله ، وألحق الفرار منها بالفرار من الطاعون . وفي ذلك نظر ؛ لأن الفرار من الطاعون لا يتيقن به النجاة ، بل الغالب فيه عدم النجاة ، وأما الخروج من المساكن التي يخشى وقوعها بالرجفة فيغلب على الظن منه السلامة ، فهو كالهرب من النار والسيل ونحوهما . والحديث المرسل الذي ذكرناه يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم . وإنما جاء النهي عن الخروج من الرجفة إلى الدجال ، إذا حاصر المدينة ، فترجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة .
الحديث الثاني : 1037 - نا محمد بن المثنى ، نا حسين بن الحسن ، نا ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ، قالوا : وفي نجدنا ، قال : اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ، وقالوا : وفي نجدنا ، قال : هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان . هكذا خرجه البخاري هاهنا موقوفا . وحسين بن الحسن بصري ، من آل مالك بن يسار ، أثنى عليه الإمام أحمد ، وقال : كان يحفظ عن ابن عون . وخرجه البخاري في الفتن من رواية أزهر السمان مرفوعا . وكذا رواه عبد الرحمن بن عطاء ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا أيضا . خرج حديثه الإمام أحمد . وكذا رواه أبو فروة الرهاوي يزيد بن سنان - على ضعفه نا أبو رزين ، عن أبي عبيد - صاحب سليمان عن نافع ، عن ابن عمر ، مرفوعا . وقد روي - أيضا - عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ذكره الترمذي في آخر كتابه تعليقا . ورواه - أيضا - بشر بن حرب ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد أيضا . والاستدلال بهذا الحديث على أن لا صلاة للزلزلة بعيد ، والاستدلال بالحديث الذي قبله - أيضا - ؛ لأن هذا إنما سيق لذم نجد وما يحدث فيه ، كما أن الذي قبله سيق لذم آخر الزمان ، وما يحدث فيه ، دون أحكام ما ذكر من قبض العلم وتقارب الزمان وكثرة الهرج . وأحكام هذه الحوادث مذكورة في مواضع أخر . فلا يدل السكوت عنه هاهنا على شيء من أحكامها بنفي ولا إثبات ، فكذلك يقال في أحكام الزلازل . والله أعلم .
21 - باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء 1029 - وقال أيوب بن سليمان : حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سلمان بن بلال ، قال يحيى بن سعيد : سمعت أنس بن مالك ، قال : أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الماشية ، هلك العيال ، هلك الناس ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه يدعو ، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعون ، قال : فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى ، فأتى الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشق المسافر ، ومنع الطريق . 1030 - وقال الأويسي : حدثني محمد بن جعفر ، عن يحيى بن سعيد وشريك ، سمعا أنسًا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه . هكذا ذكره البخاري تعليقًا . وخرجه البيهقي من رواية أبي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الترمذي ، نا أيوب بن سليمان بن بلال ، فذكره ، إلا أنه قال في آخره : لثق المسافر ، ومنع الطريق . كذا قرأته بخط البيهقي ، وقد ضبب على لفظة لثق بخطه ، ووجدتها - أيضا - لثق من رواية أبي إسماعيل الترمذي في غير كتاب البيهقي . وأما الرواية التي في صحيح البخاري هي بشق بالباء . قال في المطالع : كذا قيده الأصيلي ، وذكر عن بعضهم أنه قال : بشق - بكسر الباء - تأخر وحبس ، وقال غيره : ملَّ ، وقيل : ضعف ، وقيل : حبسَ ، وقيل : هو مشتق من الباشق ، وهو طائر لا ينصرف إذا كثر المطر . وسئل أبو محمد ابن حزم الظاهري عن هذه اللفظة ، فقال في جوابه : هي لفظة قد أعيتنا قديمًا ، وما رأيت من يعرفها ، ولقد أخبرني بعض إخواننا ، أنه سأل عنها جماعة ممن نظن بهم علم مثل هذا ، فما وجد فيه شيئًا ، وأكثر ما وجدنا في هذه اللفظة ما ذكره صاحب العين فقال : وأما بشق ، فلو اشتق هذا الفعل من اسم الباشق جاز ، و الباشق طائر ، وهذا كلام لا يحصل منه على كثير فائدة . وذكر أن السائل ذكر في سؤاله أنه قد قيل : إنه نشق - بالنون - وأن اللحياني ذكر في نوادره أن معنى نشق - بالنون - : كلَّ . قال ابن حزم : ولقد كان هذا حسنًا ، إذا صح ، لو وافق الرواية ، وروايتنا بالباء . انتهى ما ذكره . والمنقول عن اللحياني في نوادره ، أنه قال : قد نشق فلان في حبالي ، ونشب ، وعلق ، واستورط ، وارتبط ، واستربق واترنبق وانربق في معنى واحد . وعن غيره ، أنه قال : الصواب نشق - بالنون - قال : وهو مشتق من النشقة ، وهي العقدة التي تكون على يد البعير من الصيد ، فكأنه قال : تقيد المسافر . وقال الخطابي في الأعلام : بشق ليس بشيء إنما هو لثق ، من اللثوق ، وهو الوحل ، لثق الطريق والثوب : إذا أصابه ندى المطر ، وبكى الرجل حتى لثقت لحيته ، أي : اخضلت ، ويحتمل أن يكون مشق ، أي : صار منزله زلقًا ، ومنه مشق الخط ، والميم والباء متقاربان . انتهى ما ذكره . والمقصود من هذا الحديث في هذا الباب : أن المأمومين يرفعون أيديهم إذا رفع الإمام يده ، ويدعون معه . وممن قال : إن الناس يدعون ويستسقون من الإمام : مالك وأحمد . وقال أصحاب الشافعي : إن سمعوا دعاء الإمام أمنوا عليه ، وإن لم يسمعوا دعوا . وكذا قالوا في قنوت المأموم خلف الإمام . وأما مذهب أحمد ، فإن لم يسمع المأموم قنوت إمامه المشروع دعا . وإن سمع ، فهل يؤمن ، أو يدعو ، أو يخير بينهما ، أو يتابعه في الثناء ، ويؤمن على دعائه ؟ حكي عنه فيهِ روايات .
26 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور 1035 - حدثنا مسلم ، ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور . وخرجه مسلم من طريق شعبة أيضا . ومن طريق الأعمش ، عن مسعود بن مالك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله . وهذا مما يدل على أن الريح تأتي تارة بالرحمة ، وتارة بالعذاب . وخرج الحاكم من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو : اللهم ، أعوذ بك من شر الريح ، ومن شر ما تجيء به الريح ، ومن ريح الشمال ؛ فإنها الريح العقيم . ومن حديث سلمة بن الأكوع رفعه - إن شاء الله - أنه كان إذا اشتدت الريح يقول : اللهم ، لقحا لا عقيما . وروينا عن شريح ، قال : ما هاجت ريح قط إلا لسقم صحيح أو برء سقيم . وفي صحيح مسلم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ، فهبت ريح شديدة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذه الريح لموت منافق عظيم النفاق ، فوجدوا قد مات في ذلك اليوم عظيم من المنافقين ، وهو رفاعة بن التابوت .
18 - باب صلاة الاستسقاء ركعتين 1026 - حدثنا قتيبة ، نا سفيان ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فصلى ركعتين ، وقلب رداءه . في الحديث دليل على الصلاة للاستسقاء ، وقد تقدم - أيضا - في حديث عائشة وابن عباس . وجمهور العلماء على أنه تشرع صلاة الاستسقاء . وخالف فيه طائفة من علماء أهل الكوفة ، منهم : النخعي ، وهو قول أبي حنيفة ، وقالوا : إنما يستحب في الاستسقاء الدعاء والاستغفار خاصة . وهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة ، كما بلغ جمهور العلماء . وفيه دليل على أن صلاة الاستسقاء ركعتان ، وهذا لا اختلاف فيه بين من يقول : إنه يشرع للاستسقاء صلاة . ولكن اختلفوا : هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة العيد ، أم بغير تكبير كسائر الصلوات ، فتستفتح بتكبيرة الإحرام ، ثم يقرأ بعدها ؟ على قولين : أحدهما : أنها تصلى كما تصلى العيد بتكبير قبل القراءة ، وقد روي عن ابن عباس ، وعن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم ، وهو قول الشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وأبي يوسف ومحمد . والثاني : تصلى بغير تكبير زائد ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي . قال أبو إسحاق البرمكي من أصحابنا : يحتمل أن هذه الرواية عن أحمد قول قديم رجع عنه . وحكي عن داود : إن شاء صلى بتكبير زائد ، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط . واستدل من قال : يصلي بتكبير بظاهر حديث ابن عباس : وصلى ركعتين كما يصلي في العيد ، وقد سبق ذكره . وقد روي عنه صريحًا بذكر التكبير ، لكن إسناده ضعيف . خرجه الدارقطني والحاكم في المستدرك - وصححه - والبزار في مسنده وغيرهم ، من رواية محمد بن عبد العزيز الزهري ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ، كبر في الأولى سبع تكبيرات ، وقرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقرأ في الثانية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وكبر فيها خمس تكبيرات . ومحمد بن عبد العزيز الزهري هذا متروك الحديث لا يحتج بما يرويه . وروى يزيد بن عياض ، حدثني أبو بكر بن عمرو بن حزم وابناه - عبد الله ومحمد - ويزيد بن عبد الله بن أسامة وابن شهاب ، كلهم يحدثه عن عبد الله بن يزيد ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فذكر الحديث ، قال : ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ، فكبر في الركعة الأولى سبعًا ، وفي الآخرة خمسًا ، يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين كليهما . ويزيد بن عياض جعدبة المدني ، متروك الحديث ، لا يحتج به . وقد روي خلاف هذا ، من رواية عبد الله بن حسين بن عطاء ، عن شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ، في كل ركعة تكبيرة ، وخطب قبل الصلاة ، وقلب رداءه لما دعا . خرّجه أبو القاسم البغوي . وخرّجه الترمذي في كتاب العلل مختصرًا ، وقال : سألت البخاري عنه ، فقال : هذا خطأ ، وعبد الله بن حسين منكر الحديث ؛ روى مالك وغيره ، عن شريك ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، ليس فيهِ هذا . يشير البخاري إلى حديث الاستسقاء في الجمعة ، وهذا المتن غير ذلك المتن ؛ فإن هذا فيهِ ذكر صلاة الاستسقاء والخطبة لها وقلب الرداء في الدعاء ، لكنه غير محفوظ عن شريك ، عن أنس . ووقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد ، وقد تقدم حديث عائشة في خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها حين بدا حاجب الشمس ، وأنه قعد على المنبر ودعا ، ثم صلى بعد ذلك . وذكر ابن عبد البر أن الخروج لها في أول النهار عند جماعة العلماء ، إلا أبا بكر بن حزم ؛ فإنه قالَ : الخروج إليها عندَ زوال الشمس . وكأنه ألحقها بالجمعة . ولا يفوت وقتها بفوات وقت العيد ، بل تصلى في جميع النهار . قال بعض أصحابنا : إلا أنه لا تصلى في أوقات النهي بغير خلاف ، إذ لا حاجة إلى ذلك ، ووقتها متسع . ومن أصحابنا من حكى وجهًا آخر بجواز صلاتها في وقت النهي ، إذا جوزنا فعل ذوات الأسباب فيه ، وهو ضعيف . وكذا قال الشافعي في الأم ، قال : إذا لم يصل للاستسقاء قبل الزوال يصليها بعد الظهر وقبل العصر . ومراده : أنه لا يصلى بعد العصر في وقت النهي . ولأصحابه في ذلك وجهان . ومن أصحابه من قال : وقتها وقت صلاة العيد . ومنهم من قال : أول وقتها وقت العيد ، ويمتد إلى أن يصلى العصر . وهذا موافق لنص الشافعي كما تقدم . ومنهم من قال : الصحيح أنها لا تختص بوقت ، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار ، إلا أوقات الكراهة - على أصح الوجهين - ؛ لأنها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة . وهذا مخالف لنص الشافعي ، ولما علم من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في صلاة الاستسقاء ؛ فإنهم كانوا يخرجون نهارًا لا ليلا ، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلا مما يشق عليهم ، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم ، فلا يكون ذَلِكَ مشروعًا بالكلية . وهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة ، فإنه لا يشرع لهم الاجتماع ، فلا يفوت بفعلهما ليلا شيء من مصالحهما .
25 - باب إذا هبت الريح 1034 - حديثا سعيد بن أبي مريم ، أنا محمد بن جعفر ، أخبرني حميد ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذَلِكَ في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم إنما كانَ يظهر في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الخوف من اشتداد الريح ؛ لأنه كانَ يخشى أن تكون عذابا أرسل إلى أمته . وكان شدة خوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته شفقة عليهم ، كما وصفة الله سبحانه وتعالى بذلك في قوله : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ولما تلا عليهِ ابن مسعود : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا بكى . ولما تلا قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ بكى ، وقال : اللَّهُمَّ ، أمتي ، أمتي ، فأرسل الله جبريل يقول لهُ : إن الله يقول : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك . وكان يقول : شيبتني هود وأخواتها . وجاء في رواية مرسلة : قصفن علي الأمم . يشير إلى أن شيبه منها ما ذكر من هلاك الأمم قبل أمته وعذابهم . وكان عندَ لقاء العدو يخاف على من معه من المؤمنين ، ويستغفر لهم ، كما فعل يوم بدر ، وبات تلك الليلة يصلي ويبكي ويستغفر لهم ، ويقول : اللَّهُمَّ ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض . وكل هذا من خوفه وشفقته عليهم . وقد جاء في روايات متعددة التصريح بسبب خوفه من اشتداد الريح : ففي الصحيحين من حديث سليمان بن يسار ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذَلِكَ في وجهه ، فقلت : يا رسول الله : أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا ؛ رجاء أن يكون فيهِ المطر ، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ؟ فقالَ : يا عائشة ، ما يؤمني أن يكون فيهِ عذاب ، قد عذب قوم بالريح ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا : هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا . وخرجا أيضا من رواية ابن جريج ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ، ودخل وخرج ، وتغير وجهه ، فإذا أمطرت السماء سري عنه ، فعرفته عائشة ذَلِكَ ، فقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : وما أدري لعله كما قالَ قوم : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية . وزاد مسلم - في أوله - : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عصفت الريح قالَ : اللَّهُمَّ ، إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به . وخرجه النسائي ، ولفظه : كانَ إذا رأى ريحا بدل : مخيلة . وخرج مسلم - أيضا - من حديث جعفر بن محمد ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانَ يوم الريح والغيم عرف ذَلِكَ في وجهه ، فأقبل وأدبر ، فإذا مطر سر به ، وذهب عنه ذَلِكَ ، قالت عائشة : فسألته ، فقالَ : إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هوَ فيهِ ، وإن كانَ في صلاته ، حتَّى يستقبله ، فيقول : اللَّهُمَّ ، إنا نعوذ بك من شر ما أرسل ، فإن أمطر قالَ : اللَّهُمَّ سقيا نافعا - مرتين أو ثلاثا فإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذَلِكَ . ولفظه لابن ماجه . وخرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل ، وإن كانَ في الصَّلاة ، ثُمَّ يقول : اللَّهُمَّ ، إني أعوذ بك من شرها . وخرجه ابن السني ، ولفظه : كانَ إذا رأى في السماء ناشئا ، غبارا أو ريحا ، استقبله من حيث كانَ ، وإن كانَ في الصَّلاة تعوذ بالله من شره . وكذا خرجه ابن أبي الدنيا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : الريح ، من روح الله ، تأتي بالرحمة ، وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها فلا تسبوها ، واسألوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها . وخرج الترمذي من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسبوا الريح ، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا : اللَّهُمَّ ، إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيهِا ، وخير ما أمرت به ، ونعوذ بك من شر هذه الريح ، وشر ما فيها ، وشر ما أمرت به . وقال : حسن صحيح . وخرجه النسائي في اليوم والليلة مرفوعا وموقوفا على أبي بن كعب رضي الله عنه . وفي الباب أحاديث أخر متعددة . وروي عن ابن مسعود ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها بشر ونذر ولواقح ، ولكن استعيذوا بالله من شر ما أرسلت به . وعن ابن عباس ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها تجيء بالرحمة ، وتجيء بالعذاب ، وقولوا : اللَّهُمَّ ، اجعلها رحمة ، ولا تجعلها عذابا . خرجهما ابن أبي الدنيا . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن علي ، أنه كانَ إذا هبت الريح قالَ : اللَّهُمَّ ، إن كنت أرسلتها رحمة فارحمني فيمن ترحم ، وإن كنت أرسلتها عذابا فعافني فيمن تعافي . وبإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقول إذا عصفت الريح : شدوا التكبير ؛ فإنها تذهب . وعن عمر بن عبد العزيز أنه لما ولي هبت ريح ، فدخل عليه رجل وهو منتقع اللون ، فقال : ما لك يا أمير المؤمنين ؟ قالَ : ويحك ، وهل هلكت أمة إلا بالريح ؟
23 - باب ما يقول إذا أمطرت وقال ابن عباس كَصَيِّبٍ المطر . وقال غيره : صاب وأصاب يصوب . 1032 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي ، أنا عبد الله - هوَ : ابن المبارك أنا عبيد الله ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى المطر قالَ : صيبا نافعا . تابعه : القاسم بن يحيى ، عن عبيد الله . ورواه الأوزاعي وعقيل ، عن نافع . أما ذكر المتابعات على هذا الإسناد ؛ لاختلاف وقع فيهِ : فإنه روي عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر : نافع . والصحيح : ذكر : نافع فيهِ . وقد رواه - أيضا - يحيى القطان وعبدة بن سليمان ، عن عبيد الله كذلك ، ذكره الدارقطني في علله . فإن كانَ ذَلِكَ محفوظا عنهما ، فكيف لم يذكر البخاري متابعتهما لابن المبارك ، وعدل عنه إلى متابعة القاسم بن يحيى ؟ وأما عقيل ، فرواه عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة . ورواه - أيضا - أيوب ، عن القاسم ، عن عائشة . خرجه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه ، ولفظ حديثه : اللَّهُمَّ صَيِّبا هنيئا ، أو صَيْبا هنيئا . وأما الأوزاعي ، فقد رواه عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة ، كما ذكره البخاري ، ولفظ حديثه : اللَّهُمَّ اجعله صيبا هنيئا . وقد خرج حديثه كذلك الإمام أحمد وابن ماجه . وفي رواية ابن ماجه : أن الأوزاعي قالَ : أخبرني نافع ، كذا خرجه من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين ، عنه . وقد روي التصريح بالتحديث فيهِ عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي أيضا . ورواه إسماعيل بن سماعة ، عن الأوزاعي ، عن رجل ، عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة . وقال البابلتي : عن الأوزاعي ، عن محمد بن الوليد الزبيدي ، عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة . وقال عقبة بن علقمة : عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة . قالَ الدارقطني : وهو غير محفوظ . وقال عيسى بن يونس وعباد بن جويرية : عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن القاسم ، عن عائشة ، من غير ذكر نافع . وكذا روي عن ابن المبارك ، عن الأوزاعي . قالَ الدارقطني : فإن كانَ ذَلِكَ محفوظا عن الأوزاعي ، فهوَ غريب عن الزهري . وخرجه البيهقي من رواية الوليد بن مسلم ، نا الأوزاعي ، حدثني نافع ، ثُمَّ قالَ : كانَ ابن معين يزعم أن الأوزاعي لم يسمع من نافع شيئا . ثُمَّ خرجه من طريق الوليد مزيد : نا الأوزاعي ، حدثني رجل ، عن نافع ، فذكره . قالَ : وهذا يشهد لقول ابن معين . قلت : وقد سبق الكلام على رواية الأوزاعي عن نافع في باب : حمل العنزة بين يدي الإمام يوم العيد ؛ فإن البخاري خرج حديثا للأوزاعي عن نافع مصرحا فيهِ بالسماع . وقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجه آخر : خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي كانَ إذا أمطر قالَ : اللَّهُمَّ صيبا هنيئا لفظ أبي داود . ولفظ النسائي : اللَّهُمَّ اجعله سيبا نافعا . ولفظ ابن ماجه : اللَّهُمَّ ، سيبا نافعا - مرتين أو ثلاثا . وفي رواية لابن أبي الدنيا في كتاب المطر : اللَّهُمَّ سقيا نافعا . وخرج مسلم من طريق جعفر بن محمد ، عن عطاء ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقول إذا رأى المطر : رحمة . وقد أشار البخاري إلى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : صيبا هنيئا ، فذكر عن ابن عباس : أن الصيب هوَ المطر . وقد خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المطر من رواية هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس . وقال غيره : هوَ المطر الشديد . وقد ذكر البخاري عن بعضهم ، أن الفعل الماضي منه : صاب وأصاب ، والمضارع منه : يصوب . وهذا عجيب ؛ فإن أصاب إنما تقال في ماضي يصيب ، من الإصابة التي هي ضد الخطأ . وأما صاب يصوب ، فمعناه : نزل من علو إلى سفل . وأما رواية من روى سيبا بالسين ، فيجوز أن تكون السين مبدلة من الصاد . وقيل : بل هوَ بسكون الياء ، معناه : العطاء . وروي عن محمد بن أسلم الطوسي ، أنه رجح هذه الرواية ؛ لأن العطاء يعم المطر وغيره من أنواع الخير والرحمة ، وفي هذه الأحاديث كلها : الدعاء بأن يكون النازل من السماء نافعا ، وذلك سقيا الرحمة ، دون العذاب . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن عبد الملك بن جابر بن عتيك ، أن رجلا من الأنصار كانَ قاعدًا عندَ عمر في يوم مطر ، فأكثر الأنصاري الدعاء بالاستسقاء ، فضربه عمر بالدرة ، وقال : ما يدريك ما يكون في السقيا ، ألا تقول : سقيا وادعة ، نافعة ، تسع الأموال والأنفس .
24 - باب من تمطر في المطر حتَّى يتحادر على لحيته خرج فيهِ : 1033 - حديث الأوزاعي : نا إسحاق بن عبد الله ، نا أنس ، قالَ : أصاب الناس سنة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وقد تقدم في كتاب الجمعة بتمامه ، وفيه : ثُمَّ لم ينزل - يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - عن منبره حتَّى رأيت المطر يتحادر على لحيته . خرجه من طريق ابن المبارك ، عن الأوزاعي . وفي الاستدلال بهذا الحديث على التمطر نظر ؛ فإن معنى التمطر : أن يقصد المستسقي أو غيره الوقوف في المطر حتى يصيبه ، ولم يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد الوقوف في ذَلِكَ اليوم على منبره حتَّى يصيبه المطر ، فلعله إنما وقف لإتمام الخطبة خاصة . وفي الاستمطار أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري : فخرج مسلم ، من رواية جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، قالَ : قالَ أنس : أصابنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطر ، فحسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبه ، حتَّى أصابه من المطر ، فقلنا : يا رسول الله ، لم صنعت هذا ؟ قالَ : لأنه حديث عهد بربه . وخرج ابن أبي الدنيا ، من رواية الربيع بن صبيح ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقي ثيابه أول مطره ، ويتمطر . والرقاشي ضعيف جدا . وروى بإسناده ، عن جابر الجعفي ، عن عبد الله بن نجي ، قالَ : كانَ علي - رضي الله عنه - إذا مطرت السماء خرج ، فإذا أصاب صلعته الماء مسح رأسه ووجهه وجسده ، وقال : بركة نزلت من السماء لم تمسها يد ولا سقاء . وبإسناده ، عن عبد الله بن مؤمل ، عن ابن أبي مليكة ، قالَ : كانَ ابن عباس يتمطر ، يقول : يا عكرمة ، أخرج الرحل ، أخرج كذا ، أخرج كذا ، حتَّى يصيبه المطر . وبإسناده ، عن وكيع ، عن أم غراب ، عن نباتة ، قالَ : كانَ عثمان بن عفان يتمطر . وبإسناده ، عن أبي الأشعر ، قالَ : رأيت أبا حكيم إذا كانت أول مطرة تجرد ، ويقول : إن عليا كانَ يفعله ، ويقول ، إنه حديث عهد بالعرش . وهذا يدل على أن عليا كانَ يرى أن المطر ينزل من البحر الذي تحت العرش . وحديث العباس بن عبد المطلب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر السحاب والمزن والعنان ، وبعد ما بين السماء والأرض ، وبعد ما بين السموات بعضها من بعض ، وأن فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله ، مثل ما بين سماء إلى سماء ، يشهد لذَلِكَ . وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وقال : صحيح الإسناد ، وقال الترمذي : حسن غريب . وكذلك قاله عكرمة وخالد بن معدان وغيرهما من السلف : إن المطر ينزل من تحت العرش . وروي عن ابن عباس من وجوه ما يدل عليهِ . وأما من قالَ : إن المطر كله من ماء البحر ؛ فإنه قال ما لا علم لهُ به . فإن استدل بأنه يشاهد اغتراف السحاب من البحر ، فقد حكم حكما كليا بنظر جزئي ، ومن أين لهُ أن كل السحاب كذلك ؟ وقد خرج ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن خالد بن يزيد بن معاوية : أنه كان عند عبد الملك بن مروان ، فذكروا الماء ، فقال خالد بن يزيد : منه من السماء ، ومنه ما يستقيه الغيم من البحر ، فيعذبه الرعد والبرق ، فأما ما يكون من البحر ، فلا يكون لهُ نبات ، وأما النبات فما كانَ من ماء السماء ، وقال : إن شئت أعذبت ماء البحر ، فأمر بقلال من ماء ، ثُمَّ وصف كيف يصنع حتَّى تعذب . ونص الشافعي وأصحابنا على استحباب التمطر في أول مطرة تنزل من السماء في السنة . وحديث أنس الذي خرجه البخاري إنما يدل على التمطر بالمطر النازل بالاستسقاء ، وإن لم يكن أول مطرة في تلك السنة .
22 - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء 1031 - حدثنا محمد بن بشار ، نا يحيى وابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وإنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه . وقد سبق في الباب الماضي ، في الرواية التي علقها عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع في دعائه يوم الجمعة بالاستسقاء حتى رئي بياض إبطيه . ولا يوجد ذلك في كل النسخ ، وقد ذكره - تعليقا - في كتاب الأدعية في آخر صحيحه . وروى معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن بركة ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى حتى رأيت - أو رئي - بياض إبطيه ، قال معتمر : أراه في الاستسقاء . خرجه ابن ماجه . وقد رواه بعضهم ، فلم يذكر : بركة في إسناده . والصواب ذكره ، قاله الدارقطني . وبركة ، هو : المجاشعي . قال أبو زرعة : ثقة . وقد تقدم حديث عائشة في الاستسقاء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يرفع حتى يرى بياض إبطيه . وقول أنس : كان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء ، في معناه قولان : أحدهما : أن أنسا أخبر عما حفظه من النبي - صلى الله عليه وسلم وقد حفظ غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه في الدعاء في غير الاستسقاء أيضا . وقد ذكر البخاري في كتاب الأدعية : باب : رفع الأيدي في الدعاء : وقال أبو موسى : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ، ورأيت بياض إبطيه . وقال ابن عمر : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه ، وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد . ثم ذكر رواية الأويسي تعليقًا ، وقد ذكرناها في الباب الماضي . والثاني : أن أنسًا أراد أنه لم يرفع يديه هذا الرفع الشديد حتى يرى بياض إبطيه ، إلا في الاستسقاء . وقد خرّج الحديث مسلم ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه . ومع هذا ؛ فقد رآه غيره رفع يديه هذا الرفع في غير الاستسقاء أيضا . وقد خرّج البخاري في الأدعية من حديث أبي موسى ، قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء فتوضأ ، ثم رفع يديه ، وقال : اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه . وخرّجه مسلم أيضا . وخرّجه مسلم من حديث شعبة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الدعاء ، حتى يرى بياض إبطيه . ولم يذكر في هذه الرواية الاستسقاء ، لكن في رواية خرجها البيهقي : يعني : في الاستسقاء في هذا الحديث : قال شعبة : فأتيت علي بن زيد ، فذكرت ذلك له ، فقال : إنما ذلك في الاستسقاء ، قلت : أسمعته من أنس ؟ قالَ : سبحان الله ، قلت : أسمعته من أنس ؟ قالَ : سبحان الله . وخرّج الإمام أحمد من حديث سهل بن سعد ، قالَ : ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ، ما كانَ يدعو إلا يضع يديه حذو منكبيه ، ويشير بإصبعه إشارة . وخرّج أبو يعلى الموصلي بإسناد ضعيف ، عن أبي برزة الأسلمي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في الدعاء حتى رئي بياض إبطيه . وخرّج مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر استقبل القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ، فما زال يهتف بربه ، مادا يديه ، مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، وذكر الحديث . قال الوليد بن مسلم في كتاب الدعاء : نا عبد الله بن العلاء ، قال : سمعت الزهري ومكحولا يقولان : لم نحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه كل الرفع إلا في ثلاث مواطن : عشية عرفة ، وفي الاستسقاء ، والانتصار . ولا أعلم أحدا من العلماء خالف في استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ، وإنما اختلفوا في غيره من الدعاء ، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . وإنما اختلفوا في صفة الرفع ، على حسب اختلاف الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك في الاستسقاء . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع : أحدها : الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء . روى عامر بن خارجة بن سعد ، عن أبيه ، عن جده سعد ، أن قوما شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر ، فقال : اجثوا على الركب ، وقولوا : يا رب ، يا رب ورفع السبابة إلى السماء ، فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم . خرّجه الطبراني . وخرّجه أبو القاسم البغوي في معجمه ، وعنده : عن عامر بن خارجة ، عن جده سعد . وترجم عليه سعد أبو خارجة يشير إلى أنه ليس سعد بن أبي وقاص والإشارة بالإصبع تارة تكون في الدعاء ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كانَ يفعله في دعائه على المنبر كما تقدم في كتاب الجمعة . وقد تقدم قريبًا حديث سهل بن سعد في ذَلِكَ . وتارة تكون في الثناء على الله ، كما في التشهد ، وكما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بإصبعه بعرفة ، وقال : اللَّهُمَّ ، اشهد ، وكما أشار بإصبعه لما ركب راحلته ، وقال : اللَّهُمَّ ، أنت الصاحب في السفر . وروي عن أبي هريرة ، أنه قالَ : إذا دعا أحدكم فهكذا - ورفع إصبعه المشيرة - وهكذا - ورفع يديه جميعًا خرجه الوليد بن مسلم في كتاب الدعاء . وروي عن ابن عباس ، قالَ : والاستغفار : أن يشير بإصبع واحدة . روي عنه مرفوعا وموقوفا ، ذكره أبو داود . وروي عن عائشة ، قالت : إن الله يحب أن يدعا هكذا ، وأشارت بالسبابة . وروي عنها مرفوعا . وعن ابن الزبير ، قالَ : إنكم تدعون أفضل الدعاء ، هكذا ، وأشار بإصبعه . وعن ابن سيرين ، قالَ : إذا أثنيت على الله ، فأشر بإصبع واحدة . وعن ابن سمعان ، قالَ : بلغنا أنه الإخلاص . قالَ حرب : رأيت الحميدي يشير بالسبابة - يعني : في الدعاء - ويقول : هذا الدعاء ، ويقول : هذا السؤال . وذهب طائفة من العلماء إلى أن المصلي إذا قنت لا يرفع يديه في دعاء القنوت ، بل يشير بإصبعه . ذكره الوليد بن مسلم في كتابه ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ويزيد بن أبي مريم وابن حبان وإبراهيم بن ميمون . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قالَ : إن شاء رفع يديه ، وإن شاء أشار بإصبعه . النوع الثاني : رفع اليدين وبسطهما ، وجعل بطونهما إلى السماء . وهذا هوَ المتبادر فهمه من حديث أنس في رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه في دعاء الاستسقاء يوم الجمعة على المنبر . وخرج أبو داود من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ، قالَ : أخبرني من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عندَ أحجار الزيت باسطا كفيه . يعني : في الاستسقاء . وقد خرج أبو داود وابن ماجه ، عن ابن عباس مرفوعا : إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها . وإسناده ضعيف ، وروي موقوفا . وروي - أيضا - عن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين وغيرهم . وروى حرب ، عن الحميدي ، قالَ : هذا هوَ السؤال . النوع الثالث : أن يرفع يديه ، ويجعل ظهورهما إلى القبلة ، وبطونهما مما يلي وجهه . وخرج أبو داود من حديث محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عمير مولى آبي اللحم ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي عندَ أحجار الزيت ، قائما يدعو ، يستسقي ، رافعا يديه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه . وخرجه الإمام أحمد ، وزاد : مقبلا بباطن كفيه إلى وجهه . وخرجه ابن حبان بهذه الزيادة . وخرجه جعفر الفريابي من وجه آخر ، عن عمير ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قائما يدعو ، رافعا كفيه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه ، مقبلا ببطن كفيه إلى وجهه . وخرج الإمام أحمد ، من حديث خلاد بن السائب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه . وفي رواية لهُ - أيضا - : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سأل جعل باطن كفيه إليه ، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه . وفي إسناده اختلاف على ابن لهيعة . وخرجه جعفر الفريابي ، وعنده - في رواية لهُ - : عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل راحته إلى وجهه . وذكر الوليد بن مسلم ، عن ابن سمعان ، قالَ : بلغنا أن رفع اليدين إلى المنكبين دعاء ، وأن قلبهما والاستقبال ببطونهما وجه الإنسان تضرع ، وأن رفعهما إلى الله جدا ابتهال . وعن أبي عمرو ، عن خصيف الجزري ، قالَ : رفع اليدين - يعني بكفيه - تضرع ، وهكذا - يعني : قلبهما مما يلي وجهه - رهبة . النوع الرابع : عكس الثالث ، وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي . قالَ الجوزجاني : نا عمرو بن عاصم ، نا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ودعا هكذا ، يقبل ببياض كفيه على القبلة ، وظاهرهما إلى وجهه . ثُمَّ قالَ : وفي هذا بيان أنه قلب كفيه ، وجعل ظاهرهما إلى وجهه . وقد تقدم في حديث خلاد بن السائب هذه الصفة أيضا . وروي عن ابن عباس أن هذا هوَ الابتهال . خرجه أبو داود . وعنه قالَ : هوَ استجارة . وروي عن أبي هريرة ، أنه الاستجارة أيضا . خرجه الوليد بن مسلم . وروي عن ابن عمر ، قالَ : إذا سأل أحدكم ربه ، فليجعل باطن كفيه إلى وجهه ، وإذا استعاذ فليجعل ظاهرهما إلى وجهه . خرجه جعفر الفريابي . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كانَ يدعو إذا رفع يديه حذو منكبيه ، ظهورهما مما يلي وجهه . النوع الخامس : أن يقلب كفيه ، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء ، وبطونهما مما يلي الأرض ، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء . خرج مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فأشار بظهر كفيه إلى السماء . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي ، بسط يديه ، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء . وخرجه أبو داود ، وعنده : استسقى - يعني : ومد يديه - وجعل بطونهما مما يلي الأرض ، حتَّى رأيت بياض إبطيه . وفي رواية : وهوَ على المنبر . خرجها البيهقي . وخرج أبو داود من رواية عمر بن نبهان ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا ، بباطن كفيه وظاهرهما . عمر بن نبهان تكلم فيهِ . وخرج الإمام أحمد من رواية بشر بن حرب ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة يدعو ، هكذا ، ورفع يده حيال ثندوتيه ، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض . وفي رواية لهُ - أيضا - : وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثندوتيه ، وأسفل من منكبيه . وبشر بن حرب مختلف فيهِ . وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد قلب كفيه ، إنما حصل لهُ من شدة رفع يديه انحناء بطونهما إلى الأرض . وليس الأمر كما ظنه ، بل هوَ صفة مقصودة لنفسه في رفع اليدين في الدعاء . روى الوليد بن مسلم بإسناده ، عن ابن سيرين ، قالَ : إذا سألت الله فسل ببطن كفيك ، وإذا استخرت الله ، فقل هكذا - ووجه يديه إلى الأرض وقال : لا تبسطهما . وروى الإمام أحمد ، عن عفان ، أن حماد بن سلمة وصف رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه بعرفة ، ووضع عفان يديه وكفيه مما يلي الأرض . وقال حرب : رأيت الحميدي مد يديه ، وجعل بطن كفيه إلى الأرض ، وقال : هكذا الابتهال . وحماد بن سلمة والحميدي من أشد الناس تشددا في السنة ، وردا على من خالفها من الجهمية والمعتزلة ونحوهم . وقد ذهب مالك إلى رفع اليدين في الاستسقاء على هذا الوجه : ففي تهذيب المدونة في كتاب الصَّلاة : ضعف مالك رفع اليدين عند الجمرتين ، واستلام الحجر ، وبعرفات ، والموقف ، وعند الصفا والمروة ، وفي المشعر ، والاستسقاء ، وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستسقاء ، حين عزم عليهم الإمام ، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض ، وقال : إن كانَ الرفع فهكذا . قالَ ابن القاسم : يريد في الاستسقاء في مواضع الدعاء . وكذا ذكره أصحاب الشافعي : ففي شرح المهذب في الاستسقاء : قالَ الرافعي وغيره : قالَ العلماء : السنة لكل من دعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء . وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا في كتابه الشافي في كتاب الاستسقاء في باب : القول في رفع اليدين في الدعاء وصفته ، ثُمَّ روى فيهِ حديث قتادة ، عن أنس ، الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، ثُمَّ حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي هكذا ، ومد يديه ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتَّى رأيت بياض إبطيه . ولم يذكر في الرفع وصفته غير ذَلِكَ ، وهذا يدل على أنه يرى أن هذا هوَ صفة رفع اليدين في الاستسقاء ، أو مطلقا ؛ لكن مع رفع اليدين إلى السماء والاجتهاد في رفعهما ، إلا أن يرى منه بياض الإبطين .
16 كتاب الكسوف بسم الله الرحمن الرحيم 16 كتاب الكسوف 1 - باب الصلاة في كسوف الشمس فيه أربعة أحاديث : الحديث الأول : 1040 - نا عمرو بن عون ، نا خالد ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم وانكسفت الشمس ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يجر رداءه ، حتى دخل المسجد ، فدخلنا ، فصلى بنا ركعتين ، حتى انجلت الشمس ، فقال : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ، فإذا رأيتموهما فصلوا ، وادعوا ، حتى يكشف ما بكم . سماع الحسن من أبي بكرة صحيح عند علي بن المديني والبخاري وغيرهما ، وخالف فيه ابن معين ، وقد سبق ذلك . وقد ذكر البخاري - فيما بعد - أن مبارك بن فضالة رواه عن الحسن ، قال : حدثني أبو بكرة . وخرجه الإمام أحمد كذلك . وقد رواه قتادة ، عن الحسن ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرج حديثه النسائي . وهذا مخالف لروايات أصحاب الحسن ، عنه ، عن أبي بكرة . وجر النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه هاهنا ؛ لأنه قام عجلا دهشا ، كما في حديث أبي موسى : فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة ، وسيأتي فيما بعد . وإنما يكره جر الرداء تعمدا لذلك . وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث : فقام يجر ثوبه مستعجلًا . وقوله : فصلى بنا ركعتين ، لم يذكر صفة الركعتين . وقد رواه ابن علية ويزيد بن زريع ، عن يونس ، فزادا في الحديث : فصلى بهم ركعتين نحو ما يصلون . وخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين ، مثل صلاتكم . وخرجه النسائي ، ولم يذكر : القمر ، وعنده : مثل صلاتكم هذه . وقال ابن حبان : أراد به مثل صلاتكم في الكسوف . وهذا التأويل متجه في رواية ابن علية ويزيد بن زريع ، عن يونس أيضا . وبذلك تأولها البيهقي . والمتبادر إلى الفهم : التشبيه بصلاة ركعتين ، يتطوع بهما . وهذا مما تعلّق به من قال : إن صلاة الكسوف ليس فيها ركوع زائد ، وسيأتي ذكره إن شاء الله سبحانه تعالى . وفيه دليل على أن صلاة الكسوف تستدام حتى تنجلي الشمس . وقوله : إنهما لا يكسفان لموت أحد ، إشارة إلى قول الناس : إن الشمس كسفت لموت إبراهيم عليه السلام . وفي رواية خرجها البخاري - فيما بعد - : وذلك أن ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم مات ، يقال له : إبراهيم ، فقال الناس في ذلك . وروى هذا الحديث محمد بن دينار الطاحي ، عن يونس ، فزاد في الحديث : وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له . خرجه الدارقطني . وقال : تابعه : نوح بن قيس ، عن يونس . وخرجه - أيضا - من رواية بكار بن يونس : ثنا حميد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، بهذه الزيادة أيضا . ورويت هذا
خرج في هذا الباب : 1198 - حديث : مالك ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قالَ : بت عند خالتي ميمونة . فذكر الحديث في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، وصلاة ابن عباس معه . وفيه : قال : فقمت إلى جنبه ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها بيده ، فصلى . وذكر الحديث ، وقد سبق بتمامه في غير موضع . وخرجه مسلم أيضا . وخرجه من طريق الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة ، وفي روايته : فقمت إلى جنبه الأيسر ، فأخذ بيدي فجعلني في شقه الأيمن ، فجعل إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني . فتبين بهذه الرواية : أن أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأذن ابن عباس في الصلاة إنما كان عند نعاسه ، إيقاظا له . وكذلك خرجه أبو داود والنسائي من رواية سعيد بن أبي هلال ، عن مخرمة ، وفي حديثه : فقمت إلى جنبه ، عن يساره ، فجعلني عن يمينه ، ووضع يده على رأسي ، وجعل يمسح أذني ، كأنه يوقظني . فهاتان الروايتان فيهما دلالة على أنه إنما أخذ بأذنه بعد أن أداره عن يمينه . وفيه رد على من زعم : أن أخذه بأذنه وفتلها إنما كان ليديره عن شماله إلى يمينه ، كما قاله ابن عبد البر . قال : وهذا المعنى لم يقمه مالك في حديثه ، وقد ذكره أكثر الرواة . قالَ : وقيل : إنما فتل أذنه ليذكر ذلك ولا ينساه ، وقيل : ليذهب نومه . انتهى . ورواية الضحاك مصرحة بهذا المعنى الأخير ، ورواية سعيد بن أبي هلال تدل عليه أيضا .
21 كتاب العمل في الصلاة 1 - باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة وقال ابن عباس : يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء . ووضع أبو إسحاق قلنسوته في الصلاة ، ورفعها . ووضع علي كفه على رسغه الأيسر ، إلا أن يحك جلدًا ، أو يصلح ثوبًا . شرع البخاري من هاهنا في الكلام فيما يجوز من الأفعال في الصلاة ، وما يكره فيها ، وما لا يجوز . وابتدأ من ذلك باستعانة المصلي بيده في صلاته ، فيما يحتاج إليه من أمر صلاته . وحكى عن ابن عباس ، قال : يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء . وعن أبي إسحاق ، أنه وضع قلنسوته في صلاته ورفعها . والظاهر : أن هذا كان لحاجة ، وإلا لكان عبثًا ، وهو مكروه . وعن علي بن أبي طالب ، أنه وضع كفه على رسغه الأيسر ، إلا أن يحك جسدًا أو يصلح ثوبًا . روى وكيع في كتابه عن عبد السلام بن شداد الجريري ، عن غزوان بن جرير الضبي ، عن أبيه ، قال : كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه ، فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع ، إلا أن يصلح ثوبه ، أو يحك جسده . وروى بإسناده ، عن إبراهيم ، أنه كره أن يحدث الرجل في الصلاة شيئًا ، حتى زر القميص ، قال : وكان إبراهيم لا يرى بأسًا إذا استرخى إزاره في الصلاة أن يرفعه . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كان يقال في مسح اللحية في الصلاة : واحدة أو دع . وعن هشيم : أخبرني حصين ، عن عبد الملك بن سعيد ، قال : قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى وضع يده اليمنى على يده اليسرى ، وكان ربما يضع يده على لحيته في الصَّلاة . وخرجه أبو داود في مراسيله من رواية شعبة ، عن حصين ، عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حريث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سألت عطاء عن الاحتكاك في الصلاة ، والارتداء ، والاتزار ؟ قالَ : كل ذَلِكَ لا تفعله في الصَّلاة . وهذا محمول على أنه لم يكن لهُ حاجة إليه . والمروي عن علي محمول على أنه كان يفعله للحاجة إليه . وقال سفيان الثوري : يكره أن يلبس النعل أو الرداء ، وأن يضع القلنسوة على رأسه ، وينزع خفيه أو نعليه ، إلا لشيء يؤذيه ، ولا بأس أن يحك شيئًا من جسده ، إذا آذاه ذَلِكَ . وعند أصحابنا : كل عمل يسير يعرض في الصلاة لحاجة فلا يكره . واستدلوا بما خرجه مسلم - رحمه الله - من حديث وائل بن حجر ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ، كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثم رفعهما ، ثم كبر فركع ، وذكر الحديث . ومذهب الشافعي نحوه أيضا . وروى حرب ، عن أحمد ، في الرجل يسقط رداؤه عن ظهره في الصَّلاة ، فيحمله ، قال : أرجو أن لا يضيق ذلك . وروى حرب بإسناده ، عن أبي جعفر والشعبي ، قالا : لا بأس أن يسوي الرجل رداءه في الصلاة . وقال حرب : سألت أحمد عن الرجل يصلي فتحتك ساقه ، فيحكه ؟ فكأنه كرهه ، قلت : يحكه بقدمه ؟ قالَ : هوَ بالقدم أسهل ، وكأنه رخص فيهِ . ومن متأخري أصحابنا من قالَ : الحك الذي لا يصبر عنه المصلي لا يبطل صلاته وإن كثر .
الحديث الثاني : 1222 - نا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن جعفر ، عن الأعرج ، قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فإذا ثوب أدبر ، فإذا سكت أقبل ، فلا يزال بالمرء يقول له : اذكر ما لم يكن يذكر ، حتى لا يدري كم صلى . قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إذا فعل ذلك أحدكم ، فليسجد سجدتين وهو قاعد . وسمعه أبو سلمة من أبي هريرة . وقد خرجه في باب : التأذين من رواية مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - إلى قوله : لا يدري كم صلى أيضا . وأما باقي الحديث ، وهو الأمر بسجود السهو لذلك ، فإنما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، وهو مرفوع ، وليس من قول أبي هريرة . والقائل : قال أبو سلمة ، لعله جعفر بن ربيعة . والله أعلم . وقد خرجه البخاري في أبواب السهو ، كما يأتي قريبا - إن شاء الله تعالى - من رواية هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ومن رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وفي حديثهما : فليسجد سجدتين وهو جالس . وخرجه في بدء الخلق من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير أيضا . والمقصود من تخريجه في هذا الباب : أن الشيطان يأتي المصلي ، فيذكره ما لم يكن يذكره ، حتى يلبس عليه صلاته ، فلا يدري كم صلى ، وأن صلاته لا تبطل بذلك ، بل يؤمر بسجود السهو ؛ لشكه في صلاته . وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ . ومنهم من قال : هو إجماع من يعتد به . وهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به . وقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية : أنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته ، فعليه الإعادة ؛ لفوات الخشوع فيها . وكذا قالَ أبو زيد المروزي من الشافعية ، في المصلي وهو يدافع الأخبثين : أنه إذا أذهب ذَلِكَ خشوعه ، فعليه الإعادة . وقال ابن حامد من أصحابنا : متى كثر عمل القلب وفكره في الصلاة في أمور الدنيا أبطل الصلاة ، كما يبطلها عمل الجسد إذا كثر . والحديث حجة على هذه الأقوال كلها . وقد استدل لوجوب الخشوع في الصلاة بحديث مختلف في إسناده ، وقد ذكرناه مع الإشارة إلى هذه المسألة في باب : الخشوع في الصلاة ، فيما مضى .
الحديث الثالث : 1223 - نا محمد بن المثنى ، حدثنا عثمان بن عمر ، أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : قال أبو هريرة : يقول الناس : أكثر أبو هريرة ، فلقيت رجلًا فقلت : بم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة في العتمة ؟ قالَ : لا أدري ، فقلت : لم تشهدها ؟ قال : بلى ، فقلت : لكن أنا أدري ، قرأ سورة كذا وكذا . مراد أبي هريرة - رضي الله عنه - أن يبين للناس امتيازه عن غيره بضبط أمور النبي - صلى الله عليه وسلم واعتنائه بها ، وحفظه لها ، وإذا كان كذا لم يستبعد أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه غيره . وهذه الواقعة كانت جرت له في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم فحفظ قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظها بعض من شهد العشاء معه ، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم وظاهر السياق يقتضي أنه من حينئذ كان يقال : أكثر أبو هريرة ، وهو بعيد . والظاهر - والله أعلم - : أنه إنما قيل ذلك بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم حين أكثر أبو هريرة من الرواية عنه . فاستدل أبو هريرة بحفظه ما لم يحفظه غيره بهذه القصة التي جرت له مع بعض الصحابة ، حيث حفظ ما قرأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظ ذلك غيره ممن صلى معه . واعلم أن عدم حفظ المصلي لما قرأ به إمامه له حالتان : إحداهما : أن يكون ذَلِكَ عقب انصرافه من الصَّلاة ، فهذا إنما يكون غالبًا من عدم حضور القلب في الصَّلاة ، وغلبة الفكر والوساوس فيها . وقد ذكرنا في باب : القراءة في الصلاة ، عن أحمد ، أنه قال - فيمن صلى مع إمام ، فلما خرج من الصلاة قيل له : ما قرأ الإمام ؟ قالَ : لا أدري - قالَ : يعيد الصَّلاة . وإن الأصحاب اختلفوا في وجهها على ثلاثة طرق لهم فيها . وقد ورد حديث مرفوع ، يستدل به على أن لا إعادة على من لم يحفظ ذلك : فروى البزار في مسنده ، عن عمرو بن علي : سمعت يحيى بن كثير ، قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا بأصحابه ، فقال : كيف رأيتموني صليت ؟ قالوا : ما أحسن ما صليت ، قالَ : قد نسيت آية كيت وكيت ، وإن من حسن صلاة المرء أن يحفظ قراءة الإمام . الحالة الثانية : أن يكون ذلك بعد مضي مدة من الصلاة ، فهذا يكون غالبًا من النسيان بعد الحفظ ، لا من سهو القلب في الصلاة ، وهذا هو الذي أراده أبو هريرة بحديثه هذا . وحينئذ ؛ ففي تخريجه في الباب نظر ؛ لأن الباب معقود لحديث النفس في الصلاة والوسوسة فيها ، وهو ينقسم إلى المذموم - وهو حديث النفس بأمور الدنيا وتعلقاتها - وإلى محمود - وهو حديث النفس بأمور الآخرة وتعلقاتها - ومنه ما يرجع إلى ما فيه مصلحة المسلمين من أمور الدنيا ، كما كان عمر يفعله . وقد خرج البخاري في أبواب الوضوء حديث عثمان ، فيمن توضأ ثم صلى ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه ، أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه ، وسبق الكلام عليه في موضعه .
18 - باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة وقال عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة . روى ابن عون ، عن الشعبي ، قال : قال أبو موسى الأشعري : صلى بنا عمر ولم يقرأ ، فقلت : لم تقرأ ، فقال : لقد رأيتني أجهز عيرًا بكدى وأفعل كذا ، فأعاد الصلاة . ورواه يونس ، عن الشعبي ، عن زياد بن عياض الأشعري ، أن عمر صلى بهم المغرب فلم يقرأ ، ثم قال : إنما شغلني عن الصلاة عير جهزتها إلى الشام ، فجعلت أفكر في أحلاسها وأقتابها . خرجه صالح ابن الإمام أحمد في مسائله ، عن أبيه بإسناده . وخرجه - أيضا - من وجه آخر عن الشعبي ، عن عمر ، مرسلا . وقد سبق ذكر بعض طرقه في أبواب القراءة في الصلاة . وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، أن عمر صلى بالناس المغرب ، ولم يقرأ فيها بشيء ، فلما فرغ قالوا له : يا أمير المؤمنين ، إنك لم تقرأ شيئًا ؟ قالَ : لم أزل أنزل البعير منزلا منزلا ، حتَّى وردت الشام ، ثُمَّ أعاد الصَّلاة . خرجه الجوزجاني . وليس فكر عمر في تجهيز الجيوش في الصلاة من حديث النفس المذموم ، بل هو من نوع الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه كانَ عظيم الاهتمام بذلك ، فكان يغلب عليهِ الفكر فيهِ في الصَّلاة وغيرها . ومن شدة اهتمامه بذلك غلب عليه الفكر في جيش سارية بن زنيم بأرض العراق ، وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر ، فألهمه الله ، فناداه ، فأسمعه الله صوته ، ففعل سارية ما أمره به عمر ، فكان سبب الفتح والنصر . وقال سفيان الثوري : بلغني أن عمر قال : إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة . ورواه وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عمر قاله . وهذا كله من شدة اهتمام عمر بأمر الرعية ، وما فيه صلاحهم ، فكان يغلب عليه ذلك في صلاته ، فتجتمع له صلاة وقيام بأمور الأمة وسياسته لهم في حالة واحدة .
خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الأول : 1221 - حديث عمر بن سعيد ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فلما سلم قام سريعًا ، ودخل على بعض نسائه ، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته ، فقال : ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا ، فكرهت أن يمسي - أو يبيت - عندنا ، فأمرت بقسمته . خرجه عن إسحاق بن منصور ، عن روح . وخرجه - فيما تقدم - من طريق عيسى بن يونس ، عن عمر . وخرجه في الزكاة - أيضا - من طريق أبي عاصم ، عن عمر ، به ، وفيه : أنه كان من تبر الصدقة . وهذا الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من جنس ما كان يقع لعمر ؛ فإن مال الصدقة تشرع المبادرة بقسمته بين أهله ومستحقيه ، فكان من شدة اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك يتذكره في صلاته ، فيقوم عقب ذَلِكَ مسرعا حتَّى يقسمه بين أهله . وهذا كله من اجتماع العبادات وتداخلها ، وليس هو من باب حديث النفس المذموم .
الحديث الثاني : 1200 - ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا عيسى - هو : ابن يونس ثنا إسماعيل - هو : ابن أبي خالد عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال لي زيد بن أرقم : إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيكلم أحدنا صاحبه بحاجته ، حتى نزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فأمرنا بالسكوت . وخرجه مسلم ، وزاد فيه : ونهينا عن الكلام ، وليس عنده : ذكر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه النسائي ، وعنده : فأمرنا حينئذ بالسكوت . وخرجه الترمذي ، ولفظه : كنا نتكلم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فيكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه ، حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قال : فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام . وهذه الرواية صريحة برفع آخره . واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة : هل كان بمكة ، أو بالمدينة ؟ فقالت طائفة : كانَ بمكة . واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة ، وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره . ويعضد هذا : أنه روي أن امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وهذه الآية مكية . فروى أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، قال : قال ابن مسعود : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا . وأخرجه ابن جرير وغيره . وهذا الإسناد منقطع ؛ فإن المسيب لم يلق ابن مسعود . وروى الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة ، قالَ : كانوا يتكلمون في الصَّلاة ، فلما نزلت هذه الآية وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ والآية الأخرى ، قالَ : فأمرنا بالإنصات . وخرجه بقي بن مخلد في مسنده . وخرجه غيره ، وعنده : أو الآية الأخرى بالشك . والهجري ليس بالقوي . ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم ، الذي خرجه البخاري هاهنا ؛ فإن زيدًا الأنصاري ، لم يصل خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، إنما صلى خلفه بالمدينة ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وهي مدنية بالاتفاق . وأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول : إن تحريم الكلام كان بمكة - : وأجيب عن هذا بجوابين : أحدهما : أن زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، وأنهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة ؛ فإن الكلام حينئذ كانَ مباحًا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك بمكة ، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام ، لا أن نسخ الكلام كانَ بالمدينة . قلت : هذا ضعيف ؛ لوجهين : أحدهما : أن في رواية الترمذي : كنا نتكلم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة ، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة . والثاني : أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية ، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق ، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة ، حتى نزلت هذه الآية . ثم قال ابن حبان : والجواب الثاني : أن زيدا حكى حال الصحابة مطلقا ، من المهاجرين وغيرهم ، ممن كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريم الكلام في الصلاة ، ولم يرد الأنصار ، ولا أهل المدينة بخصوصهم ، كما يقول القائل : فعلنا كذا ، وإنما فعله بعضهم . قلت : وهذا يرده قوله : حتى نزلت الآية ؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها ، وهي إنما نزلت بالمدينة . وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين : أحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهى عن الكلام متقدما ، ثم أذن فيه ، ثم نهى عنه لما نزلت الآية . والثاني : أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم فلما نزلت الآية انتهوا . وكلا الجوابين فيه بعد ، وإنما انتهوا عند نزول الآية ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت ، ونهيه عن الكلام ، كما تقدم . وقال طائفة أخرى : إنما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة ؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم ، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ، وقالوا : إنما رجع من الحبشة إلى المدينة ، قبيل بدر . واستدلوا بما خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود ، قال : بعثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ، ونحن ثمانون رجلا ، ومعنا جعفر بن أبي طالب ، فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي ، وفي آخره : فجاء ابن مسعود ، فبادر ، فشهد بدرا . وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة ، كما يتكلم أهل الكتاب ، فأنزل الله وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فسكت القوم عن الكلام . وهذا مرسل ، وأبو معشر ، هو : نجيح السندي ، يتكلمون فيه . وقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدا لغير مصلحة الصلاة ، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة . فأما كلام الجاهل ، فيأتي ذكره قريبا . وأما كلام الناسي والعامد لمصلحة ، فيأتي ذكره في أبواب سجود السهو قريبا ، إن شاء الله تعالى .
2 - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة وفيه حديثان : الأول : 1199 - ثنا ابن نمير ، ثنا ابن فضيل ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قالَ : كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، وقال : إن في الصلاة لشغلًا . حدثنا ابن نمير ، ثنا إسحاق بن منصور السلولي ، ثنا هريم بن سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . وخرجه - أيضا - في مواضع أخر ، من رواية أبي عوانة ، عن الأعمش ، نحوه . ورواه أيضا أبو بدر شجاع بن الوليد ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد . وإنما احتيج إلى ذكر هذه المتابعات عن الأعمش ؛ لأن الثوري وشعبة وزائدة وجريرًا وأبا معاوية وحفص بن غياث رووه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، لم يذكروا فيهِ : علقمة ، فيصير منقطعًا . وقد رجح انقطاعه كثير من الحفاظ ، منهم : أبو حاتم الرازي . وقال في رواية ابن فضيل الموصولة : إنها خطأ . وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد : الذين أرسلوه أثبت ممن وصله . قال : ورواه الحكم بن عتبة أيضا ، عن إبراهيم ، عن عبد الله مرسلا أيضا ، إلا ما رواه أبو خالد الأحمر ، عن شعبة ، عن الحكم موصولًا ؛ فإنه وهم فيهِ أبو خالد . انتهى . وتصرف البخاري يدل على خلاف ذلك ، وأن وصله صحيح . وكذلك مسلم في صحيحه ؛ فإنه خرجه من طريق ابن فضيل وهريم بن سفيان موصولا ، كما خرجه البخاري . وله عن ابن مسعود طريق أخرى متعددة ، ذكرتها مستوفاة في شرح الترمذي . وقال البخاري في أواخر صحيحه : وقال ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة . وهذا الحديث المشار إليه ، خرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن عيينة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم فيرد علينا السلام ، حتى قدمنا من أرض الحبشة ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فجلست حتى إذا قضى الصلاة قال : إن الله يحدث فذكره . ورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان ، عنه ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود . وزعم الطبراني : أنه المحفوظ . قلت : عاصم ، هو : ابن أبي النجود ، كان يضطرب في حديث زر وأبي وائل ، فروى الحديث تارة عن زر ، وتارة عن أبي وائل . قال الطبراني : ورواه عبد الغفار بن داود الحراني ، عن ابن عيينة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله . قال : فإن كان حفظه فهو غريب . قلت : ليس هو بمحفوظ ، إنما المحفوظ رواية : سفيان ، عن عاصم ، كما تقدم . وخرج النسائي - أيضا - من طريق سفيان ، عن الزبير بن عدي ، عن كلثوم ، عن ابن مسعود ، قال : كنت آتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فأسلم عليه ، فيرد عليَّ ، فأتيته ، فسلمت عليه وهو يصلي ، فلم يرد عليَّ ، فلما سلم أشار إلى القوم ، فقال : إن الله عز وجل - يعني - أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله ، وما ينبغي لكم ، وأن تقوموا لله قانتين . وكلثوم ، هو : ابن المصطلق الخزاعي ، يقال : له صحبة ، وذكره ابن حبان في كتابه من التابعين . وقوله : إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة إشارة إلى أنه شرع ذلك بعد أن لم يكن شرعه ، ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه .
17 – باب الخصر في الصلاة 1219 - حدثنا أبو النعمان ، ثنا حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الخصر في الصلاة . 1220 - حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، نا هشام ، ثنا محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي أن يصلي الرجل مختصرا . وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم حاصل ما ذكره في هذا الباب : أن هذا الحديث اختلف في لفظه على ابن سيرين : فرواه أيوب ، عنه ، عن أبي هريرة ، قال : نهي . ثم خرجه من طريق يحيى القطان ، عن هشام ، عنه ، كذلك . ثم قال : وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم فصرحا برفعه . وقد أشكل هذا على بعضهم ، فقال : كيف يخرجه من طريق هشام ثم يذكر أن هشاما صرح فيه بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وقال بعضهم : إن الحديث في رواية أبي ذر الهروي ، من طريق يحيى ، عن هشام ، مرفوعا ، وأنه الصواب . وهذا هو عين الخطأ ؛ فإن يحيى إنما رواه عن هشام بلفظ نهي . وإنما مراد البخاري : أن هشاما اختلف عليهِ في ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم فخرجه من طريق القطان ، عنه ، بلفظة : نهي ، ثُمَّ ذكر أنه روي مصرحا برفعه . وكذا ذكره الدارقطني في علله : أن هشاما اختلف عليه فيه ، فرواه جماعة عنه ، وقالوا : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم منهم : زائدة وعبد الوهاب الثقفي وجرير بن عبد الحميد وغيرهم . وقال الثوري والقطان وحفص بن غياث وأسباط بن محمد ويزيد بن هارون وحماد بن زيد ، عن هشام : نهي ، ولم يصرحوا برفعه . إلا أن في رواية أسباط : نهينا ، وهذا كالتصريح . ورواه أيوب وأشعث بن عبد الملك ، عن محمد ، عن أبي هريرة . قال : ورواه عمران بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وكذا روي عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن ابن سيرين . قال الدارقطني : وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من تورعه وتوقيه ، تارة يصرح بالرفع ، وتارة يومئ ، وتارة يتوقف ، على حسب نشاطه في الحال . انتهى . ولم يذكر رواية أبي هلال ، عن ابن سيرين ، المصرحة بالرفع ، التي علقها البخاري . وخرج هذا الحديث مسلم في صحيحه من رواية أبي خالد وأبي أسامة وابن المبارك - جميعا - عن هشام ، مصرحا برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرًا . وخرج ابن حبان في صحيحه من طريق عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الاختصار في الصلاة راحة أهل النار . وقال : يعني : أنه فعل اليهود والنصارى ، وهم أهل النار . كذا خرجه ؛ وإنما رواه عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الأزور ، عن هشام ، بهذا اللفظ . وكذا خرجه الطبراني والعقيلي من رواية عيسى بن يونس ، عنه . وقال العقيلي : لا يتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه . و الاختصار ، فسره الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة ، وبذلك فسره الترمذي في جامعه ، وعليه يدل تبويب النسائي . وروى الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الاختصار في الصلاة ، قلنا لهشام : ما الاختصار ؟ قالَ : يضع يده على خصره وهو يصلي ، قالَ يزيد : قلنا لهشام : ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ برأسه - أي : نعم وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة ، وأهل غريب الحديث ، وعامة المحدثين والفقهاء ، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور . وقد قيل : إنه إنما نهى عنه ؛ لأنه فعل المتكبرين ، فلا يليق بالصلاة . وقيل : إنه فعل اليهود . وقيل : فعل الشيطان . فلذلك كرهه بعضهم في الصلاة وغيرها . قد خرج البخاري في كتابه هذا في ذكر بني إسرائيل ، من رواية مسروق ، عن عائشة ، أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته ، وتقول : إن اليهود تفعله . وخرجه سعيد بن منصور في سننه ، ولفظه : إن عائشة كانت تكره الاختصار في الصلاة ، وتقول : لا تشبهوا باليهود . وخرجه عبد الرزاق ، ولفظه : إن عائشة نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصلاة ، كما تصنع اليهود . وروي عن عائشة ، أنها قالت : هكذا أهل النار . وعن ابن عباس ، قال : إن الشيطان يحضر ذلك . وعن مجاهد ، قال : هو استراحة أهل النار في النار . خرجه كله وكيع بن الجراح ، وعنه ابن أبي شيبة . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن حميد الهلالي ، قال : إنما كره الخصر في الصلاة أن إبليس أهبط مختصرًا . وروى صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يجعل يديه في خاصرته ؛ فإن الشيطان يحضر ذَلِكَ . خرجه عبد الرزاق . وروى سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح ، قال : صليت جنب ابن عمر ، فوضعت يدي على خصري ، فقال لي هكذا - ضربه بيده فلما صليت قلت : يا أبا عبد الرحمن ، ما رابك مني ؟ قالَ : إن هذا الصلب ، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا عنه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وزياد بن صبيح - ويقال : ابن صباح - الحنفي ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما ، وقال الدارقطني : يعتبر به . قال : وسعيد بن زياد الشيباني ، الراوي عنه ، لا يحتج به ، ولكن يعتبر به ، قال : لا أعرف له إلا هذا الحديث ، نقله عنه البرقاني . وسعيد بن زياد ، قال ابن معين : صالح ، ووثقه ابن حبان . وحكى ابن المنذر كراهة الاختصار في الصلاة على هذا الوجه عن ابن عباس وعائشة ومجاهد والنخعي وأبي مجلز ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . انتهى . وهو قول عطاء والشافعي وأحمد ، أيضا . ومن الناس من فسر الاختصار في حديث أبي هريرة بأن يمسك بيده شيئًا يعتمد عليه في الصلاة ؛ فإن العصى ونحوها مما يعتمد عليهِ يسمى مخصرة . وفسره بعضهم باختصار السورة ، فيقرأ بعضها . وفسره بعضهم باختصار أفعال الصلاة ، فلا يتم قيامها ولا ركوعها ولا سجودها . وقد بوب أبو داود في سننه على التخصر والإقعاء في الصلاة ، فخرج فيه حديث ابن عمر المشار إليه . ثم بوب على الاختصار في الصلاة ، وخرج فيه حديث أبي هريرة هذا . ثم أتبعه : باب : يعتمد في الصلاة على عصى . فلعله فسر الاختصار بالاعتماد ، كما قال بعضهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
16 – باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به 1218 - حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني عمرو بن عوف بقباء ، كان بينهم شيء ، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه . فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى أبي بكر يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله ، ثم رجع القهقرى وراءه ، حتى قام في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي للناس ، فلما فرغ أقبل على الناس ، فقال : يا أيها الناس ، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيح ؟ إنما التصفيح للنساء ، من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله ، ثُمَّ التفت إلى أبي بكر ، فقالَ : يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك ؟ ، فقال أبو بكر الصديق : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم . في الحديث دليل على جواز رفع الأيدي في الصلاة لمن تجددت له نعمة ، فيحمد الله عليها رافعًا يديه ؛ فإن هذا فعله أبو بكر بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم ولم ينكره ، مع أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على الناس التصفيح ، وأمرهم بإبداله بالتسبيح ، وسأل أبا بكر : ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك ؟ ولم ينكر عليهِ ما فعله . وفي رواية خرجها الإمام أحمد في هذا الحديث ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لأبي بكر : لم رفعت يديك ؟ قالَ : رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك ، وذكر الحديث . وقد سبق الكلام على أن من تجددت لهُ نعمة في الصَّلاة : هل يحمد الله عليها ؟ وأن عبيد الله العنبري استحسنه ، وغيره جوزه ، وخلاف من خالف في ذلك ؛ فإن البخاري بوب على ذلك فيما سبق . ومراده بهذا الباب زيادة استحباب رفع الأيدي عند الثناء على الله في الصلاة . ويعضده ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن سمرة ، قال : كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم إذ كسفت الشمس فنبذتها ، فقلت : والله ، لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس ، قال : فأتيته وهو قائم في الصلاة ، رافعًا يديه ، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ، ويدعو حتى حسر عنها ، فلما حسر عنها قرأ سورتين ، وصلى ركعتين . ويستدل بهذا القول من قال : إنه يرفع يديه في القنوت في الصلاة ، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق ومالك والأوزاعي في رواية عنهما . وهو الصحيح عند أكثر أصحاب الشافعي . ومنهم من قال : يرفعهما أولا لتكبير القنوت ، ثم يرسلهما ، وهو قول أبي حنيفة والليث بن سعد والحسن بن حي . وقالت طائفة : لا يرفعهما أصلًا . وروي رفع اليدين في القنوت عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة . وخرج الإمام أحمد من حديث أنس ، في حديث القراء السبعين الذين قتلهم حي من بني سليم ، قال : فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد على شيء قط وجده عليهم ، فلقد رأيته كلما صلى الغداة رفع يديه فدعا عليهم . وإنما كان يدعو عليهم في قنوت الفجر بعد الركوع ، كما سبق ذلك صريحًا عن أنس . والله أعلم .
3 - باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال 1201 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلح بين بني عمرو بن عوف ، وحانت الصلاة ، فجاء بلال أبا بكر ، فقال : حبس النبي - صلى الله عليه وسلم فتؤم الناس ؟ فقالَ : نعم ، إن شئتم ، فأقام بلال الصَّلاة ، فتقدم أبو بكر فصلى ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي في الصفوف يشقها شقًا ، حتَّى قام في الصف الأول ، فأخذ الناس بالتصفيح ، قالَ سهل : تدرون ما التصفيح ؟ هو التصفيق ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثروا التفت ، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصف ، فأشار إليه مكانك ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله ، ثم رجع القهقرى وراءه ، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم فصلى . التصفيق والتصفيح ، من الناس من قال : هما بمعنى واحد ، قاله الأصمعي وغيره . وقال الخطابي : التصفيح : التصفيق بصفحتي الكف . وقيل : التصفيق : الضرب بباطن الراحة على الأخرى ، والتصفيح : الضرب بظاهر الكف على ظهر الأخرى ، ويكون المقصود به : الإعلام والإنذار ، بخلاف التصفيق ؛ فإنه إنما يراد به الطرب واللعب . والله أعلم . وقد سبق هذا الحديث في أبواب الإمامة ، خرجه البخاري فيها من رواية مالك ، عن أبي حازم . وذكرنا هنالك عامة فوائده ، وأشرنا إلى الاختلاف فيمن حمد الله في صلاته أو سبح لحادث حدث له ، وهل تبطل بذلك صلاته ، أم لا ؟ وذكرنا ذَلِكَ - أيضا - في باب : إجابة المؤذن . وأكثر العلماء على أنه لا تبطل صلاته بذلك . فحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وهو - أيضا - قول مالك والشافعي . وسواء قصد بذلك تنبيه غيره أم لم يقصد . قال إسحاق فيما نقله عنه حرب ، إن قرأ آية فيها لا إله إلا الله ، فأعادها لا تفسد صلاته ، وإن انقض كوكب ، فقال : لا إله إلا الله ، تعجبًا وتعمده ، فهو كلام يعيد الصلاة ، وكذا إذا لدغته عقرب ، فقال : باسم الله . وقال عبيد الله بن الحسن : فيمن رمي في صلاته ، فقال : باسم الله : لم تنقطع صلاته ، هو كمن عطس فحمد الله ، وقال في الذي يذكر النعمة وهو في الصلاة ، فيحمد الله عليها ، وأن ذلك حسنًا . وقال عطاء : ما جرى على لسان الرجل في الصلاة ، فما له أصل في القرآن فليس بكلام . وقالت طائفة : تبطل صلاته ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق . ومذهب أبي حنيفة : إن قاله ابتداء فليس بكلام ، وإن قاله جوابًا فهو كلام . قال بعض أصحابنا : هذه الرواية عن أحمد بالبطلان ، هي قول أبي حنيفة ومحمد ، أنه يبطل الصلاة ، فكل ذكر يأتي به المصلي في غير موضعه ، إلا في تنبيه المأموم إمامه على سهوه ، وتنبيه المار بين يده ليرجع . وكذلك الخلاف إذا بشر بما يسره ، فقال : الحمد لله ، أو بما يسوؤه ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أو عطس ، فحمد الله ، أو فتح على غير إمامه ، أو خاطب إنسانا بشيء من القرآن قاصدًا للقراءة والتنبيه . وأصح الروايتين عن أحمد : أن الصلاة لا تبطل بذلك ، كقول جمهور العلماء . وفي الصحيحين ، عن عائشة ، أن أسماء أختها لما سألتها وهي تصلي صلاة الكسوف ، فأشارت برأسها إلى السماء ، وقالت : سبحان الله . واحتج أحمد بما ذكره عن علي ، أنه كان في صلاة الفجر ، فمر بعض الخوارج ، فناداه : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فأجابه علي وهو في صلاته : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ وروي عن ابن مسعود ، أنه استأذن عليه رجل وهو يصلي ، فقال : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يفعله . وخرج الإمام أحمد من حديث علي ، قال : كانت لي ساعة من السحر أدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم فإن كان في صلاة سبح ، فكان إذنه لي . ومن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذن الرجل إذا كان في صلاة أن يسبح ، وإذن المرأة أن تصفق . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم أن رجلًا عطس وراءه في الصلاة ، فحمد الله ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى صلاته بابتدار الملائكة لها ، وكتابتها . وقد خرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث رفاعة بن رافع . وخرجه أبو داود - أيضا - من حديث عامر بن ربيعة بمعناه . وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم ، أنهم حملوا ذلك على التطوع ، وقالوا في المكتوبة : يحمد الله في نفسه . وهذا التفريق هو قول مكحول ، ورواية عن أحمد . وقولهم : يحمد الله في نفسه ، يحتمل أنهم أرادوا أنه يحمده بقلبه ولا يتلفظ به ، ويحتمل أنهم أرادوا أنه لا يجهر به . وكذا قال النخعي في الرجل يعطس في الصلاة : يحمد الله ، ولا يجهر . وقال الحسن : يحمد الله في المكتوبة وغيرها . وكذا نقله حرب ، عن إسحاق . وروى عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : سمعت أبا طلحة ، سمعت ابن عمر يقول في العاطس في الصلاة : يجهر بالحمد . وأما تخصيص البخاري جواز التسبيح والحمد في الصلاة للرجال ؛ فلأن المرأة تخالف الرجل في التسبيح للتنبيه ، وإنما تنبه بالتصفيح ، كما يأتي ذكره ، فلا يشرع لها التسبيح والتحميد في غير ذَلِكَ أيضا . لكن حكمها حكم الرجل في القول بالإبطال وعدمه ، وإنما يختلفان في الكراهة ؛ فإن المرأة لا يشرع لها رفع صوتها في الصَّلاة بقرآن ولا ذكر .
15 - باب لا يرد السلام في الصلاة فيه حديثان : الأول : 1216 - حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ، ثنا ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنت أسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فيرد علي ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه ، فلم يرد علي ، وقال : إن في الصلاة لشغلا . قد سبق هذا الحديث ، مع الكلام على إسناده . والمقصود منه في هذا الباب : أن المصلي لا يرد السلام على من سلم عليه ؛ لاشتغاله بما هوَ فيهِ من الإقبال على مناجاة الله عز وجل ، فلا ينبغي لهُ أن يتشاغل بغيره ، ما دام بين يديه .
الثاني : 1217 - ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، ثنا كثير بن شنظير ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر ، قال : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة له ، فانطلقت ، ثم رجعت وقد قضيتها ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به ، فقلت في نفسي : لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد علي أني أبطأت عليه ، ثم سلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى ، ثم سلمت عليه ، فرد علي ، فقال : إنما منعني أن أرد عليك ، أني كنت أصلي ، وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة . وقد دل هذان الحديثان على مسائل : منها : أن المصلي إذا سلم عليه في الصلاة ، لم يرد السلام بقوله ، وهذا قول جمهور أهل العلم . وذهب طائفة إلى أنه يجوز أن يرد السلام بقوله ، روي ذلك عن أبي هريرة . وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة . وقال عطاء : يرد عليه إذا كان جالسا في التشهد الأخير . وهذا مبني على قوله : إن المصلي يخرج من صلاته بدون السلام ، كما سبق . وقد نقل يونس بن عبد الأعلى ، عن الشافعي : إن المصلي يشمت العاطس ، يقول له : يرحمك الله . وقال : هو دعاء له ؛ وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته لقوم ، ودعا على آخرين . وقياس هذا : أنه يرد عليهِ السلام ؛ لأنه دعاء لهُ أيضا . ولا يقال : الدعاء لمعين لا يكون إلا على وجهة الخطاب لهُ ؛ فإنه قد ورد ذلك على وجه الخطاب للمعين ، كما يقول المصلي في تشهده : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وفي صحيح مسلم ، عن أبي الدرداء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صلاته للشيطان الذي تفلت عليه : أعوذ بالله منك ، ألعنك بلعنة الله ثلاثا . ومتى كان رد السلام بدون لفظ الخطاب ، مثل أن يقول : عليه السلام أو يرحمه الله لم تبطل الصلاة به عند الشافعية وغيرهم ، كالدعاء لمعين في الصلاة . وقد سبق ذكره والاختلاف فيه . والصحيح : الأول ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من رد السلام في الصَّلاة ، وعلل بأنه يصلي ، فدل على أن الصَّلاة تمنع من ذَلِكَ . وقد نهى معاوية بن الحكم عن تشميت العاطس ، وقال له : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين . وأما السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فمخصوص من بين الناس ؛ لأن خطابه في الصَّلاة لم يكن مبطلا ، كما سبق ذكره . ومنها : أن المصلي لا يرد على المسلم في صلاته بالإشارة ، ولا بعد سلامه . فإنه ليس في حديث ابن مسعود أنه رد عليه بالكلية ، ولا في حديث جابر ، أنه رد عليهِ بعد سلامه ، إلا لما سلم عليه حينئذ . وقد اختلف العلماء في رد المصلي للسلام عليه . فقالت طائفة : يرد في الصلاة بالإشارة ، روي عن ابن عمر . وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع . وهو قول مالك والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق . وروي عن ابن عباس أنه رد على من سلم عليهِ في صلاته ، وقبض على يده . وعن أحمد ، أنه يرد بالإشارة في النفل ، دون الفرض . وحكي عنه رواية أخرى : لا يرد في نفل ولا فرض ، بإشارة ولا غيرها . وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وعلى هذا : فالسلام لا يجب رده بحال ؛ لأنه مكروه ، كما سيأتي ذكره ، فلا يستحق ردًا . وقال طائفة : يرد إذا سلم من الصلاة ، وهو قول عطاء والنخعي والثوري . قال النخعي : إن كان قريبًا يرد ، وإن كان قد ذهب فأتبعه السلام . وقال إسحاق : هو مخير بين أن يفعل به - كما قال النخعي - وبين أن يرد في الصلاة بالإشارة . وقال أصحابنا : هو مخير بين الرد بالإشارة في الصلاة ، والتأخير حتى يسلم ، والأول أفضل . قالوا : لأن للتأخير آفات ، منها : النسيان ، ومنها : ذهاب المسلم . وظاهر هذا : أنه إن أخر الرد حتى سلم ، وكان المسلم قد مضى لم يرد عليه . واستدل من قال : لا يرد بإشارة ولا غيرها ، لا في الصلاة ولا بعدها ، بحديث ابن مسعود ؛ فإن ظاهره : أنه لم يرد عليهِ في الصَّلاة ، ولا بعدها . واستدل من قالَ : يؤخر الرد ، بما روى عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ السلام بعد السلام . خرجه أحمد وأبو داود . وعاصم ، هو : ابن أبي النجود ، وليس بذاك الحافظ . وخرجه أبو يعلى الموصلي ، من وجه آخر منقطع . وخرجه عبد الرزاق في كتابه من وجه آخر منقطع أيضا . واستدل من قال : يرد في صلاته بالإشارة ، بما روى محمد بن الصلت التوزي ، ثنا عبد الله بن رجاء ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن ابن مسعود ، قال : لما قدمت من الحبشة ، أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فأشار إلي . خرجه الطبراني وغيره . وقد أنكر ابن المديني وصله بذكر أبي هريرة ، وقال : إنما هو عن ابن سيرين ، أن ابن مسعود . يعني : أنه مرسل . وكذا رواه وكيع في كتابه ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، قال : لما قدم عبد الله من الحبشة ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلم عليه ، فأومأ النبي - صلى الله عليه وسلم فأشار برأسه - بنحوه ، وقال فيه : فأومأ برأسه ، أو قال : فأشار برأسه . وخرجه أبو داود في مراسيله من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين . وخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين مرسلا - أيضا ولكن قال في حديثه : فلم يرد عليه حتى انفتل ، وقال : إن في الصلاة لشغلًا . وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثني لحاجة ، ثم أدركته وهو يسير - وفي رواية له : يصلي فسلمت عليه ، فأشار إلي ، فلما فرغ دعاني ، فقال : إنك سلمت علي آنفًا ، وأنا أصلي ، وهو موجه حينئذ قبل المشرق . ويحتمل أنه إنما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ ، ولم يكن ردًا للسلام ؛ ولهذا قالَ جابر : فلم يرد علي ، وذكر أنه وجد في نفسه ما الله به عليم ، ولو علم أنه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه . وفي رواية للنسائي : سلمت عليه ، فأشار بيده ، ثم سلمت فأشار بيده ، فانصرفت ، فناداني : يا جابر ، فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ، إني سلمت عليك ، فلم ترد علي ؟ فقالَ : إني كنت أصلي . ولو كانت إشارته ردًا ، لقال : قد رددت عليك . وفي رواية لمسلم : أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى بني المصطلق ، فأتيته وهو يصلي على بعيره ، فقال لي بيده هكذا ، ثم كلمته ، فقال لي هكذا ، وأنا أسمعه يقرأ ، يومئ برأسه ، فلما فرغ قال : إنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي . فهذه الرواية تدل على أن إيماءه إليه إنما كان ليكف عن كلامه في تلك الحال . واستدل من قال : يرد إشارة ، بما روى نابل - صاحب العباء عن ابن عمر ، عن صهيب قال : مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فرد علي إشارة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه . وقال يعقوب بن شيبة : هو صالح الإسناد . ونابل ، قال ابن المديني ويعقوب بن شيبة : هو مديني ليس بالمشهور . وسئل الدارقطني : أثقة هو ؟ فأشار برأسه ، أن لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، عن صهيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه . وقد قيل : إن زيدا لم يسمعه من ابن عمر ، وقد سئل عن ذلك فقال : أما أنا فقد كلمته وكلمني ، ولم أقل : سمعته . وممن قال : لم يسمعه من ابن عمر : ابن المديني ويعقوب بن شيبة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي نحوه من حديث هشام بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد تكلم فيه ابن المديني ويعقوب بن شيبة ؛ لتفرد هشام بن سعد به ، وليس بالحافظ جدًا . وروى الليث : حدثني ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رجلا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - إشارة ، فلما سلم قال : قد كنا نرد السلام في الصلاة ، فنهينا عن ذلك . خرجه الجوزجاني والطبراني والبزار في مسنده . وعندي أن هذا يعلل برواية ابن عيينة وغيره ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، عن صهيب ، كما تقدم . وابن عجلان ليس بذاك الحافظ . وروى قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن محمد بن علي ، عن عمار ، أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فرد عليهِ . خرجه النسائي في باب : رد السلام بالإشارة . وخرجه الإمام أحمد ، من طريق حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن محمد بن علي - هو : ابن الحنفية - عن عمار ، فذكره . وخرجه البزار في مسنده ، وعنده : فرد عليه إشارة . وحمله ابن عيينة ، على أنه رد عليه بالقول قبل تحريم الكلام ، وأن رده انتسخ . ونقل ابن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هذا الحديث خطأ . ورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، أن عمارًا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم وهذه الرواية مرسلة ، وهي أصح . وكذا رواه عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن محمد بن علي بن حسين ، مرسلًا . قال ابن جريج : ثم لقيت محمد بن علي بن حسين ، فحدثني به . فتبين بهذا : أن محمد بن علي الذي روى هذا الحديث عن عمار هو أبو جعفر الباقر ، وليس هو ابن الحنفية ، كما ظنه بعضهم . وقول ابن معين : إنه خطأ ، يشير إلى من قال : عن ابن الحنفية هو خطأ . وأما رواية أبي الزبير ، عن محمد بن علي : هو : ابن الحنفية ، فهو ظن من بعض الرواة ، فلا نحكم به . وروايات حماد بن سلمة عن أبي الزبير غير قوية . ولعل أبا الزبير رواه عن أبي جعفر - أيضا - أو عن عطاء ، عنه ودلسه . أو لعل حماد بن سلمة أراد حديث أبي الزبير ، عن جابر ، أنه سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فأشار إليه . ومنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه من سلم عليهِ في الصلاة عن السلام عليه . واستدل بذلك من قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، وهو قول ابن عمر ومالك وأحمد وإسحاق - في رواية عنهم - ومروان بن محمد الدمشقي . وقالت طائفة : يكره ، وهو قول جابر بن عبد الله ، وعطاء ، والشعبي ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، في رواية عنهم . واستدلوا بقوله لابن مسعود : إن في الصلاة شغلا ؛ فإن في ذَلِكَ إشارة إلى كراهة السلام عليه ؛ ولأنه ينشغل المصلي ، وربما سهى بسببه فبادر الرد عليهِ . ومن أصحابنا المتأخرين من قالَ : إن كانَ المصلي عالمًا ، يفهم كيف يرد عليهِ ، لم يكره السلام عليهِ ، وإلا كره . فمن قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، فمقتضى قوله أنه لا يستحق جوابًا ، ولا يجب الرد عليه . ومن قال : لا يكره ، فمنهم من قال : لا يستحق جوابًا ، وإنما يستحب الرد في الحال بالإشارة ، وهو قول الشافعية . وحكى أصحابنا في وجوب الرد روايتين مطلقًا .
4 - باب من سمى قومًا أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم 1202 - حدثنا عمرو بن عيسى ، حدثنا أبو عبد الصمد العمي عبد العزيز بن عبد الصمد ، ثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نقول : التحية في الصلاة ، ونسمي ، ويسلم بعضنا على بعض ، فسمعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال : قولوا التحيات لله . فذكر التشهد بتمامه ، ثم قال : فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض . وقد تقدم هذا الحديث في أبواب التشهد بألفاظ أخر . وفي بعضها : أنهم كانوا يقولون : السلام على الله ، السلام على جبريل وميكائيل ، وعلى فلان وفلان . فأما السلام على الله فهو كلام غير جائز ، ولهذا قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقولوا السلام على الله . وقد خرجه البخاري فيما تقدم . وأما السلام على أشخاص معينين ، فإن كان بلفظ الغيبة ، فأكثر العلماء على أنه لا يبطل الصلاة . وقال الثوري وأبو حنيفة : هو كلام . وقد سبق ذكر ذلك في أبواب التشهد . وإن كان بلفظ الخطاب ، فهو كرد السلام في الصلاة على من سلم ، ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديث دليل على أن من تكلم في صلاته جاهلا ، أنه لا تبطل صلاته ؛ فإن كلام الجاهل قسمان : أحدهما : أن يتكلم في صلاته جاهلا بأن الكلام في الصلاة ممنوع ، وهذا يقع من كثير من أعراب البوادي وغيرهم ممن هو حديث عهد بالإسلام ، وقد كان هذا يقع في أول الإسلام كثيرًا . قالت الشافعية : ولا يعذر بذلك إلا قريب العهد بالإسلام ، فأما من طال عهده بالإسلام فتبطل صلاته ؛ لتقصيره في التعلم ، وكذا لو علم تحريم الكلام في الصَّلاة ، ولم يعلم أنه مبطل لها ، كما لو علم تحريم الزنا ، ولم يعلم حدّه ، فإنه يحدّ بغير خلاف . والثاني : أن يتكلم بكلام يظنه جائزًا ، وهو في نفسه غير جائز التكلم به في الصلاة وغيرها ، كقولهم : السلام على الله ، أو يتكلم بكلام يظنه جائزًا في الصلاة ، كما أنه جائز في غيرها ، كرد السلام وتشميت العاطس . وقد اختلف العلماء في حكم الجاهل في الصلاة : فمنهم من قال : حكمه حكم كلام الناسي ، وهو قول مالك والشافعي ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا . ومنهم من قال : تبطل ، بخلاف كلام الناسي ، وهو قول المالكية . والثالث : لا تبطل ، وإن قلنا : يبطل كلام الناسي ، وهو قول طائفة من أصحابنا . ويدل له : ما خرجه البخاري في الأدب من صحيحه هذا من حديث أبي هريرة ، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، وقمنا معه ، فقال أعرابي - وهو في الصلاة - : اللهم ارحمني ومحمدًا ، ولا ترحم معنا أحدًا ، فلما سلم النبي ، قال للأعرابي : لقد حجرت واسعًا يريد : رحمة الله . وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ، أنه صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم ، فقال له : يرحمك الله ، قال : فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أمياه ، ما شأنكم ، تنظرون إلي ؟ قالَ : فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، قال : فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لهُ : إن هذه الصَّلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم ينقل أنه أمر أحدا منهما بالإعادة . وكذلك روي ، عن معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وغيرهما . قال أصحابنا : ولأن الكلام كان مباحًا في أول الإسلام ، ثم نسخ ، والنسخ لا يثبت في حق الجاهل قبل العلم ، بدليل قصة أهل قباء في القبلة . ولكن هذا إنما يصح في حق من تمسك بالإباحة السابقة ، ولم يبلغه نسخها ، فأما من لا يعلم شيئًا من ذلك ، فلا يصح هذا في حقه . وكذلك من تكلم بكلام محرم في نفسه ، وهو يظن جوازه ، كقول القائل : السلام على الله ، وقول الآخر : اللهم ، ارحمني ومحمدًا ، ولا ترحم معنا أحدًا . وللشافعية فيمن علم أن جنس الكلام محرم في الصلاة ، ولم يعلم أن ما تكلم به محرم : هل يعذر بذلك ولا تبطل صلاته ؟ وجهان ، أصحهما : يعذر به . وكذلك لو جهل أن التنحنح ونحوه مبطل للصلاة .
14 - باب إذا قيل للمصلي : تقدم أو انتظر ، فانتظر فلا بأس 1215 - حدثنا محمد بن كثير ، نا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم عاقدو أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا . الظاهر : أن البخاري حمل الحديث على أن النساء قيل لهن ذلك في نفس الصلاة . وقد أنكر ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما تقدم إليهم بذلك قبل الصلاة ؛ لما علم من ضيق أزر الرجال ، فليس الحديث مما ترجم عليهِ . قلت : ولو خرج في الباب إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته إلى الذين صلوا وراءه قيامًا - وكان هو قاعدًا - : أن اجلسوا ، إذ أشار به لأبي بكر ، وهو يصلي بالناس ، أن اثبت مكانك ، في حديث مرضه ، وفي حديث إصلاحه بين بني عوف ، لكان دليلًا على ما بوب عليهِ . وحاصل الأمر : أن أمر المصلي بما فيهِ مصلحة لصلاته غير مكروه ، وأما أمره بما ليس من الصَّلاة فيكره . ذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قال إنسان لعطاء : يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة ، فيخبرني الخبر ، فأستمع إليه ؟ قالَ : ما أحبه ، وأخشى أن يكون سهوًا ، إنما هي المكتوبة ، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها . قال : فقلت لعطاء : أفتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة ، حتى إن مر بي إنسان وأنا في المكتوبة ، إذ جاء رجل ، فقال : صليت الصلاة ، كرهت أن أشير إليه برأسي ؟ قالَ : نعم ، أكره كل شيء من ذَلِكَ . فقيل له : أفعل ذلك في التطوع ؟ قالَ : إن كانَ شيء لا بد منه ، وأحب أن لا يفعل . وسيأتي ذكر إشارة المصلي والسلام عليهِ إن شاء الله تعالى . وقد بوب البخاري فيما بعد : باب : إذا كُلّم وهو يصلي فأشار بيده ، أو يستمع ، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن ثابت البناني ، عن أبي رافع ، قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وإن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم يصلي .
5 - باب التصفيق للنساء فيه حديثان : أحدهما : 1203 - حدثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، ثنا الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء . وخرجه مسلم أيضا . وخرجه أيضا من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ومن طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . ومن طريق همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وزاد في حديثه : في الصلاة . وخرجه النسائي من طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة . وخرج أبو داود من حديث رجل من الطفاوة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم : إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم ، وليصفق النساء . وله طرق أخرى ، عن أبي هريرة .
الحديث الثاني : 1204 - حدثنا يحيى ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قالَ : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء . وخرجه فيما تقدم من طريق مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل ، وذكر فيه قصة إصلاح النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بني عمرو بن عوف ، وصلاة أبي بكر بالناس ، وقال في آخر الحديث : من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيح للنساء . وخرجه مسلم . وفي الباب أحاديث أخر ، لم يخرج منها شيء في الصحيح . وقد ذكر الترمذي : أن العمل على هذا عند أهل العلم . وممن روي عنه ، أنه أفتى بذلك : أبو هريرة ، وسالم بن أبي الجعد . وقال به الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف . وأن المأموم ينبه إمامه بالتسبيح إذا كان رجلًا . وقد تقدم عن أبي حنيفة ، أنه إن سبح ابتداء فليس بكلام ، وإن كان جوابًا فهو كلام ، والجمهور على خلافه . ومذهب مالك وأصحابه : أنه يسبح الرجال والنساء . وحملوا قوله : إنما التصفيق للنساء على أن المراد : أنه من أفعال النساء ، فلا يفعل في الصلاة بحال ، وإنما يسبح فيها . وهذا إنما يتأتى في لفظ رواية مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، وأما رواية غيره : التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء في الصلاة فلا يتأتى هذا التأويل فيها . وأما رواية من روى : إذا نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم ، وليصفق النساء فصريحة في المعنى . فالمراد بالقوم : الرجال ، كما قال تعالى : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ الآية . وخرجه الإمام أحمد من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا أنساني الشيطان شيئًا في صلاتي فليسبح الرجال ، وليصفق النساء . وهو قول من رواية ابن لهيعة . وخرج الأثرم ، من رواية أبي نعامة ، عن جبر بن حبيب ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : جاء أبو بكر يستأذن ، وعائشة تصلي ، فجعلت تصفق ، ولا يفقه عنها ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهما على تلك الحال ، فقال : ما منعكِ أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه ؟ وذكر دعاء جامعًا ، ثُمَّ نادي لأبيك . وهذا إسناد جيد . وقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه ذكر الدعاء ، دون قصة الاستئذان . ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها التصفيق ، ولا أمرها بالتسبيح ، وإنما تصفق المرأة إذا كان هناك رجال . فأما إن لم يكن معها غير النساء ، فقد سبق أن عائشة سبحت لأختها أسماء في صلاة الكسوف ، فإن المحذور سماع الرجال صوت المرأة ، وهو مأمون هاهنا ، فلا يكره للمرأة أن تسبح للمرأة في صلاتها ، ويكره أن تسبح مع الرجال . ومن أصحابنا من قال : لا يكره . والأول : الصحيح . وقال بعض أصحابنا : الأفضل في حقها أيضا مع النساء التنبيه بالتصفيق أيضا . والكلام في هذا يشبه الكلام في جهر المرأة بالقراءة إذا أمت النسوة . وتصفيق المرأة ، هو : أن تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى ، هكذا فسره أصحابنا والشافعية وغيرهم . قالوا : ولا تضرب بطن كف على بطن كف ؛ فإن فعلت ذَلِكَ كره . وقال بعض الشافعية ، منهم : القاضي أبو الطيب الطبري : تبطل صلاتها به ، إذا كان على وجه اللعب ؛ لمنافاته صلاتها ، فإن جهلت تحريمه لم تبطل . قالوا : ولو سبحت المرأة ، أو صفق الرجل ، فقد خالفا السنة ، ولم تبطل صلاتهما بذلك . ويدل عليه : أن الصحابة أكثروا التصفيق خلف أبي بكر الصديق ، ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ، وإنما أمرهم بالأكمل والأفضل . وقد قال طائفة من الفقهاء : متى أكثروا التصفيق بطلت الصلاة . والحديث يدل على خلافه ، إلا أن يحمل على أنهم لم يكونوا يعلمون منعه ، فيكون حكمهم حكم الجاهل .
13 - باب من صفق جاهلًا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته لم يخرج فيه شيئًا . وفيه حديث سهل بن سعد ، وقد خرجه فيما تقدم . ومجرد التصفيق ليس مما يبطل الصلاة ، إنما يبطل الإكثار منه . وفي الحديث : أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر ، ولم يكونوا يعلمون أن التصفيق منهي عنه الرجال في الصلاة .
12 - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة ويذكر عن عبد الله بن عمرو : نفخ النبي - صلى الله عليه وسلم - في سجوده في الكسوف . حديث عبد الله بن عمرو هذا ، هو من رواية عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو هذا ، قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة - فذكر الحديث إلى أن قال - : فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية ، ويبكي ويقول : لم تعدني هذا وأنا فيهم ، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك ، وذكر باقي الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما . وعطاء بن السائب ، ثقة ، تغير بأخرة . وخرج الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن المغيرة بن شعبة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الصلاة ، فجعل ينفخ بين يديه ، ثم مد يده كأنه يتناول شيئًا ، فلما انصرف قال : إن النار أدنيت مني ، حتى نفخت حرها عن وجهي . ومجالد فيه ضعف .
الثاني : 1214 - حدثنا محمد ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى . وقد خرجه - فيما تقدم - عن آدم ، عن شعبة . ومقصوده الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لا يبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتًا كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة . وقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك . وقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟ فقالَ طائفة : هوَ كلام . قال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس . وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما . كذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام . وقد خرجه وكيع في كتابه ، والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في مسائله . وفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة . وخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلامًا . وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه في مسائله . وقيس ، هو ابن الربيع . وروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام . وروي عنه أيضا قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه . وعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام . وممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان : إحداهما : إن أراد به التأفيف فهو كلام . والثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها . وكرهه ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير ، من غير إفساد الصلاة به . وهو قول مالك وأحمد - في رواية - وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة . وقال أحمد - مرة - : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم . فحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين ، قالوا : إن بان منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا . ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ، ولا عن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور . واستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان . ولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص . وقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك - يعني في الصَّلاة - فانفخ . وهذا يدل على إباحته للحاجة إليه . وروي - أيضا - مثله عن بعض الصحابة . وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه : فروى عنبسة بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي ، فنفخ في سجوده ، فقالَ : لا تنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم خرجه النسائي ، وهو مما تفرد به عنبسة هذا . وقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لا بأس به . لكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال : كان يخطئ . وخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : أفلح ، ترّب وجهك . وقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ضعفه بعض أهل العلم . وخرجه الإمام أحمد أيضا . وميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك . ولكنه توبع عليهِ : فخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة ، فذكر الحديث مرفوعا ، وفيه : ترب وجهك لله . وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة ، فذكر الحديث . كذا في هذه الرواية : أبو صالح مولى آل طلحة ، وجاء في رواية ، أنه : مولى أم سلمة . قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان . انتهى . وهو مع هذا غير مشهور . والحديث بهذا اللفظ يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب أفضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب . وفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح . وقد سبق في باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .
خرج في هذا الباب حديثين : الأول : 1213 - ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على أهل المسجد ، وقال : إن الله قبل أحدكم إذا كان في صلاته ، فلا يبزقن - أو قال : لا يتخمن - ثم نزل فحتها بيده . وقال ابن عمر : إذا بزق أحدكم فليبزق عن يساره . وقد خرجه في أبواب القبلة من حديث مالك ، عن نافع ، مختصرًا .
6- باب من رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم لأمر ينزل به رواه سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حديث سهل ، قد سبق قريبًا ، وفيه رجوع أبي بكر القهقرى في صلاته ، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم فصلى مكانه .
1205 - حدثنا بشر بن محمد ، ثنا عبد الله ، قال يونس : قال الزهري : أخبرني أنس أن المسلمين بينا هم في الفجر يوم الاثنين ، وأبو بكر يصلي بهم ، ففجأهم النبي - صلى الله عليه وسلم قد كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ، وظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا فرحا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه ، فأشار بيده أن أتموا ، ثم دخل الحجرة ، وأرخى الستر ، وتوفي ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم حديث سهل بن سعد في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، وأنه كان يقوم عليه ، ثم ينزل فيسجد في الأرض . وقد سبق - أيضا - في أبواب صلاة الكسوف من حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مد يده في صلاة الكسوف ، كأنه يتناول شيئا ، ثم تكعكع ، أي : تأخره . وخرج مسلم من حديث جابر ، في صلاة الكسوف ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تأخر في صلاته ، فتأخرت الصفوف خلفه ، حتى انتهى إلى النساء ، ثم تقدم وتقدم الناس معه ، حتى قام في مقامه . وروى برد بن سنان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : جئت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في البيت ، والباب عليه مغلق ، فمشى حتى فتح لي ، ثم رجع إلى مكانه ، ووصفت الباب في القبلة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وهذا لفظه . وقال : حسن غريب . واستنكره أبو حاتم الرازي والجوزجاني ؛ لتفرد برد به . وبرد شامي قدري ، وثقه ابن معين ، وقال أحمد : صالح الحديث ، وقال أبو زرعة : لا بأس به ، وقال أبو حاتم : كان صدوقًا . وقد تقدم في باب : الركوع دون الصف حديث أبي بكرة ، أنه ركع دون الصف ، وأنه مشى حتى دخل في الصف . خرجه أبو داود بهذا اللفظ . وتقدم فيه عن جماعة من الصحابة بأنهم فعلوا ذلك ، منهم : زيد بن ثابت . وروي عن أبي بكر الصديق ، وعن خلق من التابعين ، ومن بعدهم . وعن سعيد بن جبير وعطاء ، أنهما رخصا في أن يركع قبل أن يصل إلى صفوف النساء ، ثم يمشي . وكل هذا يدل على أن المشي اليسير في الصلاة لا تبطل به الصلاة ، وأنه قول جمهور السلف . وكذلك أبو برزة مشى في صلاته إلى فرسه لما انفلتت ، فأخذها . وخرج البخاري حديثه فيما بعد . وقد قال أحمد : إذا فعل كفعل أبي برزة فصلاته جائزة . وقال حرب : قلت لأحمد : يفتح الباب - يعني : في الصلاة - حيال القبلة ؟ قالَ : في التطوع . ولعله أراد أنه لا يكره في التطوع خاصة ، ويكره في الفريضة . وأكثر أصحابنا على أن ذلك يرجع فيه إلى العرف ، فما عد في العرف مشيًا كثيرًا أبطل ، وما لم يعد كثيرًا لم يبطل ، وكذلك سائر الأعمال في الصلاة . ومنهم من جعل الثلاث في حد الكثرة ، فلم يعف إلا عن المرة والمرتين . وللشافعية في الضربتين والخطوتين وجهان . ومن الحنفية من قدر المشي المبطل بما جاوز محل السجود . وما دلت السنة عليه ، مع اتباع السلف فيه أولى . قال أصحابنا : وإنما يبطل العمل الكثير إذا توالى ، وما شك فيه لم يبطل ؛ لأن الأصل دوام الصحة ، فلا يزول بالشك في وجود المنافي . وما تفرق من ذلك ، وكان إذا جمع كثيرًا لم يبطل ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تكرر منه حمل أمامة في صلاته ووضعها ، وقد سبق حديث أمامة والكلام عليهِ بما فيهِ كفاية . ومذهب الشافعية كمذهب أصحابنا في ذلك كله ، في الرجوع إلى العرف على الصحيح عندهم ، مع قولهم : إن الثلاث في حد الكثرة بغير خلاف ، وفي الثنتين وجهان . وأصحابنا يخالفونهم في هذا خاصة ، ويقولون : ما لم يكن المشي والضرب يسمى كثيرًا عرفًا فهو غير مبطل . وهذا كله في العامد ، فأما الناسي والجاهل ، فأكثر أصحابنا والشافعية أن عمله الكثير يبطل كعمده . ومن الشافعية من قال : فيه وجهان ، أصحهما : لا يبطل ، كالكلام . وكذلك حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد ، أنه لا يبطل عمل الساهي وإن كثر . وقال : هي أصح . واستدل بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في خبر ذي اليدين ، حين سلم ساهيًا ، ثم لما ذكر بنى على صلاته ، وسيأتي الحديث في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى .
خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الأول - وهو موقوف - : 1211 - ثنا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا الأزرق بن قيس ، قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على حرف نهر ، إذا رجل يصلي ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل يتبعها ، وقال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي ، فجعل رجل من الخوارج يقول : اللهم ، افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ ، قال : إني سمعت قولكم ، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات - أو سبع غزوات أو ثمانيًا وشهدت تيسيره ، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها ، فيشق علي . فهذا موقوف على أبي برزة ، وفيه ما يشعر بتوبيخ من رفع ؛ لقوله : شهدت تيسير النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى : أنه شاهد من تيسيره صلى الله عليه وسلم ما استدل به على أن هذا العمل في الصلاة غير مضر بالصلاة . وقد تقدم أن الإمام أحمد قالَ : إذا فعل في صلاته كفعل أبي برزة فصلاته جائزة . ومتى كان يخاف من ذهاب دابته على نفسه ، فحكمه حكم الخائف ، فلا يبطل عمله في الصلاة لتحصيل دابته ، وإن كثر . وقد خرج البخاري حديث أبي برزة في الأدب من صحيحه هذا ، من طريق حماد بن زيد ، عن الأزرق ، به ، وفي حديثه : فانطلقت الفرس ، فخلى صلاته وأتبعها ، حتى أدركها ، فأخذها ، ثم جاء فقضى صلاته . والظاهر : أن المراد بترك صلاته ترك العمل فيها ، اشتغالا بطلب الفرس ، ثم جاء فبنى على ما مضى من صلاته .
الثاني : 1212 - نا محمد بن مقاتل ، نا عبد الله ، أنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : قالت عائشة : خسفت الشمس ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة طويلة ، ثم ركع فأطال ، ثم رفع رأسه ، ثم استفتح سورة أخرى ، ثم ركع حين قضاها وسجد ، ثم فعل ذلك في الثانية ، ثم قال : إنهما آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى يفرج عنكم ، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته ، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة ، حين رأيتموني أتقدم ، ولقد رأيت جهنم ، يحطم بعضها بعضًا ، حين رأيتموني تأخرت ، ورأيت فيها عمرو بن لحي ، وهو الذي سيب السوائب . في هذا السياق ما يستدل به على أنه لم يقرأ الفاتحة في قيامه الثاني من كل ركعة . وفيه : أن الناس في حال الكسوف في كربة وشدة تحتاج إلى التفريج . وفيه : أنه تقدم وتأخر في صلاته ، وأنه أخبر أن سبب تقدمه أنه أراد أن يأخذ قطفًا من الجنة ، وأن سبب تأخره قرب جهنم فتباعد عنها . وقد سبق القول في المشي في الصلاة والتقدم والتأخر . وأما تناول القطف من الجنة ، فليس هو من عمل الدنيا ، حتى يستدل به على تناول الحاجات في الصلاة ، وإنما هو من أمور الآخرة ، وكذلك الاشتغال بالنظر إليه في الصلاة ، وقد سبق ذكر هذا المعنى . ولكن في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، أن إنسانًا قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدية ، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة . وهذا مرسل .
11 - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة وقال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة . وروى عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة ، في رجل كان يصلي ، فأشفق أن تذهب دابته أو أغار عليها السبع ؟ قالا : ينصرف . وعن معمر ، عن قتادة ، قالَ : سألته ، قلت : الرجل يصلي فيرى صبيًا على بئر ، يتخوف أن يسقط فيها ، أفينصرف ؟ قال : نعم ، قلت : فيرى سارقًا يريد أن يأخذ نعليه ؟ قال : ينصرف . ومذهب سفيان : إذا عرض الشيء المتفاقم والرجل في الصلاة ينصرف إليه . رواه عنه المعافى . وكذلك إن خشي على ماشيته السيل ، أو على دابته . ومذهب مالك : من انفلتت دابته وهو يصلي مشى إليها فيما قرب ، إن كانت بين يديه ، أو عن يمينه أو عن يساره ، وإن بعدت طلبها وقطع الصَّلاة . ومذهب أصحابنا : لو رأى غريقًا ، أو حريقًا ، أو صبيين يقتتلان ، ونحو ذلك ، وهو يقدر على إزالته قطع الصلاة وأزاله . ومنهم من قيده بالنافلة . والأصح : أنه يعم الفرض وغيره . وقال أحمد فيمن كان يلازم غريمًا له ، فدخلا في الصلاة ، ثم فر الغريم وهو في الصلاة : يخرج في طلبه . وقال أحمد - أيضا - : إذا رأى صبيًا يقع في بئر ، يقطع صلاته ويأخذه . قال بعض أصحابنا : إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذه ، فإن كان العمل يسيرًا لم تبطل به الصلاة . وكذا قال أبو بكر في الذي خرج ورأى غريمه : إنه يعود ويبني على صلاته . وحمله القاضي على أنه كان يسيرًا . ويحتمل أن يقال : هو خائف على ماله ، فيغتفر عمله ، وإن كثر .
10 - باب ما يجوز من العمل في الصلاة فيه حديثان : الأول : 1209 - نا عبد الله بن مسلمة ، نا مالك ، عن أبي النضر ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كنت أمد رجلي في قبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فإذا سجد غمزني فرفعتها ، فإذا قام مددتها . قد تقدم هذا الحديث في غير موضع . والمقصود منه هاهنا : أن غمز المصلي امرأته النائمة بين يديه في صلاته جائز . وقد روي أن غمزها كان برجله ، وهذا عمل يسير في الصلاة ؛ لحاجة إليه ، وهو إخلاء موضع السجود ؛ ليتمكن من السجود فيهِ . وقد كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل السجود في صلاة الليل . وقد تقدم ذكر ذلك كله . وقولها : فإذا سجد غمزني يدل على أنه كان يتكرر ذلك منه كلما سجد في كل ركعة ، فكان يفعله في كل ركعة مرة عند سجوده ، ولم تكن تمدها حتى يقوم إلى الركعة الأخرى ، فما دام ساجدًا أو جالسًا بين السجدتين فرجلاها مكفوفة ، فإذا قام وقرأ في الركعة الأخرى مدت رجلها في قبلته حتى يسجد .
الحديث الثاني : 1210 - نا محمود - هو : ابن غيلان نا شبابة ، نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة ، فقال : إن الشيطان عرض لي ، فشد علي ليقطع الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فذعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان : رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحد مِنْ بَعْدِي ، فرده الله خاسئًا . معنى دعته : دفعته دفعًا عنيفًا ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ويقال : دعته بالدال المهملة وبالذال المعجمة ، ذكره في الجمهرة . وفي بعض نسخ كتاب الصحيح : قال النضر بن شميل : فذعته - بالذال - أي : خنقته ، و فدعته من قول الله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ أي : يدفعون ، والصواب : فدعته ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . وقال الخطابي : الذعت : شدة الخنق ، ويقال : ذعت وسات إذا خنق ، انتهى . ويقال : لا تصح رواية من رواه دعته بالدال المهملة وتشديد الدال ، فإنه لو كان من الدع كان أصله دعته ، وتدغم العين في التاء . وخرجه مسلم من طريق شعبة ، بمعناه أيضا . وخرج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح ، فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ من الصلاة قال : لو رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان ، لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة . وفي هذا الحديث من العلم : أن دفع المؤذي في الصلاة جائز ، وإن لم يندفع إلا بعنف وشدة دفع جاز دفعه بذلك . وقد سبق في دفع المار بين يدي المصلي ، أنه إن أبى فليقاتله ؛ فإنه شيطان . وهذا إذا كانَ أذاه يختص بالصلاة كالمار ، والشيطان الملهي عن الصَّلاة ، وكذلك إن كانَ أذاه لا يختص بالصلاة كالحية والعقرب . وروى يحيى بن أبي كثير ، عن ضمضم بن جوس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن صحيح . وضمضم هذا يمامي ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين والعجلي . وأخذ أكثر العلماء بهذا الحديث ، ورخصوا في قتل الحية والعقرب في الصلاة ، منهم : ابن عمر ، والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وكرهه النخعي خاصة ، ولعل السنة لم تبلغه في ذلك . وقال سفيان : لا بأس أن يقتل الرجل - يعني : في صلاته - الحية والعقرب والزنبور والبعوضة والبق والقمل ، وكل ما يؤذيه . وقد سبق القول في قتل القمل في الصلاة وفي المسجد في باب : دفن النخامة في المسجد وذكرنا هناك الاختلاف في كراهة قتل القمل في المسجد ودفنه فيه ، وإلقائه فيه . ومذهب مالك : أنه يقتلها في صلاته ، بل إن كان في غير المسجد ألقاها ، وإن كان في المسجد لم يلقها فيه ، ولم يقتلها . وكذلك كره قتل القملة في الصلاة : الليث وأبو يوسف . وقال الأوزاعي : تركه أحب إلي . ولم يكرهه الحسن وأبو حنيفة ومحمد وإسحاق وأكثر أصحابنا . وفي الحديث دليل على إمكان ربط الشيطان وحبسه وإيثاقه ، وعلى جواز ربطه في المسجد ، كما يربط الأسير فيه ، وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين ، وتلاعب الصبيان بهم . وأما قوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فإنه خرج على الأعم الأغلب ، وليس المراد به نفي إمكان رؤيتهم . وقد ظن بعض الناس أنه دال على ذلك ، فقال : من ادعى رؤيتهم فسق . وقد رآهم أبو هريرة وغيره من الصحابة ، وستأتي الأحاديث بذلك متفرقة في أماكنها إن شاء الله تعالى .
7 - باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة 1206 - وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نادت امرأة ابنها وهو في صومعته ، فقالت : يا جريج ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فقالت : يا جريج ، قال : اللهم أمي وصلاتي ، قالت : يا جريج ، قال : اللهم أمي وصلاتي ، قالت : اللهم لا يموت جريج حتى ينظر في وجوه المياميس ، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ، فولدت ، فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ قالت : من جريج ، نزل من صومعته ، قالَ : جريج : أين هذه التي تزعم أن ولدها لي ؟ قالَ : يا بابوس من أبوك ؟ قال : راعي الغنم . هكذا ذكره هاهنا تعليقًا ، من رواية الأعرج ، عن أبي هريرة . وقد خرجه في آخر الغصب ، وفي أخبار بني إسرائيل مسندًا ، من رواية جرير بن حازم ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، بتمامه . و المياميس : جمع مومسة ، وهي البغي ، وتجمع على مياميس ، قاله أبو زيد . وهكذا في جميع روايات البخاري . وقيل : إنما تجمع على مواميس بالواو ؛ لأن الكلمة من ذوات الواو . ورواه بعضهم المأميس - بالهمزة . و البابوس هو الصغير الرضيع من بني آدم ، وهو الصغير من أولاد الإبل أيضا . وقيل : إنه اسم لذلك المولود ، وهو بعيد . وفي الحديث : دليل على تقديم الوالدة على صلاة التطوع ، وأنها إذا دعت ولدها في الصلاة فإنه يقطع صلاته ويجيبها . قال حميد بن زنجويه في كتاب الأدب : نا الحسن بن الوليد ، نا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دعاك أبواك وأنت تصلي فأجب أمك ولا تجب أباك . وبإسناد ، عن شبيب بن يزيد ، قال : مكتوب في التوراة : إذا دعتك أمك وأنت تصلي ، فقل : لبيك ، فإذا دعاك أبوك ، فقل : سبحان الله . ومرسل ابن المنكدر قد رواه يزيد بن هارون ، عن ابن أبي ذئب ، عن ابن المنكدر ، فذكره . فتبين أنه لم يسمعه ابن أبي ذئب من ابن المنكدر . وقال حرب : قيل لأحمد : الحديث الذي جاء : إذا دعاك أبوك وأنت في الصلاة فأجبه ؟ فرأيته يضعف الحديث . وقال الأوزاعي ، عن مكحول : إذا دعتك أمك وأنت في الصَّلاة فأجب أمك ، ولا تجب أباك . قال الوليد بن مسلم : قلت للأوزاعي : في المكتوبة يجيبها ؟ قالَ : نعم ، وهل وجه إلا ذَلِكَ ؟ ثُمَّ قالَ : يؤذنها في المكتوبة بتسبيحة ، وفي التطوع يؤذنها بتلبية . ووجه التفريق بينهما : أن الأم برها آكد من بر الأب ؛ ولهذا وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - ببرها ثلاث مرات ، ثم وصى ببر الأب بعده . قال الحسن : للأم ثلثا البر . وقد روي ، عنه في رجل حلف عليه أبوه بكلام ، وحلفت عليه أمه بخلافه ؟ قالَ : يطيع أمه . وقال عطاء ، في رجل أقسمت عليه أمه أن لا يصلي إلا الفريضة ، ولا يصوم إلا رمضان ، قالَ : يطيعها . وإنما قدم طاعتها على التطوع ؛ لأن طاعتها واجبة ، وهذا يشترك فيهِ الوالدان . وقد سوى أصحابنا بينهما في إجابتهما في الصَّلاة ، وقالوا : لا تجب إجابتهما فيها ، وتبطل الصَّلاة . لكن إذا كان في نفل خرج وأجابهما ، بخلاف إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة لمن دعاه ؛ فإنها كانت واجبة ، نص عليهِ أحمد ، وقال : لا تبطل بها الصَّلاة . وكذلك قاله إسحاق بن راهويه ، وذكر أن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم وليست لأحد بعده . وكذلك هو الصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه . واستدلوا بأن المصلي يقول في صلاته : السلام عليك أيها النبي ، ولو خاطب بذلك غيره لبطلت صلاته . ولو قيل بوجوب إجابة الأم في الصلاة ، وأنها لا تبطل بها الصلاة ، لم يبعد ، وهو ظاهر قول مكحول والأوزاعي ، كما سبق . وكذا قال الأوزاعي في تحذير الضرير والصبي في الصلاة من الوقوع في بئر ونحوها : أنه لا بأس به . وفي الحديث دليل على استجابة دعاء الأم على ولدها . قال بعض السلف : يستجاب دعاؤها عليه ، وإن كانت ظالمة . وفي حديث أبي هريرة المرفوع : ثلاث دعوات تستجاب ، لا شك فيهن فذكر منها : ودعوة الوالدين على ولدهما . وعن ابن مسعود ، قال : ثلاث لا ترد دعوتهم : الوالد ، والمظلوم ، والمسافر .
9 - باب بسط الثوب في الصلاة للسجود 1208 - حدثنا مسدد ، ثنا بشر ، ثنا غالب ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه ، فسجد عليه . وقد خرجه - فيما تقدم - من هذا الوجه أيضا ، في أبواب اللباس في الصَّلاة ، وسبق الكلام هناك عليه مستوفى . وإنما المقصود منه : أنه إذا شق عليه السجود على الأرض من شدة حرها ، جاز له أن يبسط ثوبه في صلاته في الأرض ، ثم يسجد عليه ، ولا يكون هذا العمل في الصلاة مكروها ؛ لأنه عمل يسير لحاجة إليه ؛ فإن السجود على الحصى الشديد حره يؤذي ويمنع من كمال الخشوع في الصلاة ، وهو مقصود الصلاة الأعظم .
8 - باب مسح الحصى في الصلاة 1207 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يسوي التراب حين يسجد ، قال : إن كنت فاعلا فواحدة . وخرجه مسلم من طريق شيبان . وخرجه أيضا من طريق هشام الدستوائي ، عن يحيى ، هو : ابن أبي كثير ، ولفظ حديثه : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح في المسجد - يعني : الحصى قال : إن كنت لا بد فاعلا فواحدة . وفي رواية له ، بهذا الإسناد ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسح في الصلاة ، فقال : واحدة . وفي الباب عن جماعة من الصحابة ، لم يخرج منه في الصحيح غير حديث معيقيب . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم . يعني : على كراهة مسح الحصى ، والرخصة في المرة الواحدة منه . وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصَّلاة . وكان ابن عمر يصلي فيمسح الحصى برجليه . وروي عن ابن مسعود ، أنه يسويه مرة واحدة إذا سجد . وكان أبو هريرة وأبو ذر يرخصان في مسحه مرة واحدة . وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف بأسًا . وكره ذلك الأوزاعي وأصحاب الرأي . وقال أصحاب الرأي : لا بأس به مرة ، وتركه أحب إلينا . وكان عثمان بن عفان وابن عمر يمسحان الحصى لموضع السجود ، قبل إن يدخلا في الصلاة . قال ابن المنذر : هذا أحب إليّ ، ولا يخرج أن مسحه مرة ؛ لحديث معيقيب ، وتركه أفضل . انتهى . ورويت كراهيته عن علي وابن مسعود وابن عباس . وعن ابن عمر ، قال : هو من الشيطان . ورخص فيه مرة واحدة أبو عبد الرحمن السلمي . وهو قول سفيان الثوري . وقال ليث بن أبي سليم : سمعت العلماء يقولون : تحريك الحصى ومسحه في الصلاة أذى للملكين . وقد روي في سبب كراهيته : إن الرحمة تواجه المصلي ، فإذا أزال ما يواجهه من التراب والحصى ، فقد أزال ما فيه الرحمة والبركة . فروى الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى ؛ فإن الرحمة تواجهه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن . وأبو الأحوص هذا ، ضعفه ابن معين وغيره . وروى ابن المبارك في كتابه عن الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب ، قال : قال ابن مسعود : إن الأرض لتزين للمصلي ، فلا يمسحها أحدكم ، فإن كان ماسحها لا محالة فمرة مرة ، ولأن يدعها خير له من مائة ناقة للنقلة . واعلم ؛ أن مسح الحصى في الصَّلاة يكون على وجهين : أحدهما : أن يكون عبثًا محضًا لغير وجه ، فهذا مكروه ؛ لأن العبث في الصلاة مكروه ، كما يكره ذلك في حال استماع الخطبة . وفي الحديث الصحيح : ومن مس الحصى فقد لغا . فإن كانت الرخصة في المرة الواحدة من هذا النوع ، فيشبه أن يكون معناه : أن المرة الواحدة تقع عن سهو وغفلة ، والمعاود إنما يكون عن تعمد وقصد ، كما قالَ في نظر الفجأة : إن لك الأولى ، وليست لك الآخرة . ويشهد لهذا : ما خرجه الإمام أحمد من رواية شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ، كلها سود الحدقة ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة . وشرحبيل مختلف في أمره . ورأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بالحصى ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . الوجه الثاني : أن يكون عن حاجة إليه ، مثل أن يشتد حر الحصى ، فيقلبه ليتمكن من وضع جبهته عليه في السجود ، أو يكون فيه ما يؤذيه السجود عليه ، فيصلحه ويزيله ، فهذا يرخص فيه بقدر ما يزول به الأذى عنه ، ويكون ذلك مرة واحدة . قال أحمد : لا بأس بتسوية الحصى إن اضطر . وروى الأثرم بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ، ثم سجد فسوى الحصى ، ثم تقبطه بيده . وروى الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي الحصى . وهذا غريب جدًا . وقريب من هذا : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ، قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فأخذ قبضة من الحصى ؛ لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر . وزعم أبو بكر الأثرم : أن الرخصة في المرة الواحدة ناسخة للنهي المطلق . وفيه نظر . ومذهب مالك : يكره أن ينقل الحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ، فيسجد عليه ، ولا يكره أن يسجد على ثوبه في الحر . واستدل بعض من قال : إنه لا يرخص في الصلاة في أكثر من عمل واحد ، كخطوة أو ضربة ، بهذا الحديث . وإنما يدل هذا الحديث على كراهة ما زاد على المرة الواحدة ، حيث كان لا يحتاج إلى الزيادة على ذلك ، فإن تسوية الحصى المقصود منه - غالبًا - بمرة واحدة ، وهذا خلاف ما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة ، كالمشي والضرب ونحوهما ، وبذلك يجمع بين النصوص كلها في هذا الباب .
22 كتاب السهو بسم الله الرحمن الرحيم 1 - باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفرض 1224 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين من بعض الصلوات ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه ، كبر قبل التسليم ، فسجد سجدتين وهو جالس ، ثم سلم . 1225 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، نا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة ، أنه قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين من الظهر ، لم يجلس بينهما ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ، ثم سلم بعد ذلك . قد خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في أبواب التشهد ، من حديث شعيب ، عن الزهري ، ومن حديث جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج . وفي حديثهما : أن ذلك كان في صلاة الظهر . وقد أجمع العلماء على أن من ترك التشهد الأول من الصلاة الرباعية أو المغرب ، وقام إلى الثالثة سهوا ، فإن صلاته صحيحة ، ويسجد للسهو . وقد روي ذلك عن خلق من الصحابة ، بأنهم فعلوه . وروي عن عمر ، أنه تشهد مرتين ، فقضى التشهد الأول في تشهده الأخير . روى سفيان الثوري : حدثني أبي ، عن الحارث بن شبيل ، عن عبد الله بن شداد ، قال : قام عمر في الركعتين فمضى ، فلما سلم في آخر صلاته سجد سجدتين ، وتشهد مرتين . وقال عبد الرزاق : عن ابن جريج : قال عطاء : إذا قام في قعود ، فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو ، وتشهد تشهدين . وإن كان ترك التشهد الأول عمدا ، ففي بطلان صلاته اختلاف ، ذكرناه في التشهد . وإذا كان ساهيا فله ثلاثة أحوال : أحدها : أن يستمر سهوه حتى يقرأ في الركعة الثالثة ، فإنه يستمر ولا يرجع إلى السجود عند جمهور العلماء . وروي عن الحسن ، أنه يجلس للتشهد ، وإن قرأ ، ما لم يركع . وهذا يدل على أن التشهد الأول عنده واجب متأكد . الحالة الثانية : أن لا يستمر قائما ، فقال الجمهور : له أن يرجع . وقال أحمد : يجب أن يرجع ، بناء على قوله : إن هذا التشهد واجب . ويسجد للسهو ، وإن رجع ، عند جمهور العلماء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبي ليلى والشافعي وأحمد . وروي عن النعمان بن بشير ، وعن أنس بن مالك ، أنهما فعلاه . وروي عن أنس ، أنه فعله ، وقال : هو السنة . رواه سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس . قال الدارقطني : لم يقله عن يحيى غيره ، قال : وزيادة الثقة مقبولة . وقال طائفة : إذا رجع لم يسجد للسهو ، وهو قول علقمة والأوزاعي ، وهو أحد قولي الشافعي . وحكي عن بعض أصحابنا أيضا - وهو ابن حامد - أنه إذا رجع قبل أن يستتم قائما لم يسجد . وقال مالك : إذا فارقت أليته الأرض وناء للقيام لم يرجع ، ويسجد للسهو . وقال حسان بن عطية : إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى . وعند أبي حنيفة : إن كان إلى القعود أقرب عاد فجلس وتشهد ، وإن كان إلى القيام أقرب لم يقعد ، ويسجد للسهو . الحالة الثالثة : أن يستتم قائما ولا يقرأ ، وفيه قولان : أحدهما : لا يجوز أن يجلس ، وحكي عن علقمة والضحاك وقتادة ، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد - في رواية وهي المذهب عند ابن أبي موسى . وممن كان لا يجلس إذا استتم قائما : سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر وابن الزبير وغير واحد من الصحابة . والثاني : أن له أن يرجع ، ما لم يشرع في القراءة ، وهو قول النخعي وحماد والثوري - مع قوله بكراهة الرجوع وروي نحوه عن الأوزاعي - أيضا - وهو قول أحمد في المشهور ، عنه عند أكثر أصحابه ، ووجه لأصحاب الشافعي ، وحكاه ابن عبد البر عن مالك والشافعي . واستدلوا بأن القراءة هي المقصود الأعظم من القيام ، من لم يأت به فلم يأت بالمقصود من القيام ، فكأنه لم يوجد القيام تاما . وفي هذا نظر . وحكى ابن عبد البر عن جمهور العلماء القائلين بأنه لا يرجع إذا تم قيامه : أنه إذا رجع لم تفسد صلاته ؛ لأن الأصل ما فعله ، وترك الرجوع له رخصة . وحكى عن بعض المتأخرين أنه تفسد صلاته ، قال : وهو ضعيف ، كذا قال . ومذهب الشافعي عند أصحابه : أنه إن رجع عالما بالحال بطلت صلاته . والجمهور على كراهة الرجوع ، وإن لم تفسد به الصلاة عند من يرى ذلك ، وإنما حكي الخلاف في كراهته عن أحمد . وقوله : إن الرجوع هو الأصل ، وتركه رخصة ، ليس كما قال ، بل الأصل أن من تلبس بفرض أنه يمضي فيه ، ولا يرجع إلا إلى ما هو فرض مثله ، فأما إن رجع من فرض إلى سنة ، فليس هو الأصل ، وإنما يجيء الرجوع على قول من يقول : إن التشهد واجب ، وابن عبد البر لا يرى ذلك . واستدل من لم يجوز الرجوع بما روى جابر الجعفي ، عن المغيرة بن شبيل ، عن قيس بن أبي حازم ، عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قام أحدكم فلم يستتم قائما فليجلس ، وإذا استتم قائما فلا يجلس ، ويسجد سجدتي السهو . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون . وهذا كله في قيامه من التشهد الأول في الصلاة المفروضة ، كما بوب عليه البخاري ، فإن كانت صلاته نفلا ، وكان نوى ركعتين ، ثم قام إلى ثالثة نهارا ، فهو مخير ، إن شاء أتمها أربعا ، وهو أفضل ؛ لأن صلاة أربع بالنهار لا كراهة فيها ، وبذلك يصون عمله عن الإلغاء ، فكان أولى ، وإن شاء رجع وتشهد وسجد للسهو ، هذا قول أصحابنا وجمهور العلماء . ومن الشافعية من قال : الأفضل أن يرجع ؛ لئلا يزيد على ركعتين . وروي عن مالك : الأفضل السجود ، ما لم يركع في الثالثة . وعنه : ما لم يرفع رأسه من ركوعها ، ثم يكون المضي أفضل . ومتى أتمها أربعا ، فعند أصحابنا : إن كان قد تشهد عقيب الركعتين لم يسجد ، وإلا سجد . وحكي عن مالك والأوزاعي والشافعي : يسجد لتأخيره السلام عن هذا التشهد . وإن كان ذلك في صلاة الليل ، فإنه يرجع ولا يتمها أربعا ، ويسجد للسهو ، نص عليه أحمد . فإن أتمها أربعا ، ففي بطلان صلاته وجهان ، بناء على الوجهين في صحة تطوعه بالليل بأربع . وحكي عن مالك والشافعي أن الأفضل أن يمضي فيها . وقال الأوزاعي ومالك - في رواية - : إن كان قد ركع في الثالثة لم يرجع ، وإلا رجع . وعن مالك رواية : أنه يراعي الرفع في الركوع ، كما سبق عنه . وقال الثوري - في رجل صلى تطوعا ركعتين ، فسها فقام في الثالثة - : كان الشعبي يقول : يمضي ويجعلها أربعا ، وقال الثوري : وأحب إلي أن يجلس ويسلم .
ثم خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الأول : 1234 - حدثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه ، أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء ، فخرج يصلح بينهم ، في أناس معه فذكر الحديث بطوله . وقد تقدم قريبًا بنحو سياقه ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل . فالحديث رواه قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، وعن يعقوب بن عبد الرحمن ، كلاهما عن أبي حازم ، عن سهل . والمقصود من هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يشق الصفوف ، حتى قام في الصف ، فالتفت أبو بكر فرآه ، فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم يأمره أن يصلي ، فاستدل البخاري بإشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر على جواز الإشارة في الصلاة . وليس في الحديث تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند إشارته إلى أبي بكر في الصلاة ، بل كان قائما في الصف ، فيحتمل أنه كان كبر للصلاة ، ويحتمل أنه لم يكن كبر . ولا يقال : لو لم يكن كبر لأمره بالقول دون الإشارة ؛ لأن حديث أنس في كشف النبي - صلى الله عليه وسلم - الستارة يوم الاثنين ، والناس خلف أبي بكر في صلاة الفجر ، فيهِ : أنه صلى الله عليه وسلم أشار إليهم أن أتموا ، ثُمَّ أرخى الستر ، ولم يكن حينئذ في صلاة . وكذلك في حديث عائشة ، في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم لما صلّى أبو بكر ، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين ، فأشار إلى أبي بكر أن صلّ ، وتأخر أبو بكر ، وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه . وقد خرج البخاري ذلك كله في أبواب الإمامة . ولعل المعنى في ذلك : أن الإشارة إلى المصلي بما يفعله في صلاته أقل لشغل باله من خطابه بالقول ، لما يحتاج إلى تفهم القول بقلبه ، والإصغاء إليه بسمعه ، والإشارة إليه يراها ببصره ، وما يراه ببصره قد يكون أقل إشغالا له مما يسمعه بأذنه . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحديث الثاني : 1235 - نا يحيى بن سليمان ، نا ابن وهب ، نا الثوري ، عن هشام ، عن فاطمة ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : دخلت على عائشة ، وهي تصلي قائمة ، والناس قيام ، فقلت : ما شأن الناس ؟ فأشارت برأسها إلى السماء ، فقلت : آية ؟ فقالت برأسها : أي نعم . هذا قطعة من حديث صلاة الكسوف ، وقد سبق في مواضع مطولا ومختصرًا . والإشارة فيه من فعل عائشة وهي تصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم وليس ذلك بمرفوع .
الحديث الثالث : 1236 - نا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته - وهو شاك - جالسًا ، وصلى وراءه قوم قيام ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا . وقد سبق هذا الحديث في أبواب الإمامة أيضا . وسبق هناك من حديث مالك ، عن الزهري ، عن أنس ، معناه ، غير أنه لم يذكر فيه : أشار إليهم أن اجلسوا . وقد رواه معمر ، عن الزهري ، وذكر فيه هذه الزيادة . خرجه الإمام أحمد . وخرجه أيضا هو وأبو داود ، بهذا الإسناد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير في الصلاة . وقد قيل : إنه مختصر من هذا الحديث . وفي الإشارة في الصلاة أحاديث أخر ، سبق بعضها في باب : رد السلام في الصلاة ، وبعضها في أبواب المرور بين يدي المصلي . وأكثر العلماء على أن الإشارة في الصلاة لا بأس بها ، روي ذلك عن عائشة ، وفعله ابن عمر وسعيد بن جبير وغيرهما . وقال الحسن : لا بأس بالإيماء في الصلاة . وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهما . لكن فعله من غير حاجة من باب العبث ، وهو مكروه في الصلاة . وسئل النخعي عن الإشارة في الصلاة ، فقال : إن في الصلاة لشغلًا . وكذا قال الثوري . وكرهه عطاء خصوصًا في المكتوبة ، وقد تقدم قوله في ذلك . وكره قوم الإشارة في الصلاة ، بما ليس من شأن الصلاة ، ومنهم : أبو زرعة الرازي وأبو بكر الأثرم . وقد روي عن عائشة أنها كانت تشير في الصلاة بما ليس من شأن الصلاة . وعن أوس بن أوس وغيره . وروى ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ، فأشارت إليه بثوبه ، فأشار إليها صلى الله عليه وسلم أن اغسليه . خرجه الجوزجاني . وهو إسناد ضعيف . وإن صح ، فإنما فيه إباحة الإشارة في الصلاة بما فيه مصلحة دينية ، وليس دنيويًا محضًا . وروى ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس ، عن أبي غطفان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ، من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد لها يعني : الصلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وخرجه البزار ولفظه : فليعد صلاة أفسدت ، وقال أبو داود : هذا الحديث وهم ، وقال أحمد - في رواية ابن هانئ - : لا يثبت هذا الحديث ، إسناده ليس بشيء . وقال - في رواية غيره - : لا أعلم رواه غير ابن إسحاق . وقال أبو زرعة الرازي : هو عندي ليس بذاك الصحيح ، ولم يروه غير ابن إسحاق . وقال الأثرم : ليس بقوي الإسناد . وقال الدارقطني : قال لنا ابن أبي داود : أبو غطفان هذا رجل مجهول ، وآخر الحديث زيادة في الحديث ، لعله من قول ابن إسحاق . يعني : أن آخره مدرج ، ليس هو من تمام الحديث المرفوع . وهذا هو الظاهر . وهذا يدل على أن أبا غطفان هذا ليس هو المري الذي خرج له مسلم ، بل هو غيره . وابن إسحاق مدلس ، ولم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة ، فلعله دلسه عن ضعيف .
9 - باب الإشارة في الصلاة قاله كريب ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حديث كريب ، عن أم سلمة ، هو الذي خرجه في الباب الذي قبله .
2 – باب إذا صلى خمسا 1226 - حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسة ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعدما سلم . وقد خرجه البخاري في أبواب استقبال القبلة - فيما مضى - من رواية منصور ، عن إبراهيم بهذا الإسناد ، بسياق مطول ، وفي حديثه قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص . وذكر في الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد سجدتين ، ثم سلم . وزاد في آخر الحديث : وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين . وخرجه مسلم من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، به ، ولفظه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزاد أو نقص - قال إبراهيم : الوهم مني فقيل : يا رسول الله : أزيد في الصلاة شيء ؟ قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ، ثم تحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد سجدتين . وقد اتفقت الروايات عن إبراهيم في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر بسهوه لم يزد على أن سجد سجدتين . وهذا يدل على أنه كان سهوه بزيادة لا بنقص ، فإنه لو كان سهوه بنقص لأتى بما نقص من صلاته ثم سجد ، فلما اقتصر على سجدتي السهو دل على أن صلاته كانت قد تمت ، وأن السهو كان في الزيادة فيها . ولكن رواه أبو بكر الحنفي ، عن مسعر ، عن منصور ، وقال في حديثه : ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم صلاته ، وسجد سجدتين بعدما سلم . وذكر إتمامه صلاته زيادة غير محفوظة ، لم يقلها غير أبي بكر الحنفي ، وهو ثقة يتفرد بغرائب ، ولم يتابع على هذه الزيادة . وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سويد النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر خمسا ، فلما انفتل توشوش القوم بينهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، هل زيد في الصلاة ؟ قال : لا ، قالوا ، فإنك قد صليت خمسا ، فانفتل ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون . خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين . وخرجه مسلم - أيضا - من طريق أبي بكر النهشلي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا ، فقلنا : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أذكر كما تذكرون ، وأنسى كما تنسون ، ثم سجد سجدتي السهو . وإلى هذا الحديث ذهب جمهور أهل العلم ، وأنه إذا صلى رباعية خمسا أو أكثر من ذلك ، أو المغرب أربعا أو أكثر ، أو الفجر ثلاثا أو أكثر ، ثم ذكر بعد سلامه أنه يسجد سجدتي السهو ، وتجزئه صلاته . وروي ذلك عن علقمة والحسن وعطاء والزهري والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وفقهاء أهل الحديث جملة . وقالت طائفة : إن لم يكن قعد بعد الركعة الأخيرة من صلاته قدر التشهد فسدت صلاته ، وعليه الإعادة ، وإن كان قعد عقيب انقضاء صلاته قدر التشهد أجزأه ، وهو قول جماعة من الكوفيين ، منهم : حماد وأبو حنيفة والثوري . وقالوا : إذا لم يذكر حتى سجد في الخامسة ، ولم يكن قعد عقيب الرابعة تحولت صلاته نفلا ، وشفعها بسادسة . ولو لم يشفعها جاز عند أبي حنيفة وأصحابه إلا عند زفر ؛ فإنه لا بد أن يشفعها ؛ لأنه بتلبسه بالخامسة لزمه إتمام ما شرع فيه من النفل . وإن كان جلس عقيب الرابعة ، ثم ذكر بعد تمام الخامسة ضم إليها ركعة أخرى ، وكانت الركعتان نافلة . واختلف الحنفية : هل تجزئانه من سنة الصلاة بعدها ، أو لا ؟ واستدل الجمهور بحديث ابن مسعود ، وقد روي عنه أنه عمل بمقتضاه ، وكذلك عمل به علقمة راويه عنه ، وهما أعلم بمدلول ما روياه . والظاهر : أنه لم يكن قعد عقيب الرابعة ؛ لأنه قام إلى الخامسة معتقدا أنه قام عن ثالثة ، ولأن هذا زيادة في الصلاة من جنسها سهوا ، فلا تبطل به الصلاة ، كما لو ذكر قبل أن يسجد في الخامسة ، فإن هذا قد وافقوا عليه ، وأن صلاته لا تبطل بذلك ، وأنه يرجع فيتشهد ويسلم ، وتجزئه صلاته ، ولا فرق في هذا بين صلاة وصلاة . وحكي عن قتادة والأوزاعي : أن من صلى المغرب أربعا ، ثم ذكر ، أنه يأتي بخامسة ، يقطعها على وتر . وروى جابر الجعفي ، عن الشعبي وسالم والقاسم وعطاء - في رجل صلى المغرب أربعا - قالوا : يعيد . قال أحمد : إنما يرويه جابر . يعني : أنه تفرد به ، وهو ضعيف مشهور . وذهب بعض المالكية إلى أن من زاد في صلاته مثل نصفها سهوا ، أن صلاته تبطل ، ورد ابن عبد البر ردا بليغا . وروى زياد بن عبيد الله الزيادي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ست ركعات . وروى ابن وهب في مسنده ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر سبع ركعات ، وعليه حلة حرير ، أهداها له أكيدر دومة ، فلما انصرف نزعها ، وقال : إني نظرت إليها ، فألهتني عن صلاتي . وهذا مرسل . وفي الحديث دليل على أنه يسجد للسهو إذا لم يذكره إلا بعد السلام ، وإن كان قد تكلم بينهما ، وبهذا قال علقمة وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد . لأن السجود مرسل هنا ، منقول بعد السلام ، فلا يمنع الكلام فعله ، كالتكبير في أيام التشريق ، هكذا علله بعض أصحابنا . ويقتضي ذلك : أنه لا يمنع السجود فيه إن تكلم بعد ذكره عمدا . وفي بعض روايات حديث ابن مسعود ما يدل على ذلك ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بعد تذكيرهم له بزيادته ، ثم سجد . وقال أبو حنيفة : متى تكلم لم يسجد ؛ لأن الكلام ينافي الصلاة . واختلفوا : هل يعتبر أن لا يطول الفصل بين السلام من الصلاة والسجود ، أم لا ؟ وفيه قولان : أحدهما : يعتبر ذلك ، فإن طال الفصل امتنع السجود ؛ لأن سجود السهو تكملة للصلاة ، فلا يبنى عليها مع طول الفصل ، كسائر أفعال الصلاة ، وهذا قول الشافعي - في أصح قوليه ، وهو الجديد منهما - وأحمد في إحدى الروايتين . واعتبر - أيضا - ألا يكون خرج من المسجد ، وعليه أكثر أصحابه . ومنهم من لم يعتبره ، وهو قول الشافعي وأصحابه ، وهو رواية أخرى عن أحمد ، ومذهب الثوري وغيره من العلماء . والثاني : لا يعتبر قرب الفصل ، بل يسجد وإن طال الفصل ، وهو قول الضحاك ويحيى بن سعيد والثوري ومكحول والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي - في قوله الآخر - وأحمد - في الرواية الأخرى لأنه جبران ، يفعل بعد التحلل من العبادة ، فيجوز فعله بعد طول الزمان كجبران الحج . وقال مالك : إن كان السجود بعد السلام جاز فعله إذا ذكره وإن طال الزمان ، وإن كان قبل السلام لم يفعله إلا مع قرب الفصل ، فإن تباعد أعاد الصلاة ؛ لأنه جزء من الصلاة . وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه يفعله مطلقا ، وإن طال الزمان ، ما لم ينتقض وضوؤه . وعن ابن شبرمة والحكم : يسجد ما لم يخرج من المسجد ، فإن خرج أعاد الصلاة . وقال أبو حنيفة : يسجد ما لم يخرج من المسجد أو يتكلم . وقال عطاء : يسجدهما ما لم يتم ، ولو اتكأ ، ثم ذكر ، جلس فسجد ، وإن قام فليصل ركعتين ، ولا يسجد للسهو . وقال الليث بن سعد : يسجد ما لم ينتقض وضوؤه . وعن الحسن وابن سيرين : يسجد ما لم يصرف وجهه عن قبلته ، فإن صرفه لم يسجد . وحديث ابن مسعود صريح في رد هذا ، وقد سبق القول فيه في أبواب استقبال القبلة . وللشافعية وجه : أنه لا يسجد مع قرب الفصل - أيضا - ؛ لفوات محله ، وهو قبل السلام عندهم . قال بعضهم : وهذا غلط ؛ لمخالفته للسنة . قالوا : وهل يكون هذا السجود عائدا إلى حكم الصلاة ؟ فيه وجهان . ولهما فوائد : منها : لو تعمد الكلام في هذا السجود والحديث ، فإن قيل : إنه عائد إلى الصلاة بطلت صلاته ، وعلى الآخر لا تبطل . ومنها : إن قيل : عائد إلى الصلاة ، لم يكبر الافتتاح ، ولم يتشهد ، بل يسلم بعد السجود ، وعلى الآخر يكبر للافتتاح ، وفي تشهده وجهان ، أصحهما : لا يتشهد ؛ لأنه لم يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء . قالوا : ويسلم على الصحيح ، سواء تشهد أو لا ؛ للأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - سجد ثم سلم . ومذهب الثوري إذا أحدث في سجدتي السهو لم تبطل صلاته ، وليست بمنزلة الصلاة . واستدل طائفة بهذا الحديث على من زاد في صلاته سهوا ، فإنه يسجد لذلك بعد السلام ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام ، وهذا قول مالك وأبي ثور ورواية عن أحمد . وحكي عن أحمد : أن زيادة عدد الركعات خاصة يسجد لها بعد السلام مطلقا ، وهو الذي حكاه الترمذي في جامعه عن أحمد ، وحكى القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين ، لو ذكر قبل السلام ، أنه يسلم ثم يسجد بعد السلام . وقد ذهب إليه بعض أهل الحديث . والذي عليه جمهور العلماء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سجد في حديث ابن مسعود بعد سلامه ؛ لأنه لم يشعر بسهوه إلا بعد السلام من صلاته ، فكان سجوده بعد السلام ؛ فإنه إنما سلم ظانا أن صلاته لا زيادة فيها ، وإنما علم بالزيادة فيها بعد ذلك . وقد صرح الإمام أحمد بهذا المعنى في رواية حرب ، وغيره . وسيأتي القول في محل سجود السهو فيما بعد إن شاء الله تعالى .
8 - باب إذا كلم وهو يصلي فأشار برأسه أو استمع 1233 - حدثنا يحيى بن سليمان ، نا ابن وهب ، أخبرني عمرو ، عن بكير ، عن كريب . فذكر حديثًا قد ذكرناه بتمامه في باب : ما يصلى بعد العصر من الفوائت ، وفيه : أن أم سلمة قالت : دخل علي - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار ، فأرسلت إليه الجارية ، فقلت : قومي بجنبه ، قولي له : تقول لك أم سلمة : يا رسول الله ، سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين ، وأراك تصليهما ، فإن أشار بيده ، فاستأخري عنه ، ففعلت الجارية ، فأشار بيده ، فاستأخرت عنه ، فلما انصرف قال : يا ابنة أبي أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، إنه أتاني ناس من عبد القيس ، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان . وخرجه في المغازي أيضا بهذا الإسناد ، ثم قال : وقال بكر بن مضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر ، فذكر نحوه . ومقصوده بهذا الباب أن المصلي يجوز أن يكلم في صلاته ، ويستمع لمن كلمه ، ويشير بيده أو برأسه ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أم سلمة إرسالها الجارية إليه ؛ لتكلمه وهو يصلي ، بل أشار إليها فاستأخرت عنه ، ثم أجاب عن سؤالها بعد الصلاة . وقد اختلف السلف في هذا : فمنهم من رخص فيه ، ومنهم من كرهه . قال عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وإن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم يصلي . وعن ابن جريج ، عن عطاء ، في الرجل كان يصلي ، فيمر به رجل ، فيقول له : فعلت كذا وكذا ؟ قالَ : ليتم صلاته ، ثُمَّ ليسجد سجدتي السهو . قالَ : وقلت لعطاء : أتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة ، حتَّى أن يمر بي إنسان وأنا في المكتوبة ، فقالَ : صليت الصَّلاة ؟ كرهت أن أشير إليه برأسي ، فأقول : نعم ؟ قالَ : أكره كل شيء من ذَلِكَ ، فقيل لهُ : فإن كانَ في التطوع ؟ فقال : إن كان شيئًا لا بد منه ، وأحب إلي أن لا تفعل . قال : وقال إنسان لعطاء : يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة ، فيخبرني الخبر ، فأستمع إليه ؟ قالَ : ما أحبه ، وأخشى أن يكون سهوًا ، إنما هي المكتوبة ، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها . ففرق عطاء بين المكتوبة وغيرها ، فكرهه في المكتوبة ، وقال في التطوع : إن كان شيئًا لا بد منه ، وأحب إلي أن لا يفعل ، لم يكرهه .
3 - باب إذا سلم في الركعتين أو في ثلاث سجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول 1227 - حدثنا آدم ، ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر أو العصر ، فقال له ذو اليدين : الصلاة يا رسول الله ، نقصت ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين . قال سعد : ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين ، فسلم وتكلم ، ثم صلى ما بقي ، وسجد سجدتين ، وقال : هكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم بوب البخاري هذا الباب على أن من سلم من نقص ركعتين أو ركعة من صلاته ، فإنه يأتي بما بقي عليه ، ويسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول ، وتجزئه صلاته . ولم يخرج الحديث من الرواية التي فيها : وسجد سجدتين مثل سجوده أو أطول ، وإنما خرجها فيما بعد من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة . وهذه الرواية المخرجة في هذا الباب من أهل المدينة ، رواها سعد بن إبراهيم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولعل البخاري إنما صدر طرق حديث أبي هريرة برواية المدنيين ؛ لأن هذه الرواية فيها متابعة لرواية البصريين في ذلك السجود للسهو ، وإن كانت رواية البصريين فيها زيادة ذكر طول السجود . وقد ذكر النسائي أنه لا يعلم أحدا ذكر عن أبي سلمة في هذا الحديث : ثم سجد سجدتين غير سعد بن إبراهيم . ثم خرجه من طريق عمران بن أبي أنس ويحيى بن أبي كثير والزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ولم يذكر فيه سوى قضاء الركعتين . وخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، ولم يتم لفظ الحديث ، بل اختصره . وقال أبو داود : رواه يحيى بن أبي كثير وعمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، والعلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ولم يذكروا أنه سجد السجدتين . ورواه ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، وقال فيه : ولم يسجد للسهو . قلت : قد خرجه الإمام أحمد ، عن حجاج ، عن ابن أبي ذئب ، فذكر الحديث ، وقال في آخره : قال ابن أبي ذئب : قال الزهري : سألت أهل العلم بالمدينة ، فما أخبرني أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاهما . يعني : سجدتي السهو . فرجعت رواية نفي السجود إلى الزهري ، ورواية الزهري بذلك غير معروفة ولا مشهورة . وقد روى الزهري هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة . خرجه أبو داود من طريق الأوزاعي ، عنه ، بهذا الإسناد ، وفي حديثه : ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك . وخرجه أبو داود والنسائي من رواية صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، مرسلا . قال الزهري : وأخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، وأبو سلمة وأبو بكر بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله . وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان ، عن أبي هريرة . وخرج النسائي من طريق الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن أبي حثمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يسجد يومئذ قبل التسليم ولا بعده . وخرجه مالك في الموطأ عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن أبي حثمة ، مرسلا . واختلف على الأوزاعي في وصله عن الزهري وإرساله . وقد أنكر هذا على الزهري غير واحد من الأئمة . وعده مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز من أوهام الزهري ؛ لصحة الروايات بخلاف روايته ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو يومئذ . قلت : الذي يظهر - والله أعلم - : أن الزهري روى هذا الحديث عن سعيد وأبي سلمة وغيرهما ، من غير ذكر سجود السهو بنفي ولا إثبات ، وأن الزهري أتبع ذلك بقوله من عنده : لم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ للسهو . فهذا مما أرسله الزهري وأدرجه في الحديث ، فمن اقتصر على هذا القدر من حديث الزهري ووصله فقد وهم ؛ لأنه أسند المدرج بانفراده . وقد ذكر الزهري أنه لم يخبره بالسجود أحد من أهل العلم بالمدينة ، فكان ينفي السجود لهذا ، وهذا بمجرده لا يبطل رواية الحفاظ الأثبات للسجود . وقد روي عن الزهري ، أنه حمل ترك السجود للسهو في هذه القصة على أحد وجهين : أحدهما : أنه قال : كان هذا قبل أن يشرع سجود السهو . فروى عنه معمر ، أنه قال : كان هذا قبل بدر ، ثم استحكمت الأمور . والثاني : أنه كان يرى أنه لم يسجد يومئذ للسهو ؛ لأن الناس يقنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استيقن . وكلا الوجهين ضعيف . أما الأول ؛ فلأن أبا هريرة شهد هذه القصة ، وكان إسلامه بعد بدر بكثير ، وسيأتي بسط ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى . وأما الثاني ؛ فمضمونه أنه إنما يسجد للسهو إذا استدام الشك ، فأما إذا تيقن الأمر ، وعمل عليه ، فإنه لا يسجد ، وإن كان قد زاد في الصلاة ، وهذا مذهب غريب . نعم ، لو شك في شيء من صلاته ، ثم زال شكه قبل السلام ، وتبين أنه لم يزد في صلاته ولم ينقص ، فهنا يستحب السجود ولا يجب ، نقله ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق . وقال أصحابنا : الصحيح من مذهبنا ومذهب الشافعي : أنه لا يسجد إلا أن يكون قد فعل قبل زوال شكه ما يجوز أن يكون زائدا ، فإنه يسجد . وفي المذهبين وجه آخر : لا يسجد بحال ؛ لأن السجود إنما يشرع من زيادة أو نقص أو تجويزهما ، ولم يوجد شيء من ذلك . وهذا قول سفيان الثوري . وقد روي عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو في هذه القصة من وجوه أخر : فروى ذلك مالك ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، فذكر هذا الحديث ، وقال فيه : فأتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من الصلاة ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم . وقد خرجه مسلم من هذا الوجه . رواه - أيضا - الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن جعفر بن ربيعة ، عن ابن مالك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام . خرجه النسائي . ورواه - أيضا - عكرمة بن عمار ، عن ضمضم بن جوس الهفاني ، قال : حدثني أبو هريرة - بهذا الحديث وذكر فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ، ثم سلم . خرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه . وروى السجود - أيضا - في هذه القصة : عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فروى خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، قال : سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ، فخرج مغضبا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم . خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - : فخرج غضبان ، حتى انتهى إلى الناس ، فقال : أصدق هذا ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم . وهذه الرواية تدل على أن الخروج من المسجد لا يمنع البناء على الصلاة لمن سلم من نقص في صلاته ، فلأن لا سجود السهو فبمجرده أولى . وفي رواية لمسلم : أن الرجل الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه الخرباق ، وكان في يده طول . فمن الناس من قال : هو ذو اليدين المذكور في حديث أبي هريرة . وقال طائفة : هما رجلان ، وواقعتان متعددتان ، ونص على ذلك الإمام أحمد . وقد دل هذا الحديث - من جميع طرقه - على أن من سلم من نقص ركعة فأزيد من صلاته ناسيا ، ثم ذكر قريبا ، أنه يبني على ما مضى من صلاته ، ولا يلزمه إعادتها ، وهو قول جمهور أهل العلم . فإن هذا إنما زاد في صلاته سلاما ناسيا ، والسلام مشروع في الصلاة ، لكنه أتى به قبل محله ، فلا تبطل به الصلاة ، كما لو زاد سجدة سهوا . ووافق على ذلك أكثر من يقول : إن كلام الساهي يبطل الصلاة ، كأبي حنيفة وأحمد ، في رواية . واختلف عن سفيان الثوري ؛ فروي عنه كذلك ، هو المشهور عنه . وروى يعلى بن عبيد ، عنه ، أنه إذا سلم ساهيا قطع صلاته ؛ لأنه تكلم في صلاته ساهيا . حكاه أصحابه عنه في كتبهم . وحكاه ابن عبد البر عن بعض أصحاب أبي حنيفة أيضا . وكذلك روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، ثم قال : إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - صنع الذي يقولون . يعني : سلم ثم بنى على صلاته ، فتوقف في ذلك حيث لم يكن الحديث عنده . واختلفوا : هل يشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل أو لا يشترط ذلك بل يبني ولو ذكر بعد طول الفصل ؟ على قولين : أحدهما : لا يبني إلا مع قرب الفصل ، فإن طال الفصل بطلت الصلاة واستأنفها ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي . والثاني : يبني ولو طال الفصل ، وهو قول مكحول والأوزاعي ويحيى الأنصاري والحسن بن حي . ونقل صالح وغيره عن أحمد ما يدل على ذلك أيضا . وقال الليث : يبني ما لم ينتقض وضوؤه الذي صلى به تلك الصلاة . وفي حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل . والله أعلم . واختلفوا أيضا : هل يبني مع عمله عملا كثيرا ينافي الصلاة مثله ، أو لا يبني معه ؟ وفيه خلاف عن الشافعي وأحمد سبق ذكره ؛ وأن العمل الكثير مع السهو : هل تبطل به الصلاة ، أم لا ؟ وفي حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ما يدل على أنه يبني مع ذلك كثرة العمل في هذه الحال سهوا . واختلفوا : هل يبني وإن خرج من المسجد ، أو لا يبني إلا مع كونه في المسجد ؟ وفيه خلاف سبق ذكره في تأخير سجود السهو نسيانا . واختلفوا : هل يبني مع تكلمه في هذه الحال ، أم كلامه يقطع البناء ويستأنف مع الصلاة ؟ فقالت طائفة : إن تكلم بطلت صلاته ، واستأنفها ، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ، وروي عن الحسن وعطاء ، وهو رواية عن قتادة ، وعن أحمد ، اختارها كثير من أصحابه . لكن أحمد لم يقل : إن الكلام في الصلاة نسخ ، وإنما قاله طائفة من أصحابه ، موافقة للكوفيين . واستدلوا بقول الزهري : كان هذا - يعني : قصة ذي اليدين - قبل بدر ، ثم استحكمت الأمور بعد . وقد ذكر الزهري في روايته : أن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذو الشمالين ابن عمر حليف بني زهرة . كذا في مسند أحمد و صحيح ابن حبان . وكذا خرج النسائي أنه ذو الشمالين بن عمرو . وكذا سماه عمران بن أبي أنس في روايته ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : ذا الشمالين . وهذه متابعة للزهري . قالوا : ذو الشمالين قتل يوم بدر ، وتحريم الكلام إنما شرع بعد ذلك . وروى محمد بن أبي السري ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، عن أيوب ، عن ابن سيرين والحسن ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام والكلام قبل النسخ ، فنسخ ، وثبت السجدتان . والمراد : أنه نسخ السجود بعد الكلام ، وصار الكلام مبطلا تعاد معه الصلاة . ومحمد بن أبي السري ، ليس بالحافظ . ولعل هذا من تصرف بعض الرواة بالمعنى عنده . وكل من قال هذا ، قال : إن كلام الناسي يبطل الصلاة . وقال طائفة أخرى : بل يبني ، وإن تكلم في هذه الحال ، إذا ظن تمام صلاته ؛ فإنه إنما تكلم ناسيا الصلاة ، وهذا قول الشافعي وأحمد ، في رواية عنه . قالوا : إن قصة السهو كانت بعد تحريم الكلام ، فلم ينسخ ، بل دلت على أن كلام الناسي مستثنى من عموم الكلام المبطل للصلاة ، كما أن الأكل في الصيام ناسيا معفو عنه لا يبطل به الصيام . واستدلوا على تأخر قصة ذي اليدين ، بأن أبا هريرة شهدها ، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر ، وممن ذكر ذلك : الشافعي وأحمد . وشهدها عمران بن حصين ، وإنما أسلم بعد بدر ، فيما قيل . وشهدها معاوية بن حديج ، وحديثه مخرج في كتاب النسائي وغيره ، ومعاوية بن حديج ممن تأخر إسلامه ، حتى قيل : إنه أسلم قبل موت النبي بشهرين . وهذا كله بعد تحريم الكلام في الصلاة ؛ فإنه كان إما بمكة قبل الهجرة ، أو عقيب الهجرة قبل بدر ، كما دل عليه حديث ابن مسعود ، وقد سبق الكلام على ذلك . قالوا : وقول الزهري : إن ذلك كان قبل بدر وهم منه ، وكذلك قوله : إن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو الشمالين ، وإنما هو ذو اليدين . قالوا : وقد بقي ذو اليدين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم وأما المقتول ببدر ، فهو ذو الشمالين ، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد ، وأنكر أحمد أن يكون ذو اليدين قتل ببدر . وذهب طائفة إلى أنهما واحد . وهؤلاء ذهبوا إلى أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة ، وروي عن ابن عباس وابن الزبير . وروي عن الزبير بن العوام بإسناد منقطع . وهو قول الشعبي وعروة وعطاء والحسن وقتادة - في رواية عنهم - وعمرو بن دينار والشافعي وأحمد - في رواية - وإسحاق وأبي خيثمة وغيرهم من فقهاء الحديث . فعلى هذه المقالة : إنما تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد سلامه نسيانا ؛ لظنه أن صلاته قد تمت . وخرج الطبراني من رواية معلى بن مهدي : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب وابن عون وهشام وسلمة بن علقمة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم في الصلاة ناسيا ، فبنى على ما صلى . وهذا مروي بالمعنى ، مختصرا من قصة ذي اليدين . واختلفت الرواية عن أحمد : هل يختص كلام الساهي بما كان من مصلحة الصلاة ؛ لحال كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في قصة ذي اليدين ، أم يعم ما كان لمصلحة الصلاة وغيره ؟ . ورجح طائفة من المتأخرين من أصحابنا اختصاصه بما كان لمصلحة الصلاة ؛ لأن الرخصة إنما وردت في ؛ ولأنه إذا كان لمصلحة الصلاة ، وفعله ساهيًا ، فهو شبيه بالسلام من الصلاة ساهيًا ، وهو غير مبطل عند جمهور العلماء كما تقدم . واختلف أصحابنا : هل محل الخلاف إذا سلم من صلاته ، يظن أنها قد تمت ، ثم تكلم حينئذ ؛ لأن هذه هي الصورة التي وردت فيها الرخصة ، وهي التي يقع فيها كلام الساهي غالبًا ، أم تعم ذلك وغيره لمن تكلم في صلب صلاته ساهيًا ؟ وفيه طريقان للأصحاب . وأكثر كلام الإمام أحمد يدل على الأول . وقد ذكرنا فيما تقدم أن أحمد لم يقل : إن حديث ذي اليدين نسخ ، كما يقوله غيره ، وإنما اختلفت الرواية عنه : هل كان ذلك خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبمن كلمه ، أو هو عام ، أم يختص بعده بالإمام دون المأموم ؟ فروي عنه ، أنه كانَ خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كلمه . وهذه الرواية اختيار أبي بكر الخلال وصاحبه . فأما النبي - صلى الله عليه وسلم فقد يقول : إنه كان مخصوصًا بجواز الكلام في الصلاة لمصلحتها ، إما سهوًا أو مطلقًا . وأما المجيبون له ، فقد صرح بأن إجابتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كانت واجبة ، فلا تبطل صلاتهم بذلك ، وكلام ذي اليدين له بقوله : قصرت الصلاة ، أم نسيت ؟ كانَ في وقت يجوز فيهِ قصر الصَّلاة ، فكان - أيضا - يظن أن صلاتهم تمت ، وهذا لا يوجد بعدهم . وأما قول ذي اليدين بعد ذلك : بل نسيت يا رسول الله ، وفي رواية : قد كان بعض ذلك ، فقد تكلم وهو عالم أن صلاتهم لم تتم ، لكنه لم يعلم أنهم في الصلاة ، وأن البناء يجوز لهم على ما مضى ، بل قد يكون ظن أن ما مضى من الصلاة بطل ولغي ، وأنهم الآن ليسوا في صلاة ، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك ؛ فإن جواز البناء إنما علم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، لا قبله . لكن هذا يقع للناس كثيرًا ، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنه ليس في صلاة ، فهو كالساهي ، أم لا ؟ الظاهر : أن هذا ملحق بالجاهل بأنه في صلاة ، يعذر في كلامه ، بخلاف الصائم ، إذا جهل الوقت فأكل يظنه ليلًا ، فتبين أنه نهارًا . وحكوا الخلاف عن أحمد ، في كل من تكلم وهو يعتقد أنه ليس في صلاة ، وأنه خرج منها ، يكون جاهلًا بأن عمل كلامه يبطل الصلاة . ولأصحابنا وجهان فيمن أكل في الصيام ما لا يعتقد أنه يفطره ، هل يفطر به ، أم لا ؟ وهو - أيضا - جاهل . ولهم وجهان فيمن أكل ناسيا ، فظن أنه أفطر ، وأنه لا يلزمه الإمساك ، ثُمَّ جامع ، هل عليه كفارة بجماعه ، أم لا ؟ وحكى ابن المنذر أنه لا كفارة عليهِ عندَ جمهور العلماء ؛ لأنه لم يتعمد إفساد الصوم . وللشافعية فيهِ وجهان أيضا . وكلامهم يدل على أنه يفطر بذلك ؛ فإن الجهل لا يعذر به في الصوم ، ويعذر به في الصَّلاة ، فإذا سلم من صلاته يظن أنها تمت ، ثُمَّ علم أنها لم تتم ، وظن أن صلاته بطلت ، فتكلم ، فهوَ كالجاهل . وكذا إذا سلم الإمام ناسيا ، والمأموم يعلم ، فتكلم ظانًا أن صلاته بطلت بالسلام ، فأحمد جعل هذا الحكم خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في رواية عنه . وجعله - في رواية أخرى عنه - عاما للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت ، خاصة كما يقوله الشافعي . وفرق - في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم ؛ لأن الإمام لا يسأل عن تمام صلاته إلا وهو شاك ، والمأموم إنما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم ، بخلاف حال الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم فإن بعضهم تكلم وهو يظن أن الصَّلاة قد تمت ؛ لاحتمال قصرها عنده ، وبعضهم تكلم مجيبًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكلا الأمرين لا يوجد في حق من بعدهم . ولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أن صلاتهم قد تمت كالإمام ، ومن يظن أن صلاته تبطل بالسلام نسيانًا ، فيتكلم حينئذ ، جاهلا بأنه في صلاة . وخرج أبو داود من حديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، وذكر الحديث ، وفيه : فقال : أصدق ذو اليدين ؟ فأومئوا - أي : نعم وذكر الحديث . وذكر أن حماد بن زيد تفرد بقوله : فأومئوا . وقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد ، بالتفريق بين الإمام والمأمومين . قال : إنما تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه ظن تمام صلاته ، وذو اليدين ظن أن الصَّلاة قصرت وتمت ، والصحابة أجابوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن إجابته بالكلام عليهم واجبة ، لم يجدوا من ذَلِكَ بدًا . قالَ : وإن تكلم الإمام اليوم ، وهو شاك في تمام صلاته ، واستثبت من معه ، جاز لهُ ذَلِكَ ، ولو كانوا قد نبهوه بالتسبيح ، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أن صلاتهم لم تتم ، وتبطل به صلاتهم . روى كل ذلك حرب وابن منصور ، عن إسحاق . ونقل ابن قرة الزبيدي ، عن مالك ، أن من تكلم في صلاته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاد صلاته ؛ لأن الصحابة تكلموا وهم يظنون أن الصَّلاة قد قصرت ، فلا يجوز ذَلِكَ اليوم . وإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه . وذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك . وقالت طائفة : حديث ذي اليدين يتخرج على أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها ، عمدًا ولا سهوًا ، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة ومالك - في المشهور عنه نقله ابن القاسم ، عنه وهو رواية عن أحمد . وروي عنه اختصاصه بالإمام . ومذهب مالك : اختصاصه بالإمام والمأموم ، دون المنفرد . وروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين . ويستدل له بأن في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالًا أن يقيم الصلاة . وكذا رواه عبيد بن عمير ، مرسلًا . وهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لا يبطل البناء على ما مضى من الصلاة . وادعى قوم : أن هذا كان من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وهذا رواية عن مالك وأحمد ، قد سبق ذكرها . وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين ، وأن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذو اليدين . ومن حديث عمران بن الحصين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ثلاث ركعات ، وأن الذي كلمه هو الخرباق . خرجه مسلم . وقد نص أحمد على أنهما حديثان ، وليسا بقصة واحدة ، نقله عنه علي بن سعيد . وروى أيضا معاوية بن حديج ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم ، وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالًا فأقام ، فصلى للناس ركعة ، قال : فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا : تعرف الرجل ؟ قلت : لا ، إلا أن أراه ، فمر بي ، فقلت : هوَ هذا ، فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال : صحيح الإسناد . وفي رواية : أنه المغرب . وقد أنكر الإمام أحمد أن يكون لمعاوية بن حديج صحبة ، وأثبته البخاري والأكثرون . قال ابن حبان : هذا يدل على أن هذه ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات ، لا في صلاة واحدة . ورجح ابن عبد البر وغيره أنها صلاة واحدة ، وإن اختلفت بعض الروايات فيها ، وهذا أشبه . والله أعلم . وعلى القول بأن الكلام نسيانًا أو جاهلًا لا يبطل الصلاة ، إنما هو في اليسير ، فأما إن كثر وطال ، ففيه وجهان . والمنصوص عن أحمد أنه يبطل حينئذ ، نقله عنه أبو داود وغيره . وكذلك لأصحاب الشافعي وجهان أيضا . والمنصوص عنه : أنه يبطل - أيضا نقله عنه البويطي . قال الشافعي : لا يشك مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة ، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله ، ولم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي اليدين ؛ إذ سأل غيره ، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه ، فيكونون مثله - يعني : مثل ذي اليدين واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ، ولو سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ ، فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ كانَ في معنى ذي اليدين ، من أنه لم يدر : أقصرت الصَّلاة أم نسي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابه ، ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه . ثم قال : فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناهت الفرائض فلا يزداد فيها ، ولا ينتقص منها أبدًا . قال : فهذا فرق ما بيننا وبينه ، إذا كان أحدنا إماما اليوم . وفي حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب فوائد كثيرة جدًا ، يطول استقصاؤها ، ولكن نشير إلى بعضها إشارة : فمنها : أن اليقين لا يزال بالشك ؛ فإن ذا اليدين كان على يقين من أن صلاتهم تلك أربع ركعات ، فلما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين احتمل أن يكون قصرت الصلاة ، واحتمل أن يكون ناسيًا ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ ومنها : أن انفراد الواحد من بين الجماعة بشيء لا يمكن في مثله أن ينفرد بعلمه عنهم ، يتوقف في قوله ، حتَّى يتابعه عليهِ غيره . وهذا أصل لقول جهابذة الحفاظ : إن القول قول الجماعة دون المنفرد عنهم بزيادة ونحوها ، لا سيما إن كانوا زيادة الثقة مقبولة مطلقًا ، وليس ذلك بشيء ، فإذا توبع على قوله اعتمد عليه . ومنها : أنه قد استدل به بعض من لا يقبل خبر الواحد المنفرد به ، حتى يتابع عليه . ورد ذلك الإمام أحمد ، وفرق بينهما بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سلم من صلاته ؛ لأنه كانَ يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه أتم صلاته ، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده ، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصَّلاة . وأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه ، فإنه يجب قبوله ؛ لأدلة دلت على ذَلِكَ ، وقد يتوقف فيهِ أحيانًا ؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيهِ ، كما توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول ذي اليدين حتى توبع عليه . ومنها : أنه يستدل به على أن الحاكم إذا نسي حكمه ، فشهد عليه شاهدان ، أنفذه وأمضاه ، وإن لم يذكره ، وهو قول مالك وأحمد . وعند أبي حنيفة والشافعي : لا ينفذه حتى يذكر حكمه به . وفيه فوائد أخر تتعلق بسجود السهو ، يأتي ذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى .
قال البخاري : 1232 - نا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه ، حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس . مراده من هذا الحديث في هذا الباب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو لمن صلى ولبس الشيطان عليه صلاته ، ولم يفرق بين أن تكون صلاته فريضة أو نافلة ، والأفعال نكرات ، والنكرات في سياق الشرط تعم ، كما تعم في سياق النفي . والله سبحانه وتعالى أعلم . ولأن النفل ينقص بالسهو ، فشرع جبره بالسجود له ، كما يجبر الحج ، فرضه ونفله . وإنما يشرع للسهو في النفل بركعة تامة فأكثر ، فأما صلاة الجنازة فليس فيها سجود سهو ؛ لأنه لا سجود فيها بالكلية ، وكذلك سجود التلاوة ليس فيهِ سجود سهو ؛ لأن المشروع للتلاوة سجدة واحدة ، ولا يجبر بأكثر من أصله . والله أعلم .
7 - باب السهو في الفرض والتطوع وسجد ابن عباس سجدتين بعد وتره . قد تقدم أن الإمام أحمد حكى عن ابن عباس ، أنه قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل . وحمله أحمد على سجود السهو . ومن الناس من حمله على أنه أراد به تصلي بعد كل مفروضة ركعتين . وهذا على عمومه لا يصح ؛ فإن الفجر والعصر لا يصلى بعدهما . وقد بوب النسائي على السجود بعد الفراغ من الصَّلاة ، وخرج فيهِ حديث عائشة : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يوتر بواحدة ، ويسجد سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه . وقد تقدم هذا الحديث بلفظ : ويسجد السجدة . والمراد : أنه مقدار السجدة الواحدة من سجوده بالليل ، لا أنه يسجد بعد وتره سجدة واحدة . وأما حكم السهو في الوتر ، فحكمه حكم السهو في سائر الصلوات . ومذهب الثوري وأبي حنيفة ، إذا صلى الوتر أربعًا ، أنه إن قعد في الثالثة قدر التشهد أجزأه ، وسجد سجدتي السهو ، وإن لم يكن جلس بعد الثالثة أعاد الوتر ، كقولهم في صلاة المغرب ، كما تقدم حكاية مذهبهم في ذلك . ومذهب مالك في تهذيب المدونة : ومن شفع وتره ساهيًا سجد بعد السلام ، واجتزأ بوتره ، يعمل في السنن كما يعمل في الفرائض ، ومن لم يدر جلوسه في الشفع أو في الوتر سلم وسجد بعد السلام ، ثم أوتر بواحدة ، وإن لم يدر أفي الأولى هو جالس ، أو في الثانية ، أو في الوتر ، أتى بركعة ، وسجد بعد السلام ، ثم أوتر . انتهى . ففرق بين أن يتحقق الزيادة ، فيسجد للسهو ، ويجتزئ بوتره ، وبين أن يشك فيها ، فيبني على اليقين ، ويسجد للسهو ، ثم يوتر . وقد روي عن ابن عباس أنه يسجد في التطوع : قال حرب الكرماني : نا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا ابن المبارك ، عن يعقوب بن القعقاع ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إذا أوهم في التطوع ، سجد سجدتي السهو . وهذا قول جمهور العلماء . وللشافعي قول قديم : أنه لا سجود في التطوع . وروي عن ابن سيرين . وعن ابن المسيب في رواية عنه منقطعة ، وروي عنه من وجه متصل خلافه . وقال عطاء : لا بأس أن لا يسجد للسهو في التطوع . وعنه ، أنه قال : لا يعيد التطوع إذا شك فيه ، ويبني على أحرى ما عنده ، وسجد . وهذا بناء على قوله : إن الشاك في الفريضة يعيد صلاته . وسئل عطاء عمن سها قبل الوتر : أيسجد بعد الوتر ؟ قالَ : نعم . ولعله أراد أنه سها في الركعتين قبل الوتر ، إذا صلى الوتر ثلاثا متصلة أنه أراد أن الركعة التي يوتر بها لا يسجد فيها للسهو حتَّى يتم وتره ، وإن كانت مفصولة بالسلام بينهما ؛ لأن الجميع يشملها اسم واحد ، وهو الوتر ، فيكون السجود للسهو بعد كمالها وتمامها . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال البخاري - رحمه الله - : 1228 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى اثنتين أخريين ، ثم سلم ، ثم كبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع . حدثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد ، عن سلمة بن علقمة ، قلت لمحمد : في سجدتي السهو تشهد ؟ قالَ : ليس في حديث أبي هريرة . رواية ابن سيرين عن أبي هريرة ، إنما فيها ذكر السجدتين ، كل سجدة ورفع منها بتكبير . وقد خرجه البخاري كذلك بتمامه في الباب الآتي ، من حديث يزيد بن إبراهيم التستري ، عن ابن سيرين . وكذلك خرجه مسلم ، من حديث ابن عيينة وحماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين . وكذلك هو في الموطأ عن أيوب بتمامه . وكذلك خرجه الترمذي من طريق مالك . وفي رواية مسلم ، قال - يعني : ابن سيرين - : وأخبرت عن عمران بن حصين ، أنه قالَ : ثم سلم . وهكذا خرجه البخاري في باب : تشبيك الأصابع في المسجد من طريق ابن عون ، عن ابن سيرين ، بسياق تام ، وفي آخره : فربما سألوه : ثم سلم ؟ فيقول : نبئت عن عمران بن حصين ، قالَ : ثُمَّ سلم . وهذا يدل على أن ذكر السلام ليس - أيضا - في حديث أبي هريرة ، إنما هو في حديث عمران بن حصين . وإنما رواه ابن سيرين ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران ، قاله الإمام أحمد . ورواه كذلك عن يحيى القطان ، عن أشعث ، عن ابن سيرين . وخرج الطبراني ، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، حديث السهو بطوله ، وفيه : فقام فصلى الركعتين ، ثم سجد سجدتين وهو جالس ، ثم سلم . هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة ، إنما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغًا عن عمران بن حصين . وخرجه مسلم من طريق الثقفي وابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى محمد بن عبد الله الأنصاري : حدثنا أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فسها ، فسجد سجدتين ، ثم تشهد ، ثم سلم . خرجه أبو داود ، والترمذي وقال : حديث حسن غريب ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم وقال : صحيح على شرطهما . وضعفه آخرون ، وقالوا : ذكر التشهد فيه غير محفوظ ، منهم : محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي ، ونسبا الوهم إلى أشعث . وأشعث ، هو : ابن عبد الملك الحمراني ، ثقة . وعندي ؛ أن نسبة الوهم إلى الأنصاري فيهِ أقرب ، وليس هوَ بذاك المتقن جدًا في حفظه ، وقد غمزه ابن معين وغيره . ويدل على هذا : أن يحيى القطان رواه عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران في السلام خاصة ، كما رواه عنه الإمام أحمد ، ذكره ابنه عبد الله ، عنه في مسائله . فهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه وإتقانه - عن أشعث ، إنما فيها ذكر السلام فقط . وخرجه النسائي ، عن محمد بن يحيى بن عبد الله ، عن الأنصاري ، عن أشعث ، ولم يذكر التشهد . فإما أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره ، وهو دليل على أنه لم يضبطه ، وإما أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد ؛ لأنه استنكره . وقد روى معتمر بن سليمان ، وهشيم ، عن خالد الحذاء حديث عمران بن حصين ، وذكرا فيهِ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعة ، ثُمَّ تشهد وسلم ، ثُمَّ سجد سجدتي السهو ، ثُمَّ سلم . فهذا هو الصحيح في حديث عمران ، ذكر التشهد في الركعة المقضية ، لا في سجدتي السهو . وأشار إلى ذلك البيهقي . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد في سجود السهو ، من حديث ابن مسعود ، وله طرق : أجودها : رواية خصيف عن أبي عبيدة ، عنه ، مع الاختلاف في رفع الحديث ، ووقفه أشبه ، أو مع الاختلاف في ذكر السجود فبل السلام وبعده . وروي من وجوه أخر ، لا يثبت منها شيء . وروي - أيضًا - من حديث عائشة مرفوعًا . خرجه الطبراني . وإسناده ساقط . وقال الجوزجاني : لا نعلم في شيء من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في سجدتي السهو قبل السلام وبعده ، أنه يتشهد بعدهما . وقال - أيضا - : ليس في التشهد في سجود السهو سنة قائمة تتبع . وقال ابن المنذر : السلام في سجود السهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه ، وثبت عنه أنه كبر فيهما أربع تكبيرات . وفي ثبوت التشهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما نظر . وخرج أبو داود في سننه من حديث سلمة بن علقمة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بحديث السهو ، وفي آخره : قلت لمحمد : يعني التشهد ؟ قالَ : لم أسمع في التشهد ، وأحب إلي أن يتشهد . وهذه الرواية تدل على أن رواية أشعث عنه في التشهد لا أصل لها ؛ لأن ابن سيرين أنكر أن يكون سمع في التشهد شيئًا . والرواية التي ساقها البخاري من رواية سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، إنما فيها أنه قال : ليس في حديث أبي هريرة يعني : التشهد . وقد بقي من فوائد حديث أبي هريرة أحكام ، لم يتقدم ذكرها : فمنها : أن الإمام إذا سها ، ولم يتيقن سهوه ، فذكره المأمومون ، فإن ذكر سهوه عمل بذكره ، بغير خلاف بين العلماء . وقد قال صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني . وأما إن لم يذكر سهوه حين ذكروه ، فظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنه يرجع إلى قول المأمومين ، إذا لم يتيقن أنه على الصواب يقينا ، وكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج . وقد بوب البخاري على ذلك في أبواب الإمامة : باب : هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟ . وخرج فيهِ حديث أبي هريرة ، من طريق ابن سيرين ، ومن طريق أبي سلمة . وبهذا قال جمهور أهل العلم ، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والثوري ومالك - في رواية - وأحمد وغيرهم . واختلفوا : هل يجب الرجوع إلى قولهم ، أم يستحب ؟ فقالَ أبو حنيفة : يجب . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي عنه ، أنه يستحب الرجوع إليهم ، وله أن يبني على يقين نفسه ، أو يتحرى ، كما لو كان منفردا . وقال ابن عقيل من أصحابنا : إنما يرجع إلى قول المأمومين ، إذا قلنا : إن الإمام يتحرى ، ولا يعمل بيقين نفسه ؛ فإن أكثر ما يفيد قولهم غلبة الظن ، فيكون الرجوع إليهم من باب التحري ، فأما إذا قلنا : يعمل باليقين ، لم يلتفت إليهم . وجمهور أصحابنا على خلاف هذا ، وأنه يرجع إليهم على كلا القولين ؛ فإن قول اثنين فصاعدا من المأمومين حجة شرعية ، فيجب العمل بها ، وإن لم يوجب العلم ، كسائر الحجج الشرعية التي يجب العمل بها من البينات وغيرها ، وإنما محل الخلاف في التحري بالأمارات المجردة عن حجة شرعية . وقال الشافعية ومالك - في رواية أخرى - : لا يرجع الإمام إلى قول المأمومين ، إذا لم يذكر ما ذكروه به ، بل يبني على يقين نفسه . ولأصحابهما قول آخر : أنه يرجع إليهم ، إذا كثروا ؛ لبعد اتفاقهم على الخطأ ، فأما الواحد والاثنان ، فلا . وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب الرجوع إلى قول واحد من المأمومين ؛ لأنه خبر ديني ، فهوَ كالإخبار بالقبلة ونحوها . وكذا قال إسحاق : يرجع إلى قول واحد . ومذهب مالك وأحمد : لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين ، بل إلى ما زاد على الواحد ؛ لحديث أبي هريرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بقول ذي اليدين حتى سأل غيره ، فلما أخبروه عمل بقولهم ، ولأن انفراد الواحد من بين المأمومين بالتنبيه على السهو ، مع اشتراكهم جميعا في الصلاة يوجب ريبة ، فلذلك احتاج إلى قول آخر يعضده . وقد تقدم القول في هذا بأبسط من هذا الكلام في باب : هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟ . ومنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ قد وقع منه في هذه الصَّلاة سلام من نقص وقيام ومشي وكلام ، وكل واحد من هذه سبب يقتضي السجود بانفراده ، ولم يسجد إلا سجدتين . وكذلك حديث ابن بحينة ، فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك التشهد الأول والجلوس له ، ويقتضي ذلك ترك التكبيرة للقيام منه ، وقد سجد سجدتين . فدل على أن السهو إذا تعدد ، لم يوجب أكثر من سجدتين . وهذا قول جمهور العلماء ، إذا كان من جنس واحد ، وإنما خالف فيه الأوزاعي . ويدل على الاكتفاء بسجود واحد ، وإن تعدد السهو : أنه شرع تأخر السجود إلى آخر الصلاة ، فدل على أنه يكتفى به لجميع ما يتجدد في الصلاة من السهو ، إذ لو كان لكل سهو سجود ، لشرع السجود عقب كل سهو عنده . ومنها : أنه سجد للسهو بعد السلام ، وسنذكره هذه المسألة مستوفاة فيما بعد إن شاء الله تعالى .
4 - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو وسلم أنس بن مالك ، والحسن ، ولم يتشهدا . وقال قتادة : لا يتشهد ؟ أما المروي عن أنس وأما المروي عن الحسن ، فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : ليس فيها تشهد ولا تسليم . وأما قتادة ، قال : يتشهد في سجدتي السهو ويسلم . وعن عبد الله بن كثير ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنه وهم في صلاته ، فسلم ، فسجد سجدتي السهو ، ثم سلم مرة أخرى . قال شعبة : فسألت الحكم وحمادًا ، فقالا : يتشهد في سجدتي السهو . وعن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : ليس في سجدتي السهو تشهد ، قلت : أجعل نهضتي قيامي ؟ قالَ : بل اجلس ، فهوَ أحب إلي ، وأوفى لها . وهذا يدل على أن مراده : السجود بعد السلام ، أنه لا يتشهد لهُ ، ولا يسلم منه . وروى عبد الرزاق بإسناده ، عن النخعي ، أنه كان يتشهد ويسلم . وعن الثوري ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، أنه تشهد في سجدتي السهو . وحاصل الأمر : أنه قد اختلف في التشهد ، وفي التسليم في سجود السهو : فأما التشهد : فروي ثبوته عن ابن مسعود والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ، وقتادة - في رواية - والحكم وحماد ويزيد بن قسيط والثوري والليث والأوزاعي وأبي حنيفة . وروي عن ابن سيرين ، قال : أحب إلي أن يتشهد . وروي عن أنس والحسن وعطاء وابن سيرين . وحكاه البخاري عن قتادة . وهذا كله في السجود بعد السلام . وأما السجود قبله ، فلا يتشهد فيه عند أحد من العلماء ، إلا رواية عن مالك ، رواها عنه ابن وهب . وروي عن ابن مسعود من وجه فيه انقطاع ، ومختلف في لفظه ، وفي رفعه ووقفه . وحديث ابن بحينة يدل على أنه تشهد بعده ؛ لأنه قالَ : سجد قبل السلام ، ولم يتشهد بعده ، وإن سجد بعد السلام تشهد بعده ، ثُمَّ سلم . وحكي للشافعي قول آخر : أنه لا يتشهد . وحكي قول ثالث : أنه يتشهد ، ثم يسجد ، ثم يسلم . واختار الجوزجاني : أنه لا يتشهد في الموضعين ، لا قبل السلام ، ولا بعده . وقد روي عن عمر بن الخطاب وعطاء : أن من نسي التشهد الأول يسجد بعد صلاته وتشهد تشهدين ، وقد ذكرناه فيما تقدم . وأما التسليم ، فروي فعله عن ابن مسعود ، وعمران بن حصين ، وعلقمة ، والشعبي ، والنخعي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والقاسم ، وسالم ، وقتادة ، والحكم ، وحماد . وهو قول الثوري وأبي حنيفة والليث والشافعي وأحمد وإسحاق . ثم قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق : يسلم تسليمتين . وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع . وقال النخعي : يسلم تسليم الجنازة . يعني : واحدة . وقاله بعض الحنفية أيضا . وقد حكى البخاري ، عن أنس والحسن ، أنهما سلما . وحكى غيره ، عنهما ، أنهما لم يسلما . وقد تقدم عن الحسن ، أنه قال : ليس فيها تشهد ولا تسليم ، وعن عطاء . وروى الربيع بن صبيح ، عن عطاء ، قال : فيها تشهد وتسليم . وروي عن عطاء : إن شاء تشهد وسلم ، وإن شاء لم يفعل . وهذا كله في السجود بعد السلام ، وأما السجود قبل السلام فإنه يعقبه السلام من الصلاة ، فلا يحتاج إلى تسليم آخر .
6 - باب إذا لم يدر كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - سجد سجدتين وهو جالس 1231 - ثنا معاذ بن فضالة ، ثنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضي الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا - ما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليسجد سجدتين وهو جالس . يخطر بضم الطاء عند الأكثر ، والمراد : أنه يمر ، فيحول بين المرء وما يريد من نفسه ، من إقباله على صلاته . وروي يخطر - بكسر الطاء - يعني : تحرك ، فيكون المعنى : حركته بالوسوسة . وقوله : حتى يظل الرجل ، هكذا الرواية المشهورة بالظاء القائمة المفتوحة ، والمراد : يصير ، كما في قوله تعالى : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وروى بعضهم يضل بالضاد المكسورة ، من الضلال ، يعني : أنه ينسى ويتحير . وقوله : إن يدري ، أن بفتح الهمزة ، حكاه ابن عبد البر عن الأكثرين ، وقال : معناه : لا يدري . وقال القرطبي : ليست هذه الرواية بشيء ، إلا مع رواية : الضاد ، فتكون : أن مع الفعل بتأويل المصدر مفعول ضل أن ، بإسقاط حرف الجر ، أي : يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته . قال : وفيه بعد ، ورجح أن الرواية : إن بكسر الهمزة ، يعني : ما يدري . قلت : أما وقوع إن المكسورة نافية فظاهر ، وأما أن المفتوحة ، فقد ذكر بعضهم أنها تأتي نافية - أيضا وأنكره آخرون . فعلى قول من أثبته ، لا فرق بين أن تكون الرواية هاهنا بالفتح أو بالكسر . وقوله : فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثًا أو أربعا - فليسجد سجدتين ، ليس في هذا الحديث سوى الأمر بسجود السهو عند الشك ، من غير أمر بعمل بيقين أو تحر . وروي عن أبي هريرة أنه أفتى بذلك . قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سألت أبا هريرة ، فقلت : شككت في صلاتي ، قال : يقولون : اسجد سجدتين وأنت جالس . وهذا كله ليس فيه بيان أنه يتحرى أو يبني على اليقين ، ولا بد من العمل بأحد الأمرين ، وكلاهما قد ورد في أحاديث أخر ، تقضي على هذا الحديث المجمل . وقد روي من حديث أبي هريرة التحري ، بالشك في رفعه ووقفه . فروى شعبة ، عن ابن إدريس الأودي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال شعبة : قلت : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : أحسبه ، أكبر علمي ، أنه قالَ : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : لا يصلي أحدكم وبه شيء من الخبث ، وقال في الوهم : يتحرى . وروي في حديث أبي هريرة ذكر السجود قبل السلام في هذا ، من رواية ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيدخل بينه وبين نفسه ، حتى لا يدري زاد أو نقص ، فإذا كان ذلك ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم يسلم . خرجه أبو داود وابن ماجه . وخرجه ابن ماجه أيضا ، من رواية ابن إسحاق أيضا ، أخبرني سلمة بن صفوان بن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : فليسجد سجدتين قبل أن يسلم . وخرجه أبو داود من طريق ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، ولفظه : فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم . وخرجه الدارقطني من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فذكره ، وقال بعد قوله : فليسجد سجدتين وهو جالس : ثم يسلم . وذكر في العلل أن سليمان وعلي بن المبارك وهشاما والأوزاعي وغيرهم رووه ، عن يحيى ، ولم يذكروا فيه : التسليم قبل ولا بعد . قال : وكذلك قال الزهري ، عن أبي سلمة . ولم يذكر رواية ابن إسحاق وابن أخي الزهري ، عن الزهري ، وذكر رواية ابن إسحاق ، عن سلمة بن صفوان بن سلمة ، كما رواه عكرمة بن عمار ، عن يحيى . قال : وهما ثقتان ، وزيادة الثقة مقبولة . قال : ورواه فليح بن سليمان ، عن سلمة بن صفوان ، وقال فيه : وليسلم ، ثم ليسجد سجدتين ، بخلاف رواية ابن إسحاق . قلت : أما ابن إسحاق ، فمضطرب في حديث الزهري خصوصًا ، وينفرد عنه بما لا يتابع عليه ، وروايته عن سلمة بن صفوان ، قد خالفه فيها فليح ، كما ترى . ورواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، كثيرة الاضطراب عند يحيى القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة . ففي ثبوت هذه الزيادة نظر . والله تعالى أعلم . وقد روي من غير حديث أبي هريرة البناء على اليقين والتحري . فأما الأول : فخرجه مسلم ، من طريق سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلا يدري كم صلى ثلاثا أو أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمسًا ، شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع ، كانتا ترغيما للشيطان . وخرجه - أيضا - من رواية داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، به ، بمعناه . وخرجه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، وهشام بن سعد وفليح بن سليمان وغيرهم ، عن زيد بن أسلم ، كذلك . وكذلك رويناه من حديث عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، بهذا الإسناد . والمعروف من رواية ابن عجلان : أنه لم يذكر في حديثه : قبل السلام . وكذا رواه أبو غسان وغيره ، عن زيد بن أسلم . ورواه مالك في الموطأ والثوري ويعقوب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، مرسلًا . ووصله الوليد بن مسلم وغيره ، عن مالك . وليس بمعروف عنه وصله . ووصله بعضهم عن الثوري ، أيضا . ولعل البخاري ترك تخريجه ؛ لإرسال مالك والثوري لهُ . وحكم جماعة بصحة وصله ، منهم : الإمام أحمد والدارقطني . وقال أحمد : أذهب إليه ، قيل له : إنهم يختلفون في إسناده ، قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة ، فذكر منهم : ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة . ورواه الدراوردي وعبد الله بن جعفر وغيرهما ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ذكره الدارقطني . وقال : القول قول من قال : عطاء ، عن أبي سعيد . وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر ، من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، حدثني هلال بن عياض ، حدثني أبو سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا صلى أحدكم ، فلا يدري زاد أو نقص ، فليسجد سجدتين وهو جالس . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وقال : حديث حسن . وخرجه النسائي ، وزاد في رواية له : ثم يسلم . وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله . وروى ابن إسحاق ، عن مكحول ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين ، فليبن على واحدة ، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا ، فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا ، فليبن على ثلاث ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم . خرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . وله علة ذكرها ابن المديني . قال : وكان عندي حسنًا ، حتى وقفت على علته ، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلا ، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن مكحول ، قال : يضعف الحديث من هاهنا . يعني : من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه . وخرجه الإمام أحمد ، عن ابن علية ، عن ابن إسحاق ، كما ذكره ابن المديني . وكذا رواه عبد الله بن نمير وعبد الرحمن المحاربي ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول مرسلًا ، وعن حسين عن مكحول ، متصلًا . ورواه حماد بن سلمة وغيره ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول ، مرسلًا . ذكره الدارقطني . وخرجه الإمام أحمد أيضا ، من رواية إسماعيل بن مسلم ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وإسماعيل ، هو المكي ، ضعيف جدًا . وقد قيل : إنه توبع عليه ، ولا يصح ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل ، ذكره الدارقطني . وروى أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عمر بن محمد بن زيد ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليركع ركعتين ، يحسن ركوعهما وسجودهما ، ثم ليسجد سجدتين . خرجه الحاكم وقال : صحيح على شرطهما . والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيرًا ، لكن هذا رواه مالك في الموطأ ، عن عمر بن محمد ، عن سالم ، عن أبيه ، موقوفًا . قال الدارقطني : رفعه غير ثابت . وقال ابن عبد البر : لا يصح رفعه . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه قال : إذا شك الرجل في صلاته ، فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن على أتم ذلك في نفسه ، وليس عليه سجود . قال : فكان الزهري يقول : يسجد سجدتي السهو وهو جالس . وأما الثاني : وهو التحري : فقد خرجه البخاري في أبواب استقبال القبلة ، من رواية جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، وقال في آخره : وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحرى الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين . وخرجه مسلم أيضا . وخرجه من طرق أخرى ، عن منصور ، وفي بعضها : فلينظر أحرى ذلك للصواب . وفي رواية : فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب . وفي رواية : فليتحرى الذي يرى أنه صواب . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وزادوا فيه : ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو . وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور ، عنه ، بهذه الزيادة . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ويسلم ويسجد سجدتين بالواو . قال الإمام أحمد - في رواية الأثرم - : وحديث التحري ليس يرويه غير منصور ، إلا أن شعبة روى عن الحكم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، موقوفًا ، نحوه ، قال : وإذا شك أحدكم فليتحر . وخرجه النسائي كذلك . وقد روي عن الحكم مرفوعًا . قال الدارقطني : الموقوف عن الحكم أصح . وقد روي عن ابن مسعود التحري من وجه آخر ، مختلف فيه : فروى خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إذا كنت في صلاة ، فشككت في ثلاث أو أربع ، وأكثر ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين ، وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت أيضا ، ثم تسلم . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وذكر أبو داود ، أنه اختلف في رفعه ووقفه ، وفي لفظه أيضا . وقال أحمد : حديث اليقين أصح في الرواية من التحري . وقال في حديث التحري : هو صحيح ، روي من غير وجه . ويظهر من تصرف البخاري عكس هذا ؛ لأنه خرج حديث التحري دون اليقين . وخرج مسلم الحديثين جميعًا . وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته ، فإنه ليس عليه إعادتها ، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه ، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه ، وهو قول جمهور العلماء . وروي عن طائفة أن من شك في صلاته فإنه يعيدها . رواه همام بن منبه وابن سيرين ، عن ابن عمر . وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم ، كلهم رووا ، عن ابن عمر ، أنه يسجد ولا يعيد . وقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى ، أنه لا يسجد . وذكر عطاء ، أنه سمع ابن عباس يقول : إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك ، وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس ، أنه إذا شك أعاد مرة واحدة ، ثم لا يعيد ، ويبني على أحرى ذلك في نفسه ، ويسجد سجدتين بعدما يسلم . وكذلك قال طاوس : يعيد مرة ، ثم لا يعيد . وقال النخعي : أحب إلي أن أعيد ، إلا أن أكون أكثر النسيان ، فأسجد للسهو . وهو قول أبي حنيفة والثوري . ورويت الإعادة مع الشك مطلقًا عن الشعبي وشريح ومحمد ابن الحنفية . وأما جمهور العلماء ، فعلى أنه لا يعيد الصلاة . لكن اختلفوا : هل يبني على الأقل - وهو اليقين أو يبني على غالب ظنه ؟ فقالت طائفة : يبني على غالب ظنه . روي عن ابن مسعود ، وهو قول الكوفيين كالنخعي وأبي حنيفة والثوري - في رواية - والحسن بن حي . وحكاه ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث . وحكى ابن عبد البر عن الأوزاعي : يتحرى ، فإن قام فلم يدر كم صلى ، استأنف . والتحري قول أحمد ، في رواية عنه . وعلى هذه الرواية ، فهل ذلك عام في المنفرد والإمام ، أم خاص بالإمام ؟ على روايتين فيهِ . وظاهر مذهبه : أنه يختص بالإمام ؛ لأنه يعتمد على غلبة ظنه بإقرار المأمومين ومتابعتهم لهُ من غير نكير ، فيقوى الظن بذلك . واستدل هؤلاء بأحاديث تحري الصواب . وأما حديث اطراح الشك ، والبناء على ما استيقن ، فحملوه على الشك المساوي ، أو الأضعف . فأما غلبة الظن ، فقالوا : لا يسمى شكا عند الإطلاق ، كما يدعيه أهل الأصول ومن تبعهم ، وإن كان الفقهاء يطلقون عليه اسم الشك في مواضع كثيرة . وقالت طائفة : بل يبني على اليقين ، وهو الأقل . وروي عن عمر وعلي وابن عمر ، وعن الحسن والزهري ، وهو قول مالك والليث والثوري - في رواية - والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق . وعن الثوري ، قال : كانوا يقولون : إن كان أول ما شك ، فإنه يبني على اليقين ، وإن ابتلي بالشك - يعني : أنه يتحرى وإن زاد به الشك ورأى أنه من الشيطان ، لم يلتفت إليه . وهؤلاء استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في البناء على ما استيقن . وأما أحاديث التحري ، فمنهم من تكلم فيها ، حتى أعل حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في الصحيحين ، من رواية منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عنه ، بأنه روي موقوفًا ، من طريق الحكم ، عن أبي وائل ، عنه ، كما فعل النسائي وغيره . وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود - موقوفًا . وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في آخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود . ومنهم من حمل تحري الصواب على الرجوع إلى اليقين ، ومنهم : الشافعي وأصحابه وسليمان الهاشمي والجوزجاني وابن عبد البر وغيرهم . وفي بعض ألفاظ الحديث ما يصرح بخلاف ذلك ، كما تقدم . وحمل أحمد - في ظاهر مذهبه - التحري على الإمام ؛ لأن عمله بغالب ظنه ، مع إقرار المأمومين لهُ واتباعهم إياه يقوي ظنه ، فيصير كالعمل باليقين ، بخلاف المنفرد ، فإنه ليس عنده أمارة تقوي ظنه . وقد نص أحمد : أنه يجوز للإمام إذا شك أن يلحظ ما يفعله المأمومون خلفه ، من قيام أو قعود ، وغير ذلك ، فيتبعهم فيه . ومن متأخري أصحابنا من قال : يحمل الأمر بالتحري على من قدر عليه ، بوجود أمارات توجب له غلبة الظن ، ولا يختص ذلك بالإمام ، بل المنفرد إذا كان عنده أمارة يتحرى بها عمل بها ، فإن لم يكن عند المصلي أمارة توجب ترجيح أحد الأمرين ، فقد استوى عنده الأمران ، فيطرح الشك حينئذ ، ويعمل باليقين . وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد . وهاهنا مسلك آخر : وهو حمل الأمر بالتحري على الرخصة والجواز ، وحمل الأمر باطراح الشك والبناء على ما استيقن على الأفضل والاحتياط ، فيجوز للمصلي إذا شك العمل بكلا الأمرين ، ويكون الأفضل الأخذ بالاحتياط . وصرح بهذا القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب أحكام القرآن ، وتبعه عليه جماعة من أصحابنا . وهذه المسألة ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، وللمسألة أقسام قد ذكرناها مستوفاة في كتاب القواعد في الفقه . وحملت طائفة أحاديث البناء على اليقين على من لم يعتبر الشك ، ولم تلزمه أحاديث العمل بغلبة الظن على من لزمه الشك ، وصار له عادة ووسواسًا ، فلا يلتفت إليه حينئذ ، بل يجعل وجوده كالعدم ، ويبني على غالب ظنه . وذكر ابن عبد البر أن هذا تفسير الليث وابن وهب للحديث ، وأنه مذهب مالك أيضا . يعني : أن الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسا ، لم يلتفت إليه . وهو قول الثوري ، وروي عن القاسم بن محمد ، وصرح به أصحابنا أيضا . وعلى هذا ؛ يحمل حديث الأمر لمن شك في صلاته بأن يسجد سجدتين ، من غير ذكر تحر ولا يقين . ولهذا ذكر في أول الحديث تلبيس الشيطان عليه ، حتى لا يدري : كم صلى . وعليه يحمل أيضا ما روي عن بعض المتقدمين : أن سجدتي السهو تكفي من شك في صلاته . والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما محل السجود للشك ، فقد تقدم ذكره في الباب الماضي ، واختلاف العلماء فيه ، وأن أحمد يعمل بالأحاديث كلها في ذلك . فإن شك وتحرى ، سجد بعد السلام ، وإن بنى على اليقين سجد قبله . وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب أيضا . وذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم أيضا . ومذهب إسحاق : أنه يبني على اليقين ، ويسجد بعد السلام ، نقله عنه حرب . ولعله حمل تحري الصواب في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ، كما تقدم عن جماعة أنهم قالوه . وفي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسوسة الشيطان للمصلي ، وأمره بالسجود إذا لم يدر كم صلى ، يدل على أنه لا يسجد بمجرد وسوسة الصلاة ، إذا لم يشك في عدد صلاته . وعلى هذا جمهور العلماء ، وحكاه بعضهم إجماعا . وحكى إسحاق ، عن الحسن بن علي ، أنه سجد في الصلاة عن غير سهو ظهر منه ، وقال : إني حدثت نفسي . وروي عن أحمد ، أنه سجد للسهو في صلاته ، وقال : إني لحظت ذلك الكتاب . وهذا خلاف المعروف من مذهبه . وحكى أحمد ، عن ابن عباس ، قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل . وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو في حديث أبي هريرة وابن مسعود المتفق عليهما دليل على أن سجود السهو واجب ، إذا كان لما يبطل الصلاة تعمده . واختلف العلماء في وجوب سجود السهو : فذهب إلى وجوبه كثير من العلماء ، منهم : الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي ، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق . لكن أحمد إنما يوجبه إذا كان لما يبطل عمده الصلاة خاصة ، فأما ما لا يبطل الصلاة عمده ، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله ، سوى السلام ، فليس بواجب عنده ؛ لأن السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه ، فجبرانه أولى ، فأما ما يجب فعله أو تركه ، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج . وحكي عن مالك وأبي ثور : إن كان من نقصان وجب ؛ لأن محله قبل السلام ، فيكون من جملة أجزاء الصَّلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ؛ لأن محله بعد التحلل من الصلاة . وقال الشافعي : هو سنة بكل حال . وحكي رواية عن أحمد ، وتأولها بعض أصحابه . واستدل لذلك بأنه روي في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم : فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان . وأجيب : بأن المراد بالنافلة الزيادة على آخر الصلاة ، كما في حديث عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ، وقال : من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة . خرجه مسلم . وأراد بالنافلة : زيادة في حسناته ؛ حيث كانَ الوضوء مكفرا للذنوب . فمن قالَ : إن سجود السهو سنة ، لم تبطل الصَّلاة بتركه بحال ، وهو قول الشافعي وعبد الملك المالكي . وكذلك مذهب أبي حنيفة ، لكنه عنده : إذا فعل وقع موقع الفرض ، والتحق به ، وإن كان بعد السلام حين لو أحدث فيه أو خرج الوقت بطلت الصلاة المتقدمة . واختلفت الرواية عن أحمد : هل تبطل الصلاة بترك السجود للسهو ، عنه روايتان : أحدهما : إن تركه عمدا ، وكان محله قبل السلام بطلت الصلاة ، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل ، وإن كان تركه نسيانًا لم تبطل بكل حال . وحكي مثله عن أبي ثور . لأن ما محله قبل السلام - وهو واجب - هو كالجزء من الصلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ، فإنه خارج عن الصلاة ، فهو كالأذان ، عند من يقول بوجوبه ، لا يبطل الصلاة تركه . والرواية الثانية : إذا نسيه حتى طال الفصل أعاد الصلاة . وهذا يدل على أن تركه يبطل الصلاة بكل حال ، وهو قول الحكم وابن شبرمة ؛ لأنه سجود واجب في الصَّلاة أو لأجلها ، فهوَ كسجود صلب الصَّلاة . وكذلك قال مالك ، فيما قبل السلام . وقال فيما بعده : لا يبطل تركه مطلقا . وروي عن مالك : اختصاص البطلان فيما قبل السلام بترك الأفعال دون الأقوال . ومذهب الثوري : أن سجود السهو واجب ، وليس هو من صلب الصلاة ، فمن ضحك فيه أو أحدث ، فلا شيء عليه . ولكنه قال فيمن سلم وهو يرى أنه ينبغي أن يسجد في صلاته : أعاد الصلاة ؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة . يعني به : السلام . وهذا يدل على تفريقه بين سجود السهو الذي قبل السلام وبعده ، كقول أحمد . وكذلك قال الليث ، فيمن نسي سجود السهو الذي قبل السلام ، فلم يذكره حتى صلى صلاة أخرى ، أنه يعيد الصلاة التي نسي سجودها ، فإن كان السجود بعد السلام سجد سجدتي السهو ، ولم يعد صلاته . نقله عنه ابن وهب في كتاب سجود السهو له ، ووافقه عليه .
الحديث الثاني : 1230 - حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي - حليف بني عبد المطلب - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين ، يكبر في كل سجدة وهو جالس ، قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه ، مكان ما نسي من الجلوس . تابعه ابن جريج ، عن ابن شهاب ، في التكبير . هذا الحديث خرجه مسلم عن قتيبة ، كما خرجه البخاري . وخرجه النسائي من طريق ابن وهب : أخبرني عمرو ويونس والليث ، عن ابن شهاب ، فذكره بهذا اللفظ أيضا . ورواه مالك ، عن ابن شهاب ، وقال في حديثه : فكبر ثم سجد سجدتين . وهو مخرج في الصحيحين من طريق مالك . وخرجه البخاري من طريق شعيب ، عن الزهري أيضا كذلك . وأما متابعة ابن جريج لليث بن سعد في ذكر التكبير : فخرج الإمام أحمد ، عن محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن شهاب ، فذكر الحديث ، وفيه : فلما صلى الركعتين الأخريين ، وانتظر الناس أن يسلم كبر ، فسجد ، ثم كبر فسجد ، ثم سلم . وخرجه عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج أيضا ، وعنده : يكبر في كل سجدة . ورواه الأوزاعي ، عن الزهري ، فذكر في حديثه أربع تكبيرات ، لكل سجدة تكبيرتين ، تكبيرة للسجود ، وتكبيرة للرفع ، كما في حديث أبي هريرة المتقدم . والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يكبر في كل سجدة تكبيرة للسجود وتكبيرة للرفع منه . وبه قال عطاء والشافعي وأحمد وغيرهم . ولا فرق في ذلك بين السجود قبل السلام وبعده . ومن الشافعية من قال في السجود بعد السلام : يكبر تكبيرة الإحرام ، ثم يكبر للسجود ، كقولهم في سجدة التلاوة ، كما سبق . وقد دل حديث ابن بحينة على السجود قبل السلام ، وحديث أبي هريرة على السجود بعد السلام . وكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج ، وقد سبق ذكرهما . وقد اختلف العلماء في محل سجود السهو ، على ستة أقوال : أحدها : أنه كله بعد السلام . قال ابن المنذر : روي ذلك عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وأنس وابن الزبير وابن عباس ، وبه قال الحسن والنخعي وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي . يعني : أبا حنيفة وأصحابه . قال : ويجزئ عندهم أن يسجدهما قبل السلام . قلت : وممن قال : يسجد بعد السلام : قتادة . وروي عن عمران بن حصين أيضا . والقول الثاني : أن كله قبل السلام . قال ابن المنذر : روي عن أبي هريرة ، وبه قال مكحول والزهري ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي . انتهى . وحكي رواية عن أحمد . وقيل : إنه لم يوجد بها نص عنه . وقد ذكر القاضي في كتاب شرح المذهب : إن سلم من نقص ركعة تامة فأكثر ، فإنه يسجد له بعد السلام ، رواية واحدة ، ولم نجد عن أحمد فيه خلافًا . وأسنده الترمذي في كتابه عن أبي هريرة والسائب القارئ . وذكر الشافعي أن آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام ، وأنه ناسخ لما عداه . وروي عن مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدتي السهو قبل السلام وبعده ، وآخر الأمرين قبل السلام . ومطرف هذا ضعيف . وغاية هذا أنه من مراسيل الزهري ، وهي من أوهى المراسيل . وسجود النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام وبعده ، إن كان في صورتين ، أمكن العمل بهما معا ، وإن كان في صورة واحدة ، دل على جواز الأمرين ، والعمل بهما جميعًا ، والنسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع ، ولو توجه . وادعى جماعة منهم ، أن سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام في حديث أبي هريرة كان سهوا ، حيث كانت تلك القصة تضمنت أنواعا من السهو . وهذا قول ساقط جدًا ، فإن السهو كان قبل إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحال ، وأما بعد إعلامه ، فلو تطرق السهو إلى فعله لم يحتج به كله ، وقد اجتمعت الأمة على الاحتجاج به ، كيف وقد رواه عمران بن حصين ومعاوية بن حديج وغير واحد ، وقد قيل : إنها وقائع متعددة ، كما سبق . والقول الثالث : إن كان السهو من نقصان من الصلاة ، فإن سجوده قبل السلام ، وإن كان من زيادة فيها ، فإن سجوده بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصَّلاة زيادتان ، وهو قول مالك والشافعي في القديم ، وأبي ثور . وهو رواية عن أحمد . والشك - على هذه الرواية - عنده كالنقص ، يسجد له قبل السلام ، نص عليه أحمد . ونقل حرب ، عن إسحاق ، مثل هذا القول ، إلا أنه قال في الشك : يسجد له بعد السلام ، ويبني على اليقين . وهو قول مالك . وروي هذا المعنى عن ابن مسعود ، رواه إسحاق بن راهويه ، عن عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، قال : كل شيء في الصلاة من نقصان من ركوع أو سجود أو غير ذلك ، فسجدتا السهو قبل التسليم ، وما كان من زيادة سجدها بعد التسليم . وعتاب هذا مختلف فيه . وقد رواه غيره ، عن خصيف ، بغير هذا اللفظ . روى الطبراني في هذا المعنى حديثين مرفوعين ، من حديث عائشة ، في إسناده علي بن ميمون ، وهو متروك الحديث . وأهل هذه المقالة جمعوا بهذا بين حديثي ابن بحينة وحديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ فإن في حديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ كان قد وقع في تلك الصلاة زيادة كبيرة سهوًا من سلام وكلام وعمل ، فلذلك سجد بعد السلام ، وحديث ابن بحينة ، فيه : أنه سجد قبل السلام ؛ لترك التشهد الأول ، فيلحق بالأول كل زيادة ، وبالثاني كل نقصٍ . ويشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسًا ، فسجد له بعد السلام ، كما في حديث ابن مسعود ، وقد سبق . لكن قد ذكرنا - فيما تقدم - أنه لا دلالة فيه ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بسهوه بعد أن سلم ، فكان سجوده بعد السلام ضرورة ، لا عن قصد . القول الرابع : أن سجود السهو كله قبل السلام ، إلا في موضعين : أحدهما : من سلم من نقص ركعة تامة فأكثر من صلاته سهوًا ، فإنه يأتي بما فاته ، ويسجد بعد السلام ، كما في حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وغيرهما . والثاني : إذا شك في عدد الركعات ، وعمل بالتحري ، فإنه يسجد له بعد السلام ، كما في حديث ابن مسعود ، ويأتي ذكره إن شاء الله . وما عدا هذين الموضعين ، فإنه يسجد له كله قبل السلام ، إلا أن لا يذكر سهوه إلا بعد أن يسلم ، فإنه يسجد له بعد السلام ضرورة ، كما في حديث ابن مسعود المتقدم . وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وعليه عامة أصحابه ، ووافقه عليه طائفة من أهل الحديث ، منهم : سليمان بن داود الهاشمي ، وأبو خيثمة ، وابن المنذر . وفي هذا عمل بجميع الأحاديث كلها على وجهها . غير أن ترك التشهد الأول قد روي عن المغيرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد له بعد السلام ، ولكن حديث ابن بحينة أصح منه ، فأخذ أحمد بأصح الحديثين فيما اختلفت الرواية فيه بعينه . وقد قال طائفة من أصحابنا : إن القياس أن يكون السجود كله قبل السلام ؛ لأنه تتمة الصَّلاة ، كما في حديث عثمان بن عفان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قالَ : إياي وأن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم ، من صلى منكم فلم يدر أشفع أم وتر ، فليسجد سجدتين ؛ فإنهما من تمام صلاته . خرجه الإمام أحمد . وإذا كانت السجدتان من تمام الصلاة ، فتكون قبلها ، لكن إنما ترك ذلك في تلك الصورتين لورود النص فيهما ، فما عداهما باق على الأصل . وقد أشار أحمد إلى هذا المعنى بعينه في رواية ابن بدينا . ومن المتأخرين من قال : بل القياس يقتضي التفريق بين هاتين الصورتين وغيرهما ؛ فإن من سلم من نقص فقد زاد في صلاته زيادة ، لو تعمدها لبطلت صلاته ، فيكون السجود بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان ، ويكون السجود هنا بمنزلة صلاة مستقلة ، جبر بها النقص الداخل في صلاته ، وهو إرغام الشيطان . وأما من شك وتحرى وبنى على غالب ظنه ، فإنه قد أتم صلاته ظاهرًا ، فيسجد بعد السلام سجدتين زائدتين على صلاته ، كما سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - : إرغاما للشيطان ؛ فإنه قصد تنقيص صلاته ، فأتمها وزاد عليها زيادة أخرى . وأما إذا بنى على اليقين ، فإنه يحتمل الزيادة في صلاته احتمالًا ظاهرًا ، والزيادة هنا من جنس الصلاة بخلاف الزيادة في صورة السلام من النقص ، فكانت السجدتان كركعة تشفع له صلاته ؛ لئلا تكون صلاته وترًا ، فيسجد قبل السلام . وهذا كله قد أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في كلامه وتعليله ، كما سيأتي لفظ الأحاديث فيهِ . ومن هنا يتبين أن من صلى خمسًا ساهيًا ، وذكر قبل سلامه ، أنه يسجد حينئذ قبله ، حتى لا يسلم عن وتر . لكن يقال : فلو ذكر أنه صلى ركعتين زائدتين كان الحكم كذلك ، مع أنه لم يسلم عن وتر . القول الخامس كالقول الرابع : إن ما فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم فإنه يتبع نصه ، وما ليس فيه ، فإن كان نقصًا في الصلاة فسجوده قبل السلام ، وإن كان زيادة فسجوده بعده . وهذه رواية ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه . والقول السادس : أن ورود بعض النصوص بالسجود قبل السلام ، وبعضها بالسجود بعده يدل على جواز كلا الأمرين ، من غير كراهة ، فيعمل بهما في الجواز . وأهل هذه المقالة لهم قولان : أحدهما : أنهما سواء في الفضل ، وحكي ذلك قولا للشافعي ، كما سيأتي ذكره . والقول الثاني : أنهما سواء في الجواز ، وإن كان بعضهما أفضل من بعض . وقد حكى ابن المنذر ، عن أهل الرأي ، أنهم يرون السجود قبل السلام جائزًا ، والسجود بعده أفضل . وكذلك حكى ابن عبد البر اختلاف العلماء في محل السجود ، ثم قال : كل هؤلاء يقولون : لو سجد بعد السلام فيما فيه السجود قبله لم يضره ، وكذلك لو سجد قبله فيما فيه السجود بعده لم يضره ، ولم يكن عليه شيء . وقال الماوردي - من الشافعية - في كتابه الحاوي : لا خلاف بين الفقهاء - يعني : جميع العلماء - أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده ، وإنما اختلفوا في المسنون ، والأولى : هل هو قبل السلام ، أو بعده . ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك . وكذلك صرح بهذا طوائف من الحنفية والمالكية والشافعية ، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في خلافيهما وغيرهما من بعد . وفي تهذيب المدونة للمالكية : ومن وجب عليه سجود سهو بعد السلام ، فسجده قبل السلام ، رجوت أن يجزئه . وأنكر ذلك طوائف آخرون من أصحابنا والشافعية ، وقالوا : إنما الاختلاف في محل السجود في وجوبه عند من يراه واجبًا ، وفي الاعتداد به وحصول السنة عند من يراه سنة . وهذا ظاهر على قواعد أحمد وأصحابه ؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصَّلاة بترك سجود السهو عمدًا ، بين ما محله قبل السلام وما محله بعده ، فيبطلون الصَّلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام ، دون الذي محله بعده ، ولو كانَ ذَلِكَ على الأولوية لم يكن لهُ أثر في إبطال الصَّلاة . وقال القاضي أبو يعلى الصغير من أصحابنا : لو كان عليه سجود بعد السلام ، فسجده قبله : هل يجزئه ، ويعتد به ؟ على وجهين . ولم يذكر حكم ما لو سجد بعد السلام ، لما قبله . وظاهر كلامه : أنه لا يجزئه بغير خلاف . وهذه - أيضا - طريقة أبي المعالي الجويني من الشافعية ومن اتبعه ، فإنه حكى في المسألة طريقين لأصحابه . أحدهما : إن في المسألة ثلاثة أقوال - يعني : للشافعية - : الصحيح فيها : أنه قبل السلام ، فإن أخره لم يعتد به . الثاني : أن كان السهو زيادة ، فمحله بعد السلام وإن كان نقصًا فقبله ، ولا يعتد به بعده . والثالث : إن شاء قدمه ، وإن شاء أخره . والطريق الثاني : يجزئ التقديم والتأخير ، وإنما الأقوال في بيان الأفضل : ففي قول : التقديم أفضل . وفي قول : التقديم والتأخير سواء في الفضيلة . وفي قول : إن كان زيادة فالتأخير أفضل ، وإلا فالتقديم . قال : ووجه هذه الطريقة : صحة الأخبار في التقديم والتأخير . قال : والطريقة المشهورة الأولى ، ويجعل الخلاف في الإجزاء والجواز ، كما سبق .
5 - باب يكبر في سجدتي السهو وفيه حديثان : الأول : 1229 - حدثنا حفص بن عمر ، ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي - قال محمد : وأكثر ظني العصر - ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يده عليها ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وخرج سرعان الناس ، فقالوا : قصرت الصلاة ، ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين ، فقال : أنسيت ، أم قصرت ؟ فقالَ : لم أنس ، ولم تقصر ، قالَ : بلى ، قد نسيت ، فصلى ركعتين ، ثُمَّ سلم ، ثُمَّ كبر ، ثُمَّ سجد مثل سجوده أو أطول ، ثُمَّ رفع رأسه فكبر ، ثُمَّ وضع رأسه فكبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثُمَّ رفع رأسه فكبر . صلاتا العشي : هما الظهر والعصر ؛ لأنهما بعد زوال الشمس ، وذلك زمن العشي . وأكثر ظن ابن سيرين أنها العصر . وفي رواية ابن عون ، عنه ، أنه قال : سماها أبو هريرة ، ونسيتها أنا . وروي مجزومًا بذلك . خرجه الإمام أحمد . وفي هذه الرواية : أنه قام من مكانه الذي صلى فيه إلى مقدم المسجد ، ووضع يده على الخشبة . وفي رواية ابن عون ، عن ابن سيرين ، أنه شبك أصابعه . وقد خرجها البخاري فيما مضى . وأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه ، مع قربهما منه ، واختصاصهما به ، فلشدة معرفتهما بعظمته وحقوقه ، وقوة المعرفة توجب الهيبة ، كما أن أشد الناس معرفة بالله أشدهم لهُ خشية وهيبة وإجلالا ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك . وسرعان الناس هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد ، فظنوا أن الصلاة قصرت ، فتحدثوا بذلك . وهذا يدل على أنه لم يخف ذلك على عامة من كان في المسجد أو كلهم . وفي رواية ابن عون ، عن ابن سيرين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى خشبة فاتكأ عليها ، وشبك بين أصابعه ، ووضع خده على ظهر كفه ، كأنه غضبان . والظاهر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حال الصلاة مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب ، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين وسلم ، ولم يشعر بذلك . وقوله : ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين ، فيه دليل على أنه يجوز دعاء الإنسان بغير اسمه ، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة ، وربما كان يدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل : يا ذا الأذنين . وقوله : لم أنس ولم تقصر وهكذا في رواية ابن عون أيضا ، عن ابن سيرين . وزعم بعضهم أن مراده : نفي مجموع الأمرين ، يعني : لم يجتمع القصر والنسيان ، ولم يرد نفي أحدهما بانفراده . وهذا ليس بشيء ؛ فإنه لو كانَ كذلك لكان ذاكرًا لنسيانه حينئذ ، مثبتًا لهُ ؛ فإن القصر منتف قطعًا ، فيكون مثبتا لنسيانه حينئذ ، ولو كانَ حينئذ ذاكرًا لنسيانه لم يحتج إلى قول ذي اليدين لهُ ، ولا لاستشهاده بالناس على صدقه ؛ فإن في رواية ابن عون : فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ ، قالوا : نعم . ولو كانَ ذاكرا لنسيانه حينئذ لما تكلم ، فإنه كانَ يكون متكلمًا وهو عالم بأنه في صلاة أو حكمها ، وإنما قالَ صلى الله عليه وسلم : لم أنس ولم تقصر باعتبار ما كانَ في اعتقاده ، بأنه أتم صلاته ، ولم ينس منها شيئًا ، فإنه إنما سلم من ركعتين لاعتقاده أنه أتمها . فقوله : لم أنس إخبار عن حاله التي كانَ عليها في الصَّلاة ، وهي مستمرة إلى حين تكلم بهذا . وقد صح عنه ، أنه قال : إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني . ولعلهم امتنعوا من تذكيره في هذه الصلاة بالتسبيح ؛ لأنهم كانوا على رجاء منه أن يقوم من التشهد إلى الركعتين الباقيتين ، وإنما تيقنوا تركه لهما بسلامه ، وكانوا حينئذ غير متيقنين لسهوه ، فإنه كان يحتمل عندهم أن تكون الصلاة قد قصرت ، فلذلك لم يسبحوا به عند سلامه . وقول ذي اليدين : قد نسيت ، إنما جزم به لنفي النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر الصلاة ، مع علم الناس بأنه إنما صلى ركعتين فقط ، فتعين أن يكون ترك الركعتين نسيانًا . والمقصود من هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سجد سجدتي السهو كبر فيها أربع تكبيرات ، كبر في كل سجدة تكبيرة للسجود ، وتكبيرة للرفع منه .
4 - باب فضل التأذين 608 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى . النداء بالصلاة ، المراد به : الأذان للصلاة . والتثويب ، المراد به : الإقامة ؛ فإنه رجوع إلى النداء ، يقال : ثاب الرجل ، إذا رجع . ومنه : قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ أي : يترددون ويرجعون إليه . ومنه : حديث أبي هريرة : إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون - الحديث . وقيل : سميت الإقامة تثويبا ؛ لترديد قوله : قد قامت الصلاة مرتين . وهو بعيد حكاه الخطابي ، ورجح أنها تسمى تثويبا لرفع الصوت بها . قال : والتثويب : الاستغاثة ، واصله أن يلوح الرجل بثوبه عند الفزع ، يعلم أصحابه . وهذا الذي قاله ضعيف ، ولو كان صحيحا لكان تسمية الأذان تثويبا أحق من الإقامة . وفي الحديث : دليل على فضل الأذان ، وأنه يطرد الشيطان حتى يدبر عنده وله ضراط ، بحيث لا يسمع التأذين . والأذان والإقامة في هذا سواء . وضراط الشيطان ، محمول على ظاهره عند كثير من العلماء ، ومنهم من تأوله ، ولا حاجة إلى ذلك . وفي صحيح مسلم عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء . قال الأعمش : سألته عن الروحاء ، فقال : هو من المدينة ستة وثلاثون ميلا . وروى النيسابوري ، عن بشير بن عمرو ، عن عمر بن الخطاب ، قال : إذا رأيتم الغيلان فأذنوا بالصلاة . وروى الحسن ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمرنا إذا رأينا الغول أن ينادي بالصلاة . خرجهما ابن أبي الدنيا . وقال مالك : استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم ، وكان معدنا لا يزال الناس يصابون فيه من قبل الجن ، فذكروا ذلك لزيد بن أسلم ، فأمرهم بالأذان ، وأن يرفعوا أصواتهم به ، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم ، وهم عليه حتى اليوم . قال مالك : وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم . وفي صحيح مسلم ، عن سهيل بن أبي صالح ، قال : أرسلني أبي إلى بني حارثة ، قال : ومعي غلام لنا - أو صاحب لنا - ؛ فناداه مناد من حائط باسمه . قال : وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا ، فذكرت ذلك لأبي ، فقال : لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ؛ ولكن إذا سمعت صوتا فنادي بالصلاة ؛ فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص . وقد قيل في سر ذلك : إن المؤذن لا يسمعه جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة ، كما سيأتي في الحديث بعد هذا ، فيهرب الشيطان من سماع الأذان ويضرط ؛ حتى يمنعه ضراطه من استماعه ، حتى لا يكلف الشهادة به يوم القيامة . وقيل : إن إعلان التكبير له سر في إذابة الشيطان ، وقد جاء في حديث ضعيف : إذا رأيتم الحريق فكبروا ؛ فإنه يطفئه ، والشيطان خلق من النار ، فهو يذوب من سماع التكبير وإعلانه . وكذلك الإعلان بالتهليل : قال أبو الجوزاء : ما للشيطان طرد عن القلب غير لا إله إلا الله ، ثم تلا : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ويكره لمن كان جالسا أن يبادر إلى القيام ، ولو إلى الصلاة ؛ لأن فيه مشابهة بالشيطان في إدباره عند سماع الأذان . قال الإمام أحمد في رواية الأثرم ، وسئل عن الرجل يقوم حين يسمع المؤذن ، يبادر يركع ؟ قال : يستحب ركوعه بعدما يفرغ المؤذن أو يقرب من الفراغ ؛ لأنه يقال : إن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان .
88 - باب الْخُشُوعِ في الصَّلاةِ 741 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : ( هل ترون قبلتي هاهنا ، والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ، وإني لأراكم من وراء ظهري ) . 742 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، ثنا شعبة ، سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي - وربما قالَ : من بعد ظهري - إذا ركعتم وإذا سجدتم ) . قد خرج البخاري حديث أبي هريرة وحديث أنس في ( باب : عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة ) ، وقد سبق الكلام عليهما هناك بما فيهِ كفاية . وإنما خرجهما هاهنا ؛ لدلالتهما على الخشوع في الصلاة . وفي ( صحيح مسلم ) عن عثمان بن عفان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة ، وذلك الدهر كله ) . وقد مدح الله الخاشعين في صلاتهم ، فقالَ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وقال : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ روي عن علي بن أبي طالب ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، وأن تلين كنفك للمسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك . وعنه ، قالَ : الخشوع خشوع القلب ، وأن لا تلتفت يمينا ولا شمالا . وعن ابن عباس ، قالَ : خاشعون : خائفون ساكنون . وعن الحسن ، قالَ : كانَ الخشوع في قلوبهم ، فغضوا لهُ البصر ، وخفضوا لهُ الجناح . وعن مجاهد ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، والسكون في الصلاة . وعنه ، قالَ : هوَ خفض الجناح وغض البصر ، وكان المسلمون إذا قام أحدهم في الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه وشماله . وعنه ، قالَ : العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشذ نظره ، أو يلتفت ، أو يقلب الحصى ، أو يعبث بشيء ، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا ، إلا ناسيا ، ما دام في صلاته . وعن الزهري ، قالَ : هوَ سكون العبد في صلاته . وعن سعيد بن جبير ، قالَ : يعني متواضعين ، لا يعرف من عن يمينه ، ولا من عن شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل . وروي عن حذيفة ، أنه رأى رجلا يعبث في صلاته ، فقالَ : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . وروي عن ابن المسيب . وروي مرسلا . فأصل الخشوع : هوَ خشوع القلب ، وهو انكساره لله ، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير من هوَ بين يديه ، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه ؛ ولهذا كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه : ( خشع لك سمعي ، وبصري ، ومخي ، وعظامي ، وما استقل به قدمي ) . ومن جملة خشوع الجوارح خشوع البصر أن يلتفت عن يمينه أو يساره ، وسيأتي حديث الالتفات في الصلاة ، وأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، فيما بعد إن شاء الله تعالى . وقال ابن سيرين : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يساره ، فأنزل الله تعالى : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ فخشع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة . وخرجه الطبراني من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة . والمرسل أصح . والظاهر : أن البخاري إنما ذكر الخشوع في هذا الموضع ؛ لأن كثيرا من الفقهاء والعلماء يذكرون في أوائل الصلاة : أن المصلي لا يجاوز بصره موضع سجوده ، وذلك من جملة الخشوع في الصلاة . وخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة أم المؤمنين ، قالت : كانَ الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع قدمه ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع جبينه ، فتوفي أبو بكر فكان عمر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة ، فالتفت الناس يمينا وشمالا . وقال ابن سيرين : كانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه . خرجه سعيد بن منصور . وقال النخعي : كانَ يستحب أن يقع الرجل بصره في موضع سجوده . وفسر قتادة الخشوع في الصلاة بذلك ، وقال مسلم بن يسار : هوَ حسن . وفيه حديثان مرفوعان ، من حديث أنس وابن عباس ، ولا يصح إسنادهما . وأكثر العلماء على أنه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده ، منهم : سليمان بن يسار وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وقال مالك : يستحب أن يكون بصره أمام قبلته ، قالَ : وأكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام . وحكي عن شريك بن عبد الله ، قالَ : ينظر في قيامه إلى موضع قيامه ، وإذا ركع إلى قدميه ، وإذا سجد إلى أنفه ، وإذا قعد إلى حجره . واستحب ذَلِكَ بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي . قالَ أصحابنا : ويستحب إذا جلس للتشهد أن لا يجاوز بصره أصبعه ؛ لما روى ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة ، ولم يجاوز بصره إشارته . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وحكى أصحاب الثوري في كتبهم ، عن سفيان ، أنه قالَ : إذا قام في الصلاة فليكن بصره حيث يسجد إن استطاع ، قالَ : وينظر في ركوعه إلى حيث يسجد - ومنهم من قالَ : إلى ركبتيه - ويكون نظره في سجوده إلى طرف أنفه . وبكل حال ؛ فهذا مستحب ، ولا تبطل الصلاة بالإخلال به ، ولا باستغراق القلب في الفكر في أمور الدنيا ، وقد حكى ابن حزم وغيره الإجماع على ذَلِكَ ، وقد خالف فيهِ بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية . وحكى ابن المنذر عن الحكم ، قالَ : من تأمل من عن يمينه أو عن شماله حتى يعرفه فليس لهُ صلاة . وهذا يرجع إلى الالتفات ، ويأتي ذكره في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكي عن ابن حامد من أصحابنا : أن عمل القلب في الصلاة إذا طال أبطل الصلاة كعمل البدن . وهذا يرده حديث تذكير الشيطان المرء في صلاته حتى يظل لا يدري كم صلى ، وأمره أن يسجد سجدتين ، ولم يأمره بالإعادة . وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث الفضل بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( الصلاة مثنى مثنى ، تشهد في كل ركعتين ، وتخشع وتضرع ، وتمسكن ، وتقنع يديك - يَقُول : ترفعهما إلى ربك - مستقبلاً ببطونهما وجهك ، وتقول : يَا رب يَا رب ، وإن لَمْ تفعل ذَلِكَ فهو كذا وكذا ) . وهذا لفظ الترمذي . وللإمام أحمد : ( وتقول : يا رب ثلاثاً ، فمن لَمْ يفعل ذَلِكَ فَهِيَّ خداج ) . وفي إسناده اخْتِلاَف . وخرجه أبو داود وابن ماجه ، وعندهما : عَن المطلب ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قَالَ أبو حاتم الرَّازِي : هُوَ إسناد حسن . وضعفه البخاري ، وَقَالَ : لا يصح . وَقَالَ العقيلي : فِيهِ نظر . وأما قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أراكم من وراء ظهري ) ، فليس المراد مِنْهُ : أَنَّهُ كَانَ يلتفت ببصره فِي صلاته إلى من خلفه حَتَّى يرى صلاتهم ، كما ظنه بعضهم ، وقد رد الإمام أحمد عَلَى من زعم ذَلِكَ ، وأثبت ذَلِكَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وآياته ومعجزاته ، وقد سبق ذكر كلامه فِي ذَلِكَ .
5 - باب رفع الصوت بالنداء وقال عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا ، وإلا فاعتزلنا . قال وكيع : ثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي ، أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه ، فقال له عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا ، وإلا فاعتزلنا . وخرج الدارقطني هذا مرفوعا من حديث ابن عباس ، وإسناده لا يصح . وروي عن ابن عمر ، أنه قال لمؤذن : إني أبغضك في الله ؛ إنك تبغي في أذانك . يشير إلى أنه يتجاوز الحد المشروع بتمطيطه والتطريب فيه . وفي رواية : أنه قال : إنك تختال في أذانك . كأنه يشير إلى التفخيم في صوته والتشادق والتكبر . وقال أحمد في التطريب في الأذان : هو محدث . يعني : أنه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين . وكرهه مالك والشافعي - أيضا . وقال إسحاق : هو بدعة . نقله عنه إسحاق بن منصور . ونقل عنه حرب ، قال : التسميح أحب إلي ، فإن كان يؤذن بأجر فإني أكرهه - يعني : التطريب - وإن من كان بغير أجر ، وكان أنشط للعامة فلا بأس . وقد يستدل لذلك بقول ابن عمر : إني أبغضك في الله ؛ إنك تحسن صوتك - يعني : في الأذان - لأجل الدراهم . وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله .
قال البخاري - رحمه الله - : 609 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني ، عن أبيه ، أنه أخبره ، أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء ؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس [ولا شيء] إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم كذا روى مالك هذا الحديث . ورواه ابن عيينة ، عن شيخه ، فقال : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة . قال الشافعي : أصاب مالك في اسم الرجل ، وأخطأ ابن عيينة فيما أرى . وذكر الإمام أحمد هذا المعنى أيضا . وقد تقدم بهذا الإسناد في أوائل كتاب الإيمان حديث : يوشك [ أن يكون] خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال - الحديث ، وذكرنا الاختلاف في إسناده على مالك ، وأنه سماه بعضهم عنه كما سماه ابن عيينة ، والصحيح خلافه . وروى هذا الحديث عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، كما رواه مالك ، إلا أنه لم يرفعه . وما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم فقد سبق القول فيه مستوفى في كتاب الإيمان عند الكلام على حديثه المشار إليه . وما تضمنه من الأذان للصلاة بالبادية ، فيأتي بسط القول فيه عند تبويب البخاري على الأذان في السفر إن شاء الله . أما الأمر برفع الصوت في الأذان ، فإنما هو من قول أبي سعيد ، واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يسمع صوت المؤذن - الحديث . كذا رواه ابن عيينة صريحا ، وكذا ما قبله كله من قول أبي سعيد . وقد رُوي نحوه عن أبي هريرة . روى وكيع وأبو نعيم في كتابيهما : ثنا أبو العنبس سعيد بن كثير ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : ارفع صوتك بالأذان ؛ فإنه يشهد لك كل شيء سمعك . لفظ وكيع ، وخرجه عنه ابن شيبة . ولفظ أبي نعيم ، قال : من أذن فليسمع ؛ فإنه يشهد له يوم القيامة ما انتهى إليه صوته من سمعه . وخرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن الزبير بن عدي ، عن رجل ، عن ابن عمر ، أنه قال لرجل : ما عملك ؟ قال : الأذان . قال : نعم العمل عملك ؛ يشهد لك كل شيء سمعك . روى وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، قال : المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه . ورواه غيره عن الأعمش ، عن مجاهد - مرسلا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال الدارقطني : هو أشبه . قال : ورواه عمار بن رزيق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا . قال : ورواه محمد بن عبيد الطنافسي وعمرو بن عبد الغفار ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية عمار بن رزيق كما تقدم ، ومن رواية زائدة عن الأعمش ، عن رجل ، عن ابن عمر - مرفوعا . ورواه عبد الله بن بشر ، عن الأعمش كرواية عمار بن رزيق . وروي عن إسماعيل بن زكريا ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - مرفوعا . قال الدارقطني في موضع من علله : الصحيح : الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا . وهذا يخالف قوله في مسند أبي هريرة : إن إرساله أصح . ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - موقوفا . ورواه حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وروي مرفوعا من وجه آخر : من رواية شعبة ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبي يحيى ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويشهد له كل رطب ويابس . خرجه أبو داود والنسائي . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ويستغفر له كل رطب ويابس . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال ابن حبان : أبو يحيى هو سمعان مولى أسلم ، [حدثني] أبي يحيى . وموسى بن أبي عثمان كوفي ، أثنى عليه سفيان ، ووصفه بالخير . وقال أبو حاتم : شيخ . وله طريق آخر : من رواية منصور بن المعتمر ؛ واختلف عليه : فرواه وهيب ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وسأل وهيب منصورا ، عن عطاء هذا ، فقال : هو رجل . قال : وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار . وكذا رواه زائدة وفضيل بن عياض ، عن منصور ، عن ابن عباد ، عن عطاء - رجل من أهل المدينة - عن أبي هريرة - موقوفا غير مرفوع . وكذا رواه جرير ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن عباد بن أنس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه عنه الإمامان : أحمد وإسحاق في مسنديهما . قال أبو زرعة الرازي والدارقطني : حديث معمر وهم ، والصحيح : حديث منصور . قلت : ويشهد لقول منصور : أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم ، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد ، عن شيخ من الأنصار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه . قال الدارقطني : الصحيح : قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير ، عن منصور . يعني : الموقوف ، والله أعلم . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث قتادة ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن البراء بن عازب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس ، وله مثل أجر من صلى معه . وأبو إسحاق هذا ، قال أحمد : ما أظنه السبيعي . وذكر الترمذي في العلل أنه لا يعرف لقتادة سماعا من أبي إسحاق الكوفي . وقوله : لا يسمع مدى صوت المؤذن : المدى : الغاية حيث ينتهي الصوت . وقوله : كل رطب ويابس يدل على أن الجمادات سواء كانت رطبة أو يابسة فإن لها سماعا في الدنيا وشهادة في الآخرة . فدل ذلك على صحة أشياء مختلف في بعضها : منها : إدراك الجمادات ونطقها . وقد أثبت ذلك جمهور السلف ، سواء كانت رطبة أو يابسة ، كما دل عليه قوله : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وخص الحسن التسبيح بما كان رطبا قبل أن ييبس . والجمهور على خلافه . وأما من قال : تسبيحها : دلالاتها على صانعها بلسان الحال ، فقول ضعيف جدا ، والأدلة الكثيرة تبطله . ومنها : أن الجمادات [ ] يوم القيامة . وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن أنيس في سؤال الحجر والعود . والحديث الصحيح : أن الغال يأتي بما غل من بقر وغنم وصامت ورقاع تخفق . وأن مانع الزكاة يجعل له ماله صفائح يكوى به . كما دل عليه قوله : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وأما قوله في الحديث الآخر : يغفر له مدى صوته . فقيل : معناه : لو كانت ذنوبه أجساما لغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته . وقيل : معناه : تمد له الرحمة بقدر مد الأذان . وقال الخطابي : معناه أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت ، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت . ورفع الصوت بالأذان مستحب ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه : ألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك . خرجه أبو داود وغيره . والمؤذن ، إما أن يؤذن لنفسه ، أو يؤذن للجماعة ؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يسمعهم . قال الإمام أحمد في رواية حنبل ، في رجل ضعيف الصوت ، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد ، فإذا كان يسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا أنه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان ؛ لأن القصد من الأذان الإعلام ، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود . فأما كمال السنة فهو : أن يرفع صوته نهاية جهده ، ولا يزيد على ذلك حتى يخشى على نفسه ضررا . قال أحمد في رواية حنبل : يرفع صوته ما استطاع . وقال الميموني : رأيت أحمد وهو يؤذن ، صوتا بين الصوتين ، وكان إلى خفض الصوت أقرب . قال القاضي : ظاهر هذا أنه لا يرفع صوته رفعا يخرجه عن طبعه . ومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية ؛ بأن التوسط في رفع الصوت أفضل . وفي المراسيل لأبي داود ، عن ابن سيرين : أن بلالا جعل أصبعيه في أذنيه في بعض أذانه ، أو في إقامته ، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع . ومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا . وإن كان يؤذن لنفسه فله أن يسر به ؛ لأنه لا يعلم غيره . وقال أصحاب الشافعي : يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه ، بحيث لا يلحقه ضرر ، فإن أسر به لم يصح على الصحيح عندهم . ولهم وجه : أنه يصح ، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر . ووجه ثالث : يصح إن سر بعضه خاصة ، ونص عليه الشافعي في [مكان] . قال الماوردي منهم : لو سمع واحدا من الجماعة أجزأه ؛ لأن الجماعة تحصل بهما . وأما من يؤذن لنفسه ، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم . وقيل : يشترط إسماع من عنده . والمذهب الأول . ومتى رفع صوته رفعا يخشى على نفسه الضرر منه كره . وقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة : أما خشيت أن ينشق مريطاؤك ؟ ذكره أبو عبيد وغيره . والمريطاء : بالمد والقصر . قال أبو عبيد : والمحفوظ : المد . قال : وهو قول الأصمعي . قال : وقال الأحمر : هي مقصورة . قال : وقال أبو عمرو : تمد وتقصر . وهي ما بين السرة والعانة - : قاله أبو عبيد والأكثرون . وقيل : ما بين الصدر والعانة .
خرج البخاري في هَذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 729 - حدثنا محمد ، ثنا عبدةُ ، عَن يحيى بنِ سعيد الأنصاريِّ ، عَن عَمرةَ ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي مِن الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قَصير ، فرأى الناس شَخْص النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام أُناسٌ يُصلونَ بصلاته ، فأصبحوا فتحدثوا بذلك ، فقام ليلته الثَّانية ، فقام معه أُناسٌ يصلون بصلاته ، صنعوا ذَلِكَ ليلتين - أو ثلاثاً - حتى إذا كانَ بعد ذَلِكَ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج ، فلما أصبح ذكر ذَلِكَ الناس ، فقالَ : ( إنِّي خَشيت أن تكتبُ عليكم صلاةُ الليلِ ) . ليسَ في هَذهِ الرواية دليل على جواز الائتمام مِن وراء جدارٍ يحول بين المأموم وبين رؤية إمامه ؛ فإنَّ في هَذا التصريح بأن جدار الحجرة كانَ قصيراً ، وأنهم كانوا يرونَ منهُ شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثلُ هَذا الجدار لا يمنع الاقتداء . لكن روى هَذا الحديث هُشيمٌ ، عَن يحيى بنِ سعيد ، فاختصر الحديث ، وقال فيهِ : صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته ، والناس يأتمون به مِن وراء الحجرة . وهذا مختصر . وقد أتم الحديث عبدة بنِ سليمان وعيسى بن يونس وغيرهما ، عَن يحيى بنِ سعيد ، وذكروا فيهِ : أن جدار الحجرة قصير ، وأن الناس كانوا يرون شخص النبي صلى الله عليه وسلم .
الحديث الثاني : 730 - حدثنا إبراهيم بنِ المنذر ، ثنا ابن أبي فديك ، ثنا ابن أبي ذئبٍ ، عَن المقبري ، عَن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن ، عَن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لَهُ حصيرٌ يبسطهُ بالنهار ، ويحتجرهُ بالليلِ ، فثاب إليهِ ناسٌ فصفوا وراءهُ . معنى ( يحتجره ) أي : يتخذه كالحجرة ، فيقيمه ويصلي وراءه . وهذا هوَ المراد بالحجرة المذكورة في الحديث الذي قبله ، ليسَ المراد حجرة عائشة التي كانَ يسكن فيها هوَ وأهلهُ ؛ فإنَّ حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها جدرات تحجب مِن كانَ خارجاً منها أن يرى من في داخلها . وقولها : ( فثاب إليهِ ناسٌ ) ، أي : رجعوا ، فكأنهم كانوا قد صلوا العشاء وانصرفوا من المسجد ، فرجعوا إليه للصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم . ورُوي : ( فآب ) ، وبذلك فسَّرهُ الخطابي ، قالَ : معناه : جاءوا من كل أَوب ، آب أوباً وإياباً ، ومنه : آب المسافر ، وهو : الرجوع .
الحديث الثالث : قالَ : 731 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، ثنا وهيبٌ ، قالَ : ثنا موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة - قالَ : حسبت أنه قالَ : من حصير - في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم ، فقالَ : ( قد عرفت الذي رأيتُ من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته ، إلا المكتوبة ) . وخرَّجهُ - أيضاً - في ( الاعتصام ) من كتابه هذا من طريق عفان ، عن وهيبٍ ، به ، وقال فيهِ : اتخذ حجرةً في المسجد من حصير ، ولم يذكر فيهِ شكاً . وخرجه - أيضاً - من رواية عبد الله بن سعيدٍ ، عن سالم مولى أبي النضر ، ولفظُ حديثه : احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة - أو حصيراً - فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، وذكر الحديث . وهذه الحجرة هي المذكورة في حديث عائشة المتقدم ، وقد تبين أنها لم تكنْ تمنع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لمن صلى وراءها خلفه . وقد روى ابن لهيعة حديث زيد بن ثابت هذا ، عن موسى بن عقبة ، بهذا الإسناد ، وذكر أن موسى كتب به إليه ، واختصر الحديث وصحفهُ ، فقالَ : ( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ) فقيل لابن لهيعة : مسجد بيتهِ ؟ قالَ : لا ، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد خرج حديثه هذا الإمام أحمد . وقوله : ( احتجم ) غلطٌ فاحش ؛ وإنما هوَ : ( احتجر ) ، أي : اتخذ حجرةً . وهذا آخرُ ( أبواب : الإمامةِ ) ، وبعدها ( أبواب : صفة الصلاة ) .
80 - باب إذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ وقال الحسنُ : لا بأس أن تصلِّي وبينكَ وبينهُ نهر . وقال أبو مجلزٍ : يأتمُّ بالإمامِ - وإنْ كانَ بينهما طَريقٌ أو جدارٌ - إذا سمعَ تكبيرَ الإمامِ . مرادُ البخاري بهذا الباب : أنَّهُ يجوز اقتداء المأمومِ بالإمام ، وإن كانَ بينهما طريق أو نهر ، أو كانَ بينهما جدار يمنع المأموم مِن رؤية إمامه إذا سمع تكبيره . فهاهنا مسألتان : إحداهما : إذا كانَ بين الإمام والمأموم طريق أو نهر ، وقد حكى جوازه في صورة النهر عَن الحسن ، وفي صورة الطريق عَن أبي مجلز . وقال الأوزاعي في السفينتين : يأتم من في إحداهما بإمام الأخرى ، الصلاة جائزةٌ ، وإن كانَ بينهما فرجةٌ ، إذا كانَ أمام الأخرى ، وبه قالَ الثوري ، نقله ابن المنذر . وروى الأثرم بإسناده ، عَن هشام بن عروة ، قالَ : رأيت أبي وحميد بنِ عبد الرحمن يصليان الجمعة بصلاة الإمام في دار حميدٍ ، وبينها وبين المسجد جدارٌ . وكره آخرون ذَلِكَ : روى ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عَن نعيم بنِ أبي هندٍ ، قالَ : قالَ عمر بنِ الخطاب : مِن صلى وبينه وبين الإمام نهرٌ أو جدار أو طريق لَم يصل معَ الإمام . خرجه أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ ( الشافي ) . وكره أبو حنيفة وأحمد أن يصلي المأموم وبينه وبين إمامه طريقٌ لا تتصل فيهِ الصفوف ، فإن فعل ، فقالَ أبو حنيفة : لا تجزئه صلاته ، وفيه عَن أحمد روايتان . والنهر الذِي تجري فيهِ السفن كالطريق عند أحمد ، وعن أحمد جوازه . واحتج بصلاة أنسٍ في غرفة يوم الجمعة . فَمِن أصحابه مِن خصه بالجمعة عند الزحام ، والأكثرون لَم يخصُّوه بالجمعة . وكذلك مذهب إسحاق : قالَ حربٌ : قلت لإسحاق : الرجل يصلي في دار ، وبينه وبين المسجد طريقٌ يمرُّ فيهِ الناس ؟ قالَ : لا يعجبني ، ولم يرخِّص فيهِ ، قلت : صلاتهُ جائزةٌ ؟ قالَ : لو كانت جائزةً كنت لا أقول : لا يعجبني ، قالَ : إلا أن يكون طريق يقوم فيهِ الناس ، ويصفون فيهِ للصلاة ، قلت : فإنَّا حين صلينا لَم يمرَّ فيهِ أحدٌ ، فذهب إلى أن الصلاة جائزةٌ . قلت لإسحاق : فرجل صلى وبين يديه نهرٌ يجري فيهِ الماء ؟ قالَ : إن كانَ نهراً تجري فيهِ السفن فلا يصلِّ ، وإن لَم يكن تجري فيهِ السفن فَهوَ أسهل . وكره آخرون الصلاة خلف الإمام خارجَ المسجد : روي عَن أبي هريرة وقيس بنِ عبادةَ ، قالا : لا جمعة لمن لَم يصلِّ في المسجد . ورخصت طائفةٌ في الصلاة في الرحاب المتصلة بالمسجد ، منهم : النخعيُّ والشافعيُّ . وكذلك قالَ مالك ، وزاد : أنَّهُ يصلي فيما اتصل بالمسجد مِن غيره . ذكر في ( الموطأِ ) عَن الثقة عنده ، أن الناس كانوا يدخلون حُجَرَ أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، يصلُّون فيها الجمعة ، قالَ : وكان المسجد يضيقُ على أهله . وحجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليست مِن المسجد ، ولكن أبوابها شارعةٌ في المسجد . قالَ مالك : فَمِن صلى في شيء مِن المسجد أو في رحابه التي تليه ، فإن ذَلِكَ مجزئٌ عَنهُ ، ولم يزلْ ذَلِكَ مِن أمر الناس ، لَم يعبه أحدٌ مِن أهل الفقه . قالَ مالك : فأما دارٌ مغلقةٌ لا تدخل إلا بإذن ، فإنه لا ينبغي لأحد أن يصلي فيها بصلاةِ الإمام يوم الجمعة ، وإن قربُت ، فإنها ليست مِن المسجد . وفي ( تهذيب المدونة ) : أن ضابطَ ذَلِكَ : أن ما يُستطرَقُ بغير إذن مِن الدور والحوانيت تجوز الصلاة فيهِ ، وما لا يدخل إليهِ إلا بإذن لا يجوز ، وأن سائر الصلوات في ذَلِكَ كالجمعة . وروى الأثرمُ بإسناده ، عَن محمد بن عمرو بنِ عطاءٍ ، قالَ : صليت معَ ابن عباسٍ في حجرة ميمونةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الإمام يوم الجمعة . وبإسناده ، عَن عطاء بنِ أبي ميمونة ، قالَ كنت معَ أنسِ بنِ مالك يوم جمعة ، فلم يستطع أن يزاحم على أبواب المسجد ، فقالَ : اذهب إلى عبد ربِّه بن مخارقٍ ، فقل لَهُ : إن أبا حمزة يقول لك : أتأذن لنا أن نصلي في دارك ؟ فقالَ : نعم ، فدخل فصلَّى بصلاة الإمام ، والدار عَن يمين الإمام . فهذا أنسٌ قَد صلى في دار لا تُدخل بغير إذن ، وحجر أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدمها وإدخالها في المسجد لَم تكن تُدخل بغير إذنٍ ، أيضاً . وقد استدل أحمد بالمروي عَن أنس في هَذا في رواية حرب ، ورخص في الصلاة في الدار خارج المسجد ، وإن كانَ بينها وبين المسجد طريقٌ ، ولم يشترط الإمام أحمد لذلك رؤية الإمام ، ولا مِن خلفه ، والظاهر : أنه اكتفى بسماعِ التكبير . واشترط طائفة مِن أصحابه الرؤية ، واشترط كثيرٌ مِن متقدميهم اتصال الصفوف في الطريق . وشرطه الشَافِعي - أيضاً قالَ في رواية الربيع فيمن كانَ في دار قرب المسجد ، أو بعيداً منهُ : لَم يجز لَهُ أن يصلي فيها ، إلا أن تتصل الصفوف بهِ ، وَهوَ في أسفل الدار ، لا حائل بينه وبين الصفوف . واستدلَّ بقول عائشة - مِن غير إسناد - وتوقف في صحته عنها . وذكره بإسناده في رواية الزعفراني ، فقالَ : حدثنا إبراهيم بنِ محمد ، عَن ليثٍ ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، أن نسوةً صلْين في حجرتها ، فقالت : لا تصلِّين بصلاة الإمام ؛ فإنكنَّ في حجابٍ . وهذا إسناد ضعيفٌ ، ولذلك توقف الشَافِعي في صحته . المسألة الثانية : إذا كانَ بين المأموم والإمام حائلٌ يمنع الرؤية ، فَقد حكى البخاري عَن أبي مجلَزٍ أنه يجوز الاقتداء بهِ إذا سمع تكبير الإمام . وأجازه أبو حنيفة وإسحاق ، قالَ إسحاق : إذا سمع قراءته واقتدى بهِ . وقد تقدم كلام الشافعي في منعه ، واستدلاله بحديث عائشة ، قالَ الشَافِعي : هَذا مخالف للمقصورة ، المقصورة شيء مِن المسجد ، فَهوَ وإن كانَ حائلاً بينه وبين ما وراءَها ، فإنما هو كحول الأصطوانِ أو أقلَّ ، وكحول صندوق المصاحف وما أشبهَهَ . وحاصلُه : إن صلَّى في المسجد وراء الإمام لَم يشترط أن يرى فيهِ الإمام بخلاف من صلَّى خارج المسجد . وحكى أصحابنا روايتين عَن أحمد فيمن صلَّى في المسجد بسماعِ التكبير ، ولم يرَ الإمام ولا مَنْ خلفهُ ، هل يصح اقتداؤهُ بهِ ، أو لا ؟ وحكوا روايةً ثالثةً : أنَّهُ يصحُّ اقتداؤه بهِ ، سواء صلى معه في المسجد ، أو صلى خارجاً مِن المسجد . قالَ أحمد في رواية حنبلٍ : إذا صلَّى الرجلُ وَهوَ يسمع قراءة الإمام في دار أو في سطح بيته كانَ ذَلِكَ مجزئاً عَنهُ ، وفي الرحبة . قالَ أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ ( الشافي ) : ذَلِكَ جائزٌ إذا اتصلت الصفوف ، وعلم التكبير والركوع والسجود ، وأن لا يكون الدار والسطح مقدم القبلة ، ولا فوق الإمام ؛ فإنهم لا يمكنهم الاقتداء بهِ ولا اتباعه ، ولا يعرفون ركوعه ولا سجوده ، وكذلك في الرحاب والطرق تجوز الصلاة في ذَلِكَ إذا اتصلت الصفوف ، ورأى بعضهم بعضاً ، ولو أغلقت دونهم الأبواب ، وارتفعت الشبابيك بينهم ، أو كانَ عليها أبواب تُغلقُ ، فلا يلحظون الصفوف ، ولا يرى بعضُهم بعضاً - يعني : أنَّهُ لا يصح اقتداؤهم بالإمام - قالَ : وَهوَ مذهب أبي عبد الله . انتهى ما ذكره . وَهوَ مبني على اشتراط الرؤية خارجَ المسجد ، وفيه خلافٌ سبق ذكره . وحُكي عن أحمد رواية : أن الحائل المانع للرؤية ، والطريق الذِي لا تتصل فيهِ الصفوف يمنع الاقتداء في الفرض دونَ النفل . وحُكي عَنهُ : أنه لا يمنع في الجمعة في حال الحاجة إليهِ خاصةً . وحُكي عَنهُ : إن كانَ الحائل حائِطَ المسجد لَم يمنع ، وإلا منع . وإن كانَ الحائل يمنع الاستطراق دونَ الرؤية لَم يمنع . وفيه وجهٌ : يمنع ، وحكاه بعضهم روايةً .
87 - باب وَضْعِ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلاةِ 740 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قالَ : كانَ الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة . قالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قالَ إسماعيل : ينمى ذَلِكَ ، ولم يقل : ينمي . هذا الحديث في ( الموطأ ) ليس فيهِ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما فيهِ : قالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم . وكذا رأيناه في ( موطأ القعنبي ) ، وهو الذي خرج عنه البخاري هذا الحديث . ومراد البخاري : أن إسماعيل - وهو : ابن أبي أويس - رواه بالبناء للمفعول : ينمى . ومعنى ( ينمى ) يرفع ويسند ، والمراد : إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه عمار بن مطر ، عن مالك ، فقالَ فيهِ : أمرنا أن نضع . وعمار ، ليس بحجة . وليس في ( صحيح البخاري ) في هذا الباب غير هذا الحديث ، ولا في ( صحيح مسلم ) فيه غير حديث محمد بن جحادة ، حدثني عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ومولى لهم ، حدثاه عن أبيه وائل بن حجر ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين داخل في الصلاة ، كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثم رفعهما وكبر فركع ، فلما قالَ : ( سمع الله لمن حمده ) رفع يديه ، فلما سجد سجد بين كفيه . وله طرق أخرى عن وائل . وفي رواية للإمام أحمد : وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد . وفي الحديث : دليل على أن المصلي إذا التحف في صلاته بثوبه ، ثم أخرج يديه منه لمصلحة الصلاة لم يضره ذَلِكَ . وفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيدها من مقال . وقد خرج ابن حبان في ( صحيحه ) من طريق حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا ، ونعجل إفطارنا ، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة ) . وهذا إسناد في الظاهر على شرط مسلم ، وزعم ابن حبان أن ابن وهب سمع هذا الحديث من عمرو بن الحارث وطلحة بن عمرو ، كلاهما عن عطاء ، وفي هذا إشارة إلى أن غير حرملة رواه عن ابن وهب ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، وهذا هوَ الأشبه ، ولا يعرف هذا الحديث من رواية عمرو بن الحارث . قالَ البيهقي : إنما يعرف هذا بطلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس ومرة : عن أبي هريرة وطلحة ليس بالقوي . قلت : وقد روي ، عن طلحة ، عن عطاء ، مرسلا . خرجه وكيع عنه كذلك . قالَ الترمذي في ( جامعه ) : العمل عندَ أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على هذا ، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة . انتهى . وقد روي ذَلِكَ عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب . وروي عن ابن الزبير ، أنه قالَ : هوَ من السنة . خرجه أبو داود . وعن عائشة ، قالت : هوَ من النبوة . خرجه الدارقطني . وروي عن أبي الدرداء ، أنه قالَ : هوَ من أخلاق النبيين . وروي عن علي وابن عباس ، أنهما فسرا ( النحر ) المذكور في قوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بهذا . وهو قول عامة فقهاء الأمصار ، منهم : الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وغيرهم . وحكى ابن المنذر إرسال اليدين في الصلاة عن ابن الزبير والحسن والنخعي ، وحكى عن مالك كقول الأولين . وذكر ابن عبد البر : أنه روي عن مالك ، أنه قالَ : لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة ، قالَ : وهو قول المدنيين من أصحابه . ونقل ابن القاسم ، عنه ، قالَ : إنما يفعل في النوافل من طول القيام ، وتركه أحب إلي . قالَ : وقال الليث : سدل اليدين في الصلاة أحب إلي ، إلا أن يطول القيام فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى . وقال الأوزاعي : من شاء فعل ، ومن شاء ترك . وهو قول عطاء . قلت : وحكي رواية عن أحمد ، وحكي عنه أنه يرسل يديه في النوافل خاصة . وهذا عكس ما نقله ابن القاسم عن مالك . وروى ابن المبارك في ( كتاب الزهد ) عن صفوان بن عمرو ، عن مهاجر النبال ، أنه ذكر عنده قبض الرجل يمينه على شماله ، فقالَ : ما أحسنه ، ذل بين يدي عز . وحكي مثل ذَلِكَ عن الإمام أحمد . قالَ بعضهم : ما سمعت في العلم أحسن من هذا . وروينا عن بشر بن الحارث ، أنه قالَ : منذ أربعين سنة أشتهي أن أضع يدا على يد في الصلاة ، ما يمنعني من ذَلِكَ إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله . وروى محمد بن نصر المروزي في ( كتاب الصلاة ) بإسناده ، عن أبي هريرة ، قالَ : يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة ، وقبض بعض رواة الحديث شماله بيمينه ، وانحنى هكذا . وبإسناده عن الأعمش ، عن أبي صالح ، قالَ : يبعث الناس يوم القيامة هكذا ، ووضع إحدى يديه على الأخرى . واختلف القائلون بالوضع : هل يضعهما على صدره ، أو تحت سرته ، أو يخير بين الأمرين ؟ على ثلاثة أقوال ، هي ثلاث روايات عن أحمد . وممن روي عنه أنه يضعهما تحت سرته : علي ، وأبو هريرة ، والنخعي ، وأبو مجلز ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك وإسحاق . وروي عن علي - أيضا - وعن سعيد بن جبير ، أنه يضعهما على صدره ، وهو قول الشافعي . وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه : يضعهما تحت سرته . وحكى ابن المنذر التخيير بينهما . قالَ الترمذي في ( جامعه ) : رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته ، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته ، كل ذَلِكَ واسع عندهم .
6 - باب ما يحقن بالأذان من الدماء 610 - حدثني قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا غزا بنا قوما لم يغز بنا حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم . قال : فخرجنا إلى خيبر ، فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب ، وركبت خلف أبي طلحة ، وإن قدمي لتمس قدم النبي - صلى الله عليه وسلم قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم ، فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : محمد والله ، محمد والخميس . قال : فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الله أكبر ، الله أكبر . خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . في هذا الحديث فوائد كثيرة : منها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يغير على العدو . والإغارة : تبييت العدو ليلا . وقد جاءت نصوص أخر بإباحة الإغارة ، وموضع ذكر ذلك كتاب الجهاد إن شاء الله . ومنها : التفاؤل ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآهم خرجوا بالمكاتل - وهي : الزبيل والقفاف - والمساحي - وهي : المجرفة - وهذه آلات الحراث ، ووقع الأمر كذلك . ومنها : التكبير على العدو عند مشاهدته . ويحتمل أن يكون سر ذلك أن التكبير طارد لشيطان الجن تقارنهم ، فإذا انهزمت شياطينهم المقترنة بهم انهزموا ، كما جرى للمشركين يوم بدر ، فإن إبليس كان معهم يعدهم ويمنيهم ، فلما انهزم انهزموا . وقولهم : محمد والخميس ، فيه روايتان : الخميس ، والجيش ، وهما بمعنى واحد . وسمي الجيش خميسا ؛ لأنه ينقسم خمسة أجزاء : مقدمة ، وساقة ، وميمنة ، وميسرة ، وقلب . ومنها - وهو المقصود بهذا الباب - : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل [الأذان] فرقَ مَا بين دار الكفر ودار الإسلام ، فإن سمع مؤذنا [للدار] كحكم ديار الإسلام ، فيكف عن دمائهم وأموالهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم بعدما يصبح . وفي هذا دليل على أن إقامة الصلاة توجب الحكم بالإسلام ؛ فإن الأذان إنما هو دعاء إلى الصلاة ، فإذا كان موجبا للحكم بالإسلام ، فالصلاة التي هو المقصود الأعظم أولى . ولا يقال : إنما حكم بإسلامهم بالأذان لما فيه من ذكر الشهادتين ؛ لأن الصلاة تتضمن ذلك - أيضا - فإذا رأينا من ظاهره يصلي - ولا سيما في دار الحرب أو دار لم يعلم أنها دار إسلام - حكمنا بإسلامه لذلك . وهو قول كثير من العلماء ، وهو ظاهر مذهب أحمد . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بالكف عن دار يسمع فيها الأذان ، أو يُرَى فيها مسجد ، من رواية ابن عصام المزني ، عن أبيه - وكانت له صحبة - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم : إذا رأيتم مسجدا ، أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا [أحدا] . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي . وقال : حسن غريب . وقال ابن المديني : إسناد مجهول ، وابن عصام لا يعرف ، ولا ينسب أبوه . وروى الهرماس بن حبيب العنبري ، عن أبيه ، عن جده ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن حين أسلم الناس ودجا الإسلام على الناس ، فهجم على بني عدي بن جندب فوق النباح بذات الشقوق ، فلم يسمعوا أذانا عند الصبح ، فأغاروا عليهم ، فأخذوا أموالهم حتى أحضروها المدينة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقالت وفود بني العنبر : أخذنا يا رسول الله مسلمين غير مشركين . فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم وعقار بيوتهم ، وعمل الجيش أنصاف الأموال . خرجه إبراهيم الحربي في كتاب غريب الحديث وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة . وقال الحربي : إنما رد عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم ؛ لأنه لم ير أن يسبيهم إلا على أمر صحيح لا شك فيه ، وهؤلاء مقرون بالإسلام ، وليس حجة من سباهم ، إلا أنهم قالوا : لم نسمع أذانا . وكذلك فعل في عقار بيوتهم - يريد : أرضهم - وعمل الجيش جعالة عمالة لهم أنصاف الأموال ؛ وذلك لأن أصحاب الجيش ادعوا أن ذلك فيئا لهم ؛ لأنهم لم يسمعوا أذانا ، والمأخوذ منهم ادعوا أنه لهم ؛ أسلموا عليه . ثم روى الحربي من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أناس من خثعم ، فاستعصموا بالسجود ، فقتل منهم رجل ، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نصف الدية . قال الحربي : لا ، لم يقروا بالإسلام ، وإنما سجدوا ، وقد يسجد ولم يسلم ، فلذلك أعطاهم نصف الدية . قلت : هذا حديث مرسل . والذين يقولون : إن الكافر يصير مسلما بالصلاة ، فصلاته عندهم كإقراره بالإسلام . وذكر - أيضا - حديث الزبيب العنبري ، وقد خرجه أبو داود في سننه ، وفيه : أنهم سبوا ، ثم شهد لهم شاهد بالإسلام ، وحلف الزبيب ، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذراري ونصف الأموال . قال الحربي : لأنه لم تكمل البينة . قلت : في سياق حديث أبي داود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : لولا أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عقالا . وهذا تعليل بغير ما ذكره الحربي . وحاصل الأمر : أن الدار إن سمع فيها أذان لم يجز الإقدام على قتلهم ابتداء ، بل يصيرون في عصمة دمائهم وأموالهم كالمسلمين ؛ فإن الأذان وإن كان لم يسمع من بعضهم ، إلا أن ظهوره في دار قوم دليل على إقرارهم بذلك ورضاهم . فأما المؤذن نفسه فإنه يصير مسلما بذلك ، ولا سيما إذا كان في دار كفر وموضع لا يخاف فيه من المسلمين ولا يتقيهم . وعند أصحابنا : أنه يصير الكافر بالأذان مسلما . وبه قال الليث بن سعد ، وسعيد بن عبد العزيز . وقالا : لو ادعى أنه فعله تقية وخيفة على نفسه أنه لا يقبل منه ، ويصير مرتدا . وحكى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ومالك ، أنه يقبل منه ذلك ولا يقتل . ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة . وينبغي أن يقبل هذا بموضع يحتمل فيه ذلك كدار الإسلام ، أو دار يخشى أن يغار عليها المسلمون ؛ فإن الكافر إذا أتى بالشهادتين على وجه الإسلام كالذي يجيء ليسلم ، فتعرض عليه الشهادتان فيقولهما ، فإنه يصير مسلما بغير خلاف . وإن قالهما على غير هذا الوجه ، ثم ادعى أنه لم يرد بهما الإسلام ، فالمشهور عن أحمد ، أنه لا يقبل منه ويصير مرتدا . وعنه رواية ، أنه يقبل منه ولا يقتل . وهو قول إسحاق . وضعف هذه الرواية أبو بكر الخلال . وعن أحمد ، أنه يجبر على الإسلام ، ولا يقتل إن أباه . وللشافعية - أيضا - وجهان فيما [إذا] أتى بالشهادتين على غير وجه الاستدعاء ولا الحكاية : هل يصير مسلما ، أم لا ؟ وأصحهما : أنه يصير مسلما - : حكاهما صاحب شرح المهذب . وإن لم يسمع في الدار أذان : فإن كانت معروفة قبل ذلك بأنها دار حرب جاز ابتداؤهم بالقتل والسبي والنهب ، هذا هو الذي دل عليه حديث أنس المخرج في هذا الباب . وإن كانت معروفة بأنها دار إسلام ، ولم يسمع فيها أذان ، فهذه مسألة قتال أهل البلدة المسلمين إذا اتفقوا على ترك الأذان . وهي مبنية على أن الأذان على أهل الأمصار والقرى : هل هو فرض كفاية ، أو سنة مؤكدة ؟ وفيه قولان : أحدهما : أنه فرض كفاية ، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وقول داود ، ووافقهم جماعات من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي . وكذا قال عطاء ومجاهد وابن أبي ليلى والأوزاعي وأهل الظاهر : إن الأذان فرض . وحكي عن هؤلاء كلهم أن الإقامة شرط لصحة الصلاة ، فمن ترك الإقامة وصلى أعاد الصلاة . وعن الأوزاعي : أنه يعيد في الوقت . وقال عثمان بن كنانة من المالكية : يعيد إذا تركها عمدا . وذهب الجمهور إلى أنه لا إعادة على من صلى بغير أذان ولا إقامة . واستدلوا لوجوب الأذان بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم . وقد خرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث وعمرو بن سلمة الجرمي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى ابن جرير الطبري ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن أشهب ، عن مالك ، قال : إذا ترك الأذان مسافر عمدا أعاد الصلاة . وهذا غريب جدا . وحكى ابن عبد البر نحوه عن داود . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : إذا نسي الأذان والإقامة وصلى أجزأه ، وإن كان في السفر فلا بد له من الإقامة . والقول الثاني : أن الأذان سنة مؤكدة ، وهو ظاهر مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ، ورواية عن أحمد . فمن قال : الأذان فرض كفاية ، قال : إذا اجتمع أهل بلد على تركه قوتلوا عليه حتى يفعلوه . ومن قال : هو سنة ، اختلفوا على قولين : أحدهما : أنهم يقاتلون عليه - أيضا - لأنه من أعلام الدين وشرائعه الظاهرة ، وهو قول محمد بن الحسن وطائفة من الشافعية . والثاني : لا يقاتلون عليه كسائر النوافل ، وهو قول أبي حنيفة وطائفة من الشافعية . وقال أبو يوسف : آمرهم وأضربهم ، ولا أقاتلهم ؛ لأنه دون الفرائض وفوق النوافل . واستدل بعض من قال : يقاتلون على تركه بحديث أنس هذا ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان مانعا من القتال ، وتركه مبيحا له ، فدل على استباحة القتال بمجرد تركه ، وإن جاز أن يكونوا قد أسلموا .
83 - باب رَفعِ اليدَينِ في التَّكبيرَةِ الأُولَى معَ الاِفْتِتَاحِ سَواءً 735 - حدثنا عبد الله بنِ مسلمة ، عَن مالك ، عَن ابن شهاب ، عَن سالم بنِ عبد الله ، عَن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه حَذو منكبيه إذا افتتحَ الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفعَ رأسه مِن الركوع رفعهما كذلك أيضاً ، وقالَ : ( سمع الله لمن حمدهُ ، ربنا ولك الحمد ) ، وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود . مقصوده بهذا الحديث في هَذا الباب مسألتان : إحداهما : أن رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروع ، وهذا كالمجمع عليهِ . قالَ ابن المنذر : لَم يختلف أهلُ العلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . وحكى بعضهم رواية عَن مالك ، أنه لا يرفع يديه في الصلاة بحالٍ ، ذكره ابن عبد البر وغيره . ولعل ذَلِكَ لا يصح عَن مالك ، وحديثه هَذا مجمع على صحته لا مطعن لأحد فيهِ . والرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة ، وليس بركنٍ ولا فرض عند جمهور العلماء ، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم . وحكي عَن الحميدي وداود وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية : أنه تبطل الصلاة بتركه . وروي عن علي بنِ المديني ما يشبهه ، وأن الرفع واجب ، لا يحل تركه . ونقل حرب عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام ، وأنه واجب . وَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة والجوزجاني . وقال ابن خزيمة : هوَ ركن مِن أركان الصلاة ، حكاه الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) عَن خاله أبي علي المؤذن - وأثنى عليهِ - أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله . وحكاه ابن عبد البر روايةً عَن الأوزاعي ؛ لقوله فيمن ترك الرفع : نقصت صلاته . وهذا لا يدل ؛ فإن مراده : لَم يتم سننها ، كَما قالَ ابن سيرين : الرفع مِن تمام الصلاة . ونص أحمد على أن مِن ترك الرفع نقصت صلاته . وفي تسميته : ( مِن تمام الصلاة ) ، عَنهُ روايتان . ولا خلاف أنَّهُ لا يبطل تركه عمداً ولا سهواً . وتوقف إسحاق بنِ راهويه في تسميته : ( ناقص الصلاة ) ، وقال : لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة . واستدل الأكثرون على أنَّهُ غير واجب ، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يعلمه المسيء في صلاته ، كَما علمه التكبير لافتتاح الصلاة ، ولو كانَ حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه . وقد روى الوليد بنِ مسلم ، عَن الأوزاعي ، حدثني إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة ، قالَ : بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلٍ يسيء في صلاته ، فقالَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحسن صلاتك ) ، وأمره برفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة ، وبالقراءة ، وبرفع يديه إذا كبر للركوع ، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع . خرجه ابن جوصا في ( مسند الأوزاعي ) . وَهوَ مرسل . ورواه جماعةٌ عَن الوليد ، عَن الأوزاعي ، عَن إسحاق ، عَن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يفعل ذلك في صلاته . وَهوَ أصح . وفي رواية : أن الوليد لَم يسمعه مِن الأوزاعي . والوليد مدلس عَن غير الثقات ، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هَذا . المسألة الثانية : أن الرفع يكون معَ التكبير سواءً ؛ ولهذا بوبَ عليهِ : ( رفع اليدين في التكبيرة الأولى معَ الافتتاح سواءً ) . ومراده بالافتتاح : التكبيرة نفسها ؛ فإن هَذهِ التكبيرة هي افتتاح الصلاة ، كَما في حديث عائشة : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير . فالصلاة لها مفتاح ، وَهوَ الطهور ، كَما في حديث علي وأبي سعيد مرفوعاً : ( مفتاح الصلاة الطهور ) ولها افتتاح ، وَهوَ التكبير ، ولها استفتاح ، وَهوَ ما يقوله بين التكبير والقراءة مِن الذكر والدعاء . وممن ذهب إلى أن رفع اليدين معَ تكبيرة الإحرام سواء ، فيبدأُ بهِ معَ ابتدائها ، وينتهي معَ انتهائها : الإمام أحمد وعلي بنِ المديني ، ونص عليهِ الشَافِعي في ( الأم ) ، قالَ : يرفع يديه معَ افتتاح التكبيرة ، ويرد يديه عَن الرفع معَ انقضائه ، ويثبت يديه مرفوعتين حتى يفرغ مِن التكبير كله ، وقال : إن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير قليلاً لَم يضره ، ولا آمره بهِ . ومن أصحابه مِن قالَ : يرفع يديه مع ابتداء التكبير ، ولا استحباب في انتهائه . ومنهم مِن قالَ : يرفعهما قبل التكبير ، ثُمَّ يرسلهما بعد فراغه مِن التكبير . وقال إسحاق : إن رفع يديه معَ التكبير أجزأهُ ، وأحب إلينا أن يرفع يديه ، ثُمَّ يكبر . وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد . ومن أصحابنا مِن قالَ : يخير بين الرفع معَ التكبير وقبله ، وهما سواء في الفضيلة . وقد استدل البخاري لقوله بحديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . يعني : إذا كبر للافتتاح . وقد خرجه فيما بعد ، ولفظهُ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه حين يكبر ، وذكر الحديث . وفي رواية لمسلم مِن طريق ابن جريج ويونس وعقيل ، كلهم عَن الزهري بهذا الإسناد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثُمَّ كبر . وروى الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قالَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير معا . قالَ الدارقطني في ( العلل ) : رواه يونس وعقيل وابن أخي الزهري والنعمان بن راشد والزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه ، ثم يكبر . رواه شعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن أبي عبلة وابن جريج وفليح وهشيم وإسماعيل ابن علية وابن عيينة ، عن الزهري ، وقالوا : يرفع يديه حين يكبر . وخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رفع يديه ثم كبر . وخرج - أيضا - من حديث وائل بن حجر ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة . وروى حرب الكرماني ، ثنا محمد بن الوزير ، ثنا الوليد بن مسلم ، قالَ : قالَ أبو عمرو : أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفعهما مع التكبير . وقد تقدم ذكر علة هذا الحديث ، وأنه روي مرسلا ، وأن الوليد لم يسمعه من الأوزاعي ، بل دلسه عنه . وروى - أيضا - من طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة قط إلا شهر بيديه إلى السماء قبل أن يكبر ، ثم يكبر . وقد حمل بعضهم هذا على أن هذا الرفع كانَ للدعاء قبل الصلاة . وخرجه البيهقي ، ولفظه : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في صلاة فريضة ولا تطوع إلا شهر يديه إلى السماء يدعو ، ثم يكبر . وقد روي عن ابن عمر وغيره استحباب رفع رأسه ووجهه إلى السماء - أيضا - مع التكبير . خرجه حرب بإسناد صحيح ، عن ابن جريج ، قالَ : سألت نافعا ، فقلت : أكان ابن عمر إذا كبر بالصلاة يرفع رأسه ووجهه إلى السماء ؟ فقالَ : نعم قليلا . ومن طريق ابن جريج - أيضا - قالَ : أخبرني ابن سابط ، أن وجه التكبير : أن يكبر الرجل بيديه ووجهه وفيه ، ويرفع رأسه وفاه شيئا حين يبتدئ وحين يرفع رأسه . واعلم أن حديث مالك الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، عن القعنبي ، عنه ، ليس فيهِ ذكر الرفع إذا ركع ، إنما فيهِ الرفع إذا افتتح الصلاة ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكذا هوَ في ( موطأ القعنبي ) عن مالك ، وكذا رواه عامة رواة ( الموطأ ) عن مالك . ورواه جماعة عن مالك ، فذكروا فيهِ الرفع إذا كبر للركوع - أيضاً منهم : الشافعي ، وابن وهب ، ويحيى القطان ، وابن مهدي ، وجويرية بن أسماء ، وإبراهيم بن طهمان ، ومعن ، وخالد بن مخلد ، وبشر بن عمر ، وغيرهم . وكذلك رواه عامة أصحاب الزهري ، عنه ، منهم : يونس وشعيب وعقيل وابن جريج وغيرهم . وكذلك رواه سليمان الشيباني والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهما ، عن سالم بن عبد الله . ذكره البيهقي وغيره . وممن رواه عن مالك بذكر الرفع عندَ الركوع : عبد الله بن يوسف التنيسي ، وابن المبارك ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وعبد الله بن نافع ، وإسماعيل بن أبي أويس ، ويحيى بن يحيى النيسابوري .
الحديث الثاني : قال : 612 - ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، قال : حدثني عيسى بن طلحة ، أنه سمع معاوية يوما ، فقال مثله ، إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) . 613 - ثنا إسحاق : ثنا وهب بن جرير : ثنا هشام ، عن يحيى - مثله . قال يحيى : وحدثني بعض إخواننا ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، وقال : هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول . هكذا خرجه مختصرا . وخرجه الإمام أحمد بتمامه ، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو : ابن علية - وأبي عامر العقدي ، قالا : ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة - قال أبو عامر في حديثه : ثنا عيسى بن طلحة - قال : دخلنا على معاوية ، فنادى المنادي بالصلاة ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) . فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر في حديثه : ( أن لا إله إلا الله ) - فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر : ( أن محمدا رسول الله ) . قال يحيى : ثنا رجل ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، قال معاوية : هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول . وخرجه الإسماعيلي بنحوه من طريق ابن علية . وله طريق آخر عن معاوية : خرجه البخاري في الجمعة في كتابه هذا من طريق ابن المبارك : أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، [عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ] ، قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) . فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فلما قضى التأذين ، قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه المجلس حين أذن المؤذن يقول كما سمعتم مقالتي . وقد روي عن معاوية من طرق أخرى ، وفي بعضها : أنه قال عند ( حي على الصلاة ) ، و ( حي على الفلاح ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) موافقة للرواية التي أرسلها يحيى بن أبي كثير . فخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن جريج : أخبرني عمرو بن يحيى ، أن عيسى بن عمر أخبره ، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ، عن علقمة بن وقاص ، قال : إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه ، فقال معاوية كما قال المؤذن ، حتى إذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، فلما قال : ( حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وخرجه الإمام أحمد بمعناه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كنا عند معاوية - فذكره بمعناه . وروى عبد الوهاب بن الضحاك : ثنا إسماعيل بن عياش ، عن مجمع بن جارية ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - إذا أذن المؤذن - مثل قوله ، وإذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . عبد الوهاب متروك الحديث . وإسماعيل لا يحفظ حديث الحجازيين . وقد رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون ، كلاهما عن مجمع - بنحو سياق حديث أبي بكر بن عثمان الذي خرجه البخاري . وخرجه - أيضا - عن وكيع ، عن مجمع - مختصرا . ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن مجمع - بنحو رواية يعلى ويزيد . وليس في حديث أحد منهم : ذكر الحيعلة . وفي رواية يعلى ويزيد وأبي نعيم : أنه لما كبر المؤذن - اثنين - كبر - اثنين - ولما شهد أن لا إله إلا الله - اثنين - شهد - اثنين ولما شهد أن محمدا رسول الله - اثنين - شهد - اثنين . وهذا يشعر بأن التكبير في أول الأذان مرتان . وروي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث معاوية : فخرج مسلم في صحيحه من حديث عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عمر بن الخطاب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إذا قال المؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله من قلبه ؛ دخل الجنة ) . وعمارة بن غزية ، ثقة ولم يخرج له البخاري . وقد روي نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله العمري ، عن علي بن حسين ، عن أبي رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا سمع [المؤذن] قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي في اليوم والليلة . وعاصم هذا ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده . وروي نحوه من حديث أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه ابن عدي ، وقال : هو منكر ، وإسناده لا يصح . وإجابة المؤذن مستحبة عند جمهور العلماء ، وليست واجبة . وكان الحسن كثيرا يسمع المؤذن وهو يتحدث فلا يقطع حديثه ولا يجيبه ، وكذلك إسحاق بن راهويه . ونص أحمد على أن الإجابة غير واجبة . وحكى الطحاوي عن قوم أنهم أوجبوا إجابته . والظاهر : أنه قول بعض الظاهرية . وحكي عن بعض الحنفية أيضا . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : من الجفاء أن لا يقول مثل ما يقول المؤذن . وقد روي مرفوعا من وجوه ضعيفة . واختلف العلماء : هل يجيب المؤذن ، فيقول كقوله في جميع ما يقول ، أم لا ؟ فقالت طائفة : يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه ؛ لظاهر حديث أبي سعيد . وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) . وقد روي عن طائفة من السلف ، أنهم قالوا : يقول مثل قول المؤذن ، ولم يستثنوا ، منهم النخعي . وروي عن ابن عمر : أنه كان يقول مثل ما يقول المؤذن . وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا . وقالت طائفة : يقول كقوله ، إلا في قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، فإنه يقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وهذا مروي عن الحسن ، وهو منصوص عن أحمد ، والشافعي ، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية . وهؤلاء ؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عاما ، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة ، فتقضي على النصوص العامة . ومن الحنفية من قال : يقول عند قوله ( حي على الصلاة ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعند : ( حي على الفلاح ) : ( ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ) . وقالت طائفة : هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة ، وبين أن يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وجمعوا بين الأحاديث بذلك ، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري . وقالت طائفة : بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن ، وبين قوله : لا حول ولا قوة إلا بالله . وهذا قول بعض أصحابنا ، وهو ضعيف ؛ لأن الجمع لم يرد . وكان بعض شيوخنا يقول : يجمع بين الأحاديث في هذا بأن من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله ، فإن سمعه خارج المسجد قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ لأنه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه . وقالت طائفة : يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين ، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك ، وهو رواية عن مالك . وفي تهذيب المدونة : أنه يجيبه إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس . وظاهره : أنه يتمه معه بلفظ الأذان . وهؤلاء قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الإجابة إلى الشهادتين ، ولكن قد روي عنه من وجوه : إجابته في تمام الأذان . وروي من حديث الحكم بن ظهير ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب المؤذن إلى الشهادتين ، ثم سكت . ذكره أبو بكر الأثرم ، وقال : هو حديث واه . يشير إلى أن الحكم بن ظهير ضعيف جدا . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المنادي يقول : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) قال : ( وأنا ) . وإذا قال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) قال : ( وأنا ) ، ثم سكت . وهذا مرسل . وحكى ابن عبد البر عن قوم : أنهم رأوا إجابة المؤذن الحيعلتين خاصة . وعن قوم : أنهم رأوا إجابته في الشهادتين خاصة ، دون ما قبلهما وبعدهما . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن قتادة : أن عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول ، في التشهد والتكبير كله ، فإذا قال : حي على الصلاة قال : ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله . فإذا قال : ( قد قامت الصلاة ) قال : مرحبا بالقائلين عدلا ، وبالصلاة مرحبا وأهلا . ثم ينهض إلى الصلاة . وبإسناده عن مجاهد ، أنه كان إذا قال المؤذن : ( حي على الصلاة ) قال : المستعان الله . [فإذا] قال : ( حي على الفلاح ) قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . وفي مسند الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ، أنه كان إذا سمع المؤذن يؤذن ، قال كما يقول ، فإذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله قال علي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . وخرج ابن السني بإسناد لا يصح ، عن معاوية ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المؤذن قال ( حي على الفلاح ) قال : ( اللهم اجعلنا مفلحين ) . وذكر ابن جرير بإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان إذا سمع المؤذن يقول : حي على الصلاة يقول : سمعنا وأطعنا . ولا فرق في استحباب إجابة المؤذن بين النساء والرجال ، هذا ظاهر إطلاق العلماء ، وظواهر الأحاديث ؛ فإن خطاب الذكور يدخل في الإناث تبعا في كثير من العمومات ، وهو قول أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ممن تكلم في أصول الفقه . وقد روي التصريح بإجابة النساء المؤذن من حديث عائشة وميمونة ، وإسنادهما لا يصح . وقد خرج ابن جرير الطبري حديث ميمونة ، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وللرجال الضعفان من الأجر يعني في الإجابة . وذكر ابن جرير ، عن بعض أهل الحديث ، أنه قال : لا يحتج بهذا الحديث ذو علم بالآثار ومعرفة الرجال . والأمر كما قال ؛ فإن إسناده ضعيف جدا . وقد خرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب ثواب الأعمال معناه - أيضا - من حديث ابن المنكدر - مرسلا . وهذا قد يشعر بأن النساء في ثواب الأعمال نصف أجر الرجال . ويشهد له : ما خرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ الآية ، قال : أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقالت : يا نبي الله ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وشهادة امرأتين بشهادة رجل ، أفنحن في العمل هكذا ، إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة ، فأنزل الله هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا فإنه عدل مني ، وأنا صنعته . وبإسناده عن السدي في هذه الآية ، قال : قال الرجال : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان ، ونريد أن يكون لنا في الأجر أجران . وقالت النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا . فأبى الله ذلك ، ولكن قال لهن : سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال ، وهو خير لكم . وروى قتادة هذا المعنى - أيضا . وهذا كله يشعر بأن النساء لهن نصف أجر الرجال في الأعمال كلها . وقد يخص ذلك بما لا يشرع مشاركة النساء للرجال في الأعمال ، أو ما يجوز لهن مشاركتهم فيها ، [والأوصى] ترك المشاركة ، كصلاة الجماعة وإجابة المؤذن ؛ فإنه داع إلى الصلاة في الجماعة . وقد روي في حديث غريب ، خرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان : أن صلاة المرأة وحدها تضاعف على صلاتها في الجماعة ببضع وعشرين درجة . وفي إسناده مقال . وربما يأتي ذكره بلفظه في موضع آخر – إن شاء الله . وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان ؟ ذكر أصحابنا أنه يشرع له ذلك . وروي عن الإمام أحمد أنه كان إذا أذن يفعل ذلك . واستدلوا بعموم قوله : إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول . والمؤذن يسمع نفسه ، فيكون مأمورا بالإجابة . وقاسوه على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين . وفي هذا نظر ؛ فإن تأمين الإمام وردت به نصوص . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم المؤذن ) ، ظاهره يدل على التفريق بين السامع والمؤذن ، فلا يدخل المؤذن ، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب ، أنه لا يشمل الإمام ، بل له الكلام . وكذا قالوا في الأيمان ونحوها ، لو قال : من دخل داري . أو خاطب غيره ، فقال : من دخل دارك ، وعلق على ذلك طلاقا أو غيره - لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة [الأولى] ، ولا المخاطب في الصورة الثانية . وللمسألة نظائر كثيرة ، في بعضها اختلاف ، قد ذكرناها في كتاب القواعد في الفقه . واستحب أحمد للمؤذن أن يبسط يديه ويدعو عند قوله : حي على الصلاة . قال : رأيت يزيد بن هارون يفعله ، وهو حسن . يعني : لما ورد من استحبابه الدعاء عن الأذان ، وفيه أحاديث كثيرة مرفوعة ، وموقوفة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن يدخل فيه الأذان والإقامة ؛ لأن كلا منهما نداء إلى الصلاة ، صدر من المؤذن . وقد اختلف العلماء : هل يشرع الإجابة في الإقامة ؟ على قولين : أحدهما : أنه يشرع ذلك ، وهو قول القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابنا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي . وفي سنن أبي داود من رواية محمد بن ثابت العبدي : ثنا رجل من أهل الشام ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة - أو عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بلالا أخذ في الإقامة ، فلما أن قال : قد قامت الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقامها الله وأدامها ، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان . وفي هذا [الإسناد] ضعف . والقول الثاني : أنه لا يشرع الإجابة فيها ، إلا في كلمة الإقامة خاصة ، وهو وجه للشافعية . وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد : أنه كان إذا أخذ المؤذن في الإقامة رفع يديه ودعا . وروي عنه ، أنه كان يدعو ، فإذا قال المؤذن : لا إله إلا الله قال : لا إله إلا الله الحق المبين . وظاهر هذا : أن الدعاء حينئذ أفضل من الإجابة . وتأوله القاضي على أنه إنما كان يدعو إذا فرغ من الإقامة . وهذا مخالف لقوله : ( إذا أخذ المؤذن في الإقامة ) . ولو سمع المؤذن وهو يصلي ، فهل يجيبه ، أم لا ؟ هذا قد ينبني على أصل ، وهو أن العام في الأشخاص : هل هو عام في الأحوال ، أم لا ؟ وفيه اختلاف ، قد أشرنا إليه في غير موضع . ويدل على عمومه في الأحوال : إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على من دعاه فلم يجبه حتى سلم ، وقوله له : ( ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ . وقد اختلف العلماء في إجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يستحب إجابته في الصلاة بحال ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن في الصلاة لشغلا ) . وهذا ظاهر مذهب الشافعي . وهو قول أصحابنا ، قالوا : وقد نص أحمد على أن من دخل المسجد فأذن المؤذن ، فإنه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن . وهذا يدل على أنه لا يجيبه في الصلاة . وهو - أيضا - قول الحنفية وسحنون من المالكية . الثاني : أنه يستحب أن يجيبه في الفريضة والنافلة ، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك . والثالث : يستحب أن يجيبه في النفل دون الفرض ، وهو المنصوص عن مالك . نقله عنه ابن القاسم ، وقال : يقع في نفسي أنه أريد بالحديث : وقال : يقول مثل ما يقول : التكبير والتشهد . وكذا قال الليث ، إلا أنه قال : ويقول : لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قال حي على الصلاة ، حي على الفلاح . وفي تهذيب المدونة للبرادعي المالكي : ومن سمع المؤذن فليقل كقوله ، وإن كان في نافلة ، إلى قوله : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس . ولعل إتمامه مختص بغير المصلي ، أو بما إذا أجابه في الحيعلة بالحوقلة ، كما قال الليث : إنه إذا أجابه بذلك لم تبطل صلاته ، فريضة كانت أو نافلة عند جمهور العلماء . وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا . ويخرج من قول أحمد في العاطس في الصلاة : يحمد الله في نفسه : نقله عنه جماعة . ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، قال : إذا رفع صوته به يعيد الصلاة ؛ لأنه ليس من شأن الصلاة ، إلا أن لا يجهر به ، وإن قال في نفسه فلا شيء عليه . وهذا يحتمل أنه أراد إذا تلفظ به بطلت صلاته . وحكى الطحاوي عن أبي يوسف ، أنه لا تبطل صلاته إذا أجاب المؤذن في الصلاة بالتكبير والتشهد عند أبي يوسف ، وتبطل عند أبي حنيفة ومحمد إذا أراد به الأذان ، كما لو خاطب إنسانا في صلاته بلا إله إلا الله ، فإن صلاته عنده تفسد . وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وقد فرق بينهما أصحابنا ، بأن هذا قصد خطاب آدمي ، بخلاف المجيب للأذان ، فإنه إنما قصد ذكر الله عز وجل . وقد نقل مهنا ، عن أحمد [فيمن] ذكر في صلاته كيسا ذهب له ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال أحمد : يعيد صلاته . وهذا يدل على أنه إذا أتى في صلاته بذكر غير مشروع فيها أنها تبطل . وكذلك روى جعفر بن محمد ، عن أحمد ، في الرجل يقول قبل أن يتم الصلاة : اللهم أنت السلام ومنك السلام ؛ فليس هذا من شأن الصلاة [ ] الصلاة . وروى عنه أبو طالب ، أنه قال : لا بأس بذلك قبل السلام وبعده . وإن أجاب المؤذن في قوله حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، بمثل قوله بطلت صلاته عند جمهور العلماء . وقالت طائفة : لا تبطل صلاته بذلك - أيضا . وحكاه ابن خويز منداد ، عن مالك ، وأنه يكون بذلك مسيئا ، وصلاته تامة . وكره أن يقول في الفريضة - مثل ما يقول المؤذن ، فإن قال ذلك في الفريضة لم تبطل أيضا ، ولكن الكراهة في الفريضة أشد . وكلام صاحب تهذيب المدونة ظاهره موافقة ذلك ، إلا أنه قال : لا بأس . وهذا يدل على أنه يكره ، إلا أن يختص ذلك بغير المصلي . وقد ورد حديث يستدل به على أن الأذان والإقامة لا [يبطلان] الصلاة . فروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن سويد بن قيس أخبره ، عن معاوية بن حديج ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالا فأقام ، فصلى للناس ركعة ، فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا لي : تعرف الرجل ؟ فقلت : لا ، إلا أن أراه . فمر بي ، فقلت : هو هذا . فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، وعندهما : أنه سلم في ركعتين من صلاة المغرب . والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وسويد هذا ، وثقه النسائي وابن حبان . ومعاوية بن حديج ، أثبت البخاري وغيره له صحبة ، وأنكره الإمام أحمد في رواية الأثرم ، فيكون حديثه هذا مرسلا عنده . فهذا يدل على [أن] إقامة الصلاة في الصلاة لا يبطلها ، وفيها الحيعلتان ، ويزيد على الأذان بقوله : قد قامت الصلاة - أيضا - ؛ ولهذا بنى على ما مضى من صلاته هو ومن صلى معه . وهذا قد يبنى على أصول مالك وأحمد - في رواية عنه - على قوليهما : إن كلام العامد في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة . ويأتي ذكر هذا في موضع آخر - إن شاء الله . وإذا قلنا : لا يجيب المؤذن في الصلاة : فهل يتابع إذا فرغ منها ؟ قال طائفة من الشافعية : يجيبه إذا سلم ، فإن طال الفصل ، فهو كترك سجود السهو . وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الأذان : أنه إذا فرغ تابعه . وقال بعضهم : وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمدا ، فالظاهر أنه يتدارك على القرب ، ولا يتدارك بعد طول الفصل . والأفضل أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخر ، كما دل عليه حديث معاوية . ومن زعم من المتأخرين : أنه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه ، وزعم أنه لا يسمى مؤذنا حتى يفرغ من أذانه - فقد أبطل ، وقال ما خالف به الأولين والآخرين . وفي تسميته مؤذنا بعد فراغ أذانه حقيقة - اختلاف أيضا ، فإنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم ، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات . ففي تهذيب المدونة للمالكية : إذا عجل قبل المؤذن بالقول فلا بأس ، والله أعلم .
7 - باب ما يقول إذا سمع المنادي فيه حديثان : الحديث الأول : 611 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن . هكذا روى هذا الحديث مالك في الموطأ ، وكذا رواه الثقات من أصحابه عنه . ورواه المغيرة بن سقلاب ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد . وزيادة : سعيد بن المسيب لا تصح . والمغيرة متروك . وروي عن عمرو بن مرزوق ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أنس . وهو وهم . وقيل : إنه ممن رواه عن عمرو ، وهو محمد بن عبد الرحيم الشماخي . ورواه عبد المنعم بن بشير - وهو ضعيف جدا - عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . ولا يصح . وتابع مالكا على روايته ، عن الزهري ، عن عطاء ، عن أبي سعيد : معمر ويونس . وقيل : وسفيان وإبراهيم بن سعد . وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق ، فرواه عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وخرجه ابن ماجه من طريقه . وقيل : عنه ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة . والصحيح : قول مالك ومن تابعه - : قاله أبو حاتم الرازي والترمذي وابن عدي والدارقطني . ورواه حجاج بن نصير ، عن عباد بن كثير ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن [ أبي] أيوب الأنصاري . وهو وهم من حجاج أو عباد - : قاله الدارقطني .
79 - باب مَيْمَنَةَ المَسْجِدِ واَلإِمامِ 728 - حدثنا موسى ، ثنا ثابتُ بنِ يزيدَ ، ثنا عَاصِمٌ ، عَن الشعبي ، عَن ابن عبَّاسٍ ، قالَ : قُمتُ ليلةً أُصلِّي عَن يَسارِ النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذَِ بيدي - أو بعضُدي - حَتَّى أقامَني عَن يمينهِ ، وقَالَ بيدهِ مِن ورائِي . مرادُ البخاري بهذا الحديث في هَذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حوَّل ابن عباس مِن عَن يساره إلى يمينه دلَّ على أن موقف المأمومِ عَن يمين الإمام ، وأن جهةَ اليمين أشرفُ وأفضل فلذلك يكون موقفُ المأمومِ الواحدِ منها ، فيُستدلُ بذلك على أن جهةَ يمين الإمام للمأمومين الذين يقومون خلف الإمام أشرف وأفضلُ مِن جهة يساره . وقد ورد في هَذا أحاديثٌ مصرحةٌ بذلك : فخرج ابن ماجه مِن رواية أسامةَ بنِ زيدٍ ، عَن عثمان بنِ عروةَ ، عَن عروةَ ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون على ميامنِ الصفُوفِ ) . خرجه مِن رواية معاوية بنِ هشام ، عَن سفيان ، عَن أسامة ، بهِ . وذكر البيهقي : أنه تفرد به معاوية ، عن سفيان ، قالَ : ولا أراه محفوظاً ، إنما المحفوظ بهذا الإسناد : ( إن الله وملائكته يصلُّون على الذين يصلون الصفوف ) . وخرج النسائيُّ وابن ماجه مِن حديث ثابت بنِ عبيدٍ ، عَن ابن البراء بنِ عازب ، عَن البراء ، قالَ : كنَّا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم مما نحب - أو أحبُّ - أن نقوم عَن يمينه . وخرج ابن ماجه مِن رواية ليث بنِ أبي سُليمٍ ، عَن نافعٍ ، عَن ابن عمرَ قالَ : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن ميسرةَ المسجد تعطلت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من عمَّر ميسرة المسجد كتب لَهُ كفلان مِن الأجر ) . وخرج البيهقي بإسناد فيهِ جهالةٌ ، عَن أبي برزة ، قالَ : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن استطعت أن تكون خلف الإمام ، وإلا فعن يمينه ) وقال : هكذا كانَ أبو بكر وعمرُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم . وخرجه الطبراني - أيضاً وخرج الطبراني والعقيلي وابن عدي مِن حديث ابن عباس مرفوعاً في فضل الوقوف بإزاء الإمام . وخرجه أبو بكر بن أبي داود - أيضاً - من حديث أنس مرفوعاً . وكلا الإسنادين لا يصح . وروي مرسلاً ؛ رواه هشيمٌ ، عَن داود بنِ أبي هندٍ ، أرسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وروى وكيع في ( كتابه ) عَن إسرائيل ، عَن الحجاج بنِ دينار ، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( فضل أهل ميمنة المسجد على أهل المسجد بضعٌ وعشرون درجةً ) . وعن سفيان ، عَن ابن جريجٍ ، عَن عطاء ، عَن عبد الله بنِ عمرو ، قالَ : أفضلُ المسجد ناحية المقام ، ثُمَّ ميامنُه . وعن الربيع ، عَن الحسن ، قالَ : أفضل الصفوف الصف المقدمُ ، وأفضلهُ مما يلي الإمام . وكأنه يريد : مقامَ الإمام . والله أعلم . وأكثر العلماء على تفضيل ميمنة الصفوف وخلف الإمام . وأنكره مالكٌ . ففي ( تهذيب المدونَّةِ ) : ومن دخل المسجد وقد قامت الصفوفُ قامَ حيث شاءَ ، إن شاء خلف الإمام ، وإن شاء عَن يمينه أو عَن يساره ، وتعجب مالك ممن قالَ : يمشي حتى يقف حذوَ الإمام .
90 - باب 745 - حَدَّثَنَا ابن أَبِي مريم ، أنا نَافِع بْن عُمَر ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي مليكة ، عَن أسماء بنت أَبِي بَكْر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ، فقام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ قام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ قام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع فسجد فأطال السجود ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ انصرف ، فَقَالَ : ( قَدْ دنت مني الجنة حَتَّى لَوْ اجترأت عَلَيْهَا لجئتكم بقطاف من قطافها ، ودنت مني النار حَتَّى قُلتُ : أي رب ، وأنا معهم ؟ فإذا امرأة - حسبت أَنَّهُ قَالَ : تخدشها هرة قُلتُ : مَا شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حَتَّى ماتت جوعاً لا هِيَ أطعمتها ولا هِيَ أرسلتها تأكل ) . قَالَ نَافِع : حسبته من خشيش الأرض - أو خشاش . قَالَ الخطابي : خشيش ليس بشيء ، إنما هُوَ خشاش - مفتوحة الخاء - وَهُوَ حشرات الأرض وهوامها ، فأما الخشاش - بكسر الخاء - فهو العود الَّذِي يجعل فِي أنف البعير . وفي ( الفائق ) : خشاش الأرض ، هوامها ، الواحدة : خشاشة ، سميت بذلك لاندساسها فِي التراب من خش فِي الشيء إذا دَخَلَ فِيهِ ، يخش وخشه غيره فخشه ، ومنه الخشاش ؛ لأنه يخش فِي أنف البعير ، انتهى . وفي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة : مِنْهَا : مَا يتعلق بصفة صلاة الكسوف ، ويأتي الكلام عَلِيهِ فِي موضعه ، إن شاء الله سبحانه وتعالى . ومنها : أَنَّهُ يدل عَلَى وجود الجنة والنار ، كما هُوَ مذهب أهل السنة والجماعة . ومنها : مَا يدل عَلَى تحريم قتل الحيوان غير المؤذي ، لغير مأكلة . ومنها : مَا هُوَ مقصوده بإيراد الحَدِيْث فِي هذا الباب : أن المصلي لَهُ النظر فِي صلاته إلى مَا بَيْن يديه ، وما كَانَ قريباً ، ولا يقدح ذَلِكَ فِي صلاته . ولكن المنظور إليه نوعان : أحدهما : مَا هُوَ من الدنيا الملهية ، فهذا يكره النظر إليه فِي الصلاة ؛ فإنه يلهي . وقد دل عَلِيهِ حَدِيْث الإنبجانية ، وقد سبق . والثاني : مَا ينظر إليه مِمَّا يكشف من أمور الغيب ، فالنظر إليه غير قادح فِي الصلاة ؛ لأنه كالفكر فِيهِ بالقلب ، ولو فكر فِي الجنة والنار بقلبه فِي صلاته كَانَ حسناً . وقد كَانَ ذَلِكَ حال كثير من السلف ، ومنهم من كَانَ يكشف لقلبه عَن بعض ذَلِكَ حَتَّى ينظر إليه بقلبه بنور إيمانه ، وَهُوَ من كمال مقام الإحسان . وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كشف ذَلِكَ لَهُ فرآه عياناً بعين رأسه ، هَذَا هُوَ الظاهر ، ويحتمل أن يكون جلي ذَلِكَ لقلبه . وقوله : ( أي رب ، وأنا معهم ) يشير إلى قوله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فخشي أن يكون إدناؤها مِنْهُ عذاباً أرسل عَلَى الأمة ، فاستفهم عَن ذَلِكَ ، وَقَالَ : ( أتعذبهم وأنا معهم ؟ ) بحذف همزة الاستفهام . وهذا القول ، الظاهر : أَنَّهُ كَانَ بقلبه دون لسانه ، وكذلك سؤاله عَن المرأة ؛ فإن عالم الغيب فِي هذه الدار إنما تدركه الأرواح دون الأجساد - غالباً وقد تدرك بالحواس الظاهرة لمن كشف الله لَهُ ذَلِكَ من أنبيائه ورسله ، ويحتمل أن يكون قوله : ( وأنا فيهم ) بلسانه ؛ لأن هَذَا من بَاب الدعاء ؛ فإنه إشارة مِنْهُ إلى أَنَّهُ موعود بأنه لا تعذب أمته وَهُوَ فيهم . يدل عَلَى ذَلِكَ : مَا رَوَى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِيه ، عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن العاص ، قَالَ : كسفت الشمس عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحَدِيْث بطوله ، وفيه : فجعل ينفخ فِي آخر سجوده فِي الركعة الثانية ، ويبكي ، ويقول : ( لَمْ تعدني هَذَا وأنا فيهم ، لَمْ تعدني هَذَا ونحن نستغفرك ) وذكر بقية الحَدِيْث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وأما سؤاله عَن المرأة فلا يحتمل أن يكون بلسانه . والله أعلم . وفي الجملة ؛ فإن كَانَ البخاري ذكر هَذَا الباب للاستدلال بهذا الحَدِيْث عَلَى أن نظر المصلي إلى مَا بَيْن يديه غير قادح فِي صلاته ، فَقَدْ ذكرنا أن الحَدِيْث لا دليل فِيهِ عَلَى النظر إلى الدنيا ومتعلقاتها ، وإن كَانَ مقصوده الاستدلال بِهِ عَلَى استحباب الفكر للمصلي فِي الآخرة ومتعلقاتها ، وجعل نظر النبي صلى الله عليه وسلم فِيهِ إلى الجنة بقلبه كَانَ حسناً ؛ لأن المصلي مأمور بأن يعبد الله كأنه يراه ، فينبغي لَهُ أن يستغرق فكره فِي قربه من الله ، وفيما وعد الله أولياءه ، وتوعد بِهِ أعداءه ، وفي الفكر فِي معاني مَا يتلوه من القرآن . وقد كَانَ السلف الصالح ينجلي الغيب لقلوبهم فِي الصلاة ، حَتَّى كأنهم ينظرون إليها رأي عين ، فمن كَانَ يغلب عَلِيهِ الخوف والخشية ظهر لقلبه فِي الصلاة صفات الجلال من القهر والبطش والعقاب والانتقام ونحو ذَلِكَ ، فيشهد النار ومتعلقاتها وموقف القيامة ، كما كَانَ سَعِيد بْن عَبْد العزيز - صاحب الأوزاعي - يَقُول : مَا دخلت فِي الصلاة قط إلا مثلت لِي جهنم . ومن كَانَ يغلب عَلِيهِ المحبة والرجاء ، فإنه مستغرق فِي مطالعة صفات الجلال والكمال والرأفة والرحمة والود واللطف ونحو ذَلِكَ ، فيشهد الجنة ومتعلقاتها ، وربما شهد يوم المزيد وتقريب المحبين فِيهِ . وقد روي عَن أَبِي ريحانة - وَهُوَ من الصَّحَابَة - أَنَّهُ صلى ليلة ، فما انصرف حَتَّى أصبح ، وَقَالَ : مَا زال قلبي يهوي فِي الجنة وما أعد الله فيها لأهلها حَتَّى أصبحت . وعن ابن ثوبان - وكان من عباد أهل الشام - أَنَّهُ صلى ليلة ركعة الوتر ، فما انصرف إلى الصبح ، وَقَالَ : عرضت لِي روضة من رياض الجنة ، فجعلت أنظر إليها حَتَّى أصبحت . يعني : ينظرها بعين قلبه .
8 - باب الدعاء عند النداء 614 - حدثني ابن عياش : ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة ) . هذا مما تفرد [به] البخاري دون مسلم . وخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب من حديث ابن المنكدر ، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة . وذكر ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، قال : قد طعن في هذا الحديث ، وكان عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا ، فأمر بقراءته عليه ، فعرف بعضا وأنكر بعضا ، وقال لابنه - أو لابن أخيه - : اكتب هذه الأحاديث ، فدوَّن شعيب ذلك الكتاب ولم تثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس ، وعرض عليّ بعض تلك الكتب [فرأيتها مشابهة] لحديث إسحاق بن أبي فروة ، وهذا الحديث من تلك الأحاديث . انتهى . وقد روى الأثرم ، عن أحمد ، قال : نظرت في كتب شعيب ، أخرجها إليّ ابنه ، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا . وقد روي ، عن جابر من وجه آخر بلفظ فيه بعض مخالفة ، وهو يدل على أن لحديث جابر أصلا . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة : ثنا أبو الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين ينادي المنادي : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة ، صل على محمد وارض عنه رضا لا سخط بعده - استجاب الله دعوته . وقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلة عند سماع الأذان من حديث أبي الدرداء ، وابن مسعود - مرفوعا - وفي إسنادهما ضعف . ومما يشهد له - أيضا - : حديث خرجه مسلم من طريق كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) . وعبد الرحمن بن جبير هذا : مولى نافع بن عمرو القرشي المصري ، وظن بعضهم أنه ابن جبير بن نفير ، فوهم ، وقد فرق بينهما البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي وابنه . وقد روي عن الحسن ، أن هذا الدعاء يشرع عند سماع آخر الإقامة . روى ابن أبي شيبة : ثنا أبو الأحوص ، عن أبي حمزة ، عن الحسن ، قال : إذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) ، فقل : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، أعط محمدا سؤله يوم القيامة . فلا يقولها رجل حين يقيم المؤذن إلا أدخله الله في شفاعة محمد يوم القيامة . وروى ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم : اللهم رب هذه الدعوة التامة وهذه الصلاة القائمة ، صل على محمد وآته سؤله يوم القيامة . وهذه الآثار تشهد للمنصوص عند أحمد ، أنه يدعو عند الإقامة ، كما سبق عنه . وقوله : ( من قال حين يسمع النداء ) : ظاهره أنه يقول ذلك في حال سماع النداء ، قبل فراغه . ويحتمل أنه يريد به حين يفرغ من سماعه . وحديث عبد الله بن عمرو صريح في أنه يسأل الوسيلة بعد إجابة المؤذن والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأظهر ؛ فإنه يشرع قبل جميع الدعاء تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله ، ثم يدعو بعد ذلك . وقوله : ( اللهم رب هذه الدعوة التامة ) . والمراد بالدعوة التامة : دعوة الأذان ؛ فإنها دعاء إلى أشرف العبادات ، والقيام في مقام القرب والمناجاة ؛ فلذلك كانت دعوة تامة ، أي : كاملة لا نقص فيها ، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية : إما إلى استنصار على عدو ، أو إلى نعي ميت ، أو إلى طعام ، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب . وروى أبو عيسى الأسواري ، قال : كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، فتوفني عليها ، وأحيني عليها ، واجعلني من صالح أهلها عملا يوم القيامة . وقد روي عن ابن عمر - موقوفا - من وجوه أخر . وروي عنه مرفوعا من وجه ضعيف . قال الدارقطني : الصحيح موقوف . وخرج بقي بن مخلد والحاكم من حديث عفير بن معدان ، عن [ سليم بن عامر ، عن] أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ، فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي إذا نادى ، فليقل مثل مقاله ، ثم ليقل : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة الصادقة الحق المستجابة ، المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، أحينا عليها ، وأمتنا عليها ، وابعثنا عليها ، واجعلنا من خيار أهلها محيا ومماتا . ثم يسأل حاجته ) . وعفير ، ضعيف جدا . وقوله : ( والصلاة القائمة ) - أي : التي ستقوم وتحضر . وقد خرج البيهقي حديث جابر ، ولفظه : ( اللهم إني أسالك بحق هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) . وهذا اللفظ لا إشكال فيه ؛ فإن الله سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقا كتبه على نفسه ، لا يخلفه لمن قام بهما من عباده ، فرجع الأمر إلى السؤال بصفات الله وكلماته . ولهذا استدل الإمام أحمد على أن القرآن ليس بمخلوق باستعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات الله التامة ، وقال : إنما يستعاذ بالخالق لا بالمخلوق . وأما رواية من روى : ( اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) ، كما هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما ، فيقال : كيف جعل هذه الدعوة مربوبة ، مع أن فيها كلمة التوحيد ، وهي من القرآن ، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق ؟ وبهذا فرق مَنْ فرق من أهل السنة بين أفعال الإيمان وأقواله ، فقال : أقواله غير مخلوقة ، وأفعاله مخلوقة ؛ لأن أقواله كلها ترجع إلى القرآن ؟ وأجيب عن هذا بوجوه : منها : أن المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة ، وهو قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، وليس ذلك في القرآن ، ولم يرد به التكبير والتهليل . وفيه بعد . ومنها : أن المربوب هو ثوابها . وفيه ضعف . ومنها : أن هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه ، وليست منه بوجه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع ، وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) . فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن ، وليست منه إذا وقعت في كلام خارج عنه ، فيصح أن تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة . وقد كره الإمام أحمد أن يؤذن الجنب ، وعلل بأن في الأذان كلمات من القرآن . والظاهر : أن هذا على كراهة التنزيه دون التحريم . ومن الأصحاب من حمله على التحريم ، وفيه نظر ؛ فإن الجنب لا يمنع من قول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر على وجه الذكر ، دون التلاوة . وسئل إسحاق عن الجنب : يجيب المؤذن ؟ قال : نعم ؛ لأنه ليس بقرآن . ومنها : أن الرب ما يضاف إليه الشيء ، وإن لم يكن خلقا له ، كرب الدار ونحوه ، فالكلام يضاف إلى الله ؛ لأنه هو المتكلم به ، ومنه بدأ ، وإليه يعود ، فهذا بمعنى إضافته إلى [ربوبية] الله . وقد صرح بهذا المعنى الأوزاعي ، وقال فيمن قال ( برب القرآن ) : إن لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس . يعني : إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية ، بل أراد إضافة الكلام إلى المتكلم به . وقوله : ( آت محمدا الوسيلة ) ، قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ) . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سلوا الله لي الوسيلة ) . قالوا : يا رسول الله ، ما الوسيلة ؟ قال : ( أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد ، أرجو أن أكون أنا ) . ولفظ الإمام أحمد : ( إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة ) - وذكر باقيه . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الوسيلة درجة عند الله عز وجل ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة ) . وأما ( الفضيلة ) ، فالمراد - والله أعلم - : إظهار فضيلته على الخلق أجمعين يوم القيامة وبعده ، وإشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف ، كما قال : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) ، ثم ذكر حديث الشفاعة . وقوله : ( وابعثه مقاما محمودا ) ، هكذا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم . وعزا بعضهم إلى النسائي ، أنه رواه بلفظ : ( المقام المحمود ) بالتعريف ، وليس كذلك . [وكذلك] وقعت هذه اللفظة بالألف واللام في بعض طرق روايات الإسماعيلي في ( صحيحه ) . ووجه الرواية المشهورة : أن ذلك متابعة للفظ القرآن ، فهو أولى ، وعلى هذا فلا يكون ( الذي وعدته ) صفة ؛ لأن النكرة لا توصف بالمعرفة وإن تخصصت ، وإنما تكون بدلا ، لأن البدل لا يشترط أن يطابق في التعريف والتنكير ، أو يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : ( أعني : الذي وعدته ) ، أو يكون مرفوعا خبر مبتدأ محذوف ، أي ( هو الذي وعدته ) . و ( المقام المحمود ) : فسر بالشفاعة . وقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم . وفسر : بأنه يدعى يوم القيامة ليكسى حلة خضراء ، فيقوم عن يمين العرش مقاما لا يقدمه أحد ، فيغبطه به الأولون والآخرون . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود ، ونحوه من حديث كعب بن مالك - أيضا - وكذا روي عن حذيفة - موقوفا ، ومرفوعا . وهذا يكون قبل الشفاعة . وفسره مجاهد وغيره بغير ذلك . وقوله : ( حلت له شفاعتي ) . قيل : معناه نالته وحصلت له ووجبت . وليس المراد بهذه الشفاعة : الشفاعة في فصل القضاء ؛ فإن تلك عامة لكل أحد . ولا الشفاعة في الخروج من النار ، ولا بد ؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار . وإنما المراد - والله أعلم - : أنه يصير في عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث تتحتم له شفاعته ؛ فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له [في] إخراجه منها ، أو في منعه من دخولها . وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب ، أو في رفع درجته في الجنة . وقد سبقت الإشارة إلى أنواع شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ( كتاب التيمم ) .
78 - باب المَرأَةِ تكونُ وَحْدَهَا صَفاً 727 - حدثنا عبد الله بنِ محمد ، ثنا سفيان ، عَن إسحاق ، عَن أنس بنِ مالك ، قالَ : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمي خلفنا : أم سليمٍ . دل هَذا الحديث على أن المرأة إذا صلت معَ الرجال ، ولم تجد امرأةً تقف معها قامت وحدها صفاً خلف الرجالِ . وهذا لا اختلاف فيهِ بين العلماء ؛ فإنها منهيةٌ أن تصف معَ الرجال ، وقد كانت صفوفُ النساء خلف الرجال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، ولهذا قالَ ابن مسعود : أخروهنَّ مِن حيث أخرهنَّ الله . خرجه وكيعٌ وغيرهُ . ولا يعلم في هَذا خلاف بين العلماء ، إلا أنَّهُ روي عَن أبي الدرداء ، أن الجارية التي لَم تحضِ تقف معَ الرجال في الصف . فأما إن وجدت امرأةً تقفُ معها ، ثُمَّ وقفت وحدها ، فهل تصح صلاتها حينئذٍ ؟ فيهِ لأصحابنا وجهان . أحدهما : لا تصحُّ ، وَهوَ ظاهر كلام أبي بكرٍ الأثرم ، وقول القاضي أبي يعلى في ( تعليقه ) وصاحب ( المحرر ) ، إلحاقاً للمرأة بالرجل ، معَ القدرة على المصافّةِ . والثاني : تصحُّ ، وَهوَ قول صاحب ( الكافي ) أبي محمد المقدسي ، وَهوَ ظاهر تبويب البخاري ؛ لأن المرأةَ تكون وحدها صفاً ، ولا تحتاج إلى مِن يصافّها ، وكذا قالَ الإمام أحمد في رواية حربٍ : المرأة وحدها صفٌ . وقد استدل طائفة مِن العلماء بصلاة المرأة وحدها على صحة صلاة الرجل النفل ، وهذا جمعُ بين ما فرقت السنة بينهُ ؛ فإن السنة دلت على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصفوف ، ونهت الرجل عَن ذَلِكَ ، فأمرتهُ بالإعادة ، على ما يأتي ذكرهُ في موضعه إن شاء الله تعالى . وأقرب مِن هَذا قولُ مِن قالَ : إن صلاةَ الرجلِ خلف الصفوف وحده إذا تعذَرَ عليهِ مِن يصافه تصحُّ إلحاقاً لها بصلاة المرأة وحدها إذا لَم تجد مِن يصافها ، كَما قالَه بعض المتأخرين مِن أصحابنا ، ولكن المذهب خلافهُ . واستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أن الإمام إذا كانَ خلفهُ رجلانِ أو صبيان قاما خلفه ، وهذا قول جمهور العلماء . وكان ابن مسعود يرى أن الاثنين يقومان معَ الإمام عَن يمينه وشماله . خرجه مسلم بإسناده عَنهُ . وخرجه أبو داود والنسائي ، عنه ، مرفوعاً . وقال ابن عبد البر : لا يصح رفعهُ . فَمِن العلماء مِن قالَ : نُسخ ذَلِكَ ؛ لأن ابن مسعودٍ قرنه بالتطبيق في حديث واحد ، والتطبيق منسوخٌ ، فكذلك القيام . ومنهم مِن تأوَّله على أنَّهُ فعله لضيقِ المكان ، رويَ ذَلِكَ عَن ابن سيرين ، وفيه نظرٌ . ومنهم من تأوَّلهُ على أن ابن مسعودٍ فعل ذَلِكَ بعلقمة والأسود حيث فاتتهم الجمعةُ ، وقصد إخفاء الجماعة للظهر يومَ الجمعةِ ، وعلى ذَلِكَ حملهُ الإمام أحمد في رواية إسحاق بنِ هانئ ، وفعله - أيضاً - معَ صاحبين لَهُ في مسجدٍ مِن المساجد . ومنهم مِن تأوله على أن علقمة كانَ غلاماً ، فلم يرَ ابن مسعودٍ للأسود أن يصافه في الفريضة ، وعلى ذَلِكَ حمله الإمام أحمد في رواية أخرى عَنهُ ، نقلها عَنهُ ابنه عبد الله والميموني وغيرهما . وحمل أحمد حديث أنسٍ هَذا في مصافته لليتيم على أن الصلاةَ كانت نفلاً ، والرجلُ يجوز لَهُ أن يصافف الصبيَّ في النفل خاصة . وقد خرج هَذا الحديث أبو داود مِن حديث ثابتٍ ، عَن أنسٍ ، وفيه : فصلى بنا ركعتين تطوعاً . وقد سبق الكلامُ عليهِ مستوفىً في ( باب : الصلاة على الحصير ) . وقال الإمام أحمد - مرة أخرى - : قلبي لا يجسر على حديث إسحاق ، عَن أنسٍ ؛ لأن حديث موسى خلافهُ ، ليسَ فيهِ ذكر اليتيمِ . قالَ أبو حفصٍ البرمكيُّ مِن أصحابنا : حديث إسحاق الذِي فيهِ ذكر اليتيمِ . وحديث موسى خرجه مسلمٌ مِن طريق شعبةَ ، عَن عبد الله بنِ المختار ، سمع موسى بنِ أنس يحدث ، عَن أنس بنِ مالكٍ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه - أو خالته قالَ : فأقامني عن يمينه ، وأقام المرأةَ خلفَنا . وخرج مسلم - أيضاً - مِن طريق سليمانِ بنِ المغيرةِ ، عَن ثابت ، عَن أنسٍ ، قالَ : دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا ، وما هوَ إلا أنا وأمِّي وأُمُّ حَرامٍ خالتي ، فقالَ : ( قوموا فلأُصلِّي بكم ) في غير وقت صلاةٍ ، فصلى بنا ، فقالَ رجل لثابت : أين جعل أنساً منهُ ؟ قالَ : جعله عَن يمينه . وخرجه أبو داود مِن طريق حماد بنِ سلمة ، عَن ثابتٍ ، وقال فيهِ : فأقامني عَن يمينه وأمَّ حرامٍ خلفنا . وفي رواية لَهُ : قالَ ثابت : لا أعلمه إلا قالَ : أقامني عَن يمينه . وقد رجَّح الدارقطنيُّ وغيرهُ وقفَ الحديثِ على أنسٍ ، وأنه هوَ الذِي أقام ثابتاً عَن يمينه . وفي الجملة ؛ فللعلماء في هَذهِ الأحاديث ، عَن أنسٍ مسلكان : أحدهما : تعارُضُهُما ، وترجيح رواية موسى بنِ أنسٍ عَنهُ ؛ لموافقتِهِ لحديث ابن عباسٍ وغيرهِ . والثاني : أنهما قضيَّتان متغايرتانِ ، وَهوَ مسلكُ ابن حبان وغيره . وأجاز أحمد مصافة الرجل للصبيِّ في النفل دونَ الفرض ، كَما قال ذَلِكَ في إمامته بالرجال في إحدى الروايتين عَنهُ . ومن أصحابنا من قالَ : يصحّ مصافته في الفرض والنفلِ . ومنهم من قالَ : لا يصحُّ فيهما ، وحمل كلام أحمد على أن النفل يصحُّ فيهِ صلاةُ الفذِّ خلف الصفوفِ ، وهذا بعيدٌ . واستدل بعضُ من يرى صحةَ صلاةِ الفذِّ بمصافةِ أنسٍ لليتيم ، ذكره الترمذي في ( جامعه ) ، ثُمَّ ردَّهُ بأنهُ لو كانَ الصبيُّ لا صلاةَ لَهُ لأقام أنساً عَن يمينه . ويحتمل - أيضاً - أن يكون أنسٌ حينئذٍ كانَ صبياً لم يبلغِ الحلمَ ، أو أن الذِي صلى معه كانَ بالغاً ، وسمي يتيماً تعريفاً لَهُ بما كانَ عليهِ ، كَما يُقال : أبو الأسودِ يتيم عروةَ . وأكثر العلماء على أن الرجل يصحُّ أن يصافَّ الصبيَّ ، وَهوَ قولُ الثوريِّ . وقالَ الأوزاعي : إن كانَ الصبِّيان ممن نَبتَ صفَ الرجلُ والصبيان خلف الإمام ، وإن كانَ ممن لا نبت قامَ الرجلُ عَن يمين إمامهِ . وقال حرب : سألت إسحاق عَن رجلٍ صلَّى وحضره رجلٌ وغلامٌ ابنُ ستِّ سنينَ ، كيف يقيمهما ؟ قالَ : يقيمهما خلفه ، قلت : يُقيمهما جميعاً عَن يمينه ؟ فلم يرخص فيهِ ، وذكر حديث أنسٍ : ( صليت أنا ويتيمٌ لنا خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم ) . وقد تقدم عَن الحسن أن مِن صلَّى معه رجلٌ وامرأةٌ قام الرجل خلفه والمرأةُ خلفهما . وَهوَ مخالفٌ لرواية موسى بنِ أنسٍ وثابتٍ ، عَن أنسٍ . وجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الرجل يقوم عَن يمين الإمام ، والمرأة خلفه ، فعلى قول الحسن إذا كانَ معَ الرجل صبيٌّ ، فلا إشكال عنده في مصافة الرجل . واستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أنَّ الصبي يقوم في صفِّ الرجال مِن غير كراهةٍ ، وقَد رُويت كراهته عن عمر بنِ الخطاب وأُبي بنِ كعبٍ ، وكانا يُخرجان الصبيان مِن صفوف الرجال ، وَهوَ قولُ الثوري وأحمد . وأجاب أحمد عَن حديث أنسٍ هَذا في إقامةِ اليتيم معَ أنسٍ ، بأنَّهُ كانَ في التطوع . ويُجاب عَنهُ - أيضاً - بأنَّ الكراهة إنما هي حيث كانَ هناك رجالٌ يملأون الصفَّ ، فيمنع الصبيُّ ، ويخرج منهُ ليقوم مقامه رجلٌ ، فَهوَ أولى بالصفِّ منهُ ، فأما في حديث أنسٍ ، فإنما هوَ ويتيمٌ واحدٌ في بيت ، فلم يكن مقام اليتيم مانعاً للرجالِ مِن الصلاةِ في الصفِّ مكانه . وعلى تقدير أن يكون أنسٌ صبياً إذ ذاكَ لَم يبلغِ الحلمَ ، فَقد كانا جميعاُ صبيين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
قال البخاري - رحمه الله - : 615 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . فقوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ) . يعني : لو يعلمون ما فيهما من الفضل والثواب ، ثم لم يجدوا الوصول إليهما إلا بالاستهام عليهما - ومعناه : الإقراع - لاستهموا عليهما تنافسا فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما وأجرهما . وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الأذان بالقرعة ، كما سبق . وقد قيل : إن الضمير في قوله : ( لاستهموا عليه ) يعود إلى الصف الأول ؛ لأنه أقرب المذكورين ، ولم يقل : ( عليهما ) . والأظهر : أنه يعود إلى النداء والصف الأول ، كقوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الأول إذا استبق إليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه ، فإنه يقرع بينهما . وهذا مع تساويهما في الصفات ، فإن كان أحدهما أفضل من الآخر توجه أن يقدم الأفضل بغير قرعة ، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ) . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري ، كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أصحابنا : أنه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة مسبلة في آن واحد ، فإن كان لأحدهما هناك ميزة من أهل مدفونين عنده أو نحو ذلك قدم ، وإن استويا أقرع بينهما ، ولو دفن اثنان في قبر ، واستويا في الصفات أقرع بينهما ، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة . وفعله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بامرأتين له ، دفنهما في قبر . وأما إن كان ثبت لأحدهما حق التقدم في الصف ، فليس لأحد أن يدفعه عنه ، ولو كان أفضل منه ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقيم الرجل [الرجل] من مجلسه فيجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا ) . فإن كان السابق إلى الصف غلاما لم يبلغ الحلم جاز تأخيره . فعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة ، وصرح به أصحابنا ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وقول سفيان . وكذلك إن قدم رجل عبدا له إلى الصف ثم جاء ، فله أن يؤخره ويجلس مكانه . وإما إن تأخر السابق باختياره ، فهل يكره ، أم لا ؟ فيه قولان ، مبنيان على جواز الإيثار بالقرب . وظاهر كلام الإمام أحمد كراهته ، حتى في حق الابن مع أبيه ، وحكي عنه جوازه - أيضا . وعلى القول بالجواز ، فلو قام من مكانه إيثارا لرجل ، فسبق إليه غير المؤثر ، فهل يستحقه ؟ فيه وجهان : أحدهما : يستحقه ؛ لأن المؤثر سقط حقه بزواله عنه . والثاني : لا ، وهو أصح ؛ لأن من كان أحق بمكانه ، فله أن يجلس به بنفسه ، ويؤثر به غيره . وبهذا فسره الإمام أحمد ، واستحسن أبو عبيد ذلك منه . وإنما يسقط حقه إذا قام معرضا عنه ؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه ، فكذا إذا قام لإيثار غيره . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ، ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ) - دليل على أن الأذان لا يشرع إعادته مرة بعد مرة ، إلا في أذان الفجر ، كما جاءت السنة به ، وإلا فلو شرعت إعادته لما استهموا ، ولأذن واحد بعد واحد . وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا ، وقال : مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد . وهو مخالف للسنة . وروي عن عمر : أنه اختصم إليه ثلاثة في الأذان ، فقضى لأحدهم بالفجر ، وللثاني بالظهر والعصر ، وللثالث بالمغرب والعشاء . وقد قيل : إن أبا بكر الخلال خرجه بإسناده ، ولم أقف إلى الآن عليه . ولو قيل : إنه يؤذن المتشاحون جملة - لم يبعد . وقد نص أحمد على أنه لو أذن على المنارة عدة فلا بأس . وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه - متابعة للشافعي وأصحابه - : يستحب أن يقتصر على مؤذنين ، ولا يستحب أن يزيد على أربعة . ثم قالوا : إن كان المسجد صغيرا أذن واحد منهم بعد واحد ، وإن كان كبيرا أذنوا جملة ؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام . وقال أصحاب الشافعي : إذا ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره ، وإن كان صغيرا أذنوا معا ، إلا أن تختلف أصواتهم فيؤذن واحد . واستدلوا بأذان بلال وابن أم مكتوم ، وذاك إنما كان في الفجر خاصة ، ولا يعرف في غير الفجر ، إلا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء . وحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الأذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب . يشير إلى أنه في الأوقات المتسعة أن يؤذن واحد بعد واحد . وقال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة ؟ [قال] : إذا أذن على المنارة عدة فلا بأس بذلك ؛ قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله فأذن أبو محذورة - أيضا . وهذا النص يشعر بأنه يجوز أن يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر ، وهذا محمول على جوازه إذا وقع أحيانا ، لا أنه يستحب المداومة عليه ، وأما أذان بلال وابن [أم] مكتوم فكان في الفجر ، ولم يؤذنا جملة ، فلا يدل على الاجتماع على الأذان بحال . وقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذان بلال ، فقال : ( ليرجع قائمكم ، ويوقظ نائمكم ) . وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح ، ولا روي في غير الصبح أنه أذن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين . وفي ( الصحيحين ) عن ابن عمر : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد واحد مؤذنان : بلال وابن أم مكتوم . وهذا يستدل به على أنه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية أن يغيب أحدهما فيؤذن الآخر ؛ لئلا يتعطل الأذان مع غيبته . والذي ذكر الإمام أحمد ، خرجه ابن أبي شيبة : ثنا حفص ، عن الشيباني ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان ، فأذن هو وأقام . وهذا فعله أبو محذورة مرة ؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله ، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة . قال ابن أبي شيبة : ثنا يزيد بن هارون ، عن حجاج ، عن شيخ من المدينة ، عن بعض بني مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان ابن أم مكتوم يؤذن ، ويقيم بلال ، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم . إسناد ضعيف . ولو صح لكان دليلا على أنهما لم يكونا يجتمعان في أذان واحد في غير صلاة الفجر . وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم ، فإذا غاب واحد أذن الآخر . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد هممت أن أجعل المؤذنين ستة ) . قال : فإذا أقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق ، فآذنوا الناس بالصلاة . هذا مرسل ضعيف ؛ فإن جابرا هو الجعفي . وأبو محذورة لم يكن يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة . وقد خرجه البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر بن إسحاق ، عن العباس بن الفضل الأسفاطي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة : ثنا يحيى ، عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أم مكتوم . وقال : قال أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - : هو صحيح . وليس كما قال ابن إسحاق . هذا في كتاب ابن أبي شيبة ( المصنف ) . والصحيح : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي - مرسلا . وروى الإمام أحمد ، ثنا إسماعيل ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان : بلال وعمرو بن أم مكتوم . وهذه الرواية أصح . وخرج الدارقطني من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن جدهم سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( يا سعد ، إذا لم تر بلالا معي فأذن ) . وفي إسناده ضعف . وفي الحديث دليل على شرف الأذان وفضله ، واستحباب المنافسة فيه لأكابر الناس وأعيانهم ، وأنه لا يوكل إلى أسقاط الناس وسفلتهم ، وقد كان الأكابر ينافسون فيه . قال قيس بن أبي حازم : قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت . وقال عبد الله بن الحسن : قال ابن أبي طالب : ما آسى على شيء ، إلا أني كنت وددت أني كنت سألت للحسن والحسين الأذان . وعن سعد بن أبي وقاص ، قال : لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أن أحج وأعتمر وأجاهد . وعن عمر وابن مسعود - معناه . وعن ابن الزبير ، قال : وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطانا النداء . وقال النخعي : كانوا يستحبون أن يكون مؤذنيهم فقهاؤهم ؛ لأنهم ولوا أمر دينهم . وقال الحسن : قال عمر : لا يستحي رجل أن يكون مؤذنا . وقال زاذان : لو يعلم الناس ما في فضل الأذان لاضطربوا عليه بالسيوف . وقال شبيل بن عوف ، قال عمر : من مؤذنوكم ؟ قلنا : عبيدنا وموالينا . قال : إن ذلك لنقص بكم كبير . وروى قيس بن أبي حازم ، عن عمر - مثله - قال : وقال : لو أطقت الأذان مع الخليفى لأذنت . وقال يحيى بن أبي كثير : حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو علم الناس ما في الأذان لتحاروه ) . قال : وكان يقال : ابتدروا الأذان ، ولا تبدروا الإمامة . وقال حماد بن سلمة : أبنا أبو غالب ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : المؤذنون أمناء للمسلمين ، والأئمة ضمناء . قال : والأذان أحب إلي من الإمامة . خرجه البيهقي . وممن رأى الأذان أفضل من الإمامة - الشافعي ، في أصح قوليه ، نص عليه في ( الأم ) ، وعلى كراهة الإمامة ؛ لما فيها من الضمان . وهو - أيضا - أصح الروايتين عن أحمد . وروى أبو حمزة السكري ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ) . قالوا : يا رسول الله ، تركتنا نتنافس في الأذان ، فقال : ( إن من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم ) . خرجه البراز . وقال : لم يتابع عليه أبو حمزة . يعني : على الزيادة التي آخره ؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد ، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما . وقال الدارقطني : هذه الألفاظ ليست محفوظة . قلت : وقد رويت بإسناد ضعيف ، عن يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش - أيضا . ذكره ابن عدي . وفي إسناد الحديث اختلاف كثير ، وقد روي موقوفا على أبي هريرة . قال الشافعي في ( الأم ) : أحب الأذان ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر للمؤذنين ) ، وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها . واستدل من رجح الإمامة - وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي رواية عن أحمد - : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان . وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ؛ ولهذا قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت . والخليفى : الخلافة . وأما الإمامة ، فلم يكن لهم بد من صلاة وهم أئمة الناس في أمور دينهم ودنياهم ، فلذلك تقلدوا الإمامة ، ومن قدر على الجمع بين المرتبتين لم يكره له ذلك ، بل هو أفضل ، وكلام عمر يدل عليه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . وقال مصعب بن سعد : هو من السنة . وللشافعية وجه بكراهة الجمع . وفي النهي عن الجمع حديث مرفوع : خرجه البيهقي وغيره ، وهو غير صحيح . وقال الماوردي منهم : للإنسان في الأذان والإمامة أربعة أحوال : حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما ، فالأصل أن يجمع بينهما . وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ، ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالانفراد له بالأذان أفضل . وحال يعجز فيه عن الأذان لضعف صوته وقلة إبلاغه ، ويكون قيما بالإمامة لمعرفته بأحكام الصلاة وحسن قراءته ، فالإمامة له أفضل . وحال يقدر على كل واحد منهما ويصلح له ، ولا يمكنه الجمع بينهما ، فأيهما أفضل ؟ فيه وجهان .
9 - باب الاستهام في الأذان ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان ، فأقرع بينهم سعد . قال عبد الله ابن الإمام أحمد : ثنا أبي : ثنا هشيم ، قال : ابن شبرمة أخبرنا ، قال : تشاح الناس بالقادسية على الأذان ، فارتفعوا إلى سعد ، فأقرع بينهم . وهذا إسناد منقطع . قال عبد الله ابن الإمام أحمد : سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان أنهما أحق بالمسجد ، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه ؟ فقال : إذا استووا في الصلاح والورع أقرع بينهما . وكذلك فعل سعد ، فإن كان أحدهما أصلح [في دينه] فينبغي لهم ألا يختصموا . فقلت : وإن كان أحدهما أسن وأقدم في هذا المسجد ، ينفق عليه ويحوطه ويتعاهده ؟ قال : هذا أحق به . ومعنى هذا : أنه إذا تشاح في الأذان اثنان ، فإن امتاز أحدهما بمزيد فضل في نفسه فإنه يقدم ، وهو مراد أحمد بقوله : ( إن كان أحدهما أصلح [في دينه] فينبغي لهم ألا يختصموا ) - يعني : أن الأصلح أحق فلا ينازع - فإن استووا في الفضل في أنفسهم وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قدم بذلك . وقال أصحابنا : إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه ، مثل أن يكون أحدهما أندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحو ذلك ؛ فإن استووا في الفضائل كلها أقرع بينهم حينئذ ، كما فعل سعد . والظاهر : أن مراد أحمد : التنازع في [طلب] الأذان ابتداء ، فأما من ثبت له حق الأذان في المسجد ، وهو مؤذن راتب فيه ، فليس لأحد منازعته ، ويقدم على كل من نازعه . وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عن القوم إذا اختلفوا في الأذان فطلبوه جميعا ؟ فقال : القرعة في ذلك حسن . وقال : ثنا هشيم ، عن ابن شبرمة : أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان ، فأقرع بينهم سعد في ذلك . قال الشالنجي : قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : إن مات المؤذن وله ولد صالح فهو أحق بالأذان ، وإن لم يطلبه ، وإن لم يكن بأهل لذلك ، وطلبه صلحاء المسجد يقرع بينهم في ذلك . وبه قال أبو خيثمة - يعني : زهير بن حرب . وقال ابن أبي شيبة في الأذان : على ما جاء : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ) ، وكذلك الأذان . قال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالجني - ما معناه - : إن اختلاف الناس يرد إلى السنة . ثم روى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ( المؤذن مؤتمن ) من طرق . وروى حديث حسين بن عيسى ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليؤذن لكم خياركم ) . وقد خرجه أبو داود وابن ماجه . وتكلم فيه من جهة الحسين ، والحكم - أيضا . وفي مراسيل صفوان بن سليم ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبني خطمة من الأنصار : ( يا بني خطمة ، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في أنفسكم ) . ثم قال الجوزجاني : لا بد أن يكون المؤذن خيارا ، وبأن يكون مؤتمنا متبعا للسنة ، فالمبتدع غير مؤتمن . فإن اجتمعت هذه الخلال في عدة من أهل المسجد ، فإن أحقهم بالأذان أنداهم صوتا . ثم ذكر حديث عبد الله بن زيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( ألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك ) . قال : وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والأمانة ، وفَضَله بلال بالصوت ، فلذلك رآه أحق . فإذا اجتمع رجال في المسجد وعلاهم رجل ببعض هذه الخصال كان أحق بالأذان ، وإذا استوت فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسن . وأشار إلى فعل سعد وعضده بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلم الناس ما في النداء ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) . ثم قال : فأما الآباء والأبناء والعصبة في الأذان والإمامة ، فإنا لا نعلم فيه سنة ماضية . والله أعلم . انتهى ما ذكره ملخصا . وخرج أبو داود من رواية غالب القطان ، عن رجل ، عن أبيه ، عن جده ، أن رجلا منهم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقال : إن أبي شيخ كبير ، وهو عريف الماء ، وإنه سألك أن تجعل إلي العرافة بعده ؟ فقال : ( إن العرافة حق ، ولا بد للناس من العرفاء ، والعرفاء في النار ) . وهذا إسناد مجهول . ولم يذكر أنه جعل العرافة له بمجرد كون أبيه عريفا ، والإمامة العظمى لا تستحق بالنسب ، ولهذا أنكر الصحابة على من بايع لولده . وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : جئتم بها هرقلية ، تبايعون لأبنائكم ! وسمع ذلك عائشة والصحابة ، ولم ينكروه عليه ، فدل على أن البيعة للأبناء سنة الروم وفارس ، وأما سنة المسلمين فهي البيعة لمن هو أفضل وأصلح للأمة . وما تزعمه الرافضة في ذلك فهو نزعة من نزعات المشركين في تقديم الأولاد والعصبات . وسائر الولايات الدينية سبيلها سبيل الإمامة العظمى في ذلك . والله أعلم . وقد روي ما يستدل به من جعل الأذان للأبناء بعد آبائهم . قال الإمام أحمد : ثنا خلف بن الوليد : ثنا الهذيل بن بلال ، عن ابن أبي محذورة ، عن أبيه - أو جده - قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان لنا ولموالينا ، والسقاية لبني هاشم ، والحجابة لبني عبد الدار . الهذيل بن بلال ، ضعفه ابن معين . وقواه الإمام أحمد ، وأبو حاتم . وإسناده مشكوك فيه ، ولم يسم ابن أبي محذورة هذا . وخرج الإمام أحمد والترمذي من رواية أبي مريم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الملك في قريش ، والقضاء في الأنصار ، والأذان في الحبشة ) . وخرجه الترمذي موقوفا على أبي هريرة ، وقال : هو أصح . وأبو مريم هذا ليس بالمشهور . والمراد بهذا : أن سيد المؤذنين كان من الحبشة ، لا أنه يتوارثونه بعد بلال ، فإنه لا يعرف بعده من الحبشة مؤذن . وقد يستدل - أيضا - بأن ولد أبي محذورة كانوا يتوارثون الأذان بمكة مدة طويلة ، وكذلك أولاد سعد القرظ بالمدينة . وروى الدارقطني بإسناده عن سعد القرظ : أن عمر دعاه ، فقال له : الأذان إليك وإلى عقبك من بعدك . وفي الإسناد ضعف . قال الشافعي - رحمه الله - وأصحابه : يستحب أن يكون المؤذن من ولد بعض من جعل بعض الصحابة الأذان فيهم ، ثم الأقرب إليهم فالأقرب . وقال الشافعي - أيضا - : إذا تنازع جماعة في الأذان ، ولم يكن للمسجد مؤذن راتب أقرع بينهم ، وكذا إذا كان له مؤذنون ، وتنازعوا في الابتداء ، أو كان المسجد صغيرا ، وأدى اختلاف أصواتهم إلى تهويش ، فيقرع ، ويؤذن من خرجت له القرعة ، أما إذا كان هناك راتب ، ونازعه غيره ، قدم الراتب ، وإن كان جماعة مرتبون ، وأمكن أذان كل واحد في موضع من المسجد ؛ لكبره ، أذن كل واحد وحده . وإن كان صغيرا ، ولم يؤد اختلاف أصواتهم إلى تهويش ، أذنوا جملة واحدة . وهذا كله إذا كان التشاح رغبة في فضله وثوابه ، فإن كان رغبة في الرياسة والتقدم فينبغي أن يؤخر من قصد ذلك ولا يمكن منه ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لا نولي عملنا هذا من طلبه أو حرص عليه ) . قال سفيان الثوري : إذا رأيت الرجل حريصا على الإمامة فأخره . وكذلك إذا كان غرضه أخذ العوض الذي يعطاه أهل الأذان في هذه الأزمان ، إما من بيت المال - وقد عدم ذلك - أو من الوقف . فإن تشاح اثنان : أحدهما غرضه ثواب الأذان ، والآخر غرضه غرض الدنيا ، فلا شك في أن الأول أحق . وقد قال عثمان بن أبي العاص : إن من آخر ما عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن ، والعمل عليه عند أهل العلم ، كرهوا أن يأخذوا على الأذان أجرا ، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه . وروى أبو نعيم : ثنا عمارة بن زاذان ، عن يحيى البكاء ، قال : كنت أطوف مع سعيد بن جبير ، فمر ابن عمر ، فاستقبله رجل من مؤذني الكعبة ، فقال ابن عمر : والله ، إني لأبغضك في الله ؛ لأخذ الدراهم . قال : وثنا المسعودي ، عن القاسم - هو : ابن عبد الرحمن - قال : كان يقال : أربع لا يؤخذ عليهن رزق : قراءة القرآن ، والأذان ، والقضاء ، والمقاسم . وروى وكيع في ( كتابه ) عن عمارة بن زاذان ، عن يحيى البكاء : أن ابن عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة : إني لأحبك في الله . قال : وإني لأبغضك في الله ؛ لتحسينك صوتك لأجل الدراهم . قال معاوية بن قرة : لا يؤذن إلا محتسب . وروى ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن حلام بن صالح ، عن فائد بن بكير ، قال : خرجت مع حذيفة إلى المسجد صلاة الفجر ، وابن النباح مؤذن الوليد بن عقبة يؤذن ، وهو يقول : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، يهوي بأذانه يمينا وشمالا . فقال حذيفة : من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل . وهذا إنما قاله حذيفة على وجه الذم له ؛ لأنه رآه يتمايل في أذانه ، كأنه يعجب بحسن صوته ، فجعل حذيفة يناكل بذلك ، وهذا مثل قول ابن عمر . ونص الشافعي - في الحديث - : إن الإمام ليس له أن يرزق المؤذنين وهو يجد من يؤذن له طوعا ممن له أمانة . وكذلك قال أصحابنا . وقال الشافعي - في القديم - : قد رزقهم إمام هدى : عثمان بن عفان . وسئل الضحاك عن مؤذن يؤذن بغير أجر فيعطى : هل يأخذ ؟ قال : إن أعطِي من غير مسألة ، وكان فقيرا ، فلا بأس أن يأخذ . وظاهر مذهب الإمام أحمد : أنه لا يأخذ على شيء من الأذان أجرا ، ونص عليه في الأذان بخصوصه . وروي عنه : أن الإمام يرزقهم من الفيء ، وهو محمول على أنه لم يجد من يتطوع بذلك . ونقل عنه ابن منصور في الذي يقوم للناس في رمضان : أيعطى ؟ قال : ما يعجبني أن يأخذ على شيء من الخير أجرا . قال : وقال إسحاق بن راهويه : لا يسعه أن يؤم على نية أخذ ، وإن أم ولم ينو شيئا من ذلك ، فأعطي أو أكرم جاز . ونقل حرب وغيره عن أحمد : أنه يقدم عند [النسا] من رضيه أهل المسجد . فحكى القاضي وأصحابه هذه رواية ثانية عن أحمد ؛ لأن الحق لهم في ذلك ؛ لأنهم أعرف بمن يبلغهم صوته ، ومن هو أعف عن النظر عند علوه عليهم للأذان . وجعل صاحب ( المغني ) رضا الجيران مقدما على القرعة ، وأنه إنما يقرع بعد ذلك . والصحيح : طريقة الأكثرين ؛ لأن أبا داود نقل عن أحمد : أنه لا يعتبر رضا الجيران بالكلية ، وإنما يعتبر القرعة ، فعلم أن رواية ومن وافقه تخالف ذلك . ولا يعتبر رضا من بنى المسجد واختياره : نص عليه أحمد ؛ معللا بأن المسجد لله ، ليس للذي بناه . يشير إلى أنه خرج عن ملكه ، وصار لله عز وجل . وهذا يدل على أنه لا [تصرف] له على المسجد الذي بناه . وهو المشهور - أيضا - عن الشافعية : أن باني المسجد ليس أحق بإمامته وأذانه من غيره . وقال أبو حنيفة وطائفة من الشافعية - كالروياني - : إن من بنى المسجد فهو أحق بأذانه وإمامته ، كما أن من أعتق عبدا فله ولاؤه . وهذا التشبيه لا يصح ؛ لأن ثبوت الولاء على العبد المعتق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته ، والحجر عليه ، والانتفاع بماله ، وإنما يستفيد به رجوع ماله إليه بعد موته ؛ لأنه لا بد من انتقال ماله عنه حينئذ ، فالمولى المعتق أحق به من غيره من المسلمين ؛ لاختصاصه بإنعامه عليه . وأما المسجد ، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم واعتكافهم وعباداتهم ، والباني له [كبقية] المسلمين في ذلك من غير زيادة . فإن شرط باني المسجد عند وقفه له قبل مصيره مسجدا بالفعل أنه وولده أحق بإمامته وأذانه صح شرطه واتبع ، وإن كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتا ، إذا كان فيهم من يصلح لذلك ، وإن كان غيره أولى منه . نص على ذلك : عبيد الله بن الحسن العنبري . وهو قياس قول أحمد في صحة الواقف لنفسه ما شاء من غلة الوقف ومنافعه .
الحَدِيْث الثاني : 747 - حَدَّثَنَا حجاج ، ثنا شعبة ، أنبأنا أبو إِسْحَاق ، قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن يزيد يخطب ، حَدَّثَنَا البراء - وكان غير كذوب أنهم كانوا إذا صلوا مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، فرفع رأسه من الركوع ، قاموا قياماً حَتَّى يروه قَدْ سجد . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : متى يسجد من وراء الإمام ) من حَدِيْث سُفْيَان ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، وهاهنا خرجه من رِوَايَة شعبة ، أنبأنا أبو إِسْحَاق . ومراد شعبة بقوله : ( أنبأنا ) كقوله : ( أخبرنا ) أو ( حَدَّثَنَا ) ، وليس مراده - كما يقوله المتأخرون - : الإجازة . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى أن المأموم يراقب حال إمامه فِي ركوعه وسجوده ؛ ليسجد بعد سجوده ، وتقع أفعاله بعد أفعال إمامه ، وهذا حكم عام فِي جميع النَّاس ، فإن اقتداء المأموم بأفعال إمامه الَّتِيْ يشاهدها أولى من الاكتفاء بمجرد سماع تكبيره ؛ فإنه قَدْ ينهي تكبيره قَبْلَ أن ينهي فعله ، فلذلك كانوا يراعون تمام سجود النبي صلى الله عليه وسلم واستقراره عَلَى الأرض ، حَتَّى يسجدوا بعده . قَالَ أصحابنا وغيرهم : ولهذا المعنى كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم ؛ لأن المأموم يحتاج إلى رفع بصره إلى إمامه ، فإذا كَانَ عالياً عَلِيهِ احتاج إلى كثرة رفع بصره ، وَهُوَ مكروه فِي الصلاة .
الحَدِيْث الثالث : 748 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ، حَدَّثَنِي مَالِك ، عَن زيد بْن أسلم ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن عَبْد الله بْن عَبَّاس ، قَالَ : خسفت الشمس عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى ، قالوا : يَا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئاً فِي مقامك ، ثُمَّ رأيناك تكعكعت ؟ قَالَ : ( إني رأيت الجنة فتناولت مِنْهَا عنقوداً ، ولو أخذته لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا ) . قَالَ الخطابي : التكعكع التأخر ، وأصله فِي الجبن ، كع الرَّجُلُ عَن الأمر إذا جبن وتأخر ، وأصله : تكعع ، فأدخل الكاف لئلا يجمع بَيْن حرفين . ويقال : كاع يكيع ، مثله . انتهى . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى أن رفع بصر المصلي إلى مَا بَيْن يديه ، ومد يده لتناول شيء قريب مِنْهُ لا يقدح فِي صلاته . وليس فِيهِ نظر المأموم إلى إمامه ، إنما فِيهِ نظر الإمام إلى مَا بَيْن يديه ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن هَذَا النظر والتناول ليس هُوَ مَا يكره فِي الصلاة ؛ لأنه نظر إلى الآخرة لا إلى الدنيا ، ومد يده إلى العنقود كَانَ فِيهِ مصلحة دينية ، ليري أصحابه بعض مَا وعدوا به عياناً فِي الجنة ، لكنه أوحي إليه أن لا يفعل ؛ فإنه كَانَ يصير الغيب شهادة ، فتزول فائدة التكليف بالإيمان بالغيب . وقوله : ( فتناولت مِنْهُ عنقوداً ) ، يعني : أَنَّهُ مد يده يريد تناول العنقود ، ولكنه لَمْ يتناوله ، ولهذا قَالَ : ( لَوْ أخذته لأكلتم مِنْهُ ) . وقوله : ( لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا ) إشارة إلى أن مَا فِي الجنة لا ينفد ؛ فإنه كُلَّمَا أكل مِنْهُ استخلف فِي الحال مثلاه . وفي رِوَايَة أخرى : ( لأكل مِنْهُ من بَيْن السماء والأرض ، لا ينقصونه شيئاً ) . ولهذا يروى أن الطير يمر بأهل الجنة ، فيشتهونه ، فيخر بَيْن أيديهم ، فيأكلون مِنْهُ مَا يشاءون ثُمَّ يطير ، والكأس يشربون مَا فِيهِ ثُمَّ يعود ممتلئاً فِي الحال ، لا حرمنا الله خير مَا عنده بشر مَا عندنا بمنه ورحمته .
91 - باب رفعِ البصرِ إلى الإمَامِ فِي الصَّلاَةِ وقالت عَائِشَة : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حِينَ رأيتموني تأخرت ) . حَدِيْث عَائِشَة ، يأتي فِي ( أبواب : الكسوف ) إن شاء الله تعالى ، وليس فِيهِ رفع البصر إلى الإمام فِي الصلاة ، إنما فِيهِ مد البصر إلى مَا بَيْن يدي المصلي ، وقد سبق القول فِي هَذَا في الباب الماضي ، وأن النظر إلى الآخرة ومتعلقاتها فِي الصلاة حسن ، سواء كَانَ نظر عين أو قلب . وقد خرج فِي هَذَا الباب أربعة أحاديث : الأول : 746 - حَدَّثَنَا موسى ، ثنا عَبْد الواحد ، ثنا الأعمش ، عَن عمارة بْن عمير ، عَن أَبِي معمر ، قَالَ : قلنا لخباب : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فِي الظهر والعصر ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قلنا : بم كنتم تعرفون ذَلِكَ ؟ قَالَ : باضطراب لحيته . فهذا فِيهِ دليل عَلَى أن المأموم ينظر إلى إمامه ، ويراعي أقواله فِي قيامه ؛ لأنهم إنما شاهدوا اضطراب لحية النبي صلى الله عليه وسلم فِي صلاته بمدهم بصرهم إليه فِي قيامه . وهذا قَدْ يقال : إنه يختص بالصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، لما يترتب عَلَى ذَلِكَ من معرفة أفعاله فِي صلاته فيقتدى بِهِ ، فأما غيره من الأئمة فلا يحتاج إلى النظر إلى لحيته ، فالأولى بالمصلي وراءه أن ينظر إلى محل سجوده ، كما سبق .
الحَدِيْث الرابع : 749 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سنان ، ثنا فليح ، ثنا هلال ، عَن أَنَس بْن مَالِك ، قَالَ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رقى المنبر ، فأشار بيده قَبْلَ قبلة المسجد ، ثُمَّ قَالَ : ( لَقَدْ رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين فِي قبلة هَذَا الجدار ، فَلَمْ أر كاليوم فِي الخير والشر ) ثلاثا . الظاهر أن هذه الصلاة كَانَتْ غير صلاة الكسوف ، وأن الجنة والنار مثلتا لهُ في هذه الصلاة في جدار القبلة تمثيلاً ، وأما إدناء الجنة والنار في صلاة الكسوف ، فكان حقيقة . والله أعلم . وفيه : أن رفع بصر المصلي إلى مَا مثل لَهُ من أمور الآخرة إذا ظهرت لَهُ غير قادح فِي الصلاة . وليس فِيهِ أَيْضاً : نظر المأموم إلى إمامه ، كما بوب عَلِيهِ . والله سبحانه وتعالى أعلم .
77 - باب إذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ خَلْفَهِ إِلَى يَمِيِنِهِ تَمَّتْ صَلاَتُهُ 726 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا داود ، عن عمرو بن دينار ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قالَ : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فقمت عن يساره ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسي من ورائي ، فجعلني عن يمينه فصلى ورقد ، فجاءه المؤذن ، فقام يصلي ، ولم يتوضأ . مقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن ابن عباس كانَ قد صف مع النبي صلى الله عليه وسلم عن يساره ، لكنه لما كان موقفه مكروها حوله النبي صلى الله عليه وسلم منه ، فأداره من ورائه إلى يمينه ، فدل على أن إزالة بعض من في الصف عن مقامه وتحويله من الصف في الصلاة لمصلحة جائز ، وصلاته تامة ، وإن كانَ قد خرج من الصف وتأخر عنه . ولا يدخل هذا في ترك تسوية الصفوف المنهي عنه ، وإن كانَ فيهِ تأخر عن الصف ، إلا أن المقصود منه : أن يعود إلى الصف على وجه أكمل من مقامه ، فهوَ شبيه بإبطال الصلاة المكتوبة إذا دخل فيها منفردا ، ثم أقيمت الصلاة ليؤديها في جماعة . وقريب منه : تخريب بناء المسجد لإعادته على وجه أكمل منه . وفي الحديث - أيضا - دليل على أن مصير المأموم فذا خلف الإمام - أو خلف الصف - وقتا يسيرا لا تبطل به الصلاة ، إذا زالت فذوذيته قبل الركوع ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج ابن عباس من جهة يساره إلى ورائه ، فصار فذا في تلك الحالة ، ثم أعاده إلى يمينه في الحال ، فزالت فذوذيته سريعا ، ووقف في موقف هوَ أكمل من مقامه الأول قبل الركوع . وسيأتي القول في ذَلِكَ في ( باب : الركوع دون الصف ) ، إن شاء الله تعالى .
3 - باب الإقامة واحدة ، إلا قوله : قد قامت الصلاة 607 - ثنا علي بن عبد الله : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . قال إسماعيل : فذكرت لأيوب فقال : إلا الإقامة . قد تقدم هذا الحديث من حديث خالد وأيوب ، عن أبي قلابة . وقول أيوب : إلا الإقامة ، مراده : أن الحديث فيه هذه اللفظة ، ولكن لم يذكر سندها ، وقد ذكر سندها عنه سماك بن عطية - على ما تقدم في الباب الذي قبله - وأن أيوب رواها عن أبي قلابة ، عن أنس . وقد تابعه - أيضا - معمر ، عن أيوب . خرج حديثه الإسماعيلي في صحيحه من حديث عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة ، ويقول : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة - مرتين . وفي رواية له - أيضا قوله : قد قامت الصلاة . وفي الباب : عن ابن عمر من رواية شعبة ، عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان ، قال : سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول : سمعت ابن عمر قال : إنما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين ، والإقامة مرة مرة ، غير أنه يقول : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ، ثم خرجنا إلى الصلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم ، وصححه . وقال : أبو جعفر ، هو : عمير بن يزيد الخطمي . ووهم في ذلك ، إنما هو : أبو جعفر محمد بن إبراهيم مسلم بن أبي المثنى ، وقد ينسب إلى جده مسلم أبي المثنى ، وثقه ابن معين وابن حبان . وقال : ابن معين - مرة - : لا بأس به . كذا ذكره ابن حبان وأبو أحمد الحاكم وابن عقدة والدارقطني وغيرهم . وفرق بينهما غير واحد ، منهم : مسلم في كتاب الكنى ، وذكر أبا جعفر هذا ممن لا يعرف اسمه . وأن محمد بن إبراهيم يكنى أبا إبراهيم . وكذا ذكر ابن أبي حاتم أن أبا جعفر هذا ليس هو محمد بن إبراهيم بن مسلم ، بل قال في ذاك : يكنى أبا إبراهيم ، وقال في أبي جعفر هذا : سئل أبو زرعة عنه فقال : هو كوفي لا أعرفه إلا في هذا الحديث . قال : وقلت لأبي : روى عيسى بن يونس عن شعبة ، فقال : عن أبي جعفر القاري ؟ فقال : أخطأ عيسى بن يونس ، ليس هذا أبو جعفر القاري ، هذا كوفي ، والقاري مديني . انتهى . ورواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي جعفر - وليس بالفراء . وكذا قال أبو حاتم الرازي : ليس بالفراء . وخرجه البيهقي من طريق أبي النضر ، عن شعبة ، عن أبي جعفر - يعني : الفراء . كذا قال ، وهو من ظن بعض الرواة ، وليس هذا بالفراء ، الفراء اسمه : كيسان أو سلمان ، وهو غير هذا . قال البيهقي : ورواه غندر وعثمان بن جبلة ، عن شعبة ، عن أبي جعفر المديني . قلت : هذا يوافق قول الحاكم : أنه أبو جعفر الخطمي الأنصاري . وقال الحافظ أبو نعيم : أبو جعفر ، اسمه : مسلم . كذا رأيته ذكره في الحلية ، وليس بشيء ، إنما مسلم هو شيخه أبو المثنى . وخرجه الإمام أحمد ، عن حجاج : حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد بني العريان في مسجد بني بلال يحدث ، عن مسلم أبي المثني مؤذن مسجد الجامع - فذكر هذا الحديث . وأما أبو المثنى فاسمه : مسلم ، ويقال : مهران - : ذكره مسلم بن الحجاج في كتاب الكنى ، وفي تسميته اختلاف وهو مؤذن مسجد الكوفة . وهو عند ابن معين وابن عقدة : والد أبي جعفر - : نقله عنه عباس الدوري . وهو عند الدارقطني وابن حبان : ابن ابنه . وعند أبي زرعة ومسلم وابن أبي حاتم : أنه ليس بينهما نسب . وثقه أبو زرعة وابن حبان . وقال الدارقطني : لا بأس به . وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي المثنى ، فخالف شعبة في رفعه ووقفه . ذكره البخاري في تاريخه ، وقال : قال وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن المثنى - أو أبي المثنى - عن ابن عمر ، قال : إذا قمت فاجعلها واحدة . وقال عارم : ثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن إسماعيل ، عن المثنى ، عن أبيه ، عن ابن عمر - مثله . انتهى ما ذكره . وفي رواية عبد العزيز ، عن إسماعيل : زيادة رجل ، وهو المثنى . وقال ابن معين : إسماعيل بن أبي خالد يروي عن أبي المثنى الكوفي ، وهو هذا - يعني : الذي روى عنه شعبة . وخرج ابن أبي شيبة في كتابه : ثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وهذا في معنى رفع الحديث ، كما رواه شعبة . قال : وثنا عبدة ، عن إسماعيل ، عن أبي المثنى ، أن ابن عمر كان يأمر المؤذن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، ليعلم المار الأذان من الإقامة . وقد رواه الإمام أحمد - فيما رواه عنه ابنه عبد الله في كتاب العلل - عن وكيع كما ذكره البخاري . ورواه أحمد - أيضا - عن محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ، عن المثنى ، عن ابن عمر - مثله . وعن محمد بن يزيد ، عن حجاج ، عن أبي المثنى ، عن ابن عمر - نحوه . وذكر - أيضا - حديث شعبة ، عن أبي جعفر المتقدم . وروى أحمد - أيضا - عن وكيع ، [عن الثوري ] ، عن أبي جعفر المؤذن ، عن [ أبي] سلمان ، عن أبي محذورة . وعن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان - أيضا . قال عبد الرحمن : ليس هو الفراء - يعني : أبا جعفر . وهذا إشارة إلى اختلاف آخر على أبي جعفر ، عن أبي محذورة ، أنه كان إذا بلغ : حي على الفلاح في الفجر ، قال : الصلاة خير من النوم - مرتين . وخرجه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن سفيان ، عن أبي جعفر الفراء - فذكره بمعناه . وقد تقدم أن أبا جعفر ليس بالفراء ، بل هو المؤذن . وخرجه النسائي من طرق عن سفيان ، ولفظ حديثه : عن أبي محذورة ، قال : كنت أؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكنت أقول في أذان الفجر الأول : حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . وقال : أبو جعفر ليس بالفراء . وقد روي عن أبي محذورة : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة من طرق غير قوية . وروي عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الإقامة مثنى مثنى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث همام ، عن عامر الأحول ، عن مكحول ، عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة . وصححه الترمذي . وخرجه مسلم من رواية هشام الدستوائي ، عن عامر ، ولم يذكر فيه الإقامة ، ولا عدد كلمات الأذان ، بل ذكره مفصلا ، والتكبير في أوله مرتين . وفي رواية : تمام التكبير في أوله أربعا . واختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال : أحدها : أنها فرادى سوى التكبير فإنه مرتين في أولها وآخرها ، وهذا قول مالك والليث والشافعي في القديم . وممن روي عنه الأمر بإفراد الإقامة : ابن عمر وسلمة بن الأكوع وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وعروة ، ومكحول والزهري ، وقالا : مضت السنة بذلك . وقال بكير بن الأشج : أدركت أهل المدينة على ذلك . والقول الثاني : أنه تفرد الإقامة سوى التكبير ، وكلمة الإقامة فإنها تثنى ، وهو المشهور من مذهب الشافعي وقول أحمد وإسحاق . وروي عن الحسن ومكحول والزهري والأوزاعي . وللشافعية وجه - ومنهم من حكاه قولا - : أنه يفرد التكبير - أيضا - في أول الإقامة وآخرها ، مع إفراد لفظ الإقامة . ولهم قول آخر : أنه يفرد التكبير في آخرها خاصة ، مع لفظ الإقامة . والثالث : أن الإقامة كالأذان مثنى مثنى ؛ لحديث أبي محذورة . وروي - أيضا - من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ وعن بلال وعن أصحاب محمد ، كما سبق ذكر الاختلاف عنه . وهو قول الكوفيين : النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن أبي شيبة ، وهو قول مجاهد وابن المبارك . وروي عن علي ، وذكره حجاج بن أرطاة ، عن أبي إسحاق ، عن أصحاب علي وابن مسعود . وروي - أيضا - عن سلمة بن الأكوع . وقال النخعي : لا بأس إذا بلغ حي على الصلاة ، حي على الفلاح أن يقولها مرة مرة . ولو أن الأذان يؤذن فأقام ، فقال النخعي والشعبي : يعيد الأذان . وقال الثوري : يجعل إقامته إذا قام [ ] . ومذهب مالك : أنه يعيد الأذان ؛ لكنه يرى الإقامة فرادى . والرابع : أنه يجوز تثنية الإقامة وإفرادها ، والإفراد أفضل ، وهو قول أحمد وإسحاق وداود الظاهري وجماعة من فقهاء أهل الحديث ؛ لورود الحديث بذلك كله . وكذا قال ابن خزيمة ؛ لكنه قال : يجوز الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة ، وتثنية الأذان بغير ترجيع مع إفراد الإقامة . فأما تثنية الأذان من غير ترجيع وتثنية الإقامة ، فلم يصح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم والخامس : إن أذن وأقام أفرد الإقامة ، وإن صلى وحده ، وإن اقتصر على الإقامة ثناها لتكون له تأذينا ، روي ذلك عن أبي العالية وسليمان بن موسى ، ونقله حرب عن إسحاق .
92 - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ 750 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الله ، أنا يَحْيَى بْن سَعِيد ، أنا ابن أَبِي عروبة ، نا قتادة ، أن أنس بْن مَالِك حدثهم ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء فِي صلاتهم ) ، فاشتد قوله في ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : ( لينتهين عَن ذَلِكَ أو ليخطفن الله أبصارهم ) . هَذَا الإسناد كله مصرح بسماع رواته بعضهم من بعض ، وقد أمن بذلك تدليس قتادة فِيهِ . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى كراهة رفع بصره إلى السماء فِي صلاته . وقد روي هَذَا الحَدِيْث عَن النبي صلى الله عليه وسلم من رِوَايَة عدة من الصَّحَابَة . وروي النهي عَن حذيفة وابن مَسْعُود . وَقَالَ سُفْيَان : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يرفع بصره إلى السماء فِي الصلاة ، حَتَّى نَزَلَتْ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ فرمى ببصره نحو مسجده . والمعنى فِي كراهة ذَلِكَ : خشوع المصلي وخفض بصره ، ونظره إلى محل سجوده ؛ فإنه واقف بَيْن يدي الله عز وجل يناجيه ، فينبغي أن يكون خاشعاً منكساً رأسه ، مطرقاً إلى الأرض . وقد تقدم فِي تفسير الخشوع أن خشوع البصر : غضه . وإنما يكره رفع البصر إلى السماء عبثاً ، فأما لحاجة فيجوز . وقد أشارت عَائِشَة لأختها أسماء إلى السماء فِي صلاة الكسوف . وقد نَصَّ أحمد عَلَى أن من تجشأ فِي صلاته فإنه يرفع رأسه إلى السماء ؛ لئلا يتأذى من إلى جانبه برائحة جشائه . ولكن ؛ قَدْ يقال - مَعَ رفع رأسه - : إنه يغض بصره . وقد سبق عَن عُمَر وابن سابط : رفع الوجه إلى السماء عِنْدَ تكبيرة الإحرام . وزاد ابن سابط : وإذا رفع رأسه . وأما تغميض البصر فِي الصلاة ، فاختلفوا فِيهِ : فكرهه الأكثرون ، منهم : أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد . قَالَ مُجَاهِد : هُوَ من فعل اليهود . وفي النهي عَنْهُ حَدِيْث مرفوع ، خرجه ابن عدي ، وإسناده ضَعِيف . ورخص فِيهِ مَالِك . وَقَالَ ابن سيرين : كَانَ يؤمر إذا كَانَ يكثر الالتفات فِي الصلاة أن يغمض عينيه . خرجه عَبْد الرزاق .
76 - باب إلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بالْمَنْكِبِ وَالْقَدَمِ بالْقَدَمِ في الصَّفَّ وقال النعمان بن بشير : رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه . 725 - حدثنا عمرو بن خالد ، ثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( أقيموا صفوفكم ؛ فإني أراكم من وراء ظهري ) وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وقدمه بقدمه . حديث أنس هذا يدل على أن تسوية الصفوف : محاذاة المناكب والأقدام . وحديث النعمان الذي علقه البخاري خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) من رواية أبي القاسم الجدلي ، قالَ : سمعت النعمان بن بشير يقول : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه ، فقالَ : ( أقيموا صفوفكم ) - ثلاثا - ( والله لتقيمن صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) ، قالَ : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه ، وكعبه بكعبه . أبو القاسم الجدلي ، اسمه : الحسين بن الحارث الكوفي ، قالَ ابن المديني : معروف ، ووثقه ابن حبان . وفي هذا الحديث دلالة على أن الكعب هوَ العظم الناتئ في أسفل الساق ، ليس هوَ في ظهر القدم ، كما قاله قوم . وقد تقدم من حديث النعمان بن بشير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً ناتئا صدره في الصف غضب ، وأمرهم بتسوية الصفوف . وفيه دليل على أن استواء صدور القائمين في الصف ، أيضا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) من حديث أبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( رصوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بالأعناق ) . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي إخوانكم ) . وخرجه أبو داود - أيضا - من وجه آخر ، عن أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، مرسلاً . وقيل : عن كثير بن مرة ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( سووا صفوفكم ، وحاذوا بين مناكبكم ، ولينوا في أيدي إخوانكم ، وسدوا الخلل ) . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية ، يمسح مناكبنا وصدورنا ، يقول : ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) . وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) بإسناده ، عن عمر ، أنه كانَ يسوي الصفوف في الصلاة ، يقول : سووا مناكبكم في الصلاة . وعن عثمان ، أنه قام خطيبا في الناس ، فقالَ : سووا صفوفكم والأقدام ، وحاذوا بالمناكب .
11 - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره 617 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) ، وكان رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت . كذا روى القعنبي هذا الحديث عن مالك ، ووافقه ابن أبي أويس وابن مهدي وعبد الرزاق وجماعة . وهو في ( الموطأ ) عن ابن شهاب ، عن سالم - مرسلا ، وكذا رواه الشافعي والأكثرون عن مالك . ورواه سائر أصحاب الزهري ، عنه ، عن سالم ، عن أبيه - مسندا . وقد خرجه مسلم من رواية الليث ويونس ، عن ابن شهاب كذلك ، ولم يخرجه من طريق مالك . ورواه معمر وابن إسحاق ، عن الزهري ، عن ابن المسيب مرسلا - أيضا . وقوله في آخر الحديث : ( وكان رجلا أعمى ) قد أدرجه القعنبي في روايته عن مالك في حديثه الذي خرجه عنه البخاري ، وكذا رواه أبو مسلم الكجي عن القعنبي . وكذا رواه عبد العزيز بن [أبي] سلمة بن الماجشون ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وأدرجه في الحديث . وخرج البخاري حديثه في موضع آخر . والحديث في ( الموطأ ) ، كله ، عن ابن شهاب ، عن سالم - مرسلا ، فالذي في آخره يكون من قول سالم حينئذ . وقد بين جماعة من رواة ( الموطأ ) أنه من قول ابن شهاب ، منهم : يحيى بن يحيى الأندلسي . وقد رواه الجماعة عن القعنبي ، عن مالك ، فأسندوا الحديث ، وجعلوا قوله : ( وكان رجلا أعمى ) إلى آخره من قول الزهري ، منهم : عثمان بن سعيد الدارمي والقاضي إسماعيل وأبو خليفة الفضل بن الحباب وإسحاق بن الحسن . وروى هذا الحديث ابن وهب ، عن الليث ويونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه - فذكر الحديث ، وزاد : قال يونس في الحديث : وكان ابن أم مكتوم هو الأعمى الذي أنزل الله فيه عَبَسَ وَتَوَلَّى كان يؤذن مع بلال . قال سالم : وكان رجلا ضرير البصر ، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر : أذن . خرجه البيهقي وغيره . وخرج مسلم في ( صحيحه ) من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان : بلال وابن أم مكتوم الأعمى . وعن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة - مثله . ومن طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أعمى . كذا خرجه من رواية محمد بن جعفر ، عن هشام . ورواه وكيع وأبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا . ومقصود البخاري : الاستدلال بحديث ابن عمر على أن أذان الأعمى غير مكروه ، إذا كان له من يخبره بالوقت ، وسواء كان البصير المخبر له مؤذنا معه ، كما كان بلال وابن أم مكتوم ، أو كان موكلا بإخباره بالوقت من غير تأذين . وهذا هو قول أكثر العلماء ، منهم : النخعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وإن لم يكن معه بصير يخبره بالوقت كره أذانه ، ولو كان عارفا بالوقت بنفسه . قال القاضي من أصحابنا : لأن معرفته بنفسه يعمل بها في حق نفسه دون غيره . وقال ابن أبي موسى من أصحابنا : لا يؤذن الأعمى إلا في قرية فيها مؤذنون ، فيؤذن بعدهم ، وإن كان في قرية وحده لم يؤذن حتى يتحقق دخول الوقت . وقالت طائفة : يكره أذان الأعمى ، روي عن ابن مسعود وابن الزبير . وعن ابن عباس : أنه كره إقامته . وحكى الإمام أحمد عن الحسن : أنه كره أذان الأعمى . و هو قول أبي حنيفة وأصحابه . وحكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد ، وتأولها على أنه لم يكن معه ما يهتدي به . قال ابن عبد البر : وفي الحديث دليل على جواز شهادة الأعمى على ما استيقنه من الأصوات ، ألا ترى أنه كان إذا قيل له ، يعنى ابن أم مكتوم : أصبحت - قَبِل ذلك ، وشهد عليه ، وعمل به . انتهى . وقبول شهادة الأعمى على ما يتيقنه من الأصوات مذهب مالك وأحمد ، وروي عن شريح وكثير من السلف . ومنع منها أبو حنيفة والشافعي . ومن قال بقولهما ، [فرق] بين الأذان والشهادة : بأن الأذان خبر ديني ، يعم حكمه المخبر وغيره ، فهو كرواية الأعمى للحديث الذي يسمعه وهو أعمى ، بخلاف الشهادة ، فإنه حق لآدمي معين فيحتاط لها .
93 - باب الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ فِيهِ حديثان : الأول : 751 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا أبو الأحوص ، ثنا أشعث بْن سليم - هُوَ : أبو الشعثاء عَن أَبِيه ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن الالتفات فِي الصلاة ، فَقَالَ : ( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) . الثاني : 752 - حَدَّثَنَا قتيبة ، ثنا سُفْيَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فِي خميصة لها أعلام ، فَقَالَ : ( شغلتني أعلام هذه ، اذهبوا بِهَا إلى أَبِي جهم ، وأتوني بأنبجانية ) . حَدِيْث عَائِشَة فِي الخميصة ، قَدْ سبق فِي ( أبواب : الصلاة فِي الثياب ) فِي ( بَاب : إذا صلى فِي ثوب وله أعلام ونظر إلى علمها ) ، وسبق الكلام عَلِيهِ مستوفى . وبعده حَدِيْث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لعائشة : ( أميطي عنا قرامك ؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض فِي صلاتي ) . وذكرنا أن في الحديثين دليلاً عَلَى كراهة أن يصلي إلى مَا يلهي النظر إليه ، أو لبسه فِي الصلاة . وأما حَدِيْث عَائِشَة الَّذِي خرجه هاهنا فِي الالتفات ، فتفرد بِهِ دون مُسْلِم ، وفي إسناده اخْتِلاَف عَلَى أشعث بْن أَبِي الشعثاء . فالأكثرون رووه عَنْهُ ، كما رواه عَنْهُ أبو الأحوص ، كما أسنده البخاري من طريقه . قَالَ الدارقطني : وَهُوَ الصحيح عَنْهُ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، لَمْ يذكر : ( مسروقاً ) فِي إسناده . ورواه إسرائيل ، عَن أشعث ، عَن أَبِي عطية الهمداني ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة . ورواه مِسْعَر ، عَن أشعث ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، وكلهم رفعوه . ورواه الأعمش موقوفاً ، واختلف عَلِيهِ : فرواه الأكثرون ، عَنْهُ ، عَن عمارة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً . وَقَالَ شعبة : عَن الأعمش ، عَن خيثمة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً . ولهذا الاختلاف - والله أعلم - تركه مُسْلِم فَلَمْ يخرجه . وفي الالتفات أحاديث أخر متعددة ، لا تخلو أسانيدها من مقال . ومن أجودها : مَا رَوَى الزُّهْرِيّ ، عَن أَبِي الأحوص ، عَن أبي ذر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الله مقبلاً عَلَى العبد وَهُوَ فِي صلاته مَا لَمْ يلتفت ، فإذا التفت انصرف عَنْهُ ) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة فِي ( صحيحه ) . وأبو الأحوص ، قَدْ قيل : إنه غير معروف . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حَدِيْث الحارث ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيْث طويل ذكره - : ( إن الله ينصب وجهه لوجه عبده مَا لَمْ يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ) . وصححه الترمذي . وروى عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه ، فلا يلتفت . قَالَ عَطَاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يَقُول : ( يا ابن آدم ، إلى أين تلتفت ، أنا خير ممن تلتفت إليه ) . ورواه إِبْرَاهِيْم بْن يزيد الخوزي وعمر بْن قيس المكي سندل - وهما ضعيفان عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، مرفوعاً كله . والموقوف أصح ، قاله العقيلي وغيره . وكذا رواه طلحة بْن عَمْرِو ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : مَا التفت عَبْد فِي صلاته قط إلا قَالَ الله : ( أنا خير لَكَ مِمَّا تلتفت إليه ) . والأشبه أن هَذَا قَوْلِ عَطَاء ، كما سبق . وقوله : ( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) يعني : أن الشيطان يسترق من العبد فِي صلاته التفاته فيها ويختطفه مِنْهُ اختطافاً حَتَّى يدخل عَلِيهِ بذلك نقص في صلاته وخلل . ولم يأمره بالإعادة لذلك ، فدل على أنه نقص لا يوجب الإعادة . والالتفات نوعان : أحدهما : التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها ، وهذا يخل بالخشوع فيها ، وقد سبق ذكر الخشوع في الصلاة وحكمه . والثاني : التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة ، والكلام هاهنا في ذلك . وروي عن ابن مسعود ، قال : لا يقطع الصلاة إلا الالتفات . خرجه وكيع بإسناد فيه ضعف . وروى بإسناد جيد ، عن ابن عمر ، قال : يدعى الناس يوم القيامة المنقوصين ، قيل : وما المنقوصون ؟ قالَ : الذي ينقص أحدهم صلاته في وضوئه والتفاته . قالَ ابن المنذر - فيما يجب على الملتفت في الصلاة - : فقالت طائفة : تنقص صلاته ، ولا إعادة . روي عن عائشة أنها قالت : الالتفات في الصلاة نقص . وبه قال سعيد بن جبير . وقال عطاء : لا يقطع الالتفات الصلاة . وبه قال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة . وقال أبو ثور : إذا التفت ببدنه كله تفسد صلاته . وروينا عن الحسن ، أنه قال : إذا استدبر القبلة استقبل ، وإن التفت عن يمينه وعن شماله مضى في صلاته . والذي قاله الحسن حسن . انتهى . قال ابن المنصور : قلت لأحمد : إذا التفت في الصلاة يعيد الصلاة ؟ قالَ : أساء ، ولا أعلم أني سمعت فيهِ حديثاً أنه يعيد . قال إسحاق : كما قال . وقال أصحابنا : الالتفات الذي لا يبطل أن يلوي عنقه ، فأما إن استدار بصدره بطلت صلاته ؛ لأنه ترك استقبال القبلة بمعظم بدنه ، بخلاف ما إذا استدار بوجهه ، فإن معظم بدنه مستقبل للقبلة . وحكوا عن المالكية ، أنه لا يبطل بالتفاته بصدره حتى يستدبر ، إلحاقاً للصدر على الوجه . فأما الالتفات لمصلحة الصلاة ، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق - وقد سبق حديثه فلا ينقص الصلاة . ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ) . وكذلك التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من صلى خلفه ، لما صلى بهم جالساً وصلوا وراءه قياماً ، وقد سبق أيضاً . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة : فروى سهل بن الحنظلية ، قال : ثوب بالصلاة - يعني : صلاة الصبح فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعب . خرجه أبو داود . وقال : كان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه . وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد . ومن هذا المعنى قول عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يلحظ في صلاته . فروى الفضل بن موسى ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ يميناً وشمالاً ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره . خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال : غريب ، ثم خرجه من طريق وكيع ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن بعض أصحاب عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصلاة فذكر نحوه . وخرجه أبو داود في بعض نسخ ( سننه ) . ثم خرجه من طريق رجلٍ ، عن عكرمة ، وقال : هو أصح . وأنكر الدارقطني وصل الحديث إنكاراً شديداً ، وقال : هو مرسل . وقد رواه - أيضاً - مندل ، عن الشيباني ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يلاحظ يميناً وشمالاً . خرجه ابن عدي . ومندل ، ضعيف . وروى الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلمح في الصلاة ، ولا يلتفت . خرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه جهالة ، وهو مرسل . وقد وصله بعضهم ، وأنكر ذلك الإمام أحمد ، وضعف إسناده ، وقال : إنما هو عن رجل ، عن سعيد . وقد يحمل هذا - إن صح - على الالتفات لمصلحة . وقد روي عن علي بن شيبان الحنفي ، قال : قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وصلينا معه ، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فقال : ( لا صلاة لمن لا يقيم صلبه ) . خرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه . وقد روي الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً عن طائفة من السلف ، منهم : أنس والنخعي وعبد الله بن معقل بن مقرن . وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها . وعن أبي جعفر القارئ ، قال : كنت أصلي وابن عمر ورائي ، ولا أعلم ، فالتفت ، فغمزني . وروى حميد ، عن معاوية بن قرة ، قال : قيل لابن عمر : إن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا ، قال : لكنا نقول كذا وكذا . وفي رواية : ونكون مثل الناس . وقد رويت الرخصة في الالتفات في النافلة . فخرج الترمذي في حديث علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أنس ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصَّلاة هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع ، لا في الفريضة ) . وقال : حديث حسن . وذكر في ( كتاب العلل ) : أنه ذاكر به البخاري ، فلم يعرفه ، ولم يعرف لابن المسيب عن أنس شيئا . وقد روي عن أنس من وجوه أخر ، وقد ضعفت كلها . وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف ، عن أبي الدرداء مرفوعاً . ولا يصح إسناده أيضاً . قال الدارقطني : إسناده مضطرب ، لا يثبت . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحديث الثاني : 619 - ثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح . وخرجه مسلم من طريق هشام ، عن يحيى - وهو : ابن أبي كثير - [به] . وليس صريحا في أن الأذان كان بعد طلوع الفجر ؛ فإنه إذا كان يؤذن قبل طلوع الفجر ، ثم يمهل حتى يطلع الفجر ، ثم يصلي ركعتين ، فقد صلى عليه أنه صلى بين النداء والإقامة . وقد رواه جماعة عن يحيى بن أبي كثير بهذا اللفظ . ورواه معاوية بن سلام ، عن يحيى ، ولفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين . خرجه النسائي . ورواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن سعيد المقبري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين حتى يأتيه ، فيخرج إلى الصلاة . وأصرح من هذا : ما خرجه البخاري في أواخر ( كتاب الصلاة ) من طريق مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين . خرجه مسلم من طريق عبدة ، عن هشام ، ولفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما . ورواه - أيضا - ابن نمير ومحمد بن جعفر بن الزبير ، عن هشام كذلك . وليس صريحا - أيضا - ؛ فقد وردت روايات أخر عن عائشة تدل على أنه كان بعد النداء يؤخر الركعتين تارة حتى يتبين له الفجر ، وتارة حتى يتوضأ . فخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر ، وتبين له الفجر ، وجاءه المؤذن أقام فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . وخرجه - أيضا - من طريق يونس ، عن ابن شهاب ، غير أنه لم يذكر : ( وتبين له الفجر وجاءه المؤذن ) ، ولم يذكر : الإقامة . وخرج - أيضا - من طريق أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ويحيي آخره ، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ، ثم ينام ، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء ، وإن لم يكن جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة ، ثم صلى الركعتين . وهذا هو الحديث الذي فيه ( أنه ينام ولا يمس ماء ) ، وقد استنكره الأئمة كما سبق ذكره في ( أبواب : غسل الجنابة ) ، غير أن مسلما أسقط منه هذه اللفظة . وقد خرجه البخاري مختصرا ، وعنده : ( وإلا توضأ ) . وخرج الأثرم : روى الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين . قلت : هذا خرجه أبو داود هكذا . ثم قال الأثرم : رواه الناس عن الزهري ، فلم يذكروا فيه ما ذكر الأوزاعي ، وسمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يضعف رواية الأوزاعي عن الزهري . قلت : لم يتفرد الأوزاعي بهذا عن الزهري ، بل قد تابعه عليه يونس ، وتابعه عمرو بن الحارث ، وزاد في حديثه : ( وتبين له الفجر ) ، كما خرجه مسلم من حديثهما . ورواية عمرو بن الحارث تدل على أنه كان يؤخر صلاة الركعتين عن الأذان حتى يتبين له الفجر ، ورواية يونس والأوزاعي إن كانت على ظاهرها فهي محمولة على أنه كان يصلي عقب أذان ابن أم مكتوم الثاني ، وكان لا يؤذن حتى يقال : أصبحت ، أصبحت . ورواه عقيل وابن أبي ذئب - أيضا - عن الزهري ، كما رواه الأوزاعي . ورواه ابن الهاد ، عن الزهري كذلك ، غير أنه زاد فيه : ( بعد أن يستنير الفجر ) . ورواه عمر بن عثمان ، عن أبيه ، عن الزهري ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر بعدما يتبين الفجر قام فصلى ركعتين من قبل صلاة الصبح . ورواه شعيب ، عن الزهري ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر ، بعد أن يتبين الفجر . خرجه البخاري . وسيأتي قريبا - إن شاء الله . ورواه المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع التثويب صلى ركعتين ، ثم خرج .
الحديث الثالث : 620 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) . كذا خرج في ( الموطأ ) هذا الحديث . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) من طرق عن مالك . وخرجه من طريق عبد الله بن يوسف ، وزاد فيه : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت . وزعم أن تخريج هذا الحديث في ( باب : أذان الأعمى ) كان أولى ؛ لأنه زعم أن هذه الزيادة فيه من قول ابن عمر ومالك مدرجة . وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وهذه الزيادة في حديث عبد الله بن دينار ما أراها محفوظة عن مالك بالكلية ، والظاهر أن بعض الرواة اشتبه عليه حديث عبد الله بن دينار بحديث سالم المتقدم . والله أعلم . وقد رواه أيضا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، بدون هذه الزيادة أيضا . وقد روي عن مالك بهذه الزيادة من وجه آخر : رواه حرملة ، عن ابن وهب والشافعي ، كلاهما عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال : أصبحت ، أصبحت . خرجه الطبراني ، وذكر أنه تفرد به حرملة ، ولا يرويه عن مالك غير الشافعي وابن وهب ، وعنده : أن هذه الزيادة في آخره من رواية الشافعي وحده . وذكر ابن أبي حاتم أن أباه حدثه عن حرملة ، عن ابن وهب وحده بهذه الزيادة ، وقال : قال أبي : هذا منكر بهذا الإسناد . وبكل حال ؛ فتحمل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الأذان على أذان ابن أم مكتوم الثاني ، إلا أن في حديث عائشة ما يدل على [أنه] الأذان الأول في عدة روايات ، فيحمل ذلك على أنه كان يصلي بين الأذانين إذا تبين له الفجر قبل أذان ابن أم مكتوم ، بدليل رواية من روى أنه كان يصلي إذا سكت المؤذن وتبين له الفجر . وقد روى جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بين النداءين ، لم يكن يدعهما أبدا . خرجه البخاري . والمراد : بين النداء والإقامة . وقد رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، وذكر في حديثه : أنه كان يصلي ركعتي الفجر بين الأذان والإقامة ، كما سبق . فتعين حمل ذلك على الأذان الثاني ، ولا بد . وقد روى بعضهم حديث عراك ، وزاد فيه بعد قوله : يصلي ركعتين بين النداءين : ( جالسا ) . خرجه أبو داود . ولفظة : ( جالسا ) غير محفوظة . وإنما كان يصلي ركعتين جالسا بعد وتره ، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة . ومما يدل على هذا - أيضا - : حديث ابن عمر المخرج في ( الصحيحين ) من طريق أنس بن سيرين ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، كأن الأذان بأذنيه . زاد البخاري : قال حماد بن زيد : أي : بسرعة . وروى الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي [ركعتي] الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما . خرجه النسائي . وقال : هذا حديث منكر . قلت : نكارته من قبل إسناده ، وروايات الأعمش عن حبيب فيها منكرات ؛ فإن حبيب بن أبي ثابت إنما يروي هذا الحديث عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده . [وخرج أبو داود ] من حديث كريب ، عن الفضل بن عباس - أنه نام ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر كيف صلاته ، [فذكر صلاته] ووتره ، ثم قام فنادى المنادي عند ذلك ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما سكت المؤذن ، فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم جلس حتى صلى الصبح . فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلها ليس فيها دلالة صريحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذن له إلا بعد طلوع الفجر ، وغاية ما يدل بعضها على أنه كان يؤذن له بعد طلوع الفجر ، وذلك لا ينفي أن يكون قد أذن قبل الفجر أذان أول . والأحاديث التي فيها أن بلالا كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية ، ويمكن أن تحمل - على تقدير ثبوتها - على أنه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول ، وقبل طلوع الفجر الثاني . ويدل على ذلك : ما روى ابن وهب ، قال : حدثني سالم بن غيلان ، أن سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدثه ، عن حاتم بن عدي الحمصي ، عن أبي ذر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة - فذكر الحديث - قال : ثم أتاه بلال للصلاة ، فقال : ( أفعلت ؟ ) فقال : نعم . قال : ( إنك يا بلال مؤذن إذا كان الصبح ساطعا في السماء ، وليس ذلك الصبح ، إنما الصبح هكذا إذا كان معترضا ) ، ثم دعا بسحوره فتسحر . خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) ويونس بن يعقوب القاضي في ( كتاب الصيام ) . وخرجه الإمام أحمد - بمعناه من رواية رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن غيلان . ومن طريق ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان - أيضا . وقد اختلف في هذا الإسناد : فقال البخاري في ( تاريخه ) : هو إسناد مجهول . وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني - في هؤلاء الثلاثة : سالم وسليمان وحاتم : مصريون متروكون ، وذكر أن رواية حاتم ، عن أبي ذر لا تثبت . وخالفه في ذلك آخرون : أما حاتم ، فقال العجلي : تابعي حمصي شامي ، ثقة . وأما سليمان بن أبي عثمان التجيبي ، فقال أبو حاتم الرازي : هو مجهول . وأما سالم بن غيلان ، فمشهور ، روى عنه جماعة من أهل مصر . وقال أحمد وأبو داود والنسائي : لا بأس به . وقال ابن خراش : صدوق ، وقال ابن حبان : ثقة . فلم يبق من هؤلاء من لا يعرف حاله سوى سليمان بن أبي عثمان . وقد عضد هذا الحديث : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود الصبح - حتى يستطير ) . وحديث ابن مسعود ، وقد خرجه البخاري في الباب الآتي . وفي النهي عن الأذان قبل الفجر أحاديث أخر ، لا تصح : فروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ) ، ومد يديه عرضا . خرجه أبو داود . وقال : شداد لم يلق بلالا . قال أبو بكر الأثرم : هو إسناد مجهول منقطع . يشير إلى جهالة شداد ، وأنه لم يلق بلالا . وقد خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض ، قال : بلغني أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . وروى [ أبو داود ، عن] حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن بلالا أذن بليل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي : ألا إن العبد نام . وقال : تفرد به حماد . وذكر أن الدراوردي روى عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان لعمر مؤذن ، يقال له : مسروح - فذكر نحوه . وقال : هذا أصح من ذاك . يعني : أنه موقوف على عمر ، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه . وحكى الترمذي عن علي بن المديني ، أنه قال : هو غير محفوظ ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة . وكذا قال الترمذي : هو غير محفوظ . وكذلك أنكره الإمام أحمد على حماد . وقال أبو حاتم الرازي : حديث حماد خطأ . والصحيح : عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر أمر مسروحا . قال : ورواه ابن أبي محذورة ، عن عبد العزيز أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا - أيضا - وابن أبي محذورة شيخ . وقال محمد [بن] يحيى الذهلي : هو حديث شاذ ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر . يعني : أنهم رووا عنه حديث : ( إن بلالا يؤذن بليل ) . وقال الشافعي : رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث ، ويزعمون أنها ضعيفة ، لا يقوم بمثلها حجة على الانفراد . وقال الأثرم : هذا الحديث [خطأ] معروف من خطأ حماد بن سلمة . وقال الدارقطني : أخطأ فيه حماد بن سلمة . وتابعه سعيد بن زربي - وكان ضعيفا - روياه عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . والمحفوظ : عن أيوب ، عن ابن سيرين أو حميد بن هلال ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال هذا . قال : ولا يقوم بالمرسل حجة . قلت : روايات حماد بن سلمة عن أيوب غير قوية . قال أحمد : أسند عن أيوب [أحاديث لا يسندها الناس عنه . وقال مسلم : حماد يخطئ في حديث أيوب كثيرا . وقد خولف في رواية هذا عن أيوب ، فرواه معمر ، عن أيوب ] - مرسلا . خرجه عبد الرزاق ، عنه . وأما حديث عبد العزيز بن أبي رواد ، فقد روي عنه متصلا كما تقدم من رواية ابن أبي محذورة عنه . وتابعه عامر بن مدرك . قال الدارقطني : هو وهم ، والصواب : رواية شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن لعمر ، يقال له : مسروح ، أن عمر أمره بذلك . وذكر أبو داود أن حماد بن زيد رواه عن عبيد الله ، عن نافع أو غيره ، أن مؤذنا لعمر يقال له : مسروح - فذكره . وذكر الترمذي ، أن ابن أبي رواد رواه ، عن نافع ، أن عمر أمر بذلك . قال : هذا لا يصح ؛ لأنه منقطع . وقال البيهقي في حديث ابن أبي رواد المتصل : إنه ضعيف لا يصح ، والصواب : رواية شعيب بن حرب . وقال ابن عبد البر : الصحيح : أن عمر هو الذي أمر مؤذنه بذلك . وقد روي من حديث قتادة ، عن أنس - نحو حديث حماد بن سلمة . والصحيح : أنه عن قتادة مرسل - : قاله الدارقطني . وروي من حديث الحسن ، عن أنس - أيضا - بإسناد لا يصح . والنهي عن الأذان قبل طلوع الفجر قد روي عن عمر ، كما سبق ، وعن علي . قال أبو نعيم : ثنا إسرائيل ، عن فضل بن عمير ، قال : كان لعلي مؤذن ، فجعل علي معه مؤذنا آخر ؛ لكيلا يؤذن حتى ينفجر الفجر . وهذا منقطع . وروى وكيع : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما كانوا يؤذنون حتى يصبحون . وخرج الإمام أحمد من رواية يونس ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، قال : قلت لعائشة : متى توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذن ، وما يؤذن حتى يطلع الفجر . وعن شريك ، عن علي بن علي ، عن إبراهيم ، قال : سمع علقمة مؤذنا يؤذن بليل ، فقال : لقد خالف هذا سنة أصحاب محمد . وإلى هذا القول ذهب الكوفيون ، منهم : أبو الأحوص صاحب ابن مسعود ، وقيس بن أبي حازم ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن صالح . وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج ، عن طلحة ، عن سويد - هو : ابن علقمة - عن بلال : أنه كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر . وعن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر ، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر . حجاج : هو ابن أرطاة . قال الأثرم : هذا ضعيف الإسناد . وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله ، قال : قلت لنافع : إنهم كانوا ينادون قبل الفجر ؟ قال : ما كان النداء إلا مع الفجر .
12 - باب الأذان بعد الفجر فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 618 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، قال : أخبرتني حفصة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اعتكف المؤذن للصبح ، وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة . كذا في هذه الرواية : ( إذا اعتكف المؤذن للصبح ) ، ولعل المراد باعتكافه للصبح جلوسه للصبح ينتظر طلوع الفجر ، وحبسه نفسه لذلك . ويدل على هذا المعنى : ما خرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن امرأة من بني النجار ، قالت : كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر ، فيأتي بسحر ، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر ، فإذا رآه تمطى ، ثم قال : اللهم ، إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك ، ثم يؤذن . قالت : ما علمته كان تركها ليلة واحدة - [تعني] : هذه الكلمات . والمعروف في حديث حفصة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة . كذا خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك . وكذا هو في ( الموطأ ) . وليس في هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر ؛ فإنها قالت : ( كان إذا سكت المؤذن وبدا الفجر صلى ) ، فلم تذكر أنه [كان] يصلي إلا بعد فراغ الأذان بعد طلوع الفجر ، وهذا يشعر بأنه كان الأذان قبل الفجر ، وإلا لم تحتج إلى ذكر طلوع الفجر مع الأذان . وقد خرج مسلم الحديث من رواية الليث بن سعد وأيوب وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، كما رواه مالك . وخرجه النسائي من طرق أخرى ، عن نافع كذلك . ورواه عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين ، وكان لا يؤذن إلا بعد الفجر . ذكره أبو بكر الأثرم . وقال : رواه الناس عن نافع ، لم يذكروا ما ذكره عبد الكريم . وخرجه ابن عبد البر بإسناده ، ولفظ حديثه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أذان الصبح صلى ركعتين ، ثم خرج إلى المسجد ، وحرم الطعام ، وكان لا يؤذن حتى يصبح . قلت : لعل هذه الزيادة مدرجة فيه . وقد رواها عبيد الله بن عمر ، عن نافع - من قوله . خرجه ابن أبي شيبة . ولو كان هذا محفوظا حمل على أذان ابن أم مكتوم ، كما في حديث ابن عمر في الباب الماضي .
75 - باب إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصَّفَّ 724 - حدثنا معاذ بن أسد ، ثنا الفضل بن موسى ، أنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، أنه قدم المدينة ، فقيل لهُ : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : ما أنكرت شيئاً ، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف . وقال عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار : قدم علينا أنس المدينة ، بهذا . عقبة بن عبيد الطائي ، هوَ : أخو سعيد بن عبيد الذي روى هذا الحديث عن أنس ، ويكنى أبا الرحال . لم يخرج لهُ في الكتب الستة سوى هذا الحديث الذي علقه البخاري هاهنا . وقد خرج حديثه الإمام أحمد ، عن أبي معاوية ، عن عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار ، قالَ : قلت لأنس بن مالك : ما أنكرت من حالنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : أنكرت أنكم لا تقيمون الصفوف . وفي هذا الحديث دليل على أن تسوية الصفوف كانَ معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الناس غيروا ذَلِكَ بعده . والظاهر : أن أنس بن مالك إنما قالَ هذا في أوائل الأمر ، قبل أن يؤخر بنو أمية الصلوات عن مواقيتها ، فلما غير بنو أمية مواقيت الصلاة قالَ أنس : ما أعرف شيئا مما كانَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل لهُ : ولا الصلاة ؟ قالَ : أوليس قد صنعتم فيها ما صنعتم ، وقد سبق هذا الحديث في أوائل ( المواقيت ) . وأما استدلال البخاري به على إثم من لم يتم الصف ففيه نظر ؛ فإن هذا إنما يدل على أن هذا مما ينكر ، وقد ينكر المحرم والمكروه . وكان الاستدلال بحديث : ( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) على الإثم أظهر ، كما سبق التنبيه عليهِ .
86 - باب رَفْعِ الَيدَيْنِ إذا قَامَ منَ الرَّكْعَتَيْنِ 739 - حدثنا عياش ، ثنا عبد الأعلى ، قالَ : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كانَ إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قالَ : ( سمع الله لمن حمده ) رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ، ورفع ذَلِكَ ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن أيوب وموسى بن عقبة ، مختصرا . عياش ، هوَ : ابن الوليد الرقام البصري . وعبد الأعلى ، هوَ : ابن عبد الأعلى الشامي البصري . وقد روى هذا الحديث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مرفوعا . وإنما رواه الناس عن عبيد الله - موقوفا منهم : عبد الوهاب الثقفي ومحمد بن بشر ، إلا أن محمدا لم يذكر فيهِ : الرفع إذا قام من الركعتين . وكذلك رواه أصحاب نافع عنه موقوفا . فلهذا المعنى احتاج البخاري إلى ذكر من تابعه عبد الأعلى على رفعه ؛ ليدفع ما قيل من تفرده به . فقد قالَ الإمام أحمد في رواية المروذي وغيره : رواه عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وبلغني أن عبد الأعلى رفعه . وقد روي عن أحمد ، أنه صحح رفعه ، وسنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقال الدارقطني في ( العلل ) : أشبهها بالصواب عن عبيد الله ما قاله عبد الأعلى ، ثم قالَ : والموقوف عن نافع أصح . وخرجه أبو داود في ( السنن ) ، عن نصر بن علي ، عن عبد الأعلى ، كما خرجه البخاري مرفوعا . ثم قالَ : الصحيح قول ابن عمر ، وليس بمرفوع ، قالَ : روى بقية أوله عن عبيد الله وأسنده ، قالَ : ورواه الثقفي ، عن عبيد الله ، أوقفه على ابن عمر ، وقال فيهِ : إذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه ، وهذا هوَ الصحيح . ورواه الليث بن سعد ومالك وأيوب وابن جريج موقوفا ، وأسنده حماد بن سلمة وحده ، عن أيوب ، ولم يذكر أيوب ومالك الرفع إذا قام من السجدتين ، وذكره الليث في حديثه ، انتهى . وقد رفعه بعضهم عن مالك ، ولا يصح ، قد رواه رزق الله بن موسى ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كانَ إذا دخل في الصلاة رفع يديه نحو صدره ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، ولا يرفع بعد ذَلِكَ . قالَ العقيلي والدارقطني : لا يتابع رزق الله على رفعه . وذكر الدارقطني : أن عبد الله بن نافع الصائغ وخالد بن مخلد وإسحاق الجندي رووه ، عن مالك مرفوعا . قالَ : ولا يصح ذَلِكَ في حديث مالك ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع في كل رفع ووضع ، وقال : وهذا وهم على مالك في رفعه ولفظه . قالَ : ورواه إسماعيل بن عياش ، عن صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - أيضا . وإسماعيل سيئ الحفظ لحديث الحجازيين . ورواه إسماعيل - أيضا - عن موسى بن عقبة وعبيد الله كلاهما ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - في التكبير في هذه المواضع الأربعة ، دون الرفع . وأما رواية إبراهيم بن طهمان التي استشهد بها البخاري ، فخرجها البيهقي من رواية إبراهيم بن طهمان ، عن أيوب بن أبي تميمة وموسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا استوى قائما من ركوعه حذو منكبيه ، ويقول : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذَلِكَ . ولم يذكر في حديثه : الرفع إذا قام من الركعتين . وهذا هوَ الرفع الذي أشار إليه البخاري . قالَ الدارقطني : وتابع إبراهيم بن طهمان : حماد بن سلمة ، عن أيوب ، وقيل : عن هدبة ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، وإنما أراد : حماد بن سلمة ، والله أعلم . والصحيح : عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، موقوفا . وكذا قالَ أبو ضمرة ، عن موسى بن عقبة . قالَ : وروي عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا قاله محمد بن شعيب بن شابور . وروي عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا . ورواه إسماعيل بن أمية والليث ، عن نافع ، عن ابن عمر موقوفا . قالَ : والموقوف عن نافع أصح . انتهى . قالَ : وروي عن يحيى بن أبي كثير ، عن نافع وسالم ، عن ابن عمر ، مرفوعا . قلت : هوَ غير محفوظ عن يحيى ، وهذا هوَ المعروف عن الإمام أحمد وقول أبي داود والدارقطني . فرواية نافع ، عن ابن عمر ، الأكثرون على أن وقفها أصح من رفعها ، وكل هؤلاء لم يذكروا في رواياتهم القيام من الثنتين ، وصحح رفعها البخاري والبيهقي . قالَ ابن عبد البر : هذا أحد الأحاديث الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع ، فرفعها سالم ووقفها نافع ، والقول فيها قول سالم ، ولم يلتفت الناس إلى نافع ، هذا أحدها ، والثاني : حديث : ( فيما سقت السماء العشر ) ، والثالث : حديث ( من باع عبدا وله مال ) ، والرابع : حديث ( تخرج نار من قبل اليمن ) . انتهى . وقال النسائي والدارقطني : أحاديث نافع الثلاثة الموقوفة أولى بالصواب . ورجح أحمد وقف : ( فيما سقت السماء ) وتوقف في حديث : ( من باع عبدا لهُ مال ) ، وقال : إذا اختلف سالم ونافع فلا يقضى لأحدهما . يشير إلى أنه لا بد من الترجيح بدليل . وقد روي الرفع إذا قام من الركعتين من رواية سالم ، عن ابن عمر . خرجه النسائي من طريق معتمر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا قام من الركعتين ، يرفع يديه كذلك حذاء المنكبين . وروي - أيضا - عن الثقفي ، عن عبيد الله ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه كانَ إذا نهض رفع يديه . فتبسم ، وقال : كم روي هذا عن الزهري ، ليس فيهِ هذا ، وضعفه . ورواه - أيضا - أبو سعيد ابن الأعربي ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن عاصم ، عن عبيد الله بن عمر كذلك . وذكر الدارقطني في ( العلل ) : أن معتمر بن سليمان والثقفي روياه عن عبيد الله بن عمر مرفوعا ، وذكرا فيهِ : الرفع إذا قام من الثنتين . ورواه ابن المبارك ، عن عبيد الله ، فلم يذكر : الرفع إذا قام من الثنتين . ورواه - أيضا - إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية ، عن أيوب ، عن سالم ، عن ابن عمر . خرجه الطبراني . وهذا غير محفوظ عن أيوب . وقد روي عن ابن عمر - مرفوعا - من وجه آخر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود من طريق محمد بن فضيل ، عن عاصم بن كليب ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه . وخالفه عبد الواحد بن زياد ، فرواه عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر - موقوفا - في الرفع عندَ الإحرام والركوع والرفع منه خاصة . قالَ الدارقطني : وكذلك رواه أبو إسحاق الشيباني والنضر بن محارب بن دثار ، عن محارب ، عن ابن عمر ، موقوفا . وقد روي الرفع إذا قام من الركعتين في حديث أبي حميد وأصحابه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ذكره . وفي حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجهما أبو داود وغيره . وقد تكلم في حديث أبي هريرة أبو حاتم الرازي والدارقطني . وأما حديث علي ، فصححه الإمام أحمد والترمذي . وقد اختلف العلماء في الرفع إذا قام من التشهد الأول : فأكثرهم على أنه غير مستحب ، حتى ادعى أبو حامد الإسفراييني من أعيان الشافعية الإجماع على ذَلِكَ ، وجعله دليلا على نسخ الأحاديث الواردة فيهِ . وليس الأمر كما قالَ . واستحبه طائفة من العلماء ، كما ذكره البخاري والنسائي في ( كتابيهما ) . وقال حرب الكرماني : حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الربيع بن صبيح ، قالَ : رأيت الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوسا ومجاهدا ونافعا وقتادة وابن أبي نجيح والحسن بن مسلم إذا دخلوا في الصلاة كبروا ورفعوا أيديهم ، وإذا كبروا للركوع رفعوا أيديهم . غير أن أهل الحجاز كانوا يرفعون أيديهم إذا قاموا من الركعتين من الفريضة ، وكانوا يقعون على أعقابهم . والمشهور عن الشافعي وأحمد ، أنه لا يرفع إذا قام من الركعتين . قالَ أحمد : أنا لا أستعمله ولا أذهب إليه ، واستدل بحديث ابن عمر ، وقال فيهِ : وكان لا يرفع بعد ذَلِكَ ، أي : بعد المواضع الثلاثة . وهذا الحديث بهذا اللفظ قد سبق من رواية رزق الله بن موسى ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا وأنه لا يصح رفعه . ورواه - أيضا - بشير الكوسج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في أول التكبير ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، ثم يكبر بعد ذَلِكَ ولا يرفع يديه . قالَ بشير : وحدثني الحسن بن عثمان المديني ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثل ذَلِكَ . وبشير هذا غير مشهور ، وقد ذكره الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) ، وذكر أنه روى عنه جماعة . وقال إسحاق بن إبراهيم : سئل أحمد : إذا نهض الرجل من الركعتين يرفع يديه ؟ قالَ : إن فعله فما أقربه ، فيهِ عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي حميد أحاديث صحاح ، ولكن قالَ الزهري في حديثه : ولم يفعل في شيء من صلاته ، وأنا لا أفعله . وهذا اللفظ لا يعرف في حديث الزهري . وذكر القاضي أبو يعلى : أن هذه الرواية عن أحمد تدل على جوازه ، من غير استحباب . وحكي عن أحمد رواية باستحبابه . قالَ البيهقي في كتاب ( مناقب الإمام أحمد ) : أنبأني أبو عبد الله الحافظ - يعني : الحاكم ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قالَ : سألت أبي عن حديث عبد الأعلى ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، في رفع اليدين ، وكان إذا قام من الثنتين رفع يديه ، فقالَ : سنة صحيحة مستعملة ، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة ، وأنا أستعملها . قالَ الحاكم أبو عبد الله : سئل الشيخ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - عن ذَلِكَ ؟ فقالَ : أنا أستعملها ، ولم أر من أئمة الحديث أحدا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها . وهذه الرواية غريبة عن أحمد جدا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون ، إلا أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب ( رفع اليدين ) وفي كتاب ( مزكي الأخبار ) ، وأنه ذكرها في ( كتاب التاريخ ) بخلاف ذَلِكَ عندَ القيام من الركعتين ، فوجب التوقف . والله أعلم . وحكي ذَلِكَ - أيضا - قولا للشافعي ؛ لأنه ذكر حديث أبي حميد الساعدي بطوله ، قالَ : وبهذا نقول . قالَ البيهقي في ( كتاب المعرفة ) : ومذهب الشافعي متابعة السنة إذا ثبتت ، وقد قالَ في حديث أبي حميد : وبهذا أقول . وقال البغوي : لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الثنتين ، ومذهبه اتباع السنة ، وقد ثبت ذَلِكَ . وذهب إلى هذا طائفة من أهل الحديث ، منهم : ابن المنذر ، ومن أصحاب الشافعي ، منهم : أبو علي الطبري والبيهقي والبغوي وغيرهم من المتأخرين ، ورجحه - أيضا - طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، قالوا : وهو دون الرفع في الإحرام والركوع والرفع منه في الاستحباب . فأما الرفع للسجود وللرفع منه ، فلم يخرج في ( الصحيحين ) منه شيء ، وقد خرج البخاري في حديث ابن عمر : وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود . وفي رواية لهُ - أيضا - : وكان لا يفعل ذَلِكَ حين يسجد ، ولا حين يرفع من السجود ، وقد سبقت الروايتان . وهذا قول جمهور العلماء ، وقد نص عليهِ الشافعي وأحمد . وسئل أحمد : أليس يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه فعله ؟ فقالَ : هذه الأحاديث أقوى وأكثر . وروى هذا الحديث بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري - وابن أخي الزهري ، عن عمه - وزاد في روايته بعد قوله ولا يرفعهما في السجود : ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته . خرجه أبو داود من طريق بقية . والإمام أحمد من الطريق الأخرى ، وعنده : ( في كل ركعة وتكبيرة ) إلى آخره . وذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدين إذا قام من السجود ، منهم : ابن المنذر وأبو علي الطبري من الشافعية . واستدلوا : بما روى محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه ، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا كبر رفع يديه ، قالَ : ثم التحف ، ثم أخذ شماله بيمينه ، فأدخل يديه في ثوبه ، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما ، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه ، فإذا رفع رأسه - أيضا - من السجود رفع يديه حتى فرغ من صلاته . خرجه أبو داود . وخرجه مسلم إلى قوله : ( فلما سجد سجد بين كفيه ) ، ولم يذكر ما بعده . وقالت طائفة : يرفع يديه مع كل تكبيرة ، وكلما خفض ورفع ، وهو قول بعض أهل الظاهر . وقال أحمد بن أصرم المزني : رأيت أحمد يرفع يديه في كل خفض ورفع ، وسئل عن رفع اليدين إذا قام من الركعتين ؟ فقالَ : قد فعل . وحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب . ونقل المروذي ، عن أحمد ، قالَ : لا يرفع يديه بين السجدتين ، فإن فعل فهوَ جائز . ونقل جعفر بن محمد ، عن أحمد ، قالَ : يرفع يديه في كل موضع ، إلا بين السجدتين . وروى محارب بن دثار ، أنه رأى ابن عمر يرفع يديه إذا ركع وسجد . وروى أبو أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى . وروى حماد بن سلمة ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس ، أنه كانَ يرفع يديه من السجدتين . وروي ذَلِكَ - أيضا - عن الحسن وابن سيرين وطاوس ونافع وأيوب . ذكره ابن أبي شيبة في ( كتابه ) . وروى شعبة ، عن قتادة ، عن نصر بن عاصم ، عن مالك بن الحويرث ، أنه رأى نبي الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الصلاة إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من ركوعه ، وإذا سجد ، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه . خرجه النسائي . وخرجه - أيضا - من طريق هشام ، عن قتادة ، بنحوه ، إلا أنه لم يذكر فيهِ : الرفع إذا سجد . وخرجه مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة ، عن قتادة . ولم يذكر فيهِ سوى الرفع في المواضع الثلاثة الأول خاصة . وروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن عبد الرحمن اليحصبي ، عن وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يكبر إذا خفض وإذا رفع ، ويرفع يديه عندَ التكبير ، ويسلم عن يمينه وعن يساره . قالَ الإمام أحمد : أنا لا أذهب إلى حديث وائل بن حجر ، وهو مختلف في ألفاظه . ويجاب عن هذه الروايات كلها - على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظا ، ولم يكن قد اشتبه بذكر التكبير بالرفع - بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة ، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين ، فلعلهما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذَلِكَ مرة ، وقد عارض ذَلِكَ نفي ابن عمر ، مع شدة ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها ، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي صلى الله عليه وسلم كانَ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين . وقد روي في الرفع عندَ السجود وغيره أحاديث معلولة : فروى الثقفي : حدثنا حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا سجد . خرجه الدارقطني . وخرجه ابن ماجه إلى قوله : ( وإذا ركع ) . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) إلى قوله : ( وإذا رفع رأسه ) . وقد أعل هذا بأنه قد رواه غير واحد من أصحاب حميد ، عن حميد ، عن أنس ، من فعله غير مرفوع . كذا قاله البخاري ، نقله عنه الترمذي في ( علله ) . وقال الدارقطني : الصواب من فعل أنس . وروى إسماعيل بن عياش ، عن صالح بن كيسان ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قالَ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه ، حين يفتتح الصلاة ، وحين يركع ، وحين يسجد . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه . زاد الإمام أحمد : وعن صالح ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل ذَلِكَ . وإسماعيل بن عياش ، سيئ الحفظ لحديث الحجازيين . وقد خالفه ابن إسحاق ، فرواه عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة - موقوفا قاله الإمام أحمد وغيره . وقال الدارقطني في ( علله ) : اختلف على إسماعيل بن عياش في لفظه ، فذكرت عنه طائفة الرفع عندَ الافتتاح والركوع والسجود ، وذكرت طائفة عنه الرفع عندَ الافتتاح والركوع والرفع منه . قالَ : وهو أشبه بالصواب . وروى عمرو بن علي ، عن ابن أبي عدي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كانَ يرفع يديه في كل خفض ورفع ، ويقول : أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه الدارقطني في كتاب ( العلل ) ، وقال : لا يتابع عليهِ عمرو بن علي ، وغيره يرويه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يكبر في كل خفض ورفع ، وهو الصحيح . وروى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع . وفي رواية : كانَ يرفع يديه حين يهوي للسجود . قالَ الوليد : وبهذا كانَ يأخذ الأوزاعي . خرجه ابن جوصا في ( مسند الأوزاعي ) . وقد اختلف على الوليد في إرساله ووصله ، ولم يسمعه من الأوزاعي ، بل دلسه عنه ، وهو يدلس عن غير الثقات . وروى الإمام أحمد : ثنا نصر بن باب ، عن حجاج ، عن الذيال بن حرملة ، عن جابر ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في كل تكبيرة في الصلاة . نصر بن باب ، وحجاج بن أرطاة ، لا يحتج بهما . وروى رفدة بن قضاعة ، عن الأوزاعي ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة . خرجه ابن ماجه . وقال مهنا : سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث ، فقالا جميعا : ليس بصحيح ، قالَ أحمد : لا يعرف رفدة بن قضاعة ، وقال يحيى : هوَ شيخ ضعيف . وخرج ابن ماجه - أيضا - من رواية عمر بن رياح ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه عندَ كل تكبيرة . وعمر بن رياح ساقط الرواية . لكن تابعه النضر بن كثير أبو سهل الأزدي ، قالَ : صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف ، فكان إذا سجد سجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه ، فأنكرت أنا ذَلِكَ ، فقالَ عبد الله بن طاوس : رأيت أبي يصنعه ، وقال أبي : رأيت ابن عباس يصنعه ، وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه . خرجه النسائي . وخرجه أبو داود ، وعنده : ولا أعلم إلا أنه قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه . والنضر بن كثير ، قالَ البخاري : فيهِ نظر ، وقال مرة : عنده مناكير . قالَ أبو أحمد الحاكم : هذا حديث منكر من حديث طاوس . وقال العقيلي : لا يتابع النضر عليهِ . وقال ابن عدي : هوَ ممن يكتب حديثه . وخرج لهُ هذا الحديث ، وعنده : أنه كانَ يرفع يديه كلما ركع وسجد ، ويرفع بين السجدتين . وضعف الإمام أحمد النضر هذا . وقال أبو حاتم والدارقطني : فيهِ نظر . وقال النسائي : صالح . وخرج أبو داود من حديث ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن ميمون المكي ، أنه رأى عبد الله بن الزبير يصلي بهم يشير بكفيه حين يقوم ، وحين يركع ، وحين يسجد ، وحين ينهض للقيام ، فيقوم فيشير بيديه . قالَ : فانطلقت إلى ابن عباس ، فقلت : إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا صلاها ، ووصفت لهُ هذه الإشارة ، فقالَ : إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير . إسناده ضعيف .
74 - باب إقَامَةِ الصَّف مِن تَمَامِ الصَّلاةِ 722 - حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليهِ ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ، وأقيموا الصف في الصلاة ؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة ) . 723 - حدثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( سووا صفوفكم ؛ فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة ) . في حديث أبي هريرة : أن إقامة الصف من حسن الصلاة ، والمراد : أن الصف إذا أقيم في الصلاة كانَ ذَلِكَ من حسنها ، فإذا لم يقم نقص من حسنها بحسب ما نقص من إقامة الصف . وفي حديث أنس : أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ، والمراد بإقامتها : الإتيان بها على وجه الكمال . ولم يذكر في القرآن سوى إقامة الصلاة ، والمراد : الإتيان بها قائمة على وجهها الكامل . وقد صرح في هذا الحديث بأن تسوية الصفوف من جملة إقامتها ، فإذا لم تسو الصفوف في الصلاة نقص من إقامتها بحسب ذَلِكَ - أيضا - والله أعلم .
الحديث الثاني : قال : 622 - حدثني إسحاق : أبنا أبو أسامة ، قال : عبيد الله ثنا ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة - وعن نافع ، عن ابن عمر - أن النبي - صلى الله عليه وسلم 623 - وحدثني يوسف بن عيسى : ثنا الفضل بن موسى : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . وقد خرجه البخاري في ( الصيام ) عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، بالإسنادين - أيضا - وفي آخر الحديث : ( فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) . قال القاسم : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا . وقد روي عن عائشة من وجه آخر : من رواية الدراوردي : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ابن أم مكتوم رجل أعمى ، فإذا أذن المؤذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . قالت عائشة : وكان بلال يبصر الفجر . قال هشام : وكانت عائشة تقول : غلط ابن عمر . خرجه الحاكم والبيهقي . قال البيهقي : حديث عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة أصح . وخرجه الإمام أحمد - أيضا - وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) . وفي رواية : وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر . وقد روي نحو هذا اللفظ - أيضا - من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه ابن خزيمة . وقال : فيه نظر ؛ فإني لا أقف على سماع أبي إسحاق لهذا الخبر من الأسود . وقد حمل ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما هذا - على تقدير [أن يكون محفوظا - على أن الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم ، فكان يتقدم] بلال تارة ، ويتأخر ابن أم مكتوم ، وتارة بالعكس . والأظهر - والله أعلم - : أن هذا اللفظ ليس بمحفوظ ، وأنه مما انقلب على بعض رواته . ونظير هذا : ما روى شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن عمته أنيسة بنت خبيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا . كذا روى أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق وغيرهما عن شعبة . ورواه غيرهما ، عن شعبة بالعكس ، وقالوا : ( إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . ورواه سليمان بن حرب وغيره عن شعبة بالشك في ذلك . وقد روى الواقدي بإسناد له ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . خرجه البيهقي . والواقدي ، لا يعتمد [عليه] . والصحيح من ذلك : ما رواه القاسم ، عن عائشة . وما رواه سالم ونافع وعبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وما رواه أبو عثمان ، عن ابن مسعود ؛ فإن هذه الأحاديث كلها صحيحة ، وقد دلت على أن بلالا كان يؤذن بليل . ودل ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي يوسف ، وأبي ثور ، وداود ، وأبي خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . وعليه عمل أهل الحرمين ، ينقلونه خلفا عن سلف ، حتى قال مالك في ( الموطأ ) : لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر . وذكر الشافعي ، أنه فعل أهل الحرمين ، وأنه من الأمور الظاهرة عندهم ، ولم ينكره منكر . وقال الإمام أحمد : أهل الحجاز يقولون : هو السنة - يعني : الأذان بليل . وكذا قال إسحاق : هو سنة . وكذا قال أحمد في رواية حنبل . قال القاضي في ( جامعه الكبير ) والآمدي : وظاهر هذا ، أنه أفضل من الأذان بعد الفجر ، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث ؛ لأنه أبلغ في إيقاظ النوام للتأهب لهذه الصلاة ، فيكون التقديم سنة ، كما : أن كان التثويب في هذا الأذان سنة - أيضا - ؛ لهذا المعنى . وقالت طائفة : هو رخصة ، وهو قول ابن أبي شيبة ، وأومأ إليه أحمد في روايات أخر . فالأفضل عند هؤلاء : الأذان بعد طلوع الفجر ، ويجوز تقديمه . واختلف القائلون : بأن الفجر يؤذن لها بليل في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليل : فالمشهور عند أصحاب الشافعي : أنه يجوز الأذان لها في نصف الليل الثاني ؛ لأنه يخرج به وقت صلاة العشاء المختار . ومنهم من قال : ينبني على الاختلاف في آخر وقت العشاء المختار ، فإن قلنا : ثلث الليل ، أذن للفجر بعد الثلث . ومنهم من قال : يؤذن للفجر في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل ، وفي الصيف لنصف سبع . وروى الشافعي في القديم بإسناد ضعيف ، عن سعد القرظ ، قال : أذنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقباء ، وفي زمن عمر بالمدينة ، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل ، وفي الصيف [لسبع] يبقى منه . ومن الشافعية من قال : يؤذن لها قبيل طلوع في السحر . وصححه جماعة ، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم . وأما أصحابنا ، فقالوا : يؤذن بعد نصف الليل ، ولم يذكروا ذلك عن أحمد . ولو قيل : إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر الأول استدلالا بحديث أبي ذر المتقدم لتوجه . وقد مر بي أن أحمد أومأ إلى ذلك ، أو نص عليه ، ولم أتحققه إلى الآن . وروى الشافعي بإسناده ، عن عروة بن الزبير ، قال : إن بعد النداء بالصبح لحزبا حسنا ، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة . وهذا - أيضا - يدل على قرب الأذان من طلوع الفجر . وأما أصحاب مالك ، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب ، أنه قال : لا يؤذن لها [إلا في السحر . فقيل له : وما السحر ؟ قال : السدس الآخر . قال : وقال ابن حبيب : يؤذن لها] من بعد خروج وقت العشاء ، وذلك نصف الليل . ومع جواز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر ، فيستحب إعادة الأذان لها بعد الفجر مرة ثانية . قال أحمد - في رواية حنبل - : الأذان الذي عليه أهل المدينة الأذان قبل طلوع الفجر ، هو الأذان الأول ، والأذان الثاني بعد طلوع الفجر . وكره أحمد الأذان للفجر قبل طلوع الفجر في رمضان خاصة ؛ لما فيه منع الناس من السحور في وقت يباح فيه الأكل . وقد يستدل له بحديث شداد مولى عياض ، عن بلال المتقدم ذكره ، في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يؤذن حتى يطلع الفجر ؛ فإن في تمام الحديث : أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر . ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى : أنه لا يكره . قال طائفة من أصحابنا : وكراهته إنما هو إذا اقتصر على هذا الأذان ؛ فإن أذن معه أذان ثان بعد طلوع الفجر لم يكره . وعليه يدل حديث ابن عمر وعائشة في هذا الباب . وقالت طائفة من أهل الحديث : لا يؤذن لصلاة الصبح قبل الفجر ، إلا أن يعاد الأذان بعد الفجر في جميع الأوقات ، وهو اختيار ابن خزيمة وغيره ، وإليه ميل ابن المنذر ، وحكاه القاضي أبو الحسن من أصحابنا رواية عن أحمد . ويمكن أن تكون مأخوذة من رواية حنبل التي ذكرنا آنفا . واستدل هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة ، وما في معناها من أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان : أحدهما بليل ، والآخر بعد الفجر . ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث والأحاديث التي رواها العراقيون في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا بإعادة الأذان بعد الفجر ، بأن الأذان كان في أول الأمر بعد طلوع الفجر ، ثم لما أذن بلال بليل وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة أذانه بعد الفجر رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أذانه قبل الفجر مصلحة ، فأقره على ذلك [واتخذ] مؤذنا آخر يؤذن بعد الفجر ؛ ليجمع بين المصالح كلها : إيقاظ النوام ، وكف القوام ، والمبادرة بالسحور للصوام ، وبين الإعلام بالوقت بعد دخوله . وهذا كما روي : أن بلالا هو الذي زاد في أذانه : ( الصلاة خير من النوم ) مرتين في أذان الفجر ، فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأذان لما رأى فيه من زيادة إيقاظ النائمين في هذا الوقت . واستدل الأولون بما خرجه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن زياد ، عن زياد بن نعيم الحضرمي ، عن زياد بن الحارث الصدائي ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فلما كان أول أذان الصبح أمرني فأذنت ، فجعلت أقول أقيم [يا] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ، فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر ، فيقول : ( لا ) ، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني : فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أخا صداء هو أذن ، ومن أذن فهو يقيم ) . قال : فأقمت - وذكر حديثا فيه طول . فهذا يدل على أنه أذن قبل طلوع الفجر واجتزأ بذلك الأذان ، ولم يعده بعد طلوعه . ولمن رجح قول من أوجب الإعادة بعد طلوع الفجر ، أنه يقول : هذا الحديث إسناده غير قوي . وقد خرجه ابن ماجه والترمذي مختصرا . قال الترمذي : إنما نعرفه من حديث الأفريقي ، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث . وقال سعيد البرذعي : سئل أبو زرعة عن حديث الصدائي في الأذان . فقال : الأفريقي ، وحرك رأسه . قلت : وقد اختلف عليه في لفظ الحديث : فخرجه الإمام أحمد عن محمد بن يزيد الواسطي ، عن الإفريقي بهذا الإسناد ، ولفظه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أذن يا أخا صداء ) قال : فأذنت ، وذلك حين أضاء الفجر - وذكر الحديث مختصرا . فهذه الرواية فيها التصريح بأنه إنما أذن بعد إضاءة الفجر وطلوعه . وقد رواه ابن لهيعة ، فخالف الأفريقي في إسناده ، فرواه عن بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم ، عن حبان بن بح الصدائي صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني : في مسير له - ليلة إلى الصباح ، فأذنت بالصلاة لما أصبحت ، وأعطاني إناء وتوضأت منه ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابعه في الإناء ، فانفجر عيونا ، فقال : ( من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ ) - فذكر حديثا ، ولم يذكر فيه : الإقامة . وفي هذه الرواية إنما أذن لما أصبح - أيضا . وقصة الوضوء وتفجر الماء مذكورة - أيضا - في حديث الإفريقي .
13 - باب الأذان قبل الفجر فيه حديثان : الأول : قال : 621 - ثنا أحمد بن يونس : ثنا زهير : ثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يمنعن [أحدكم - أو] أحدا منكم - أذان بلال من سحوره ، فإنه يؤذن بليل - أو ينادي بليل - ليرجع قائمكم ، ولينبه نائمكم ، وليس أن يقول الفجر أو الصبح ) - وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا . وقال زهير : بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ، ثم مدها عن يمينه وشماله . قال علي بن المديني : إسناده جيد ، ولم نجده عن ابن مسعود إلا من هذا الطريق . وقوله : ( ليرجع قائمكم ) . قال الحافظ أبو موسى المديني : لفظ لازم ومتعد ، يقال : رجعته فرجع ، وكأن المحفوظ ( قائمكم ) بالرفع ، ولو روي ( قائمكم ) بالنصب ؛ ليلائم ( نائمكم ) لم نخطئ راويه ، ويكون ( يرجع ) حينئذ متعديا كلفظ : ( يوقظ ) . وفسر رجوع القائم : بأن المصلي يترك صلاته ، ويشرع في وتره ، ويختم به صلاته ، وهذا مما استدل به من يقول : إن وقت النهي عن الصلاة يدخل بطلوع الفجر كما سبق . فذكر لأذانه قبل الفجر فائدتين : إحداهما : إعلام القائم المصلي بقرب الفجر . وهذا يدل على أنه كان يؤذن قريبا من الفجر ، وقد ذكرنا في الباب الماضي ، أنه كان يؤذن إذا طلع الفجر الأول . والثانية : أن يستيقظ النائم ، فيتهيأ للصلاة بالطهارة ؛ ليدرك صلاة الفجر مع الجماعة في أول وقتها ؛ وليدرك الوتر إن لم يكن أوتر ، أو يدرك بعض التهجد قبل طلوع الفجر ، وربما تسحر المريد للصيام حينئذ ، كما قال : ( لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال عن سحوره ) . وفي هذا تنبيه على استحباب إيقاظ النوام في آخر الليل بالأذان ونحوه من الذكر . وخرج الترمذي من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي [بن] كعب ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذهب ثلثا الليل قام ، فقال : ( يا أيها الناس ، اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ، جاء الموت بما فيه ) . وقال : حديث حسن . وفيه دلالة على أن الذكر والتسبيح جهرا في آخر الليل لا بأس به ؛ لإيقاظ النوام . وقد أنكره طائفة من العلماء ، وقال : هو بدعة ، منهم : أبو الفرج بن الجوزي . وفيما ذكرناه دليل على أنه ليس ببدعة . وقد روي عن عمر ، أنه قال : عجلوا الأذان بالفجر ؛ يدلج المدلج ، وتخرج العاهرة . ورواه الشافعي ، عن مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن قيس ، عن عمر . فذكر فيه فائدتين : أحدهما : أن المسافر يدلج في ذلك الوقت ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسافر بالدلجة . وقال : ( إن الأرض تطوى بالليل ) . والدلجة : سير آخر الليل . والثاني : أن من كان معتكفا على فجور ، فإنه يقلع بسماع الأذان عما هو فيه . وأما تفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الفجرين ، فإنه فرق بينهما بأن الأول مستطيل ، يأخذ في السماء طولا ؛ ولهذا مد أصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأها أسفل . والثاني مستطير ، يأخذ في السماء عرضا ، فينتشر عن اليمين والشمال . وهكذا في حديث سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير هكذا ) - وحكاه حماد بن زيد بيده - يعني : معترضا . خرجه مسلم بمعناه . وفي حديث طلق بن علي الحنفي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كلوا واشربوا ، ولا يهيدنكم الساطع المصعد ، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم ) يعني : الأحمر . خرجه أبو داود والترمذي . وقال : حديث حسن . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : ( ليس الفجر المستطيل ، ولكنه المعترض الأحمر ) .
95 - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر ، وما يجهر فيها وما يخافت قد ذكرنا هذا الباب بكماله عند تفسير قوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا في آخر سورة الأعراف ، فأغنى عن إعادته هنا . ولله الحمد .
73 - باب الصَّف الأَولِ 720 - حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الشهداء : الغرق ، والمطعون ، والمبطون ، والهدم ) . 721 - وقال : ( لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ، ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا ) . قد سبق هذا الحديث في ( باب : الاستهام في الأذان ) وفي ( باب : فضل التهجير إلى الظهر ) ، وذكرنا معنى الاستهام على الصف . وقد روي للصف الأول فضائل عديدة : فمنها : أنه على مثل صف الملائكة . خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ - في حديث ذكره - : ( والصف الأول على مثل صف الملائكة ، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه ) . ومنها : أنه خير صفوف الرجال . ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها ) . ومنها : أن الله وملائكته يصلون عليهِ . فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ) . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ( على الصف الأول ) . وخرجه - أيضاً - بهذا اللفظ من حديث عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . والصواب : إرسال إسناده ، قاله أبو حاتم والدارقطني . وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن حديث أبي أمامة ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاثاً ، فقيل لهُ : يا رسول الله ، والثاني ؟ فقالَ - في الثالثة - : ( وعلى الثاني ) . ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لهُ ثلاثاً دون ما بعده . فخرج ابن ماجه من حديث العرباض بن سارية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يستغفر للصف المقدم ثلاثاً ، وللثاني مرة . وخرجه النسائي ، وعنده : ( يصلي ) مكان : ( يستغفر ) . ومنها : أنه أحصن الصفوف من الشيطان . فروى قتادة ، عن أبي قلابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابه : ( أي شجرة أبعد من الخارف والخاذف ؟ ) قالوا : فرعها ، قالَ : ( فكذلك الصف المقدم ، هوَ أحصنها من الشيطان ) . ورواه جماعة ، فقالوا : عن قتادة ، عن أنس . والصواب : عن أبي قلابة ، قاله الدارقطني وغيره ، وأنكر أبو زرعة وصله . وروي نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد ضعيف . ومنها : أن الصلاة فيهِ تقتضي التقدم إلى الله ، فإن التأخر عنه يقتضي التأخر . ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى في أصحابه تأخرا ، فقالَ : ( تقدموا ، فائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل ) . وخرج أبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار ) . واختلف الناس في الصف الأول : هل هوَ الذي يلي الإمام بكل حال ، أم الذي لا يقطعه شيء ؟ وفيه قولان للعلماء . والمنصوص عن أحمد : أن الصف الأول هوَ الذي يلي المقصورة ، وأن ما تقطعه المقصورة فليس هوَ الأول ، نقله عنه المروذي وأبو طالب وأحمد بن القاسم وغيرهم . وقال أبو طالب : سئل أحمد عن الصلاة في المقصورة ، قالَ : لا يصلي فيها ، هوَ الذي يلي المقصورة ، فيخرج من المقصورة فيصلي في الصف الأول . وروى وكيع عن عيسى الحناط ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج إلى المسجد . وعن شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، قالَ : كانَ أصحاب عبد الله - يعني : ابن مسعود - يقولون : الصف الأول الذي يلي المقصورة . وروي ذَلِكَ عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود . وقال الشعبي : المقصورة ليست من المسجد . ذكر ذلك كله وكيع في ( كتابه ) . فأما الصف الذي يقطعه المنبر ، فهل هوَ الصف الأول ، أم لا ؟ قالَ أحمد - في رواية أبي طالب والمروذي وغيرهما - : إن المنبر لا يقطع الصف ، فيكون الصف الأول الذي يلي الإمام وإن قطعه المنبر ، بخلاف المقصورة . وتوقف في ذَلِكَ في رواية الأثرم وغيره . وقالت طائفة : الصف الأول هوَ الذي يلي الإمام بكل حال ، ورجحه كثير من أصحابنا ، ولم أقف على نص لأحمد به . وقال آخرون : الصف الأول المراد به أول من يدخل المسجد للصلاة فيهِ . قالَ ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول ، أفضل ممن تأخر ثم تخطى الصفوف إلى الصف الأول . قالَ : وفي هذا ما يوضح أن معنى فضل الصف الأول : أنه ورد من أجل البكور إليه ، والتقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم . انتهى . وحمل أحاديث فضل الصف الأول على البكور إلى المسجد خاصة لا يصح ، ومن تأمل الأحاديث علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد ، لا تحتمل غير ذَلِكَ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( أتموا الصف المقدم ، ثم الذي يليه ، فما كانَ من نقص فليكن في الصف المؤخر ) .
الثاني : قال : 625 - ثنا محمد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، قال : سمعت عمرو بن عامر الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، قال : كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري ، حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كذلك ، يصلون الركعتين قبل المغرب ، ولم يكن بين الأذان [والإقامة] شيء . قال عثمان بن جبلة وأبو داود ، عن شعبة : ولم يكن بينهما إلا قليل . وحديث ابن مغفل يدل على أن بين كل أذان صلاة وإقامتها صلاة لمن شاء ، فدخل في ذلك المغرب وغيرها ، فدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين . وقد ذكرنا قدر الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في ( باب : وقت المغرب ) . وقد روى حيان بن عبيد [الله العدوي هذا الحديث عن عبد الله] بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن عند كل أذانين ركعتين قبل الإقامة ، ما خلا أذان المغرب ) . خرجه الطبراني والبزار والدارقطني . وقال : حيان بن عبيد الله هذا ليس بقوي ، وخالفه حسين المعلم وسعيد الجريري وكهمس بن الحسن ، وكلهم ثقات . يعني : أنهم رووه عن ابن بريدة ، عن [ابن] مغفل ، بدون هذه الزيادة . وقال الأثرم : ليس هذا بشيء ؛ قد رواه عن [ابن] بريدة ثلاثة ثقات على خلاف ما رواه هذا الشيخ الذي لا يعرف ، في الإسناد والكلام جميعا . وكذلك ذكر ابن خزيمة نحوه ، واستدل على خطئه في استثنائه صلاة المغرب بأن ابن المبارك روى الحديث عن كهمس ، عن [ ابن] بريدة ، عن ابن مغفل ، وزاد في آخره : فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين . وحديث أنس يدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين . فأما قوله في آخر الحديث : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) ، فمراده - والله أعلم - لم يكن شيء كثير ؛ بدليل رواية عثمان بن جبلة وأبي داود الطيالسي التي ذكرها البخاري تعليقا : ( ولم يكن بينهما إلا قليل ) . وقد خرجه النسائي من رواية أبي عامر العقدي ، عن شعبة ، وفي حديثه : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) - كرواية غندر . وقد زعم بعضهم : أن قيام الصحابة للصلاة كان إذا ابتدأ المؤذن في الأذان ، ولم يكن بين الأذان والإقامة ، واستدل برواية من روى : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) . وفي ( صحيح مسلم ) عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كنا بالمدينة ، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري ، فركعوا ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت ، من كثرة من يصليهما . في ( مسند الإمام أحمد ) من حديث معلى بن جابر ، عن موسى بن أنس ، عن أبيه ، قال : كان إذا قام المؤذن فأذن لصلاة المغرب قام من يشاء ، فصلى حتى تقام الصلاة ، ومن شاء ركع ركعتين ، ثم قعد ، وذلك بعيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ومعلى بن جابر ، مشهور ، روى عنه جماعة ، وذكره ابن حبان في ( ثقاته ) . وهذا ظاهر في أنهم كانوا يقومون إذا شرع المؤذن في الأذان ، وأن منهم من كان يزيد على ركعتين . وفيه : رد على إسحاق بن راهويه ، قال : لا يزاد على ركعتين قبل المغرب ، وقد سبق ذكره . وقد خرج الإسماعيلي في ( صحيحه ) من حديث عثمان بن عمر : ثنا شعبة ، عن عمرو بن عامر ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان المؤذن إذا أخذ في أذان المغرب قام لباب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدروا السواري ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إليهم وهم يصلون ، وكان بين الأذان والإقامة قريب . وهذه الرواية صريحة في صلاتهم في حال الأذان ، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة . وقد كان الإمام أحمد يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان الأول للجمعة قام فصلى ركعتين - أو أربعا - على قدر طول الأذان وقصره . ويأتي الكلام على حكم الصلاة قبل المغرب في موضع آخر - إن شاء الله وإنما المقصود هنا : ذكر قدر الفصل بين الأذان والإقامة للمغرب وغيرها . وقد سبق حكم الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في ( باب : وقت المغرب ) . وذكرنا أحاديث في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يفصل بين أذانه وإقامته في ( باب : الإبراد بالظهر ) .
14 - باب كم بين الأذان والإقامة فيه حديثان : الأول : قال : 624 - حدثنا إسحاق الواسطي : ثنا خالد ، عن الجريري ، عن [ابن] بريدة ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( بين كل أذانين صلاة ) - ثلاثا - ( لمن شاء ) . ( إسحاق ) هذا ، يروي عنه في غير موضع عن خالد ، وهو : ابن عبد الله الطحان ، ولا ينسب إسحاق . وقد قيل : إنه ابن شاهين الواسطي .
الحديث الثاني : 759 - ثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين ، يطول في الأولى ويقصر في الثانية ، ويسمع الآية أحياناً ، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين ، وكان يطول في الأولى ، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ، ويقصر في الثانية . في هذا الحديث دليل على استحباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر بسورة سورة مع الفاتحة ، وهذا متفق على استحبابه بين العلماء ، وفي وجوبه خلاف سبق ذكره . وفيه أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم كانت القراءة بسورة تامة ، وهذا هوَ الأفضل بالاتفاق ؛ فإن قرأ السورة في ركعتين لم يكره - أيضاً وقد فعله أبو بكر الصديق . قالَ الزهري : أخبرني أنس ، أن أبا بكر صلى بهم صلاة الفجر ، فافتتح بهم سورة البقرة ، فقرأها في ركعتين ، فلما سلم قام إليه عمر ، فقالَ : ما كنت تفرغ حتَّى تطلع الشمس ، قالَ : لو طلعت لألفتنا غير غافلين . ورخص فيهِ سعيد بن جبير وقتادة وأحمد ، ولا نعلم فيهِ خلافاً إلاّ رواية عن مالك ، وسيأتي حديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالأعراف في ركعتين من المغرب . وفي ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن السائب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الفجر ، فافتتح بسورة المؤمنين ، حتى أتى عليهِ ذكر موسى وهارون ، فأخذته سعلة فركع . وكذلك لو قرأ في ركعة بسورة وفي أخرى ببعض سورة ، وقد روي عن عمر وابن مسعود . وإن قرأ في الركعتين ببعض سورة إما من أوائلها ، أو أواسطها ، أو أواخرها ، ففي كراهته خلاف عن أحمد ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى - ؛ فإن البخاري أشار إلى هذه المسائل . وليس في حديث أبي قتادة تعيين السورتين المقروء بهما في الظهر والعصر ، وقد ورد تعيين السور ، وتقدير قراءته في أحاديث أخر . فخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، قالَ : كنا نحزر قيام رسول الله ، في الظهر والعصر ، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تَنْـزِيلُ السجدة ، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذَلِكَ ، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر قدر قيامه من الأخريين في الظهر ، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذَلِكَ . وفي رواية لهُ أيضاً : كانَ يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية ، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية - أو قالَ : نصف ذَلِكَ - وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة ، وفي الأخريين قدر نصف ذَلِكَ . وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد ، قالَ : اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : تعالوا حتى نقيس قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يجهر به من الصلاة ، فما اختلف منهم رجلان ، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية ، وفي الركعة الأخرى بقدر النصف من ذَلِكَ ، وقاسوا ذَلِكَ في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر . وفي إسناده : زيد العمي ، وفيه مقال . وخرج مسلم - أيضاً - من حديث جابر بن سمرة ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذَلِكَ ، وفي الصبح أطول من ذَلِكَ . وفي رواية : كانَ يقرأ في الظهر سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وعندهم : كانَ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج ، والسماء والطارق ، وشبهها . وقد سبق حديث عمران بن حصين ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، صلى بهم الظهر والعصر ، ثم قالَ : ( أيكم قرأ خلفي بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ؟ ) قالَ رجل : أنا ، قالَ : ( قد علمت أن بعضكم خالجنيها ) . خرجه مسلم أيضاً . وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الظهر ، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات . وخرج النسائي من حديث أنس ، أنه صلى بهم الظهر ، قالَ : إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الظهر : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وذكر الترمذي - تعليقاً - أن عمر كتب إلى أبي موسى ، يأمره أن يقرأ بأوساط المفصل . وهو قول طائفة من أصحابنا . وقال إسحاق : الظهر تعدل في القراءة بالعشاء ، لكنه يقول : إن الظهر يقرأ فيها بنحو الثلاثين آية . وحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم كما تقدم يدل على أن قراءة الظهر أقصر من قراءة الصبح . وقال طائفة : يقرأ في الظهر بطوال المفصل كالصبح ، وهو قول الثوري والشافعي وطائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى في ( جامعه الكبير ) ، لكنه خصه بالركعة الأولى من الظهر . وروى وكيع بإسناده ، عن عمر ، أنه قرأ في الظهر بـ ق وَالذَّارِيَاتِ وعن عبد الله بن عمرو ، أنه قرأ في الظهر بـ كهيعص وروى حرب بإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ ق وَالذَّارِيَاتِ وخرجه ابن جرير ، وعنده : بـ ق وَالنَّازِعَاتِ قالَ : وكان عمر يقرأ بـ ق وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ الَّذِينَ كَفَرُوا و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ وممن رأى استحباب القراءة في الظهر بقدر ثلاثين آية : إبراهيم النخعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق . وقال الثوري وإسحاق : كانوا يستحبون أن يقرأوا في الظهر قدر ثلاثين في الركعة الأولى ، وفي الثانية بنصفها ، زاد إسحاق : أو أكثر . وظاهر كلام أحمد وفعله يدل على أن المستحب أن يقرأ في الصبح والظهر في الركعة الأولى من طوال المفصل ، وفي الثانية من وسطه . وروي عن خباب بن الأرت ، أنه قرأ في الظهر بـ إِذَا زُلْزِلَتِ قالَ أبو بكر الأثرم : الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر أنه كله جائز ، وأحسنه استعمال طول القراءة في الصيف ، وطول الأيام ، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء وقصر الأيام ، وفي الأسفار ، وذلك كله معمول به . انتهى . ومن الناس من حمل اختلاف الأحاديث في قدر القراءة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يراعي أحوال المأمومين ، فإذا علم أنهم يؤثرون التطويل طول ، أو التخفيف خفف ، وكذلك إذا عرض لهُ في صلاته ما يقتضي التخفيف ، مثل أن يسمع بكاء صبي مع أمه ، ونحو ذَلِكَ . وفي حديث أبي قتادة : يطول الركعة الأولى على الثانية . وقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصلوات طائفة من العلماء ، منهم : الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن ، وطائفة من أصحاب الشافعي ، وروي عن عمر رضي الله عنه . وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود حديث أبي قتادة ، وزاد فيهِ : فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، قالَ : لقد كانت صلاة الظهر تقام ، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ، ثم يتوضأ ، ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى ؛ مما يطولها . وقد سبق حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم ، أن قراءته في الثانية كانت على النصف من قراءته في الأولى . وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ، ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن ، لكي يثوب الناس . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يطيل سوى الركعة من الفجر ؛ لأنه وقت غفلة ونوم ، ويسوي بين الركعات في سائر الصلوات . وقال مالك والشافعي : يسوي بين الركعتين الأولتين في جميع الصلوات . واستدل لذلك بقول سعد : ( أركد في الأوليين ) ، وليس بصريح ولا ظاهر في التسوية بينهما . واستدل أيضاً بحديث أبي سعيد ، أنهم حزروا قيام النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة ثلاثين آية ، وقد سبق . ولكن في رواية أحمد وابن ماجه : أن قيامه في الثانية كانَ على النصف من ذَلِكَ ، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة ، فهي أولى . واستدل لهم بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ( سبح ) و ( الغاشية ) و ( الجمعة ) و ( المنافقين ) و ( تَنزِيُلُ السجدة ) و ( هل أَتَى ) و ( ق ) و ( اقتْرَبَتْ ) ، وهي سور متقاربة . وأما تطويل الركعة الثالثة على الرابعة ، فالأكثرون على أنه لا يستحب ، ومن الشافعية من نقل الاتفاق عليهِ ، ومنهم من حكى لأصحابهم فيهِ وجهين . وهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأخريين بسور مع الفاتحة . وقد خرج البزار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الأولى من الظهر ، فلا يزال يقرأ قائماً ما دام يسمع خفق نعال القوم ، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى ، والثالثة أقصر من الثانية ، والرابعة أقصر من الثالثة ، وذكر مثل ذَلِكَ في صلاة العصر والمغرب ، وفي إسناده : أبو إسحاق الحميسي ، ضعفوه . وقد خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) بإسناد أجود من هذا ، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أن فيهِ انقطاعاً ، ولفظه في الظهر : ويجعل الثانية أقصر من الأولى ، والثالثة أقصر من الثانية ، والرابعة كذلك ، وقال في العصر : يطيل في الأولى ، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك ، وقال في المغرب : يطيل في الأولى ، ويقصر في الثانية والثالثة . وهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة . وقوله : ( ويسمعنا الآية أحياناً ) مما يحقق أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في الظهر والعصر ، ويأتي بقية الكلام على ذَلِكَ فيما بعد إن شاء الله تعالى .
الحديث الثالث : 760 - حدثنا عمر - هوَ : ابن حفص بن غياث ثنا أبي ، ثنا الأعمش ، حدثني عمارة ، عن أبي معمر ، قالَ : سألنا خبابا : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهرِ والعصر ؟ ، قالَ : نعم ، قلنا : بأي شيء كنتم تعرفون ذَلِكَ ؟ قالَ : باضطراب لحيته . يعني : بحركة شعر لحيته . هكذا رواه جماعة عن الأعمش . ورواه بعضهم عنه ، قالَ : بتحريك لحيته . ورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، فقالَ : باضطراب لحييه ، بياءين تثنية لحي ، وهو عظم الفك . وقد كانَ غير واحد من الصحابة يستدل بمثل هذا على قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة النهار . وروى سفيان ، عن أبي الزعراء ، عن أبي الأحوص ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : كانت تعرف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر بتحريك لحيته . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضاً - من رواية كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله ، قالَ : تماروا في القراءة في الظهر والعصر ، فأرسلوا إلى خارجه بن زيد ، فقالَ : قالَ أبي : قام ، أو كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام ، ويحرك شفتيه ، فقد أعلم ذَلِكَ لم يكن إلا بقراءة ، فأنا أفعله . وفي هذه الأحاديث دليل على أن قراءة السر تكون بتحريك اللسان والشفتين ، وبذلك يتحرك شعر اللحية ، وهذا القدر لا بد منه في القراءة والذكر وغيرهما من الكلام . فأما إسماع نفسه فاشترطه الشافعي وبعض الحنفية وكثير من أصحابنا . وقال الثوري : لا يشترط ، بل يكفي تصوير الحروف ، وهو قول الحرقي من الحنفية ، وظاهر كلام أحمد . قالَ أبو داود : قيل لأحمد : كم يرفع صوته بالقراءة ؟ فقالَ : قالَ ابن مسعود : من أسمع أذنيه فلم يخافت . فهذا يدل على أن إسماع الأذنين جهر ، فيكون السر دونه . وكذا قالَ ابن أبي موسى من أصحابنا : القراءة التي يسرها في الصلاة يتحرك اللسان والشفتان بالتكلم بالقرآن ، فأما الجهر فيسمع نفسه ومن يليه .
96 - باب القراءة في الظهر فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 758 - حدثنا أبو النعمان ، ثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، قال : قال سعد : قد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشي ، لا أخرم عنها ، أركد في الأوليين ، وأحذف في الأخريين . قال عمر : ذلك الظن بك . صلاة العشي : هي صلاة الظهر والعصر ؛ لأن العشي هو ما بعد الزوال . وركودهُ في الأوليين وتطويله ، إنما هو لطول القراءة ، وقد خالف ابن عباس في ذلك . وقد خرج البخاري فيما بعد من حديث أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر ، وسكت فيما أمر وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فهذا يدل على أن ابن عباس كان يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ في صلاة الظهر والعصر شيئاً . وقد تأوله الإسماعيلي وغيره على أنه لم يكن يجهر بالقراءة ، بل يقرأ سراً وهذا لا يصح ؛ فإن قراءة السر لا تسمى سكوتا . وقد روي عن ابن عباس التصريح بخلاف بذلك . وخرج الإمام أحمد حديث أيوب ، عن عكرمة بزيادة في أوله ، وهي : لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر ، وذكر الحديث . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث موسى بن سالم ، ثنا عبد الله بن عبيد الله ، قال : دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم ، فقلنا لشاب منا : سل ابن عباس : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ؟ قال : لا ، قيل له : فلعله كان يقرأ في نفسه ، فقال : خمشاً ، هذه شر من الأولى ، وكان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به ، وذكر الحديث . وخرج الإمام أحمد من رواية أبي يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، نحو حديث أيوب ، وزاد : قيل له : فلعله كان يقرأ في نفسه ، فغضب منهم ، وقال : أيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وروى ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، أنه سئل : أفي الظهر والعصر قراءة ؟ قال : لا ، قيل له : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ؟ قال : لا ، ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قرأ علم ذلك الناس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود أيضاً من طريق حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ، أم لا ؟ وهذه الرواية تقتضي أنه شك في ذلك ، ولم يجزم فيه بشيء . وخرج الإمام أحمد من رواية الحسن العرني ، عن ابن عباس ، قال : ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ، أم لا ، ولكنا نقرأ . الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس . وروى موسى بن عبد العزيز القنباري ، عن الحكم - هو ابن أبان - عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الظهر والعصر ، ولم يأمرنا به ، وقد بلغ صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ، ولكن في إسناده ضعف . خرجه ابن أبي داود في ( كتاب الصلاة ) من طريق سفيان ، عن زيد العمي ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : رمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحزروا قراءته في الظهر والعصر ، بقدر ( تَنْزِيلُ ) السجدة ، وقال : لم يسنده عن سفيان إلا يزيد بن هارون ، ولم نسمعه من أحد إلا من الحسن بن منصور ، وذكرته لأبي فأعجب به ، وقال : حديث غريب . وزيد العمي ، متكلم فيه .
72 - باب إِقْبالِ الإمَام عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصٌّفٌوفِ 719 - حدثنا أحمد بن أبي رجاء ، ثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة بن قدامة ، ثنا حميد الطويل ، ثنا أنس بن مالك ، قالَ : أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه ، فقالَ : ( أقيموا صفوفكم ، وتراصوا ؛ فإني أراكم من وراء ظهري ) . التراص : هوَ التضام والتداني والتلاصق ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ وفي هذا دليل على أن الإمام يستحب لهُ أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة ، ويأمرهم بتسوية صفوفهم . وقد تقدم حديث النعمان بن بشير في هذا . وخرج النسائي من حديث ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقول : ( استووا ، استووا ، استووا ؛ فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدي ) . وبوب عليهِ : ( كم مرة يقول : استووا ) . يشير إلى أنه يكررها ثلاثا ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا . وخرج أبو داود وابن حبان في ( صحيحه ) من حديث محمد بن مسلم - صاحب المقصورة - قالَ : صليت إلى جنب أنس يوماً ، فقالَ : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ قلت : لا والله ، قالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ، ثم التفت ، فقالَ : ( اعتدلوا ، سووا صفوفكم ) . وخرج الدارقطني والحاكم من حديث حميد ، عن أنس ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة قالَ هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ، ثم يقول : ( استووا وتعادلوا ) . وروى مالك في ( الموطأ ) عن نافع ، أن عمر كانَ يأمر بتسوية الصفوف ، فإذا أخبروه أن قد استوت كبر . وعن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، عن عثمان بن عفان ، أيضاً . وروى عمرو بن ميمون ، قالَ : كانَ عمر إذا أقيمت الصلاة أقام الصف ، حتى إذا لم ير فيهِ خللاً كبّر ، خرجه الأثرم . وروى وكيع بإسناده ، عن كعب بن مرة ، قالَ : إن كنت لأدع الصف المقدم من شدة قول عمر : استووا . وبإسناده ، عن ابن عمر ، أن عمر كانَ يبعث رجالاً يقيمون الصفوف في الصلاة . وروى أبو نعيم بإسناده ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : كانَ يسوي صفوفنا ، ويقول : سووا تراحموا ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم .
15 - باب من انتظر الإقامة 626 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أبنا عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . قول عائشة : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن ) - أي : فرغ من أذانه . قولها : ( بالأولى [من] صلاة الفجر ) - تعني : بالمرة الأولى . وهذا يحتمل أن تكون أرادت به أنه كان يصلي الركعتين قبل فراغ المؤذن من أذانه قبل الإقامة ، فإن الأذان والإقامة يسميان أذانين ، كما في حديث عبد الله بن مغفل المتقدم ، ويحتمل أن تكون أرادت أن الأذان نفسه كان يكرر مرتين ، فيؤذن بلال وبعده ابن أم مكتوم ، فكانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلال قبل أذان ابن أم مكتوم ، إذا تبين الفجر للنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، ولم يتوقف على أذان ابن أم مكتوم ، فإن ابن أم مكتوم كان يسفر بأذان الفجر ، ولا يؤذن حتى يقال له : أصبحت . فإن قيل : فكيف أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأكل في الصيام إلى أذان ابن أم مكتوم ، والأكل يحرم بمجرد طلوع الفجر ؟ وقد روي في حديث أنيسة : أنهم كانوا يأمرونه أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحور . قيل : هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس ، وقد تأول بعضهم قولهم لابن أم مكتوم : أصبحت ، أصبحت على أن المراد قاربت الصباح [بعد تبين طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء] . والأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة جدا . وليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشرب إلى انتشار الضوء على وجه الأرض ؛ فإن ذلك قول شاذ منكر عند جمهور العلماء ، وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة - إن شاء الله تعالى . وسيأتي الكلام على الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وإنما المقصود هنا : قولها : ( حتى يأتيه المؤذن للإقامة ) ؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة ، وأن يؤخر دخول المسجد خارجا منه حتى تقام الصلاة ، فيدخل حينئذ . وهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب ، وأراد بذلك مخالفة من كره انتظار الإقامة ، فإن طائفة من السلف كرهوه وغلظوا . حتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قال : هو هرب من دين محمد والإسلام . وقد كرهه من المتأخرين من أصحابنا ، وقالوا : يكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة أن يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة ، ذلك تفوت به فضيلة السبق إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه ، ولحقوق الصف الأول . وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التهجير إلى الصلاة ، وهو القصد إلى المساجد في الهجير ، إما قبل الأذان أو بعده ، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال للذين انتظروه إلى قريب من شطر الليل لصلاة العشاء : ( إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ) . وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان ، منهم : سعيد بن المسيب ، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر . وقال ابن عيينة : لا تكن مثل أجير السوء ، لا يأتي حتى يدعى . يشير إلى أنه يستحب إتيان المسجد قبل أن ينادي المؤذن . وقال بعض السلف في قول الله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ إنهم أول الناس خروجا إلى المسجد وإلى الجهاد . وفي قوله : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال مكحول : التكبيرة الأولى مع الإمام . وقال غيره : التكبيرة الأولى والصف الأول . قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر ، وإن صلى في الصف الأول . وروى المعافى ، عن سفيان الثوري ، قال : مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة . فمن كان فارغا لا شغل له ، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد ، أو قريبا منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخل المسجد ، وخصوصا إن كان على غير طهارة ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة ، فهو مقصر راغب عن الفضائل المندوب إليها . ولكن هذا كله في حق المأموم ، وقد تقدم من حديث أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته . وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم فأما الإمام ، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس ، فهذا غير مكروه بالإجماع ، وهذه كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم وفي حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، واضطجع حتى يأتيه المؤذن بالإقامة ؛ فإن الإقامة إنما تكون بإذن الإمام ، أو عند خروجه إلى الناس ، بخلاف الأذان . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه . وقال علي : المؤذن أملك بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة . خرجه البيهقي . وقال : روي من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، وليس بمحفوظ .
97 - باب القراءة في العصر 761 - حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر ، قالَ : قلنا لخباب بن الأرت : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ؟ قالَ : نعم ، قلت : بأي شيء كنتم تعلمون قراءته ؟ قالَ : باضطراب لحيته . 762 - حدثنا مكي بن إبراهيم ، عن هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورةٍ ، ويسمعنا الآية أحيانا . هذان الحديثان سبقا في الباب الماضي . والمقصود منهما هاهنا : القراءة في صلاة العصر . وقد ذكرنا حديث أبي سعيد الخدري الذي خرجه مسلم ، وفيه : أن قيامه في الركعتين الأوليين من صلاة العصر كانَ على قدر قيامه في الأخريين من الظهر . وفي رواية : أنه قدر خمس عشرة آية . وفي رواية ابن ماجه : أن قيامه في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر . واختلف العلماء في قدر القراءة في العصر : فقالَ النخعي : العصر مثل المغرب في القراءة . يعني : أن قراءتها تخفف . وعنه قالَ : تضاعف الظهر على العصر أربعة أضعاف . وكذا قالَ الثوري في قراءة العصر : إنها كقراءة المغرب بقصار المفصل . وقال إسحاق : الظهر يعدل في القراءة بالعشاء ، والعصر تعدل المغرب . يعني : أنه يقرأ فيها بقصار المفصل . وسيأتي في الباب الذي بعده في تقصير العصر حديث مرفوع . وقالت طائفة : قراءة العصر على نصف قراءة الظهر ، وقراءة الظهر نحو ثلاثين آية ، ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد ، واحتج بحديث أبي سعيد الخدري . وقال أصحاب الشافعي : يقرأ في الصبح بطوال المفصل كالحجرات والواقعة ، وفي الظهر بقريب من ذَلِكَ ، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل ، وفي المغرب بقصاره ، وإن خالف وقرأ بالطول أو أقصر جاز . وقالت طائفة : يسوى بين قراءة الظهر والعصر ، روي ذَلِكَ عن أنس بن مالك ، وروي عن ابن عمر من وجه ضعيف . وحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم يشهد لذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذَلِكَ .
16 - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء 627 - حدثنا عبد الله بن يزيد : ثنا كهمس بن الحسن ، عن عبد الله بن بريدة ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، ثم قال في الثالثة : لمن شاء . لا اختلاف أن المراد بالأذانين في الحديث : الأذان والإقامة ، وليس المراد الأذانين المتواليين ، وإن كانا مشروعين كأذان الفجر إذا تكرر مرتين . وقد توقف بعضهم في دخول الصلاة بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة في هذا الحديث ؛ لأنهما أذانان مشروعان ، وعلى ما قررناه : لا يدخل في الحديث ، وكما لا تدخل الصلاة بين الأذان الأول والثاني للفجر ، وإن كانت الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال حسنة مندوبا إليها ؛ لأدلة أخرى ، تذكر في الجمعة - إن شاء الله . وحديث ابن مغفل يدخل فيه : الصلاة بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات الخمس ، فأما أذان الصبح فيشرع بعده ركعتا الفجر ، ولا يزاد عليهما عند جمهور العلماء . حتى قال كثير منهم : إن من صلى ركعتي الفجر في بيته ، ثم دخل المسجد . يعني أن الأظهر عنه أنه لا يصلَّى في أوقات النهي شيء من ذوات الأسباب ولا غيرها . وعنه رواية أخرى ، أنه يصلى ذوات الأسباب ، كقول الشافعي ، فيصلي الداخل حينئذ تحية المسجد ثم يجلس . وقد تقدمت هذه المسألة في الكلام على أحاديث النهي مستوفاة . وأما الظهر ، فإنه يستحب التطوع قبلها بركعتين أو أربع ركعات ، وهي من الرواتب عند الأكثرين . وقد روي في الصلاة عقب زوال الشمس أحاديث ، في أسانيد في أكثرها مقال . وبكل حال ؛ فما بين الأذانين للظهر هو وقت صلاة ، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر . وأما بين الأذانين لصلاة العصر ، فهذا الحديث يدل على أنه يشرع بينهما صلاة ، وقد ورد في الأربع قبل العصر أحاديث متعددة ، وفي الركعتين - أيضا . واختلفوا : هل يلتحق بالسنن الرواتب ؟ والجمهور على أنها لا تلتحق بها . وأما بين الأذانين قبل المغرب ، فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة فيه . وقد اختلف العلماء في ذلك : فمنهم من كرهه ، وقال : لا يزول وقت النهي حتى يصلى المغرب ، وهو قول الكوفيين وغيرهم . ومنهم من قال : باستحبابها ، وهو رواية عن أحمد ، وقول طائفة من السلف ؛ لهذا الحديث ؛ ولحديث أنس في الباب الماضي . ومنهم من قال : هي مباحة ، غير مكروهة ولا مستحبة ، والأمر بها إطلاق من محظور ، فلا يفيد أكثر من الإباحة ، وهو رواية عن أحمد ، وسيأتي القول فيها بأبسط من هذا في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وأما الصلاة بين الأذانين للعشاء ، فهي كالصلاة بين الأذانين للعصر ودونها ؛ فإنا لا نعلم قائلا يقول بأنها تلتحق بالسنن الرواتب .
71 - باب تَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ 717 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، ثنا شعبة ، قالَ : أخبرني عمرو بن مرة ، قالَ : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قالَ : سمعت النعمان بن بشير ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . 718 - حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( أتموا الصفوف ؛ فإني أراكم خلف ظهري ) . حديث النعمان ، خرجه مسلم من رواية سماك بن حرب ، عنه ، بزيادة ، وهي في أوله ، وهي : ( كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح ، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر ، فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقالَ : عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . ومعناه : أنه كانَ يقوم الصفوف ويعدلها قبل الصلاة كما يقوم السهم . وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار - ) . وظاهر هذا الوعيد يدل على تحريم ما توعد عليهِ . وفي ( مسند الإمام أحمد ) بإسناد فيهِ ضعف ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لتسون الصفوف ، أو لتطمسن وجوهكم ، ولتغضن أبصاركم ، أو لتخطفن أبصاركم ) . وقد خرج البيهقي حديث سماك ، عن النعمان ، الذي خرجه مسلم بزيادة في آخره ، وهي : ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم يوم القيامة ) . وهذه الزيادة تدل على الوعيد على ذَلِكَ في الآخرة ، لا في الدنيا . وقد روي الوعيد على ذلك باختلاف القلوب ، والمراد : تنافرها وتباينها . فخرج مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ، ويقول : ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) . وسيأتي من حديث النعمان بن بشير - أيضا - نحوه . وخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث البراء بن عازب . وأما أمره في حديث أنس بإقامة الصفوف ، فالمراد به : تقويمها . وقوله : ( فإني أراكم من وراء ظهري ) إعلام لهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يخفى عليهِ حالهم في الصلاة ؛ فإنه يرى من وراء ظهره كما يرى من بين يديه ، ففي هذا حث لهم على إقامة الصفوف إذا صلوا خلفه . وقد سبق القول في رؤيته وراء ظهره ، وأنه صلى الله عليه وسلم وإن كانَ الله قد توفاه ونقله من هذه الدار ، فإن المصلي يناجي ربه وهو قائم بين يدي من لا يخفى عليهِ سره وعلانيته ، فليحسن وقوفه وصلاته ؛ فإنه بمرأى من الله ومسمع . وقد روي أن تسوية الصفوف وإقامتها توجب تآلف القلوب : فروى الطبراني من طريق سريج بن يونس ، عن أبي خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استووا تستوي قلوبكم ، وتماسوا تراحموا ) . قالَ سريج : ( تماسوا ) يعني : ازدحموا في الصلاة . وقال غيره : ( تماسوا ) : تواصلوا . واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به ؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء ، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وأقسم بالصافات صفا ، وهم الملائكة . وفي ( صحيح مسلم ) عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ) الحديث . وفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة ، قالَ : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها ؟ ) فقلنا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قالَ : ( يتمون الصفوف الأولى ، ويتراصون في الصف ) . وروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة ، قالَ : كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ، ثم قالَ : أقيموا صفوفكم ، استووا قياما ، يريد الله بكم هدي الملائكة ، ثم يقول : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ تأخر فلان ، تقدم فلان ، ثم يتقدم فيكبر . وروى ابن جريج ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ، قالَ : كانوا لا يصفون في الصلاة ، حتى نزلت : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة : صفهم في الصلاة ، كصفهم في القتال .
17 - باب من قال : ليؤذن في السفر مؤذن واحد 628 - ثنا معلى بن أسد : ثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيما رقيقا ، فلما رأى شوقنا إلى أهلنا ، قال : ( ارجعوا ، فكونوا فيهم ، وعلموهم ، وصلوا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . مراده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مالك بن الحويرث وأصحابه بالرجوع إلى أهلهم ، وأمرهم إذا حضرت الصلاة أن يؤذن أحدهم ، كان دليلا على أن المسافرين لا يشرع لهم تكرير الأذان وإعادته مرتين في الفجر ولا في غيره . ويعضد هذا : أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له في السفر مؤذنان ، يؤذن أحدهما بعد الآخر . وحديث زياد بن الحارث الصدائي المتقدم يدل على ذلك . ولكن اللفظ الذي ساقه البخاري في هذا الباب إنما يدل على أنه أمرهم بذلك إذا رجعوا إلى أهليهم ، لا أنه أمرهم به في سفرهم قبل وصولهم ، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي ، وترجم عليه النسائي : ( اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر ) . وقد خرجه البخاري في الباب الذي يلي هذا بلفظ صريح ، بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم وسفرهم ، فكان تخريجه بذلك اللفظ في هذا الباب أولى من تخريجه بهذا اللفظ الذي يدل على أنه لم يأمرهم بذلك في السفر . فإن قيل : بل قوله : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ) عام في السفر والحضر ، ولا يمنع من عمومه تخصيص أول الكلام بالحضر . قيل : إن سلم ذلك لم يكن فيه دليل على أنه لا تستحب الزيادة على مؤذن واحد في السفر خاصة ، لأن الكلام إذا كان شاملا للحضر والسفر فلا خلاف أنه في الحضر لا يكره اتخاذ مؤذنين ، فكيف خص كراهة ذلك بالسفر وقد شملها عموم واحد ؟ وفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي ، عن أبيه ، أنه لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( إذا حضرت صلاة فليؤذن لكم أحدكم ) - وذكر الحديث . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وأمره هذا لا يختص بحال سفرهم ، بل يشمل سفرهم وإقامتهم في حيهم .
الحديث الثاني . 764 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم ، قالَ : قالَ لي زيد بن ثابت : مَا لكَ تقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين ؟ طولى : وزنه فعلى ، والطوليين : تثنية الطولى . ويقال : إنه هاهنا أراد الأعراف ؛ فإنها أطول من صاحبتها الأنعام ، ذكره الخطابي . وخرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن جريج أيضاً ، وعنده : ( بقصار المفصل ) ، وزاد فيهِ : قالَ : قلت : وما طولى الطوليين ؟ قالَ : الأعراف ، قالَ : فسألت ابن أبي مليكة ، فقالَ لي من قبل نفسه : المائدة والأعراف . وخرجه النسائي - أيضاً وعنده : بقصار السور ، وعنده : بأطول الطوليين ، قلت : يا أبا عبد الله ، ما أطول الطوليين ؟ قالَ : الأعراف . وهذا يدل على أن المسئول والمخبر هوَ عروة . ثم خرجه من طريق شعيب بن أبي حمزة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب الأعراف ، فرقها في ركعتين . وخرجه - أيضاً - من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث ، عن زيد بن ثابت ، قالَ لمروان : أتقرأ في المغرب بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : فمحلوفة ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأطول الطوليين المص . فهذه ثلاثة أنواع من الاختلاف في إسناده : أحدها : عروة ، عن مروان ، وهي رواية ابن أبي مليكة عنه . وهذا أصح الروايات عندَ البخاري ، وكذلك خرجه في ( صحيحه ) ، ونقل عنه ذَلِكَ الترمذي في ( علله ) صريحاً ، ووافقه الدارقطني في ( العلل ) . والثاني : عروة ، عن عائشة ، وهي رواية شعيب بن أبي حمزة ، عن هشام ، عن أبيه . وقد قال أبو حاتم الرازي : إنه خطأ . والثالث : عروة ، عن زيد ، من غير واسطة ، وهي رواية أبي الأسود ، عن عروة . وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زيد ، منهم : يحيى القطان والليث بن سعد وحماد بن سلمة وغيرهم . وصحح ذلك ابن حبان ، ورجحه الدارقطني في جزء له مفرد علقه على أحاديث عللها من صحيح البخاري . وقد اختلف في إسناده عن هشام بن عروة . فقيل : عنه ، عن أبيه ، عن عائشة . وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت . وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي أيوب وزيد معا . وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي أيوب - أو زيد - بالشك في ذلك . وهو الصحيح عن هشام ، قاله البخاري ، حكاه الترمذي عنه في ( علله ) ، وقاله أيضاً الدارقطني في ( علله ) وقالا : كانَ هشام يشك في إسناده . وقال ابن أبي الزناد : عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، عن زيد . خرجه الإمام أحمد من طريقه . وهذا موافق لقول ابن أبي مليكة ، عن عروة . وروي عن هشام ، عن أبيه ، مرسلاً . وفي رواية عن هشام : سورة الأنفال ، بدل الأعراف . ولعل مسلماً أعرض عن تخريج هذا الحديث لاضطراب إسناده ؛ ولأن الصحيح عنده إدخال ( مروان ) في إسناده ، وهو لا يخرج لهُ استقلالاً ، ولا يحتج بروايته . والله سبحانه وتعالى أعلم . وسيأتي حديث جبير بن مطعم في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بالطور ، في الباب الذي يلي هذا ، إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد اختلف في القراءة في المغرب : فذهبت طائفة من السلف إلى تطويلها ، وقد سبق عن زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان القراءة فيها بقصار المفصل . وروي عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ فيها بـ يس . وروي عنه مرفوعاً ، والموقوف أصح ، ذكره الدارقطني في ( علله ) . وخرج العقيلي المرفوع ، وقال : هوَ غير محفوظ . وخرج الدارقطني في ( علله ) أيضاً من رواية عامر بن مدرك ، ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت وتراً ، فلما رجع إلى المدينة صلى مع كل ركعتين ركعتين ، إلا المغرب والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيهما القراءة . وهذا لفظ غريب . وقد سبق في أول ( المواقيت ) بلفظ آخر : إلا المغرب ؛ لأنها وتر ، والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيها القراءة . وهذا اللفظ أصح . وذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب . روى مالك في ( الموطأ ) بإسناده عن الصنابحي ، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ، فصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب ، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ، ثم قام في الركعة الثالثة ، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه ، فسمعته قرأ بأم القرآن ، وبهذه الآية رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا الآية . وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ، أن يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل . ذكره الترمذي تعليقاً ، وخرجه وكيع . وروى وكيع في ( كتابه ) عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، قالَ : سمعت عمر يقرأ في المغرب في الركعة الأولى بالتين والزيتون ، وفي الثانية أَلَمْ يَجْعَلْ و لإِيلافِ قُرَيْشٍ وعن الربيع ، عن الحسن ، أنه كانَ يقرأ في المغرب إِذَا زُلْزِلَتِ وَالْعَادِيَاتِ لا يدعهما ، قالَ الربيع : وحدثني الثقة عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يدعهما في المغرب . وخرج أبو داود في ( سننه ) عن ابن مسعود ، أنه قرأ في المغرب : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وعن هشام بن عروة ، أن أباه كانَ يقرأ في المغرب بنحو ما تقرأون وَالْعَادِيَاتِ ونحوها من السور . وهذا مما يعلل به حديثه عن مروان ، عن زيد بن ثابت ، كما تقدم . وكان النخعي يقرأ في المغرب أَلَمْ يَجْعَلْ أو لإِيلافِ قُرَيْشٍ وذكر الترمذي : أن العمل عندَ أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليهِ . وممن استحب ذَلِكَ ابن المبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال : كانوا يستحبون ذَلِكَ . وقد دل على استحباب ذَلِكَ ما روى الضحاك بن عثمان ، عن بكير بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان . قالَ سليمان : يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ، ويخفف العصر ، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وخرج ابن ماجه بعضه . وفي رواية للنسائي : ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها ، ويقرأ في الصبح سورتين طويلتين . وفي رواية للإمام أحمد : قالَ الضحاك : وحدثني من سمع أنس بن مالك يقول : ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى ، قالَ الضحاك : فصليت خلف عمر بن عبد العزيز ، فكان يصنع مثلما قالَ سليمان بن يسار . وخرج ابن سعد وغيره حديث أنس ، عن ابن أبي فديك ، عن الضحاك ، قالَ : حدثني يحيى بن سعيد - أو شريك بن أبي نمر ، لا ندري أيهما حدثه - عن أنس ، فذكر الحديث . والفتى : هوَ عمر بن عبد العزيز ، كذا قالَ ابن أبي فديك ، عن الضحاك بالشك . ورواه الواقدي ، عن الضحاك ، عن شريك ، من غير شك . فهذا حديث صحيح عن أبي هريرة وأنس ، ويدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في المغرب بقصار المفصل . ويشهد لهُ أيضاً ما خرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قالَ : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة . فهذا يدل على إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة سور المفصل في الصلوات الجهريات الثلاث : قصارها ، وطوالها ، ومتوسطها ، فإن كانَ يقرأ في الصبح بطوال المفصل ، وفي المغرب بقصاره ، وفي العشاء بأوساطه ؛ فهوَ موافق لحديث أبي هريرة وأنس ، وهذا هوَ الظاهر ، وإن كان يقرأ بقصار سور المفصل في العشاء أو في الصبح ، فقراءتها في المغرب أولى . وخرج النسائي من رواية سيفان ، عن محارب بن دثار ، عن جابر ، قالَ : مر رجل من الأنصار بناضحين على معاذ ، وهو يصلي المغرب ، فافتتح سورة البقرة ، فصلى الرجل ، ثم ذهب ، فبلغ ذَلِكَ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( أفتان يا معاذ ؟ أفتان يا معاذ ؟ ألا قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ونحوهما ) . ورواه مسعر ، عن محارب بن دثار ، قالَ في حديثه : ( إنما يكفيك أن تقرأ في المغرب بالشمس وضحاها وذواتها ) . ورواه أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن محارب ، وقال في حديثه : ( ألا يقرأ أحدكم في المغرب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا . وخرج ابن ماجه : حدثنا أحمد بن بديل ، ثنا حفص بن غياث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ابن بديل ، قالَ النسائي : ليس به بأس ، وقال ابن أبي حاتم : محله الصدق ، وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أنكرت عليهِ ، ويكتب حديثه مع ضعفه . وقد أنكر عليهِ هذا الحديث بخصوصه أبو زرعة الرازي وغيره ، وقالَ الدارقطني : لم يتابع عليهِ . قلت : وقد تابعه عبد الله بن كرز على إسناده ، فرواه عن نافع ، عن ابن عمر ، وخالفه في متنه ، فقالَ : إن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في المغرب بالمعوذتين . ولم يتابع عليهِ ، قالَ الدارقطني : ليس بمحفوظ ، وابن كرز ضعيف . وروى سعيد بن سماك بن حرب : ثنا أبي ، ولا أعلمه إلا عن جابر بن سمرة ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة : سورة الجمعة والمنافقين . خرجه الحاكم والبيهقي . وروي عن أبي عثمان الصابوني أنه صححه ، وكان يعمل به حضراً وسفراً . وعن ابن حبان أنه ذكر في ( ثقاته ) : أن المحفوظ عن سماك مرسلا . وسعيد بن سماك بن حرب ، قالَ أبو حاتم الرازي : متروك الحديث . قالَ علي بن سعيد : قلت لأحمد : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب بالطور والأعراف والمرسلات ؟ قالَ : قد روي عنه ذَلِكَ ، حديث معاذ . وأشار أبو داود إلى نسخ القراءة بالأعراف ، واستدل لهُ بعمل عروة بن الزبير بخلافه ، وهو راويه . وقد قالَ طائفة من السلف : إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كانَ عليهِ أبو بكر وعمر . يعني : أن ما عملا به فهوَ الذي استقر عليهِ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم عنهما القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وعضد ذَلِكَ - أيضاً - حديث عثمان بن أبي العاص ، أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن يخفف ، ووقت لهُ أن يقرأ بـ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وأشباهها من السور . وعثمان بن أبي العاص قدم مع وفد ثقيف بعد فتح مكة ، وذلك في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم . فإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان : أحدهما : يكره ، وهو قول مالك . والثاني : لا يكره ، بل يستحب ، وهو قول الشافعي ؛ لصحة الحديث بذلك ، حكى ذَلِكَ الترمذي في ( جامعه ) ، وكذلك نص أحمد على أنه لا بأس به . ولكن إن كانَ ذَلِكَ يشق على المأمومين ، فإنه يكره أن يشق عليهم ، كما سبق ذكره . وهذا على قول من يقول بامتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق ظاهر ، فأما على قول من يقول : إن وقتها وقت واحد مضيق فمشكل . وكذلك كرهه مالك . وأما أصحاب الشافعي ، فاختلفوا فيمن دخل فيها في أول وقتها : هل لهُ أن يطيلها ويمدها إلى مغيب الشفق ، أم لا ؟ على وجهين . ورجح كثير منهم جوازه ؛ لحديث زيد بن ثابت ، فأجازوا ذَلِكَ في الاستدامة دون الابتداء ، والله أعلم .
98 - باب القراءة في المغرب فيهِ حديثان : الأول : 763 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أنه قالَ : إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فقالَت : يا بني ، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب . وخرجه مسلم من طريق مالك وسفيان ومعمر وصالح بن كيسان ، كلهم عن الزهري بنحوه . وزاد صالح في حديثه : ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله . والمراد - والله أعلم - ما صلى بعدها إماماً بالناس . وخرجه الترمذي من حديث ابن إسحاق ، عن الزهري ، ولفظه : قالَ : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه ، فصلى المغرب ، ثم قرأ بالمرسلات ، فما صلى بها بعد حتى لقي الله . وخرجه الطبراني من رواية أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن أبي رشدين - وهو : كريب عن أم الفضل ، أنها كانت إذا سمعت أحداً يقرأ بالمرسلات ، قالت : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قرأ في المغرب بالمرسلات ، ثم لم يصل لنا عشاء حتى قبضه الله . وهذا يبين أن المعنى أنه لم يصل لهم بعدها صلاة المغرب إماماً . ولكن قوله : ( عن كريب ) في هذا الإسناد وهم ، إنما هوَ : عبد الله بن عباس . وخرج النسائي من حديث موسى بن داود ، عن عبد العزيز الماجشون ، عن حميد ، عن أنس ، عن أم الفضل ، قالت : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته المغرب ، فقرأ بالمرسلات ، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض الله روحه صلى الله عليه وسلم . وهذا الإسناد كلهم ثقات ، إلا أنه معلول ، فإن الماجشون روى عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد ، ثم قالَ الماجشون عقب ذَلِكَ : وذكر لي عن أم الفضل ، فذكر هذا الحديث ، فوهم فيهِ موسى بن داود ، فساقه كله عن حميد ، عن أنس ، ذكر ذَلِكَ أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .
الحديث الأول : 629 - ثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا شعبة ، عن المهاجر أبي الحسن ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن ، فقال له : ( أبرد ) . ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : ( أبرد ) . ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : ( أبرد ) ، حتى ساوى الظل التلول ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن شدة الحر من فيح جهنم ) . هذا الحديث قد خرجه البخاري فيما سبق في ( أبواب : وقت صلاة الظهر ) . ومقصوده منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذن له في السفر . وقد تقدم الكلام على الإبراد ، وهل كان بالأذان أو بالإقامة . وقوله في هذه الرواية : ( حتى ساوى الظل التلول ) ظاهره أنه أخر صلاة الظهر يومئذ إلى أن صار ظل كل شيء مثله ، وهو آخر وقتها . وهذا يحتمل أمرين : أحدهما : أنه صلاها في آخر وقتها قبل دخول وقت العصر . والثاني : أنه أخرها إلى دخول وقت العصر وجمع بينهما في وقت العصر . فإن كان قد أخرها إلى وقت العصر استدل بالحديث حينئذ على أن تأخير الصلاة الأولى من المجموعتين إلى وقت الثانية للجمع في السفر لا يحتاج إلى نية الجمع ؛ لأنهم كانوا يؤذنونه بالصلاة في وقتها ، وهو يأمر بالتأخير ، وهم لا يعلمون أنه يريد جمعها مع الثانية في وقتها ، ولا أعلمهم بذلك . ولكن الأظهر هو الأول ، ولا يلزم من مصير ظل التلول مثلها أن يكون قد خرج وقت الظهر ؛ فإن وقت الظهر إنما يخرج إذا صار ظل الشيء مثله بعد الزوال . وقد خرجه البخاري فيما تقدم من وجهين عن شعبة ، وفيهما : ( حتى رأينا فيء التلول ) . ويدل على هذا : أنه إنما أمره بالإبراد ، لا بالجمع .
الحديث الثاني : 630 - ثنا محمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث ، قال : أتى رجلان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريدان السفر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ، ثم ليؤمكما أكبركما ) . في هذه الرواية : التصريح بأنه أمرهما بذلك من حين خروجهما من المدينة مسافرين . وخرجه النسائي ، ولفظه : قال : ( إذا سافرتما ، فأذنا وأقيما ) . ولكنه أمرهما معا بالأذان والإقامة ، فهذا إما أن يحمل على أذانهما مجتمعين أو منفردين . وبكل حال ؛ فيدل على أنه يستحب في السفر الزيادة على مؤذن واحد . فهذه رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة تخالف رواية أيوب عن أبي قلابة في ألفاظ عديدة من هذا الحديث . قال الإمام أحمد : لا أعلم أحدا جاء به إلا خالد - يعني : في الأذان والإقامة في السفر - وقال : هذا شديد على الناس : انتهى . وقد روي بلفظ آخر عن خالد الحذاء ، وهو : ( إذا حضرت الصلاة ) - من غير ذكر سفر ولا حضر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر .
الحديث الثالث : قال : 632 - [ثنا] مسدد : ثنا يحيى ، عن عبيد الله بن عمر ، قال : حدثني نافع ، قال : أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ، ثم قال : صلوا في رحالكم ، وأخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مؤذنا يؤذن ، ثم يقول على إثره : ( ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر ) . ( ضجنان ) : بالضاد المعجمة والجيم ، كذا محركتان ، كذا قيده صاحب ( معجم البلدان ) ، وقال : هو جبل بتهامة ، وقيل : هو على بريد من مكة وقيل : بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا . والمتداول بين أهل الحديث : أنه بسكون الجيم . وقد روى هذا الحديث ، عن نافع : مالك - وقد خرج البخاري حديثه في موضع ويحيى الأنصاري ، وأيوب السجستاني . وفي رواية ابن علية ، عنه : أن الذي نادى بضجنان هو منادي النبي - صلى الله عليه وسلم والظاهر : أنه وهم . ورواه ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - بذاك بالمدينة في الليلة المطيرة ، والغداة القرة . خرجه أبو داود . فخالف الناس في ( ذكر المدينة ) ، وفي أنه إنما كان يأمر المنادي أن يقوله بعد تمام أذانه . وقد روي معنى حديث ابن عمر من حديث أبي المليح بن أسامة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) والحاكم وصححه . وفي حديث ابن عمر : دليل على أن الأذان في السفر مشروع في غير صلاة الفجر ليلا [كان ينادي بذلك ليلا] .
الحديث الرابع : قال : 633 - ثنا إسحاق : أبنا جعفر بن عون : ثنا أبو العميس ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، فجاءه بلال فآذنه بالصلاة ، ثم خرج بلال بالعنزة حتى ركزها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، وأقام الصلاة . في هذه الرواية : التصريح بالإقامة دون الأذان ، وكان ذلك بالأبطح في حجة الوداع . وقد خرج البخاري فيه ذكر الأذان في الباب الآتي ، ولكن اختصره ، وسنذكره بتمامه فيه - إن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديث : أن بلالا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة ، وخرج بين يديه بالعنزة ، وأقام الصلاة ، وهذا موافق لحديث عائشة المتقدم الذي خرجه البخاري في ( باب : انتظار الإقامة ) . وقد دلت هذه الأحاديث على مشروعية الأذان في السفر لجميع الصلوات ، فإن منها ما فيه الأذان في السفر ليلا كحديث ابن عمر ، ومنها ما فيه الأذان في السفر نهارا كحديث أبي جحيفة ، فإن فيه الأذان للظهر والعصر بالأبطح ، وحديث أبي ذر ، فإن فيه الأذان للظهر ، وحديث مالك بن الحويرث يعم سائر الصلوات ، وأحاديث الأذان بعرفة تدل على الأذان للجمع بين الظهر والعصر ، وأحاديث الأذان بالمزدلفة تدل على الأذان للجمع بين المغرب والعشاء ، وقد اختلفت الروايات في ذلك ، وتذكر في موضعها - إن شاء الله . وقد تقدم حديث الأذان للصلاة في السفر بعد فوات وقتها . وفي حديث أبي محذورة أنهم سمعوا الأذان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قفل من حنين راجعا . وقد اختلف العلماء في الأذان في السفر : فذهب كثير منهم إلى أنه مشروع للصلوات كلها . /155 قال ابن سيرين : كانوا يؤمرون أن يؤذنوا ويقيموا ويؤمهم أقرؤهم /155 . خرجه الأثرم . وهو قول أبي حنيفة والشافعي . ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، أنه يؤذن ويقام في السفر لكل صلاة ، واحتجا بحديث مالك بن الحويرث . ولكن أكثر أصحابنا على أن الأذان والإقامة سنة في السفر ، ليس بفرض كفاية ، بل سنة بخلاف الحضر . ومن متأخريهم من سوى في الوجوب بين السفر والحضر ، والواحد والجماعة ، وهو قول داود . وقال ابن المنذر : هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر . وظاهر تبويب البخاري يدل على أنه يرى الأذان إنما يشرع في السفر للجماعة ، دون المنفرد . /155 قال مجاهد : إن نسي الإقامة في السفر أعاد /155 . وهذا يدل على أنه رآها شرطا في حق المسافر وغيره . وقالت طائفة : لا يؤذن إلا للفجر خاصة ، بل يقيم لكل صلاة . روي هذا عن ابن عمر . وروي عنه مرفوعا . خرجه الحاكم . وفي إسناده ضعف واضطراب . قال البيهقي : رفعه وهم فاحش ، ولا يصح رفعه . وروي عن ابن سيرين مثل قول ابن عمر . ونقله حرب ، عن إسحاق . ونقل الميموني ، عن أحمد ، قال في المسافر في الفجر خاصة يؤذن ويقيم ، وفي غير الفجر يقيم - إن شاء الله . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق : لا بد للمسافر أن يقيم بخلاف الحاضر ؛ لأن الحاضر يكتفي بأذان غيره وإقامته . واختلفت الرواية عن مالك : فنقل عنه ابن القاسم : الأذان إنما هو في المصر للجماعة في المساجد . وروى أشهب ، عن مالك : إن ترك المسافر الأذان عمدا فعليه إعادة الصلاة . ذكره ابن جرير ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عنه . وقال الحسن والقاسم بن محمد : تجزئه إقامة في السفر . وقالت طائفة : هو بالخيار ، إن شاء أذن ، وإن شاء أقام في السفر . روي عن علي وعروة بن الزبير ، وبه قال سفيان . وكان ابن عمر يقول : إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس . رواه مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يزيد على الإقامة في السفر في الصلاة إلا في الصبح ؛ فإنه كان يؤذن فيها ويقيم ، ويقول : إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس . وقال أبو الزبير ، سألت ابن عمر : أؤذن في السفر ؟ قال : لمن يؤذن ؟ للفأر ؟! وأما الذين رأوا الأذان في السفر ، فقالوا : الأذان للإعلام بالوقت ، وهذا مشروع في الحضر والسفر . وأما إن كان المصلي منفردا وحده في قرية ، فقد ورد في فضل أذانه وإقامته غير حديث : روى سليمان التميمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان ، قال : لا يكون رجل بأرض [قي] ، فتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم ، فينادي بالصلاة ثم يقيمها إلا أم من جنود الله ما لا يرى طرفاه - أو قال : طرفه . ورواه القاسم بن غصن - وفيه ضعف - عن داود بن أبي هند ، عن أبي عثمان ، عن سلمان - مرفوعا . ولا يصح ، والصحيح موقوف - : قاله البيهقي . وروى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، /155 عن سعيد بن المسيب ، أنه كان يقول : من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك ، وعن شماله ملك ، فإن أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال /155 . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على استحباب الأذان للمنفرد في السفر : فخرج مسلم من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر ، وكان يستمع الأذان ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على الفطرة ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خرجت من النار ، فنظروا فإذا هو راعي معزى . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وفيه : فابتدرناه ، فإذا هو صاحب ماشية ، فأدركته الصلاة ، فنادى بها . وخرج - أيضا - بمعناه من حديث معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يعجب ربك من راعي غنم ، في شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي ، فيقول عز وجل : انظروا إلى عبدي هذا ، يؤذن ويقيم ويصلي ، يخاف مني ، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة . واستدل النسائي للإقامة في حق المنفرد بحديث خرجه من رواية رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد ، ثم كبر - وذكر له صفة بقية الصلاة ، وقال في آخر ذلك : فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ، وإن أنقصت منه شيئا انتقص من صلاتك ، ولم تذهب كلها . وإن صلى وحده في مصر ، فإن شاء أذن وأقام ، وإن شاء أجزأه أذان أهل المصر ، واكتفى بالإقامة - : نص عليه أحمد . وممن قال : يكفيه الإقامة : سعيد ، وميمون بن مهران ، والزهري ، ومالك ، والأوزاعي . وقد تقدم عن إسحاق : أن الحاضر إن شاء صلى بغير أذان ولا إقامة ، والمسافر لا بد له أن يقيم . وأما الشافعي ، فنص على أن المنفرد يؤذن ويقيم . وخرج له أصحابه قولا آخر : أنه لا يؤذن ويكتفي بالإقامة . ومن أصحابه من قال : إن بلغه أذان غيره لم يؤذن ، [وإلا أذن] . وحكى ابن المنذر ، عن الكوفيين ، أن له أن يصلي في المصر وحده بغير أذان ولا إقامة ، منهم : الشعبي والأسود وأبو مجلز والنخعي . وحكى مثله عن مجاهد وعكرمة . وعن أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور : يجزئه أذان أهل المصر . وعن ابن سيرين والنخعي : تجزئه الإقامة ، إلا في الفجر ؛ فإنه يؤذن ويقيم . وحكى ابن عبد البر ، عن أبي حنيفة وأصحابه : أن المسافر يكره له أن يصلي بغير أذان وإقامة ، وأما الحاضر إذا صلى وحده فيستحب أن يؤذن ويقيم ، وإن اكتفى بأذان أهل المصر وإقامتهم أجزأه . قلت : وقال سفيان : إن سمع إقامة أهل المصر فاكتفى بها أجزأه ، فلم يكتف بالإقامة حتى يسمعها . وروي عن علقمة ، قال : صلى ابن مسعود بي وبالأسود بغير أذان ولا إقامة ، وربما قال : يجزئنا أذان الحي وإقامتهم . خرجه البيهقي . وخرج - أيضا - بإسناد ضعيف جدا ، عن ابن عمر ، أنه كان يقول : من صلى في مسجد قد أقيمت فيه الصلاة أجزأته إقامتهم . ثم قال : وبه قال الحسن والشعبي والنخعي . قال : وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا أنه إذا جاء المسجد وقد خرج الإمام من الصلاة كان له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة . قال البيهقي : وكان عطاء يقول : يقيم لنفسه . ثم روى بإسناد صحيح ، عن أبي عثمان ، قال : جاءنا أنس بن مالك وقد صلينا الفجر ، فأذن وأقام ، ثم صلى الفجر لأصحابه . قال : ورويناه عن سلمة بن الأكوع في الأذان والإقامة ، ثم عن ابن المسيب والزهري . وروى من طريق الشافعي : حدثنا إبراهيم بن محمد : أخبرني عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يؤذن للمغرب ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال ، فانتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال : قد قامت الصلاة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( انزلوا فصلوا المغرب بإقامة هذا العبد الأسود ) . وهذا ضعيف ، إبراهيم ، هو ابن أبي يحيى ، تركوا حديثه . وروى وكيع في ( كتابه ) عن دلهم بن صالح ، عن عون بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ، فسمع إقامة مؤذن ، فصلى بأصحابه بإقامته . وهو مرسل - أيضا . وقال أكثر أصحابنا : من صلى في مسجد قد صلي فيه بغير أذان ولا إقامة فلا بأس . ومن متأخريهم من قال : لا يسقط وجوب الأذان إلا عمن صلى مع المؤذن ، ولا يسقط عمن لم يصل معه وإن سمعه ، سواء كان واحدا أو جماعة في المسجد الذي صلي فيه بأذان أو غيره . وهذا شذوذ لا يعول عليه . وهو خلاف نص أحمد : أن المصلي وحده في مصر يجزئه أذان المصر . ونص الإمام أحمد في رواية جعفر بن محمد على أنه لا يترك الأذان في المسجد . وظاهره : يدل على أن الأذان واجب في مساجد الجماعات . وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : الواجب في المصر أذان واحد ، وما زاد عليه في المساجد فهو سنة . ولم يفرق بين أن يكون أهل المصر يبلغهم ذلك الأذان ، أو لا . وقال المتأخرون من أصحابنا : الواجب من الأذان في المصر ما حصل به الإعلام في أقطاره ونواحيه غالبا ، فلا يجزئ فيه أذان واحد إذا كان لا يبلغ أقطاره . وأما ما بوب عليه البخاري من قول المؤذن في الأذان في الليلة المطيرة أو الباردة : ( الصلاة في الرحال ) ، فحديث ابن عمر يدل على أنه يقول بعد فراغ أذانه . وقد تقدم في ( باب : الكلام في الأذان ) : حديث ابن عباس في قولها في الحضر في أثناء الأذان قبل فراغه ، وسبق الكلام عليه .
18 - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن : ( الصلاة في الرحال ) ، في الليلة الباردة أو المطيرة . الأذان بعرفة وجمع ، لم [يخرج] فيه هاهنا شيئا ، إنما خرج أحاديث في ( أبواب : الجمع بين الصلاتين ) ، وفي ( كتاب الحج ) ، والكلام فيه يأتي في موضوعه - إن شاء الله تعالى . وأشار إليه هاهنا إشارة ؛ لأن فيه ذكر الأذان في السفر ، وإنما خرج هاهنا أربعة أحاديث مما يدخل في بقية ترجمة الباب .
70 - باب إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ وقال عبد الله بن شداد : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف ، يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الآية . روى سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، سمع عبد الله بن شداد بن الهاد يقول : سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف ، فسمعت نشيجه ، وإني لفي آخر الصفوف ، وهو يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وروي من وجوه أخر : روى ابن جريج : أخبرني ابن أبي مليكة ، قالَ : أخبرني علقمة بن وقاص ، قالَ : كانَ عمر يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف ، وأنا في مؤخر الصف ، حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه . وروى جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قالَ : إني يوما مع عمر في صلاة الصبح ، وهو يقرأ السورة التي فيها يوسف ، وأنا في آخر صفوف الرجال مما يلي النساء ، وكان جهير القراءة ، فلما مر بهذه الآية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فبكى حتى انقطعت قراءته ، وسمعت نشيجه . وروى عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : صليت خلف عمر ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . وفي رواية قالَ : غلب عمر البكاء وهو يصلي بالناس الصبح ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . والنشيج : هوَ رفع الصوت بالبكاء ، قاله أبو عبيد وغيره . والخنين - بالخاء المعجمة - نحوه . قالَ البخاري : 716 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه قالَ : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل ، فقالَ : ( مروا أبا بكر فليصل للناس ) ، قالت عائشة : فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، ففعلت حفصة ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، فقالت حفصة : ما كنت لأصيب منك خيرا . مقصوده من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس مع تكرار القول لهُ أنه إذا قام مقامه لا يسمع الناس من البكاء ، فدل على أن البكاء من خشية الله في الصلاة لا يضر الصلاة ، بل يزينها ؛ فإن الخشوع زينة الصلاة . وقد خرج البخاري في ( كتابه ) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله ، وفيه : ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيهِ ويقرأ القرآن فيتقصف عليهِ نساء المشركين وأبناؤهم ، يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه ، قالَ : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل . خرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وزاد : يعني : يبكي . وفي رواية للإمام أحمد : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وخرجه أبو داود كذلك . وهذا الإسناد على شرط مسلم . وقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم ، فقالَ تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وقال : خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة ، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد . ولأصحابنا وجه ضعيف : أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل . والمنصوص عن أحمد : إن كانَ عن غلبة لا بأس به . قالَ القاضي أبو يعلى : إن كانَ عن غلبة لم يكره ، وإن استدعاه كره ، قالَ : وإن كانَ معه نحيب أبطل . وهذا ليس في كلام الإمام أحمد ، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود . وقد قالَ ابن بطة من أصحابنا : إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل . فالنحيب أولى . والقول الثاني : إنه لا يبطل بكل حال ، وليس هوَ كالكلام ؛ لأنه لا يسمى به متكلما ، وهو قول أبي يوسف . وكذا قالَ مالك في الأنين : لا يقطع صلاة المريض ، وأكرهه للصحيح . وقال أبو الثور : لا بأس بالأنين ، إلا أن يكون كلاما مفهوما . وتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي ، والتباكي من مصيبة ، ولم يجزم بالبطلان . وقال في رواية أبي الحارث في الصلاة : إن كانَ غالبا عليهِ أكرهه . ومعنى قوله : ( غالبا ) - أي : كانَ مختارا لهُ ، قادرا على رده ، بحيث لم يغلبه الأنين ، ولم يقهره ، وظاهر كلامه أنه لا يبطل صلاته . وقال القاضي أبو يعلى : إنما أراد إذا كانَ أنينه ( عاليا ) من العلو أو رفع الصوت ؛ لما يخشى من الرياء به ، أو إظهار الضجر بالمرض ونحوه . وهذا الذي فسره تصحيف منه ، والله أعلم . والثالث : إنه كلام بكل حال ، حكي عن الشعبي والنخعي ومغيرة والثوري ، وإنما المنقول عنهم في الأنين ، ونقل عن الشعبي في التأوه . وهذا محمول على ما لم يكن من خشية الله ، فقد كانَ الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه . وهو مذهب الشافعي ، وعنده : إن أبان به حرفان أبطل الصلاة ، وإلا كره ولم تبطل . وكذا قالَ أصحابنا في البكاء لحزن ونحوه إذا لم يغلب عليهِ ، فإن غلب عليهِ صاحبه ففي البطلان به وجهان . ولا يعرف عن الإمام أحمد اعتبار حرفين في ذَلِكَ ، قاله القاضي أبو يعلى ومن اتبعه . وما تقدم عن أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله حسن جميل ، ويقبح أن يقال : لا يبطلها ؛ فإن ما كانَ زينة الصلاة وزهرتها وجمالها كيف يقنع بأن يقال فيهِ : غير مبطل ؟ ولم يزل السلف الصالح الخاشعون لله على ذَلِكَ . روى الإمام أحمد في ( كتاب الزهد ) بإسناده ، عن نافع ، قالَ : كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته ، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة ، فيقف عندها فيدعو ويسأل الله الجنة ، قالَ : ويدعو ويبكي ، قالَ : ويمر بالآية فيها ذكر النار ، فيدعو ويستجير بالله منها . وبإسناده ، عن ابن أبي مليكة ، قالَ : صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة ، قالَ : وكان إذا نزل قام ينتظر الليل ، فسأله أيوب : كيف كانت قراءته ؟ قالَ : قرأ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ فجعل يرتل ، ويكثر في ذَلِكَ النشيج . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن القاسم بن محمد ، قالَ : كنت غدوت يوما فإذا عائشة قائمة تسبح - يعني : تصلي - وتبكي ، وتقرأ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ وتدعو وتبكي ، وترددها ، فقمت حتى مللت القيام ، فذهبت إلى السوق لحاجتي ، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي ، تصلي وتبكي . والروايات في هذا عن التابعين ومن بعدهم كثيرة جدا ، وإنما ينكر ذَلِكَ من غلبت عليهِ الشقوة ، أو سبقت لهُ الشقوة .
99 - باب الجهر في المغرب 765 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قالَ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور . وخرجه في ( المغازي ) من طريق معمر ، عن الزهري ، وزاد فيهِ : وذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي . وهذا كانَ قبل أن يسلم جبير بن مطعم ، وكان قدم المدينة لفداء أسارى بدر . وخرج الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم ، سمعت بعض إخوتي يحدث ، عن أبي ، عن جبير بن مطعم ، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم في فداء المشركين - وفي رواية : في فداء أهل بدر وما أسلم يومئذ ، قالَ : فانتهيت إليه وهو يصلي المغرب ، وهو يقرأ فيها بالطور ، قالَ : فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن . وفي هذا دليل على قبول رواية المسلم لما تحمله من العلم قبل إسلامه . وقد روي أنه سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد . وفيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع صوته بالقراءة في صلاة الليل . والأحاديث المذكورة في الباب الماضي تدل على الجهر بالقراءة في المغرب ؛ فإن عامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في المغرب بسورة ذكر أنه سمعه يقرأ بها ، وفي ذَلِكَ دليل على الجهر . والجهر بالقراءة في المغرب إجماع المسلمين رأياً وعملا به ، لم يزل المسلمون يتداولونه بينهم ، من عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى الآن . وأدنى الجهر أن يسمع من يليه ، هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم . وقد سبق عن ابن مسعود ، قالَ : من أسمع أذنيه فلم يخافت ، وهو يدل على أدنى الجهر أن يسمع نفسه . روى وكيع ، عن سفيان ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود ، قالَ : لم يخافت من أسمع أذنيه . ومنتهى الجهر أن يسمع من خلفه إن أمكن ذَلِكَ من غير مشقة ، وقد كانَ عمر بن الخطاب يسمع قراءته في المسجد من خارجه . وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قالَ : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمع ذَلِكَ المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ، ومن جاء به ، فقالَ الله لنبيه : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيسمع المشركون قراءتك وَلا تُخَافِتْ بِهَا عن أصحابك ، أسمعهم القرآن ، ولا تجهر ذَلِكَ الجهر وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا يقول : بين الجهر والمخافتة . خرجاه في ( الصحيحين ) ولفظه لمسلم . والجهر فيما يجهر فيهِ سنة ، لا تبطل الصلاة بتركه عندَ جمهور العلماء . وحكي عن ابن أبي ليلى أنه تبطل الصلاة بتركه ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا إذا تعمد ذَلِكَ . وإنما يجهر الإمام إذا صلى من يأتم به ، فأما المنفرد ، فاختلفوا : هل يسن لهُ الجهر ، أم لا ؟ فقالَ الشافعي وأصحابه : يسن لهُ الجهر ، وحكاه بعضهم عن الجمهور . ومذهب أبي حنيفة وأحمد : إنما يسن الجهر لإسماع من خلفه ؛ ولهذا أمر من خلفه بالإنصات لهُ ، كما قالَ تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقد سبق أنها نزلت في الصلاة ، وأما المنفرد فيجوز لهُ الجهر ولا يسن . قالَ أحمد : إن شاء جهر ، وإن شاء لم يجهر ؛ إنما الجهر للجماعة . وكذا قالَ طاوس : إن شاء جهر ، وإن شاء لم يجهر . ومن أصحابنا من كرهه للمنفرد . ونص أحمد على أن المنفرد إذا صلى صلاة الكسوف جهر فيها بالقراءة ، فخرج القاضي أبو يعلى من ذَلِكَ رواية باستحباب الجهر للمنفرد في الفرائض . وبينهما فرق ؛ فإن صلاة الكسوف تطول فيها القراءة ، فيحتاج المنفرد إلى الجهر فيها ؛ كقيام الليل ، بخلاف الفرائض .
69 - باب هَلْ يَأخُذُ الإِمَامُ - إذا شَكَّ - بِقوْلِ النَّاسِ ؟ 714 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين ، فقالَ لهُ ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ، ثم سلم ، ثم كبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول . 715 - حدثنا أبو الوليد ، قالَ : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قالَ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، فقيل لهُ : صليت ركعتين ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين . إنما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين في هذه الصلاة ؛ لأنه كانَ يعتقد أن صلاته قد تمت ، وكان جازما بذلك ، لم يدخله فيهِ شك ، ومثل هذا الاعتقاد يسمى يقينا ، ووقع ذَلِكَ في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة ، فلما قالَ لهُ ذو اليدين ما قالَ حصل لهُ شك حينئذ ، ولما لم يوافق أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به ، فلما وافقه الباقون على قوله رجع حينئذ إلى قولهم ، وعمل به ، وصلى ما تركه ، وسجد للسهو . ويؤخذ من ذَلِكَ : أن المنفرد في مجلس بخبر تتوافر الهمم على نقله يوجب التوقف فيهِ حتى يوافق عليهِ . وليس هذا كالمنفرد بشهادة الهلال ؛ لأن الأبصار تختلف في الحدة ، بخلاف الخبر الذي يستوي أهل المجلس في علمه . ويؤخذ منه - أيضا - : أن المنفرد بزيادة على الثقات يتوقف في قبول زيادته حتى يتابع عليها ، لا سيما إن كانَ مجلس سماعهم واحدا . وقد اختلف العلماء فيما إذا أخبر المأمومون الإمام ، فهل يرجع إلى قولهم أم لا ؟ وهذا على قسمين : أحدهما : أن يتيقن صواب نفسه ، فلا يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا . وحكي لأصحابنا وجه آخر بالرجوع ، وقيل : إنه لا يصح . والثاني : أن يشك ، ثم يخبره المأمومون بسهوه بقول أو إشارة أو تسبيح أو غير ذَلِكَ ، ففيه أقوال : أحدها : أنه يلزمه الرجوع إلى قول واحد فما زاد ؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيهِ خبر واحد ثقة ، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته ، وهو قول أبي حنيفة . ولأصحابنا وجه مثله في الزيادة . والثاني : إن أخبره اثنان فصاعدا لزمه الرجوع إلى قولهما ، وإن أخبره واحد لم يرجع إليه ، وهذا رواية عن مالك ، والمشهور عن أحمد . واحتج : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بخبر ذي اليدين حتى وافقه غيره . والثالث : أنه يستحب لهُ الرجوع إلى قول الاثنين ، ولا يجب ، بل لهُ أن يبني على يقين نفسه ، أو يتحرى ، وله أن يرجع إلى قولهما ، وهو أفضل ، وهو رواية عن أحمد . والرابع : أنا إن قلنا : أن الشاك يبني على اليقين ، فلا يرجع إلى قول واحد ، وإن قلنا : يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه رجع إلى قول المأمومين ، هذا قول ابن عقيل من أصحابنا . وجمهورهم قالوا : يرجع على كلا القولين ؛ لأن الرجوع إلى خبر الاثنين رجوع إلى شهادة شرعية ، فيعمل بها على كل حال ، بخلاف التحري والرجوع إلى الأمارات المحضة . ويشهد لهُ : أن أحمد نص على أنه يرجع إلى تسبيح الاثنين ، وإن غلب على ظنه خطؤهما . والخامس : أنه لا يرجع إلى قول أحد ، بل يبني على يقين نفسه ، كالمنفرد ، وهو قول الثوري والشافعي ومالك في رواية . وقال أهل هذا القول : إنما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكره ، لا إلى قول المأمومين ، كما قالَ : ( إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ) ، فدل على أنه إنما يرجع إلى ذكره ، لا إلى قولهم ، فإنه لم يقل : فإذا نسيت فردوني . والسادس : أنه لا يرجع إلى قول الواحد والاثنين ، ويرجع إليهم إذا كثروا ؛ لأنه يبعد اتفاقهم على الخطأ مع كثرتهم ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية . وإن كانَ المخبر للمصلي ، ليس معه في صلاته ، فهل يرجع إليه كما يرجع إلى قول المأمومين ؟ فيهِ وجهان لأصحابنا . أصحهما : أنه يرجع إليهم ، وهو قول أشهب المالكي ، وظاهر كلام أحمد ؛ فإنه نص على أن الطائفين بالبيت يرجع بعضهم إلى قول بعض إذا أخبره اثنان عن عدد طوافه ، مع أن كل واحد منهم غير مشارك للآخر في طوافه ، فكذلك هاهنا . وأما المأموم إذا شك في عدد الركعات ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يرجع إلى فعل الإمام والمأمومين ، ويصنع ما صنعوا ، وهو مذهب أصحابنا . والثاني : أنه يبني على اليقين كالمنفرد ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية . والثالث : إن كثروا رجع إلى متابعتهم ، وإلا فلا ، هوَ وجه لأصحاب مالك والشافعي . ولو كانَ مع الإمام مأموم واحد ، فشك المأموم ، فهل يرجع إلى قول إمامه ؟ قالَ بعض أصحابنا : قياس المذهب : لا يرجع إليه ، كما لا يرجع الإمام إلى قول مأموم واحد . وفيه نظر ؛ فإن الإمام ضامن ، وقد ورد الأمر بأن يصنع المأموم ما صنع إمامه . خرجه الدارقطني من حديث جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( الإمام ضامن ، فما صنع فاصنعوا ) ، وفي إسناده مقال . وبقية فوائد حديث أبي هريرة تذكر في مواضعه من ( أبواب : سجود السهو ) إن شاء الله تعالى .
100 - باب الجهر في العشاء 766 - حدثنا أبو النعمان ، ثنا معتمر ، عن أبيه ، عن بكر ، عن أبي رافع ، قالَ : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فسجد ، فقلت لهُ ، فقالَ : سجدت خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه . 767 - حدثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن عدي ، قالَ : سمعت البراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ في سفر ، فقرأ في العشاء بالتين والزيتون . لم يذكر في هذا الباب حديثا مرفوعاً إلا على الجهر في العشاء . أما حديث أبي هريرة : فغايته أن يدل على أن أبا هريرة جهر في قراءة صلاة العشاء ، وسجد ، وأخبر أنه سجد بهذه السجدة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل : في صلاة العشاء ، فيحتمل أنه سجد بها خلفه في صلاة جهر فيها بالقراءة غير صلاة العشاء ، ويحتمل أنه سجد بها في غير صلاة ؛ فإن القارئ إذا قرأ وسجد سجد من سمعه ، ويكون مؤتماً به عندَ كثير من العلماء ، وهو مذهب أحمد وغيره ، ويأتي ذكر ذَلِكَ في مواضع أخر إن شاء الله سبحانه وتعالى . وأما حديث البراء : فليس في هذه الرواية التي خرجها هاهنا تصريح بالجهر ، ولكنه خرجه فيما بعد ، وزاد فيهِ : ( قالَ : فما سمعت أحسن صوتاً منه ) وهذا يدل على الجهر . وبكل حال ؛ فالجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من العشاء متفق عليهِ بين المسلمين ، وقد تداولته الأمة عملاً به قرنا بعد قرن ، من عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم وإلى الآن . وحكم الجهر في العشاء حكم الجهر في المغرب ، وقد سبق ذكره .
68 - باب الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ ، وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( ائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ) . هذا الحديث خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا ، فقالَ : ( تقدموا ، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) . والبخاري لا يخرج لأبي نضرة ، فلذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه . قالَ البخاري : 713 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت : يا رسول الله ، أبو بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ، قالَ : ( إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ) ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر . قد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة ، وهي : ( عن يسار أبي بكر ) ؛ فإن أبا معاوية تفرد بها ، وما قيل فيما بعدها ، وأنه مدرج ، واختلاف الناس : هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما . فإن قوله : ( يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد قيل : إن المراد به : أنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر ، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به ، من غير أن يكون مؤتما به ، كما قالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف ، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس ، وقال لهُ : ( اقتد بأضعفهم ) أي : راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك ، فصل صلاة لا تشق عليهم . والأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر . وأما قوله : ( والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ) فاختلف الناس في تأويله أيضا . فقالت طائفة : المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر ، وكان مبلغا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن إماما للناس ، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير ؛ ليتمكنوا من الاقتداء . ومما يتفرع على ذَلِكَ : أن الشعبي قالَ : إذا انتهيت إلى الصف الآخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام ، فاركع ؛ فإن بعضكم أئمة بعض . وهذا قول غريب ، والجمهور على خلافه ، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه . وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا ، وكذلك بوب عليهِ النسائي وغيره . وهو قول أصحاب الشافعي ، على قولهم : إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهم اختلفوا : هل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، أو مأموما به ؟ على وجهين . وقال الإمام أحمد : بل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين : هل هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأئمة ؟ على ثلاث روايات عنه . واختار أبو بكر بن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . وروى حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ وجعا ، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ، فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو قاعد ، وأم الناس أبو بكر وهو قائم . خرجه الدارقطني وغيره . والصحيح : أن قوله : ( فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة ، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما ، عن هشام بغير هذا اللفظ ، وقد سبق ذَلِكَ .
19 - باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا ؟ وهل يلتفت في الأذان ؟ ويذكر عن بلال ، أنه جعل إصبعيه في أذنيه . وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه . وقال إبراهيم : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء . وقال عطاء : الوضوء حق وسنة . وقالت عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه . 634 - ثنا محمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، أنه رأى بلالا يؤذن ، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان . هكذا خرجه البخاري هاهنا عن الفريابي ، عن سفيان الثوري - مختصرا . ورواه وكيع عن سفيان بأتم من هذا السياق . خرجه مسلم من طريقه ، ولفظ حديثه : قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم ، قال : فخرج بلال بوضوئه ، فمن نائل وناضح . قال : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء ، كأني أنظر إلى بياض ساقيه . قال : فتوضأ ، وأذن بلال ، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا - يقول : يمينا وشمالا - يقول : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . قال : ثم ركزت له عنزة ، فتقدم فصلى الظهر ركعتين ، يمر بين يديه الحمار والكلب ، لا يمنع ، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة . ورواه عبد الرزاق ، عن سفيان ، ولفظ حديثه : عن أبي جحيفة ، قال : رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، وإصبعاه في أذنيه ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبة له حمراء - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق . وخرجه من طريقه الترمذي ، وقال : حسن صحيح . وخرجه البيهقي ، وصححه - أيضا . وهذا هو الذي علقه البخاري هاهنا بقوله : ( ويذكر عن بلال ، أنه جعل إصبعيه في أذنيه ) . وقال البيهقي : لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة ، وسفيان إنما روى هذه اللفظة ، في ( الجامع ) - رواية العدني ، عنه - عن رجل لم يسمه ، عن عون . قال : وروي عن حماد بن سلمة ، عن عون بن أبي جحيفة - مرسلا ، لم يقل : ( عن أبيه ) . والله أعلم . قلت : وكذا روى وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن عون ، عن أبيه ، قال : أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام بلال فأذن ، فجعل يقول في أذانه ، يحرف رأسه يمينا وشمالا . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن أبي جحيفة ، أن بلالا كان يجعل إصبعيه في أذنيه . فرواية وكيع ، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه . ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة ، ولم يخرجها مسلم - أيضا - وعلقها البخاري بصيغة التمريض ، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها - رضي الله عنه . وقد خرج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي ، عن ابن عيينة ، عن الثوري ومالك بن مغول ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بالأبطح - فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق ، وذكر فيه الاستدارة ، وإدخال الإصبعين في الأذنين . وقال : هو صحيح على شرطهما جميعا . وليس كما قال ؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة ، وقد ذمه الإمام أحمد ذما شديدا ، وضعفه النسائي وغيره . وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن ، فلما بلغ ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) لوى عنقه يمينا وشمالا ، ولم يستدر . وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، وهو في قبة حمراء ، فخرج بلال فأذن ، فاستدار في أذانه ، فجعل إصبعيه في أذنيه . وحجاج مدلس . قال ابن خزيمة : لا ندري هل سمعه من عون ، أم لا ؟ وقال البيهقي : يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالا ، فيكون موافقا لسائر الرواة . قال : وحجاج ليس بحجة . وخرجه من طريق آخر عن حجاج ، ولفظ حديثه : رأيت بلالا يؤذن ، وقد جعل إصبعيه في أذنيه ، وهو يلتوي في أذانه يمينا وشمالا . وقد رويت هذه الاستدارة من وجه آخر : من رواية محمد بن خليد الحنفي - وهو ضعيف جدا - عن عبد الواحد بن زياد ، عنه ، عن مسعر ، عن علي بن الأقمر ، عن عون ، عن أبيه . ولا يصح - أيضا . وخرج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن سعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه ، وقال : ( إنه أرفع لصوتك ) . وهو إسناد ضعيف ؛ ضعفه ابن معين وغيره . وروي من وجوه أخر مرسلة . وقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل : الأولى : الالتفات في الأذان يمينا وشمالا . والسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة ، ويدير وجهه في قول : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) يمينا وشمالا . وأنكر ابن سيرين الالتفات ، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح /155 عن ابن سيرين ، أنه إذا أذن المؤذن استقبل القبلة ، وكان يكره أن يستدير في المنارة /155 . وروى وكيع ، عن الربيع ، /155 عن ابن سيرين ، قال : المؤذن لا يزيل قدميه . وكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق . وكذلك مالك . وفي ( تهذيب المدونة ) : ولا يدور في أذانه ، ولا يلتفت ، وليس هذا من الأذان ، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس فيؤذن كيف تيسر عليه . قال : ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلة في أذانهم ويقيمون عرضا ، وذلك واسع يصنع كيف شاء . انتهى . وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه أنه رأى الذي علمه النداء في نومه قام فاستقبل القبلة فأذن . خرجه أبو داود من حديث معاذ . والذين رأوا الالتفات . قال أكثرهم : يلتفت بوجهه ، ولا يلوي عنقه ، ولا يزيل قدميه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد في المشهور عنه ، وأبي ثور ، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه . وحكي - أيضا - عن الحسن والنخعي والليث بن سعد . وروى الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غفلة ، عن بلال ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذنا أو أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها . خرجه الدارقطني في ( أفراده ) . والحسن بن عمارة ، متروك . وقالت طائفة : إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها ؛ لأنه أبلغ في الإعلام والإسماع ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق ، وظاهر فيه مالك إذا أراد الإعلام . وروي عن الحسن أنه يدور . وظاهر كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالأذان . وللشافعية في الالتفات في الإقامة وجهان . والفرق بينهما : أن الأذان إعلام للغائبين ، فلذلك يلتفت ليحصل القصد بتبليغهم ، بخلاف الإقامة ؛ فإنها إعلام للحاضرين ، فلا حاجة إلى التلفت فيها ، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات ؛ لأنها خطاب لمن حضر ، فلا معنى للالتفات فيها . /155 وقال النخعي : يستقبل المؤذن بالأذان والشهادة والإقامة القبلة /155 . خرجه ابن أبي شيبة . وروى بإسناده عن حذيفة : أنه مر على ابن النباح وهو يؤذن ، يقول : الله أكبر [الله] أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، يهوي بأذانه يمينا وشمالا ، فقال حذيفة : من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل . وهذا يدل على أنه كره التلفت في غير الحيعلة ، وجعله مناكلا بأذانه . المسألة الثانية : جعل الإصبعين في الأذنين . وقد حكى عن ابن عمر : أنه كان لا يفعل ذلك . وظاهر كلام البخاري : يدل على أنه غير مستحب ؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر ، وأما الحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم ، فكأنه لم يثبت عنده . وذكر في ( تاريخه الكبير ) من رواية الربيع بن صبيح ، /155 عن ابن سيرين ، قال : أول من جعل إصبعيه في أذنيه في الأذان عبد الرحمن بن الأصم مؤذن الحجاج /155 . وهذا الكلام من ابن سيرين يقتضي أنه عنده بدعة . وروي عن ابن سيرين بلفظ آخر . قال وكيع في ( كتابه ) : عن يزيد بن إبراهيم والربيع بن صبيح ، /155 عن ابن سيرين ، قال : أول من جعل إصبعا واحدة في أذنه ابن الأصم مؤذن الحجاج . /155 وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، /155 عن محمد ، قال : كان الأذان أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، ثم يجعل إصبعيه ، وأول من ترك إحدى إصبعيه في أذنيه ابن الأصم . /155 قال : وثنا أبو أسامة ، عن هشام ، /155 عن ابن سيرين : أنه كان إذا أذن استقبل القبلة ، فأرسل يديه ، فإذا بلغ ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) أدخل إصبعيه في أذنيه /155 . وهذا يقتضي أنه إنما يجعلهما في أذنيه في أثناء الأذان . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن نسير بن ذعلوق ، قال : /155 رأيت ابن عمر يؤذن على بعير . قال سفيان : قلت له : رأيته جعل إصبعيه في أذنيه ؟ قال : لا /155 . وهذا هو المروي عن ابن عمر ، الذي ذكره البخاري تعليقا . وأكثر العلماء على أن ذلك مستحب . قال الترمذي في ( جامعه ) : العمل عند أهل العلم على ذلك ، يستحب أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان . وقال بعض أهل العلم : وفي الإقامة أيضا ، وهو قول الأوزاعي . انتهى . وقال إسحاق كقول الأوزاعي . ومذهب مالك : إن شاء جعل إصبعيه في أذانه وإقامته ، وإن شاء ترك - ذكره في ( التهذيب ) . وظاهر هذا : يقتضي أنه ليس بسنة . وقد سهل أحمد في تركه ، وفي جعل الإصبعين في إحدى الأذنين . /155 وسئل الشعبي : هل يضع إصبعيه على أذنيه إذا أذن ؟ قال : يعم عليهما ، وأحدهما يجزئك /155 . خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) . واختلفت الرواية عن أحمد في صفة ذلك : فروي عنه ، أنه يجعل إصبعيه في أذنيه ، كقول الجمهور . وروي عنه ، أنه يضم أصابعه ، ويجعلها على أذنيه في الأذان والإقامة . واختلف أصحابنا في تفسير ذلك : فمنهم من قال : يضم أصابعه ، ويقبضهما على راحتيه ، ويجعلهما على أذنيه ، وهو قول الخرقي وغيره . ومنهم من قال : يضم الأصابع ، ويبسطها ، ويجعلها على أذنه . قال القاضي : هو ظاهر كلام أحمد . قال أبو طالب : قلت لأحمد : يدخل إصبعيه في الأذن ؟ قال : ليس هذا في الحديث . وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق ، عن سفيان التي خرجها في ( مسنده ) والترمذي في ( جامعه ) غير محفوظة ، مع أن أحمد استدل بحديث أبي جحيفة في هذا في رواية محمد بن الحكم . وقال في رواية أبي طالب - أيضا - : أحب إلي أن يجعل أصابع يديه على أذنيه ، على حديث أبي محذورة ، وضم أصابعه الأربع ، ووضعهما على أذنيه . قال القاضي أبو يعلى : لم يقع لفظ حديث أبي محذورة . قال : وروى أبو حفص العكبري بإسناده ، عن [أبي] المثنى ، قال : كان ابن عمر إذا بعث مؤذنا يقول له : اضمم أصابعك مع كفيك ، واجعلها مضمومة على أذنيك . واستحب الشافعية إدخال الإصبعين في الأذنين في الأذان ، دون الإقامة . المسألة الثالثة : الأذان على غير وضوء . حكى البخاري /155 عن عطاء ، أنه قال : الوضوء حق وسنة - يعني في الأذان /155 . /155 وعن النخعي أنه قال : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء /155 . ورجح قوله بقول عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه . وقد خرجه مسلم من حديث البهي ، [عن عروة ] ، عن عائشة . وممن قال بالكراهة : مجاهد والأوزاعي والشافعي وإسحاق . وممن ذهب إلى الرخصة : الحسن والنخعي وقتادة وحماد ومالك وسفيان وابن المبارك . ورخص أحمد في الأذان على غير وضوء ، دون الإقامة . وكذا قال الحسن وقتادة ومالك . وقال الأوزاعي : إن أحدث في أذانه أتمه ، وإن أحدث في إقامته - وكان وحده - قطعها . واستحب الشافعي لمن أحدث في أذانه أن يتطهر ، ويبنى على ما مضى منه . قال إسحاق : لم يختلفوا في الإقامة أنها أشد . وقال الزهري : قال أبو هريرة : لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ . ورواه معاوية بن يحيى ، عن الزهري ، عن أبي هريرة - مرفوعا . خرجه الترمذي من الطريقين ، وذكر أن الموقوف أصح . قال : والزهري لم يسمع من أبي هريرة . وروى عمير بن عمران الحنفي : ثنا الحارث بن عيينة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، قال : حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر . خرجه الدارقطني في ( الأفراد ) ، وزاد : ولا يؤذن إلا وهو قائم . وقال : عبد الجبار ، عن أبيه مرسل . قلت : والحارث وعمير ، غير مشهورين . وما ذكره البخاري /155 عن عطاء ، هو من رواية ابن جريج ، عنه ، قال : حق وسنة ألا يؤذن المؤذن إلا متوضئا . قال : [هو] من الصلاة ، هي فاتحة الصلاة ، فلا يؤذن إلا متوضئا /155 . وهذا مبني على قوله : إن من نسي الإقامة أعاد الصلاة ، وقد سبق ذلك عنه . وسبق الكلام في ذكر الله تعالى للمحدث ، وأن منهم من فرق بين الذكر الواجب كالأذان والخطبة ، وبين ما ليس بواجب . وأما أذان الجنب ، فأشد كراهة من أذان المحدث . واختلفوا : هل يعتد به ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : يعتد به ، منهم : سفيان وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد . وقال إسحاق والخرقي من أصحابنا : لا يعتد به ، ويعيده .
2 - باب الأذان مثنى مثنى 605 - ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن سماك بن عطية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة ، إلا الإقامة . 606 - حدثني محمد - هو : ابن سلام - قال : حدثني عبد الوهاب الثقفي : ثنا خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما كثر الناس ، قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا ، أو يضربوا ناقوسا ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة . سماك بن عطية ، قال : حماد كان من جلساء أيوب ، ومات قبل أيوب . وقد تقدم أن عبد الوهاب الثقفي روى عنه هذا الحديث بالتصريح برفعه ، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم وكذا روي ، عن ابن إسحاق ، عن أيوب . وكذا رواه خارجة بن مصعب ، عن أيوب . وروي مثله ، عن الثوري ، عن أيوب . وعن الثوري عن خالد الحذاء . والصحيح عن الثوري - كقول الجماعة - : أمر بلال . وقد تقدم أنه لا يشك في أن الآمر له هو النبي - صلى الله عليه وسلم ومعنى قوله : يشفع الأذان أن يجعله شفعا : مثنى مثنى . ومعنى : يوتر الإقامة أن يجعلها وترا ، أي : فردا فردا . والشفع ضد الوتر : فالوتر الفرد ، والشفع الزوج . ولهذا فسر الشفع في الآية بالخلق ؛ لأن الخلق كله زوج ؛ قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وقال : سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وفسر الوتر بالله عز وجل ؛ لأنه وتر يحب الوتر . والمقصود بهذا الباب : أن كلمات الأذان شفع . لكن اختلف في التكبير في أوله : هل هو تكبيرتان ، أو أربع ؟ وقد اختلفت في ذلك روايات عبد الله بن زيد في قصة المنام ، وحديث أبي محذورة حيث علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان مرجعه من حنين ، وأمره أن يؤذن لأهل مكة . وقد خرج مسلم في صحيحه حديث أبي محذورة ، وفي أوله : التكبير مرتين . وخرج أبو داود وغيره حديث عبد الله بن زيد بالوجهين . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي محذورة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة . وإنما يكون الأذان تسع عشرة كلمة إلا إذا كان التكبير في أوله أربعا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود حديث عبد الله بن زيد ، وفي أوله : أربع تكبيرات . وأشار أبو داود إلى الاختلاف في ذلك ، وخرج من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ التكبير في أوله مرتين . وكذلك الشهادتان ، ففي حديث عبد الله بن زيد : أن الشهادتين في الأذان أربع ، وفي حديث أبي محذورة : أن الشهادتين ثماني مرات ، يعيدها مرتين ، وسُمِّي الترجيع ، وقد خرجه مسلم كذلك . ولا اختلاف فيما بقي من الأذان بين أذان أبي محذورة وعبد الله بن زيد الذي ألقاه على بلال في الروايات المشهورة في السنن و المسانيد ، وليس في الأذان كلمة إلا شفع غير كلمة التهليل في آخر [الأذان] . وقد روي أن أبا محذورة كان يقدم التهليل على التكبير في آخر أذانه من وجه منقطع . قال أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا عيسى بن المسيب ، عن إبراهيم ، قال : كان أبو محذورة يقول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وكان بلال يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، بلال في السفر وأبو محذورة في الحضر . وهذا غريب ، وعيسى فيه ضعف . وقد ثبت عن أبي محذورة من وجهة عكس هذا ، وأنه كان يختم أذانه بقوله : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . وقد خرجه مسلم في صحيحه . وروي - أيضا - تأخير التكبير عن بلال من وجه فيه ضعف . قال أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا زهير ، عن عمران بن مسلم ، قال : أرسلني سويد بن غفلة إلى مؤذننا ، فقال : قل له يختم أذانه بـ لا إله إلا الله والله أكبر ؛ فإنه أذان بلال . وروى أبو نعيم بإسناد ضعيف مثل ذلك عن ابن عمر ، وعن مؤذن علي بن أبي طالب ، وعن أبي جعفر محمد بن علي . وروي عن أبي يوسف ، أن الأذان على أذان بلال المعروف ، وأنه يزاد في آخره : والله أكبر ، يختم بذلك . والأحاديث الصحيحة تدل على أن آخر الأذان : الله أكبر ، لا إله إلا الله ، وبه يقول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين . وخرج النسائي من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن بلال ، قال : آخر الأذان : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . وفي رواية : كان آخر أذان بلال - مثل ذلك . وكذا رواه منصور وغيره ، عن إبراهيم . ورواه حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، أن بلالا كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير . وهذا وهم . وروى محارب بن دثار ، قال : حدثني الأسود بن يزيد ، عن أبي محذورة ، حدثه أن آخر الأذان : لا إله إلا الله . خرجه النسائي . واختلفوا في عدد التكبير في أوله : فقالت طائفة : أربع ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق . وقالت طائفة : التكبير في أوله تكبيرتان ، وهو قول مالك والليث بن سعد ، ورواية عن أبي يوسف . وقيل : إنه رجع عنها . واختلفوا في الترجيع - وهو تكرير الشهادتين - : فذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما . واختلف أصحاب الشافعي : هل هو ركن في الأذان فلا يصح بدونه ، أو سنة فيصح ؟ والصحيح عندهم أنه سنة . ونقل عن نص الشافعي خلافه . وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع ، وهو قول الأوزاعي . وقال أحمد وإسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة وداود وابن خزيمة وغيرهم : يجوز الأمران ؛ لصحة الأحاديث بهما . والأفضل عندهم ترك الترجيع ؛ لأنه أذان بلال . قيل لأحمد : أليس أذان أبي محذورة بعده ؟ قال : بلى ، ولكن لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أقر بلالا على أذانه . ووافقه إسحاق على ذلك . وقال الجوزجاني : الترجيع أفضل ؛ لأنه آخر الأمرين : وروي عن أهل البصرة في صفة الأذان غير ما تقدم . روى حجاج بن منهال : ثنا يزيد بن إبراهيم ، أنه سمع الحسن وابن سيرين يصفان الأذان : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، يسمع بذلك من حوله ، ثم يرجع فيمد صوته ، ويجعل إصبعيه في أذنيه ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله - مرتين - أشهد أن محمدا رسول الله - مرتين - حي على الصلاة - مرتين - حي على الفلاح - مرتين - الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . خرجه ابن عبد البر . روي عنهما على وجه آخر : خرجه ابن أبي شيبة في كتابه ، فقال : ثنا ابن علية ، عن يونس ، قال : كان الحسن يقول : الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ثم يرجع فيقول : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الفلاح - مرتين - الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال : وحدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن محمد - يعني : ابن سيرين - قال : كان الأذان أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر . قال : وحدثنا ابن علية ، ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان أذان ابن عمر : الله أكبر الله أكبر ، شهدت أن لا إله إلا الله ، شهدت أن لا إله إلا الله - ثلاثا - شهدت أن محمدا رسول الله ، شهدت أن محمدا رسول الله ، شهدت أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة - ثلاثا - حي على الفلاح - ثلاثا - الله أكبر - أحسبه قال : لا إله إلا الله . قال : وثنا عبدة : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يجعل آخر أذانه : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . قال : وثنا يزيد بن هارون : أبنا سليمان التيمي ، عن حبيب بن قيس ، عن ابن أبي محذورة ، عن أبيه ، أنه كان يؤذن فيخفض صوته بالأذان - مرة مرة - حتى إذا انتهى إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله رجع إلى قوله : أشهد أن لا إله إلا الله ، فرفع بها صوته - مرتين مرتين - حتى إذا انتهى إلى : حي على الصلاة قال : الصلاة خير من النوم ، في الأذان الأول من الفجر . وهذه الصفة تخالف [ما رواه] الحجازيون من أذان أبي محذورة ، ورواياتهم عنه أولى . وعلى هذا - والذي قبله - ؛ فيكون الأذان وترا لا شفعا . وروى وكيع في كتابه عن أبي المعتمر ، عن ابن سيرين ، عن ابن عمر ، أنه مر على مؤذن ، فقال له : أوتر أذانك . وعن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : لا بأس إذا بلغ حي على الصلاة ، حي على الفلاح أن يقولها مرة . ولعل هذا في الإقامة . وكذلك خرجها وكيع في باب : من أفرد الإقامة . قال ابن أبي شيبة : وثنا أبو أسامة : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربما زاد في أذانه : حي على خير العمل . وثنا أبو خالد ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يقول في أذانه : الصلاة خير من النوم . وربما قال : حي على خير العمل . ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ومسلم بن أبي مريم ، أن علي بن حسين كان يؤذن ، فإذا بلغ حي على الفلاح قال : حي على خير العمل ، ويقول : هو الأذان الأول . وقال البيهقي : روي ذلك عن أبي أمامة . ثم خرج بإسناده من حديث أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن بلال ، أنه كان ينادي بالصبح ، فيقول : حي على خير العمل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل مكانها : الصلاة خير من النوم ، ويترك حي على خير العمل . ثم قال : هذه اللفظة لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما علم بلالا وأبا محذورة ، ونحن نكره الزيادة فيه . وبالله التوفيق .
20 - باب قول الرجل : ( فاتتنا الصلاة ) وكره ابن سيرين أن يقول : فاتتنا الصلاة ، وليقل : لم ندرك . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح . 635 - حدثنا أبو نعيم : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع جلبة الرجال ، فلما صلى قال : ( ما شأنكم ؟ ) قالوا : استعجلنا إلى الصلاة . قال : ( فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . مقصود البخاري بهذا الباب : أن يرد ما حكاه عن ابن سيرين ، أنه كره أن يقول : ( فاتتنا الصلاة ) ، ويقول : ( لم ندركها ) ، من ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وما فاتكم ) فسمى القدر المسبوق به مع الإمام فائتا ، مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها ) ، فكيف بما لم يدرك مع الإمام من صلاته شيئا ، فإنه أولى أن يسمى فائتا . والظاهر : أن ابن سيرين إنما يكره أن يقول : ( فاتتنا الصلاة ) ؛ فإنها فاتته حقيقة . وقد يفرق بين أن تفوته بعذر كنوم ونسيان ، أو بغير عذر ، فإن كان بعذر لم تفت - أيضا - ؛ لإمكان التدارك بالقضاء . وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : الذي تفوته صلاة [العصر] كأنما وتر أهله وماله والكلام عليه مستوفى ، وهل المراد به : من تفوته بعذر أو بغير عذر ، وذكرنا هناك من حديث أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما تفوت النائم ، ولا تفوت اليقظان ) . خرجه الإمام أحمد . وكان ابن سيرين لشدة ورعه يتورع في منطقه ، ويتحفظ فيه ، ويكره أن يتكلم بما فيه نوع توسع أو تجوز ، وإن كان سائغا في لغة العرب . وقد وجد في بعض نسخ ( صحيح البخاري ) في حديث أبي قتادة هذا : ( وما فاتكم فاقضوا ) . وقد خرجه الطبراني من طريق أبي نعيم الذي خرجه عنه البخاري ، وقال في حديثه : ليصل أحدكم ما أدرك ، وليقض ما فاته . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) عن ابن أبي شيبة ، عن معاوية بن هشام ، عن شيبان ، وقال في حديثه : ( وما سبقتم فاقضوا ) . وخرجه الإسماعيلي ، ولفظه : ( وما فاتكم فاقضوا ) .
85 - باب إلَى أيْنَ يرفَعُ يَدَيْه ؟ قالَ أبو حميد - في أصحابه - : رفع النبي صلى الله عليه وسلم حذو منكبيه . حديث أبي حميد هذا قد خرجه البخاري فيما بعد من رواية محمد بن عمرو بن عطاء ، أنه كانَ جالسا في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه - وذكر بقية الحديث ، ولم يذكر فيهِ رفع اليدين في غير هذا الموضع . وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من وجه آخر ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن أبي حميد ، قالَ : سمعته في عشرة من الصحابة ، منهم : أبو قتادة ، ويقول : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : فاعرض ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم قالَ : ( الله أكبر ) ، وركع ، ثم قالَ : ( سمع الله لمن حمده ) ، ورفع يديه . وعند أبي داود : ثم يرفع رأسه ، فيقول : ( سمع الله لمن حمده ) ، ثم يرفع يديه حتى تحاذي منكبيه معتدلا . وفي حديثه - أيضا - : رفع اليدين إذا قام من الركعتين . وفي رواية للترمذي : قالوا : صدقت ؛ هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه - أيضا - : عباس بن سهل بن سعد ، قالَ : اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فكبر ، ورفع يديه ، ثم رفع حين كبر للركوع ، ثم قام فرفع يديه فاستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه . خرجه ابن ماجه . وخرجه أبو داود مختصرا . وخرجه من وجه آخر ، عن عباس مختصرا - أيضا وذكر أنه كانَ في المجلس : سهل بن سعد وأبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد . وقد صحح الترمذي هذا الحديث . وذكر الخلال ، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي ، قالَ : سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في رفع الأيدي ؟ فقالَ : صحيح . قالَ البخاري : 738 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قالَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ، وإذا كبر للركوع فعل مثل ذَلِكَ ، وإذا قالَ : ( سمع الله لمن حمده ) فعل مثله ، وقال : ( ربنا ولك الحمد ) ولا يفعل ذَلِكَ حين يسجد ، ولا حين يرفع من السجود . ومراد البخاري : أن حديث ابن عمر فيهِ رفع اليدين إلى المنكبين ، وكذلك حديث أبي حميد ومن معه من الصحابة . وكذلك روي من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرج حديثهما أبو داود . وخرج مسلم من حديث مالك بن الحويرث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إلى فروع أذنيه . وقد روى عنه - أيضا - : ( إلى حذو منكبيه ) . خرجه الدارقطني . واختلفت ألفاظ الروايات في حديث وائل بن حجر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فروي عنه الرفع إلى حيال أذنيه ، وروي عنه : الرفع إلى المنكبين ، وروي عنه : أنه جاء بعد ذَلِكَ في الشتاء ، فرآهم يرفعون أيديهم في الأكسية والبرانس إلى صدورهم . وقد خرجه أبو داود وغيره بهذه الألفاظ . وقد اختلف العلماء في الترجيح : فمنهم من رجح رواية من روى الرفع إلى المنكبين ؛ لصحة الروايات بذلك ، واختلاف ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين . وهذه طريقة البخاري ، وهي - أيضا - ظاهر مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، عملا بحديث ابن عمر ، فإنه أصح أحاديث الباب ، وهو - أيضا - قول أكثر السلف ، وروي عن عمر بن الخطاب . قالَ ابن عبد البر : عليهِ جمهور التابعين ، وفقهاء الأمصار ، وأهل الحديث . ومنهم : من أخذ بحديث مالك بن الحويرث في الرفع إلى فروع الأذنين ، وهو قول أهل الكوفة ، منهم : النخعي وأبو حنيفة والثوري ، وقول أحمد - في رواية عنه - رجحها أبو بكر الخلال . ومنهم من قالَ : هما سواء ؛ لصحة الأحاديث بهما ، وهو رواية أخرى عن أحمد ، اختارها الخرقي وأبو حفص العكبري وغيرهما . وقال ابن المنذر : هوَ قول بعض أهل الحديث ، وهو حسن . وروى مالك في ( الموطأ ) عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ إذا ابتدأ الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع من الركوع رفعهما دون ذَلِكَ . وخرجه أبو داود ، وذكر أنه انفرد به مالك . قالَ : وذكر الليث ، قالَ ابن جريج : قلت لنافع : أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن ؟ قالَ : لا ، سواء ، قلت : أشر لي ، فأشار إلى الثديين أو أسفل من ذَلِكَ . وقال حرب الكرماني : ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه ، وربما رفعهما إلى منكبيه ، وربما رفعهما إلى صدره ، ورأيت الأمر عنده واسعا . وقال طائفة من الشافعية : جمع الشافعي بين الروايات في هذا ، بأنه يرفعهما حتى تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه ، وإبهاماه شحمتي أذنيه ، وراحتاه منكبيه ، قالوا : ومن حكى للشافعي ثلاثة أقوال في ذَلِكَ فقد وهم . واختلفوا في المرأة : كيف ترفع يديها في الصلاة ؟ فقالت طائفة : ترفع كما يرفع الرجل إلى المنكبين . روي عن أم الدرداء ، أنها كانت تفعله ، وهو قول الأوزاعي والشافعي . وقالت طائفة : ترفع إلى ثدييها ، ولا تزيد على ذَلِكَ ، وهو قول حماد وإسحاق . وروي نحوه عن حفصة بنت سيرين ، أنها كانت تفعله . وقال أحمد - في رواية عنه - ترفع يديها في الصلاة ، ولا ترفع كما يرفع الرجل ، دون ذَلِكَ . ونقل عنه جماعة ، أنه قالَ : ما سمعنا في المرأة ، فإن فعلت فلا بأس . قالَ القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا أنه رآه فعلا جائزا ، ولم يره مسنونا . وقال عطاء : ترفع دون رفع الرجل ، وإن تركته فلا بأس .
قال : 636 - حدثنا آدم : حدثنا ابن أبي ذئب : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . كان الزهري يروي هذا الحديث ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ويرويه - أيضا - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وقد رواه جماعة من أصحابه عنه ، عن سعيد وحده . ورواه آخرون منهم ، عنه ، عن أبي سلمة وحده . وجمع بعضهم بينهما ، منهم : عبيد الله بن عمر . وروي - أيضا - كذلك ، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد . قال الدارقطني : هو محفوظ ، كان الزهري ربما أفرده عن أحدهما ، وربما جمعه . قلت : وقد خرجه البخاري في ( كتاب الجمعة ) من ( صحيحه ) هذا ، عن آدم ، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما ، ومن طريق شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده . وخرجه مسلم من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عنهما . وخرجه أبو داود من طريق يونس كذلك . وكلام الترمذي في ( جامعه ) يدل على أن الصحيح رواية من رواه عن الزهري عن سعيد وحده . والصحيح : أنه صحيح عن الزهري ، عنهما ، وتصرف الشيخين في ( صحيحيهما ) يشهد لذلك . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسعوا ) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة ، وليس سماع الإقامة شرطا للنهي ، وإنما خرج مخرج الغالب ؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة ، فهو كقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ والرهن جائز في السفر وغيره . وكذلك قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وقد ذكرنا أن التيمم يجوز عند عدم الماء في السفر والحضر . وكذلك قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ويجوز أن يدعوا إخوانا وموالي وإن علم آباؤهم ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد : ( أنت أخونا ومولانا ) مع علمه بأبيه . وقد سبق حديث أبي قتادة ( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ) ، من غير اشتراط سماع الإقامة . وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة ، وترك الإسراع والهرولة في المشي ، ولما في ذلك من كثرة الخطى إلى المساجد . وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الأولى والركعة ، فإن خشي فواتها ، ورجا بالإسراع إدراكها ، فاختلفوا : هل يسرع حينئذ ، أم لا ؟ وفيه قولان . أحدهما : أنه يسعى لإدراكهما . وروي عن ابن مسعود ، أنه سعى لإدراك التكبيرة . ونحوه عن ابن عمر ، والأسود ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وسعيد بن جبير . وعن أبي مجلز : الإسراع إذا خاف من فوت الركعة . وقال إسحاق : لا بأس بالإسراع لإدراك التكبيرة . ورخص فيه مالك . وقال أحمد - في رواية مهنا - : ولا بأس – إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى - أن يسرع شيئا ، ما لم يكن عجلة تقبح ؛ جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى ، وطمعوا في إدراكها . وبوب النسائي في ( سننه ) على ( الإسراع إلى الصلاة من غير سعي ) ، وخرج فيه حديث أبي رافع ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل ، يتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب . قال أبو رافع : فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع - وذكر الحديث . وهذا إنما يدل على إسراع الإمام إذا خاف الإبطاء على الجماعة ، وقد قرب الوقت . والقول الثاني : أنه لا يسرع بكل حال . وروي عن أبي ذر ، وزيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء ، وهو قول الثوري . ونقله ابن منصور وغيره عن أحمد ، وقال : العمل على حديث أبي هريرة . وحديث أبي هريرة : دليل ظاهر على أنه لا يسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى ، ولا الركعة ؛ فإنه قال : ( فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسرعوا ) ، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة . وفي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث أبي بكرة ، أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز ، يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف قال : ( من الساعي ؟ ) قال أبو بكرة : أنا ، قال : ( زادك الله حرصا ، ولا تعد ) . وفي إسناده من يجهل حاله . وخرجه البخاري في ( كتاب القراءة خلف الإمام ) بإسناد آخر فيه ضعف - أيضا - عن أبي بكرة - بمعناه ، وفي حديثه : قال : إن أبا بكرة قال : يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي ، فقال له : ( زادك الله حرصا ، ولا تعد ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقت ) . ولو سمع الإقامة وهو مشتغل ببعض أسباب الصلاة كالوضوء والغسل أو غيرهما ، فقال عطاء : لا يعجل عن ذلك - يعني : أنه يتمه من غير استعجال . وسيأتي حديث : ( لا تعجل عن عشائك ) في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( عليكم السكينة والوقار ) ، هو بالرفع على أن الجملة مبتدأ وخبر ، ويروى بالنصب على الإغراء - : ذكره أبو موسى المديني . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) ، هذه الرواية المشهورة عن الزهري ، التي رواها عنه عامة أصحابه الحفاظ . ورواه ابن عيينة ، عن الزهري ، وقال في روايته : ( وما فاتكم فاقضوا ) . خرج حديثه الإمام أحمد والنسائي . وذكر أبو داود أن ابن عيينة تفرد بهذه اللفظة - يعني : عن الزهري . وذكر البيهقي بإسناده ، عن مسلم ، أنه قال : أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة . قلت : قد توبع عليها . وخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وقال في حديثه : ( فاقضوا ) . قال معمر : ولم يذكر سجودا . وكذا رواها بحر السقاء ، عن الزهري ، وقال في حديثه ( وليقض ما سبقه ) وبحر ، فيه ضعف . ورواها - أيضا - بنحو رواية بحر : سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . خرجه البخاري في ( كتاب القراء خلف الإمام ) . ورويت لفظة ( القضاء ) من غير رواية الزهري : وروى شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ائتوا [الصلاة] وعليكم السكينة ، فصلوا ما أدركتم ، واقضوا ما سبقكم ) . خرجه أبو داود . وخرجه الإمام أحمد من رواية عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . ورويت عن أبي هريرة من وجوه أخر : فخرج مسلم طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم ، ولكن ليمش ؛ وعليه بالسكينة والوقار ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقك ) . قال أبو داود : وكذا قال أبو رافع ، عن أبي هريرة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا جاء أحدكم فليمش نحوا مما كان يمشي ، فليصل ما أدركه ، وليقض ما سبقه ) . وخرج البزار من حديث سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها ، إلا أنه يقضي ما فاته ) . وهذا حديث آخر غير الذي قبله . وبالجملة ، فرواية من روى ( فأتموا ) أكثر . وقد استدل الإمام أحمد برواية من روى ( فاقضوا ) ، ورجحها . قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - أرأيت قول من قال : يجعل من أدرك مع الإمام أول صلاته ، ومن قال : يجعله آخر صلاته ، أي شيء الفرق بينهما ؟ قال : من أجل القراءة فيما يقضي . قلت له : فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : على أي القولين يدل عندك ؟ قال : على أنه يقضي ما فاته ؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم ) . وقال في رواية ابنه صالح : يروى عن أنس وأبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( صل ما أدركت واقض ما سبقك ) . قال : ويروي غيره على أنه قال : يقرأ فيما أدرك . وقال غيره : يقرأ فيما يقضي . قال ابن مسعود : ما أدركت من الصلاة فهو آخر صلاتك . انتهى . وروى عبد الرزاق في ( كتابه ) ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عليا قال : ما أدركت من الإمام فهو أول صلاتك ، واقض فيما سبقك به من القراءة . وأن ابن مسعود قال : اقرأ فيما فاتك . وعن مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة ، فإذا سلم الإمام قام عبد الله فقرأ لنفسه . وروى الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا سبق بالأوليين قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة . قلت : أما القراءة فيما يقضي فمتفق عليها ؛ لأن حكم متابعة الإمام قد انقطعت عنه بسلام إمامه قبل فراغ صلاته ، فهو فيما بقي من الصلاة منفرد ، يقرأ كما يقرأ المنفرد بصلاته ، لا يقول أحد من العلماء : إنه لا يقرأ فيها لاستمرار حكم ائتمامه بالإمام . ولكن من يقول من السلف : إن المصلي يقرأ في ركعتين ويسبح في ركعتين ، كما يقوله الكوفيون وغيرهم ، يقول : إذا أدرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنه لا يقرأ معهم ؛ لأنهم لا يرون قراءة المأموم وراء إمامه بحال ، ويقولون : إذا قام يقضي ما فاته من الركعتين ، فإنه يقرأ ، ولا يجزئه أن يسبح ، فإنه قد صار منفردا في بقية صلاته ، فلا بد [له] من القراءة ، سواء فاته ركعة أو ركعتان ، فإن فاته ثلاث ركعات قرأ في ركعتين ، وله أن يسبح في الثالثة . وهذا كله قول سفيان الثوري . وحكى سفيان وأصحابه وابن عمر ، أنه إذا أدرك ركعتين مع الإمام لم يقرأ فيما أدركه معه ، وقرأ في الركعتين إذا قضاهما . وعن علي : أن ما أدركه فهو أول صلاته ، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمام من القراءة . ظاهر هذا : أن عليا لم ير القراءة فيما يقضيه ، وأنهم أرادوا أنه لا يقرأ فيه ما زاد على الفاتحة . وممن قال : يقرأ فيما يقضي : عبيدة السلماني ، وابن سيرين ، وأبو قلابة ، والنخعي . وروى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن جابر ، عن الشعبي : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام ، فلما سلم الإمام قاما يقضيان ، فجلس مسروق في الثانية والثالثة ، وقام جندب إلى الثالثة ولم يجلس ، فلما انصرفا أتيا ابن مسعود ، فقال : كل قد أصاب ، ونفعل كما فعل مسروق . وعن معمر ، عن جعفر الجزري ، عن الحكم : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ أحدهما في الركعتين الأخريين ما فاته من القراءة ، ولم يقرأ الآخر في ركعة ، فسئل ابن مسعود ، فقال : كلاهما محسن ، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين . وأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها ، يقرأ في الركعتين الأوليين بالحمد وسورة وفي الأخريين بالحمد وحدها . وعلى هذا ؛ إذا أدرك المسبوق من الرباعية أو المغرب ركعتين ، يقرأ فيما يقضي من الركعتين بالحمد وحدها ، أو بالحمد وسورة ؟ على قولين ، أشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورة . وهذا هو المنصوص عن مالك ، والشافعي ، وأحمد . ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته . وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان : أحدهما : هو أول صلاته . والثانية : هو آخرها . وكذلك عن أحمد ، ولكن أكثر الروايات عنه ، أنه آخر صلاته . وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته ، وما يقضيه أولها . وهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري . وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي [بالحمد] وسورة . قال ابن المنذر : واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام . فقالت طائفة : يجعله أول صلاته ، روي هذا القول عن عمر وعلي وأبي الدرداء ، ولا يثبت ذلك عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق والمزني . وقالت طائفة : يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته ، كذلك قال ابن عمر . وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي وأحمد . قال ابن المنذر : وبالأول نقول . انتهى . وأنكر ابن عبد البر نقل ابن المنذر ذلك عن مالك والشافعي والثوري وأحمد ، وقال : إنما أخذه من قولهم في القراءة [في القضاء] . قال : وثبت عن ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز : ما أدركت فاجعله أول صلاتك . قال : والذي يجيء على أصولهم - إن لم يثبت عنهم نص في ذلك - ما قاله المزني وإسحاق وداود وعبد العزيز بن الماجشون . يعني : أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وحدها ؛ لأنه آخر صلاته . قال : وهذا أطرد في القياس . قال : فأما من يقول : ما أدركه فهو أول صلاته ، وما يقضيه آخرها ، ثم يقول : يقرأ فيه بالحمد وسورة ، فكيف يصح هذا على قوله ؟ وروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول ، قال : ما أدركت فاجعله أول صلاتك ، تقرأ في أولها بأم القرآن وسورة بينك وبين نفسك . قلت : وهذا ظاهر في أنه لا يقرأ فيما يقضي بسورة مع الحمد . وروى بإسناده - أيضا - عن بقية ، عن الزبيدي ، قال : يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة بقدر الذي فاته مع الإمام . قال : وأما الأوزاعي فكان يقول : يقرأ بأم القرآن . قال بقية : وبه نأخذ . وروى - أيضا - بإسناده عن ثابت بن عجلان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك ، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة . وهذا يدل - أيضا - على أنه لا يقرأ فيما يقضي زيادة على الحمد . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة - مثل قول ابن عباس . وقد اتفقت النصوص عن أحمد على أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة . واختلف قوله في مأخذ ذلك : فنقل عنه هارون الحمال ، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها . قال : فقيل له : قد حكي عنك أنك قلت : يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته . فأنكر ذلك . وهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعا على ذلك ؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه ، قد نقله عنه غير واحد ، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله : إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها ، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب . وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة ، مع قوله : آخر صلاته . وإن كان مراده الثاني كان القول : يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه ، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه : هل هو أول صلاته ، أو آخرها . وهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا . وأنكر بعض المتأخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين ، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها ، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين . وهذا المأخذ الثاني لا يصح ؛ فإنه لا نسيان هاهنا . وللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل : أحدهما : الاحتياط ، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما ، قال : يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي . يعني : أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة ، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد ؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطا لقراءة السورة ؛ فإنها سنة مؤكدة ، فيحتاط لها ، ويأتي بها في الركعات كلها ؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها . والمأخذ الثاني : أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية ، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالبا ، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها ، ثم قضى ركعتين ؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة ؛ لئلا تخلو هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة ، مع حصول الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه ، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة . أما لو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة ؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه ، لا سيما عند من يقول : إن ما أدركه هو أول صلاته . ولهذا قال قتادة : إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة ، سورة ، تجعلهما أول صلاتك . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . ولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصا صريحا أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام ، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه ، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت . وعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو . قال : ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة . ونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين . فاختلف أصحابه على طريقين : أحدهما : أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين ، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات ، وهذا قاله أبو علي الطبري . والطريق الثاني : قاله أبو إسحاق ، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولا واحدا ، وإن قيل : لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين ؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين ، ولا أدرك قراءة الإمام السورة ، فاستحب له ؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين . وهذا الطريق هو الصحيح عندهم ، وعليه أكثر أصحابهم . وأما الجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب ، فأكثرهم على أنه لا يجهر . وحكوا في جهره قولين للشافعي . ومنهم من قال : نص في ( الإملاء ) على أنه يجهر ؛ لأن الجهر فاته فيتدارك ، ونص في غيره على أنه لا يجهر ؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة ، فلا تفوته . وبهذا يفرق بينه وبين السورة . وصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها ، لم يعدها في الأخريين ، إلا على قولهم : يقرأ بالسورة في الركعات كلها ، وهو حسن موافق لما ذكره . وهاهنا مأخذ ثالث ؛ وقد صرح به غير واحد من السلف ، وقد روي عن علي ما يدل عليه ، وصرح به الترمذي وغيره ، وهو : أن من أدرك مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما ، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه . لكن ؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام ، أو فيما يقضيه بعد قراءته . فالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام ، وقال : هو أول صلاته . وقال ابن مسعود وغيره : فيما يقضي لنفسه وحده منفردا . فإما أن يكون مأخذهم أنه أول صلاته ، وإما أن يكون مأخذهم أن القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق ، ولا يكون في حال متابعته ، وإن كان آخر صلاته . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وأبي قلابة ، قالا : يصلي مع الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق به مع الإمام من القراءة . مثل قول ابن مسعود . وقال عمرو بن دينار : ما فاتك فاقضه كما فاتك . وروى ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن جهم بن الأسود ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد . وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : إنما القراءة في القضاء . قال : وقال لي سعيد بن جبير : تقرأ فيما تدرك . والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام ؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة . وأيضا ؛ فإن [عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام ، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه ؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية ، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير ، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والأكثرون منهم . وأما إذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب ، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة ، كما قاله ابن مسعود وعلقمة ، وقاله سعيد بن المسيب . وهو المشهور عن أحمد . وأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود ، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر ، وقاله ابن مسعود - أيضا . ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد : إن ما يقضيه آخر صلاته . قال : فإن قلنا : هو أول صلاته ، تشهد عقب قضاء ركعتين . وقال الأكثرون : بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الأصل . وهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحا ؛ فإنه أخذ في القراءة بقول ابن عمر ، وفي الجلوس بقول ابن مسعود ، وجمع بينهما . وابن مسعود مع قوله بهذا ، فإنه قد قال : ما أدركه فهو آخر صلاته ، كما سبق عنه . وزعم صاحب ( المغني ) من أصحابنا أن ذلك كله جائز . ويشكل عليه : أن أحمد نص في رواية مهنا على أنه إذا تشهد عقب ركعتين سجد للسهو . وكلام ابن مسعود يدل على جواز الأمرين كما سبق عنه . وقد تبين بهذا : أن أكثر العلماء ليس لهم في هذه المسألة قول مطرد . ولا خلاف أن التشهد الأخر في حق المسبوق هو الذي في آخر صلاته ، الذي يسلم عقيبه ، فأما التشهد الأول ، فإن وقع عقيب ركعتين من صلاة المسبوق ، فإنه يتشهد فيه معه . واختلفوا : هل يتم التشهد مع الإمام بالدعاء أم ينتهي إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) ، ثم يردده ؟ على قولين . والثاني : قول الحسن وأحمد ، والأول : ظاهر كلام عطاء . فإن كان تشهد الإمام في موضع وتر من صلاة المأموم ، فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف . وهل يتشهد معه فيه ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : يتشهد معه ، وهو قول الحسن وابن المسيب وعطاء ونافع والزهري والثوري . وأحمد ، قال : أحب إلي أن يتشهد . والثاني : لا يتشهد ، وهو قول النخعي ومكحول وعمرو بن دينار ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن - أيضا . وقال النخعي : يسبح - يعني : بدل التشهد . وقال الأوزاعي : يكتفي بالتسبيح . وأكثر العلماء على أنه لا سجود عليه للسهو لزيادة هذا الجلوس متابعة للإمام ، وحكي عن ابن عمر أنه كان يسجد كذلك للسهو . وعن أبي سعيد الخدري وعن عطاء وطاوس ومجاهد ، وهو قول الحسن . وروي عن عطاء ، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير ، أنهم كانوا يسجدون سجدتي السهو إذا أدرك الإمام في وتر . قال الإمام أحمد : لم يسمعه عطاء منهم ، بينه وبينهم رجل . يعني : أن في الإسناد مجهول . والصحيح : قول الجمهور . وفي ( صحيح مسلم ) عن المغيرة ، أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبوكا ، فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوضأ ، وصب عليه المغيرة ، ثم أقبل . قال المغيرة : وأقبلت حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف ، فصلى بهم ، فأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة ، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم ، ثم قال : ( أحسنتم ) - أو ( أصبتم ) - يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها . ولم يذكر المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو . وخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى الركعة التي سبق بها ، ولم يزد عليها شيئا . وخرجه البخاري في ( القراءة خلف الإمام ) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فصلينا ما أدركنا ، وقضينا ما سبقنا . وقد روى معمر : ليصل ما أدرك ، وليقض ما سبق . قال معمر : ولم يذكر سجودا . يعني : أنه لو كان عليه سجود في بعض الأحوال لما أخر بيانه ؛ لأنه وقت حاجة . وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده ، منهم الإمام أحمد والشافعي . وفي حديث المغيرة : أن المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام ، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معا ، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد ؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها ، [فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين . قالت طائفة : ويستحب أن لا يقوم حتى ينحرف الإمام ، لعله أن يذكر سجود سهو ، إلا أن يطول ذلك فيقوم ويدعه ، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد . وكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به ، وإن لم يقم الإمام . وقال أصحاب الشافعي : إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالسا ، وطال جلوسه ، فإن كان موضع تشهده الأول جاز ، ولم تبطل صلاته ؛ لأنه محسوب من صلاته ، لكنه يكره له تطويله ، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه ؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت ، فإن فعل عالما بطلت صلاته ، وإن كان ساهيا لم تبطل ، ويسجد للسهو . ولو سبق جماعة ببعض الصلاة ، ثم قاموا بعد سلام الإمام ، فهل لهم أن يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم ؟ فيه قولان : أحدهما : نعم ، وهو قول عطاء وابن سابط . والثاني : لا ، وهو قول الحسن . وعن أحمد فيه روايتان ، وللشافعية وجهان . ومأخذهما : هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام ؟ وأما مأخذ الحسن ، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين . قال القاضي من أصحابنا والشافعية : ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز ؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم . وقال أبو [علي] الحسن بن البناء : في هذا نظر ؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة ، وإن سبق بعضها بعضا .
21 - باب لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار وقال : ( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) - : وقاله أبو قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حديث أبي قتادة ، تقدم في الباب الماضي .
82 - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة فيهِ ثلاثةُ أحاديث : 732 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، قالَ : أخبرني أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فجحشَ شقهُ الأيمن ، قالَ أنس : فصلى لنا يومئذ صلاةً من الصلوات وهو قاعدٌ ، فصلينا وراءه قعوداً ، ثم قالَ لما سلمَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفعَ فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهُ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ ) . 733 - حدثنا قُتيبةُ ، ثنا الليث ، عن ابن شهابٍ ، عن أنس بن مالك ، قالَ : خرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحشَ ، فصلى لنا قاعداً ، فصلينا معه قعوداً ، ثم انصرف ، فقالَ : ( إنما الإمام - أو إنما جعلَ الإمام - ليؤتم به ، فإذا كبَّر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ) . 734 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، حدثني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعونَ ) . حديث أنسٍ ، ساقه من طريقين : من طريق شعيب ، عن الزهري ، وفيه التصريح بسماع الزهري لهُ من أنسٍ . ومن طريق الليث ، عن الزهري ، وليس فيهِ ذَلِكَ . وقد تقدم من حديث مالكٍ ، عن الزهري كذلك . وليس في حديث مالك ولا شعيب ذكر التكبير ، وهو في حديث الليث وحده . وقد خرجه مسلم بهذه الزيادة من طريق ابن عيينة وغيرهِ ، عن الزهري . وخرجه البخاري بها - أيضاً - فيما تقدم من طريق حميدٍ ، عن أنس . وخرجه هاهنا من حديث أبي هريرة ، أيضاً . وهذه اللفظة هي مقصودهُ من هذه الأحاديث في هذا الباب ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من يصلي خلف الإمام أن يكبر إذا كبر الإمام ، فدل على أن التكبير واجب على المأموم ، فدخل في ذَلِكَ تكبيرة الإحرام وغيرها - أيضاً - من التكبير . ويأتي الكلام في التكبير غير تكبيرة الإحرام في غير هذا الموضع - إن شاء الله تعالى وإنما المقصود هنا تكبيرة الإحرام . وقوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) قد فسرهُ بمتابعة الإمام في أقواله وأفعاله . وقد أدخل طائفةٌ من العلماء متابعته في نيته ، وقد سبق القول في ذَلِكَ . وأدخل بعضهم - أيضاً - متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة ، كرفع اليدين ، فقالَ : لا يرفع المأموم يديه إلا إذا رفع الإمام ، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة . والجمهور على خلاف ذَلِكَ ، وأن المأموم يتابع إمامه فيما يفعلهُ ، ويفعل ما تركه من السنن عمداً أو سهواً ، كرفع اليدين والاستفتاح والتعوذ والتسمية وغير ذلك ، فيما لا يفعله بعض الأئمة معتقداً لهُ ، فكل هذا يفعله المأموم ، ولا يقتدي بإمامه في تركه . ومما يدخل في ائتمام المأموم بإمامه : أنه لا يتخلف عنه تخلفاً كثيراً ، بل تكون أفعال المأموم عقب أفعال إمامه ، حتى السلام . وقد نص أحمد على أن الإمام إذا سلم وقد بقي على المأموم شيء من الدعاء ، فإنه يسلم معه ، إلا أن يكون بقي عليه شيء يسير ، فيأتي به ويسلم ، واستدل بقولِهِ : ( إنما الإمام ليؤتم به ) . وقوله : ( فإذا كبر فكبروا ) يدل على أن المأموم لا يكبر إلا بعد تكبير الإمام عقيبه ، وقد سبق الكلام على هذه المسألة مستوفىً . وكان ذكرَ حديث أبي هريرة في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته ، وقوله : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة وكبر ) وذكر الحديث - وقد خرجه البخاري في موضع آخر - أولى من ذكر : ( إذا كبر فكبروا ) ؛ فإن هذا الحديث إنما فيهِ أمر المأموم بالتكبير ، وأما تكبير الإمام فليس فيهِ الأمر به ، بل فيهِ ما يشعر بأنه لا بد من فعله كركوعه وسجوده . وحينئذٍ فيستدل بحديث أنس على أنه لا بدَّ للإمام من التسميع ، وأن المأموم مأمور بالتحميد عقيب تسميعه . وأما حديث تعليم المسيء ، ففيه تصريح بالأمر لكل قائم إلى الصلاة أن يكبر ، وسواء كانَ إماماً أو مأموماً أو منفرداً . وأما حديث : ( مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) فليس هوَ من شرط البخاري ، مع تعدد طرقه . وكذلك حديث عائشة : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير . خرجه مسلم من طريق حسين المعلم ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة . وخالفه حماد بن زيد ، فرواه عن بديل ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة . ومقصود البخاري : أن الصلاة لا تفتتح إلا بالتكبير ، ولا تنعقد بدونه . وقد روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ والشعبي ، قالوا : تحريم الصلاة التكبير . وروي عن ابن المسيب وبكير بن الأشج والنخعي فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : يستأنف الصلاة . وهو قول الثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وقال الحكم وأبو حنيفة وعامةُ أصحابه : تنعقد الصلاة بكل لفظ من ألفاظ الذكر ، كالتهليل والتسبيح . وعن النخعي ، قالَ : يجزئه ، ويسجد للسهو . وعن الشعبي ، قالَ : بأي أسماء الله تعالى افتتحت الصلاة أجزأكَ . وفي الإسناد إليه مجهولٌ . خرجه ابن أبي شيبة في ( كتابه ) . وهو رواية عن الثوري ، رواها عنه النعمان بن عبد السلام . وحكى ابن المنذر ، عن الزهري ، أن الصلاة تنعقد بمجرد النية ، ولا تحتاج إلى لفظ بالكلية . قلت : وروي نحوه - أيضاً - عن عطاء : قالَ عبد الرزاق : عن ابن جريجٍ ، قلت لعطاء : أقيمت الصلاة وأنا مع الناس ، فكبر الإمام ورفع من الركعة ، ولم أكبر في ذَلِكَ ؟ قالَ : إن كنت قد اعتدلت في الصف فاعتدَّ بها ، وإن كنت لم تزل تتحدث حتى ركعَ ورفع رأسه من الركعة فكبر ثم اركعْ واعتدَّ بها ، وإن كنت لم تعتدل في الصف فلا . وعن ابن جريج ، عن عطاء ، في رجل دخل المسجد والإمام ساجد ، أو حين رفع رأسه من الركعة أو السجدة ، أو جالساً يتشهد : يكبر تكبيرة استفتاح الصلاة ؟ قالَ : إن شاء فليكبر ، وإن شاء فلا يكبر ، ولكن إذا قام وقد قام الإمام فليكبر ويستفتح . وروى - أيضاً - عن معمر ، عن قتادة ، في رجل انتهى إلى قوم وهم جلوس في آخر صلاتهم ؟ قالَ : يجلس معهم ، ولا يكبر . ولعله أراد : أنه يكتفي بتكبيره إذا قام إلى القضاء ، فلا يكونُ قبل ذَلِكَ قد دخل في الصلاة . وقريبٌ من هذا : أنه قد روي عن طائفة من السلف ، أن من نسي تكبيرة الافتتاح في الصلاة ، فإنه تجزئه تكبيرة الركوع ، روي هذا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي ، وهو رواية عن حماد بن أبي سليمان ، حكاه ابن المنذر وغيره . وروي عن الزهري ، أنه قالَ : يسجد للسهو إذا سها . وهذا يحتاج إلى تحقيق ونظر في مأخذ ذَلِكَ . وظاهر ما حكاه ابن المنذر عن هؤلاء : أنهم رأوا تكبيرة الركوع تقوم مقام تكبيرة الافتتاح في انعقاد الصلاة بها ، وهو ظاهر كلامهم - أيضاً حيث قالوا : تجزئه تكبيرة الركوع ، وتنعقد بها الصلاة ، وقال بكر المزني : يكبر إذا ذكر . وظاهر كلامهم : أنه عامٌ في حق الإمام والمأموم والمنفرد ، وقد روي عن الحكم صريحاً في الإمام ، فأما في حق الإمام والمنفرد فيحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الصلاة انعقدت بمجرد النية ، كما روي عن الزهري . والثاني : أن تكون الصلاة إنما انعقدت بتكبيرة الركوع ، وتكون القراءةُ ساقطةً عنهما في هذه الركعة ، بناء على أن القراءة لا تجب في جميع الركعات ، وهذا هوَ الذي يتبادر فهمهُ من كلامهم . وهو قول سفيان الثوري ، ذكره أصحابه في كتبهم ، لكنه يشترط : أن ينوي بتكبيرته عندَ الركوع تكبيرة الإحرام ، كما سيأتي قوله في ذَلِكَ . وأما قول بكر المزني : ( يكبر إذا ذكر ) ، فإن أراد ما لم يركع ، فهوَ يرجع إلى ما ذكرنا ، وإن كانَ مراده أعمَّ من ذَلِكَ ، فلا يرجع إلا إلى أنَّ الصلاة يدخل فيهِا بمجرد النيةِ - أيضاً - إلا أن يكون أراد أنه يكبر متى ما ذكر ، ويستأنف الصلاة من حينئذ . وأما في حق المأموم ، فقد وافق من تقدم ذكرهُ على قولهم يجزئه تكبيرة الركوع ، مالك وأحمد في رواية عنهما . فذكر مالك في ( الموطأ ) في الإمام والمنفرد أنهما إذا نسيا تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة ، وفي المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع : رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه . قالَ ابن عبد البر : قالَ الزهري والأوزاعي وطائفةٌ : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة . وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد : أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحدٍ منهما ، والصحيح من مذهبه : إيجاب تكبيرة الإحرام ، وأنها فرضٌ ركنٌ من أركان الصلاة . قلت : يمكن أن يحمل ما نقل عن السلف ، أو عن بعضهم في ذلك على المأموم خاصةً ، وكذلك حكاه عنهم ابن عبد البر في المأموم خاصةً ، وهذا أشبه وأظهر . ويدل عليهِ : ما خرجه حربٌ بإسناده ، عن خليد ، عن الحسن وقتادة قالا : إن نسيت تكبيرة الاستفتاح وكبرت للركوع وأنت مع الإمام فقد مضت صلاتك . وبإسناده ، عن الوليد بن مسلم ، قالَ أبو عمرو - يعني : الأوزاعي - فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : إن كانَ وحده استأنف الصلاة ، وإن كانَ مع الإمام أجزأته تكبيرة الركوع ، وكان كمن أدرك ركعة الإمام فكبر تكبيرة ، وأمكن كفيه من ركبتيه ، ورفع الإمام رأسه فقد أجزأتهُ تلك الركعة . قالَ الوليد : فقلت لأبي عمرو : فإن نسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع ؟ فأخبرني أن ابن شهاب قالَ : يضيف إلى صلاته ركعةً ، ولا يعتدُّ بتلك الركعة التي لم يكبِّر لها . وقال أبو عمرٍو : وإذا كانَ وحده ، فنسي الأولى والآخرة أعاد الصلاة ، وإذا كانَ مع الإمام أضاف إلى صلاته ركعةً أخرى . فقد فرق الأوزاعي بين المنفرد والمأموم ، وأما الزهري فلم يفرق . والتفريق بينهما لهُ مأخذان : أحدهما : أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير ، كما يتحمل عنه القراءة ، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد . قالَ حنبل : سألت أبا عبد الله عن قول : إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه ؟ فقالَ أبو عبد الله : يجزئه إن كانَ ساهياً ؛ لأن صلاة الإمام لهُ صلاةٌ . فصرح بالمأخذ ، وهو تحملُ الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو . ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في ( كتاب الشافي ) ، وهذه رواية غريبة عن أحمد ، لم يذكرها الأصحاب . والمذهب عندهم : أنه لا يجزئه ، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد ، وقد نقله غير واحد عن أحمد . ونقل إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة ؟ قالَ : إن تركها عمداً لم تجزئه صلاته . ومفهومه : أنه إن تركها سهواً أجزأته صلاته . وينبغي حمل ذَلِكَ على المأموم خاصةً ، كما نقله حنبل . وهذا المأخذ هوَ مأخذ من فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد ، كالأوزاعي ؛ ولهذا طرد قوله في المأموم ينسى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع ، وقال : إن صلاته جائزة ، ويقضي ركعةً . ولو كانَ مأخذه : أن صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية لم يكن بين الإمام والمأموم فرقٌ . وهو - أيضاً - مأخذ مالك وأصحابه . وفي ( تهذيب المدونة ) : وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام ، فإن كانَ كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه ، فإن كبرها ولم ينو بها ذَلِكَ تمادى مع الإمام ، وأعاد صلاته احتياطاً ؛ لأنه لا يجزئه عندَ ربيعة ، ويجزئه عندَ ابن المسيب ، وإن لَم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعةً ركعها معه ، وابتدأ التكبير ، وكان الآن داخلاً في الصلاة ، ويقضي ركعةً بعد سلام الإمام ، ولو كانَ وحده ابتدأ متى ذكر ، قبل ركعةً أو بعد ركعةٍ ، نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا ، وكذلك الإمام لا يجزئه إن نوى بتكبيرة الإحرام الركوع ، فأن فعل أعاد هوَ ومن خلفه . انتهى . وهذا التفريق ، إنما هوَ لتحمل الإمام القراءة . وما ذكر مِن أن المسبوق إن لَم ينو بتكبيرته عند الركوع الإحرام يتمادى معَ الإمام ، ويعيد صلاته احتياطاً ، مخالف لما نص عليهِ مالك في ( الموطأ ) : أنَّهُ تجزئه صلاته إذا سها عَن تكبيرة الافتتاح . ولكن في بعض روايات ( الموطأ ) عَن مالك ، أنه اشترط في هَذا الموضع نية الافتتاح ، أيضاً . وذكر ابن عبد البر : أن أصحاب مالك اضطربوا في هَذهِ المسألة اضطراباً عظيماً ، ونقضوا أصلهم في وجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم ؛ لأجل الاختلاف فيهِ . وقد قالَ مالك في ( الموطأ ) : إن المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وكبرَّ في الثانية ، أنَّهُ يبتدئ صلاته أحبُّ إليَّ . فظاهر هَذا : أنه لَم يوجب عليهِ الإعادة للاختلاف في تحمل الإمام عَنهُ التكبير ، وهذا يدل على أنه رأى الاختلاف في حق المأموم خاصةً ؛ فإنه قالَ في المنفرد : يعيد صلاته جزماً . والمأخذ الثاني : وقد بنى ما روي عَن السلف عليهِ طائفة مِن العلماء ، مِنهُم : عباس العنبري ، وَهوَ : أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع فكبر تكبيرة واحدةً ، فإنه تجزئهُ وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء ، وفيه خلاف عَن ابن سيرين وحماد بنِ أبي سليمان . وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد أنه لا يصح حتى يكبر تكبيرتين ، ولا يصح هَذا عَن أحمد . فعلى قول الجمهور : إذا كبر تكبيرةً واحدةً ، فله أربعةُ أحوال : إحداها : أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح ، فتجزئه صلاته بغير توقف . الحالة الثانية : أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً ، فلا تجزئه عند الأكثرين ، قاله الثوري ومالك . ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( تحريمها التكبير ) ، وهذا لَم يحرم بالصلاة . فإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام ، فقالَ مالك في ( الموطأ ) : تجزئه . وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد . ولا تجزئه عند الثوري ، وَهوَ المشهور عَن أحمد ومذهب الأكثرين . الحالة الثالثة : أن ينويهما معاً ، ففيه قولان : أحدهما : تجزئه ، حكي عَن أبي حنيفة ومالك وأبي ثور ، وحكي رواية عَن أحمد ، اختارها ابن شاقلا . والثاني : لا تجزئه ، وَهوَ المشهور عند أصحابنا ، وقول الشَافِعي وإسحاق . الحالة الرابعة : أن لا ينوي شيئاً ، بل يطلق النية ، فهل تجزئه ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح ؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان ؛ إحداهما فرض ، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية ، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع ، فإنه لَم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحدٍ . وهذا القول حكي عَن أبي حنيفة ، وَهوَ قول الثوري ومالك وإسحاق ، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد . وقاله أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر مِن أصحابنا في ( كتاب الشافي ) والقاضي أبو يعلى في ( جامعه الكبير ) ، وجعله المذهب روايةً واحدةً ، وتأول ما خالف ذَلِكَ عَن أحمد . والثاني : تجزئه وإن أطلق النية ، نقله ابن منصور - أيضاً - عَن أحمد ، ونقله - أيضاً - صالح ومهنا وأبو طالب عَن أحمد . وقال : ما علمنا أحداً قالَ : ينوي بها الافتتاح . يشير إلى الصحابة والتابعين . وعلل : بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة . يشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه ؛ بخروجه إلى الصلاة ، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية ، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة ، فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولاً ، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة ؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده . وللشافعي قولان في هَذهِ المسألة . وقد يجاب عَن قول مِن قالَ : إنه قَد اجتمع في حقه تكبيرتان بأنهما لَم تجتمعا عليهِ ؛ فإن تكبيرة الافتتاح محلها القيام ، وتكبيرة الركوع محلها الانحناء للركوع ، فلم تجتمعا في محل واحد . وهذا بناءً على أنه لا تنعقد صلاة مدرك الركوع ، إلا بالتكبير قائماً ، وَهوَ قول الشَافِعي وإسحاق وأصحابنا . وحكى صاحب ( شرحِ المهذب ) أنه رواية عَن مالك ، قالَ : والمشهور عَنهُ : أنه تنعقد صلاته إذا كبر وَهوَ مسبوق في حال الركوع ، قالَ : وَهوَ نصه في ( المدونة ) و ( الموطأ ) . قلت : هَذا مقتضى الرواية عَن مالك في المأموم إذا نسي تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع : أنه تجزئه ، كذا رواه القعنبي وغيره عَن مالك . ورواه يحيى بنِ يحيى ، عَن مالك ، بشرط أن ينوي بها الافتتاح . فينبغي على هَذا : أن لا يأتي بها إلا قائماً . أو مقتضى قول مِن قالَ : تجزئه تكبيرة الركوع عَن تكبيرة الإحرام : أنه تنعقد الصلاة بالتكبير في حال الركوع ؛ لأن تكبيرة الركوع إنما تكون في حال الانحناء للركوع . وقد روى عبد الرزاق في ( كتابه ) عَن ابن جريج ، قالَ : أخبرت عَن ابن مسعود ، أنه كانَ يقول : إذا وجدت الإمام والناس جلوساً في آخر الصلاة فكبر قائماً ، ثم اجلس وكبر حين تجلس ، فتلك تكبيرتان : الأولى وأنت قائم لاستفتاح الصلاة ، والأخرى حين تجلس ؛ كأنها للسجدة . وهذا منقطع . وهذا التفسير كأنه مِن قول ابن جريج . وروى وكيع ، عَن إبراهيم بن إسماعيل بنِ مجمع ، عَن الزهري ، عن عروة وزيد بنِ ثابت ، أنهما كانا يجيئان والإمام راكع ، فيكبران تكبيرة الافتتاح ، لافتتاح الصلاة وللركعة . إبراهيم هَذا ، فيهِ مقال . وقد رواه معمر وإبراهيم بنِ سعد وابن أبي ذئب ، عَن الزهري ، عَن ابن عمر وزيد بنِ ثابت ، قالا : تجزئه تكبيرة واحدةٌ . وروي عَن معمر ، عَن الزهري ، عن سالم ، عَن ابن عمر وزيد . فيصير إسناده متصلاً . وليس في رواية أحدٍ مِنهُم أنه يكبر للافتتاح ، وهذا أصح إن شاء الله تعالى .
84 - باب رَفعُ الْيَدَيَنِ إذَا كَبَّر ، وَإِذَا ركَعَ ، وإِذَا رَفَعَ فيهِ حديثان : أحدهما : قالَ : 736 - حدثنا محمد بن مقاتل ، ثنا عبد الله ، أنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، قالَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذَلِكَ حين يكبر للركوع ، ويفعل ذَلِكَ إذا رفع رأسه من الركوع ، ويقول : ( سمع الله لمن حمده ) ، ولا يفعل ذَلِكَ في السجود . الثاني : قالَ : 737 - حدثنا إسحاق الواسطي ، ثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع هكذا . لم يخرج البخاري في ( صحيحه ) في رفع اليدين غير حديث ابن عمر وحديث مالك بن الحويرث ، وقد أفرد للرفع كتابا ، خرج فيهِ الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة ، وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل الحديث ، منهم : النسائي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما . وسبب اعتنائهم بذلك : أن جميع أمصار المسلمين ، كالحجاز واليمن ومصر والعراق كانَ عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عندَ الركوع والرفع منه ، سوى أهل الكوفة ، فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة ، إلا في افتتاح الصلاة خاصة ، فاعتنى علماء الأمصار بهذه المسألة ، والاحتجاج لها ، والرد على من خالفها . قال الأوزاعي : ما اجتمع عليهِ علماء أهل الحجاز والشام والبصرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة ، وحين يكبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، إلا أهل الكوفة ، فإنهم خالفوا في ذَلِكَ أئمتهم . خرجه ابن جرير وغيره . وقال البخاري في ( كتابه في رفع اليدين ) بعد أن روى الآثار في المسألة : فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي . وقال محمد بن نصر المروزي : لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه ، إلا أهل الكوفة . وروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ، أنه تناظر هوَ والثوري في هذه المسألة بمكة ، وغضب واشتد غضبه ، وقال للثوري : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد ، رضي الله عنهما . وحديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر مما اتفق العلماء كلهم على صحته وتلقيه بالقبول ، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة ، منهم : الأوزاعي وابن المبارك ، وقال : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . كذلك قالَ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وأما مالك ، فإنه خرجه في ( كتاب الموطأ ) في ( باب : افتتاح الصلاة ) ، وذكر عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يعمل به . وقد روى عامة أصحاب مالك ، أنه كانَ يعمل به ، منهم : ابن وهب وأبو مصعب وأشهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم . وإنما روى عنه الرفع عندَ افتتاح الصلاة خاصة ابن القاسم ، قالَ : وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا ، وقال : إن كانَ ففي الإحرام . قالَ محمد بن الحكم : لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم . وذكر ابن عبد البر ، عن أحمد بن خالد - وهو : ابن الجباب ، وكان أعلم أهل الأندلس بالفقه والحديث في وقته قالَ : كانَ جماعة من أصحابنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ، ورواية من روى ذَلِكَ عن مالك وجماعة لا يرفعون ، على رواية ابن القاسم ، ولا يعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء . قلت : افترق الناس في هذه المسألة فرقا ثلاثة . ففرقة منهم : تنكر على من يرفع أو تبدعه ، وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة ، حتى غالى بعضهم فجعله مبطلا للصلاة ، وادعى بعضهم أن الرفع نسخ . وقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام ، حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذَلِكَ وأنكره على من فعله وحجبه عنه . وفرقة : لا ينكرون على واحد من الفريقين ، ويعدون ذَلِكَ من مسائل الخلاف السائغ ، ثم منهم من يميل إلى الرفع ، ومنهم من يميل إلى تركه ، ومنهم : سفيان الثوري . وقد روى ابن أبي شيبة في ( كتابه ) عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين ، أنهم لم يرفعوا أيديهم إلا عندَ الافتتاح ، منهم عمر وابن عمر . وهي رواية مجاهد عنه ، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدارقطني وغيرهم . ومنهم : علي وابن مسعود وأصحابهما . وقد روي ذَلِكَ عن علي وابن مسعود مرفوعا ، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديما وحديثا . وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عندَ الركوع ، والرفع منه - أيضا - حتى قالَ قتادة ، عن الحسن : كانَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتهم كأن أيديهم المراوح ، إذا ركعوا وإذا رفعوا رءوسهم . وقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن رفع اليدين في الصلاة ، فقالَ : هوَ شيء يزين به الرجل صلاته ؛ كانَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم في الافتتاح ، وعند الركوع ، وإذا رفعوا رءوسوهم . وهو قول عامة التابعين . وقال عمر بن عبد العزيز : إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا . وقول عامة فقهاء الأمصار . وكان الإمام أحمد لا يبالغ في الإنكار على المخالف في هذه المسألة : روى عنه المروذي وغيره ، أنه سئل عمن ترك الرفع يقال : إنه تارك للسنة ؟ قالَ : لا تقل هكذا ، ولكن قل : راغب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم . ونقل عنه الميموني ، قالَ : الرفع عندنا أكثر وأثبت ، فإن تأول رجل ، فما أصنع ؟ وسئل الإمام أحمد ، فقيل لهُ : إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة ، وقوما ينهوننا عنه ؟ فقالَ : لا ينهاك إلا مبتدع ، فعل ذَلِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع . فلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها ، فأما المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه . وقد حمل القاضي أبو يعلى قول أحمد : إنه مبتدع ، على من ترك الرفع عندَ تكبيرة الإحرام ، وهو بعيد . ونقل جماعة عن أحمد في تارك الرفع ، أنه يقال : إنه تارك السنة . قالَ القاضي أبو يعلى : إنما توقف في ذَلِكَ في رواية المروذي متابعة للفظ المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( من رغب عن سنتي فليس مني ) ، وإلا ففي الحقيقة : الراغب عن الرفع هوَ التارك لهُ . ونقل حرب ، عن أحمد ، قالَ : أنا أصلي خلف من لا يرفع يديه ، والرفع أحب إلي وأصح . وكلام البخاري في ( كتاب رفع اليدين ) لهُ إنما يدل على الإنكار على من أنكر الرفع ، وقال : هوَ بدعة ، أيضاً . وخرج مسلم في ( صحيحه ) في الرفع عندَ الركوع والرفع منه حديث ابن عمر ومالك بن الحويرث ، أيضاً . وخرجه - أيضاً - من حديث وائل بن حجر . وخرجه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ، ومن حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة ، منهم : أبو قتادة . وخرجه ابن ماجه - أيضا . وخرجه أبو داود - أيضا - من حديث أبي هريرة . وخرجه ابن ماجه من حديث أنس وجابر وابن عباس . وقد روي من وجوه أخر ، حتى قالَ بعضهم : رواه قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة . وقال غيره : رواه نيف وثلاثون من الصحابة . وقال الحاكم : رواه العشرة المشهود لهم بالجنة . وفي هذه العبارات تسامح شديد ، وقد ذكرت هذه الأحاديث وطرقها وعللها في ( كتاب شرح الترمذي ) بحمد الله ومنه . وأحسن من ذَلِكَ قول الشافعي : رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر غير ابن عمر . وهذه عبارة صحيحة حسنة مليحة . وكذا قالَ ابن عبد البر وغيره من الحفاظ . وذكر الترمذي في ( جامعه ) لهُ أربعة عشر راويا عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولم يوجب الرفع عندَ الركوع والرفع منه ، ويبطل الصلاة بتركه ، إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود ونحوهم . وسئل حماد بن زيد ، عن معنى رفع اليدين في الصلاة ؟ فقالَ : هوَ من إجلال الله . خرجه أبو موسى المديني . وقال الشافعي : فعلته إعظاما لجلال الله ، واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجاء لثواب الله . خرجه البيهقي في ( مناقبه ) .
22 - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة 637 - حدثنا مسلم بن إبراهيم : حدثنا هشام ، قال : كتب إلي يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) . هذا رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبة ، وقد رواه عن يحيى غير واحد : شيبان ، وحجاج الصواف ، وأيوب ، وأبان العطار ، ومعمر ، وغيرهم . وخرجه البخاري من رواية شيبان ، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر . وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر : ( حتى تروني قد خرجت ) . وقال أبو داود : لم يذكر : ( قد خرجت ) إلا معمر . وذكر البيهقي : أنها قد رويت عن حجاج - أيضا . وخرجها ابن حبان في ( صحيحه ) من رواية معمر ، ولفظه : ( حتى تروني قد خرجت إليكم ) . وهذه اللفظة : يستدل بها على مراده - صلى الله عليه وسلم - برؤيته : أن يخرج من بيته ، فيراه من كان عند باب المسجد ، ليس المراد : يراه كل من كان في المسجد . وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ) ، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتفي برؤيتهما ، وصام الناس كلهم . ويدل على هذا : ما خرجه مسلم من حديث الزهري ، قال : أخبرني أبو سلمة ، سمع أبا هريرة يقول : أقيمت الصلاة ، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف - وذكر تمام الحديث . ويحمل ذلك على قيامهم قبل أن يطلع على أهل المسجد من المسجد ، لما علموا خروجه من بيته وتحققوه . وخرج - أيضا - بهذا الإسناد ، عن أبي هريرة ، قال : إن كانت الصلاة تقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامه . فهذه الرواية تصرح بأن الصفوف كانت تعدل قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاه ، ولكن كان قد خرج من بيته ، ورآه من كان بقرب بيته . وقد ذكر الدارقطني وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله ، فأتي به بهذا اللفظ . فإن قيل : فقد خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه . فلو اكتفي برؤية واحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - لاكتفي برؤية بلال له ، واكتفي بإقامة بلال في قيام الناس ، فإنه كان لا يقيم حتى يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج . قيل : هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصة ، وأما في غيرها من الصلوات ، فقد كان بلال يجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته ، فيؤذنه بالصلاة ، فكان يفعل ذلك في صلاة الفجر ، كما في حديث عائشة وابن عباس ، وكان أحيانا يفعله في السفر في غير الفجر ، كما روى أبو جحيفة ، أنه رأى بلالا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الظهر . فالظاهر : أن بلالا كان إذا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة رجع ، فأقام قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته ، واكتفى بتأهبه للخروج [بإيذانه] له ، فوقع النهي في قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة . والله أعلم . وقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة . فقال طائفة : يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة ، سواء خرج الإمام أو لم يخرج . وحكى ذلك بعض الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي . ورجح بعض متأخري الشافعية أنهم لا يقومون حتى يروه ؛ لحديث أبي قتادة . وحكى ابن المنذر ، عن أبي حنيفة ، أنه إذا لم يكن الإمام معهم كره أن يقوموا في الصف والإمام غائب عنهم . وممن روي عنه ، أنهم لا يقومون حتى يروا الإمام : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب . خرجه وكيع ، عنهما . واختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة : فروى عن جماعة من أصحابه ، أنهم لا يقومون حتى يروه ؛ لحديث أبي قتادة ، ولو علموا به ، مثل أن يكون الإمام هو المؤذن ، وقد أقام الصلاة في المنارة وهو نازل . وروى عنه الأثرم وغيره : أنهم يقومون قبل أن يروه إذا أقيمت الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم . وروى عنه المروذي وغيره : أنه وسع العمل بالحديثين جميعا ، فإن شاءوا قاموا قبل أن يروه ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه . ورجح بعض أصحابنا الرواية الأولى ؛ لحديث أبي قتادة ، وادعى أنه ناسخ لحديث أبي هريرة ؛ فإنه يدل على أن فعلهم لذلك كان سابقا ، ثم نهي عنه . وكذا ذكر البيهقي ، لكن قال : إنما نهي عنه تخفيفا عليهم ، ورفقا بهم ، وهذا لا يمنع العمل به كالصائم في السفر ونحوه . وروي عن أبي خالد الوالبي ، قال : خرج إلينا علي بن أبي طالب ونحن قيام ، فقال : ما لي أراكم سامدين - يعني : قياما . وسئل النخعي : أينتظرون الإمام قياما أو قعودا ؟ قال : قعودا . وقال ابن بريدة في انتظارهم قياما : هو السمود . وكذا روي عن النخعي ، أنه كرهه ، وقال : هو السمود . وحكي مثله عن أبي حنيفة وإسحاق . قال بعض أصحابنا : وروي عن أبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وداود ، أنه إن كان الإمام خارجا من المسجد فلا تقوموا حتى تروه ، وإن كان في المسجد فهو كالمشاهد ؛ حملا للرؤية في الحديث على العمل ، وكذا قال ابن بطة من أصحابنا . وإن كان الإمام في المسجد ، فهو مرئي للمصلين أو بعضهم ، لكن هل يكتفى برؤيته قاعدا ، أو لا بد من رؤيته قائما متهيئا للصلاة ؟ هذا محل نظر . والمنصوص عن أحمد ، أنه إذا كان في المسجد فإن المأمومين يقومون إذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) ، وإن لم يقم الإمام . والقيام للصلاة عند الإقامة متفق على استحبابه للإمام ، إذا كان حاضرا في المسجد ، وللمأمومين معه . واختلفوا في موضع القيام من الإقامة على أقوال : أحدها : أنهم يقومون في ابتداء الإقامة ، روي عن كثير من التابعين ، منهم : عمر بن عبد العزيز ، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وهو غريب عن أحمد . والثاني : إذا قال : ( قد قامت الصلاة ) ، روي عن أنس بن مالك ، والحسن بن علي ، وعطاء ، والحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، وهو قول ابن المبارك ، وزفر ، وأحمد ، وإسحاق . والثالث : إذا قال : ( حي على الفلاح ) ، وحكي عن أبي حنيفة ، ومحمد . والرابع : إذا فرغت الإقامة ، وحكي عن مالك ، والشافعي . وحكى ابن المنذر عن مالك ، أنه لم يوقت في ذلك شيئا . وقال الماوردي - من الشافعية - : إن كان شيخا بطيء النهضة قام عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، وإن كان سريع النهضة قام بعد الفراغ ؛ ليستووا قياما في وقت واحد . فإن تأخر قيام الإمام عن فراغ الإقامة لعذر كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يناجي بعض أصحابه طويلا ، فهل يتأخر قيام المأمومين إلى حين قيامه ؟ الأظهر : نعم . ويدل عليه ما خرجه البخاري - وسيأتي قريبا إن شاء الله - عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلا في جانب المسجد ، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم . ونومهم يدل على أنهم كانوا جلوسا ؛ إذ لو كانوا قياما ينتظرون الصلاة كان أبعد لنومهم . وروى حجاج بن فروخ ، عن العوام بن حوشب ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان بلال إذا قال : قد قامت الصلاة ، نهض النبي - صلى الله عليه وسلم حجاج واسطي ، قال أحمد ويحيى : لا نعرفه . وقال يحيى - أيضا - : ليس بشيء . وقال أبو حاتم : مجهول ، وضعفه النسائي ، وقال الدارقطني : متروك . وذكر هذا الحديث لأحمد فأنكره ، وقال : العوام لم يلق ابن أبي أوفى . هذا في القيام المبتدأ للصلاة ممن كان جالسا ، فأما من دخل المسجد إماما كان أو مأموما ، والمؤذن يقيم الصلاة ، فهل يجلس ليبتدئ القيام إما بعد الفراغ أو عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، أم يستمر قائما ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه يجلس ليقوم إلى الصلاة في موضع القيام المشروع ، وكذلك كان الإمام أحمد يفعل - : نقله عنه ابن منصور ، وقاله طائفة من الشافعية ، منهم : أبو عاصم العبادي . وفيه حديث مرسل ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء وبلال في الإقامة ، فقعد . خرجه الخلال . والقول الثاني : إنه يستمر قائما ولا يجلس - : قاله طائفة من الشافعية ، منهم : البغوي وغيره ؛ لئلا يدخل في النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام ؛ لأن النهي إنما يتناول القيام المبتدأ ، وهذا لم يبتدئ القيام ، بل استمر عليه . ويتخرج لأحمد مثل هذا ؛ لأنه فرق بين القيام المبتدأ والمستمر في القيام للجنازة ، فحمل النهي عن القيام المبتدأ لمن كان جالسا ، فأما من تبعها فإنه يستمر قائما ، ولا يجلس حتى توضع بالأرض ، ولم ير هذا القيام المستمر داخلا في القيام للجنازة المنهي عنه ، وجمع بذلك بين الحديثين . وقد يفرق بينهما : بأن في الجنازة حديثين مختلفين ، فجمع بينهما بالتفريق بين القيام المبتدأ والمستمر ، وأما في النهي عن القيام قبل رؤية الإمام فليس فيه حديث يعارضه ، بل مرسل ابن أبي ليلى يوافقه ، فلذلك سوى فيه بين القيام المبتدأ والمستمر . والله أعلم . وأما إن خرج الإمام إلى المسجد ، ورآه المأمومون قبل إقامة الصلاة ، فلا خلاف أنهم لا يقومون للصلاة برؤيته . وخرج البيهقي من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن ابن جريج : أخبرني موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج بعد النداء إلى المسجد ، فإذا رأى أهل المجلس قليلا جلس حتى يرى منهم جماعة ، ثم يصلي ، وكان إذا خرج فرأى جماعة أقام الصلاة . وقال : وحدثني موسى بن عقبة - أيضا - عن نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم الزرقي ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا الحديث . وخرجه أبو داود من رواية أبي عاصم ، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا - لكن لفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس ، ثم صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى . وخرجه الإسماعيلي في ( مسند علي ) من طريق أبي عاصم ، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل المسجد فرأى جماعة أقام الصلاة ، وإن رآهم قليلا جلس . وخرجه من طريق عبد المجيد - أيضا - بنحو رواية البيهقي ، وفي آخره : يعني : أمر المؤذن ، فأقام . وأشار إلى أنه إنما يعرف بهذا الإسناد عن علي القيام للجنازة ثم الجلوس قال : ولعل هذا أن يكون [خبرا] آخر . والله أعلم .
10 - كتاب الأذان بسم الله الرحمن الرحيم 1 - باب بدء الأذان وقول الله عز وجل : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ وقوله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . يشير إلى أن الأذان مذكور في القرآن في هاتين الآيتين : الأولى منهما : تشتمل النداء إلى جميع الصلوات ؛ فإن الأفعال نكرات ، والنكرة في سياق الشرط تعم كل صلاة . والثانية منهما : تختص بالنداء إلى صلاة الجمعة . وقد روى عبد العزيز بن عمران ، عن إبراهيم بن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الأذان نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع فرض الصلاة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . هذا إسناد ساقط لا يصح . وهذه الآية مدنية، والصلاة فرضت بمكة ، ولم يصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بمكة جمعة . وقوله : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا مدنية - أيضا - ولم يؤذن للصلاة بمكة . والحديث الذي روي أن جبريل لما أم النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما فرضت الصلاة أمره أن يؤذن بالصلاة ، قد جاء مفسرا في رواية أخرى ، أنه يؤذن : الصلاة جامعة . وقد سبق ذكره في أول كتاب الصلاة . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري خرج ملك من وراء الحجاب فأذن ، فحدثه ربه عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ، ثم أخذ الملك بيد محمد فقدمه فأم أهل السماء ، منهم آدم ونوح . قال أبو جعفر محمد بن علي : فيومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماء وأهل الأرض . وقد خرجه البزار والهيثم بن كليب في مسنديهما بسياق مطول من طريق زياد بن المنذر أبي الجارود ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي . وهو حديث لا يصح . وزياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي ، قال فيه الإمام أحمد : متروك . وقال ابن معين : كذاب عدو الله ، لا يساوي فلسا . وقال ابن حبان : كان رافضيا يضع الحديث . وروى طلحة بن زيد الرقي ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسري به إلى السماء أوحى الله إليه الأذان ، فنزل به ، فعلمه جبريل . خرجه الطبراني . وهو موضوع بهذا الإسناد بغير شك . وطلحة هذا ، كذاب مشهور . ونبهنا على ذلك لئلا يغتر بشيء منه . وإنما شرع الأذان بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، والأحاديث الصحيحة كلها تدل على ذلك . والأذان له فوائد : منها : أنه إعلام بوقت الصلاة أو فعلها . ومن هذا الوجه هو إخبار بالوقت أو الفعل . ولهذا كان المؤذن مؤتمنا . ومنها : أنه إعلام للغائبين عن المسجد ؛ فلهذا شرع فيه رفع الصوت ، وسمي نداء ؛ فإن النداء هو الصوت الرفيع . ولهذا المعنى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد : قم فألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك . ومنها : أنه دعاء إلى الصلاة ؛ فإنه معنى قوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . وقد قيل : إن قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا الآية : نزلت في المؤذنين ، روي عن طائفة من الصحابة . وقيل في قوله تعالى : وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ إنها الصلوات الخمس حين ينادي بها . ومنها : أنه إعلان بشرائع الإسلام من التوحيد والتكبير والتهليل والشهادة بالوحدانية والرسالة .
خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الحديث [الأول] : قال : 603 - ثنا عمران بن ميسرة : ثنا عبد الوارث : ثنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : ذكروا النار والناقوس ، فذكروا اليهود والنصارى ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وخرجه البخاري في الباب الآتي ، بلفظ آخر ، وهو : قال : لما كثر الناس وانتشروا في المدينة . قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وخرجه مسلم - أيضا . وهذا يدل على أن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة حتى كثر الناس وانتشروا في المدينة ومن حولها ، واحتاجوا حينئذ إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة . وقوله في هذه الرواية : فذكروا اليهود والنصارى - يعني : أنهم كرهوا النار والناقوس ؛ لمشابهة اليهود والنصارى في أفعالهم . ولا يعرف ذكر النار إلا في هذه الرواية ، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق ، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس . وقد روي من حديث خالد ، عن أبي قلابة ذكر الناقوس والبوق - أيضا . خرجها ابن خزيمة في صحيحه والطبراني من رواية روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى رجل إلى الطريق ، فنادى : الصلاة الصلاة ، فاشتد ذلك على الناس ، فقالوا : لو اتخذنا ناقوسا يا رسول الله ؟ قال : ذلك للنصارى . قالوا : فلو اتخذنا بوقا ؟ قال : ذلك لليهود . فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . وقال الطبراني : لم يروه - بهذا التمام - عن خالد إلا روح . انتهى . وروح ، متكلم فيه . وفي حديث عبد الله بن زيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة . خرجه أبو داود وغيره . ويعضده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء . وفي رواية إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق لحديث عبد الله بن زيد ، قال : لما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة ، وهو كاره لموافقة النصارى . وهذا يدل على أن الناس قد اجتمعوا على ذلك ، ووافقهم - صلى الله عليه وسلم - مع كراهته له . وقوله : فأمر بلال لا يشك أن الآمر له هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي . قال الخطابي : الأذان شريعة من الشرائع ، والأمر المضاف إلى الشريعة في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يضاف إلى غيره . قال : ومن زعم أن الآمر لبلال به أبو بكر فقد غلط ؛ لأن بلالا لم يقم بالمدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما لحق بالشام أيام أبي بكر . انتهى . ولقد أبطل من زعم أن أمر بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر ، وأن مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلت عن أذان ، وهذا لا يقوله من يعقل ما يقول . ولعل هذا الزاعم إنما زعم أن أبا بكر أمر بإيتار الإقامة بعد أن كانت على غير ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البطلان - أيضا - وإنما يحمل عليه الهوى والتعصب ، وكيف يغير أبو بكر بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - شريعته في إقامة الصلاة ويقره الناس على ذلك ؟ والحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أمر الأذان ، حيث كانوا يترددون فيما يحصل به إعلام الناس بوقت الصلاة ، فحينئذ أُمر بلالٌ بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، لا يحتمل الكلام غير هذا المعنى . والله أعلم . وقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة . ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين ، قال : لم يرفعه إلا الثقفي . وقد خرجه الدارقطني من طرق أخرى مصرحا برفعه - أيضا - كما رواه الثقفي .
الحديث الثاني : 604 - ثنا محمود بن غيلان : ثنا عبد الرزاق : ثنا ابن جريج : أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ، ليس ينادى لها ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى . وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود . فقال عمر : أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال ، قم فناد بالصلاة . وخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق وحجاج ، كلاهما عن ابن جريج به ، بنحوه . والحديث صريح في أن المسلمين أول ما قدموا المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم لم يكونوا ينادون للصلاة ، وإنما كانوا أولا يتحينون الصلاة - يعني : يقدرون أحيانها ليأتوا إليها - والحين : الوقت والزمان - ثم إنهم تشاوروا في ذلك وتكلموا فيه لما شق عليهم التحين ، فربما كان منهم من يتقدم قبل الوقت ، فيفوته ما كان يعمل ، ومنهم من كان يتأخر فتفوته الصلاة . وقد روى فليح ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ ، أن الناس كانوا يتحينون وقت الصلاة ، فيصلون بغير أذان ، فإذا حضرت الصلاة فمنهم من يدرك ، وأكثرهم لا يدرك ، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك - وذكر حديث عبد الله بن زيد بطوله - ؛ فلما أهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ذلك اجتمعوا فتشاوروا في أمر يعلمون به وقت الصلاة ويجتمعون عليه في المسجد . وفي هذا : دليل على استحباب التشاور في مصالح الدين والاهتمام بها ، فلما تشاوروا أشار بعضهم بالناقوس كفعل النصارى ، وأشار بعضهم بالبوق كفعل اليهود ، فقال عمر : أَوَلَا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة . وهذا من إلهام عمر للحق ونطقه به ، وقد كان كثيرا ما ينطق بالشيء فينزل الوحي بموافقته ، وهذا مما نزل القرآن بتصويب قوله . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال ، قم فناد بالصلاة يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ما أشار به عمر دون غيره . وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالنداء بالصلاة ، يحتمل أنه أمره أن ينادي في الطرقات : الصلاة ، الصلاة كما تقدم في الحديث الذي خرجه ابن خزيمة ، ويكون ذلك قبل أن يشرع الأذان . ويحتمل أنه أمره بالأذان ، وهو أظهر . ويحتمل أن عمر إنما أشار بذلك بعد أن رآه في منامه ، ويدل عليه ما روي عن عمر ، وعن ابن عمر - أيضا - : أما المروي عن عمر ، فمن طريق سفيان بن وكيع : أبنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عمر ، قال : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين قدموا المدينة : كيف يجعلون الأذان بالصلاة يجتمعون لها ؟ فائتمروا بالناقوس . قال عمر : فرأيت في المنام : لم تجعلون الناقوس بل أذنوا . فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سبقك الوحي بذلك يا عمر . قال : فذهبت إلى الصلاة ، فإذا بلال يهتف بالأذان . خرجه الإسماعيلي في مسند عمر . وسفيان بن وكيع ، فيه ضعف . وهو مرسل . وخرجه أبو داود في المراسيل : ثنا أحمد بن إبراهيم : ثنا حجاج ، عن ابن جريج : أخبرني عطاء ، أنه سمع عبيد بن عمير يقول : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه ، كيف يجعلون شيئا إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها [به] ، فائتمروا بالناقوس ، فبينما عمر يريد أن يبتاع خشبتين لناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا بالصلاة ، فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سبقك بذلك الوحي ، حين أخبره عمر بذلك . وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أراد أن يتخذ خشبتين يضربهما ليجمع الناس للصلاة ، فأري عبد الله بن زيد خشبتين في النوم ، فقال : إن هاتين الخشبتين لنحو مما يريده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل : ألا تؤذنون للصلاة ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استيقظ ، فذكر ذلك له ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأذان . وأما المروي عن ابن عمر ، فمن طريق عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس لما يهمهم للصلاة ، فذكروا البوق ، فكرهه من أجل اليهود . ثم ذكروا الناقوس ، فكرهه من أجل النصارى ، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار - يقال له : عبد الله بن زيد - وعمر بن الخطاب ، فطرق الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلا ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأذن به . قال الزهري : وزاد بلال في نداء الغداة : الصلاة خير من النوم - مرتين - ؛ فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال عمر : يا رسول الله ؛ قد رأيت مثل الذي رأى ، ولكنه سبقني . خرجه ابن ماجه . وخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن خالد : حدثني عبد الرحيم بن عمر ، عن ابن شهاب - بإسناده ، ومعناه . وفي كون هذا الحديث محفوظا عن الزهري بهذا الإسناد نظر ؛ فإن المعروف : رواية الزهري ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروي عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عبد الله بن زيد . وحديث عبد الله بن زيد ، قد روي من وجوه : أحدها : رواية ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه - بسياق مطول - وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بعمل الناقوس طاف بعبد الله وهو نائم رجل يحمل ناقوسا ، فقال له : يا عبد الله ، أتبيع الناقوس ؟ قال : فما تصنع به ؟ قال : ندعوا به إلى الصلاة ، قال : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ قال : بلى ، قال : تقول : الله أكبر ، فعلمه الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة . فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال له : الرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ؛ فإنه أندى صوتا منك . قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ، وبلال يؤذن به . قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته ، فخرج يجر رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله ، لقد رأيت مثل ما رأى . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلله الحمد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، وصححه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وحكى البيهقي أن الترمذي حكى في علله عن البخاري ، أنه قال : هو عندي صحيح . وبه استدل الإمام أحمد ، وعليه اعتمد . وقال الخطابي : قد روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة ، وهذا الإسناد أصحها . وحكى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا ؛ لأن محمد بن عبد الله سمعه من أبيه . قال ابن خزيمة : خبر ابن إسحاق ثابت صحيح ؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ، وابن إسحاق سمعه من التيمي . كذا قال ؛ وقد توقف البخاري في تاريخه في سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه ، فقال : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه ، عن جده ، لم يذكر سماع بعضهم من بعض . قال الحاكم : إنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد بهذا الإسناد ؛ لتقدم موت عبد الله بن زيد ، فقد قيل : إنه [استشهد بأحد ] . وقيل : بعد ذلك بيسير . انتهى . وعلى هذا ؛ فجميع الروايات عنه مرسلة . وخرج أبو داود من حديث أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، قالوا : اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع لها الناس ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها أخبر بعضهم بعضا ، فلم يعجبه - وذكر الحديث بطوله ، ورؤيا عبد الله بن زيد الأذان في منامه - قال : وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك ، فكتمه عشرين يوما - وذكر بقية الحديث . وخرج - أيضا - من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت ابن أبي ليلى يقول : ثنا أصحابنا ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة ، حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ، ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآكام ، ينادون المسلمين بحين الصلاة . قال : فجاء رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كان عليه ثوبان أخضران ، فقام على المسجد فأذن ، ثم قعد قعدة ، ثم قام فقال مثلها ، إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقولوا لقلت إني كنت يقظانا غير نائم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد أراد الله خيرا ، فمر بلالا فيؤذن . قال : فقال عمر : إني قد رأيت مثل ما رأى ، ولكني لما سبقت استحييت . وخرجه - أيضا - من طريق المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ - فذكره . ورواه حصين وغيره ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد . وابن أبي ليلى ، لم يسمع من معاذ ، ولا من عبد الله بن زيد ، فروايته عنهما منقطعة . ورواية شعبة أصح . وتابعه الأعمش ، فرواه عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : ثنا أصحاب محمد ، أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام - فذكره . وهذا إسناد جيد متصل ، وعدم تسمية الصحابة لا يضر ؛ فإنهم كلهم عدول - رضي الله عنهم . لكن اختلف على الأعمش ، وروي عنه ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى - مرسلا . وقال العقيلي : الرواية في هذا الباب فيها لين ، وبعضها أفضل من بعض . يشير إلى حديث عبد الله بن زيد ورؤيته الأذان في منامه . وعبد الله بن زيد هذا ، هو : ابن عبد ربه الأنصاري ، من الخزرج . قال الترمذي : لا يصح له غير حديث الأذان . وزعم ابن عيينة أنه صاحب حديث الوضوء عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، أنصاري من بني النجار ، وهو عم عباد بن تميم . وله أحاديث متعددة مرسلة ، منها : عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قالوا : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - : الصلاة جامعة ، فيجتمع الناس ، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أهمه أمر الأذان ، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة - وذكر بقية الحديث ، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب ثم قال : قالوا : [وأذن بالأذان وبقي مناد في الناس : الصلاة جامعة ، للأمر بحديث] ، وإن كان في غير وقت صلاة . ففي هذه الرواية : أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة ، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية . وقد روي ما يستدل به على أن الأذان إنما شرع بعد غزوة بدر بعد صرف القبلة بيسير . ففي المسند وغيره عن حارثة بن مضرب ، عن علي ، قال : لما كان ليلة بدر وطلع الفجر نادى : الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقد روى وكيع في كتابه عن هشام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان بدء الأذان إذا حضرت الصلاة نودي : الصلاة الجامعة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو اتخذتم ناقوسا أو كبرا ، الكبر - بفتحتين - : الطبل ذو الرأسين . وقيل : الطبل الذي له وجه واحد . فرأى ابن زيد في المنام رجلا في يده عود ، قال : ما تصنع به ؟ قال : نتخذه ناقوسا ، قال : أولا أدلك على ما هو خير من ذلك ، إذا حضرت الصلاة قام أحدكم فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وقد روي أنه زيد في الأذان كلمات ، كما سبق عن الزهري : أن بلالا زاد في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم مرتين ، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقد خرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد - في سياق حديثه الطويل - وقال في آخره : قال سعيد بن المسيب : فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر . وخرجه ابن أبي شيبة ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، ولم يذكر فيه : عبد الله بن زيد ، وجعله كله من رواية ابن المسيب . والأشبه : أن ذكر زيادة بلال في آخر الحديث مدرجة من قول الزهري ؛ كما سبق . ورواها معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن بلال . خرجه من طريقه ابن ماجه . وابن المسيب ، لم يسمع من بلال - أيضا . ورواها النعمان بن المنذر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة . ورواها صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . خرجه الطبراني من الطريقين . ورواها يونس ، عن الزهري ، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن ، قال : حدثني أهلي أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . ورواها شعيب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب - مرسلا . خرجه من الطريقين البيهقي . والمرسل أشبه . وخرج أبو داود في مراسيله من طريق يونس ، عن ابن شهاب : أخبرني حفص بن عمر بن سعد المؤذن ، أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . وفي رواية له : عن حفص بن عمر بن سعد : حدثني أهلي ، عن بلال . وروى الحديث بطوله ، بدون هذه الزيادة : أبو صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيد بن المسيب - فذكره كله مرسلا . وكذا رواه معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروي : أن عمر أمر بلالا بزيادة الشهادة بالرسالة في الأذان . خرجه ابن خزيمة في صحيحه والإسماعيلي من رواية عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أن بلالا كان يقول إذا أذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة ، فقال عمر : قل في إثرها : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قل ما أمرك عمر . عبد الله بن نافع ، ضعيف جدا .
23 - باب لا يسعى إلى الصلاة ، ولا يقوم إليها مستعجلا وليقم بالسكينة والوقار 638 - حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ، وعليكم السكينة ) . تابعه : علي بن المبارك . قد سبق هذا الحديث بدون هذه الزيادة ، وهي : ( وعليكم السكينة ) ، وقد ذكر أنه تابع شيبان عليها علي بن المبارك . وقد خرجه في كتاب ( الجمعة ) عن أبي قتيبة - وهو : سلم بن قتيبة - عن ابن المبارك ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة - قال أبو عبد الله : لا أعلم إلا عن أبيه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تقوموا حتى تروني ، وعليكم السكينة ) ، فشك في وصله . وقال أبو داود : رواه معاوية بن سلام ، وعلي بن المبارك ، وقالا فيه : ( حتى تروني ، وعليكم السكينة ) . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) من رواية معاوية ، كما ذكر أبو داود . وقد سبق القول في النهي عن السعي إلى الصلاة ، والأمر بالمشي إليها بالسكينة والوقار . وإنما المراد بهذا الباب : النهي عن القيام إلى الصلاة عند رؤية الإمام باستعجال في القيام ، والأمر بالقيام برفق وتؤدة ، وعليكم السكينة والوقار .
94 - باب هل يلتفت لأمر ينْزل به أو يَرَى شيئاً أو بصاَقاً في القِبلْةِ ؟ وقال سهل : التفت أبو بكر ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم . حديث سهل قد سبق بتمامه في التفات أبي بكر لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكثر الناس التصفيق خلف أبي بكر . خرج فيه حديثين : أحدهما : قال : 753 - حدثنا قتيبة ، ثنا ليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد وهو يصلي بين يدي الناس ، فحتها ، ثم قال حين انصرف : ( إن أحدكم إذا كان في الصلاة ، فإن الله قبل وجهه ، فلا يتنخمن أحد قبل وجهه في الصلاة ) ، رواه موسى بن عقبة وابن أبي رواد ، عن نافع . هذا الحديث قد خرجه البخاري في مواضع أخر من طريق مالك وجويرية ابن أسماء ، عن نافع . ومراده بتخريجه هاهنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رآها في حال صلاته ، كما في رواية الليث التي خرجها هاهنا ، وذكر أنه تابعه على ذلك موسى بن عقبة وابن أبي رواد . وقد خرج مسلم حديث موسى ، إلا أنه لم يتم لفظه . وقد رواه أيوب ، عن نافع ، وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى النخامة وهو يخطبُ . خرجه أبو داود . وظاهر رواية الليث يدل على أنه حتها وهو في الصلاة . وقد روي : أنه حتها حين فرغ من الصلاة . خرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى نخامة ، فلما قضى صلاته قال : ( إن أحدكم إذا صلى في المسجد فإنه يناجي ربه ، وإن الله تبارك وتعالى يستقبله بوجهه ، فلا يتنخمن أحدكم في القبلة ، ولا عن يمينه ) ثم دعا بعود فحكه ، ثم دعا بخلوق فخضبه . فهذه رواية ابن أبي رواد التي أشار إليها البخاري . وأما رواية موسى بن عقبة [ ] وبكل حال ؛ فليس في الحديث دليل على الالتفات في الصلاة ، إنما فيه دليل على جواز نظر المصلي إلى قبلته ، ورؤيته ما فيها ، وأن ذلك لا ينافي الخشوع كما يحكى عن بعضهم ، وأنه لا يكره للمصلي أن ينظر في قيامه إلى ما بين يديه ، ويزيد رفع بصره عن محل سجوده . وأما حديث سهل المتقدم ، ففيه جواز التفات المصلي في صلاته لأمر يعرض له في صلاته ، ولا سيما إذا نبهه المأمومون بالتسبيح ونحوه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإنه إذا سبح به التفت ) . وقد سبق في ( أبواب : المساجد ) قول النبي صلى الله عليه وسلم في المصلي : ( إنه يبزق عن يساره ، أو تحت قدمه ) . وبصاقه يساره إنما يكون بنوع من الالتفات يسير ، ولكنه لمصلحة الصلاة ؛ فلذلك أمر به .
الحديث الثاني : 754 - حدثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أنس بن مالك ، قال : بينما المسلمون في صلاة الفجر ، لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، ونكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل الصف ، فظن أنه يريد الخروج ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر ، وتوفي في آخر ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم . قد تقدم هذا الحديث أيضاً . والمقصود منه في هذا الباب : أن أبا بكر ومن كان خلفه في صلاة الفجر رأوا النبي صلى الله عليه وسلم حين كشف ستر حجرة عائشة ، وظنوا أنه خارج للصلاة ، حتى نكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل إلى الصف ؛ لأجل النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يجيء فيقوم مقامه في الإمامة . وإنما يكون نظرهم إليه في الصلاة بنوع من الالتفات ، فإن حجره عن يسار المسجد ، ليست في قبلته ، على ما لا يخفى ، وقد أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ، ولم ينههم عن نظرهم إليه ، فدل على جواز التفات المصلي التفاتاً يسيراً يتعلق بالصلاة ، فإنه غير منهي عنه .
24 - باب هل يخرج من المسجد لعلة ؟ 639 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : ثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وقد أقيمت الصلاة ، وعدلت الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر ، انصرف . قال : ( على مكانكم ) ، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء ، وقد اغتسل . مقصود البخاري بهذا الباب : أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعد الإقامة أن يخرج منه لعذر . والعذر نوعان : أحدهما : ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد ، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه ، مثل أن يذكر أنه على غير طهارة ، أو ينتقض وضوؤه حينئذ ، أو يدافعه الأخبثان ، فيخرج للطهارة ، ثم يعود فيلحق الصلاة في المسجد . وعلى هذا : دل حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب . والثاني : أن يكون العذر مانعا من الصلاة في المسجد كبدعة إمامه ونحوه ، فيجوز الخروج منه - أيضا - للصلاة في غيره ، كما فعل ابن عمر - رضي الله عنه . روى أبو داود من حديث أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، قال : كنت مع ابن عمر ، فثوب رجل في الظهر أو العصر ، فقال : اخرج بنا ؛ فإن هذه بدعة . وأبو يحيى هذا ، مختلف فيه . وقد استدل طائفة من أصحابنا بهذا الحديث ، وأخذوا به . وأما الخروج بعد الأذان لغير عذر ، فمنهي عنه عند أكثر العلماء . قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب : إذا أذن المؤذن وأنت في المسجد ، فلا تخرج حتى تصلي . قال ابن المسيب : يقال : لا يفعله إلا منافق . قال : وبلغنا أن من خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء أنه سيصاب . ذكره مالك في ( الموطأ ) عنه . قال أصحابنا : لا يجوز ذلك . وقال أصحاب الشافعي : هو مكروه . قال الترمذي في ( جامعه ) : العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان ، إلا من عذر : أن يكون على غير وضوء ، أو أمر لا بد منه . ويروى عن إبراهيم النخعي ، أنه قال : يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة . قال أبو عيسى الترمذي : وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه . والمروي عن إبراهيم في هذا : ما رواه مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا سمعت الإقامة وأنت في المسجد فلا تخرج . فمفهومه : جواز الخروج قبل الإقامة . وقد حمله الترمذي على العذر ، ويشهد لذلك : ما رواه وكيع ، عن عقبة أبي المغيرة ، قال : دخلنا مسجد إبراهيم وقد صلينا العصر ، وأذن المؤذن ، فأردنا أن نخرج ، فقال إبراهيم : صلوا . وقد دل على النهي عن ذلك ما روى أبو الشعثاء سليم بن الأسود ، قال : كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة ، فأذن المؤذن ، فقام رجل من المسجد يمشي ، فأتبعه أبو هريرة بصره ، حتى خرج من المسجد ، فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم وخرجه الإمام أحمد ، وزاد : ثم قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كنتم في المسجد ، فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي ) . وهذا كله إذا أذن المؤذن في وقت الصلاة ، فإذا أذن قبل الوقت ، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان ؛ لأنه غير مشروع ، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن - : نص عليه الإمام أحمد . وغير المؤذن في معناه ؛ فإن حكم المؤذن في الخروج بعد الأذان من المسجد كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد ، وإسحاق ، وقال : لا نعلم أحدا من السلف فعل خلاف ذلك . ورخص فقهاء أهل الكوفة ، منهم : سفيان وغيره في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته .
10 - باب الكلام في الأذان وتكلم سليمان بن صرد في أذانه . وقال الحسن : لا بأس أن يضحك وهو يؤذن ويقيم . روى وكيع في ( كتابه ) عن محمد بن طلحة ، عن جامع بن شداد ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي ، عن سليمان بن صرد - وكانت له صحبة - أنه كان يؤذن في العسكر ، وكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة . وعن الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، قال : لا بأس أن يتكلم في أذانه بالحاجة . وروى ابن أبي شيبة من طرق [ عن] الحسن ، أنه لا بأس أن يتكلم في أذانه بالحاجة ، وإقامته . واختلف العلماء في الكلام في الأذان والإقامة على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا بأس به فيهما ، وهو قول الحسن والأوزاعي . والثاني : يكره فيهما ، وهو قول ابن سيرين والشعبي والنخعي وأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي ، ورواية عن أحمد . وكلهم جعل كراهة الكلام في الإقامة أشد . وعلى هذا ، فلو تكلم لمصلحة ، كرد السلام وتشميت العاطس ، فقال الثوري وبعض أصحابنا : لا يكره . والمنصوص عن أحمد في رواية على بن سعد أنه يكره ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . وقال أصحاب الشافعي : لا يكره ، وتركه أولى . وكذلك الكلام لمصلحة ، فإن كان لغير مصلحة كره . وقال إسحاق : إن كان لمصلحة غير دنيوية كرد السلام والأمر بالمعروف فلا يكره ، وإلا كره ، وعليه حمل ما فعله سليمان بن صرد . ووافق ابن بطة من أصحابنا قول إسحاق ، إن كان لمصلحة . ورخص في الكلام في الأذان عطاء وعروة . والقول الثالث : يكره في الإقامة دون الأذان ، وهو المشهور عن أحمد ، والذي نقله عنه عامة أصحابه ، واستدل بفعل سليمان بن صرد . وقال الأوزاعي : يرد السلام في الأذان ، ولم يرده في الإقامة . وقال الزهري : إذا تكلم في إقامته يعيد . والفرق بينهما : أن مبنى الإقامة على الحدر والإسراع ، فالكلام ينافي ذلك . ومتى كان الكلام يسيرا بنى عليه ما مضى من الأذان والإقامة عند جمهور العلماء ، إلا ما سبق عن الزهري في الإقامة . وروي عنه مثله في الأذان - أيضا . ووافقه بعض أصحابنا في الكلام المحرم ، خاصة الأذان والإقامة . وإن طال الكلام بطل ما مضى ، ووجب عليه الاستئناف عند الأكثرين ؛ لأنه يخل بالموالاة في الأذان ، ولا يحصل به الإعلام ؛ لأنه يظن متلاعبا . وللشافعي قولان في ذلك . وحاصل الأمر : أن الكلام في الأذان شبيه بكلام الخاطب في خطبته . والمشهور عن الإمام أحمد : أنه لا يكره الكلام للخاطب ، وإنما الكراهة للسامع . وذهب كثير من العلماء إلى التسوية بينهما . وأما ما حكاه البخاري عن الحسن من الضحك في الأذان والإقامة ، فمراده : أن الضحك في الأذان والإقامة لا يبطلهما ، كما يبطل الصلاة ، ولا بأس بالأذان والإقامة وإن وقع في أثنائهما ضحك ، غلب عليه صاحبه ، ولم يرد أنه لا بأس أن يتعمد المؤذن الضحك في أذانه وإقامته ؛ فإن ذلك غفلة عظيمة منه عن تدبر ما هو فيه من ذكر الله ، وقد كان حال الحسن على غير ذلك من شدة تعظيم ذكر الله في الأذان وغيره والخشوع عند سماعه . وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء بإسناده ، عن يحيى البكاء ، عن الحسن ، قال : إذا أذن المؤذن لم تبق دابة بر ولا بحر إلا أصغت واستمعت . قال : ثم بكى الحسن بكاء شديدا . وبإسناده ، عن أبي عمران الجوني : أنه كان إذا سمع الأذان تغير لونه ، وفاضت عيناه . وعن أبي بكر النهشلي نحوه - أيضا - وأنه سئل عن ذلك ، فقال : أشبهه بالصريخ يوم العرض ، ثم غشِي عليه . وحكي مثل ذلك عن غيره من الصالحين - أيضا . وعن الفضيل بن عياض : أنه كان في المسجد ، فأذن المؤذن ، فبكى حتى بل الحصى ، ثم قال : شبهته بالنداء ، ثم بكى . ولكن إذا غلب الضحك على المؤذن في أذانه بسبب عرَض له لم يلم على ذلك ، ولم يبطل أذانه . وقد روى عن علي ، أنه كان يوما على المنبر ، فضحك ضحكا ما رئي ضحك أكثر منه ، حتى بدت نواجذه ، ثم قال : ذكرت قول أبي طالب لما ظهر علينا ، وإنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نصلي معه ببطن نخلة ، فقال : ماذا تصنعان يا ابن أخي ؟ فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام ، فقال : ما بالذي تصنعان بأس ، ولكن والله لا تعلوني استي أبدا ، فضحك تعجبا لقول أبيه . خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه ضعف .
قال البخاري - رحمه الله - : 616 - حدثنا مسدد : ثنا حماد ، عن أيوب وعبد الحميد صاحب الزيادي وعاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : خطبنا ابن عباس في يوم رزغ ، فلما بلغ المؤذن : ( حي على الصلاة ) فأمره أن ينادي : ( الصلاة في الرحال ) ، فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، فقال : فعل هذا من هو خير منه ، وإنها عزمة . ( الرزغ ) : بالزاي وبالغين المعجمة ، هو : الوحل . يقال : أرزغت السماء إذا بلت الأرض . ويقال له - أيضا - : ( الردغ ) بالدال المهملة . وقيل : إن الرزغ - بالزاي - أشد من الردغ . وقيل : هما سواء . قال الخطابي : الرزغة وحل شديد ، وكذلك الردغة . ورزغ الرجل [إذا ارتكم] في الوحل ، فهو رزغ . وقد خرجه البخاري - أيضا - في ( باب : هل يصلي الإمام بمن حضر ، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ ) عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي ، عن حماد ، عن عبد الحميد وعاصم خاصة ، وفصل حديث أحدهما من حديث الآخر . وفي حديث عبد الحميد عنده ، قال : كأنكم أنكرتم هذا ، إن هذا فعله من هو خير مني - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم وخرجه - أيضا - في ( كتاب الجمعة ) من طريق ابن علية ، عن عبد الحميد ، قال : أنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين : قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) ، فلا تقل : ( حي على الصلاة ) . قل : ( صلوا في بيوتكم ) ، فكأن الناس استنكروا ، فقال : قد فعله من هو خير مني . وفي هذه الرواية : زيادة على ما قبلها من وجهين : أحدهما : أنه نسب فيها عبد الله بن الحارث هذا : هو الأنصاري البصري نسيب ابن سيرين وختنه على أخته . وكذا وقع في ( سنن أبي داود ) - أيضا . وفي ( سنن ابن ماجه ) من رواية عباد المهلبي ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل . وابن نوفل هذا ، هو : الهاشمي ، ويلقب ( ببه ) ، وكلاهما ثقة ، مخرج له في ( الصحيحين ) . فالله أعلم . والثاني : أن في هذه الرواية : أن ابن عباس نهى المؤذن أن يقول : ( حي على الصلاة ) ، وأمره أن يبدلها في قوله : ( صلوا في بيوتكم ) . وقد خرجهما مسلم - أيضا - كذلك . وعلى هذه الرواية ، فلا يدخل هذا الحديث في هذا الباب ، بل هو دليل على أن المؤذن يوم المطر مخير بين أن يقول : ( حي على الصلاة حي على الفلاح ) ، وبين أن يبدل ذلك بقوله : ( صلوا في رحالكم أو بيوتكم ) ، ويكون ذلك من جملة كلمات الأذان الأصلية في وقت المطر . وهذا غريب جدا ، اللهم إلا أن يحمل على أنه أمره بتقديم هذه الكلمة على الحيعلتين ، وهو بعيد مخالف لقوله : لا تقل ( حي على الصلاة ) ، بل ( صلوا في بيوتكم ) . والذي فهمه البخاري : أن هذه الكلمة قالها بعد الحيعلتين أو قبلهما ، فتكون زيادة كلام في الأذان لمصلحة ، وذلك غير مكروه كما سبق ذكره ؛ فإن من كره الكلام في أثناء الأذان إنما كره ما هو أجنبي منه ، ولا مصلحة للأذان فيه . وكذا فهمه الشافعي ؛ فإنه قال في كتابه : إذا كانت ليلة مطيرة ، أو ذات ريح وظلمة - يستحب أن يقول المؤذن إذا فرغ من أذانه : ( ألا صلوا في رحالكم ) فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس . وكذا قال عامة أصحابه ، سوى أبي المعالي ؛ فإنه استبعد ذلك أثناء الأذان . وأما إبدال الحيعلتين بقوله : ( ألا صلوا في الرحال ) ، فإنه أغرب وأغرب . وفي الباب - أيضا - عن نعيم بن النحام . خرجه الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن شيخ قد سماه ، عن نعيم بن النحام ، قال : سمعت مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة باردة ، وأنا في لحافي ، فتمنيت أن يقول : ( صلوا في رحالكم ) ، فلما بلغ حي على الفلاح ، قال : ( صلوا في رحالكم ) ، ثم سألت عنها ، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بذلك . في إسناده مجهول . وله طريق آخر : خرجه الإمام أحمد - أيضا - : ثنا علي بن عياش : ثنا إسماعيل بن عياش : ثنا يحيى بن سعيد : أخبرني محمد بن يحيى بن حبان ، عن نعيم بن النحام ، قال : نودي بالصبح في يوم بارد ، وأنا في مرط امرأتي ، فقلت : ليت المنادي قال : ( ومن قعد فلا حرج عليه ) ، فإذا منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر أذانه قال : ( ومن قعد فلا حرج عليه ) . وخرجه أبو القاسم البغوي في ( معجم الصحابة ) من رواية سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن نعيم ، به - بنحوه ، ولم يقل : ( في آخر أذانه ) . وقال : هو مرسل . يشير إلى أن محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من نعيم . ورواية سليمان بن بلال عن يحيى أصح من رواية إسماعيل بن عياش ؛ فإن إسماعيل لا يضبط حديث الحجازيين ، فحديثه عنهم فيه ضعف . وخرجه البيهقي من رواية عبد الحميد بن أبي العشرين ، عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد ، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه ، عن نعيم بن النحام - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فلما بلغ : ( الصلاة خير من النوم ) ، قال : ( ومن قعد فلا حرج ) . وروى سفيان بن عيينة ، [عن عمرو بن دينار ] ، عن عمرو بن أوس : أنبأنا رجل من ثقيف ، أنه سمع منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - في ليلة مطيرة في السفر - يقول : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، صلوا في رحالكم ) . خرجه النسائي . وقد روى عبيد الله والليث بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان ربما زاد في أذانه : ( حي على خير العمل ) .
25 - باب إذا قال الإمام : ( مكانكم حتى أرجع ) انتظروه 640 - حدثنا إسحاق : ثنا محمد بن يوسف : ثنا الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : أقيمت الصلاة ، فسوى الناس صفوفهم ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدم وهو جنب ، فقال : ( على مكانكم ) ، فرجع فاغتسل ، ثم خرج ورأسه يقطر ماء ، فصلى بهم . قد تقدم الكلام في القيام قبل خروج الإمام ، وانتظار المأمومين له قياما قبل خروجه ، فأما إذا ذكر حاجة فانصرف من المسجد وقال لهم : ( مكانكم حتى أرجع ) ، فإنهم ينتظرونه قياما حتى يرجع إليهم ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث . وفي الرواية المذكورة في الباب الماضي ، قال : ( فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ) ، وهذا يدل على أنهم انتظروه قياما . ورواه بعضهم : ( على هينتنا ) من الهينة ، وهي الرفق ، وكأنها تصحيف . والله أعلم . وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : ( فلم نزل قياما ننتظره حتى خرج إلينا ، وقد اغتسل ) . وفي رواية لمسلم - أيضا - في هذا الحديث : ( فأومأ إليهم بيده أن مكانكم ) . وفيه : دليل على أن إيماء القادر على النطق يكتفى به في العلم ، والأمر ، والنهي ، وقد سبق ذلك مستوفى في ( كتاب العلم ) . وفي رواية لمسلم - أيضا - في هذا الحديث : ( فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ، ذكر فانصرف وقال لنا : ( مكانكم ) . وهذه الرواية صريحة في أنه انصرف قبل التكبير ، وهو - أيضا - ظاهر رواية البخاري . قال الحسن بن ثواب : قيل لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - وأنا أسمع : النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أومأ إليهم أن امكثوا ، فدخل فتوضأ ثم خرج ، أكان كبر ؟ فقال : يروى أنه كبر ، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف ، قال لهم : ( امكثوا ) ، ثم خرج فكبر . فبين أحمد أن حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة يدل على أنه لم يكن كبر ، وأما قوله : ( يروى أنه كبر ) ، فيدل على أن ذلك قد روي ، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وأن حديث أبي سلمة أصح ، وعليه العمل . وقد خرج أبو داود من حديث زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل في صلاة الفجر ، فأومأ بيده أن مكانكم ، ثم جاء ورأسه يقطر ، فصلى . وفي رواية له - أيضا - : ( فكبر ) وقال فيه : فلما قضى الصلاة قال : ( إنما أنا بشر ، وإني كنت جنبا ) . وخرجه الإمام أحمد بمعناه - أيضا . قال أبو داود : ورواه أيوب وهشام وابن عون ، عن محمد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، قال : فكبر ، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا ، فذهب واغتسل ، وكذلك رواه مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عطاء بن يسار : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر في صلاة . قال أبو داود : وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا أبان ، عن يحيى يعني : ابن أبي كثير - عن الربيع بن محمد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر . انتهى . وهذه كلها مرسلات . وحديث الحسن ، عن أبي بكرة في معنى المرسل ؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين . وقد روي حديث ابن سيرين مسندا ، رواه الحسن بن عبد الرحمن الحارثي ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - مسندا . قال البيهقي : والمرسل أصح . وقد روي موصولا من وجه آخر : خرجه الإمام أحمد ، وابن ماجه من رواية أسامة بن زيد ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، وكبر ، ثم أشار إليهم فمكثوا ، ثم انطلق فاغتسل ، وكان رأسه يقطر ماء ، فصلى بهم ، فلما انصرف قال : ( إني خرجت إليكم جنبا ، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة ) . وأسامة بن زيد ، هو الليثي ، وليس بذلك الحافظ . وروى معاذ بن معاذ : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ، فكبر فكبرنا معه ، ثم أشار إلى الناس أن كما أنتم ، فلم نزل قياما حتى أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اغتسل ورأسه يقطر . قال البيهقي : خالفه عبد الوهاب بن عطاء ، فرواه عن سعيد ، عن قتادة ، عن بكر المزني . وقد بنى الشافعي على رواية من روى : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان كبر ثم ذكر ، ووافقه الإمام أحمد في رواية الأثرم وغيره . وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن من صلى خلف محدث ناسٍ لحدثه أن صلاته مجزئة عنه ، ويعيد الإمام وحده إذا ذكر بعد تمام صلاته ، كما روي عن عمر وعثمان . وقيل : إنه لا مخالف لهما من الصحابة ، بل قد روي مثله عن علي ، وابن عمر - أيضا - وهو قول جمهور العلماء ، منهم : النخعي ، وسفيان ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد . قال ابن مهدي : قلت لسفيان الثوري : تعلم أن أحدا قال : يعيد ويعيدون عن حماد ؟ قال : لا . وهذا إذا استمر نسيان الإمام حتى فرغ من صلاته ، فأما إن ذكر في أثناء صلاته فخرج ، فتطهر ثم عاد ، فإن الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف ، فإن من صلى بغير طهارة ناسيا فإن عليه الإعادة بالإجماع ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) ، وقوله : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ) . وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثا ناسيا ، وأشار إلى أنه قول مخالف للإجماع ، فلا يعتد به . وليس في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته ، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ ؛ لإجماع الأمة على خلافه ، كما ذكره ابن عبد البر وغيره ، فلم يبق إلا أحد وجهين : أحدهما : أن يكون صلى الله عليه وسلم لما رجع كبر للإحرام ، وكبر الناس معه . وعلى هذا التقدير ، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثا ناسيا لحدثه . والثاني : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - استأنف تكبيرة الإحرام ، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي . وهذا هو الذي أشار إليه الشافعي ، وجعله عمدة على صحة صلاة المتطهر خلف إمام صلى محدثا ناسيا لحدثه . قال ابن عبد البر : وقد وافق الشافعي على ذلك بعض أصحاب مالك . قال : ولا يصح عندي ذلك على أصول مالك ؛ لأن مالكا لا يجيز للمأموم أن يكبر قبل إمامه ، وإنما يجيزه الشافعي . يشير إلى أنه على هذا التقدير يصير المأموم قد كبر منفردا ، ثم انتقل إلى ائتمامه بالإمام ، وهذا يجيزه الشافعي دون مالك . وفيما قاله ابن عبد البر نظر ؛ فإن المأموم إنما كبر مقتديا بإمام يصح الاقتداء به ، ثم بطلت صلاته بذكره ، فاستأنف صلاته ، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتديا بإمام يصح الاقتداء به ، فهو كمن صلى خلف إمام ، ثم سبقه الحدث في أثناء صلاته في المعنى . وعن الإمام أحمد في ابتداء المأمومين وإتمامهم الصلاة إذا اقتدوا بمن نسي حدثه ، ثم علم به في أثناء صلاته - روايتان . وروي عن الحسن ، أنهم يتمون صلاتهم . ومذهب الشافعي : لا فرق بين أن يكون الإمام ناسيا لحدثه أو ذاكرا له ، إذا لم يعلم المأموم ، أنه لا إعادة على المأموم . وهو قول ابن نافع من المالكية ، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث . وعن مالك وأحمد : على المأموم الإعادة . وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري - في أشهر الروايتين عنه - : يعيد المأموم ، وإن كان الإمام ناسيا ولم يذكر حتى فرغ من صلاته . وهو رواية ضعيفة عن أحمد . وحكي عنه رواية ثالثة : إن قرأ المأموم لنفسه فلا إعادة عليه ، وإلا فعليه الإعادة . وهذا قد يرجع إلى القول بأنه تصير صلاة المأموم في هذه الحال منفردا . والجمهور على أن صلاته في جماعة ، وهو أصح الوجهين للشافعية ، بل قد قيل : إنه نص الشافعي . وروي عن علي : أن الإمام والمأمومين يعيدون ، ولا يصح عنه ؛ فإنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي ، وهو كذاب . وفيه حديث مرسل : رواه أبو جابر البياضي - وهو متروك - عن ابن المسيب - مرسلا .
89 - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ 743 - حَدَّثَنَا حفص بْن عُمَر ، نا شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس بْن مَالِك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 744 - حَدَّثَنَا موسى بن إِسْمَاعِيل ، ثنا عَبْد الواحد بن زياد ، ثنا عمارة بن القعقاع ، ثنا أبو زُرْعَة ، ثنا أبو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بَيْن التكبير وبين القراءة إسكاتة - قَالَ : أحسبه قَالَ : هنية - فَقُلْت : بأبي وأمي يَا رسول الله ، إسكاتك بَيْن التكبير وبين القراءة ، مَا تَقُول : قال : ( أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ) . قَالَ الخطابي : قوله : ( إسكاتة ) وزن إفعالة ، من السكوت ، ومعناه : سكوت يقتضي بعده كلاماً ، أو قراءة مَعَ قصر المدة فِيهِ ، وإنما أراد ترك رفع الصوت ، ألا تراه يَقُول : مَا تَقُول فِي إسكاتك . قَالَ : وقوله : ( اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ) ، فإنها أمثال ، ولم يرد أعيان هذه المسميات ، وإنما أراد التوكيد فِي التطهير ، والثلج والبرد ماءان ، لَمْ تمسهما الأيدي ، ولم يمرس ولم يمتهن . قَالَ : وفيه مستدل لمن منع من الماء المستعمل ؛ لأنه يَقُول : إن منزلة الخطايا المغسولة بالماء بمنزلة الأوضار الحالة فِي الماء والغسولات المانعة من التطهير . قَالَ : وعندي فِي قوله : ( اغسل خطاياي ) عجائب . انتهى مَا ذكره . وكأنه يشير إلى مسألة العصمة ، ولا حاجة إلى ذكرها . ولما كَانَتْ الذنوب تؤثر فِي القلب دنساً ، وَهُوَ المذكور فِي قوله تعالى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وتوجب للقلب احترافاً ؛ طلب فِي هَذَا الدعاء المباعدة بينه وبينها عَلَى أقصى وجوه المباعدة ، والمراد : المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية . وربما دَخَلَ فِيهِ المباعدة بَيْن مَا قدر مِنْهَا ولم يعمله بعد ، فطلب مباعدته مِنْهُ ، عَلَى نحو قوله : ( أعوذ بك من شر مَا عملت وما لَمْ أعمل ) . وطلب - أَيْضاً - أن ينقي قلبه من دنسها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس . وطلب - أَيْضاً - إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم مَا يوجد فِي الدنيا إنقاء وتبريداً ، وَهُوَ الماء والثلج والبرد . وفي حَدِيْث عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول فِي دعائه : ( اللهم اغسل خطاياي بالثلج والبرد ، وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب ) . وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر ، وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً . وإنما كَانَ يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم - ؛ لأن الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا ، كما قَالَ تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب ، ويوجب - أَيْضاً - إنقاءها وتطهيرها ؛ فإن ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار ، يغتسل فِيهِ كل يوم خمس مرات ) وقد تقدم الحَدِيْث فِي ذَلِكَ ، ويوجب - أَيْضاً - تبريد الحريق الَّذِي تكسبه الذنوب وإطفاءه . وخرج الطبراني من حَدِيْث ابن مَسْعُود - مرفوعاً - : ( تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الفجر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الظهر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم العصر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها ) . وقد روي موقوفاً ، وَهُوَ أشبه . وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث أَنَس - مرفوعاً - : ( إن لله ملكاً ينادي عِنْدَ كل صلاة : يَا بني آدم ، قوموا إلى نيرانكم الَّتِيْ أوقدتموها عَلَى أنفسكم فأطفئوها ) . وخرج الإسماعيلي من حَدِيْث عُمَر بْن الخَطَّاب - مرفوعاً - : ( يحرقون ، فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة مَا كَانَ قبلها ) حَتَّى ذكر الصلوات الخمس . ولما كَانَتْ الصلاة صلة بَيْن العبد وربه ، وكان المصلي يناجي ربه ، وربه يقربه مِنْهُ ، لَمْ يصلح للدخول فِي الصلاة إلا من كَانَ طاهراً فِي ظاهره وباطنه ؛ ولذلك شرع للمصلي أن يتطهر بالماء ، فيكفر ذنوبه بالوضوء ، ثُمَّ يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي ، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة . قَالَ سُلَيْمَان الفارسي : الوضوء يكفر الجراحات الصغار ، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذَلِكَ ، والصلاة تكفر أكثر من ذَلِكَ . خرجه مُحَمَّد بْن نصر المروزي وغيره . فإذا قام المصلي بَيْن يدي ربه فِي الصلاة وشرع فِي مناجاته ، شرع لَهُ أول مَا يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين مَا يوجب لَهُ البعد من ربه ، وَهُوَ الذنوب ، وأن يطهره مِنْهَا ؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة ، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية ، فتصير صلاته ناهية لَهُ عَن الفحشاء والمنكر ، وهي الصلاة النافعة . وقد روي ، أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يستعيذ من صلاة لا تنفع . خرجه أبو داود . وخرجه البزار فِي ( مسنده ) بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن سمرة بْن جندب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول لنا : ( إذا صلى أحدكم فليقل : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بيني وبين المشرق والمغرب ، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني وجهك يوم القيامة ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أحيني مسلماً وتوفني مسلماً ) . وهذا حَدِيْث غريب . والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام ؛ فإن المصلي قائم بَيْن يدي الله لمناجاته ، فيحسن أن يستعيذ بِهِ من أن يعرض بوجهه عَنْهُ . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ جواز التفدية بالأبوين ، وفيه كلام يذكر فِي موضع آخر إن شاء الله تعالى . وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول : إنه يستحب استفتاح الصلاة بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر العلماء ، ثُمَّ اختلفوا : فَقَالَ كثير منهم : يستحب استفتاح الصلاة بقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ) . صح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة ، وعن ابن مَسْعُود ، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق وعثمان بْن عَفَّانَ ، وعن الْحَسَن وقتادة والنخعي ، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق فِي رِوَايَة . وقد روي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة ، أجودها : من حَدِيْث أَبِي سَعِيد وعائشة . وَقَالَ الإمام أحمد : نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث عُمَر ، وقد روي فِيهِ من وجوه ليست بذاك ، فذكر حَدِيْث عَائِشَة وأبي هُرَيْرَةَ . فصرح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قوية ، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة ؛ لصحة مَا روي عَن عُمَر . وروي عَن أَبِي إِسْحَاق ، عَن عَبْد الله بْن أَبِي الخليل ، قالَ : سَمِعْت علياً حِينَ افتتح الصلاة قَالَ : لا إله إلا أنت سبحانك إني قَدْ ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، فاغفر ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وروي عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ افتتح الصلاة ، فَقَالَ : الله أكبر كبيراً ، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً ، اللهم اجعلك أحب شيء إلي ، وأخشى شيء عندي . وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا الآيات ، وما بعده من الدعاء . وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح بذلك ، خرجه فِي ( أبواب : صلاة الليل ) . وخرجه الترمذي ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح بِهِ فِي الصلاة المكتوبة . وفي إسناده مقال . وخرجه الطبراني من وجه آخر كذلك . وخرجه النسائي من رِوَايَة مُحَمَّد بْن مسلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا قام يصلي تطوعاً يَقُول ذَلِكَ . وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا : الشَّافِعِيّ وأصحابه وإسحاق ، فِي رِوَايَة . وروي عَن عَلِيّ ، أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع . وظاهر كلام الشَّافِعِيّ وبعض أصحابه : أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره . وَقَالَ كثير من أصحابه : يقتصر الإمام عَلَى قوله : وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وقالت طائفة : يجمع بَيْن قوله : ( سبحانك اللهم وبحمدك ) وقوله : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ . وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف وإسحاق - فِي رِوَايَة - وطائفة من الشافعية ، ومنهم : أبو إِسْحَاق المروزي ، وطائفة قليلة من أصحابنا . وقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد . وكل هَذَا عَلَى وجه الاستحباب ، فلو لَمْ يستفتح الصلاة بذكر ، بل بدأ بالقراءة صحت صلاته ، ولو استفتح بشيء مِمَّا ورد حصلت بِهِ سَنَة الاستفتاح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره من العلماء ، ولو كَانَ الأفضل عِنْدَ بعضهم غيره . وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني : مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح - يعني : الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري هاهنا - فَقِيلَ لَهُ : فإن بعض النَّاس يَقُول : هَذَا كلام ؟ فَقَالَ - متعجباً - : وهل الدعاء إلا كلام فِي الصلاة ويجوز . والمنكر لهذا هُوَ من يَقُول من الكوفيين : إنه لا يجوز الدعاء فِي الصلاة إلا بلفظ القرآن ، فأما الثناء عَلَى الله فمتفق عَلَى جوازه فِي الصلاة . وهذا مِمَّا يرجح بِهِ الاستفتاح بـ ( سبحانك اللهم وبحمدك ) ؛ لاشتماله عَلَى أفضل الكلام ، فإنه إذا جمع مَعَ التكبير صار متضمناً لقول : ( سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) ، وقد قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : ( إنهن أفضل الكلام بعد القرآن ) . وذهبت طائفة قليلة : إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته ، منهم : ابن بطة وغيره من أصحابنا ، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد . وَقَالَ الحكم : إذا قَالَ : سبحان الله حِينَ يفتتح الصلاة والحمد لله ، أجزأه . وهذا يشعر بوجوبه . وَقَالَ إِسْحَاق : إن تركه عمداً فهو مسيء ، ولا يتبين لِي إيجاب الإعادة ؛ لما ذكر فِي غير حَدِيْث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا كبر قرأ فاتحة الكتاب . وحكى الترمذي عَن بعض أهل الكوفة : أن حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب يعمل بِهِ فِي التطوع دون الفريضة . وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ( أبواب قيام الليل ) . وَقَالَ أحمد - فِي رِوَايَة ابن منصور - : أنا أذهب إلى قَوْلِ ابن عُمَر ، وإن قَالَ كما روي عَن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس ، وعامة مَا قَالَ فِي صلاة الليل . وَقَالَ الوليد بْن مُسْلِم : ذكرت ذَلِكَ لسعيد بْن عَبْد العزيز ، فأخبرني عَن المشيخة ، أنهم كانوا يقولون هؤلاء الكلمات حِينَ يقبلون بوجوههم إلى القبلة ، قَبْلَ تكبيرة الاستفتاح - يعني : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - قَالَ : ثُمَّ يتبعون تكبيرة الاستفتاح بـ ( سبحانك وبحمدك ) إلى آخره . وذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة ، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة . وحكاه الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - عَن ابن مَسْعُود وأصحابه . وهذا غريب . واستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري هاهنا فِي أول الباب . وقد تقدم عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ استدل بِهِ عَلَى أن الاستفتاح غير واجب . وحمله آخرون عَلَى أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يتركه أحياناً ؛ ليبين أَنَّهُ غير واجب . وحمله آخرون عَلَى أن المراد بِهِ : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يبدأ بقراءة الفاتحة قَبْلَ السورة ، ولم يرد بِهِ نفي الاستفتاح والتعوذ ، فالمراد بِهِ - حينئذ - استفتاح قراءة الصلاة بالفاتحة . وعلى هَذَا حمله الشَّافِعِيّ وأصحابه . ويدل عَلِيهِ : أن الترمذي خرج هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَبِي عوانة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ولو كَانَتْ رِوَايَة شعبة الَّتِيْ خرجها البخاري عَلَى ظاهرها فِي افتتاح الصلاة لدلت عَلَى أن الصلاة تفتتح بكلمة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دون التكبير ، ولم يقل أحد : إن هَذَا هُوَ المراد من هَذَا الحَدِيْث . وَقَالَ آخرون : المراد من حَدِيْث أَنَس أن القراءة فِي الصلاة الجهرية تفتتح بكلمة الْحَمْدُ لِلَّهِ دون البسملة . واستدلوا لذلك بما خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من طريق غندر ، عَن شعبة ، قَالَ : سَمِعْت قتادة يحدث ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق أَبِي داود ، عَن شعبة ، وزاد : قَالَ شعبة : فَقُلْت لقتادة : أسمعته من أنس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، نحن سألناه عَنْهُ . ففي هذه الرواية : تصريح قتادة بسماعه لَهُ من أَنَس ، فبطل بذلك تخيل من أعل الحَدِيْث بتدليس قتادة . وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً - من طريق الأوزاعي ، عَن عبدة ، أن عُمَر بْن الخَطَّاب كَانَ يجهر بهؤلاء الكلمات ، يَقُول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وعن قتادة ، أَنَّهُ كتب إليه يخبره عَن أَنَس بْن مَالِك ، أَنَّهُ حدثه ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، لا فِي أول قراءة ولا آخرها . وعن الأوزاعي ، قَالَ : أخبرني إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يذكر ذَلِكَ . فهذه الرواية صحيحة ، متصلة الإسناد بالسماع المُتَّصِل عَن قتادة ، وإسحاق عَن أَنَس . وقد روي حَدِيْث شعبة ، عَن قتادة بألفاظ أخر . فرواه وكيع ، عَن شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلف أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا لا يجهرون بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . خرجه الإمام أحمد ، عَن وكيع . وخرجه الدارقطني من طرق ، عَن شعبة ، بنحوه . ومن طريق شيبان وهمام عَن قتادة - أَيْضاً - بنحوه . ومن طريق زيد بْن الحباب ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِي حديثه : فَلَمْ أسمع أحدا منهم يجهر بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . وكذا رواه سَعِيد بْن أَبِي عروبة وحجاج ، عَن قتادة ، عَن أَنَس . وخرجه النسائي من رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عروبة وشعبة ، كلاهما عَن قتادة ، ولفظه : فَلَمْ أسمع أحداً منهم يجهر بِهَا . وخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق غندر ، عَن شعبة ، ولفظه : لَمْ يكونوا يستفتحون الصلاة بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قُلتُ لقتادة : أسمعته من أَنَس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ونحن سألناه عَنْهُ . ورواه الأعمش ، عَن شعبة ، فَقَالَ : عَن ثابت ، عَن أَنَس ، بنحو هَذَا اللفظ . وأخطأ في قوله : ( ثابت ) ، إنما هُوَ : ( عَن قتادة ) ، قاله أبو حاتم الرَّازِي والترمذي فِي ( كِتَاب العلل ) . وقيل : إن الخطأ من عمار بْن رزيق ، راويه عَن الأعمش . وقد روي عَن شعبة ، عَن قتادة وحميد وثابت ، عَن أنس من وجه آخر فِيهِ نظر . ورواه يزيد بْن هارون ، عَن حماد ، عَن قتادة وثابت ، عَن أَنَس . وخرجه الإمام أحمد ، عَن أَبِي كامل ، عَن حماد بْن سَلَمَة ، عَن ثابت وقتادة وحميد ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . ورواه حماد بْن سَلَمَة فِي ( كتابه ) كذلك ، إلا أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يذكر حميد فِي روايته : النبي صلى الله عليه وسلم . يعني : أن حميداً وحده وقفه ، ولم يرفعه . وقد رواه مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قمت وراء أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكلهم لا يقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إذا افتتح الصلاة . وقد رفعه عَن مَالِك الوليد بْن مُسْلِم وأبو قرة الزبيدي وإسماعيل بْن موسى السدي وابن وهب ، من رِوَايَة ابن أخيه عَنْهُ . والصحيح عَن مَالِك ليس فِيهِ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا الصحيح عَن حميد . قَالَ أحمد : حميد لَمْ يرفعه . وذكر الدارقطني جماعة رووه عَن حميد ورفعوه ، منهم : معمر وابن عُيَيْنَة والثقفي وأبو بَكْر بْن عياش ومروان بْن معاوية وغيرهم . ثُمَّ قَالَ : والمحفوظ : أن حميداً رواه عَن أَنَس ، وشك فِي رفعه ، وأخذه عَن قتادة ، عَن أنس مرفوعاً . وخرج النسائي من رِوَايَة أَبِي حَمْزَة ، عَن منصور بْن زاذان ، عَن أَنَس ، قَالَ : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يسمعنا قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، وصلى بنا أبو بَكْر وعمر فَلَمْ نسمعها منهما . وروى مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يسر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وأبو بَكْر وعمر . خرجه الطبراني . وروي من وجه آخر ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس . وروي عَن أَنَس من وجوه أخر ، مِنْهَا : عَن أَبِي قلابة وثمامة وعائذ بْن شريح وغيرهم . وقد اعترض طائفة من العلماء عَلَى هَذَا ، بأن حَدِيْث أَنَس اختلفت ألفاظه ، والمحفوظ من ذَلِكَ رِوَايَة من قَالَ : كَانَ يفتتح الصلاة - أو القراءة - بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كما هِيَ الرواية الَّتِيْ خرجها البخاري ، وهذه الرواية تحتمل أن المراد : افتتاح القراءة بقراءة سورة الفاتحة دون غيرها من السور . وزعم الدارقطني : أن عامة أصْحَاب قتادة رووه عَنْهُ كذلك ، منهم : أيوب وحميد ، وأنه المحفوظ عَن قتادة وغيره ، عَن أَنَس . وكذلك رواه جماعة عَن شعبة كما خرجه البخاري ، عَن أَبِي عُمَر الحوضي ، عَنْهُ ، كذا رواه يَحْيَى القطان ويزيد بْن هارون ، عَن شعبة . وكذلك ذكر الشَّافِعِيّ أن أصْحَاب حميد خالفوا مالكاً فِي لفظ حديثه الَّذِي خرجه فِي ( الموطأ ) ، وقالوا : كانوا يفتتحون قراءتهم بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وذكر منهم سبعة أو ثمانية ، منهم : ابن عُيَيْنَة والفزاري والثقفي . والجواب عَن ذَلِكَ : أن مَا ذكروه من اخْتِلاَف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى ، ولا يراعون اللفظ ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملاً ، والآخر صريحاً لا احتمال فِيهِ ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ ، وأن معناهما عندهم واحد ، وإلا لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة ، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم . لا سيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك ، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة ، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل ، فكيف لا تقبل ؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم ، مَعَ مَا اشتهر من بلاغته وفصاحته وبلوغه الذروة العليا من ذَلِكَ . والذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ مَالِك ، ومالك مَالِك فِي فقهه وعلمه وورعه وتحريه فِي الرواية ، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل ؟ فالواجب فِي هَذَا ونحوه : أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة ؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه عَلَى المحكم ، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز ، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه . ومن زعم أن ألفاظ الحَدِيْث متناقضة فلا يجوز الاحتجاج بِهِ فَقَدْ أبطل ، وخالف مَا عَلِيهِ أئمة الإسلام قديماً وحديثاً فِي الاحتجاج بهذا الحَدِيْث والعمل بِهِ . وأيضاً ؛ فأي فائدة فِي رِوَايَة أَنَس أو غيره : أن القراءة تفتتح بفاتحة الكتاب ، فتقرأ الفاتحة قَبْلَ السورة ، وهذا أمر معلوم من عمل الأمة ، لَمْ يخالف فِيهِ منهم أحد ، ولا اختلف فِيهِ اثنان ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، كما أن أحداً من الصَّحَابَة لَمْ يرو فِي أمور الصلاة مَا كَانَ مقرراً عِنْدَ الأمة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، مثل عدد الركعات بعد استقرارها أربعاً ، ومثل الجهر فيما يجهر بِهِ والإسرار فيما يسر ، ونحو ذَلِكَ مِمَّا لا فائدة فِي الإخبار بِهِ . فكذلك ابتداء القراءة بالفاتحة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، ولا إلى السؤال عَنْهُ ، وقد كَانَ أَنَس يسأل عَن هَذَا - كما قَالَ قتادة : نحن سألناه عَنْهُ ، وقد تقدم - وكان يَقُول - أحياناً - : مَا سألني عَن هَذَا أحد . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا أحفظه . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يخفى عَلَى السائل والمسئول ، ولو كَانَ السؤال عَن الابتداء بقراءة الفاتحة لَمْ يخف عَلَى سائل ولا مسئول عَنْهُ . فخرج الإمام أحمد من طريق شعبة : قَالَ قتادة : سألت أَنَس بْن مَالِك : بأي شيء كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح القراءة ؟ قَالَ : إنك لتسألني عَن شيء مَا سألني عَنْهُ أحد . ومن طريق سَعِيد ، عَن قتادة ، قَالَ : قُلتُ لأنس فذكره . قَالَ : وحدثنا إِسْمَاعِيل - يعني : ابن علية ثنا سَعِيد بْن يزيد ، أنا قتادة - أبو مسلمة - قَالَ : قُلتُ لأنس قَالَ أحمد : وحدثنا غسان بْن مضر ، عَن أَبِي مسلمة سَعِيد بْن يزيد ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : إنك لتسألني عَن شيء مَا أحفظه ، أو مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك . وخرجه من هَذَا الوجه ابن خزيمة والدارقطني ، وصحح إسناده . وقد ذكرنا أَنَّهُ مختلف فِيهِ ، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً ، فالمراد : هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه ، أم لا ؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم ؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها ، فلا يدري : هَلْ كَانَ يسرها ، أم لا ؟ وأيضاً ؛ فَقَدْ شك الرَّاوي : هَلْ قَالَ : ( لا أحفظه ) ، أو ( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك ) ، فالظاهر : أَنَّهُ إنما قَالَ : ( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك ) ، كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة ، كما تقدم . وعلى تقدير أن يكون قَالَ : ( مَا أحفظه ) ، فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قَبْلَ ذَلِكَ ، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره وبعد عهده بما سئل عَنْهُ . قَالَ ابن عَبْد البر : من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه . والله أعلم . فإن قيل : فَقَدْ رَوَى الأوزاعي ، عَن إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون بأم القرآن ، فيما يجهر فِيهِ . خرجه ابن جوصا والدارقطني . وهذا صريح فِي أن المراد ابتداء القراءة بفاتحة الكتاب . قيل : ليس المراد الإخبار بأنهم كانوا يقرأون أم القرآن قَبْلَ سور سواها ؛ فإن هذا لا فائدة فِيهِ ، إنما المراد : أنهم كانوا لا يقرأون قَبْلَ أم القرآن شيئاً يجهرون بِهِ فِي الصلاة ، فدخل فِي ذَلِكَ البسملة ؛ فإنها ليست من أم القرآن . ويدل على هَذَا شيئان : أحدهما : أن رِوَايَة الأوزاعي الَّتِيْ فِي ( صحيح مُسْلِم ) : لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أول قراءة ولا آخرها . والأوزاعي إمام فقيه عالم بما يروي ، فرواياته كلها متفقة . والثاني : أن الأوزاعي كَانَ يأخذ بهذا الحَدِيْث الَّذِي رواه ، ولا يرى قراءة البسملة قَبْلَ الفاتحة سرا ولا جهراً ، وسنذكر قوله فِي ذَلِكَ فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد عارض بعضهم حَدِيْث أَنَس هَذَا بما خرجه البخاري فِي ( فضل القرآن ) من ( صحيحه ) هَذَا : حَدَّثَنَا عَمْرِو بْن عاصم ، ثنا همام ، عَن قتادة ، قَالَ : سئل أَنَس : كَيْفَ كَانَتْ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : كَانَتْ مداً ، ثُمَّ قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، يمد بـ ( بسم الله ) ، ويمد بـ ( الرحمن ) ويمد بـ ( الرحيم ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق جرير بْن حَازِم ، عَن قتادة ، إلى قوله : ( مداً ) ، ولم يذكر : ( ثُمَّ قرأ ) وما بعده . وقد ذكر ابن أَبِي خيثمة فِي ( كتابه ) : أن يَحْيَى بْن معين سئل عَن حَدِيْث جرير هَذَا ، فَقَالَ : ليس بشيء . قُلتُ : وروايات جرير بْن حَازِم عَنْ قتادة فيها مناكير ، قاله الإمام أحمد ويحيى وغير واحد . وقد تابعه عَلَى هَذَا : همام . قَالَ : وروي عَن قتادة مرسلاً ، وَهُوَ أشبه ، ذكره فِي ( العلل ) . قُلتُ : وقد روي بإسناد فِيهِ لين ، عَن حرب بْن شداد ، عَن قتادة ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : كَيْفَ كَانَتْ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : كَانَ إذا قرأ مد صوته مداً . خرجه الطبراني . وفي الجملة ؛ فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث . وقد روي عَن شعبة ، عَن همام بدون هذه الزيادة . خرجه أبو الحسين ابن المظفر فِي ( غرائب شعبة ) . وعلى تقدير أن تكون محفوظة ، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة ، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة ، ويحتمل - وَهُوَ أشبه - أن يكون أَنَس أو قتادة قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) عَلَى هَذَا الوجه ، وأراد تمثيل قراءته بالمد ، ولم يرد بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة . ويشهد لهذا مَا خرجه أبو داود من حَدِيْث ابن جُرَيْج ، عَن ابن أَبِي مليكة ، عَن أم سَلَمَة ، ذكرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) يقطع قراءته آية آية . وخرجه الترمذي ولم يذكر فِي أوله البسملة ، وزاد : وكان يقرأها مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وقراءة هذه الآيات عَلَى هَذَا الوجه إنما هُوَ من حكاية ابن جُرَيْج لحديث أم سَلَمَة ، وقولها : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية ، كذلك قاله النسائي وأبو داود السجستاني ، حكاه عنهما أبو بَكْر بْن أَبِي داود فِي كتابه ( المصاحف ) . وكذا قَالَه الإمام أحمد فِي رِوَايَة ابن الْقَاسِم ، وقالوا : ابن جُرَيْج هُوَ الَّذِي قرأ ( مَلِكِ ) ، وليس ذَلِكَ فِي حَدِيْث أم سَلَمَة . يدل على صحة هَذَا مَا خرجه الإمام أحمد من طريق نَافِع ، عَن ابن أَبِي مليكة ، عَن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ نَافِع : أراها حَفْصَةَ ، أنها سئلت عَن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالَتْ : إنكم لا تستطيعونها ، فَقِيلَ : أخبرينا بِهَا ، فقرأت قراءة ترسلت فيها ، قَالَ نَافِع : فحكى لنا ابن أَبِي مليكة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ قطع الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قطع مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . ففي هذه الرواية تصريح ابن جُرَيْج بأن هذه القراءة إنما هِيَ حكاية مَا قرأ لهم ابن أَبِي مليكة . وفي لفظ الحَدِيْث اختلاف فِي ذكر البسملة وإسقاطها . وفي إسناده - أَيْضاً - اخْتِلاَف ؛ فَقَدْ أدخل الليث بْن سعد فِي روايته عَن ابن أَبِي مليكة بينه وبين أم سلمة : يعلى بْن مملك ، وصحح روايته الترمذي وغيره . وَقَالَ النسائي فِي يعلى هَذَا : ليس بمشهور . وَقَالَ بعضهم : عَن يعلى ، عَن عَائِشَة . وقد ذكر الاختلاف فِيهِ الدارقطني فِي ( علله ) ، وذكر أن عُمَر بْن هارون زاد فِيهِ : عَن ابن جُرَيْج ، وعد : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) آية . وعمر بْن هارون ، لا يلتفت إلى ما تفرد بِهِ . وقد يكون ابن جُرَيْج عدها آية أو ابن أَبِي مليكة . ومن زعم أَنَّهُ صحيح ؛ لتخريج ابن خزيمة لَهُ ، فَقَدْ وهم . ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بْن غياث رواه عَن ابن جُرَيْج كذلك وأنه أخبره بِهِ عَنْهُ غير واحد فَقَدْ وهم ، ورواه بالمعنى الَّذِي فهمه هُوَ ، وَهُوَ وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الَّذِي يفهمونه ، فيغيرون معنى الحَدِيْث . وحديث حفص مشهور ، مخرج فِي المسانيد والسنن باللفظ المشهور . وقد ادعى طائفة أن حَدِيْث قتادة وإسحاق بْن أَبِي طلحة ومن تابعهما عَن أَنَس كما تقدم معارض بروايات أخر عَن أَنَس ، تدل عَلَى الجهر بالبسملة ، فإما أن تتعارض الروايات وتسقط ، أو ترجح رِوَايَة الجهر ؛ لأن الإثبات مقدم عَلَى النفي . فروى الشَّافِعِيّ : نا عَبْد المجيد بْن عَبْد العزيز ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، أن أَبَا بَكْر بْن حفص بْن عُمَر أخبره ، أن أنس بْن مَالِك قَالَ : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورة الَّتِيْ بعدها حَتَّى قضى تلك القراءة ، ولم يكبر حَتَّى قضى تلك ، فلما سلم ناداه من شهد ذَلِكَ من المهاجرين من كل مكان : يَا معاوية ، أسرقت الصلاة ، أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذَلِكَ قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) للسورة الَّتِيْ بعد أم القرآن ، وكبر حِينَ يهوي ساجداً . ورواه عَبْد الرزاق عَن ابن جُرَيْج بهذا الإسناد ، وَقَالَ فِيهِ : فَلَمْ يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورة التي بعدها . وخرجه الشافعي - أيضا - عن إبراهيم بن محمد - هو : ابن أبي يحيى حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ، ولم يقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ولم يكبر إذا رفع . ورواه - أَيْضاً - عَن يَحْيَى بْن سليم ، عَن عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْدِ بن رِفَاعَة ، عَن أَبِيه ، فذكر بنحوه . قَالَ الشَّافِعِيّ : وأحسب هَذَا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول . قَالَ البيهقي : ورواه إِسْمَاعِيل بْن عياش ، عَن ابن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل بن عُبَيْدِ بْن رِفَاعَة ، عن أبيه ، عَن جده ، أن معاوية قدم المدينة . قَالَ : ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما ، والله أعلم . انتهى . فعلى طريقة الشَّافِعِيّ فِي ترجيح الإسناد الثاني عَلَى الحَدِيْث ، ليس هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَنَس بْن مَالِك بالكلية ، فلا يكون معارضاً لروايات أَنَس الصحيحة الثابتة . وعلى التقدير الآخر ، فليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعاً ، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضراً تلك الصلاة من المهاجرين ، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم ؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ ، فغاية هَذَا : أن يكون موقوفاً عَلَى جماعة من الصَّحَابَة ، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة ، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة ، بل يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها فِي الجملة ، وذلك محتمل بأن يكون معاوية وصل تكبيرة الإحرام بقراءة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ من غير سكوت بَيْنَهُمَا يتسع للبسملة ، ثُمَّ وصل الفاتحة بقراءة سورة من غير سكوت يتسع للبسملة . ورواية ابن جُرَيْج صريحة فِي أن معاوية لَمْ يقرأ البسملة مَعَ الفاتحة - أَيْضاً - فيدل هَذَا عَلَى اتفاقهم عَلَى أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لأمروه بإعادة الصلاة ، أو لأعادوا هم صلاتهم خلفه . وبكل حال ؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضاً لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة . وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، وليس بالقوي ؛ ترك حديثه يَحْيَى القطان وابن مهدي . ومن العجب ، قَوْلِ بعضهم : يكفي أن مسلماً خرج لَهُ ، مَعَ طعنه فِي حَدِيْث الأوزاعي الَّذِي خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أنس المصرح بنفي قراءة البسملة . وقوله : إنه معلول غير ثابت ، بغير حجة ولا برهان ، نعوذ بالله من اتباع الهوى . فإن قيل : فَقَدْ روي عَن أَنَس أحاديث صريحة فِي الجهر بالبسملة : فروى حاتم بْن إِسْمَاعِيل ، عَن شريك بن عَبْد الله بن أَبِي نمر ، عَن أَنَس ، قَالَ : سَمِعْت النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . خرجه الحَاكِم فِي ( المستدرك ) من طريق أصبع بْن الفرج ، عَن حاتم ، بِهِ . وَقَالَ : رواته ثقات . قُلتُ : هَذَا لا يثبت ؛ فَقَدْ خرجه الدارقطني من طريق آخر عَن حاتم بْن إِسْمَاعِيل ، عَن شريك بْن عَبْد الله ، عَن إِسْمَاعِيل المكي ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، فذكره . فتبين بهذه الرواية أَنَّهُ سقط من رِوَايَة الحَاكِم من إسناده رجلان : أحدهما إِسْمَاعِيل المكي ، وَهُوَ : ابن مُسْلِم ، متروك الحَدِيْث ، لا يجوز الاحتجاج بِهِ . وخرج الدارقطني - أَيْضاً - من طريق معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون . وخرج - أَيْضاً - بإسناد منقطع وجادة وجدها فِي كِتَاب عَن مُحَمَّد بْن المتوكل بْن أَبِي السري العسقلاني ، أَنَّهُ صلى خلف المعتمر بْن سُلَيْمَان ، فكان يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَقَالَ : إني مَا آلو أن أقتدي بصلاة المعتمر ، وَقَالَ أَنَس : مَا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا لا يثبت ؛ لوجوه : مِنْهَا : انقطاع أول إسناده . ومنها : أَنَّهُ ليس فِيهِ تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد ، وإنما فِيهِ اقتداء كلي فِي الصلاة ، ومثل هَذَا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة . ومنها : أن المعتمر بْن سُلَيْمَان إنما كَانَ يروي حَدِيْث البسملة بإسناد آخر عَن إِسْمَاعِيل بْن حماد ، عَن أَبِي خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يفتتح صلاته بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . خرجه من طريقه كذلك أبو داود ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث ضَعِيف . والترمذي ، وَقَالَ : إسناده ليس بذاك ، وقال : إِسْمَاعِيل بْن حماد ، هُوَ : ابن أَبِي سُلَيْمَان ، وأبو خالد ، هُوَ : الوالبي ، كذا قَالَ . وَقَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - : إِسْمَاعِيل بْن حماد ليس بِهِ بأس ، ولا أعرف أبا خَالِد ، يعني : أَنَّهُ غير الوالبي . كذا قَالَ العقيلي ، قَالَ : إِسْمَاعِيل بْن حماد بْن أَبِي سليمان حديثه غير محفوظ - يعني : هَذَا الحَدِيْث ويحكيه عَن مجهول كوفي . وخرجه ابن عدي فِي ( كتابه ) من طريق معتمر ، كما خرجه أبو داود وغيره . وخرج - أَيْضاً - من طريق آخر عَن معتمر ، قَالَ : سَمِعْت ابن حماد ، عَن عمران بْن خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس . ثُمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث لا يرويه غير معتمر ، وَهُوَ غير محفوظ ، سواء قَالَ : عَن أَبِي خَالِد ، أو عمران بْن خَالِد ؛ جميعاً مجهولان . وَقَالَ ابن عَبْد البر : هَذَا الحَدِيْث - والله أعلم - إنه روي عَن ابن عَبَّاس من فعله لا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها : أن مُحَمَّد بْن المتوكل لَمْ يخرج لَهُ فِي ( الصحيح ) ، وقد تكلم فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي وغيره ولينوه ، وَهُوَ كثير الوهم . وقد روي عَنْهُ هَذَا الحَدِيْث عَلَى وجه آخر : خرجه الطبراني عَن عَبْد الله بْن وهيب الغزي ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بَكْر وعمر . فهذه الرواية المتصلة الإسناد أولى من تلك المنقطعة . وأعجب من هَذَا مَا خرجه الحَاكِم من طريق سيف بْن عَمْرِو أَبِي جابر ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أويس ، عَن مَالِك ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلف أَبِي بَكْر ، وخلف عُمَر ، وخلف عُثْمَان ، وخلف عَلِيّ ، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وتخريج هَذَا فِي ( المستدرك ) من المصائب ، ومن يخفى عَلِيهِ أن هَذَا كذب عَلَى مَالِك ، وأنه لَمْ يحدث بِهِ عَلَى هَذَا الوجه قط ؛ إنما رَوَى عَن حميد ، عَن أَنَس ، أن أَبَا بَكْر وعمر وعثمان كانوا لا يقرأون : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . هكذا خرجه فِي ( الموطأ ) ، ورواه عَنْهُ جماعة ، وذكروا فِيهِ النبي صلى الله عليه وسلم - أَيْضاً وقد سبق ذكر ذَلِكَ . فمن اتقى وأنصف علم أن حَدِيْث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ الَّتِيْ لَمْ يرض بتخريجها أصْحَاب الصحاح ، ولا أهل السنن ، مَعَ تساهل بعضهم فيما يخرجه ، ولا أهل المسانيد المشهورة مَعَ تساهلهم فيما يخرجونه . وإنما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بِهَا ، ودخل فِي ذَلِكَ نوع من الهوى والتعصب ، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع مَا ظهر لهم من الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لَمْ يكن لهم قصد فِي غير ذَلِكَ رضي الله عنهم ، ثُمَّ حدث بعدهم من كَانَ قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هِيَ العليا ، ولم يكن ذَلِكَ قصد أولئك المتقدمين ، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة ، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ ، أو من هُوَ ضَعِيف لا يحتج بِهِ ، أو مرسلات وصلها من لا يحتج بِهِ ، مثلما وصل بعضهم مرسل الزُّهْرِيّ فِي هَذَا ، فجعله عَنْهُ ، عَن ابن المُسَيِّب ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ووصله باطل قطعاً . والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة فِي ( الصحيح ) بعلل لا تساوي شيئاً ، إنما هِيَ تعنت محض ، ثُمَّ يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة ، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها . وقد اعتنى بهذه المسألة وأفردها بالتصنيف كثير من المُحَدِّثِين ، منهم : مُحَمَّد بْن نصر ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والدارقطني ، وأبو بَكْر الخَطِيْب ، والبيهقي ، وابن عَبْد البر ، وغيرهم من المتأخرين . ولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حَدِيْث احتجوا بِهِ ، وبيان أَنَّهُ لا حجة فِيهِ عَلَى الجهر ؛ فإنها دائرة بَيْن أمرين : إما حَدِيْث صحيح غير صريح ، أو حَدِيْث صريح غير صحيح . ومن أقوى مَا احتجوا بِهِ : حَدِيْث خَالِد بْن يزيد ، عَن سَعِيد بْن أَبِي هلال ، عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ صلى وراء أَبِي هُرَيْرَةَ ، فقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، ثُمَّ قَالَ لما سلم : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه النسائي وابن خزيمة والحاكم وغيرهم . وسعيد وخالد ، وإن كانا ثقتين ، لكن قَالَ أبو عُثْمَان البرذعي فِي ( علله عَن أَبِي زُرْعَة الرَّازِي ) ، أَنَّهُ قَالَ فيهما : ربما وقع فِي قلبي من حسن حديثهما . قَالَ : وَقَالَ أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضها مراسيل ، عَن ابن أبي فروة وابن سمعان . يعني : مدلسة عنهما . ثُمَّ هَذَا الحَدِيْث ليس بصريح فِي الجهر ، إنما فِيهِ أَنَّهُ قرأ البسملة ، وهذا يصدق بقراءتها سراً . وقد خرجه النسائي فِي ( باب : ترك الجهر بالبسملة ) . وعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا ، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة ، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك . وأيضاً ؛ فإنه قَالَ : قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن ، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركاً بقراءتها . وأيضاً ؛ فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحاً عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من غيره . وخرج الدارقطني من حَدِيْث أَبِي أويس ، عَن العلاء ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إذا أم النَّاس قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وهذا مِمَّا تفرد بِهِ أبو أويس ، وقد تكلم فِيهِ ، وإن خرج لَهُ مُسْلِم ، ووثقه غير واحد . وليس - أَيْضاً - بصريح فِي الجهر ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يقرأها سراً . وقد روي بهذا الإسناد بعينه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يجهر بِهَا ، وسنذكره . وخرج ابن عَبْد البر بهذا الإسناد : التصريح بالجهر بِهَا ، بإسناد فِيهِ النضر بن سَلَمَة ، شاذان ، وَهُوَ متهم بالكذب . وخرج الدارقطني - أَيْضاً - من رِوَايَة أَبِي بَكْر الحنفي ، عَن عَبْد الحميد بْن جَعْفَر ، عَن نوح بْن أَبِي بلال ، عَن سَعِيد المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا قرأتم ( الْحَمْدُ ) فاقرأوا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؛ إنها أحد آياتها ) ، وذكر فِيهِ فضل الفاتحة ، قَالَ الحنفي : لقيت نوحاً ، فحدثني عَن سَعِيد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بمثله ، ولم يرفعه . وذكر الدارقطني فِي ( علله ) أن وقفه أشبه بالصواب . قُلتُ : ويدل عَلَى صحة قوله : أن ابن أَبِي ذئب رَوَى الحَدِيْث فِي فضل الفاتحة ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً ، ولم يذكر فِيهِ : البسملة . وروى إِبْرَاهِيْم بْن إِسْحَاق السراج ، عَن عقبة بْن مكرم ، عَن يونس بْن بكير ، ثنا مِسْعَر ، عَن مُحَمَّد بْن قيس ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . خرجه الدارقطني والحاكم . وظن بعضهم أَنَّهُ إسناد صحيح ، وليس كذلك ؛ فإن السراج وهم فِي قوله فِي إسناده : ( حَدَّثَنَا مِسْعَر ) ، إنما هُوَ ( أبو معشر ) ، كذا قَالَ الدارقطني والخطيب ، وقبلهما أبو بَكْر الإسماعيلي فِي ( مسند مِسْعَر ) ، وحكاه عَن أَبِي بَكْر بن عمير الحافظ . وَقَالَ البيهقي : الصواب أبو معشر . وأبو معشر ، هُوَ نجيح السندي ، ضَعِيف جداً . وخرج الدارقطني وغيره من حَدِيْث حميد ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : كَانَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان : سكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وسكتة إذا فرغ من القراءة ، فأنكر ذَلِكَ عمران بْن حصين ، فكتبوا إلى أَبِي بْن كعب ، فكتب : أن صدق سمرة . ورواة هَذَا الحَدِيْث كلهم ثقات ، كما ذكره غير واحد ، لكن سماع الْحَسَن من سمرة مختلف فِيهِ . وإن ثبت فهو دليل عَلَى الإسرار بالبسملة ، لا عَلَى الجهر ؛ لأنه صرح بأن سكتته الأولى كَانَتْ إذا قرأ البسملة ، ومراده : إذا أراد قراءتها ، فدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يقرأها فِي السكتة الأولى ، وإلا فلا يَقُول أحد : إن السنة أن يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) جهراً ، ثُمَّ يسكت بعد ذَلِكَ سكتة ، ثُمَّ يقرأ الفاتحة ، ولا نقل هَذَا أحد عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عَن أحد من أصحابه ، ولا قَالَ بِهِ قائل . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث قتادة ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، وفسر قتادة السكتتين : إذا دَخَلَ فِي الصلاة ، وإذا فرغ من القراءة . وفي رِوَايَة قَالَ : سكتة إذا كبر ، وسكتة إذا فرغ . خرجه أبو داود وغيره . وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث يونس ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : حفظت سكتتين فِي الصلاة : سكتة إذا كبر الإمام حَتَّى يقرأ ، وسكتة إذا فرغ . ففي هذه الروايات كلها : تصريح بأن السكتة كَانَتْ بَيْن التكبير والقراءة ، كما فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ . وخرج الحَاكِم من طريق عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان ، عَن شريك ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَقَالَ : صحيح ، ليس لَهُ علة . وهذه زلة عظيمة ؛ فإن عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان هَذَا هُوَ الواقعي ، نسبه ابن المديني إلى الوضع ، وَقَالَ الدارقطني : كَانَ يكذب ، وَقَالَ أبو حاتم الرَّازِي : كَانَ لا يصدق . وخرج الدارقطني هَذَا الحَدِيْث من طريق أَبِي الصلت الهروي ، عَن عباد بن العَوَّامِ ، عَن شريك ، وَقَالَ فِيهِ : يجهر فِي الصلاة . وأبو الصلت هَذَا ، متروك . وخرجه الطبراني فِي ( أوسطه ) من طريق يَحْيَى بْن طلحة اليربوعي ، عَن عباد بْن العَوَّامِ بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هزأ مِنْهُ المشركون ، وقالوا : مُحَمَّد يذكر إله اليمامة ، وكان مسيلمة يتسمى الرحمن ، فلما نزلت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يجهر بِهَا . وهذا لَوْ صح لدل عَلَى نسخ الجهر بِهَا ، ولكن الصحيح أَنَّهُ مرسل ، كذلك رواه يَحْيَى بْن معين ، عَن عباد بْن العَوَّامِ ، ثنا شريك بْن عَبْد الله بْن سنان ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، فِي قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ : نَزَلَتْ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وذكر الحَدِيْث بمعناه مرسلاً . كذا خرجه عَنْهُ المفضل الغلابي فِي ( تاريخه ) . وكذا خرجه أبو داود فِي ( المراسيل ) عَن عباد بْن موسى ، عَن عباد بْن العَوَّامِ ، وعنده : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائها ، فما جهر بِهَا حَتَّى مات . وكذا رواه يَحْيَى بْن آدم ، عَن شريك ، عَن سَالِم ، عَن سَعِيد ، مرسلاً . وَهُوَ أصح . وقد روي عَن إِسْحَاق بْن راهويه ، عَن إِسْحَاق ، موصولاً ، ولا يصح . ذكره البيهقي فِي ( المعرفة ) . وروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن عَبْد الكريم الجزري ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ كَانَ إذا قام إلى الصلاة ، فأراد أن يقرأ ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ ابن عَبْد البر : قَدْ رفعه غيره أَيْضاً عَن ابن عُمَر ، ولا يصح ؛ لأنه موقوف عَلَى ابن عُمَر من فعله ، كذلك رواه سَالِم ونافع ويزيد الفقير ، عَن ابن عُمَر . وَقَالَ البيهقي : الصواب موقوف . وقد قَالَ العقيلي فِي ( كتابه ) : لا يصح فِي الجهر بالبسملة حَدِيْث مسند . يعني : مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وحكي مثله عَن الدارقطني . وما ينقل عَنْهُ فِي ( سننه ) من تصحيح أحاديث فِي هَذَا الباب ، فلا توجد فِي جميع النسخ ، بل فِي بعضها ، ولعله من زيادة بعض الرواة . وفي ترك الجهر بِهَا حَدِيْث عَبْد الله بْن مغفل ، وَهُوَ شاهد لحديث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم ، وَهُوَ من رِوَايَة أَبِي نعامة الحنفي ، عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : سمعني أَبِي وأنا فِي الصلاة أقول : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ : أي بني ، محدث ، إياك والحدث ، قَالَ : ولم أر أحداً من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ أبغض إليه الحدث فِي الإسلام - يعني : مِنْهُ قَالَ : وقد صليت مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع أَبِي بَكْر ومع عُمَر ومع عُثْمَان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقولها ، إذا أنت صليت فقل : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي ، وَقَالَ : حَدِيْث حسن . وخرجه النسائي مختصراً . وأبو نعامة هَذَا ، بصري ، قَالَ ابن معين : ثقة . قَالَ ابن عَبْد البر : هُوَ ثقة عِنْدَ جميعهم . وله رِوَايَة عَن عَبْد الله بْن مغفل فِي الاعتداء فِي الدعاء والطهور . وأما هَذَا الحديث ، فَقَدْ رواه عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، عَن أَبِيه . وابن عَبْد الله بْن مغفل ، يقال : اسمه : يزيد . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث أبو حنيفة ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عبد الله بن مغفل ، عَن أَبِيه . وكذلك خرجه أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر فِي ( كِتَاب الشافي ) لَهُ من طريق حَمْزَة الزيات ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : صلى بنا إمام فجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : تأخر عَن مصلانا ، تجنب عنا هَذَا الحرف الَّذِي أراك تجهر بِهِ ؛ فإني صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر فَلَمْ يجهروا بِهَا ، قَالَ لَهُ رَجُل : وعثمان ؟ فسكت . ويزيد هَذَا ، لَمْ نعلم فِيهِ جرحاً ، وقد حسن حديثه الترمذي . وما قاله طائفة من المتأخرين : إنه مجهول ، كابن خزيمة وابن عَبْد البر ، فَقَدْ علله ابن عَبْد البر ، بأنه لَمْ يرو عَنْهُ إلاّ واحد فيكون مجهولاً ، يجاب عَنْهُ : بأنه قَدْ رَوَى عَنْهُ اثنان ، فخرج بذلك عَن الجهالة عِنْدَ كثير من أهل الحَدِيْث . وقد رَوَى سُفْيَان الثوري ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي نعامة ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن ولا أبو بَكْر ولا عُمَر يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كذا رواه غير واحد عَن سُفْيَان . وخالفهم يَحْيَى بْن آدم ، فرواه عَن سُفْيَان ، عَن خَالِد ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس . ووهم فِيهِ ، إنما هُوَ أبو نعامة ، قاله الإمام أحمد . ثُمَّ اختلف الحفاظ : فمنهم من قَالَ : الأشبه بالصواب رِوَايَة من رواه عَن أَبِي نعامة ، عَن ابنَ مغفل ، عَن أَبِيه ، ومنهم : الدارقطني ، وكلام أحمد يدل عَلِيهِ أَيْضاً ، قالوا : لأنه رواه ثَلاَثَة عَن أَبِي نعامة بهذا الإسناد ، وهم : الجريري وعثمان بْن غياث وراشد الحراني ، فقولهم أولى من قَوْلِ خَالِد الحذاء وحده . ومنهم من قَالَ : يجوز أن يكون القولان عَن أَبِي نعامة صحيحين . ومن العجائب تأويل بعضهم لحديث ابن مغفل عَلَى مثل تأويله لحديث أَنَس ، وأن المراد افتتاحهم بالفاتحة . وهذا إسقاط لفائدة أول الحَدِيْث وآخره ، والسبب الَّذِي لأجله رواه ابن مغفل ، وإنما الصواب عكس هَذَا ، وَهُوَ حمل حَدِيْث أَنَس عَلَى مثل مَا رواه ابن مغفل . وروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن زيد بْن أَبِي أنيسة ، عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن نَافِع بْن جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يجهر فِي صلاته بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ذكره الدارقطني فِي ( علله ) . وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات مشهورون ، ولكن لَهُ علة ، وهي : أن هَذَا الحَدِيْث قطعة من حَدِيْث جبير بْن مطعم فِي صفة تكبير النبي صلى الله عليه وسلم وتعوذه فِي الصلاة ، وقد رواه الثقات عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَنْ نَافِع بْن جبير ، عَن أَبِيه ، بدون هذه الزيادة ؛ فإنه تفرد بِهَا الرقي عَن زيد . وروى الحافظ أبو أحمد العسال ، ثنا عَبْد الله بن العباس الطيالسي ، ثنا عَبْد الرحيم بْن زياد السكري ، ثنا عَبْد الله بْن إدريس ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فَلَمْ يقنتوا ولم يجهروا . وهذا الإسناد أَيْضاً كلهم ثقات مشهورون . وهذا والذي قبله خير من كثير من أحاديث الجهر الَّتِيْ يصححها الحَاكِم وأمثاله ، ويحتجون بِهَا ، ولكن لا نستحل كتمان مَا ذكر فِي تعليله . فذكر الدارقطني فِي ( العلل ) أَنَّهُ تفرد بِهِ السكري ، عَن ابن إدريس مرفوعاً ، قَالَ : ورواه زائدة والقطان ومحمد بْن بشر وابن نمير ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، موقوفاً . قَالَ : وكذلك رواه مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، موقوفاً . قَالَ : وَهُوَ الصواب . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وفيه : عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا نهض فِي الثانية استفتح بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ولم يسكت . وروى منصور بْن مزاحم - وَهُوَ صدوق ثنا أبو أويس ، عَن العلاء بن عَبْد الرحمن ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ذكره ابن عَبْد البر وغيره . وهذا إسناد جيد . وقد عضده : أن مسلماً خرج بهذا الإسناد بعينه حَدِيْث : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) ، وذكر سورة الفاتحة بكمالها ، فَلَمْ يذكر فيها البسملة . وروى عمار بْن زربي ، عَن المعتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي عُثْمَان النهدي ، عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : كَانَ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مداً الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى يختم السورة . عمار هَذَا ، تكلم فِيهِ . وليست هذه الأحاديث بدون الأحاديث الَّتِيْ يستدل بِهَا الحَاكِم وأمثاله عَلَى الجهر ، بل إما أن تكون مساوية لها ، أو أقوى مَعَ اعتضادها بالأحاديث الصحيحة والحسنة المخرجة فِي الصحاح والسنن ، وتلك لا تعتضد بشيء من ذَلِكَ . وفي الباب أحاديث أخر ، تركناها اختصاراً ، وبعضها مخرج فِي بعض السنن أَيْضاً . وأما الآثار الموقوفة فِي المسألة فكثيرة جداً . وإلى ذَلِكَ ذهب أكثر أهل العلم من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم : أبو بَكْر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يَقُول سُفْيَان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، لا يرون أن يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قالوا : ويقولها فِي نفسه . انتهى . وحكى ابن المنذر هَذَا القول عَن سُفْيَان وأهل الرأي وأحمد وأبي عُبَيْدِ ، قَالَ : ورويناه عَن عُمَر وعلي وابن مَسْعُود وعمار بْن ياسر وابن الزُّبَيْر والحكم وحماد . قَالَ : وَقَالَ الأوزاعي : الإمام يخفيها . وحكاه ابن شاهين عَن عامة أهل السنة ، قَالَ : وهم السواد الأعظم . وروى شعبة ، عَن حصين ، عَن أَبِي وائل ، قَالَ : كانوا لا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وروى الأثرم بإسناده ، عَن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر ، قَالَ : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وعن الأعرج مثله . وعن النخعي ، قَالَ : مَا أدركت أحداً يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وعنه ، قَالَ : الجهر بِهَا بدعة . وعن عَكْرِمَة ، قَالَ : أنا أعرابي إن جهرت بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وروى وكيع فِي ( كتابه ) ، عَن همام ، عَن قتادة ، قَالَ : الجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أعرابية . وعن سُفْيَان ، عَن عَبْد الملك بْن أَبِي بشير ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : الجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قراءة الأعراب . وعن إسرائيل ، عَن جابر ، عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ ، قَالَ : لا يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وهذه الرواية تدل عَلَى أَنَّهُ لا يصح مَا حكي عَن أَبِي جَعْفَر وأهل البيت من الجهر بِهَا ، ولعل الشيعة تفتري ذَلِكَ عليهم . وممن روي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لا يجهر بِهَا : بَكْر المزني ، والحسن ، وابن سيرين ، والشعبي ، وأبو إِسْحَاق السبيعي ، وعمر بْن عَبْد العزيز فِي رِوَايَة عَنْهُ رواها الوليد بن مُسْلِم عَن عَبْد الله بْن العلاء عَنْهُ ، وقتادة وابن أَبِي ليلى وابن شبرمة والحسن بْن حي . وَقَالَ الْحَسَن : الجهر بِهَا أعرابية . خرجه حرب الكرماني . وروي عَنْهُ من وجه آخر ، قَالَ : الجهر بِهَا قراءة الأعراب . وأكثر هؤلاء يكرهون الجهر ، كما أنكره عَبْد الله بْن مغفل ، وكما أنكره من قَالَ : ذَلِكَ قراءة الأعراب ، ومن قَالَ : هُوَ بدعة ، ونص أحمد عَلَى كراهته . وروي عَن طائفة ، أَنَّهُ يخير بَيْن الجهر والإسرار ، ولا يكره الجهر وإن كَانَ الإسرار أفضل ، وحكي هَذَا عَن ابن أَبِي ليلى وإسحاق ، ورجحه طائفة من أهل الحَدِيْث . ومنهم من قَالَ : الجهر أفضل . وقالت طائفة : يجهر بِهَا وَهُوَ السنة ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأصحابه وأبي ثور ، وروي عَن الليث بْن سعد . قَالَ ابن المنذر : وروينا عَن عُمَر وابن عَبَّاس أنهما كانا يستفتحان بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . انتهى . وليس عَن ابن عُمَر تصريح بالجهر ، بل بقراءة البسملة . وأما المروي عَن عُمَر ، فَقَدْ ثبت عَنْهُ فِي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث أَنَس ، أَنَّهُ لَمْ يكن يجهر بِهَا ، فلعله جهر بِهَا مرة ليبين جواز ذَلِكَ . وخرج ابن أَبِي شيبة بإسناد جيد ، عَن الأسود ، قَالَ : صليت خلف عُمَر سبعين صلاة ، فَلَمْ يجهر فيها بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . قَالَ ابن عَبْد البر : روي عَن عُمَر وعلي وعمار بْن ياسر ، أنهم كانوا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، والطرق ليست بالقوية ، وقد قدمنا الاختلاف عنهم فِي ذَلِكَ . قَالَ : وروي عَن عُمَر فيها ثلاث روايات : أحدها : أَنَّهُ كَانَ لا يَقْرَؤُهَا . والثانية : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا سراً . والثالثة : أَنَّهُ جهر بِهَا . وكذلك اختلف عَن أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الجهر والإسرار ، وعن ابن عَبَّاس أَيْضاً ، والأكثر عَنْهُ الجهر بِهَا ، وعليه جماعة أصحابه . وذكر ابن عَبْد البر جماعة ممن كَانَ يرى الجهر بِهَا ، منهم : مكحول وعمر بن عَبْد العزيز ومحمد بْن كعب القرظي ، قَالَ : وَهُوَ أحد قولي ابن وهب ، إلا أَنَّهُ رجع عَنْهُ إلى الإسرار بِهَا . وعن عَطَاء الخراساني ، قَالَ : الجهر بِهَا حسن . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : من سَنَة الصلاة أن يقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ فاتحة الكتاب ، ثُمَّ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يقرأ بسورة ، وكان يَقُول : أول من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سراً بالمدينة عَمْرِو بْن سَعِيد بْن العاص . خرجه البيهقي . ومراسيل الزُّهْرِيّ من أردأ المراسيل . وإنما عنى أول من أسر بِهَا ممن أدركه ، فَقَدْ ثبت عَن أَبِي بَكْر وعمر وعثمان الإسرار بِهَا ، فلا عبرة بمن حدث بعدهم وبعد انتقال عَلِيّ بْن أَبِي طالب من المدينة ؛ فإن هؤلاء هم الخُلَفَاء الراشدون الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم ، وهم كانوا لا يجهرون بِهَا . قَالَ البيهقي : وروينا الجهر بِهَا عَن فقهاء مكة : عَطَاء وطاوس ومجاهد وسعيد بْن جبير . وَقَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة مهنا - : عامة أهل المدينة يجهر بِهَا : الزُّهْرِيّ وربيعة ، وذكر ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر . وأما مَا ذكره الخَطِيْب فِي كتابه فِي الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة فِي المسألة حَتَّى اعتقد بعض من وقف عَلِيهِ أَنَّهُ قَوْل الجمهور ، فغالب آثاره أو كثير مِنْهَا معلول لا يصح عِنْدَ التحقيق . وكثير منهم يروي الجهر والإسرار ، وقد حكي عَن الدارقطني أَنَّهُ قَالَ فِي المنقول عَن الصَّحَابَة : منهم : عَمْرِو بْن دينار وابن جُرَيْج ومسلم بْن خَالِد ، وعن بعض أهل المدينة دون سائر الأمصار ، ولقلة من كَانَ يجهر بِهَا اعتقد بعضهم أن الجهر بِهَا بدعة ، وأنه من شعار أهل الأهواء كالشيعة ، حَتَّى تركه بعض أئمة الشافعية ، منهم : ابن أَبِي هُرَيْرَةَ ، لهذا المعنى . وكان سُفْيَان الثوري وغيره من أئمة الأمصار يعدون الإسرار بالبسملة من جملة مسائل أصول الدين الَّتِيْ يتميز بِهَا أهل السنة عَن غيرهم ، كالمسح عَلَى الخفين ونحوه ، حَتَّى قَالَ سُفْيَان لشعيب بْن حرب : لا ينفعك مَا كتبت حَتَّى ترى أن إخفاء : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أفضل من الجهر بِهَا . وَقَالَ وكيع : لا يصلى خلف من يجهر بِهَا . وَقَالَ أحمد فِي الصلاة خلف من يجهر بِهَا : إن كَانَ يتأول فلا بأس بِهِ ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ فلا يصلى خلفه . يشير إلى أَنَّهُ يصلى خلف من جهر بِهَا من أهل العلم والحديث ، دون من يجهر بِهَا من أهل الأهواء ، فإنهم المعروفون بالجهر بِهَا . ونقل أبو طالب ، عَن أحمد ، وسأله : يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يرى أنها آية من كِتَاب الله مثلما قَالَ ابن عَبَّاس وأبو هُرَيْرَةَ وابن الزُّبَيْر كانوا يجهرون بِهَا ، ويتأولونها من كِتَاب الله . قَالَ القاضي أبو يعلى : ظاهر هَذَا أَنَّهُ أجاز الجهر لمن كَانَ بالمدينة دون غيرها من البلاد ، قَالَ : ولعله ذهب فِي هَذَا إلى أن أهل المدينة يرون الجهر بِهِا ، فإذا خافت استنكروا فعله ، وامتنعوا من الصلاة خلفه . قُلتُ : إنما مراد أحمد الإخبار عَن الجهر بِهَا أَنَّهُ سائغ لمثل أهل المدينة ومن يتأول من غيرهم من أهل الحَدِيْث والعلم ، وليس مراده أَنَّهُ يرى الجهر بِهَا بالمدينة . وقد حكى أبو حفص العكبري رِوَايَة أَبِي طالب عَن أحمد ، بلفظ صريح فِي هَذَا المعنى ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : سئل أحمد : هَلْ يصلي الرَّجُلُ خلف من يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يتأول وذكر بقية الرواية . وهذا تصريح بالمعنى الَّذِي ذكرناه ، وَهُوَ أَنَّهُ إنما يسوغ الخلاف فِي هذه المسألة من مثل هؤلاء العلماء المجتهدين ، دون أهل الأهواء الذين كَانَتْ هذه المسألة مشهورة عنهم . ولذلك نقل مهنا عَن أحمد ، أن عامة أهل المدينة يرون الجهر بالبسملة . ونقل صالح بْن أحمد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نحن لا نرى الجهر ولا نقنت ؛ فإن جهر رَجُل وليس بصاحب بدعة ، يتبع مَا روي عَن ابن عَبَّاس وابن عُمَر ، فلا بأس بالصلاة خلفه والقنوت هكذا . ونقل عَنْهُ يعقوب بْن بختان ، قَالَ : يصلى خلف من يجهر من الكوفيين ، إلا أن يكون رافضياً . واختلفت الرواية عَن أحمد فِي قراءة البسملة بَيْن السورتين فِي قيام رمضان ، فروي عَنْهُ ، أَنَّهُ يسر بِهَا ولا يجهر . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : أرجو . وظاهر هذه الرواية يدل عَلَى أَنَّهُ لا يكره الجهر بِهَا فِي هَذَا الموطن خاصة ؛ فإن النفل يسامح فِيهِ وخصوصاً قيام الليل ؛ فإنه لا يكره الجهر بالقراءة فِيهِ للمنفرد . وإلى هَذَا القول ذهب أبو عُبَيْدِ وعلي بْن المديني ، حكاه عنهما الأثرم . وذهبت طائفة إلى أَنَّهُ لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصلاة سراً ولا جهراً ، هَذَا قَوْلِ مَالِك وأصحابه ، ورخص فِيهِ فِي السور بعد الفاتحة فِي قيام رمضان خاصة . وحكي عَنْهُ إجازته فِي أول الفاتحة وغيرها للمتهجدين ، وفي النوافل . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ لا بأس بقراءتها فِي الفرائض والنوافل ، ذكره القاضي إِسْمَاعِيل فِي ( مبسوطه ) من طريق ابن نَافِع ، عَن مَالِك . قَالَ ابن عَبْد البر : لا يصح هَذَا عندنا عَن مَالِك ، إنما هُوَ عَن صاحبه عَبْد الله بْن نَافِع . وكذلك روي عَن عُمَر بْن عَبْد العزيز ، أَنَّهُ لا يَقْرَؤُهَا سراً ولا جهراً ، من وجه فِيهِ نظر ، ذكره ابن سعد فِي ( طبقاته ) . وكذلك قَالَ الأوزاعي : لا يقرأ بِهَا سراً ولا جهراً ، نقله عَنْهُ الوليد بْن مُسْلِم . قَالَ الوليد : فذكرت ذَلِكَ لخليد ، فأخبرني أن الْحَسَن كَانَ لا يَقْرَؤُهَا ، فَقَالَ الَّذِي سأله : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرها ؟ فَقَالَ الْحَسَن : لَوْ أسر قراءتها فيما يسر بِهَا لجهر بِهَا فيما يجهر ، ولكنها أعرابية . قَالَ الوليد : وأقول أنا : إن قرأتها فحسن ، وذلك لما أخبرنا بِهِ عَبْد الله بْن عُمَر بْن حفص ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ كَانَ لا يدع قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ يستفتح الحمد والسورة الَّتِيْ بعدها . خرجه حرب الكرماني . واختاره ابن جرير الطبري ، وَهُوَ مذهب مَالِك والأوزاعي . وبهذا المروي عَن ابن عُمَر استدل أحمد عَلَى قراءتها ، وبالمروي عَن ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر وأبي هُرَيْرَةَ . ومالك ومن وافقه تأولوا ظاهر حَدِيْث أَنَس ، وعند التحقيق فِي التأمل إنما يدل عَلَى نفي الجهر لا عَلَى قراءتها سراً ، وبذلك تجتمع ألفاظ الحَدِيْث وعامة الأدلة فِي هذه المسألة ، والله أعلم . وأكثر من يرى قراءتها فِي الصلاة يرى قراءتها فِي الفاتحة والسورة الَّتِيْ بعدها . وقالت طائفة قليلة منهم : إنما يقرأ بِهَا فِي ابتداء الفاتحة دون السورة الَّتِيْ بعدها ، روي عَن طاوس ، وَهُوَ قَوْلِ سُفْيَان الثوري وسليمان بْن داود الهاشمي ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَبِي حنيفة . وروى يوسف بْن أسباط ، عَن الثوري ، قَالَ : من قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فِي أول القرآن أجزأه لكل القرآن . واعلم أن الجهر بقراءة البسملة مَعَ الفاتحة ليس مبنياً عَلَى القول بأن البسملة آية من سورة الفاتحة وغيرها ، كما ظنه طائفة من النَّاس من أصحابنا وغيرهم ، وإنما الصحيح عِنْدَ المحققين من أصحابنا وأصحاب الشَّافِعِيّ وغيرهم أَنَّهُ غير مبني عَلَى ذَلِكَ . ولهذا اختلفت الرواية عَن أحمد : هَلْ البسملة آية من الفاتحة ، أو لا ؟ وأكثر الروايات عَنْهُ عَلَى أنها ليست من الفاتحة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابه . ولم تختلف عَنْهُ فِي أَنَّهُ لا يجهر بِهَا ، وكذا قَالَ الجوزجاني وغيره من فقهاء الحَدِيْث . واختلف قَوْلِ الشَّافِعِيّ : هَلْ البسملة آية من كل سورة سوى الفاتحة ، وَهُوَ يرى الجهر بِهَا فِي السور ، أَيْضاً . وحينئذ ؛ فلا يصح أن يؤخذ الجهر بِهَا من القول بأنها آية من الفاتحة ، كما يفعله كثير من النَّاس ؛ فإنهم يحكون عمن قَالَ : هِيَ آية من الفاتحة ، الجهر بِهَا ، وليس ذَلِكَ بلازم . ومما يستحب الإتيان بِهِ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة : التعوذ ، عِنْدَ جمهور العلماء . واستدلوا بقوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ والمعنى : إذا أردت القراءة ، هكذا فسر الآية الجمهور ، وحكي عَن بعض المتقدمين ، منهم : أبو هُرَيْرَةَ وابن سيرين وعطاء ، التعوذ بعد القراءة . والمروي عَن ابن سيرين : قَبْلَ قراءة أم القرآن وبعدها ، فلعله كَانَ يستعيذ لقراءة السورة ، كما يقرأ البسملة لها أَيْضاً . وقد جاءت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يتعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة : فروى عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَن ابن جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة ، قَالَ : ( الله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، سبحان الله بكرة وأصيلاً ) - ثلاثاً - ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من نفخه ونفثه وهمزه ) ، قَالَ : نفثه الشعر ، ونفخه الكبر ، وهمزه الموتة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان فِي ( صحيحه ) ، والحاكم ، وصححه . وابن جبير ، هُوَ : نَافِع ، وقع مسمى فِي رِوَايَة كذلك ، وعاصم العنزي ، قَالَ أحمد : لا يعرف ، وَقَالَ غيره : رَوَى عَنْهُ غير واحد ، ذكره ابن حبان فِي ( ثقاته ) . وروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن ابن مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ كَانَ إذا دَخَلَ فِي الصلاة يَقُول : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه ) . خرجه ابن ماجه والحاكم ، وهذا لفظه . وَقَالَ : صحيح الإسناد ؛ فَقَدْ استشهد البخاري بعطاء بْن السائب . وروى عَلِيّ بْن عَلِيّ الرفاعي ، عَن أَبِي المتوكل ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ، ثُمَّ يَقُول : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي . وَقَالَ : كَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد يتكلم فِي عَلِيّ بْن عَلِيّ ، وَقَالَ أحمد : لا يصح هَذَا الحَدِيْث . كذا قَالَ ، وإنما تكلم فِيهِ يَحْيَى بْن سَعِيد من جهة أَنَّهُ رماه بالقدر ، وقد وثقه وكيع ويحيى بْن معين وأبو زُرْعَة . وَقَالَ أحمد : لا بأس بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفع أحاديث . وَقَالَ أبو حاتم : ليس بِهِ بأس ، ولا يحتج بحديثه . وإنما تكلم أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث ؛ لأنه روي عَن عَلِيّ بْن عَلِيّ ، عَن الْحَسَن مرسلاً ، وبذلك أعله أبو داود ، وخرج فِي ( مراسيله ) من طريق عمران بْن مُسْلِم ، عَن الْحَسَن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا قام من الليل يريد أن يتهجد ، يَقُول قَبْلَ أن يكبر : ( لا إله إلا الله ، لا إله إلا الله ، والله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه ) ، ثُمَّ يَقُول : ( الله أكبر ) . وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، فيها ضعف . واعتماد الإمام أحمد عَلَى المروي عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ ؛ فإنه روي التعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة عَن عُمَر بْن الخَطَّاب وابن مَسْعُود وابن عُمَر وأبي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلِ جمهور العلماء كما تقدم . والجمهور عَلَى أَنَّهُ غير واجب ، وحكي وجوبه عَن عَطَاء والثوري وبعض الظاهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن بطة من أصحابنا . والجمهور عَلَى أَنَّهُ يسره فِي الصلاة الجهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن عُمَر وابن مَسْعُود والأكثرين . وروي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الجهر بِهِ . وللشافعي قولان . وعن ابن أَبِي ليلى : الإسرار والجهر سواء . واختلفوا : هَلْ يختص التعوذ بالركعة الأولى ، أم يستحب فِي كل ركعة ؟ عَلَى قولين : أحدهما : يستحب فِي كل ركعة ، وَهُوَ قَوْلِ ابن سيرين والحسن والشافعي وأحمد ، فِي رِوَايَة . والثاني : أَنَّهُ يختص بالركعة الأولى ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد ، فِي رِوَايَة عَنْهُ . وَقَالَ هِشَام بْن حسان : كَانَ الْحَسَن يتعوذ فِي كل ركعة ، وكان ابن سيرين يتعوذ فِي كل ركعتين . وذهب مَالِك وأصحابه إلى أَنَّهُ لا يتعوذ فِي الصلاة المكتوبة ، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة ولا بسملة ، واستدلوا بظاهر حَدِيْث أَنَس : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري فِي أول هَذَا الباب . ويجاب عَنْهُ بأنه إنما أراد أَنَّهُ يفتتح قراءة الصَّلاة بالتكبير والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وافتتاح القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ إما أن يراد بِهِ افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يَقُول الشَّافِعِيّ ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهرية بكلمة ( الْحَمْدُ ) من غير بسملة كما يقوله الآخرون . ودل عَلِيهِ : حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم صريحاً . وعلى التقديرين ، فلا ينفي ذَلِكَ أن يكون يَقُول قَبْلَ القراءة ذكراً ، أو دعاء ، أو استفتاحاً ، أو تعوذاً ، أو بسملةً ؛ فإنه لا يخرج بذلك عَن أن يكون افتتح القراءة بالفاتحة ، أو افتتح الجهر بالقراءة بكلمة ( الْحَمْدُ ) . ولا يمكن حمل الحَدِيْث عَلَى أَنَّهُ كَانَ أول مَا يفتتح بِهِ الصلاة قراءة كلمة ( الْحَمْدُ ) ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لكان لا يفتتح الصلاة بالتكبير ، وهذا باطل غير مراد قطعاً . والله أعلم .
26 - باب قول الرجل : ( ما صلينا ) 641 - حدثنا أبو نعيم : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، قال : سمعت أبا سلمة ، قال : أنا جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه عمر بن الخطاب يوم الخندق ، فقال : يا رسول الله ، ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب ، وذلك بعدما أفطر الصائم . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ، ما صليتها ) ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بطحان وأنا معه ، فتوضأ ثم صلى العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . قد تقدم هذا الحديث في أواخر ( كتاب المواقيت ) . ومقصود البخاري بتخريجه هاهنا : أن من لم يصل الصلاة حتى ذهب وقتها وهو ناس لها ، أو مشتغل عنها بعذر يبيح تأخيرها ، إذا سئل : ( هل صلى ؟ ) فله أن يقول : ( ما صليتها ) ، وله أن يحلف على ذلك ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ، ما صليتها ) . وكذلك إذا سئل من أخر الصلاة الحاضرة إلى أثناء وقتها : هل صلاها ؟ فله أن يقول : ( ما صليتها بعد ) ، ولا حرج في ذلك ؛ لأنه صدق ، وتأخر الصلاة في هذه الصورة كلها مباح ، فلا يضر الإخبار فيها بأنه لم يصل . وقد نص على جواز ذلك أحمد ، وإسحاق - : نقله عنهما ابن منصور . ويوجد من الناس من يتحرج من قوله : ( لم أصل ) ، ويقول : ( نصلي إن شاء الله ) ، والسنة وردت بخلاف ذلك . وأما إن عرض عليه أن يصلي في وقتها ، وهو يريد تأخيرها ، فإنه لا يقول : ( لا أصلي ) ، ولكن يخبر بما قصده من التأخير المباح ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد ليلة المزدلفة : لما قال له : الصلاة يا رسول الله . فقال له - صلى الله عليه وسلم - : ( الصلاة أمامك ) . ولما خطب ابن عباس بالبصرة ، وأخر المغرب ، فقيل له : الصلاة ، وألح عليه القائل ، قال له : أتعلمنا بالسنة ؟ ثم أخبره بجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين . خرجه مسلم . ولما أخر ابن عمر المغرب في السفر ، وكان قد استصرخ على زوجته صفية ، قال له ابنه سالم : الصلاة . فقال [له] : سر ، ثم قال له : الصلاة . فقال له : سر ، حتى سار ميلين أو ثلاثة ، ثم نزل فصلى ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إذا أعجله السير . خرجه البخاري ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
166 - باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد 873 - حدثنا مسدد ، ثنا يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها . قد تقدم هذا الحديث بأتم من هذا السياق . وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر : خرجه الإمام أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تَفِلَاتٌ . وخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن خالد الجهني وعائشة ، وفي حديث عائشة أنها قالت : لو رأى حالهن اليوم لمنعهن . فهذه الأحاديث : تدل على أمرين : أحدهما : أن المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون إذن زوجها ، فإنه لو لم يكن له إذن في ذلك لأمرها أن تخرج إن أذن أو لم يأذن . وخرج ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر - مرفوعا - : حق الزوج على زوجته لا تخرج من بيتها إلا بإذنه ، فإن فعلت لعنتها ملائكة الله ، وملائكة الرحمة ، وملائكة الغضب ، حتى تتوب أو تراجع . وفي إسناده : ليث بن أبي سليم ، وقد اختلف عليه في إسناده . وخرج البزار نحوه من حديث ابن عباس . وفي إسناده : حسين بن علي الرحبي ، ويقال له : حنش ، وهو ضعيف الحديث . وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث قتادة ، عن مورق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان . زاد ابن حبان : وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ رَبِّهَا إِذَا هِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا . وصححه الترمذي . وإسناده كلهم ثقات . قال الدارقطني : رفعه صحيح من حديث قتادة ، والصحيح عن أبي إسحاق وحميد بن هلال ، أنهما روياه عن أبي الأحوص ، عن عبد الله موقوفا . ولا نعلم خلافا بين العلماء : أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها ، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم . لكن من المتقدمين من كان يكتفي في إذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منع ؛ كما قال بعض الفقهاء : إن العبد يصير مأذونا له في التجارة بعلم السيد بتصرفه في ماله من غير منع . فروى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أن عاتكة بنت زيد كانت تستأذن زوجها عمر بن الخطاب إلى المسجد ، فيسكت ، فتقول : والله ، لأخرجن ، إلا أن تمنعني ، فلا يمنعها . وروي عن ابن عمر ، قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في جماعة ، فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ فقالت : ما يمنعه أن ينهاني ؟ قالوا : يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله . خرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر . وخرجه الإمام أحمد من رواية سالم ، عن عمر - منقطعا . والأمر الثاني : أن الزوج منهي عن منعها إذا استأذنته ، وهذا لا بد من تقييده بما إذا لم يخف فتنة أو ضررا . وقد أنكر ابن عمر على ابنه لما قال له : والله ، لنمنعهن ، أشد الإنكار ، وسبه ، وقال له : تسمعني أقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول : لنمنعهن ؟ . وقد تقدم عن عمر عدم المنع . وممن قال : لا يمنعن : ابن المبارك ومالك وغير واحد . وحكي عن الشافعي ، أن له المنع من ذلك ، وقاله القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا . وروى سعيد بن أبي هلال ، عن محمد بن عبد الله بن قيس ، أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن نساءنا استأذنونا في المسجد ، فقال : احبسوهن ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فعاد أزواجهن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : احبسوهن ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فقالوا : يا رسول الله ، قد استأذننا حتى إنا لنخرج . قال : فإذا أرسلتموهن ، فأرسلوهن تفلات . وهذا مرسل غريب . ومن هؤلاء من حمل قوله : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله على النهي عن منعهن من حجة الإسلام ، وهو في غاية البعد ، ورواية من روى تقييده بالليل تبطل ذلك . ومنهم من حمله على الخروج للعيدين ، وهو بعيد - أيضا - ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد . ومن أصحابنا من قال : يكره منعهن إذا لم يكن في خروجهن ضرر ولا فتنه ، فحملوا النهي على الكراهة . وقال صاحب المغني منهم : ظاهر الحديث يمنعه من منعها . قلت : وهو ظاهر ما روي عن عمر وابن عمر ، كما تقدم . وكذلك مذهب مالك : لا يمنع النساء من الخروج إلى المسجد . وبكل حال ؛ فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد . خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهن خير لهن . وخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أم حميد - امرأة أبي حميد - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي . قال : فأمرت ، فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل . وخرج أبو داود معناه من حديث ابن مسعود . والبيهقي معناه - أيضا - من حديث عائشة . وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خير مساجد النساء قعر بيوتهن . وخرجه الطبراني من وجه آخر ، عن أم سلمة ، بمعنى الأحاديث التي قبله . وقد تقدم عن ابن مسعود ، أن صلاتها في مسجد مكة والمدينة أفضل من صلاتها في بيتها .
27 - باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة 642 - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو : حدثنا عبد الوارث : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلا في جانب المسجد ، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم . هذا الحديث : فيه دليل على أن الإمام له أن يؤخر الدخول في الصلاة بعد إقامة الصلاة ، إذا كانت له حاجة ، وقد كان ابن عمر إذا أقيمت الصلاة وقام مقامه لا يكبر حتى يأتيه الرجل الذي كان وكله بإقامة الصفوف ، فيخبره بإقامتها ، وأما إذا لم يكن له حاجة فالأولى المسارعة إلى الدخول في الصلاة عقب الإقامة . وفي ( تهذيب المدونة ) للبرادعي المالكي : وينتظر الإمام بعد الإقامة قليلا قدر ما تستوي الصفوف ، وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة وقت ، وذلك على قدر طاقة الناس . ومتى طال الفصل بين الإقامة والصلاة ، فقال بعض أصحابنا ، وأصحاب الشافعي : يعتد بتلك الإقامة ، ويكون كمن صلى بغير إقامة . وسيأتي من حديث ثابت ، عن أنس ما يدل على خلاف ذلك . وظاهر حديث أنس يدل على أن الإقامة لم تعد كذلك . وقد خرج مسلم حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس هذا ، ولفظه : أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلا ، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ، ثم جاء فصلى بهم . وظاهر هذه الرواية يدل على أنه صلى بالإقامة السابقة ، واكتفى بها . فإن زعم زاعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ليبين للناس جواز الصلاة بدون إقامة . قيل : ليس في هذا بيان لذلك ؛ فإنه إنما يتبادر إلى الأفهام أنه اكتفى بالإقامة المتقدمة ، فلو كان حكمها قد بطل لأمر بإقامة ثانية ، أو بين بقوله أن تلك الإقامة لم تبق معتبرة ، وإنما يصلي بغير إقامة بالكلية لئلا يظن أنه صلى بتلك الإقامة الماضية ، فإن هذا هو المتبادر إلى الأفهام . والله أعلم . وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على أن الإقامة وإن تقدمت على الصلاة بزمن طويل فإنها كافية . فروي عن الحسن ، والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعروة ، ومحمد بن علي بن حسين ، وغيرهم : أن من دخل مسجدا قد صلي فيه فإنه لا يؤذن ، ولا يقيم . وحكي مثله عن أبي حنيفة وأصحابه ، وإسحاق ، وحكاه ابن المنذر قولا للشافعي . ومنهم من علل بأنه يجزئه إقامة أهل المسجد التي صلوا بها ، روي ذلك صريحا عن عروة . وسئل أحمد عن ذلك ، فقال : إن شاءوا أقاموا ، والأمر عنده واسع - : نقله عنه حرب . وهذا يشعر بأن لهم الاكتفاء بالإقامة الأولى . ونقل حرب عن إسحاق فيمن فاتته الصلاة يوم الجمعة مع الإمام - صلاة الجمعة - قال : لا بد أن يقيم الصلاة للظهر ؛ لأن الأذان والإقامة يومئذ لم تكن للظهر ، إنما كانت للجمعة . وهذا يدل على أنه يكتفي بالإقامة الأولى لمن صلى تلك الصلاة التي أقيمت لأجلها . وقد ذكرنا هذه المسائل مستوفاة في ( أبواب الأذان ) ، وإنما المقصود : أن الإقامة وإن طال الفصل بينها وبين الدخول في الصلاة يكتفي بها عند كثير من العلماء . وروى وكيع في ( كتابه ) حدثنا عمران بن حدير ، عن أبي مجلز ، قال : أقيمت الصلاة ، وصفت الصفوف ، فانتدب رجل لعمر فكلمه ، فأطال القيام حتى ألقيا إلى الأرض ، والقوم صفوف .
165 - باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد 872 - حدثنا يحيى بن موسى ، ثنا سعيد بن منصور ، ثنا فليح ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصبح بغلس ، فينصرفن نساء المؤمنين ، لا يعرفن من الغلس - أو لا يعرف بعضهن بعضا . قد سبق هذا الحديث في المواقيت من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - بمعناه - وفيه : ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغلس . وهذا يدل على سرعة خروجهن من المسجد عَقِيبَ انقضاء الصلاة مبادرة لما بقي من ظلام الغَلَسِ ، حتى ينصرفن فيه ، فيكون أَسْتَرَ لهن . وهذا المعنى لا يوجد في غير الصبح من سائر الصَّلَوَاتِ ؛ فلذلك خصه الْبُخَارِيُّ بالتبويب عليه . والله أعلم .
28 - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة 643 - حدثنا عياش بن الوليد : حدثنا عبد الأعلى : حدثنا حميد ، قال : سألت ثابتا البناني عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة ، فحدثني عن أنس بن مالك ، قال : أقيمت الصلاة ، فعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ، فحبسه بعدما أقيمت الصلاة . خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : أقيمت صلاة العشاء ، فقال رجل : لي حاجة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم - ثم صلوا . وخرجه الترمذي من حديث معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما تقام الصلاة يكلمه الرجل ، يقوم بينه وبين القبلة ، فما يزال يكلمه ، ولقد رأيت بعضهم ينعس من طول قيام النبي - صلى الله عليه وسلم فهذا الحديث : دليل على جواز ابتداء الكلام للإمام وغيره بعد إقامة الصلاة ، بخلاف حديث عبد العزيز بن صهيب المخرج في الباب الماضي ؛ فإنه إنما يدل على جواز استدامة الكلام إذا شرع فيه قبل الإقامة . ورواية معمر ، عن ثابت ، عن أنس صريحة بأن مدة الكلام طالت ، ورواية حماد بن سلمة تشعر بذلك ؛ لقوله : ( حتى نام القوم أو بعض القوم ) ، وليس فيه ذكر إعادة إقامة الصلاة . وظاهر الحال : يدل على أنه لم يعد الإقامة ، ولو وقع ذلك لنقل ، ولم يهمل ؛ فإنه مما يهتم به . وقد روى حديث ثابت جرير بن حازم ، فخالف أصحاب ثابت في لفظه ، رواه عن ثابت ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر . خرجه من طريقه كذلك الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم ، وسمعت محمدا - يعني : البخاري - يقول : وهم جرير بن حازم في هذا الحديث ، والصحيح ما روي عن ثابت ، عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم . قال محمد : والحديث هو هذا ، وجرير بن حازم ربما يهم في بعض الشيء ، وهو صدوق . وقال ابن أبي خيثمة في ( تاريخه ) : سئل يحيى بن معين عن حديث جرير بن حازم هذا ، فقال : خطأ . وروى وكيع ، عن جرير بن حازم ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل من المنبر يوم الجمعة ، فيكلمه الرجل في الحاجة فيكلمه ، ثم يتقدم إلى المصلى فيصلي . وروى وكيع عن سفيان ، عن معمر ، عن الزهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث جرير ، عن ثابت - مرسلا . وقد اختلف في كراهية الكلام بين الخطبة والصلاة ، فكرهه طاوس - في رواية - والحكم وأبو حنيفة ، ورخص فيه الأكثرون . قال ابن المنذر : كان طاوس وعطاء والزهري وبكر بن عبد الله والنخعي وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد يرخصون فيه ، وروينا ذلك عن ابن عمر ، وحكي كراهته عن الحكم . وأما الكلام بين إقامة الصلاة والصلاة في غير الجمعة فلا أعلم أحدا كرهه ، وإنما كره من كره ذلك يوم الجمعة تبعا لكراهة الكلام في وقت الخطبة ، فاستصحبوا الكراهة إلى انقضاء الصلاة ، وهذا المعنى غير موجود في سائر الصلوات . وحكى ابن عبد البر عن العراقيين كراهته بين الإقامة والصلاة مطلقا . فإن كان الكلام بينهما لمصلحة كتسوية الصفوف ونحوها كان مستحبا ، وقد دلت الأحاديث الكثيرة على ذلك ، ووردت أحاديث وآثار في الدعاء قبل الدخول في الصلاة .
164 - باب صلاة النساء خلف الرجال فيه حديثان : الأول : 870 - حديث أم سلمة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ويمكث في مقامه هو يسيرا قبل أن يقوم . قال : فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال . خرجه عن يحيى بن قزعة ، عن إبراهيم بن سعد . وقد خرجه فيما تقدم من طريقين عنه . ووجه استدلاله به على تأخير النساء : أن النساء إذا كن يصلين في مؤخر المسجد أمكن أن يتبادرن إلى القيام والخروج قبل الرجال ، فلو كن يصلين في مقدم المسجد لم يتمكن من ذلك .
الثاني : 871 - حديث أنس : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم ، فقمت ويتيم خلفه ، وأم سليم خلفنا . خرجه عن أبي نعيم ، عن ابن عيينة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس . ووجه الاستدلال به ظاهر ، إلا أن الأول هذه الجماعة لم تكن في المسجد . وقد خرج فيما تقدم حديث سهل بن سعد : كان الناس يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرحال جلوسا . خرجه في أبواب : اللباس وفي أبواب : السجود . وهو صريح في أن النساء كن يصلين خلف الرجال . وخرج أبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر ، قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم كراهية من أن يرين عورات الرجال . وقد تقدم حديث أبي مالك الأشعري في وصفه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفه الرجال ، ثم الصبيان ، ثم النساء . وقد روي عن ابن مسعود ، أنه قال : أخروهن من حيث أخرهن الله . وخرج مسلم من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها . ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بتأخير مقامها في الصلاة عن مقام الرجل ، إلا أن تكون صغيرة لم تبلغ ، فإنه قد روي عن أبي الدرداء ، أنه كان يفهم أم الدرداء - وهي صغيرة لم تبلغ - صف الرجال . والجمهور على خلافه . وقد سبق حكم إبطال الصلاة بمصافتها الرجال ، أو تقدمها عليهم في باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد .
29 - باب وُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ وَقَالَ الحَسَنُ : إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا . مقصود البخاري بهذا الباب : أن الجماعة واجبةٌ للصلاة ، ومن تركها لغير عذرٍ ، وصلى منفرداً فَقَدْ ترك واجباً ، وهذا قَوْلِ كثير من السلف ، منهم : الْحَسَن ، وما حكاه البخاري عَنْهُ يدل عَلَى ذَلِكَ . وقد روي عَن الْحَسَن التصريح بتعليل ذَلِكَ بأن الجماعة فريضةٌ ، فروى إِبْرَاهِيْم الحربي فِي ( كِتَاب البر ) : نا عُبَيْدِ الله بْن عُمَر - هُوَ : القواريري نا معتمر ، نا هِشَام ، قَالَ : سئل الْحَسَن عَن الرَّجُلُ تأمره أمه أن يفطر تطوعاً ؟ قَالَ : يفطر ، ولا قضاء عَلِيهِ ، قُلتُ : تنهاهُ أن يصلي العشاء فِي جماعة ؟ قَالَ : لَيْسَ لها ذَلِكَ ؛ هَذِهِ فريضة . وروى بإسناده عَن عَطَاء فِي الرَّجُلُ تحبسه أمه فِي الليلة المطيرة المظلمة عَن الصلاة فِي جماعة ، قَالَ : أطعها . وهذا لا يخالف فِيهِ الْحَسَن ؛ فإن الْحَسَن أفتى بعدم طاعة الأم فِي ترك الجماعة فِي غير حال العذر ، وعطاء أفتى بطاعتها فِي ترك الجماعة فِي حال العذر المبيح لترك الجماعة ، وعطاء موافق للحسن فِي القول بوجوب الجماعة . قَالَ ابن المنذر : وممن كَانَ يرى أن حضور الجماعات فرض : عَطَاء بْن أَبِي رباح ، وأحمد بْن حَنْبل ، وأبو ثور . قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لا أرخص لمن قدر عَلَى صلاة الجماعة فِي ترك إتيانها ، إلا من عذرٍ . وَقَالَ ابن مَسْعُود : لَقَدْ رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلا منافقٌ معلومٌ نفاقه . وروينا عَن غير واحد من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : من سَمِعَ النداء ثُمَّ لَمْ يجب فلا صلاة لَهُ ، منهم : ابن مَسْعُود ، وأبو موسى ، وقد روي عَن النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى . وَقَالَ إِسْحَاق بْن راهويه : صلاة الجماعة فريضة . وَقَالَ الإمام أحمد فِي صلاة الجماعة : هِيَ فريضة . وَقَالَ فِي رِوَايَة عَنْهُ : أخشى أن تكون فريضة ، ولو ذهب النَّاس يجلسون عَنْهَا لتعطلت المساجد ، يروى عَن عَلِيّ ، وابن عَبَّاس ، وابن مَسْعُود : من سَمِعَ النداء فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ . وَقَالَ - أيضاً - : أشد مَا فيها قَوْلِ ابن مَسْعُود : لَوْ تركتم سَنَة نبيكم صلى الله عليه وسلم لكفرتم . وقول ابن مَسْعُود قَدْ خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من رِوَايَة أَبِي الأحوص ، عَن عَبْد الله بْن مَسْعُود ، قَالَ : لقد رأيتنا وما يتخلف عَن الصلاة إلا منافق قَدْ علم نفاقه ، أو مريض ، إن كَانَ المريض ليمشي بَيْن الرجلين حَتَّى يأتي الصلاة ، وَقَالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى ، وإن من سنن الهدى الصلاة فِي المسجد الَّذِي يؤذن فِيهِ . وفي رِوَايَة لمسلم - أيضا - عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ عَلَى هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن ، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم فِي بيوتكم كما يصلي هَذَا المتخلف فِي بيته لتركتم سَنَة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم . وخرجه أبو داود بنحوه ، وعنده : ( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم ) . وخرج الترمذي من حَدِيْث مُجَاهِد ، عَن ابن عَبَّاس ، أنه سئل عَن رَجُل يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يشهد جمعة ولا جماعة ؟ قَالَ : هُوَ فِي النار . وروي عَن أَبِي سنان ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، فِي قوله تعالى : وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ قَالَ : نَزَلَتْ فِي صلاة الرَّجُلُ يسمع الأذان فلا يجيب . وروي عَن سَعِيد بْن جبير من قوله . وروى أبو حيان التيمي ، عَن أبيه ، عَن عَلِيّ ، قَالَ : لا صلاة لجار المسجد إلا فِي المسجد ، قيل : يَا أمير المُؤْمِنيِن ، ومن جار المسجد ؟ قَالَ : من سَمِعَ الأذان . وروى شعبة عَن عدي بْن ثابت ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : من سَمِعَ النداء فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ إلا من عذرٍ . وقد رفعه طائفة من أصْحَاب شعبة بهذا الإسناد ، وبعضهم قَالَ : عَن شعبة ، عَن حبيب بْن أَبِي ثابت ، عَن سَعِيد ، عَن ابن عَبَّاس مرفوعاً . وقد خرجه بالإسناد الأول مرفوعاً ابن ماجه وابن حبان فِي ( صحيحه ) والحاكم وصححه . ولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره . وخرجه أبو داود مرفوعاً - أيضاً - من رِوَايَة أَبِي جناب الكلبي ، عَن مغراء ، عَن عدي بْن ثابت ، بِهِ . وأبو جناب ، ليس بالقوي ، وقد اختلف عَلِيهِ - أيضاً - فِي رفعه ووقفه . وروى أبو بَكْر بْن عياش ، عَن أَبِي حصين ، عَن أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من سَمِعَ النداء فارغاً صحيحاً فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ ) . خرجه الحَاكِم ، وصححه . وقد اختلف عَلَى أبي بَكْر بْن عياش فِي رفعه ووقفه . ورواه قيس بْن الربيع ، عَن أَبِي حصين ، مرفوعاً . ورواه مِسْعَر وغيره عَن أَبِي حصين موقوفاً . والموقوف أصح ، قَالَه البيهقي وغيره . وممن ذهب إلى أن الجماعة للصلاة مَعَ عدم العذر واجبة : الأوزاعي ، والثوري ، والفضيل بن عياض ، وإسحاق ، وداود ، وعامة فقهاء الحَدِيْث ، منهم : ابن خزيمة ، وابن المنذر . وأكثرهم عَلَى أَنَّهُ لَوْ ترك الجماعة لغير عذرٍ وصلى منفرداً أَنَّهُ لا يجب عَلِيهِ الإعادة ، ونص عَلِيهِ الإمام أحمد . وحكي عَن داود أَنَّهُ يجب عليهِ الإعادة ، ووافقه طائفة من أصحابنا ، منهم : أبو الْحَسَن التميمي ، وابن عقيل ، وغيرهما . وَقَالَ حرب الكرماني : سئل إِسْحَاق عَن قوله : لا صلاة لجار المسجد إلا فِي المسجد ؟ فَقَالَ : الصحيح أَنَّهُ لا فضل ولا أجر ولا أمن عَلِيهِ . يعني : أَنَّهُ لا صلاة لَهُ . وقد ذكرنا حَدِيْث ابن أم مكتوم فِي استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا أجدُ لَكَ رخصةً ) فيما سبق . وهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى وجوب حضور الجماعة . وقد روي عَن حذيفة وزيد بْن ثابت مَا يدل عَلَى الرخصة فِي الصلاة منفرداً مَعَ القدرة عَلَى الجماعة . وحكي عَن أَبِي حنيفة ومالك أن حضور الجماعة سَنَة مؤكدة ، لا يأثم بتركها . ولأصحاب الشَّافِعِيّ وجهان ، أحدهما كذلك ، ومنهم من حكى عَنْهُ رِوَايَة كقول مَالِك وأبي حنيفة ، وفي صحتها عَنْهُ نظر . والله أعلم . ولهذا أنكر بعض محققي أصحابنا أن يكون عَن أحمد رِوَايَة بأن حضور المساجد للجماعة سَنَة ، وأنه يجوز لكل أحد أن يتخلف عَن المسجد ويصلي فِي بيته ؛ لما فِي ذَلِكَ من تعطيل المساجد عَن الجماعات ، وهي من أعظم شعائر الإسلام . ويلزم من هَذَا ؛ أن لا يصح عَن أحمد رِوَايَة بأن الجماعة للصلاة من أصلها سَنَة غير واجبة بطريق الأولى ، فإنه يلزم من القول بوجوب حضور المسجد لإقامة الجماعة القول بوجوب أصل الجماعة ، من غير عكسٍ . والله أعلم . وحكى ابن عَبْد البر الإجماع عَلَى أنه لا يجوز أن يجتمع عَلَى تعطيل المساجد كلها من الجماعات ، وبذلك رجح قَوْلِ من قَالَ : إن الجماعة فرض كفايةٍ .
قَالَ البخاري : 644 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( والذي نفسي بيده ، لَقَدْ هممت بحطب يجمع ليحتطب ، ثُمَّ آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثُمَّ آمر رجلاً فيؤم النَّاس ، ثُمَّ أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، فوالذي نفسي بيده لَوْ يعلم أحدهم أَنَّهُ يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ) . قَالَ ابن عَبْد البر : قوله : ( لَقَدْ هممت أن آمر بحطب ليحطب ) أي : يجمع . والعرق ، المراد بِهِ : بضعة اللحم السمين عَلَى عظمة . والمرماتان ، قيل : هما السهمان ، وقيل : هما حديدتان من حدائد كانوا يلعبون بهما ، وهي ملس كالأسنة ، كانوا يثبتونها فِي الأكوام والأغراض ، ويقال لها - فيما زعم بعضهم - : المداحي . قَالَ أبو عُبَيْدِ : يقال : إن المرماتين ظلفا الشاة ، قَالَ : وهذا حرف لا أدري مَا وجهه ، إلا أن هَذَا تفسيره . ويروى : المرماتين ، بكسر الميم وفتحها ، ذكره الأخفش . وذكر العرق والمرماتين عَلَى وجه ضرب المثال بالأشياء التافهة الحقيرة من الدنيا ، وَهُوَ توبيخ لمن رغب عَن فضل شهود الجماعة للصلاة ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ طمع فِي إدراك يسير من عرض الدنيا لبادر إليه ، ولو نودي إلى ذَلِكَ لأسرع الإجابة إليه ، وَهُوَ يسمع منادي الله فلا يجيبه . قَالَ الخطابي : وقوله : ( حسنتين ) لا أدري عَلَى أي شيء يتأول معنى الْحَسَن فيهما ، إلا عَلَى تأويل من فسر المرماة بظلف الشاة . ثُمَّ ذكر عَن المبرد ، أَنَّهُ قَالَ : الْحَسَن والحسن العظيم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي البطن ، والقبح والقبيح العظم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي المرفق . قَالَ : فلعله شبه أحد العظمين بالآخر - أعني المرماة والعظم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي البطن . قَالَ : وَهُوَ شيء لا أحق ولا أثق بِهِ . انتهى . قُلتُ : وقد قَالَ بعضهم : إن الرواية ( خشبتين ) بالخاء والشين المعجمتين والباء الموحدة ، وَهُوَ غلط وتصحيف . والذي يظهر - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهود العشاء فِي جماعة ، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته ، والنفوس مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة ، والميل إليها ، فوبخ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين ، وهما من أدنى الأشياء الدنيوية لبادر إلى الخروج إليها ، وشهد العشاء لذلك ، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ الله ، وعظم فضل الجماعة مَا يدخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء ، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيراً من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب الله الموعود بِهِ . ويشبه هَذَا قَوْلِ الله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللهو . وهذا الحَدِيْث ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة فِي المساجد ، وإجابة المنادي بالصلاة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أَنَّهُ هم بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة ، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى ترك واجبٍ . وقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال ، وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ . مِنْهَا : حمل هَذَا الوعيد عَلَى الجمعة خاصة . واستدلوا عَلِيهِ بما فِي ( صحيح مُسْلِم ) عَن ابن مَسْعُود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لقوم يتخلفون عَن الجمعة : ( لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ، ثُمَّ أحرق عَلَى رجال يتخلفون عَن الجمعة ) . ومنها : أَنَّهُ أراد تحريق بيوت المنافقين لنفاقهم ؛ ولهذا قَالَ ابن مَسْعُود : ولقد رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلا منافق معلوم نفاقه ، وقد سبق ذكره . والمنافق إذا تخلف عَن الصلاة مَعَ المُسْلِمِين لا يصلي فِي بيته بالكلية ، كما أخبر الله عنهم ، أنهم يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا وهذا التأويل عَن الشَّافِعِيّ وغيره . ومنها : أَنَّهُ لَمْ يفعل التحريق ، وإنما توعد بِهِ . وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز أن يهدد الحَاكِم رعيته بما لا يفعله بهم ، واستدل بعضهم لذلك بما أخبر بِهِ النبي صلى الله عليه وسلم عَن سُلَيْمَان ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ اختصمت إليه المرأتان في الولد : ( ايتوني بالسكين حَتَّى أشقه ) ، ولم يرد فعل ذَلِكَ ، إنما قصد بِهِ التوصل إلى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقتها عَلَى ولدها . والجواب : أَنَّهُ لا يصح حمل الحَدِيْث عَلَى شيء من ذَلِكَ . أما حمله عَلَى الجمعة وحدها فغير صحيح . وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شهود العشاء فِي تمام الحَدِيْث مَا يدل عَلَى أن صلاة العشاء الموبخ عَلَى ترك شهودها هِيَ المراد . وقد روي ذَلِكَ عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، وأنها داخلة فِي عموم الصلاة ؛ فإن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يعم ، كما فِي قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وهذا قَوْلِ جماعة من العلماء . وقد جَاءَ التصريح بالتحريق عَلَى من تخلف عَن صلاة العشاء . فروى الحميدي عَن سُفْيَان : ثنا أبو الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لَقَدْ هممت أن أقيم الصلاة صلاة العشاء ، ثُمَّ آمر فتياني فيخالفوا إلى بيوت أقوام يتخلفون عَن صلاة العشاء ، فيحرقون عليهم بحزم الحطب ) وذكر بقية الحَدِيْث . وروى ابن أَبِي ذئب ، عَن عجلان مَوْلَى المشمعل ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لينتهين رجال ممن حول المسجد ، لا يشهدون العشاء الآخرة فِي الجمع ، أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب ) . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضاً - من حَدِيْث أَبِي معشر ، عَن سَعِيد المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لولا مَا فِي البيوت من النِّسَاء والذرية أقمت صلاة العشاء ، وأمرت فتياني يحرقون مَا فِي البيوت بالنار ) . وروى عاصم ، عَن أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حَتَّى تهور الليل وذهب ثلثه أو قريباً مِنْهُ ، ثُمَّ خرج إلى المسجد ، فإذا النَّاس عزون ، وإذا هم قليل ، فغضب غضباً مَا أعلم أني رأيته غضب غضباً قط أشد مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : ( لَوْ أن رجلاً نادى النَّاس إلى عرق أو مرماتين أتوه لذلك ولم يتخلفوا ، وهم يتخلفون عَن هذه الصلاة ، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ، ثُمَّ أتتبع هذه الدور الَّتِيْ تخلف أهلوها عَن هذه الصلاة ، فأحرقها عليهم بالنيران ) . وورد التصريح بأن العقوبة عَلَى ترك الجماعة دون الجمعة . خرجه الطبراني فِي ( أوسطه ) : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم - هُوَ ابن هاشم البغوي ثنا حوثرة بْن أشرس ، ثنا حماد بْن سَلَمَة ، عَن ثابت ، عَن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ ( لَوْ أن رجلاً دعا النَّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه ، وهم يدعون إلى هذه الصلاة فِي جماعة فلا يأتونها ، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس فِي جماعة ، ثُمَّ أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فَلَمْ يجيبوا فأضرمها عليهم ناراً ؛ فإنه لا يتخلف عَنْهَا إلا منافق ) . حوثرة ضَعِيف ، قَالَه ابن نقطة فِي ( تكملة الإكمال ) . وأما ذكر الجمعة فِي حَدِيْث ابن مَسْعُود فلا يدل عَلَى اختصاصها بذاك ؛ فإنه كما هم أن يحرق عَلَى المتخلف عَن الجمعة فَقَدْ هم أن يحرق عَلَى المتخلف عَن العشاء . وقد قيل إنه عبر بالجمعة عَن الجماعة للاجتماع لها . قَالَ البيهقي : هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِيهِ سائر الرواة . واستدل بما خرجه من ( سنن أَبِي داود ) عَن يزيد بْن يزيد ، عَن يزيد بْن الأصم ، قَالَ : سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( لَقَدْ هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطبٍ ، ثُمَّ آتي قوماً يصلون فِي بيوتهم ، ليست بهم علة فأحرقها عليهم ) . قيل ليزيد بْن الأصم : الجمعة عنى أو غيرها ؟ فَقَالَ : صمتا أذناي إن لَمْ أكن سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يأثره عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، مَا ذكر جمعة ولا غيرها . وخرجه - أيضاً - من طريق معمر ، عَن جَعْفَر بْن برقان ، عَن يزيد بْن الأصم مختصراً ، وفي حديثه : ( لا يشهدون الجمعة ) . وهذه الرواية ، أو أَنَّهُ أراد بالجمعة الجماعة ، كما قَالَ البيهقي ؛ فإن مسلماً خرجه من طريق وكيع ، عَن جَعْفَر بْن برقان ، وَقَالَ فِي حديثه : ( لا يشهدون الصلاة ) . ورواية أَبِي داود صريحة فِي أن التحريق عقوبة عَلَى المتخلف عَن الجماعة ، وإن صلى المتخلف فِي بيته . وأما دعوى أن التحريق كَانَ للنفاق فهو غير صحيح ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بالتعليل بالتخلف عَن الجماعة ، ولكنه جعل ذَلِكَ من خصال النفاق ، وكل مَا كَانَ علماً عَلَى النفاق فهو محرم . وفي حَدِيْث أَبِي زرارة الأنصاري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سَمِعَ النداء ثلاثاً فَلَمْ يجب كتب من المنافقين ) وإسناده صحيح ؛ لكن أبو زرارة ، قَالَ أبو الْقَاسِم البغوي : لا أدري أله صحبة أم لا ؟ وخرج الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة ، عَن زبان بْن فائد ، عَن سَهْل بْن معاذ بْن أنس ، عَن أبيه ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الجفاء كل الجفاء ، والكفر والنفاق ، من سَمِعَ منادي الله ينادي بالصلاة ويدعو بالفلاح فلا يجيبه ) . ورواه رشدين بْن سعد ، عَن زبان . قَالَ الحافظ أبو موسى : رواه جماعة عَن زبان ، وتابعه عَلِيهِ يزيد بْن أَبِي حبيب . وَقَالَ النخعي : كفى علماً عَلَى النفاق أن يكون الرَّجُلُ جار المسجد ، لا يرى فِيهِ . وقد كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يعلم نفاق خلق من المنافقين ولا يعاقبهم عَلَى نفاقهم ، بل يكل سرائرهم إلى الله ، ويعاملهم معاملة المُسْلِمِين فِي الظاهر ، ولا يعاقبهم إلا عَلَى ذنوب تظهر منهم ، فَلَمْ تكن العقوبة بالتحريق إلا عَلَى الذنب الظاهر ، وَهُوَ التخلف عَن شهود الصلاة فِي المسجد ، لا عَلَى النفاق الباطن . وأما دعوى أن ذَلِكَ كَانَ تخويفاً وإرهابا مِمَّا لا يجوز فعله ، فَقَدْ اختلف فِي جواز ذَلِكَ . فروي جوازه عَن طائفة من السلف ، منهم : عَبْد الحميد بْن عَبْد الرحمن عامل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى الكوفة ، وميمون بْن مهران ، وروي - أيضاً - عن عُمَر بْن الخَطَّاب من وجه منقطع ضَعِيف ، وعن عَلِيّ بْن أَبِي طالب . وأنكر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد العزيز وتغيظ عَلَى عَبْد الحميد لما فعله ، وَقَالَ : إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوءٍ . وقد ذكر هذه الآثار عُمَر بْن شبة البصري فِي ( كِتَاب أدب السلطان ) . وبكل حال ؛ فليس مَا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من التحريق من هَذَا فِي شيء ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه هم ، وإنما يهم بما يجوز لَهُ فعله ، والتخويف يكون عِنْدَ من أجازه بما لا يجوز فعله ولا الهم بفعله ، فتبين أَنَّهُ ليس من التخويف فِي شيء ، وإنما امتنع من التحريق لما فِي البيوت من النِّسَاء والذرية وهم الأطفال ، كما فِي الرواية الَّتِيْ خرجها الإمام أحمد ، وهم لا يلزمون شهود الجماعة ؛ فإنها لا تجب عَلَى امرأة ولا طفل ، والعقوبة إذا خشي أن تتعدى إلى من لا ذنب لَهُ امتنعت ، كما يؤخر الحد عَن الحامل إذا وجب عَلَيْهَا حَتَّى تضع حملها . فإن زعم زاعم أن التحريق منسوخ ؛ لأنه من العقوبات المالية ، وقد نسخت ، وربما عضل ذَلِكَ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عَن التحريق بالنار . قيل لَهُ : دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح ، والشريعة طافحة بجواز ذَلِكَ ، كأمره صلى الله عليه وسلم بتحريق الثوب المعصفر بالنار ، وأمره بتحريق متاع الغال ، وأمره بكسر القدور الَّتِيْ طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية ، وحرق عُمَر بيت خمار . ونص عَلَى جواز تحريق بيت الخمار أحمد وإسحاق ، نقله عنهما ابن منصور فِي ( مسائله ) ، وَهُوَ قَوْلِ يَحْيَى بْن يَحْيَى الأندلسي ، وذكر أن بعض أصحابه نقله عَن مَالِك ، واختاره ابن بطة من أصحابنا ، وروي عَن عَلِيّ - أيضاً وروي عَنْهُ أَنَّهُ أنهب ماله . وعن عُمَر ، قَالَ فِي الَّذِي يبيع الخمر : كسورا كل آنية لَهُ ، وسيروا كل ماشية لَهُ . خرجه وكيع فِي ( كتابه ) . وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عَن التحريق بالنار ، فإنما أراد بِهِ تحريق النفوس وذوات الأرواح . فإن قيل : فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه ، وَهُوَ ممنوع . قيل : إنما يقصد بالتحريق دارهُ ومتاعهُ ، فإن أتى عَلَى نفسه لَمْ يكن بالقصد ، بل تبعاً ، كما يجوز تبييتُ المشركين وقتلهم ليلاً ، وقد أتى القتل عَلَى ذراريهم ونسائهم . وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( هم منهم ) . وهذا مِمَّا يحسن الاستدلال بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة ؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك ، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز ، فلا جرم كَانَ قتله واجباً عِنْدَ جمهور العلماء . وفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة أو بعض واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا ، لا بعد ذَلِكَ ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد عقوبتهم فِي حال التخلف ، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته . وهذا يعضد قَوْلِ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إن تارك الصلاة لا يقتل حَتَّى يدعى إلى الصلاة ، ويصر عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى ، ليكون قتله عَلَى الترك المتلبس بِهِ فِي الحال . وفي الحَدِيْث - أيضاً - : أن الإمام لَهُ أن يؤخر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية ، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس فِي أول الوقت ؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت . وفيه - أيضاً - : أن إنكار المنكر فرض كفاية ، وأنه إذا قام اكتفى بذلك ، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَلِيهِ ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النبي صلى الله عليه وسلم مَعَهُ جميع النَّاس .
الحديث الرابع : 867 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك - ح . وحدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة ، قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح ، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس . قد سبق هذا الحديث في أبواب المواقيت من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - بمعناه . وفيه : دليل على شهود النساء صلاة الصبح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجوعهن في غلس الظلام .
162 - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس لما فرغ من ذكر أحكام صلاة الرجال وصلاة الصبيان شرع في ذكر حكم صلاة النساء ، فأفرد لذلك أبوابا وابتدأها بخروجهن إلى المساجد في الليل وغلس الفجر . وخرج فيه ستة أحاديث . الحديث الأول : 864 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عروة ، عن عائشة ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة ، حتى ناداه عمر : نام النساء والصبيان - وذكر بقية الحديث . وقد ذكرنا باقيه في أبواب المواقيت . والمقصود منه هاهنا : الاستدلال على شهود النساء صلاة العشاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم
الحديث السادس : 869 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء [بعده] لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل . قُلْتُ لِعَمْرَةَ : أَوَمُنِعْنَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . تشير عائشة - رضي الله عنها - إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرخص في بعض ما يرخص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد ، ثم يطرأ الفساد ويحدث بعده ، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصة ، بل نهى عنه ؛ فإنه إنما يأمر بالصلاح ، وينهى عن الفساد . وشبيه بهذا : ما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وعمر من خروج الإماء إلى الأسواق بغير خمار ، حتى كان عمر يضرب الأمة إذا رآها منتقبة أو مستترة ، وذلك لغلبة السلامة في ذلك الزمان ، ثم زال ذلك وظهر الفساد وانتشر ، فلا يرخص حينئذ فيما كانوا يرخصون فيه . فقد اختلف العلماء في حضور النساء مساجد الجماعات للصلاة مع الرجال : فمنهم من كرهه بكل حال ، وهو ظاهر المروي عن عائشة - رضي الله عنها - وقد استدلت بأن الرخصة كانت لهن حيث لم يظهر منهن ما ظهر ، فكانت لمعنى وقد زال ذلك المعنى . قال الإمام أحمد : أكره خروجهن في هذا الزمان ؛ لِأَنَّهُنَّ فِتْنَةٌ . وعن أبي حنيفة رواية : لا يخرجن إلا للعيدين خاصة . وروى أبو إِسْحَاقَ ، عن الحارث ، عن علي ، قال : حق على كل ذات نطاق أن تخرج للعيدين . ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلا في الْعِيدَيْنِ . ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب ، وهو قول مَالِكٍ - في رواية - والشافعي وأبي يُوسُفَ ومحمد ، وطائفة من أصحابنا أو أكثرهم . حكاه ابن عبد البر ، عن العلماء ، وحكاه ، عن مالك من رواية أَشْهَبَ : أن العجوز تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد ، وأن الشابة تخرج مرة بعد مرة . وقال ابن مَسْعُودٍ : مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً أَفْضَلَ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ، إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، إِلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا . خَرَّجَهُ وَكِيعٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ . وقال : يعني : خفها . وخرجه البيهقي ، وعنده : إلا في مسجد الحرام ، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم . ومنهم من رخص فيه للجمع ، إذا أمنت الفتنة ، وهو قول مالك - في رواية ابن القاسم ، ولم يذكر في المدونة سواه - وقول طائفة من أصحابنا المتأخرين . ثم اختلفوا : هل يرخص لهن في الليل والنهار ، أم في الليل خاصة ؟ على قولين . أحدهما : يرخص لهن في كل الصلوات ، وهو المحكي عن مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد ، وقول أصحابنا . واستدلوا بعموم الأحاديث المطلقة ، وبخروجهن في العيدين ، فأما المقيدة بالليل ، فقالوا : هو تنبيه على النهار من طريق الفحوى ؛ لأن تمكن الفساق من الخلوة بالنساء والتعرض لهن بالليل أظهر ، فإذا جاز لهن الخروج بالليل ففي النهار أولى . وقالت طائفة : إنما يرخص لهن في الليل ، وتبويب البخاري يدل عليه ، وروي مثله عن أبي حنيفة ، لكنه خصه بالعجائز . وكذا قال سفيان : يرخص لهن في العشاء والفجر . قال : وينهى عن حضورهن تراويح رمضان . ومذهب إسحاق كأبي حنيفة والثوري في ذلك ، إلا أنه رخص لهن في حضور التراويح في رمضان . وهؤلاء استدلوا بالأحاديث المقيدة بالليل ، وقالوا : النهار يكثر انتشار الفساق فيه ، فأما الليل فظلمته مع الاستتار تمنع النظر غالبا ، فهو أستر . وروي عن أحمد ما يدل على أنه يكره للمرأة أن تصلي خلف رجل صلاة جهرية . وهذا عكس قول من رخص في خروج المرأة إلى المسجد بالليل دون النهار . قال مهنا : قال أحمد : لا يعجبني أن يؤم الرجل النساء ، إلا أن يكون في بيته ، يؤم أهل بيته ، أكره أن تسمع المرأة صوت الرجل . وهذه الرواية مبنية - والله أعلم - على قول أحمد : إن المرأة لا تنظر إلى الرجل الأجنبي ، فيكون سماعها صوته كنظرها إليه ، كما أن سماع الرجل صوت المرأة مكروه كنظره إليها ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة . وإن صلى الرجل بنساء لا رجل معهن ، فإن كن محارم له أو بعضهن جاز ، وإن كن أجنبيات فإنه يكره . وإنما يكره إذا كان في بيت ونحوه ، فأما في المسجد فلا يكره ؛ لا سيما إن كان فيه رجال لا يصلون معهم . فقد روي أن عمر - رضي الله عنه - جعل للنساء في قيام رمضان إماما يقوم بهن على حدة ، كما جعل للرجال إماما . وأما في بيت ونحوه فيكره ؛ لما فيه من الخلوة . فإن كان امرأة واحدة ، فهو محرم ، وإن كان امرأتان فهل يمنع ذلك الخلوة ؟ فيه لأصحابنا وجهان . ومتى كثر النساء فلا يحرم ، بل يكره . ومن أصحابنا من علل الكراهة بخشية مخالطة الوسواس له في صلاته . ومذهب الشافعي : إن صلى بامرأتين أجنبيتين فصاعدا خاليا بهن فطريقان ، قطع جمهورهم بالجواز . والثاني : في تحريمه وجهان . وقيل : أن الشافعي نص على تحريم أن يؤم الرجل نساء منفردات ، إلا أن يكون فيهن محرم له ، أو زوجة ، وإن خلا رجلان أو رجال ، فالمشهور عندهم تحريمه . وقيل : إن كانوا ممن يبعد مواطأتهم على الفاحشة جاز . فإن صلى بهن في حال يكره ، كرهت الصلاة وصحت ، وإن كان في حال تحريم ، فمن أصحابنا من جزم ببطلان صلاتهما . وكره طائفة من السلف أن يصلي الرجل بالنساء الأجنبيات وليس خلفه صف من الرجال ، منهم : الجزري . وكذلك قال الإمام أحمد - في رواية الميموني - : إذا كان خلفه صف رجال صلى خلفه النساء ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس واليتيم وأم سليم وراءهم . قيل له : فإن لم يكن رجال ، كانوا نساء ؟ قال : هذه مسألة مشتبهة . قيل له : فصلاتهم جائزة ؟ قال : أما صلاته فهي جائزة . قيل له : فصلاة النساء ؟ قال : هذه مسألة مشتبهة . فتوقف في صحة صلاتهن دونه .
الحديث الثاني : 865 - ثنا عبيد الله بن موسى ، عن حنظلة ، عن سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد فأذنوا لهن . تابعه : شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم حنظلة ، هو : السدوسي . وقد رواه الترمذي - أيضا - عن سالم . وخرجه البخاري فيما بعد ، ويأتي قريبا - إن شاء الله . وليس فيها : ذكر الليل . وكذلك رواه نافع ، عن ابن عمر ، وغيرهم - أيضا . ورواية الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر التي علقها البخاري ، خرجها مسلم في صحيحه من رواية أبي معاوية وعيسى بن يونس ، كلاهما ، عن الأعمش ، به ، ولفظه : لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل . وخرجه - أيضا - من رواية عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد . وخرج البخاري في كتاب الجمعة من طريق عمرو - أيضا - وسيأتي - إن شاء الله سبحانه وتعالى . ومراد البخاري بالمتابعة ، ذكر الليل ، مع أن مسلما خرج حديث حنظلة عن سالم ، ولم يذكر فيه : بالليل . وقال الإمام أحمد في رواية حنظلة ، عن سالم ، عن أبيه : إسناد حسن .
الحديث الثالث : 866 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا يونس ، عن الزهري ، حدثتني هند بنت الحارث ، أن أم سلمه زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرتها ، أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن إذا سلمن من المكتوبة قمن ، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صلى من الرجال ما شاء الله ، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال . قد سبق هذا الحديث ، وهذا السياق أتم مما تقدم . وليس في هذا الحديث : ذكر الليل ، والظاهر أنه كان نهارا ، أو أعم من ذلك .
الحديث الخامس : 868 - حدثنا محمد بن مسكين - يعني : ابن نملية - ثنا بشر بن بكر ، أبنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني لأقوم إلى الصلاة ، وأنا أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز في صلاتي ، كراهة أن أشق على أمه . نملية بالنون ، ذكره ابن ماكولا ، وهو يمامي ثقة . وقد تقدم هذا الحديث في أبواب الإمامة مع أحاديث أخر متعددة في هذا المعنى . والمراد هاهنا من ذلك : أن النساء كن يشهدن الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، ومعهن صبيانهن ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم ذلك ، ويراعي في صلاته حالهن ، ويؤثر ما يهون عليهن ، ويجتنب ما يشق عليهن ، وذلك دليل على أن حضورهن الجماعة معه غير مكروه ، ولولا ذلك لنهاهن عن الحضور معه للصلاة .
الحديث السادس : 863 - حدثنا عمرو بن علي ، ثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، حدثني عبد الرحمن بن عابس ، قال : سمعت ابن عباس ، وقال له رجل : شهدت الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، ولولا مكاني منه ما شهدته - يعني : من صغره - وذكر بقية الحديث . ويأتي في صلاة العيدين - إن شاء الله . وقد خرجه هناك ، عن مسدد ، عن يحيى ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن عباس : أشهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم . والمراد في هذه الرواية بالخروج : الخروج للعيد . والمقصود من الحديث هاهنا : أن الصبيان كانوا يشهدون صلاة العيد مع النبي - صلى الله عليه وسلم قوله : لولا مكاني منه ما شهدته - يعني : من صغره ، يدل على أن من كان في سنه لم يكن خروجه إلى العيد معتادا ، وإنما أخرج ابن عباس لقربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأن الإمام له مزية على الناس في الخروج إلى العيد ، حتى يخرج حاشيته كلهم ، صغيرهم وكبيرهم . ولعل ابن عباس أشار إلى خروجه في عيد وهو صغير في أول سن التمييز ، وإلا فقد أدرك من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك مدة ؛ فإنه كان في حجة الوداع مناهزا للاحتلام ، كما سبق في الحديث الماضي .
الأول : 857 - حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا غندر ، ثنا شعبة : سمعت سليمان الشيباني : سمعت الشعبي ، قال : أخبرني من مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ ، فأمهم وصفوا عليه ، فقلت : يا أبا عمرو : من حدثك ؟ قال : ابن عباس . مراد البخاري من هذا الحديث في هذا الباب : أن ابن عباس صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه على القبر ، وابن عباس كان صغيرا لم يبلغ الحلم ، وقد سبق ذكر الاختلاف في سنه عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب العلم ، فدل على أن الصبي يشهد صلاة الجنائز مع الرجال ، ويصلي معهم عليها ، ويصف معهم . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من كتابه هذا بلفظ آخر ، وفيه : فقام فصففنا خلفه ، قال ابن عباس : وأنا فيهم ، فصلى عليه . وقد خرجه الدارقطني من طريق شريك ، عن الشيباني بهذا الإسناد ، وقال في حديثه : فقام فصلى عليه ، فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه . وهذه زيادة غريبة ، لا أعلم ذكرها غير شريك ، وليس بالحافظ ، فإن كانت محفوظة استدل بها على أن صفوف الجنائز كصفوف سائر الصلوات . وقد اختلف أصحابنا في ذلك : فمنهم من قال : كذلك ، وهو ظاهر كلام أحمد ؛ لأنه نص على كراهة صلاة الفذ وحده في صلاة الجنازة . ومنهم من قال : يصلي على الجنازة الرجل وحده ، منفردا خلف الصفوف ، منهم : القاضي أبو يعلى في خلافه وابن عقيل . وقالوا : إذا لم يكن جعل الصفوف في صلاة الجنازة ثلاثة إلا بقيام واحد صفا وحده كان أفضل . واستدل بما روى عبد الله بن عمر العمري ، قال : سمعت أم يحيى قالت : سمعت أنس بن مالك يقول : مات ابن أبي طلحة ، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام أبو طلحة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأم سليم خلف أبي طلحة كأنهم عرف ديك ، وأشار بيده . خرجه الإمام أحمد . وخرج أبو حفص العكبري - من أصحابنا - بإسناده ، عن خير بن نعيم الحضرمي ، أن أبا الزبير - أو عطاء بن أبي رباح - أخبره . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابعهم ، فجعلهم ثلاثة صفوف ، الصف الأول ثلاثة ، والصف الثاني رجلين ، والصف الثالث رجلا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أيديهم . وهذا مرسل . وقد نص أحمد على أنه يستحب جعلهم في صلاة الجنائز ثلاثة صفوف ، إذا أمكن أن يكون في كل صف اثنان فصاعدا ، واستدل بحديث مالك بن هبيرة ، أنه كان إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن .
الحديث الثاني : 858 - ثنا علي بن عبد الله ، ثنا سفيان ، حدثني صفوان بن سليم ، عن عطاء ابن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم . مراده بهذا الحديث هاهنا : الاستدلال به على أن الغسل الواجب لا يجب إلا على من بلغ الحلم ، وهو المراد بالمحتلم في هذا الحديث ، كما أن قوله : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ، إنما أراد به من بلغت المحيض . وقد اختلف العلماء في معنى الوجوب في هذا الحديث : هل هو على ظاهره ، أم المراد به التأكيد ؟ وفيه خلاف يأتي في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى . فإن قيل : إنه على ظاهره ، وإنه يأثم بتركه ، فإن هذا الوجوب يختص بالبالغ ولا يدخل فيه الصبي ، اللهم ، إلا على رأي من أوجب الصلاة على من بلغ عشرا من الصبيان ، كما هو قول طائفة من أصحابنا ، فإنهم اختلفوا في وجوب الجمعة عليه ، ولهم فيه وجهان ، أصحهما : لا يجب . فإن قيل بوجوبها عليه توجه وجوب الغسل عليه - أيضا - وهو ضعيف لأنه مبطل فائدة تخصيص الوجوب في هذا الحديث بالمحتلم . وإن قيل : إن الوجوب في الحديث إنما أريد به تأكيد الاستحباب ، فهل يدخل فيه الصبي ؟ لا يخلو الصبي ، إما أن لا يريد حضور الجمعة ، فلا يؤمر بالغسل لها ، وإما أن يريد حضورها مع الرجال ، ففي استحباب الغسل له وجهان لأصحابنا . وينبغي أن لا يتأكد الاستحباب في حقه كتأكيده على الرجال ؛ لئلا تبطل فائدة تخصيص الوجوب بالمحتلم في الحديث . ومذهب مالك ؛ أنه يغتسل إذا أراد شهود الجمعة . وأما وجوب الغسل على الصبي إذا وجد منه ما يوجب الغسل على البالغ ، مثل أن يطأ ويولج في فرج امرأة ، أو تكون الزوجة الموطأة صغيرة لم تبلغ ، فيطؤها الرجل ، فهل يجب عليها وعلى الصبي الواطئ - بغير إنزال - الغسل ؟ فيه قولان مشهوران للفقهاء : أحدهما : يجب ، وهو نص أحمد ، واختيار ابن شاقلا وغيره من أصحابنا ، وهو قول إسحاق بن راهويه . وقالت الشافعية : يصير بذلك جنبا ، ويمنع مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل ، ويلزم وليه أن لا يمكنه مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل . ولم يقولوا : إن غسله واجب ، لئلا يتوهم أنه مكلف به . والثاني : لا يجب ، بل يستحب ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي ثور ، وأصحابنا ؛ لأن الغسل عبادة بدنية ، فلا تلزم الصبي ، كالصوم والصلاة . قال المحققون من أصحابنا : وهذا لا يصح ؛ لأنه ليس المعني بوجوبه تأثيمه بتركه لينافيه الصغر ، بل فائدته اشتراطه لصحة صلاته وطوافه ، وتمكينه من مس المصحف ، وقراءة القرآن ، واللبث في المسجد ، وإلزامه به إذا بلغ ، وتغسيلنا له يشبه ما لو قتل شهيدا قبل أن يغتسل ، وغير ذلك من الأحكام ، والصغر لا ينافي ذلك ، كما لم يناف إيجاب الوضوء عليه بموجباته بهذا المعنى - أيضا . ولا نعلم خلافا أن الصبي المميز تصح طهارته ويرتفع حدثه ، ولو بلغ بعد أن توضأ لجاز أن يصلي بذلك الوضوء الفرض ، ولا نعلم في ذلك خلافا ، إلا وجها شاذا للشافعية ، لا تعويل عليه . ولكن ؛ هل يوصف وضوؤه قبل بلوغه بالوجوب ؟ فيه لأصحابنا وجهان . وهذا الخلاف يشبه الخلاف في تسمية غسله واجبا ، على ما سبق . ويشبه تخريج هذا الخلاف في تسميته واجبا عليه بدون إرادة الصلاة ، على الخلاف في أن الموجب للطهارة ، هل هو الحدث ، أو إرادة الصلاة ؟ وفيه اختلاف مشهور . ويمكن أخذه من اختلاف الروايتين ، عن أحمد في غسل الحائض للجنابة في حال حيضها . وأما أن الصبي ممنوع من الصلاة بدون الطهارة ، فمتفق عليه . نعم ؛ في جواز تمكين الصبي من مس لوحه الذي يكتب فيه القرآن روايتان عن أحمد ، ومن أصحابنا من حكى الخلاف في مسهم لمصاحفهم . ووجه عدم اشتراطه : أن حاجتهم إلى ذلك داعية ، ويشق منعهم منه بدون طهارة ، لتكرره ، ووضوؤهم لا يتحفظ غالبا . وهو - أيضا - قول الحنفية ، وأصح الوجهين للشافعية ؛ لهذا المعنى . وهذا كله في حق الصبي المميز ، فأما من لا تميز له فلا طهارة له ولا صلاة ، ولو توضأ لم يؤثر استعماله في الماء شيئا . وأما المميز إذا توضأ بالماء ، فهل يصير مستعملا ؟ فيه لأصحابنا وجهان . ويحسن بناؤها على أن وضوءه : هل يوصف بالوجوب ، أو بالاستحباب ؟ والأظهر : أنه يصير مستعملا ، لأنه قد رفع حدثه ، وأزال منعه من الصلاة . وهو - أيضا - أصح الوجهين للشافعية . والثاني لهم : ليس بمستعمل ، لأنه لم يؤد به فرضا . قالوا : والصحيح : أنه مستعمل ؛ لأن المراد بفرض الطهارة ما لا تجوز الصلاة ونحوها إلا به ، لا ما يأثم بتركه .
الحديث الخامس : 862 - حديث عائشة : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشاء ، حتى ناداه عمر : قد نام النساء والصبيان ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث . وقد سبق في أبواب المواقيت ، وذكرنا هنالك إسناد هذه الرواية التي في هذا الباب ، وأنها من وجهين : مسند ومعلق ، وبقية الحديث . والمقصود منه هاهنا : أن الصبيان كانوا يشهدون مع الرجال الصلاة المكتوبة في المسجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم
الحديث الرابع : 861 - حديث ابن عباس : أقبلت راكبا على حمار أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك علي أحد . قد سبق هذا الحديث في باب : سترة الإمام سترة لمن خلفه من طريق مالك ، خرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وخرجه هنا عن عبد الله بن مسلمة - هو : القعنبي - عن مالك . والمراد بتخريجه هاهنا : الاستدلال على صحة صلاة الصبي ، وأنه يدخل في صف الرجال ويقف معهم . وقد استدل بهذا مالك على أن الأفضل أن يجعل في الصف بين كل رجلين صبيا ؛ ليتعلم أدب الصلاة وخشوعها . وهو أحد الوجهين للشافعية . والثاني لهم : يقف الصبيان إذا كثروا صفا خلف الرجال . وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة . واستدلوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليلني أولو الأحلام منكم والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . خرجه مسلم . وبما روى شهر بن حوشب ، حدثنا عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم ، وأراهم كيف يتوضأ ، فأحصى الوضوء أماكنه ، حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن ، وصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم ، وصف النساء خلف الولدان ، ثم أقام الصلاة ، فتقدم فصلى - وذكر قصة الصلاة ، ثم قال : إنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد بتمامه ، وخرجه أبو داود مختصرا . ولو قام الصبي في وسط الصف ، ثم جاء رجل ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، نص عليه ، وفعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وروي نحوه عن عمر - أيضا - فهذا قول الثوري وأحمد ، وقد سبق ذكره في أبواب الصفوف . ولو كان الصبي في آخر الصف ، فقام رجل خلفه في الصف الثاني ، فقال أحمد : لا بأس به ، هو متصل بالصف . وحمله القاضي على أن الصف إذا كان فيه خلل ، فوقف رجل لم يبطل اتصاله ؛ لأن الصبي لا يصاف في الفرض ، على المنصوص لأحمد . ومن أصحابنا من قال : لا يصاف في الفرض ولا في النفل ، ولو قلنا : تصح إمامته في النفل . وهذه طريقة أبي الخطاب ، أنه تصح مصافته في الفرض والنفل ، وهو قول الأوزاعي وإسحاق ؛ لأنه محكوم بصحة صلاته ، وإن لم تصح إمامته للرجال . وكذا قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي ، لكنه يجيز إمامته للرجال ومصافته أولى . وكل هؤلاء يقولون فيمن أم رجلا وصبيا : إنهما يقفان خلفه ، وعند أحمد : يقفان عن يمينه ، أو يقف بينهما ، وعليه حمل وقوف ابن مسعود بين علقمة والأسود ، وقال : كان الأسود غلاما . وحديث ابن عباس الذي خرجه البخاري في هذا الباب يدل على أن دخول الصبي المميز في صف الرجال في الصلاة المفروضة هو السنة . والله أعلم .
الحديث الثالث : 859 - حديث ابن عباس : بت عند خالتي ميمونة ليلة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان في بعض الليل قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ من شن معلق ، وضوءا خفيفا ، ثم قام يصلي ، فقمت فتوضأت نحوا مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره ، فحولني فجعلني عن يمينه ، ثم صلى - وذكر الحديث . وقد تقدم في أوائل كتاب الوضوء بهذا الإسناد والسياق الذي خرجه في هذا الباب . والمقصود منه هاهنا : أن ابن عباس توضأ كما توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى جانب النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي معه ، وأنه لما قام عن يساره ولم يكن موقفا للمأموم حوله عن يمينه إلى موقف المأموم ، فهذا يدل على صحة طهارة الصبي وصلاته ، وائتمامه بالإمام ، ومصافته للإمام ، فإن ابن عباس كان إذ ذاك صبيا ، كما سبق ذكره . وقد تقدم الكلام على انعقاد الجماعة بالصبي ، وعلى أن من وقف مع صبي ، فهل هو فذ ، أم لا ؟
161 - باب وضوء الصبيان ، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز ، وصفوفهم لما أن تعين ذكر صفة الصلاة ، وكان الغالب على أحكامها يختص بالرجال المكلفين ، أفرد لحكم الصبيان بابا مفردا ، ذكر فيه حكم طهارتهم من الوضوء والغسل ، وذكر صلاتهم وحضورهم الجماعات مع الرجال في الصلوات المفروضات وفي العيدين والجنائز ، وصفوفهم مع الرجال . وذكر في الباب أحاديث ستة ، يستنبط منها هذه الأحكام التي بوب عليها . ولم يبوب على وقت وجوب الصلاة عليهم ؛ لأن الأحاديث في ذلك ليست على شرطه . وهي نوعان : أحاديث : مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر . وقد رويت من وجوه متعددة ، أجودها : من حديث سبرة بن معبد الجهني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والترمذي - وقال : حسن صحيح - وابن خزيمة في صحيحه والحاكم - وقال : على شرط مسلم . وقد ذهب إلى هذا الحديث جماعة من العلماء ، وقالوا : يؤمر بها الصبي لسبع ، ويضرب على تركها لعشر ، وهو قول مكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق . ونقل ابن منصور عنهما ، أنهما قالا : إذا ترك الصلاة بعد العشر يعيد . واختلف أصحابنا : هل هي واجبة عليه في هذه الحال ، أم لا ؟ فأكثرهم على أنها لا تجب على الصبي ، لكن يجب على الولي أمره بها لسبع ، وضربه إذا تركها لعشر . ومنهم من قال : هي واجبة عليه إذا بلغ عشرا ، يضربه على تركها . وقد قيل : إن الضرب على الترك ، تارة يكون في الدنيا والآخرة كالوضوء على المسلم البالغ العاقل ، وتارة يكون في الآخرة دون الدنيا كوجوب فروع الإسلام على الكفار ، وتارة يكون في الدنيا خاصة كضرب الصبي إذا ترك الصلاة لعشر ، ولا يلزم من ذلك أن يعاقب عليها في الآخرة . ومن العلماء من قال : يؤمر الصبي بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، روي عن ابن سيرين والزهري ، وروي عن الحسن وابن عمر ، وفيه حديث مرفوع ، خرجه أبو داود ، وفي إسناده جهالة ، وهو اختيار الجوزجاني . وروي عن عمر ، أنه مر على امرأة توقظ ابنها لصلاة الصبح ، وهو يتلكأ ، فقال : دعيه لا يعنيه ، فإنها ليست عليه حتى يعقلها . وعن عروة ، وميمون بن مهران ، قالا : يؤمر بها إذا عقلها . وعن بعض التابعين : يؤمر بها إذا أحصى عدد عشرين . وعن النخعي ومالك : يؤمر بها إذا ثغر - يعني : تبدلت أسنانه . النوع الثاني : أحاديث : رفع القلم عن ثلاث ، منهم : الصبي حتى يحتلم . وفي ذلك أحاديث متعددة : منها : عن عمر وعلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي . وقد اختلف في رفعه ووقفه ، ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وغيرهم وقفه على عمر ، وعلى علي من قولهما . وله طرق عن علي . ومنها : عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : وعن الصبي حتى يكبر . خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه من رواية حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة . وقال النسائي : ليس في هذا الباب صحيح إلا حديث عائشة ؛ فإنه حسن . ونقل الترمذي في علله ، عن البخاري ، أنه قال : أرجو أن يكون محفوظا . قيل له : رواه غير حماد ؟ قال : لا أعلمه . وقال ابن معين : ليس يرويه أحد ، إلا حماد بن سلمة ، عن حماد . وقال ابن المنذر : هو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم وإلى هذا الحديث ذهب أكثر العلماء ، وقالوا : لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ . والله أعلم . وقد تقدم : أن البخاري خرج في هذا الباب ستة أحاديث :
30 - باب فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر . وجاء أنس إلى مسجد قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام ، وصلى جماعة . هاهنا مسألتان : إحداهما : أن من فاتته الجماعة فِي مسجد لَمْ يجد فِيهِ جماعةً فإنه يذهب إلى مسجد آخر لتحصيل الجماعة ، كما فعله الأسود . وَقَالَ حماد بْن زيد : كَانَ ليث بْن أبي سليم إذا فاتته الصلاة فِي مسجد حيه اكترى حماراً ، فطاف عَلِيهِ المساجد حَتَّى يدرك جماعةً . ونص الإمام أحمد عَلَى أن من فاتته الجماعة فِي مسجد حيه أَنَّهُ يذهب إلى مسجد آخر ليدرك الجماعة ، قَالَ : وإن فاتته تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام فِي مسجد حيه صلى معهم ، ولم يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ إمامه . وحكي عَن هشيم ، أَنَّهُ كَانَ يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام . ومذهب مَالِك : أن من وجد مسجداً قَدْ جمع أهله ، فإن طمع بإدراك جماعة فِي مسجد غيره خرج إليها ، وإن كانوا جماعةً فلا بأس أن يخرجوا فيجمعوا كراهة إعادة الجماعة عندهم فِي المسجد ، كما سيأتي . واستثنوا من ذَلِكَ المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس ، فقالوا : يصلوا فيها أفذاذاً ، هُوَ أعظم لأجورهم من الجماعة خارج المسجد ، ذكره فِي ( تهذيب المدونة ) . المسألة الثانية : أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ جماعة ، فإنه يصلي فِيهِ جماعة مرة ثانية ، صح ذَلِكَ عَن أنس بْن مَالِك ، كما علقه عَنْهُ البخاري ، واحتج بِهِ الإمام أحمد . وَهُوَ من رِوَايَة الجعد أَبِي عُثْمَان ، أَنَّهُ رأى أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام وصلى بأصحابه . وقد رواه غير واحد من الثقات ، عَن الجعد ، وخرجه عَبْد الرزاق والأثرم وابن أَبِي شيبة والبيهقي وغيرهم فِي ( تصانيفهم ) من طرق متعددة عَن الجعد . وقد روي عَن أَنَس من وجه آخر ؛ وأنه رَوَى فِي ذَلِكَ حديثاً مرفوعاً . خرجه ابن عدي من طريق عباد بْن منصور ، قَالَ : رأيت أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً بعد العصر ، وقد صلى القوم ، ومعه نفر من أصحابه ، فأمهم ، فلما انفتل قيل لَهُ : أليس يكره هَذَا ؟ فَقَالَ : دَخَلَ رَجُل المسجد ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ، فقام قائماً ينظر ، فَقَالَ : ( مَا لك ؟ ) قَالَ : أريد أن أصلي ، فَقَالَ : ( أما رَجُل يصلي مَعَ هَذَا ؟ ) فدخل رَجُل ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا جميعاً . وعباد بْن منصور ، تكلموا فِيهِ . وقد اختلف النَّاس فِي هَذه المسألة فِي موضعين : أحدهما : أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ فصلى وحده أو جماعة ، هَلْ يؤذن ويقيم ، أم يكفيه أذان الجماعة الأولى وإقامتهم ؟ فِيهِ قولان مشهوران للعلماء ، قَدْ سبق ذكرهما فِي مواضع من الكتاب . ومذهب أَبِي حنيفة وأصحابه وسفيان وإسحاق ؛ أَنَّهُ يجزئهم الأذان والإقامة الأولى ، وَهُوَ نَصَّ أحمد ، وقد جعله صاحب ( المغني ) المذهب ، وَهُوَ كما قَالَ ؛ لكن أحمد لا يكره إعادة الأذان والإقامة . وروي عَن طائفة من السلف كراهة إعادتهما ، منهم : عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلى وغيره ، وحكي - أيضاً - عن أَبِي يوسف ومحمد . وعن الشَّعْبِيّ ، قَالَ : إذا صلى فِي المسجد جماعة فإن إقامتهم تجزئ عمن صلى صلاة إلى الصلاة الأخرى . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : يقيم ، ولم يذكر الأذان . وعن قتادة ، قَالَ : إن لَمْ يسمع الإقامة أقام ، ثُمَّ صلى . والموضع الثاني : إعادة الجماعة فِي مسجد قَدْ صلى فِيهِ إمامه الراتب . واختلف العلماء فِي ذَلِكَ : فمنهم : من كرهه ، وَقَالَ يصلون فِيهِ وحداناً ، روي ذَلِكَ عَن سَالِم وأبي قلابة ، وحكاه بعض العلماء عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب والحسن والنخعي والضحاك والقاسم بْن مُحَمَّد والزهري وغيرهم ، وَهُوَ قَوْلِ الليث والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك ، وحكاه الترمذي فِي ( كتابه ) عَن ابن المبارك والشافعي ، وقد رواه الربيع عَن الشَّافِعِيّ ، وأنه لَمْ يفعله السلف ، بل قَدْ عابه بعضهم . وكان هَذَا القول هُوَ المعمول بِهِ فِي زمن بني أمية ؛ حذراً من أن يظن بمن صلى جماعة بعد جماعة المسجد الأولى أَنَّهُ مخالف للسلطان مفتئت عَلِيهِ ، لا يرى الصلاة مَعَهُ ، ولا مَعَ من أقامه فِي إمامة المساجد . وقد استدل بعضهم لهذا بما رَوَى معاوية بْن يَحْيَى ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي بكرة ، عَن أَبِيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة ، فوجد النَّاس قَدْ صلوا ، فمال إلى منزله ، فجمع أهله ، فصلى بهم . خرجه الطبراني . ومعاوية بْن يَحْيَى لا يحتج بِهِ . وذهب أكثر العلماء إلى جواز إعادة الجماعة فِي المساجد فِي الجملة كما فعله أَنَس بْن مَالِك ، منهم : عَطَاء وقتادة ومكحول ، وَهُوَ قَوْلِ إِسْحَاق وأبي يوسف ومحمد وداود . واختلف فِيهِ عَن الْحَسَن والنخعي ، فروي عنهما كالقولين . والمشهور : أَنَّهُ يكره ذَلِكَ فِي مسجدي مكة والمدينة خاصة ، ويجوز فيما سواهما . ومن تأخري أصحابه من ألحق بمسجدي مكة والمدينة المسجد الأقصى فِي الكراهة . وعن أحمد رِوَايَة أخرى : لا يكره بحال . ومن أصحابنا من كرهه فِي المساجد العظام الَّتِيْ يتولى السلطان عادة ترتيب أئمتها كالجوامع ونحوها ؛ لئلا يتطرق بذلك إلى الافتئات عَلِيهِ ، ولم يكرهه فِي المساجد الَّتِيْ يرتب أئمتها جيرانها . وحكي عَن الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يكره إعادة الجماعة فِي مساجد الدروب ونحوها دون مساجد الأسواق الَّتِيْ يكثر فيها تكرار الجماعات ؛ لكثرة استطراق النَّاس إليها ؛ دفعاً للحاجة . ومتى لَمْ يكن للمسجد إمام راتب لَمْ يكره إعادة الجماعة فِيهِ عِنْدَ أحد من العلماء ، مَا خلا الليث بْن سعد ، فإنه كره الإعادة فِيهِ أيضاً . واستدل من لَمْ يكره الإعادة بحديث أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : جَاءَ رجلٌ وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( أيكم يتجر عَلَى هَذَا ؟ ) فقام رَجُل ، فصلى مَعَهُ . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وهذا لفظه ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث حسن وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحهما ) ، والحاكم ، وَقَالَ : صحيح الإسناد . وقد قواه الإمام أحمد وأخذ بِهِ ، وَهُوَ مشكل عَلَى أصله ؛ فإنه يكره إعادة الجماعة فِي مسجد المدينة . وقد اعتذر الإمام أحمد عَنْهُ من وجهين : أحدهما : أن رغبة الصَّحَابَة فِي الصلاة مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَتْ متوفرة ، وإنما كَانَ يتخلف من لَهُ عذر ، وأما بعده فليس كذلك ، فكره تفريق الجماعات فِي المسجدين الفاضلين توقيراً للجماعة فيهما . والثاني : أن هَذَا يغتفر فِي الجماعة القليلة دون الكثيرة ، ولهذا لَمْ يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من واحد بالصلاة مَعَهُ . وكذلك قَالَ أحمد فِي الجماعة تفوتهم الجمعة : إنهم إن كانوا ثَلاَثَة صلوا جماعةً ، فإن كثروا فتوقف فِي صلاتهم جماعةً ، وَقَالَ : لا أعرفه . ومأخذه فِي ذَلِكَ : أن فِي إظهار صلاة الظهر يوم الجمعة فِي المساجد افتئاتاً عَلَى الأئمة ، ويتستر بِهِ أهل البدع إلى ترك الجمعة ، وصلاة الظهر فِي المساجد كسائر الأيام . وقد كره طائفة من السلف لمن فاتته الجمعة أن يصلوا جماعة ، منهم : الْحَسَن وأبو قلابة ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة . ورويت الرخصة فِيهِ عَن ابن مَسْعُود وإياس بْن معاوية ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأحمد وإسحاق . وعن أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ يكره صلاة الظهر جماعة إذا كثروا ، ولا يكره إذا قلوا ، وقد ذكرناها آنفاً . ومن أصحابنا من كره الجماعة فِي مكان الجمعة خاصة . واختلف فِيهِ عَن الثوري ومالك . وروي عَن حذيفة وزيد بْن ثابت أن من فاتته الجمعة لا يصلي الظهر فِي المسجد بالكلية حياء من النَّاس . قَالَ حذيفة : لا خير فيمن لا حياء فِيهِ . وَقَالَ زيد : من لا يستحي من النَّاس لا يستحي من الله . وقد روي فِي حَدِيْث أَنَس الموقوف الَّذِي علقه البخاري زيادة : أَنَّهُ أمر بعض أصحابه فأذن وصلى ركعتين ، ثُمَّ أمره فأقام ، ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم . خرجه عَبْد الرزاق ، عَن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان ، عَن الجعد ، عَن أَنَس . وخرجه الجوزجاني من رِوَايَة ابن علية ، عَن الجعد ، قَالَ : كنا فِي مسجد بني رِفَاعَة ، فجاء أَنَس بْن مَالِك ومعه نفر ، وقد صلينا صلاة الصبح ، فَقَالَ : أصليتم ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فأذن رَجُل من القوم ، ثُمَّ صلوا ركعتين ، ثُمَّ أقام ، ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم . وهذا يدل عَلَى أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ والوقت باقٍ ، فإنه يجوز لَهُ أن يتطوع قَبْلَ صلاة المكتوبة ، ويصلي السنن الرواتب قَبْلَ الفرائض ، وَهُوَ قَوْلِ الأكثرين ، منهم : وأبو حنيفة ومالك والشافعي . وقالت طائفة : يبدأ بالمكتوبة ، منهم : ابن عُمَر ، رواه مَالِك وأيوب وابن جُرَيْج ، عَن نافعٍ ، عَنْهُ . وكذا روي عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلى والشعبي والنخعي وعطاء ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بْن حي والليث بْن سعد . وعن الْحَسَن ، قَالَ : ابدأ بالمكتوبة إلا ركعتي الفجر . وكذا قَوْلِ الثوري . واختلفت الرواية عَن أحمد فِي ذَلِكَ : فنقل عَنْهُ ابن منصور وصالح وحنبل : يبدأ بالمكتوبة ، واستدل فِي رِوَايَة ابن منصور وصالح بما روي عَن ابن عُمَر . ونقل عَنْهُ أبو الْقَاسِم البغوي فِي الرَّجُلُ يخرج إلى المسجد فيجدهم قَدْ صلوا ، ووجد رجلاً يتطوع : أيتطوع حَتَّى يجيء الرَّجُلُ ؟ قَالَ : إن شاء تطوع . ومن كره ذَلِكَ جعل الدخول إلى المسجد لإرادة الصلاة المكتوبة كإقامة الصلاة ، فلا يبدأ قبلها بشيء وإنما يشرع التطوع لمن ينتظر الإمام ؛ لأنه إذا لَمْ يخرج إلى النَّاس لَمْ يمنعوا من التطوع . ولو كَانَتْ الصلاة فِي غير مسجد فله أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة ، قاله عَطَاء وغيره . وقياس هَذَا : أن الإمام إذا حضر المسجد ، فإنه يكره لَهُ أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة أيضاً . وقد ذكرنا فيما تقدم فِي ( بَاب : متى يقوم النَّاس إذا رأوا الإمام ) الحَدِيْث الَّذِي خرجه أبو داود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ حِينَ تقام الصلاة فِي المسجد إذا رآهم قليلاً جلس ثُمَّ صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى . وخرجه البيهقي ، ولفظه : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بعد النداء إلى المسجد ، فإذا رأى أهل المسجد قليلاً جلس حَتَّى يرى منهم جماعة ثُمَّ يصلي . وقد تقدم فِي ( بَاب : القيام للصلاة ) الحَدِيْث المرسل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جَاءَ وبلال فِي الإقامة فجلس .
خرج البخاري - رحمه الله - في هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 645 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن نافعٍ ، عَن عَبْد الله بْن عُمَر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( صلاةُ الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجةً ) . الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 646 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، حَدَّثَنِي الليث ، حَدَّثَنِي ابن الهاد ، عَن عَبْد الله بْن خباب ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، أَنَّهُ سَمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسٍ وعشرين درجةً ) . الحَدِيْث الثالث : 647 - حَدَّثَنَا موسى بْن إسماعيل : نا عَبْد الواحد ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت أبا صالح يَقُول : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تضعف عَلَى صلاته فِي بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً ، وذلك أَنَّهُ إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لَمْ يخط خطوة إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاه : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاةٍ مَا انتظر الصلاة ) . فِي حَدِيْث ابن عُمَر : أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجةً ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد : أنها تفضل عَلَيْهَا بخمس وعشرين . وقد جمع بعض النَّاس بينهما ، فَقَالَ : أريد فِي حَدِيْث ابن عُمَر ذكر صلاة الفذ وصلاة الجماعة ، وما بَيْنَهُمَا من الفضل ، وَهُوَ خمس وعشرون ، فصار ذَلِكَ سبعاً وعشرين ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد ذكر قدر الفضل بَيْنَهُمَا فَقَطْ ، وَهُوَ خمس وعشرون . وهذا بعيد ، فإن حَدِيْث ابن عُمَر ذكر فِيهِ قدر التفاضل بَيْن الصلاتين - أيضاً كما ذكر فِي حَدِيْث أَبِي سَعِيد . وقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تزيد عَلَى صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة ) . وأما حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ففيه تضعّف صلاة الجماعة عَلَى الصلاة فِي البيت والسوق خمسة وعشرين ضعفاً ، والمراد بِهِ - أيضاً - : قدر التفاضل بَيْنَهُمَا . وسيأتي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ آخر ، خرجه البخاري فِي الباب الَّذِي يأتي بعد هَذَا ، وَهُوَ : ( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً ) . والمراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدرج معنى واحد - واللهُ أعلم - وَهُوَ أن صلاة الفذ لها ثواب مقدر معلوم عِنْدَ الله ، تزيد صلاة الجماعة عَلَى ثواب صلاة الفذ خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين . وقد جَاءَ التصريح بهذا فِي حَدِيْث خرجه مُسْلِم من رِوَايَة سلمان الأغر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذ ) . وخرج - أيضاً - من وجه آخر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة مَعَ الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده ) . وفي ( المسند ) عَن ابن عُمَر - موفوعاً - : ( كلها مثل صلاته ) . وقد اختلف النَّاس فِي الجمع بَيْن حَدِيْث ابن عُمَر فِي ذكر السبع وعشرين وبين حَدِيْث أَبِي سَعِيد وأبي هُرَيْرَةَ فِي ذكر خمس وعشرين . فَقَالَتْ طائفةٌ : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فِي كل وقت مَا أعلمه الله وأوحاه إليه من الفضل ، فبلغه كما أوحي إليه ، وكان قَدْ أوحى إِلَيْهِ أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بخمس وعشرين ، والعدد لا مفهوم لَهُ عِنْدَ كثير من العلماء ، ثُمَّ أوحى إِلَيْهِ زيادة عَلَى ذَلِكَ ، كما أخبر : ( أن من مات لَهُ ثَلاَثَة من الولد لَمْ تمسه النار ) ، ثُمَّ سئل عَن الاثنين ، فَقَالَ : ( واثنان ) ، ثُمَّ سئل عَن الواحد ، فَقَالَ : ( والواحد ) ، وكما أخبر ( أن صيام ثَلاَثَة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر ) ، ثُمَّ أخبر عَبْد الله بن عَمْرِو بْن العاص أَنَّهُ إن صام يوماً من الشهر أو يومين مِنْهُ فله أجر مَا بقي مِنْهُ ، ونطق الكتاب بأن الحسنة بعشر أمثالها ، ثُمَّ جاءت السنة بأن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، ودل القرآن عَلِيهِ أيضاً . وقالت طائفة : صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها ، ثم اختلفوا : فمنهم من قالَ : يتفاوت ثوابها بإكمال الصلاة فِي نفسها ، وإقامة حقوقها وخشوعها ، ورجحه أبو موسى المديني . ولكن صلاة الفذ يتفاوت ثوابها أيضاً على حسب ذَلِكَ . ومنهم من قَالَ : يتفاوت ثوابها بذلك ، وربما يقترن بصلاة الجماعة من المشي إلى المسجد وبعده وكثرة الجماعة فِيهِ ، وكونه عتيقاً ، وكون المشي عَلَى طهارةٍ ، والتبكير إلى المساجد ، والمسابقة إلى الصف الأول عَن يمين الإمام أو وراءه ، وإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام ، والتأمين مَعَهُ ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وغير ذَلِكَ . وهذا قَوْلِ أَبِي بَكْر الأثرم وغيره ، وَهُوَ الأظهر . ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ذكر فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ تعليل المضاعفة ، فَقَالَ : ( وذلك أَنَّهُ إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لَمْ يخط خطوةً إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة ، وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزَلَ الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاه : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة مَا انتظر الصلاة ) . وعلى هَذَا ؛ فَقَدْ تضاعف الصلاة فِي جماعة أكثر من ذَلِكَ . إما بحسب شرف الزمان ، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة . وقد قَالَ ابن عُمَر : أفضل الصلوات عِنْدَ الله صلاة الصبح يوم الجمعة . وروي عَنْهُ مرفوعاً ، والموقوف هُوَ الصحيح ، قاله الدارقطني . وخرجه البزار بإسناد ضَعِيف ، عَن أَبِي عبيدة بْن الجراح مرفوعاً ، وزاد فِيهِ : ( ولا أحسب من شهدها منكم إلا مغفوراً لَهُ ) . أو شرف المكان ، كالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، كما صح عَن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ( صلاة فِي مسجدي هَذَا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ) . وخرج ابن ماجه من رِوَايَة أَبِي الخَطَّاب الدمشقي ، عَن رزيق الألهاني ، عَن أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرَّجُلُ فِي بيته بصلاة ، وصلاته فِي مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته فِي المسجد الَّذِي يجمع فِيهِ بخمسمائة صلاة ، وصلاته فِي المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) . وقد سبق الكلام عَلَى إسناده فِي ( بَاب : الصلاة فِي مسجد السوق ) . والله أعلم . وقد روي عَن ابن عَبَّاس من طريقين فيهما ضعف أن مضاعفة الخمس وعشرين درجة لأقل الجماعة وهي اثنان ، وفي رِوَايَة عَنْهُ : ثَلاَثَة ، وما زاد عَلَى ذَلِكَ إلى عشرة آلاف كَانَ لكل واحد من الدرجات بعدد من صلى معهم . وروي بإسناد فِيهِ نظر ، عَن كعب ، أَنَّهُ قَالَ لعمر بْن الخَطَّاب : إنه إذا صلى اثنان كَانَتْ صلاتهما بخمس وعشرين ، وإذا كانوا ثلاثة فصلاتهم بخمسة وسبعين ، وكانت ثلاثمائة ، فإذا كانوا خمسة خمست الثلاثمائة ، فكانت ألفاً وخمسمائة ، فإذا كانوا ستة سدست ألفاً وخمسمائة ، فكانت تسعة آلاف ، فإذا كانوا مائة فلو اجتمع الكتاب والحساب مَا أحصوا ما له من التضعيف ، ثُمَّ قَالَ لعمر : لَوْ لَمْ يكن مِمَّا أنزل الله عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ثَلاَثَة وثمانين سَنَة لكنت مصدقاً ، فَقَالَ عُمَر : صدقت . خرجه أبو موسى المديني فِي ( كِتَاب الوظائف ) بإسناده . وخرج فِيهِ أحاديث أخر مرفوعة وموقوفة فِي هَذَا المعنى . وروى - أيضاً - بإسناد جيد ، عَن كعب ، قَالَ : أجد فِي التوراة أن صلاة الجماعة تضاعف بعدد الرجال درجة ، إن كانوا مائة فمائة ، وإن كانوا ألفاً فألف درجة . وخرج الطبراني وغيره من رِوَايَة عَبْد الرحمن بْن زياد ، عَن قباث بْن أشيم ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عِنْدَ الله من صلاة أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة مائة تترى ) . وخرجه البزار أيضاً بمعناه . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري : ( صلاة الرَّجُلِ فِي الجماعة تضعف ) ، وَهُوَ يدل عَلَى أن صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة ؛ فإن صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل . وروى بقية ، عَن أَبِي عَبْد السلام ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر مرفوعاً : ( صلاة المرأة وحدها تفضل عَلَى صلاتها فِي الجمع خمساً وعشرين درجة ) . خرجه أبو نعيم فِي ( تاريخ أصبهان ) . وَهُوَ غريب جداً ، وروايات بقية عَن مشايخه المجهولين لا يعبأ بِهَا . وقد احتج كثير من الفقهاء بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث الَّتِيْ فيها ذكر تفضيل صلاة الجماعة عَلَى صلاة الفذ ، وقالوا : هِيَ تدل عَلَى أن صلاة الفذ صحيحة مثاب عَلَيْهَا ، قالوا : وليس المراد بذلك صلاة الفذ إذا كَانَ لَهُ عذر فِي ترك الجماعة ؛ لأن المعذور يكتب لَهُ ثواب عمله كله ، فعلم أن المراد بِهِ غير المعذور . وهذا استدلال لا يصح ، وإنما استطالوا بِهِ عَلَى داود وأصحابه القائلين بأن صلاة الفذ لغير عذر باطلة ، فأما من قَالَ : إنها صحيحة ، وأنه آثم بترك حضور الجماعة ، فإنه لا يبطل قوله بهذا ، بل هُوَ قائل بالأحاديث كلها ، جامع بينها ، غير راد لشيء مِنْهَا . ثُمَّ قولهم : الحَدِيْث محمول عَلَى غير المعذور ، قَدْ يمنع . وقولهم : إن المعذور يكتب لَهُ مَا كَانَ يعمل . جوابه : أن كتابة مَا كَانَ يعمل لسبب آخر ، وَهُوَ عمله المتقدم الَّذِي قطعه عَنْهُ عذره ، فأما صلاة الفذ فِي نفسها فلا يزيد تضعيفها عَلَى ضعف واحد من صلاة الجماعة ، سواء كَانَ معذوراً أو غير معذور ، ولهذا لَوْ كَانَ المصلي فذاً لَهُ عذر ، ولم يكن لَهُ عادة بالصلاة فِي حال عدم العذر جماعة ، لَمْ يكتب لَهُ سوى صلاةٍ واحدةٍ . فإن قيل : يلزم من القول بوجوب الجماعة أن تكون شرطاً للصلاة ، وأنْ لا تصح بدونها ، كما قلتم فِي واجبات الصلاة كالتسبيح فِي الركوع والسجود ، وأنه تبطل بتركه عمداً ؛ لكونه واجباً ، ولأن القاعدة : أن ارتكاب النهي فِي العبادة إذا كَانَ لمعنى مختص بِهَا أَنَّهُ يبطلها ، مثل الإخلال بالطهارة والاستقبال ، فكذلك الجماعة . قيل : قَدْ اعترف طائفة من أصحابنا بأن القياس يقتضي كون الجماعة شرطاً لما ذكر ، لكن الإمام أحمد أخذ بالنصوص كلها ، وهي دالة عَلَى وجوب الجمع ، وعلى أنها ليست شرطاً ، فعلم بذلك أَنَّهُ لا يرى أن كل ارتكاب نهي فِي العبادة يكون مبطلاً لها ، وسواء كَانَ لمعنى مختص بِهَا كالجماعة ، أو لمعنى غير مختص . ولهذا ؛ تبطل الصلاة بكشف العورة ، وَهُوَ لمعنى غير مختص بالصلاة ، وفي بطلانها فِي المكان المغضوب والثوب المغضوب والحرير عَنْهُ روايتان ، وقد يجب فِي العبادات مَا لا تبطل بتركه ، كواجبات الحج . وما دلت عَلِيهِ الأحاديث من القول بوجوب الجماعة فِي الصلوات المكتوبات ، وأنها تصحّ بدونها دليل واضح عَلَى بطلان قَوْلِ عَن قَالَ : إن النهي يقتضي الفساد بكل حال ، أو أن ذَلِكَ يختص بالعبادات ، أو أَنَّهُ يختص بما إذا كَانَ النهي لمعنى يختص بالعبادة ؛ فإن هَذَا كله غير مطرد . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأما حديث أنس : فقال : 856 - حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجل أنسا : ما سمعت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في الثوم ؟ فقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلين معنا . وخرجه في موضع آخر ، وقال : فلا يقربن مسجدنا . وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس : دليل على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها ، ولكن حضوره مجامع الناس للصلاة والذكر ومجالسته لأهل العلم والدين أشد كراهة من حضوره الأسواق ومجالسته الفساق . ولهذا في حديث جابر المتقدم : وليقعد في بيته . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على زراعة بصل هو وأصحابه ، فنزل ناس منهم ، فأكلوا منه ، ولم يأكل آخرون ، فرحنا إليه ، فدعا الذين لم يأكلوا البصل ، وأخر الآخرين ، حتى ذهب ريحها . وقد روي عن عمر ، أنه قال : من أكل البصل والكراث فلا يأكله عند قراءة القرآن ، ولا عند حضور المساجد . خرجه عثمان الدارمي في كتاب الأطعمة . ومن أغرب ما روي في هذا الباب : ما خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث حذيفة - بالشك في رفعه - : من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا . وهذا مشكوك في رفعه . وقد رواه جماعة من الثقات ، فوقفوه على حذيفة بغير شك ، وهو الأظهر . والله أعلم . ويحتمل أن في الكلام حذفا ، تقديره : قالها ثلاثا . يعني : أنه أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات . وقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرم في الجملة ، وإنما ينهى من أكله عن دخول المسجد حتى يذهب ريحه ، وعلى هذا جمهور العلماء . وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر . وروي عن بعض المتقدمين - أيضا - والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام . وأما كراهة أكل ذلك ، فمن العلماء من كره أكله نيئا حتى يطبخ ، منهم : عمر وابن عمر والنخعي ، وهو قول أحمد ، وقال : الثوم أشد . وروي عنه رواية ، أنه قال : لا أحب أكل الثوم خاصة ، وإن طبخ ، لأنه لا يذهب ريحه إذا طبخ ، قال : وإن أكله من علة فلا بأس ، وقال : الذي يأكلها يتجنب المسجد ، وكل ما له ريح ، مثل البصل والثوم والكراث والفجل فإنما أكرهه لمكان الصلاة . وسئل عن أكل ذلك بالليل ؟ فقال : أليس يتأذى به الملك . وظاهر هذا : يدل على كراهة أكل ما له ريح كريهة ، وإن كان وحده . وقد روي عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان إذا أراد أن يأكل الثوم بدا - يعني : خرج إلى البادية . وعن عكرمة ، قال : كنا نأكله ونخرج من الكعبة . خرجه ابن جرير الطبري . ولو أكله ، ثم دخل المسجد كره له ذلك . وظاهر كلام أحمد : أنه يحرم ، فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد : إن أكل وحضر المسجد أثم . وهو قول ابن جرير - أيضا - وأهل الظاهر وغيرهم . قال ابن جرير : وإذا وجد منه ريحة في المسجد ، فإن السلطان يتقدم إليه بالنهي عن معاودة ذلك ، فإن خالف وعاد ، أمر بإخراجه من البلد إلى أن تذهب منه الرائحة . واستدل بحديث عمر - رضي الله عنه - وقد سبق ذكره . وقد استدل قوم من العلماء بأحاديث هذا الباب على أن حضور الجماعة في المساجد ليست فرضا ؛ لأنها لو كانت فرضا لم يرخص في أكل الثوم وينهى من أكله عن حضور المسجد ، وجعلوا أكل هذه البقول التي لها ريح خبيثة عذرا يبيح ترك الجماعة . ورد عليهم آخرون : قال الخطابي : قد توهم هذا بعض الناس ؛ قال : وإنما هو - يعني : النهي عن دخول المسجد - توبيخ له وعقوبة على فعله إذ حرم فضيلة الجماعة . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : إن أكل الثوم من علة حادثة به فإن ذلك مباح ، وإن لم يكن علة لا يسعه أكله ، لكي لا يترك الجماعة . وهذا محمول على ما إذا أكله بقرب حضور الصلاة ويعلم [ ] فريضة . ودخول المسجد مع بقاء ريح الثوم محرم ، وهو قول طائفة من أصحابنا وابن جرير وغيرهم من العلماء . ويشهد لهذا : أن الخمر قبل أن تحرم بالكلية كانت محرمة عند حضور الصلاة ، كيلا يمنع من الصلاة ، حيث كان الله قد أنزل فيها : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فكان منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي : لا يقرب الصلاة سكران . وفي ضمن ذلك النهي عن السكر بقرب وقت الصلاة ، ثم حرمت بعد ذلك على الإطلاق بالآية التي في سورة المائدة . وقد تقدم نص أحمد بأنه قال : أكرهه في وقت الصلاة ، لمكان المسجد . وهذا يحتمل كراهة التنزيه ، وكراهة التحريم . وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه سئل عن أكل الثوم يوم الجمعة ؟ فقال : بئسما صنع حين أكل الثوم ، وهو ممن يجب عليه حضور الجمعة . وقد ذكرنا : أن هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة ، كالفجل وغيره ، وأن أحمد نص عليه . وكذلك قال مالك : الكراث كالثوم ، إذا وجدت ريحهما يؤذي . وألحق أصحاب مالك به : كل من له رائحة كريهة يتأذى بها ، كالحراث والحوات . وفيه نظر ، فإن هذا إثر عمل مباح ، وصاحبه محتاج إليه ، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل ، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة . وذكر ابن عبد البر ، عن بعض شيوخه ، أنه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من أذاه لهم بلسانه ويده ، لسفهه عليهم وإضراره بهم ، وأنه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك ، وهذا حسن . وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره ؛ لما روي من الأمر بالفرار منه . والله أعلم . وفي تهذيب المدونة : ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن . ولعل مراده : إذا كان يقرأ جهرا ، ويحصل بقراءته أذى لأهل المسجد ، ويشوش عليهم . والله أعلم .
الطريق الثاني : 855 - ثنا سعيد بن عفير ، ثنا ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب : زعم عطاء ، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته . وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بقدر فيه خضرات من بقول ، فوجد لها ريحا ، فسأل ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها - إلى بعض أصحابه كان معه - فلما رآه كره أكلها . قال : كل ، فإني أناجي من لا تناجي . وقال أحمد بن صالح ، عن ابن وهب : أتي ببدر . قال ابن وهب : يعني : طبقا فيه خضرات . ولم يذكر الليث وأبو صفوان ، عن يونس قصة القدر ، فلا أدري : هو من قول الزهري ، أو في الحديث ؟ قال الخطابي : قول ابن شهاب : زعم عطاء ، أن جابرا زعم ليس على معنى التهمة لهما ، ولكن لما كان أمرا مختلفا فيه حكى عنهم بالزعم ، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب به ، ويقال : في قول فلان مزاعم ، إذا لم يكن موثوقا به . وذكر : أن رواية القدر تصحيف ، إنما الصواب ببدر ، وهو الطبق ، كما قاله ابن وهب ، وسمي بدرا لاستدارته وحسن اتساقه ، تشبيها بالقمر . قال : وإن لم يكن القدر تصحيفا ، فلعله كان مطبوخا ، ولذلك لم يكره أكله لأصحابه ، ثم بين أن كراهته لا تبلغ التحريم لقوله : أناجي من لا تناجي ، يريد : الملك . انتهى . وخرج ابن جرير الطبري بإسناد فيه ضعف من حديث أبي أيوب الأنصاري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - لما امتنع من أكل الطعام الذي أرسله إليه - : إن فيها هذه البقلة : الثوم ، وأنا رجل أقرب الناس وأناجيهم ، فأكره أن يجدوا مني ريحه ، ولكن مر أهلك أن يأكلوها . وهذه الرواية : تدل على أنه كره أكلها لكثرة مخالطته للناس وتعليمهم القرآن والعلم ، فيستفاد من ذلك : أن من كان على هذه الصفة ، فإنه يكره ذلك من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثل حاله . ولكن ؛ روى مالك ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه ، من أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام . وهذا مرسل . ولا ينافي التعليل بمناجاة الملك التعليل بمناجاة بني آدم ، كما ورد تعليل النهي عن قربان آكل الثوم للمساجد بالعلتين جميعا ، كما سبق ذكره . وقد ذكر البخاري : أن قصة إتيانه بقدر أو بدر لم يذكرها في هذا إلا ابن وهب ، عن يونس ، وأن الليث بن سعد وأبا صفوان - وهو : عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان - رويا عن يونس أول الحديث دون هذه القصة الآخرة ، وأن ذلك يوجب التوقف في أن هذه القصة : هل هي من تمام حديث جابر ، أو مدرجة من كلام الزهري ؛ فإن الزهري كان كثيرا يروي الحديث ، ثم يدرج فيه أشياء ، بعضها مراسيل ، وبعضها من رأيه وكلامه . وقد خرج البخاري في الأطعمة الحديث من رواية أبي صفوان ، عن يونس ، مقتصرا على أول الحديث . وخرج البخاري في الأطعمة الحديث ، عن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب ، وفي حديثه : ببدر ، وذكر مخالفة سعيد بن عفير له ، وأنه قال : بقدر .
وأما حديث جابر ، فمن طريقين : أحدهما : 854 - حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو عاصم ، أنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل من هذه الشجرة - يريد : الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا . قلت : ما يعني به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه . وقال مخلد بن يزيد ، عن ابن جريج : إلا نتنه . وهذه الرواية - أيضا - صريحة بعموم المساجد ، والمسئول والمجيب لعله عطاء وفي أبي عاصم . نيئه ، بالهمز ، ويقال بالتشديد بدون همزة ، والمراد به : ما ليس بمطبوخ ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصة ، لزوال بعض ريحه بالطبخ . وقد قال عمر - رضي الله عنه - في خطبته - : إنكم تأكلون شجرتين ، لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم . وخرج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : من أكلهما فلا يقربن مسجدنا وقال : إن كنتم لا بد آكلوهما ، فأميتوهما طبخا . قال : يعني : البصل والثوم . وقال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في علله - : حديث حسن . وخرج الطبراني معناه من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال فيه : فإن كنتم لا بد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلا . وخرج أبو داود من حديث علي ، قال : نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا . خرجه الترمذي . ثم خرجه - موقوفا - عن علي ، أنه كره أكله إلا مطبوخا . وخرج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه : لا تأكلوا البصل ، ثم قال كلمة خفية : النيء . وأما رواية مخلد بن يزيد الحراني ، عن ابن جريج ، التي ذكرها البخاري - تعليقا - فمعناها : نتن ريحه ، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله . وخرج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، ولفظه : من أكل من هذه البقلة : الثوم - وقال مرة - : من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم . وخرج معناه من حديث أبي الزبير ، عن جابر - أيضا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ، ولا يؤذينا بريح الثوم . فدل هذا الحديث - مع الذي قبله - على أن علة المنع من قربان المسجد تأذي من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة . وفي عامة هذه الأحاديث : تسمية الثوم شجرة . قال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة إنما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره . وعند العرب : أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر ، وما لا أرومة له فهو نجم ، فالقطن شجر ، يبقى في كثير من البلدان سنين ، وكذلك الباذنجان ، فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر ، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذكرت ، وفي العرف ما تعارفه الناس . انتهى . وأما قوله تعالى : وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ فلا يرد على ما ذكره ؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين ، وكلامه إنما هو في إطلاق اسم الشجر . وقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوها : هل هو ملتحق بالشجر ، أو بالزرع ؟ وفيه وجهان ، ينبني عليهما مسائل متعددة ، قد ذكرناها في كتاب القواعد في الفقه .
160 – باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أكل الثوم والبصل ، من الجوع أو غيره ، فلا يقربن مسجدنا . خرج فيه : عن ابن عمر ، وجابر ، وأنس . فأما حديث ابن عمر : فقال : 853 - ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في غزوة خيبر - : من أكل من هذه الشجرة - يعني : الثوم - فلا يقربن مسجدنا . وخرجه مسلم ، ولفظه : فلا يقربن المساجد . وهذا صريح بعموم المساجد ، والسياق يدل عليه ؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها . وقد روي أنه اتخذ بها مسجدا ، والظاهر : أنه نصب أحجارا في مكان ، فكان يصلي بالناس فيه ، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم . يدل عليه : ما خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : لم نعد أن فتحت خيبر ، فوقعنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك البقلة الثوم ، والناس جياع ، فأكلنا منها أكلا شديدا ، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الريح ، فقال : من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد ، فقال الناس : حرمت ، حرمت . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا أيها الناس ، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله ، ولكنها شجرة أكره ريحها . وخرج الإمام أحمد من حديث معقل بن يسار ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له ، فنزلنا في مكان كثير الثوم ، وإن أناسا من المسلمين أصابوا منه ، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عنها ، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى ، فوجد ريحها منهم ، فقال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا .
159 - باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى - أو يعمد - الانفتال عن يمينه . الانفتال : هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس إليها الإمام بعد انحرافه ، كما سبق ذكره . وحكمه : حكم الانصراف بالقيام من محل الصلاة . وقد نص عليه إسحاق وغيره . وقد ذكر البخاري ، عن أنس ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره ، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه - يعني : يتحراه ويقصده . وفي مسند الإمام أحمد من رواية أبي الأوبر الحارثي ، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وشماله . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . وفي رواية للإمام أحمد : ينصرف بدل : ينفتل . وخرج مسلم في هذا الباب حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه . وخرجه من رواية أخرى ليس فيها : ثم يقبل علينا بوجهه . ولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام . خرجه الإسماعيلي في حديث مسعر من جمعه ، ولفظه : كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه . وفي رواية أخرى له : أنه كان يبدأ بمن على يمينه ، فيسلم عليه . قال أبو داود : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - ينحرف عن يمينه . وقال ابن منصور : كان أحمد يقعد ناحية اليسرى ، ويتساند . قال القاضي أبو يعلى : وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره . قال : وقال ابن أبي حاتم : سمعت يقول : تدبرت الأحاديث التي رويت في استقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بوجهه ، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت . وقال ابن بطة من أصحابنا : يجلس عن يسرة القبلة . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف . وللشافعية وجهان : أحدهما : التخيير كقول إسحاق . والثاني : أن الانفتال عن يمينه أفضل . ثم لهم في كيفيته وجهان : أحدهما - وحكوه عن أبي حنيفة - : أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ، ويجلس على يمين المحراب . والثاني - وهو أصح عند البغوي وغيره - : بالعكس . واستدلوا له بحديث البراء بن عازب الذي خرجه مسلم . وأما الانصراف : فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته ، فيذهب حيث كانت حاجته ، سواء كانت من جهة اليمين أو اليسار ، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها ، هذا قول جمهور العلماء ، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق . وإنما كان أكثر انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار . وقد خرجه الإمام أحمد مصرحا بذلك من رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أن ابن مسعود حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عامة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الحجرات . فإن لم يكن له حاجة في جهة من الجهات ، فقال الشافعي وكثير من أصحابنا : انصرافه إلى اليمين أفضل ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن في شأنه كله . وحمل بعضهم على ذلك حديث السدي ، قال : سألت أنسا : كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري ؟ فقال : أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه . خرجه مسلم . والسدي ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ، وقد تكلم فيه غير واحد ، ووثقه أحمد وغيره . وعن يحيى فيه روايتان . ولم يخرج له البخاري ، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنس ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي . والله أعلم . وحكى ابن عبد البر ، عن الحسن وطائفة من العلماء : أن الانصراف عن اليمين أفضل . وقد حكاه ابن عمر عن فلان ، وأنكره عليه ، ولعله يريد به ابن عباس - رضي الله عنهما . وسئل عطاء : أيهما يستحب ؟ قال : سواء ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة ، أو لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن يمينه وشماله . وهو من رواية بقية ، عن الزبيدي ، أن مكحولا حدثه ، إن مسروق بن الأجدع حدثه ، عن عائشة . وهذا إسناد جيد . لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصي - وهو ثقة ثبت - عن الزبيدي ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحول بهذا الإسناد . قال الدارقطني : وقوله أشبه بالصواب . وسليمان بن موسى ، مختلف في أمره . وروى قبيصة بن الهلب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا ، فينصرف على جانبيه جميعا ، عن يمينه وشماله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن ، وعليه العمل عند أهل العلم . قال : وصح الأمران ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم
31 - باب فَضْلِ صَلاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةِ فِيهِ ثَلاَثَة أحاديث : الأول : 648 - حَدَّثَنَا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني سَعِيد بْن المُسَيِّب وأبو سَلَمَة بْن عَبْد الرحمن ، أن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً ، وتجمتع ملائكة الليل وملائكة النهار فِي صلاة الفجر ) ثُمَّ يَقُول أبو هُرَيْرَةَ : فاقرأوا إن شئتم : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا 649 - قَالَ شعيب : وحدثني نَافِع عَن عَبْد الله بْن عُمَر ، قَالَ : تفضلها بسبعٍ وعشرين درجةً . قَدْ سبق فِي الباب الماضي أول حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، بلفظ آخر ، وبقية الحَدِيْث قَدْ ذكرناه فيما تقدم فِي ( بَاب : فضل صلاة العصر ) ، وذكرنا قول من قَالَ : إن هَذَا الفضل - وَهُوَ اجتماع الملائكة فِي صلاة الفجر ، وفي الحَدِيْث الآخر : وفي صلاة العصر - يختص بالجماعات ، كما أشار إِلَيْهِ البخاري هاهنا ، وَهُوَ الَّذِي رجحه ابن عَبْد البر وغيره . ويشهد لَهُ : مَا رواه أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) لَهُ : حَدَّثَنَا هِشَام بْن سعد : ثنا صالح بْن جبير الأزدي ، عَن رَجُل من أهل الشام ، قَالَ : صليت وراء معاذ بن جبل الصبح ، فلما انصرف قَالَ : إن هذه الصلاة مقبولة مشهودةٌ ، يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويطلع الله فيها عَلَى عباده فيغفر لهم ، فارغبوا فيها ، واشهدوها ، واحضروها . وحديث ابن عُمَر تقدم فِي الباب الماضي عَنْهُ مرفوعاً ، مَعَ الكلام عَلِيهِ .
الحَدِيْث الثالث : 651 - ثنا مُحَمَّد بْن العلاء ، ثنا أبو أسامة ، عَن بريد بْن عَبْد الله ، عَن أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى ، قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذي ينتظر الصلاة حَتَّى يصليها مَعَ الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثُمَّ ينام ) . وهذا الحَدِيْث - أيضاً - إنما يدل عَلَى فضل المشي إلى المسجد من المكان البعيد ، وأن الأجر يكثر ويعظم بحسب بعد المكان عَن المسجد ، وعلى فضل السبق إلى المسجد فِي أول الوقت ، وانتظار الصلاة فِيهِ مَعَ الإمام . وقد ذكرنا فيما سبق : أن هَذَا كله مِمَّا تضاعف بِهِ الصلاة فِي الجماعة ، وتزداد بِهِ عَلَى صلاة الفذ فضلاً وأجراً عِنْدَ الله عز وجل ، وليس يختص ذَلِكَ بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات .
الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 650 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص ، ثنا أَبِي ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت سالماً ، قَالَ : سَمِعْت أم الدرداء تَقُول : دَخَلَ عَلِيّ أبو الدرداء وَهُوَ مغضب ، فَقُلْت : مَا أغضبك ؟ فَقَالَ : والله مَا أعرف من أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم شيئاً ، إلا أنهم يصلون جميعاً . وليس فِي هَذَا الحَدِيْث ذكر للجماعة فِي صلاة الفجر بخصوصها ، وإنما فِيهِ أن الصلاة فِي الجماعة من أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ودينه وشرعه ، فهو كقول ابن مسعودٍ : إن الله شرع لنبيه سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، وقد تقدم ذكره . وفي رِوَايَة للإمام أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث : ( إلا الصلاة ) . وهذا بخلاف قَوْلِ أَنَس : مَا أعرف شيئاً مِمَّا كَانَ عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل : الصلاة ؟ قَالَ : أليس قَدْ صنعتم ما صنعتم فيها ؟ وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر . وخرجه - أيضاً - بلفظ آخر ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ يبكي - : لا أعرف شيئاً مِمَّا أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قَدْ ضيعت . وأشار أَنَس إلى مَا أحدثه بنو أمية من تضييع مواقيت الصلاة ، وكان أبو الدرداء قَدْ توفي قَبْلَ ذَلِكَ فِي زمن معاوية . يبين هَذَا : مَا خرجه الإمام أحمد من رِوَايَة ثابت ، عَن أَنَس ، قَالَ : مَا أعرف فيكم اليوم شيئاً كُنْتُ أعهده عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس قولكم : لا إله إلا الله ، قُلتُ : يَا أَبَا حَمْزَة الصلاة ؟ قَالَ : قَدْ صليتم حِينَ تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وفي رِوَايَة للإمام أحمد من حَدِيْث عُثْمَان بْن سعد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أوليس قَدْ علمت مَا قَدْ صنع الحجاج فِي الصلاة ؟ ! وكان هَذَا الإنكار عَلَى الأمراء ، كما رَوَى أبو إِسْحَاق ، عَن معاوية بْن قرة ، قَالَ : دخلت أنا ونفر معي عَلَى أنس بْن مَالِك ، فَقَالَ : مَا أمراؤكم هؤلاء عَلَى شيء مِمَّا كَانَ عَلِيهِ مُحَمَّد وأصحابه ، إلا أنهم يزعمون أنهم يصلون ويصومون رمضان .
158 - باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم 851 - حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا عيسى بن يونس ، عن عمر بن سعيد ، أخبرني ابن أبي مليكة ، عن عقبة ، قال : صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة العصر ، فسلم ، ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ، ففزع الناس من سرعته ، فخرج عليهم ، فرأى أنهم عجبوا من سرعته ، فقال : ذكرت شيئا من تبر عندنا ، فكرهت أن يحبسني ، فأمرت بقسمته . فيه : دليل على أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهل لم يكن من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا تعجبوا من سرعته في هذه المرة ، وعلم منهم ذلك ، فلذلك أعلمهم بعذره . وفيه : دليل على أن التخطي للإمام لحاجة جائز ، وإن كان بعد فراغه من الصلاة ، كما له أن يتخطى الصفوف في حال دخوله - أيضا - وأما غيره ، فيكره له ذلك . وظاهر كلام أحمد أنه يكره للإمام - أيضا : قال إسحاق بن هانئ : سألت أبا عبد الله ، عن الرجل يصلي بالقوم ، فإذا فرغ من الصلاة خرج من بين رجلين ، أفهو متخط ؟ قال : نعم ، وأحب إلي أن يتنحى عن القبلة قليلا حتى ينصرف النساء ، فإن خرج مع الحائط فهذا ليس بمتخط . وظاهر هذا : كراهة تخطيهم للإمام ، وقد يكون مراده : إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك . والتبر : هو قطع الذهب قبل أن يضرب . والظاهر : أنه كان من مال الصدقة أو غيرها من الأموال التي يجب قسمتها على المساكين ونحوهم . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وذكر فيه : أنه كان تبرا من الصدقة ، وقال : كرهت أن أبيته ، فقسمته .
قال البخاري - رحمه الله - 849 - حدثنا أبو الوليد ، ثنا إبراهيم بن سعد ، ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، عن أم سلمة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم مكث في مكانه يسيرا . قال ابن شهاب : فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء . 850 - وقال ابن أبي مريم : أنا نافع بن يزيد ، حدثني جعفر بن ربيعة ، أن ابن شهاب كتب إليه ، قال : حدثتني هند بنت الحارث الفراسية ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت من صواحباتها - قالت : كان يسلم ، فينصرف النساء فيدخلن في بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم ذكر روايات أخر عن الزهري ، حاصلها يرجع إلى قولين في نسبة هند بنت الحارث : منهم من قال : الفراسية . ومنهم من قال : القرشية . وقيل : إنها فراسية بالنسب ، قرشية بالحلف ، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود . وفي الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيرا ، وإنما كان يمكث بعد إقباله على الناس بوجهه ، لا يمكث مستقبلا للقبلة ، وبهذا يجمع بين هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب الماضي . ويدل على أنه كان يجلس قبل انصرافه يسيرا : ما خرجه مسلم من حديث البراء بن عازب ، قال : رمقت الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدت قيامه ، فركعته ، فاعتداله بعد ركوعه ، فسجدته ، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته ، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء . فهذا الحديث : صريح في أنه كان يجلس بعد تسليمه قريبا من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين ، ثم ينصرف بعد ذلك . وخرج مسلم - أيضا - من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام . وقد سأل أبو داود الإمام أحمد ، عن تفسير حديث عائشة ، وهل المعنى : أنه يجلس في مقعده حتى ينحرف ؟ قال : لا أدري . فتوقف : هل المراد جلوسه مستقبل القبلة يسيرا ؟ قال : وقال أبو يحيى الناقد : صليت خلف أبي عبد الله - يعني : أحمد - فكان إذا سلم من الصلاة لبث هنية ، ثم ينحرف . قال : فظننته يقول ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم فحكى القاضي في كراهة جلوس الإمام مستقبل القبلة بعد سلامه يسيرا روايتين عن أحمد . والمنصوص عن أحمد في تكبير أيام التشريق : أن الإمام يكبر مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ، وحكاه عن النخعي . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : والعمل على ذلك . وهذا يدل على أنه يستحب الذكر اليسير للإمام قبل انحرافه . ومن المتأخرين من أصحابنا من قال : إنما يكبر الإمام بعد استقباله للناس ، واستدلوا فيه بحديث مرفوع ، لا يصح إسناده . والمنقول عن السلف يدل على أن الإمام ينحرف عقب سلامه ، ثم يجلس إن شاء . روى عبد الرزاق في كتابه ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ولينحرف عن مجلسه . قلت : يجزئه ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة ؟ قال : الانحراف يغرب أو يشرق ، عن غير واحد . وكأن المسئول معمرا . والله أعلم . وروى - أيضا - بإسناده ، عن مجاهد ، قال : ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم ، ثم يقعد بعد إن شاء . وعن سعيد بن جبير ، أنه كان يفعله . وعن عطاء ، قال : قد كان يجلس الإمام بعدما يسلم - وأقول أنا : التسليم : الانصراف - قدر ما ينتعل نعليه . وعن عبيدة ، أنه قال لما سمع مصعبا يكبر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة : ما له ، قاتله الله ، نعار بالبدع . ويستثنى من ذلك : الجلوس بعد الفجر ، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنا . ففي صحيح مسلم ، عن جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام . وروى وكيع بإسناده ، عن النخعي ، أنه كان إذا سلم قام ، إلا الفجر والعصر . فقيل له في ذلك ؟ فقال : ليس بعدهما صلاة . قال أحمد - في الإمام إذا صلى يقوم الفجر أو العصر - : أعجب إلي أن ينحرف ، ولا يقوم من موضعه . وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس . فأما جلوسه بعد الظهر ، فقال أحمد : لا يعجبني . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر كلامه : أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها ، ولا يستحب بعد غيرها . قال : وروى الخلال بإسناده ، عن عابد الطائي ، قال : كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلاه بعد صلاة يصلى بعدها ، فإذا كانت صلاة لا يصلى بعدها فإن شاء قام ، وإن شاء جلس . وحكي عن أصحاب الشافعي : أن المستحب للإمام أن يقوم ولا يجلس في كل الصلوات . وقد نص الشافعي في المختصر على أنه يستحب للإمام أن يقوم عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء . فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه ، يذكر الله ، خصوصا بعد الصبح والعصر ، ولا نعلم في ذلك خلافا . وقد صح الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ، ما لم يحدث ، وقد سبق ذكره ، ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر ، وكان السلف الصالح يحافظون عليه . ومتى أطال الإمام الجلوس في مصلاه ، فإن للمأموم أن ينصرف ويتركه ، وسواء كان جلوسه مكروها أو غير مكروه . قال ابن مسعود : إذا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف ، وكانت لك حاجة فاذهب ودعه ، فقد تمت صلاتك . خرجه عبد الرزاق . وذكر بإسناده ، عن عطاء ، قال : كلامه بمنزلة قيامه ، فإن تكلم فليقم المأموم إن شاء . وإن لم يطل الإمام الجلوس ، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام ، كذا قال الزهري والحسن وقتادة وغيرهم . وقال الزهري : إنما جعل الإمام ليؤتم به . يشير إلى أن مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلا بانصرافه . وفي صحيح مسلم ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيها الناس ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف . وحديث أم سلمة المخرج في هذا الباب يدل عليه ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس يسيرا حتى ينصرف النساء ، فلا يختلط بهن الرجال ، وهذا يدل على أن الرجال كانوا يجلسون معه ، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه . وقد روي ذلك صريحا في هذا الحديث : خرجه البخاري فيما بعد من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، ولفظه : إن النساء كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الرجال ما شاء الله ، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال . وفي هذا الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عاما للمأمومين ، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء ، كما أمر بشهود النساء العيدين حتى الحيض ، وقال : يشهدن الخير ودعوة المسلمين ، فلو كان عقب الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال - أيضا . وقال الشافعي في الأم : فإن قام الإمام قبل ذلك ، أو جلس أطول من ذلك ، فلا شيء عليه . قال : وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام ، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي . وظاهر كلام كثير من السلف : كراهة ذلك ، كما تقدم . وفي تهذيب المدونة للمالكية ، ولا يقيم الإمام في مصلاه إذا سلم ، إلا أن يكون في سفر أو فنائه ، وإن شاء تنحى وأقام .
157 - باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام 848 - وقال لنا آدم : ثنا شعبة ، عن أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة . وفعله القاسم . ويذكر عن أبي هريرة - رفعه - : لا يتطوع الإمام في مكانه . ولم يصح . هذا الذي ذكر أنه لا يصح ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من رواية ليث ، عن حجاج بن عبيد ، عن إبراهيم بن إسماعيل ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر ، أو عن يمينه أو شماله في الصلاة - يعني : في السبحة . وليس في هذا ذكر الإمام ، كما أورده البخاري . وضعف إسناده من جهة ليث بن أبي سليم ، وفيه ضعف مشهور . ومن جهة إبراهيم بن إسماعيل ، ويقال فيه : إسماعيل بن إبراهيم ، وهو حجازي ، روى عنه عمرو بن دينار وغيره . قال أبو حاتم الرازي : مجهول . وكذا قال في حجاج بن عبيد ، وقد اختلف في اسم أبيه . واختلف في إسناد الحديث على ليث - أيضا . وخرج أبو داود وابن ماجه - أيضا - من حديث عطاء الخراساني ، عن المغيرة بن شعبة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه . وقال أبو داود : وعطاء الخراساني لم يدرك المغيرة . وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة ، فأما قبلها فيجوز بالاتفاق - : قاله بعض أصحابنا . فكرهت طائفة تطوعه في مكانه بعد صلاته ، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كرهه . وقال النخعي : كانوا يكرهونه . ورخص فيه ابن عقيل من أصحابنا ، كما رجحه البخاري ، ونقله عن ابن عمر والقاسم بن محمد . فأما المروي عن ابن عمر ، فإنه لم يفعله وهو إمام ، بل كان مأموما ، كذلك قال الإمام أحمد . وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك ، وهو قول مالك وأحمد . وقد خرج أبو داود حديثا يقتضي كراهته من حديث أبي رمثة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه ، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة ، فصلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ثم سلم عن يمينه وعن يساره ، حتى رأيت بياض خديه ، ثم انفتل ، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع ، فوثب إليه عمر ، فأخذ بمنكبيه فهزه ، ثم قال : اجلس ؛ فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل ، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - بصره ، فقال : أصاب الله بك يا ابن الخطاب . وهذا الحديث يدل على كراهة أن يصل المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل ، وإن فصل بالتسليم . ويدل عليه - أيضا - : ما روى السائب بن يزيد ، قال : صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة ، فلما سلم قمت في مقامي فصليت ، فلما دخل أرسل إلي ، فقال : لا تعد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك ، أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج . خرجه مسلم - بمعناه . وروى حرب بإسناده ، عن عطاء ، أنه قال فيمن صلى المكتوبة : لا يصلي مكانه نافلة إلا أن يقطع بحديث ، أو يتقدم أو يتأخر . وعن الأوزاعي ، قال : إنما يجب ذلك على الإمام ، أن يتحول من مصلاه . قيل له : فما يجزئ من ذلك ؟ قال : أدناه أن يزيل قدميه من مكانه . قيل له : فإن ضاق مكانه ؟ قال : فليتربع بعد سلامه ؛ فإنه يجزئه . وروى - أيضا - بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه كان إذا سلم قام وتحول من مكانه غير بعيد . قال حرب : وثنا محمد بن آدم ، ثنا أبو المليح الرقي ، عن حبيب ، قال : كان ابن عمر يكره أن يصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة ، حتى يتقدم أو يتأخر أو يتكلم . وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي خرجها البخاري . وقد ذكر قتادة ، عن ابن عمر ، أنه رأى رجلا صلى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : لا أراك تصلي في مقامك . قال سعيد : فذكرته لابن المسيب ، فقال : إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة . وعن عكرمة ، قال : إذا صليت الجمعة فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحول أو كلام . خرجهما عبد الرزاق . ومذهب مالك : أنه يكره في الجمعة أن يتنفل في مكانه من المسجد ، ولا ينتقل منه وإن كان مأموما ، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكل حال . وقد قال الشافعي في سنن حرملة : حديث السائب بن يزيد ، عن معاوية في هذا ثابت عندنا ، وبه نأخذ . قال : وهذا مثل قوله لمن صلى وقد أقيمت الصلاة : أصلاتان معا ؟ كأنه أحب أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطجع بعد ركعتي الفجر . وروى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة ، فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم . قال ابن عبد البر : هذا حديث صحيح . قال : وقال الشعبي : إذا صليت المكتوبة ، ثم أردت أن تتطوع ، فاخط خطوة . وخالف ابن عمر ابن عباس في هذا ، وقال : وأي فصل أفصل من السلام ؟ وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا والشافعية : أن هذا كله خلاف الأولى من غير كراهة فيه ، وحديث معاوية يدل على الكراهة .
156 - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 845 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا جرير بن حازم ، ثنا أبو رجاء ، عن سمرة بن جندب ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه . هذا أول حديث طويل ، ساقه بتمامه في الجنائز ومواضع أخر . وفيه : دليل على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - الإقبال على الناس بوجهه بعد الصلاة .
الحديث الثاني : 846 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن زيد بن خالد الجهني ، أنه قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة ، فلما انصرف أقبل على الناس ، فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر - الحديث . وسيأتي بتمامه في الاستسقاء - إن شاء الله تعالى . والمقصود منه هاهنا : إقباله صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من صلاة الصبح ، والمعنى : بعد فراغه منها .
الحديث الثالث : 847 - ثنا عبد الله بن منير : سمع يزيد ، أنا حميد ، عن أنس ، قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل ، ثم خرج علينا ، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ، فقال : إن الناس قد صلوا ورقدوا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة . قد تقدم في باب : وقت العشاء بسياق أتم من هذا . والمقصود منه هاهنا : إقباله صلى الله عليه وسلم بوجهه بعد الصلاة . وخرج مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه . قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك - وفيه : ذكر الدعاء بعد الصلاة - أيضا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود ، قال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا انصرف انحرف . وصححه الترمذي . وفي رواية بعضهم : فصلى ، ثم انحرف . وروى عبد الله بن فروخ ، أنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن أنس بن مالك ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ساعة يسلم يقوم ، ثم صليت مع أبي بكر ، فكان إذا سلم وثب مكانه ، كأنه يقوم على رضف . خرجه البيهقي . وقال : تفرد به عبد الله بن فروخ المصري ، وله أفراد ، فالله أعلم . قلت : وثقه قوم ، وخرج له مسلم في صحيحه ، وتكلم فيه آخرون . وقد رواه عبد الرزاق في كتابه ، عن ابن جريج ، قال : نبئت ، عن أنس بن مالك - فذكر الحديث بتمامه . وهذا أصح . قال البيهقي : والمشهور : عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : كان أبو بكر الصديق إذا سلم قام كأنه جالس على الرضف . قال : وروينا عن علي ، أنه سلم ثم قام . ثم خرج بإسناده ، عن خارجة بن زيد ، أنه كان يعيب على الأئمة جلوسهم بعد أن يسلموا ، ويقول : السنة في ذلك أن يقوم الإمام ساعة يسلم . قال : وروينا عن الشعبي والنخعي ، أنهما كرهاه . ويذكر عن عمر بن الخطاب . والله أعلم . وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح ، عن ابن عمر ، قال : كان الإمام إذا سلم انكفت وانكفتنا معه . وعن ابن مسعود ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ، ولينحرف عن مجلسه . وعنه ، أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه أو انحرف . وممن روي عنه ، أن الإمام ينحرف ويستقبل القوم بوجهه : علي بن أبي طالب وطلحة والزبير . وقال النخعي : إذا سلم الإمام ثم استقبل القبلة فأحصبوه . وكره ذلك الثوري وأحمد وغيرهما من العلماء . ولم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار ، ومنهم من استحب في عقب صلاة الفجر أن يأتي بالتهليل عشر مرات . ذكره طائفة من أصحابنا وغيرهم ، لما روى شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي ذر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال في دبر صلاة الفجر ، وهو ثان رجله قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير - عشر مرات - كتب له عشر حسنات ، ومحي عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه ، وحرس من الشيطان ، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم ، إلا الشرك بالله . خرجه الترمذي بهذا اللفظ ، وقال : حسن غريب صحيح . وخرجه النسائي في اليوم والليلة بنحوه . وخرجه - أيضا - من وجه آخر من حديث شهر ، عن عبد الرحمن ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، ولم يذكر : وهو ثان رجله ، إنما قال : قبل أن يتكلم ، وذكر في صلاة العصر مثل ذلك . وخرجه الإمام أحمد من حديث شهر ، عن ابن غنم - مرسلا ، وعنده : من قال من قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح - وذكر الحديث . وشهر بن حوشب ، مختلف فيه ، وهو كثير الاضطراب ، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى . وقيل : عنه ، عن ابن غنم ، عن أبي هريرة . وقيل : عن شهر ، عن أبي أمامة . قال الدارقطني : الاضطراب فيه من قبل شهر . وقد روي نحوه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر ، كلها ضعيفة . وحكى بعض أصحاب سفيان الثوري ، عنه ، أنه قال : يستحب للإمام إذا صلى أن لا يجلس مستقبل القبلة ، بل يتحول من مكانه أو ينحرف ، إلا في العصر والفجر . ولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر ، فإنه ذكر له هذا الحديث ، فقال : أعجب إلي أن لا يجلس ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه . يعني : أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشب هذا ، مع أنه ليس في جميع رواياته : قبل أن يثني رجله ، بل في بعضها .
32 - باب فَضْلِ التَّهْجِيرِ إلى الظُّهْرِ 652 - حَدَّثَنِي قتيبة ، عَن مالك ، عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر ، عَن أَبِي صالح السمان ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( بينما رَجُل يمشي بطريق وجد غصن شوكٍ عَلَى الطريق فأخره ، فشكر الله لَهُ فغفر لَهُ ) . 653 - ثُمَّ قَالَ : ( الشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد فِي سبيل الله ) ، وقَالَ : ( لَوْ يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ، ثُمَّ لَمْ يجدوا إلا أن يستهموا عَلِيهِ لاستهموا عَلِيهِ ) . 654 - ( ولو يعلمون مَا فِي التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون مَا فِي العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ) . إنما ساق الحَدِيْث بتمامه ؛ لأنه أولى من اختصاره وتقطيعه ، وإن كَانَ ذَلِكَ جائزاً كما سبق ذكره ، واقتدى بمالك - رحمه الله - ؛ فإنه ساقه بتمامه فِي ( كِتَاب الصلاة ) من ( الموطأ ) هكذا . والكلام عَلَى إزالة الشوك من الطريق ، وعلى عدد الشهداء يأتي فِي موضعهما إن شاء الله تعالى . وأما مَا يتعلق بالصلاة من الحَدِيْث ، فثلاثة أشياء : أحدها : ذكر الاستهام عَلَى النداء والصف الأول ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ فِي ( الأذان ) . الثاني : الاستباق إلى التهجير . والتهجير : التبكير إلى المساجد لصلاة الظهر ، والهجير والهاجرة : نصف النهار . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حَدِيْث زيد بْن ثابت ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد عَلَى أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم مِنْهَا ، قَالَ : فَنَزَلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وخرجه الإمام أحمد أيضاً والنسائي من حَدِيْث أسامة بْن زيد ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير ، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس فِي قائلتهم وفي تجارتهم ، فأنزل الله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وفيه : دليل عَلَى تعجيل الظهر . والثالث : المبادرة إلى شهود العتمة والصبح ، وسيأتي القول فِيهِ فيما بعد إن شاء الله تعالى . وفيه : دليل عَلَى جواز تسمية العشاء العتمة ، وقد تقدم ذكره .
الحديث الثاني : 843 - حدثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا المعتمر ، عن عبيد الله ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : جاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ، ويجاهدون ويتصدقون ، قال : ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ، ولم يدركم أحد بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين . فاختلفنا بيننا ، فقال بعضنا : نسبح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر أربعا وثلاثين . فرجعت إليه ، فقال : تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون . ذكر الخطابي : أن لفظ هذه الرواية : ذهب أهل الدور ، وقال : والصواب الدثور . وذكر غيره : أن هذه رواية المروزي ، وأنها تصحيف ، والرواية المشهورة : أهل الدثور على الصواب . و الدثور : جمع دثر ، بفتح الدال ، وهو : المال الكثير . وفي الحديث : دليل على قوة رغبة الصحابة - رضي الله عنهم - في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم ، فكانوا يحزنون على العجز عن شيء مما يقدر عليه غيرهم من ذلك . وقد وصفهم الله في كتابه بذلك ، بقوله : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا حسد إلا في اثنتين ، فذكر منهما : رجل آتاه الله مالا ، فهو ينفقه في وجهه ، فيقول رجل : لو أن لي مالا ، لفعلت فيه كما فعل ذلك . فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون وينفقون حزنوا على عجزهم عن ذلك ، وتأسفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه ، وشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل ، إن أخذوا به أدركوا من سبقهم ، ولم يدركهم أحد بعدهم ، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، وهو التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين . وهذا يدل على أن الذكر أفضل الأعمال ، وأنه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك . وقد روي هذا المعنى صريحا عن جماعة كثيرة من الصحابة ، منهم : أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما . وروي مرفوعا من وجوه متعددة - أيضا . ولا يعارض هذا حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يعدل الجهاد ، فقال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ، وتقوم فلا تفتر - الحديث المشهور ، لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى قدومه . فليس يعدل ذلك شيء غير ما ذكره ، والفقراء دلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل يستصحبونه في مدة عمرهم ، وهو ذكر الله الكثير في أدبار الصلوات ، وهذا أفضل من جهاد يقع في بعض الأحيان ، ينفق صاحبه فيه ماله . فالناس منقسمون ثلاثة أقسام ، أهل ذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم ، وأهل جهاد يجاهدون وليس لهم مثل ذلك الذكر . فالأولون أفضل من هؤلاء . وقوم يجمعون بين الذكر والجهاد ، فهؤلاء أفضل الناس . ولهذا لما سمع الأغنياء الذين كانوا يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون بما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الفقراء من ذلك عملوا به ، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ ؛ ولهذا لما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، قال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ومن زعم من الصوفية أنه أراد أن الفقر فضل الله ، فقد أخطأ ، وقال ما لا يعلم . وقد دل الحديث على فضل التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين . وخرجه مسلم من طريق ابن عجلان ، عن سمي ، وذكر فيه : أن المختلفين هم سمي وبعض أهله ، وأن القائل له هو أبوه أبو صالح السمان ، وأن ابن عجلان قال : حدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة ، فحدثني بمثله ، عن أبي صالح . وخرجه البخاري في أواخر كتابه الصحيح - أيضا - من طريق ورقاء ، عن سمي بهذا الإسناد ، بنحوه ، ولكن قال فيه : تسبحون في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا . وقال : تابعه عبيد الله بن عمر ، عن سمي . قال : ورواه ابن عجلان ، عن سمي ورجاء بن حيوة . ورواه جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي الدرداء . ورواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم انتهى . ومراده : المتابعة على إسناده . ورواية عبيد الله بن عمر ، هي التي خرجها في هذا الباب . ورواية ابن عجلان ، هي التي خرجها مسلم ، كما ذكرناه . ورواية سهيل ، خرجها مسلم - أيضا - بمثل حديث ابن عجلان ، عن سمي ، وزاد في الحديث : يقول سهيل : إحدى عشرة إحدى عشرة ، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون . وأما رواية جرير التي أشار إليها البخاري ، وقوله : عن أبي صالح ، عن أبي الدرداء ، فقد تابعه عليها - أيضا - أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن عبد العزيز . والظاهر : أنه وهم ، فإن أبا صالح إنما يرويه عن أبي هريرة ، لا عن أبي الدرداء ، كما رواه عنه سمي وسهيل ورجاء بن حيوة . وإنما رواه عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي عمر الصيني ، عن أبي الدرداء ، كذلك رواه الثوري ، عن عبد العزيز ، وهو أصح - : قاله أبو زرعة ، والدارقطني . وأما ألفاظ الحديث ، فهي مختلفة : ففي رواية عبيد الله بن عمر التي خرجها البخاري هاهنا : تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثا وثلاثين ، وفسره بأنه يقول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين . وقد تبين أن المفسر لذلك هو أبو صالح ، وهذا يحتمل أمرين : أحدهما : أنه يجمع بين هذه الكلمات الثلاث ، فيقولها ثلاثا وثلاثين مرة ، فيكون مجموع ذلك تسعا وتسعين . والثاني : أنه يقولها إحدى عشرة مرة ، فيكون مجموع ذلك ثلاثا وثلاثين . وهذا هو الذي فهمه سهيل ، وفسر الحديث به ، وهو ظاهر رواية سمي ، عن أبي صالح - أيضا . ولكن ؛ قد روي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحا بالمعنى الأول : فخرج مسلم من حديث سهيل ، عن أبي عبيد المذحجي - وهو : مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه - عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وحمد الله ثلاثا وثلاثين ، وكبر الله ثلاثا وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر . وقد روي عن سهيل بهذا الإسناد - موقوفا على أبي هريرة . وكذا رواه مالك في الموطأ ، عن أبي عبيد - موقوفا . وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق مالك - مرفوعا . والموقوف عن مالك أصح . وخرجه النسائي في اليوم والليلة بنحو هذا اللفظ ، من رواية ابن عجلان ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه من طريق الأوزاعي : حدثني حسان بن عطية ، حدثني محمد بن أبي عائشة ، حدثني أبو هريرة ، قال : قال أبو ذر : يا رسول الله ، ذهب أصحاب الدثور بالأجور - فذكر الحديث ، بمعناه ، وقال فيه : تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتحمده ثلاثا وثلاثين ، وتسبحه ثلاثا وثلاثين ، تختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر . فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف . وقد روي عنه نوع آخر ، وهو : التسبيح مائة مرة ، والتكبير مائة مرة ، والتهليل مائة مرة ، والتحميد مائة مرة . وخرجه النسائي في كتاب اليوم والليلة بإسناد فيه ضعف . وروي موقوفا على أبي هريرة . وخرجه النسائي في السنن بإسناد آخر ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة ، وهلل مائة تهليلة ، غفر له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر . وروي عن أبي هريرة - موقوفا عليه - : التسبيح عشر ، والتحميد عشر ، والتكبير عشر . وقد تقدم أن البخاري خرجه في آخر كتابه عنه - مرفوعا . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواع أخر من الذكر : فمنها : التسبيح والتحميد والتكبير مائة ، فالتسبيح والتحميد كل منهما ثلاث وثلاثون ، والتكبير وحده أربع وثلاثون . خرجه مسلم من حديث كعب بن عجرة . وخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث زيد بن ثابت . وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي ذر ، لكن عنده : أن التحميد هو الأربع . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عيينة قال : لا أدري أيتهن أربع . ومنها : التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل مائة مرة ، من كل واحد خمس وعشرون . وخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث زيد بن ثابت . وخرجه النسائي من حديث ابن عمر . ومنها : التسبيح ثلاثا وثلاثين ، والتحميد مثله ، والتكبير أربعا وثلاثين ، فذلك مائة ، ويزيد عليهن التهليل عشرا . خرجه النسائي والترمذي من حديث ابن عباس . ومنها : التسبيح عشر مرات ، والتحميد مثله ، والتكبير مثله ، فذلك ثلاثون . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص . وخرجه النسائي في اليوم والليلة من حديث سعد . ومنها : التكبير إحدى عشرة مرة ، والتحميد مثله ، والتهليل مثله ، والتسبيح مثله ، فذلك أربع وأربعون . خرجه البزار من حديث ابن عمر . وإسناده ضعيف ، فيه موسى بن عبيدة . ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات ، والأفضل أن لا ينقص عن مائة ، لأن أحاديثها أصح أحاديث الباب . واختلف في تفضيل بعضها على بعض : فقال أحمد - في رواية الفضل بن زياد - وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثة وثلاثين أحب إليك ، أم خمسة وعشرين ؟ قال : كيف شئت . قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : التخيير بينهما من غير ترجيح . وقال - في رواية علي بن سعيد - : أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين . وظاهر هذا : تفضيل هذا النوع على غيره . وكذلك قال إسحاق : الأفضل أن تسبح ثلاثا وثلاثين ، وتحمد ثلاثا وثلاثين ، وتكبر ثلاثا وثلاثين ، وتختم المائة بالتهليل . قال : وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات ؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس . نقل ذلك عنه حرب الكرماني . وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرة ، فيقولهن ثلاثا وثلاثين مرة ، ثم يختم بالتهليل ، أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على حدة ؟ قال أحمد - في رواية محمد بن ماهان ، وسأله : هل يجمع بينهما ، أو يفرد ؟ قال : لا يضيق . قال أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخير بين الإفراد والجمع . وقال أحمد - في رواية أبي داود - : يقول هكذا : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا يقطعه . وهذا ترجيح منه للجمع ، كما قاله أبو صالح ، لكن ذكر التهليل فيه غرابة . وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يقولوا دبر كل صلاة : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله عشر مرات . وقال إسحاق : الأفضل أن يفرد كل واحد منها . وهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا ، قال : وهو ظاهر الأحاديث ؛ لوجهين : أحدهما : أنه قال : تسبحون وتحمدون وتكبرون ، والواو قد قيل : إنها للترتيب ، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه . والثاني : أن هذا مثل نقل الصحابة - رضي الله عنهم - لوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه تمضمض ثلاثا ، واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه ثلاثا ، ولا خلاف في المراد : أنه غسل كل عضو من ذلك بانفراده ثلاثا ثلاثا ، قبل شروعه في الذي بعده ، ولم يغسل المجموع مرة ، ثم أعاده مرة ثانية ، وثالثة . قلت : هذا على رواية من روى التسبيح ثلاثا وثلاثين ، والتحميد ثلاثا وثلاثين ، والتكبير ثلاثا وثلاثين ظاهر ، وأما رواية من روى تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثا وثلاثين فمحتملة ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المراد منها .
الحديث الثالث : 844 - حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد - كاتب المغيرة بن شعبة - قال : أملى علي المغيرة في كتاب إلى معاوية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وقال شعبة ، عن عبد الملك بن عمير بهذا ، وعن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد بهذا . هذا الحديث ، أسنده البخاري من طريق سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد . وعلقه عن شعبة بإسنادين : أحدهما : عن عبد الملك - أيضا - بهذا الإسناد . والثاني : عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد . ورواية شعبة لهذا الحديث غريبة لم تخرج في شيء من الكتب الستة ، ولا في مسند الإمام أحمد . وخرجه مسلم من طريق عبدة بن أبي لبابة والمسيب بن رافع وغيرهما ، عن وراد . وخرجه البخاري في موضع آخر من رواية المسيب ، وفي روايته : بعد السلام . وخرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق مغيرة ، عن الشعبي ، عن وراد ، أن المغيرة كتب إلى معاوية : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير - ثلاث مرات . وهذه زيادة غريبة . وقد روي في الحديث زيادة : بيده الخير . خرجها الإسماعيلي من طريق مسعر ، عن زياد بن علاقة ، عن وراد . وروي فيه - أيضا - زيادة : يحيي ويميت . ذكرها الترمذي في كتابه - تعليقا ، ولم يذكر رواتها . وقد خرجه البزار بهذه الزيادة من رواية ابن علاقة ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث المغيرة ، بهذه الزيادة . وفي إسنادها ضعف . وخرجه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه زيادة : بيده الخير . وفي إسناده ضعف . وخرجه ابن عدي ، وزاد فيه : يحيي ويميت . وقال : هو غير محفوظ . وخرجه أبو مسلم الكجي في سننه من حديث أبان بن أبي عياش ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : يحيي ويميت ، بيده الخير . وأبان ، متروك . وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث كعب الأحبار ، عن صهيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند انصرافه من الصلاة : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، اللهم ، إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ [ ] بعفوك من نقمتك ، وأعوذ بك منك ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي إسناده اختلاف . وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام . وفي رواية له - أيضا - : يا ذا الجلال والإكرام . وخرج - أيضا - من حديث ثوبان ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات ، ثم قال : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تبارك ذا الجلال والإكرام [ ] ، يا ذا الجلال والإكرام . وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر . وجمهور أهل العلم على استحبابه ، وقد روي عن علي وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين ، وقد تقدم عن عبيدة السلماني ، أنه عد التكبير عقب الصلاة من البدع ، ولعله أراد بإنكاره على مصعب ، أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر ، كذلك هو في كتاب عبد الرزاق ، وإذا صحت السنة بشيء وعمل بها الصحابة ، فلا تعدل عنها . واستحب - أيضا - أصحابنا وأصحاب الشافعي الدعاء عقب الصلوات ، وذكره بعض الشافعية اتفاقا . واستدلوا بحديث أبي أمامة ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات . خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وحسنه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث معاذ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : لا تدعن دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . وقال طائفة من أصحابنا ومن الشافعية : يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر ؛ لأنه لا تنفل بعدهما . فظاهر كلامهم : أنه يجهر به ، ويؤمنون عليه ، وفي ذلك نظر . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة جهرا ، وأنه لا يصح ، ولم يصح في ذلك شيء عن السلف . والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة ، ثم يسر بالباقي ، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرا ، ويدعو سرا . ومن الفقهاء من يستحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كل صلاة ، وليس في ذلك سنة ولا أثر يتبع . والله أعلم . وفي بعض نسخ البخاري : وقال الحسن : الجد غنى . وهذا تفسير لقوله : ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، والجد - بفتح الجيم - المراد به في هذا الحديث : الغنى ، والمعنى : لا ينفع ذا الغنى منك غناه . وهذا كقوله تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ وقد روي تفسير الجد بذلك مرفوعا : ففي سنن ابن ماجه ، عن أبي جحيفة ، قال : ذكرت الجدود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فقال رجل : جد فلان في الخيل . وقال آخر : جد فلان في الإبل ، فقال آخر : جد فلان في الغنم ، وقال آخر : جد فلان في الرقيق ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، ورفع رأسه من آخر الركعة ، قال : اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، وطول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته بالجد ؛ ليعلم أنه ليس كما يقولون .
155 - باب الذكر بعد الصلاة فيه ثلاثة أحاديث : الأول : حديث ابن عباس : 841 - حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا ابن جريج : أخبرني عمرو ، أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره ، أن ابن عباس أخبره ، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته . 842 - حدثنا علي ، ثنا سفيان ، ثنا عمرو : أخبرني أبو معبد ، عن ابن عباس ، قال : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير . حدثنا علي ، ثنا سفيان ، عن عمرو قال : كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس . قال علي : واسمه : نافذ . أبو معبد مولى ابن عباس ، اسمه : نافذ ، وهو ثقة ؛ وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة ، واتفق الشيخان على تخريج حديثه . ولكن في رواية لمسلم في هذا الحديث من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، أن أبا معبد حدثه بذلك ، ثم أنكره بعد ، وقال : لم أحدثك بهذا . ورواه الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن عمرو ، به ، وزاد : قال عمرو : قلت له : إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات ، وهكذا هنا ، ثلاث تهليلات [ ] . وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : ثنا علي بن ثابت ، ثنا واصل ، قال : رأيت علي بن عبد الله بن عباس إذا صلى كبر ثلاث تكبيرات . قلت لأحمد : بعد الصلاة ؟ قال : هكذا . قلت له : حديث عمرو ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس : كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير ، هؤلاء أخذوه عن هذا ؟ قال : نعم ، ذكره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتابه الشافي . فقد تبين بهذا أن معنى التكبير الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة المكتوبة : هو ثلاث تكبيرات متوالية . ويشهد لذلك : ما روي عن مسعر ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن طيسلة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قال في دبر الصلوات ، وإذا أخذ مضجعه : الله أكبر كبيرا ، عدد الشفع والوتر ، وكلمات الله الطيبات المباركات - ثلاثا - ولا إله إلا الله - مثل ذلك - كن له في القبر نورا ، وعلى الحشر نورا ، وعلى الصراط نورا ، حتى يدخل الجنة . وخرجه - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : سبحان الله عدد الشفع والوتر ، وكلمات ربي الطيبات التامات المباركات - ثلاثا - والحمد لله ، والله أكبر ، ولا إله إلا الله . وذكر الإسماعيلي : أن محمد بن عبد الرحمن ، هو : مولى آل طلحة ، وهو ثقة مشهور ، وخرج له مسلم . وطيسلة ، وثقه ابن معين ، هو : ابن علي اليمامي ، ويقال : ابن مياس ، وجعلهما ابن حبان اثنين ، وذكرهما في ثقاته ، وذكر أنهما يرويان عن ابن عمر . وخرجه ابن أبي شيبة في كتابه ، عن يزيد بن هارون ، عن مسعر بهذا الإسناد - موقوفا على ابن عمر . وأنكر عبيدة السلماني على مصعب بن الزبير تكبيره عقب السلام ، وقال : قاتله الله ، نعار بالبدع ، واتباع السنة أولى . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يكبر : الله أكبر ولله الحمد - ثلاثا - دبر كل صلاة . وقد دل حديث ابن عباس على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة ، وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر ، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك ، وأن الأفضل الإسرار بالذكر ؛ لعموم قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وقوله تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جهر بالذكر من أصحابه : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا . وحمل الشافعي حديث ابن عباس هذا على أنه جهر به وقتا يسيرا حتى يعلمهم صفة الذكر ؛ لا أنهم جهروا دائما . قال : فأختار للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة ، ويخفيان ذلك ، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه ، فيجهر حتى يعلم ، أنه قد تعلم منه ، ثم يسر . وكذلك ذكر أصحابه . وذكر بعض أصحابنا مثل ذلك - أيضا . ولهم وجه آخر : أنه يكره الجهر به مطلقا . وقال القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير : ظاهر كلام أحمد : أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم ، ولا يزيد على ذلك . وذكر عن أحمد نصوصا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر ، ويسر الدعاء ، وهذا هو الأظهر ، وأنه لا يختص ذلك بالإمام ؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين - أيضا . ويدل عليه - أيضا - : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير ، أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل بهن في دبر كل صلاة . ومعنى : يهل . يرفع صوته ، ومنه : الإهلال في الحج ، وهو رفع الصوت بالتلبية ، واستهلال الصبي إذا ولد . وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهرون بالذكر عقب الصلوات ، حتى يسمع من يليهم : فخرج النسائي في عمل اليوم والليلة من رواية عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص ، فسمعه حين سلم يقول : أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر ، فسمعه حين سلم يقول مثل ذلك ، فضحك الرجل ، فقال له ابن عمر : ما أضحكك ؟ قال : إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمرو ، فسمعته يقول مثلما قلت : قال ابن عمر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر ، فإنما المراد به : المبالغة في رفع الصوت ؛ فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته : لا إله إلا الله ، والله أكبر فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تنادون أصم ولا غائبا ، وأشار إليهم بيده يسكنهم ويخفضهم . وقد خرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ . وقال عطية بن قيس : كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس ، يرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن يرددوا الذكر . خرجه جعفر الفريابي في كتاب الذكر . وخرج - أيضا - من رواية ابن لهيعة ، عن زهرة بن معبد ، قال : قال : رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاء كبر كبر ، حتى يبلغ منزله ، ويرفع صوته . وروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر ، فقال رجل : لو أن هذا خفض من صوته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعه ؛ فإنه أواه . وهذا يدل على أنه يحتمل ذلك ممن عرف صدقه وإخلاصه دون غيره . وخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل ، يقال له : ذو البجادين : إنه أواه ، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر لله في القرآن ، ويرفع صوته في الدعاء . وفي إسناده : ابن لهيعة . وقال الأوزاعي في التكبير في الحرس في سبيل الله : أحب إلي أن يذكر الله في نفسه ، وإن رفع صوته فلا بأس . فأما قول ابن سيرين : يكره رفع الصوت إلا في موضعين : الأذان والتلبية ، فالمراد به - والله أعلم - : المبالغة في الرفع ، كرفع المؤذن والملبي . وقد روي رفع الصوت بالذكر في مواضع ، كالخروج إلى العيدين ، وأيام العشر ، وأيام التشريق بمنى . وأما الدعاء ، فالسنة إخفاؤه . وفي الصحيحين ، عن عائشة ، في قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا أنها نزلت في الدعاء . وكذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة ، وعن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة وعروة ومجاهد وإبراهيم وغيرهم . وقال الإمام أحمد : ينبغي أن يسر دعاءه ؛ لهذه الآية . قال : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء . وقال الحسن : رفع الصوت بالدعاء بدعة . وقال سعيد بن المسيب : أحدث الناس الصوت عند الدعاء . وكرهه مجاهد وغيره . وروى وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن - والربيع ، عن يزيد بن أبان ، عن أنس - أنهما كرها أن يسمع الرجل جليسه شيئا من دعائه . وورد فيه رخصة من وجه لا يصح : خرجه الطبراني من رواية أبي موسى : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه ، يقول : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري - ثلاث مرات - اللهم ، أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي - ثلاث مرات ، اللهم ، أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي - ثلاث مرات - وذكر دعاء آخر . وفي إسناده : يزيد بن عياض ، متروك الحديث . وإسحاق بن طلحة ، ضعيف . فأما الحديث الذي خرجه مسلم وغيره ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه . قال : فسمعته يقول : رب قني عذابك يوم تبعث عبادك . فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس ، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه ، وكان يسمعه منه - أحيانا - جليسه ، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانا في صلاة النهار . وروى هلال بن يساف ، عن زاذان ، نا رجل من الأنصار ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دبر الصلاة : اللهم ، اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الغفور - مائة مرة . خرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده .
33 - باب احْتِسَابِ الآثَارِ 655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن حوشب ، ثنا عَبْد الوهاب ، قَالَ : حَدَّثَنِي حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يَا بني سَلَمَة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . 656 - وَقَالَ ابن أَبِي مريم : أنا يَحْيَى بْن أيوب ، حَدَّثَنِي حميد ، حَدَّثَنِي أَنَس ، أن بني سَلَمَة أرادوا أن يتحولوا عَن منازلهم فينزلوا قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعروا منازلهم ، فَقَالَ : ( ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . قَالَ مُجَاهِد : خطاهم ، آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم . ساقه أولا من حَدِيْث عَبْد الوهاب الثَّقَفِيّ ، عَن حميد مختصراً ، ثُمَّ ذكر من رِوَايَة يَحْيَى بْن أيوب المصري - وَهُوَ ثقة ، لكنه كثير الوهم - مطولاً ، وزاد فِيهِ تصريح حميد بالسماع لَهُ من أَنَس ، فإن حميداً قَدْ قيل : إنه لَمْ يسمع من أَنَس إلا قليلاً ، وأكثر رواياته عَنْهُ مرسلة ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ ، وما قاله الإسماعيلي فِي تسامح المصريين والشاميين فِي لفظة ( حَدَّثَنَا ) وأنهم لا يضبطون ذَلِكَ . وقد خرجه فِي ( كِتَاب الحج ) من طريق الفزاري ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة ، فَقَالَ : ( يَا بني سلمة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . وبنو سَلَمَة : قوم من الأنصار ، كَانَتْ دورهم بعيدة من المسجد ، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة دورهم ، وأخبرهم أن خطاهم يكتب لهم أجرها فِي المشي إلى المسجد . وخرج مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَتْ دارنا نائيةً من المسجد ، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( إن لكم بكل خطوةٍ درجة ) . ومن حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن جابر ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، والبقاع خالية ، قَالَ : فبلغ ذَلِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( يَا بني سَلَمَة ، دياركم تكتب آثاركم ) فقالوا : مَا يسرنا أنا كنا تحولنا . وقوله : ( دياركم ) بفتح الراء عَلَى الإغراء ، أي : الزموا دياركم . وخرجه الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعدي ، عَن أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد ، قَالَ : كَانَتْ بنو سَلَمَة فِي ناحية المدينة ، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ، فَنَزَلت هذه الآية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن آثاركم تكتب ) ، فَلَمْ ينتقلوا . وأبو سُفْيَان ، فِيهِ ضعف . والصحيح : رِوَايَة مسلمٍ ، عَن أَبِي نضرة ، عَن جابر ، وكذا قاله الدارقطني وغيره . وخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَتْ الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد ، فأرادوا أن يقربوا ، فَنَزَلت : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قَالَ : فثبتوا . وقد ذكر البخاري عَن مُجَاهِد ، أَنَّهُ فسر الآثار - يعني : فِي هذه الآية - بالخُطا ، وزاد - أيضاً - بقوله : آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم . وفي حَدِيْث أَنَس : فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة أو منازلهم . يعني : يخلوها فتصير عراةً من الأرض . والعراء : الفضاء الخالي من الأرض ، ومنه قوله تعالى : فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وروى يَحْيَى بْن سَعِيد الأنصاري هَذَا الحَدِيْث ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، وَقَالَ : فكره أن يعروا المسجد . قَالَ الإمام أحمد : وهم فِيهِ ، إنما هُوَ : كره أن يعروا المدينة . وقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ . وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى : ( أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ) . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة ) . وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر . وسبق - أيضاً - حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . وفي ( المسند ) و ( سنن أَبِي داود ) وابن ماجه ، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً ) . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي بْن كعب ، قَالَ : كَانَ رَجُل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد مِنْهُ ، وكان لا تخطئه صلاة ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ - أو قُلتُ لَهُ - : لَوْ اشتريت حماراً تركبه فِي الظلماء أو الرمضاء ؟ قَالَ : مَا يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد ، إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قَدْ جمع الله لَكَ ذَلِكَ كله ) . وفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً - : فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لَكَ مَا احتسبت ) . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ ثياب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله . وفي ( المسند ) و ( صحيح ابن حبان ) عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من راح إلى مسجد جماعة فخطوتاه : خطوة تمحو سيئة ، وخطوة تكتب حسنة ، ذاهباً وراجعاً ) . وهذا المطلق قَدْ ورد مقيداً فِي حَدِيْث أَبِي صالح عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري فيما مضى . وسيأتي بقيدين : أحدهما : أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله . والثاني : أن لا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد ، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص . وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر ، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر ، غير أن هَذَا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك . وأعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة ، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل . وفي ( المسند ) بإسناد منقطع ، عَن حذيفة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد ) .
154 – باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة خرج فيه حديث عتبان - أيضا : 839 ، 840 عن عبدان ، عن ابن المبارك ، بالإسناد المتقدم ، وذكر الحديث بتمامه ، وفي آخره قال : فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار ، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه ، فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم ، وسلمنا حين سلم . مراده بهذا الحديث في هذا الباب : أن الذين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عتبان سلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سلم من الصلاة ، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، وفي ذلك رد على من قال : إن المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إما قبله أو بعده . وقد قال بذلك طوائف من السلف ، منهم : ابن عمر وأبو هريرة : فروي عن ابن عمر ، أنه كان إذا سلم الإمام رد عليه ، ثم سلم عن يمينه ، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلا سكت . وروي عنه ، أنه كان يسلم عن يمينه ، ثم يرد على الإمام . وعن أبي هريرة ، أنه كان إذا سلم الإمام قال : السلام عليك أيها القارئ . وقال عطاء : ابدأ بالإمام ، ثم سلم على من عن يمينك ، ثم على من عن شمالك . وعن الحسن وقتادة نحوه . وقال الشعبي : إذا سلم الإمام فرد عليه . وكان سالم يفعله . وقاله النخعي . وقال الزهري : هو سنة . قال مكحول : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يردون على الإمام إذا سلم عليهم . وقال عطاء - أيضا - : حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم . وقال - مرة - : هو مخير ، إن شاء رد عليه ، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه ، وينوي به الإمام ، ومن صلى على جانبيه . وقال في الرد على الإمام : يرد في نفسه ، ولا يسمعه . وكذا قال حماد . فإن كان مراد من قال : يرد على الإمام : أنه يرد عليه السلام في نفسه ، ولا يتكلم به ، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة ، وإن كان مراده : أنه يرد بلسانه ، كما هو ظاهر كلام أكثرهم ، فإنه ينبني على أن رد السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف ، ويأتي ذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد ينبني - أيضا - على أن السلام ليس من فروض الصلاة ، وأنه يخرج من الصلاة بكل مناف لها من الكلام ونحوه ، كما قال ذلك من ذكرنا قوله من قبل . وأما من قال : إن الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة ، فهذا لا إشكال فيه ؛ فإنه قد خرج من الصلاة بالسلام ، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين . قال مالك ، في المأموم : يسلم تسليمة عن يمينه ، وأخرى عن يساره ، ثم يرد على الإمام . قال ابن عبد البر : تحصيل قول مالك في ذلك : أن الإمام يسلم واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا ، وأن المصلي لنفسه - يعني : منفردا - يسلم اثنتين - في رواية ابن القاسم - وأن المأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد . واختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام : فمرة قال : يسلم عن يمينه وعن يساره ، ثم يرد على الإمام . ومرة قال : يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه ، ثم يسلم عن يساره . وقد روى أهل المدينة ، عن مالك وبعض المصريين ، أن الإمام والمنفرد سواء ، يسلم كل واحد منهما تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلا . قال : وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام ، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره . ونقل أبو داود ، عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام ، قال : لا . قيل له : فبعده ؟ قال : نعم ، وإن شاء نوى بالسلام الرد . قال : وما أعرف فيه حديثا عاليا يعتمد عليه . قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه ، أو بالقول بعده ، فيقول : السلام عليك أيها القارئ . قال : ويسر به ، ولا يجهر . نقل المروذي ، عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام ، فقال : إذا نوى بتسليمه الرد ، فقد رد عليه ، فإن فعل رجل فليخفه . قال : ومعناه : إن رد عليه بالقول فليخفه . وقال إسحاق : لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم ، ولكن اختلفوا : هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام ، أم يرد عليه بعد السلام ؟ قال : وأحب إلي أن يرد بعد السلام . قال : وإذا رفع صوته بالرد قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز ، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه . وكل من قال : يرد على الإمام قال : يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، أنه يقول : السلام عليك أيها القارئ ، كما سبق . واختلفوا في المأموم : هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه ، أم لا ؟ وفيه قولان : أحدهما : لا ينوي ذلك ، ونص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره ، وهو اختيار ابن حامد من أصحابنا ؛ لأن السلام ركن من أركان الصلاة ، لا يخرج منها بدونه ، على ما تقدم ، والصلاة لا يرد فيها السلام على أحد ، بل هو مبطل للصلاة ؛ لأنه خطاب آدمي ، هذا مذهبنا ، وقول جمهور العلماء . وعلى هذا : فهل تبطل صلاته بذلك ؟ قال ابن حامد من أصحابنا : إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته ، وإن نوى الرد والخروج من الصلاة ففي البطلان وجهان ؛ لأنه لم يخلص النية لخطاب المخلوق ، فأشبه ما لو قال لمن دق عليه الباب : ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ينوي به القراءة والإذن له ؛ فإن في بطلان الصلاة بذلك روايتين ، أصحهما : لا تبطل . قال أحمد - في رواية جعفر بن محمد - : السلام على الإمام لا نعرف له موضعًا ، وتسليم الإمام هو انقضاء الصلاة ، ليس هو سلام على القوم ، فيجب عليهم أن يردوا ، ولكن ابن عمر شدد في هذا ، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصلاة والرد على الإمام ، كأنه يقوله على وجه الإنكار لذلك . قيل له : إنهم يقولون : إن رد السلام على الإمام واجب . قال : أرجو أن لا يكون واجبا ، وإن رد فلا بأس . والقول الثاني : أنه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه ، وهو قول عطاء والنخعي وحماد والثوري ، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه . وهل هو مسنون مستحب ، أو جائز ؟ فيه روايتان - أيضا - عن أحمد : قال - في رواية يعقوب بن بختان - : ينوي بسلامه الرد . وهو اختيار أبي حفص العكبري . وقال - في رواية غيره - : لا بأس به . فظاهره : جوازه فقط ، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره . وقال - في رواية ابن هانئ - : إذا نوى بتسليمه الرد على الإمام أجزأه . وظاهر هذا : أنه واجب ؛ لأنه رد سلام ، فيكون فرض كفاية ، إلا أن يقال : إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه ، أو يقال : إنه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام . ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين : إما أن ينوي الرد بالسلام ، أو أن يرد بعد ذلك ، وهو قول عطاء كما تقدم . وتبويب البخاري قد يشعر بذلك ؛ لقوله : واكتفى بتسليم الإمام ، ويحتمل أنه أراد أن تسليم الصلاة كاف ، عن الرد ، وإن لم ينو به الرد ، كما قاله أحمد في رواية . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه . وكذا قال النخعي . ولم يشترطا أن ينوي بسلامه الرد . قال أبو حفص العكبري : وينوي بالأولى الخروج من الصلاة ، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة . وممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام : أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما . ثم قال أصحاب الشافعي : إن كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمته الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن ، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه ، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى ، وإن كان محاذيا له نواه في أيتهما شاء ، والأولى أفضل - : نص عليه الشافعي في الأم ، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم ، وينوي بعض المأمومين الرد على بعض . قالوا : وكل هذه النيات مستحبة ، لا يجب منها شيء . وقال أصحاب أبي حنيفة : ينوي المصلي بكل تسليمة من في تلك الجهة من الناس والحفظة . وهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية ؟ على روايتين عندهم : أحدهما : يقدم الملائكة ؛ لأنهم عندهم أفضل . والثانية : يقدم الناس ؛ لمشاهدتهم . ويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها . فإن كان بحذائه أدخله في اليمين ؛ لأنها أفضل . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حماد ، قال : إذا كان الإمام ، عن يمينك ثم سلمت عن يمينك ، ونويت الإمام كفى ذلك ، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك - أيضا - وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك ، ثم سلم عن يمينك وشمالك . وأما نية الخروج من الصلاة ، فهل هي واجبة ، تبطل الصلاة بتركها ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، اختار ابن حامد وجوبها ، واختار الأكثرون عدم الوجوب ، وهو ظاهر كلام أحمد . وينوي الخروج بالأولى ، سواء قلنا : يخرج بها من الصلاة ، أو قلنا : لا يخرج إلا بالثانية ؛ لأن النية تستصحب إلى الثانية . ومن الأصحاب من قال : إن قلنا : الثانية سنة نوى بالأولى الخروج ، وإن قلنا : الثانية فرض نوى الخروج بالثانية خاص . والصحيح : الأول . ولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان - أيضا . ونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج . ولكن اختلفوا : هل هو محمول على الاستحباب ، أو الوجوب ؟ وإنما ينوي الخروج عندهم بالأولى ؛ لأن الثانية ليست عندهم واجبة بغير خلاف . واستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والإمام والمأمومين بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله . وفي رواية له : فقال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ، إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ، ولا يومئ بيده . وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نرد على الإمام ، وأن نتحاب ، وأن يسلم بعضنا على بعض . وخرج أبو داود - أيضا - من طريق آخر ، عن سمرة ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ابدأوا قبل التسليم ، فقولوا : التحيات الطيبات الصلوات ، والملك لله ، ثم سلموا على اليمين ، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم . وخرجه ابن ماجه بمعناه . وفي رواية له بإسناد فيه ضعف : إذا سلم الإمام فردوا عليه . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر أربعا ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ، والنبيين والمرسلين ، ومن تبعهم من المؤمنين . وقال الترمذي : حديث حسن . وظاهره : يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم . وتأوله إسحاق على أنه أراد بذلك التشهد ؛ فإنه يسلم فيه على عباد الله الصالحين . وهو خلاف الظاهر . والله أعلم .
34 - باب فَضْلِ صلاةِ العشاءِ فِي الجَماعةِ 657 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص ، قَالَ : ثنا أَبِي ، ثنا الأعمش ، حَدَّثَنِي أبو صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس صلاة أثقل عَلَى المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون مَا فيهما لأتوهما ولو حبواً ، ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثُمَّ آمر رجلاً يؤم النَّاس ، ثُمَّ آخذ شعلاً من نارٍ فأحرق عَلَى من لا يخرج إلى الصلاة وَهُوَ يقدر ) . قَدْ صرح الأعمش بسماع هَذَا الحَدِيْث من أَبِي صالح ، وفي الغالب إنما يخرج البخاري من حَدِيْث الأعمش عَن أَبِي صالح ما صرح فِيهِ بالسماع ، كهذا الحَدِيْث ، والحديث الَّذِي خرجه قبله فِي فضل الجماعة . والمراد بثقل هاتين الصلاتين عَلَى المنافقين : ثقل شهودهما فِي المساجد ، وباقي الحَدِيْث يدل عَلَى ذَلِكَ . ويدل عَلِيهِ أيضا : حَدِيْث أَبِي بْن كعب ، قَالَ : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح ، فَقَالَ : ( أشاهد فلان ؟ ) قالوا : لا ، قَالَ : ( أشاهد فلان ؟ ) قالوا : لا ، قَالَ : ( إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات عَلَى المنافقين ، ولو تعلمون مَا فيهما لأتيتموهما ولو حبواً عَلَى الركب ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحهما ) والحاكم . وروى أبو داود الطيالسي : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي حميد ، عَن أَبِي عَبْد الله القراظ ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يحافظ المنافق أربعين ليلةً عَلَى صلاة العشاء الآخرة فِي جماعة ) . مُحَمَّد بْن أَبِي حميد ، فِيهِ ضَعف . وفي ( المسند ) عَن أَبِي بشر ، عَن أَبِي عمير بْن أنس ، عَن عمومة لَهُ من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يشهدهما منافق ) يعني : صلاة الصبح والعشاء . قَالَ أبو بشر : يعني لا يواظب عَلَيْهِمَا . وروى مَالِك من ( الموطأ ) عَن عَبْد الرحمن بْن حرملة ، عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( بيننا وبين المنافقين شهود صلاة العشاء والصبح ، لا يستطيعونهما ) ، أو نحو هَذَا . وخرج ابن خزيمة والحاكم بإسناد صحيح ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : كنا إذا فقدنا الإنسان فِي صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا بِهِ الظن . وإنما ثقلت هاتان الصلاتان فِي المساجد عَلَى المنافقين أكثر من غيرهما من الصلوات ؛ لأن المنافقين كما وصفهم الله فِي القرآن وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا والمرائي إنما ينشط للعمل إذا رآه النَّاس ، فإذا لَمْ يشاهدوه ثقل عَلِيهِ العمل . وقد كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي هاتين الصلاتين فِي الظلام ، فإنه كَانَ يغلس بالفجر غالباً ويؤخر العشاء الآخرة ، ولم يكن فِي مسجده حينئذ مصباح ، فَلَمْ يكن يحضر مَعَهُ هاتين الصلاتين إلا مؤمن يحتسب الأجر فِي شهودهما ، فكان المنافقون يتخلفون عنهما ويظنون أن ذَلِكَ يخفى عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم . وأيضاً ؛ فالمشي إلى المساجد فِي هذين الوقتين أشق ؛ لما فِيهِ من المشي فِي الظلم ؛ ولهذا ورد التبشير عَلَى ذَلِكَ ، بالنور التام يوم القيامة من وجوه متعددة . من أجودها : مَا خرجه أبو داود والترمذي من حَدِيْث بريدة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( بشر المشائين فِي الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) . وَقَالَ إبراهيم النخعي : كانوا يرون أن المشي إلى الصلاة فِي الليلة الظلماء موجبة ، يعني : توجب لصاحبها الجنة . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن عُثْمَان ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من صلى العشاء فِي جماعة فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح فِي جماعة فكأنما صلى الليل كله ) . وخرجه أبو داود والترمذي ، وعندهما : ( ومن صلى العشاء والفجر فِي جماعة ، كَانَ لَهُ كقيام ليلة ) . وهذا يبين أن الرواية الَّتِيْ قبلها إنما أريد بِهَا صلاة الصبح مَعَ العشاء فِي الجماعة . قَالَ الإمام أحمد فِي رِوَايَة المروذي : الأخبار فِي الفجر والعشاء - يعني فِي الجماعة - أوكد وأشد . وروى وكيع فِي ( كتابه ) بإسناده ، عَن عُمَر ، قَالَ : لأن أشهد الفجر والعشاء فِي جماعة أحب إلي من أن أحيي مَا بَيْنَهُمَا . وعن أَبِي الدرداء ، قَالَ : اسمعوا وبلغوا من خلفكم ، حافظوا عَلَى العشاء والفجر ، ولو تعلمون مَا فيهما لأتيتموهما ولو حبواً . وخرجه أبو نعيم الفضل بْن دكين - أيضاً . وخرج بإسناده ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَوْ يعلم القاعدون مَا للمشائين إلى هاتين الصلاتين : صلاة العشاء وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبواً . وروى مَالِك فِي ( الموطأ ) بإسناده ، عَن عُمَر ، قَالَ : لأن أشهد صلاة الصبح - يعني : فِي جماعة - أحب إلي من أن أقوم ليلة . وروى الحافظ أبو موسى بإسناده عَن عقبة بْن عَبْد الغافر ، قَالَ : صلاة العشاء فِي جماعة تعدل حجة ، وصلاة الفجر فِي جماعة تعدل عمرة . ويروى بإسناد منقطع ، عَن شداد بْن أوس ، قَالَ : من أحب أن يجعله الله من الذين يدفع الله بهم العذاب عَن أهل الأرض فليحافظ عَلَى هاتين الصلاتين فِي جماعة : العشاء الآخرة والصبح .
153 – باب يسلم حين يسلم الإمام وكان ابن عمر يستحب إذا سلم الإمام أن يسلم من خلفه . روى وكيع بإسناده ، عن مجاهد ، قال : سألت ابن عمر ، قلت : يسلم الإمام وقد بقي شيء من الدعاء ، أدعو أو أسلم ؟ قال : لا ، بل سلم . وقد نص الإمام أحمد على هذه المسألة ، وأن يسلم مع الإمام ويدع الدعاء ، إلا أن يكون قد بقي عليه منه شيء يسير ، فيتمه ثم يسلم . ومذهب سفيان - فيما نقله عنه أصحابه - : إذا سلم الإمام سلم من خلفه ، وإن كان بقي عليه شيء من التشهد قطعه . ولعل مراده : الدعاء بعد التشهد . ولكن نقل حسان بن إبراهيم ، عن سفيان : أنه قال : إن كان بقي عليه شيء من التشهد فليسلم ، فإنه أحب إلي . واستحب أحمد وإسحاق سلام المأموم عقب سلام الإمام ، وجعله أحمد من جملة الائتمام به ، وعدم الاختلاف عليه . والأولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين ، فإن سلم بعد تسليمته الأولى جاز عند من يقول : إن الثانية غير واجبة ؛ لأنه يرى أن الإمام قد خرج من الصلاة بتسليمته الأولى ، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبة ، لا يخرج من الصلاة بدونها . واختلف أصحاب الشافعي : هل الأفضل أن يسلم المأموم بعد تسليمة الإمام الأولى ، أو بعد تسليمته الثانية ؟ على وجهين . وقال الشافعي - في البويطي - : من كان خلف إمام ، فإذا فرغ الإمام من سلامه سلم عن يمينه وعن شماله . وهذا يدل على أنه لا يسلم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين ، ويدل - أيضا - على أنه لا يستحب للمأموم التخلف عن سلام الإمام ، بل يسلم عقب سلامه . وهذا على قول من قال من أصحابه - كالمتولي - : إنه يستحب للمأموم أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى - أظهر . وقال القاضي أبو الطيب الطبري منهم : المأموم بالخيار ، إن شاء سلم بعده ، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء وأطال ذلك ، وعلل : أنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه . وهذا مخالفة لنص الشافعي ، وعامة أصحابه ، وللمأثور عن الصحابة . ولو سلم المأموم مع تسليم إمامه ، ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان ، سبق ذكرهما عند ذكر متابعة المأموم للإمام . والأصح عندنا وعندهم : أنه لا تبطل صلاته ، كما لو قارنه في سائر الأركان ، سوى تكبيرة الإحرام . ومذهب مالك : البطلان . وقد استحب طائفة من السلف التسليم مع الإمام . وروى وكيع في كتابه ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يسلم مع تسليم الإمام . وبإسناده ، عن إبراهيم ، قال : إن شئت سلمت معه ، وإن شئت سلمت بعده . وعن عطاء ، أنه كان ربما سلم مع تسليمه ، وربما سلم بعده . وقد يحتمل أن يكون مراد هؤلاء السلف بالسلام معه : السلام عقيبه ، من غير مهلة ، وبالسلام بعده : التأخر عنه . والله أعلم . وقد وقع في كلام المتقدمين في إسلام الزوجين معا ما يدل على أن مرادهم به : اجتماعهما في الإسلام في مجلس واحد ، أو يوم واحد ، وفيه حديث مرفوع يشهد لذلك . وإن سلم المأموم قبل سلام إمامه لم يجز ، وبطلت صلاته إن تعمد ذلك ولم ينو مفارقته على وجه يجوز معه المفارقة ، إلا عند من يرى أن السلام ليس من الصلاة ، ويخرج منها بإنهاء التشهد ، أو بدون تشهد عند من يرى أن التشهد الأخير سنة . لكن من قال منهم : لا يخرج من الصلاة إلا بالإتيان بالمنافي ، فإنه لا يجيز للمأموم أن يخرج من الصلاة قبل خروج إمامه بذلك . وظاهر ما روي عن ابن مسعود يدل على جوازه ، وأنه يخرج من الصلاة بإنهاء التشهد ، وقد تقدم قوله : فإذا قلت ذلك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . وروي ذلك عن علي صريحا ، فروى عبد الرزاق في كتابه ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : إذا تشهد الرجل وخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام فليسلم ، فقد تمت صلاته . وقد رواه الحكم ، عن عاصم ، عن علي ، ولفظه : إذا جلس مقدار التشهد ، ثم أحدث ، فقد تمت صلاته . فيكون أمره بالمبادرة بالسلام على وجه الاستحباب ، فإنه لو أحدث لم تبطل صلاته عنده . وقد حكي مذهب أبي حنيفة مثل ذلك . والله أعلم .
قال البخاري : 838 - ثنا حبان بن موسى ، ثنا عبد الله - هو : ابن المبارك أنا معمر ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع ، عن عتبان ، قال : صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمنا حين سلم . هذا مختصر من حديث عتبان الطويل في إنكاره بصره ، وطلبه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إلى بيته فيصلي فيه في مكان يتخذه مسجدا ، وقد خرجه بتمامه في الباب الذي يلي هذا ، عن عبدان ، عن ابن المبارك . وقد خرجه فيما مضى من طريق عقيل ومالك وإبراهيم بن سعد ، عن الزهري - مختصرا ومطولا - وليس في رواياتهم : فسلمنا حين سلم ، إنما هذه في رواية معمر المخرجة في هذا الباب . وقوله : سلمنا حين سلم ظاهره يقتضي أنهم سلموا مع سلامه ؛ لأن الحين معناه الوقت ، فظاهر اللفظ يقتضي أن سلامهم كان في وقت سلامه مقارنا له ، وليس هذا هو المراد - والله أعلم - وإنما المراد : أنهم سلموا عقيب سلامه من غير تأخر عنه ، وعبر عن ذلك باتحاد الوقت والحين ؛ فإن التعاقب شبيه بالتقارن . وهو - أيضا - المراد - والله اعلم - من المروي عن ابن عمر وغيره من السلف في السلام مع الإمام ، وأنهم أرادوا بالمعية : التعاقب دون التقارن .
35 - باب اثْنَانِ فَما فوقهما جماعة 658 - حدثنا مسدد : ثنا يزيد بْن زريع ، ثنا خَالِد ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بن الحويرث ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما ) . وقد تقدم هَذَا الحَدِيْث فِي ( أبواب الأذان ) ، خرجه البخاري هناك من حَدِيْث الثوري ، عَن خَالِد الحذاء ، ولفظ حديثه : أتى رجلان النبي صلى الله عليه وسلم يريدان السفر ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أنتما خرجتما فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما ) . وخرجه هناك - أيضاً - من حَدِيْث أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فِي نفر من قومي ، فأقمنا عنده - فذكر الحَدِيْث وفي آخره : ( فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . فرواية أيوب تدل عَلَى أنهم كانوا جماعة ، فلا يحتج بِهَا عَلَى أن الاثنين جماعة ، وإنما يحتج لذلك برواية خَالِد الحذاء ؛ فإنه ذكر فِي روايته أنهما كانا اثنين ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن يؤمهما أكبرهما ، فدل عَلَى أن الجماعة تنعقد باثنين . وفي هَذَا المعنى أحاديث أخر : مِنْهَا : حَدِيْث أَبِي بْن كعب ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلُ أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مَعَ الرجلين أزكى من صلاته مَعَ الرَّجُلُ ، وما كثر فهو أحب إلى الله ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحهما ) والحاكم . ومنها : حَدِيْث أَبِي سَعِيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً يصلي وحده ، فَقَالَ : ( ألا رَجُل يتصدق عَلَى هَذَا فيصلي مَعَهُ ؟ ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وهذا لفظه ، وخرجه الترمذي بمعناه وحسنه ، وقد سبق ذكره . وخرج أبو داود فِي كِتَاب ( المراسيل ) معناه من حَدِيْث مكحول والقاسم بن عَبْد الرحمن مرسلاً ، وفي حديثهما زيادة : فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( وهذه من صلاة الجماعة ) . وخرجه الإمام أحمد من رِوَايَة الْقَاسِم ، عَن أَبِي أمامة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفظه : ( هذان جماعة ) . وفي إسناده ضعف ، والمرسل أشبه . وخرج ابن ماجه بإسناد ضَعِيف ، عَن أَبِي موسى ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) . وخرج البيهقي معناه من حَدِيْث أنس بإسناد ضَعِيف أيضاً . ولا نعلم خلافاً أن الجماعة تنعقد باثنين إذا كانا من أهل التكليف ، ولو كَانَ المأموم امرأةً . فإن كَانَ المأموم صبياً ، فهل تنعقد بِهِ الجماعة ؟ فِيهِ روايتان عَن أحمد فِي الصلاة المكتوبة ، فأما النافلة فتنعقد ، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بابن عَبَّاس وحده . وأكثر العلماء عَلَى أنه لا فرق بَيْن الفرض والنفل فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة والشافعي .
152 - باب التسليم 837 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا إبراهيم بن سعد ، ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، أن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيرا قبل أن يقوم . قال ابن شهاب : فأرى - والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم . المقصود من هذا الحديث : ذكر تسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، وتسليمه من الصلاة مذكور في أحاديث كثيرة جدا ، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها ، كمثل حديث ابن بحينة في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الثنتين ولم يجلس ، ومثل حديث عمران بن حصين حين صلى خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - ومثل حديث أبي هريرة في سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ، وكلام ذي اليدين له ، وحديث ابن مسعود في سجود السهو - أيضا . والأحاديث في ذلك كثيرة جدا . ولعله ذكر هاهنا هذا الحديث لما ذكر فيه من قيام النساء حين يقضي تسليمه ؛ فإن هذا الكلام يشعر بأنه كان يسلم تسليمتين ، فإذا قضاهما قام النساء ، فإنه لا يقال : قضى ذلك بمعنى الفراغ منه إلا فيما له أجزاء متعددة تنقضي شيئا فشيئا ، كما قال تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشيطان وهربه من الأذان والتثويب به : فإذا قضي الأذان - وإذا قضي التثويب - أقبل . ولا يكاد يقال لمن سلم على قوم مرة : قضى سلامه ، بمعنى فرغ ، ولا لمن كبر للإحرام : قضى تكبيره ، ولا لمن عطس فحمد الله : قضى حمده . ولم يخرج البخاري الأحاديث المصرحة بتسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - تسليمتين عن يمينه وشماله في الصلاة شيئا ، ولعله كان يميل إلى قول من يقول بالتسليمة الواحدة ، وقد كان شيخه ابن المديني يميل إلى ذلك ، متابعة لشيوخه البصريين . وخرج مسلم في صحيحه من أحاديث التسليمتين عدة أحاديث : منها : حديث مجاهد ، عن أبي معمر ، أن أميرا كان يسلم تسليمتين بمكة ، فقال - يعني : ابن مسعود - : أنى علقها ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقد اختلف في رفعه ووقفه ، وخرجه مسلم بالوجهين . وخرج - أيضا - من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى أرى بياض خده . وهو من رواية عبد الله بن جعفر المخرمي ، ولم يخرج له البخاري . وخرج - أيضا - من حديث عبيد الله بن القبطية ، عن جابر بن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله . وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وفي رواية لهم : حتى يرى بياض خده . وخرجه الترمذي بدون ذلك ، وصححه . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه . وصححه العقيلي ، وقال : الأحاديث صحاح ثابتة من حديث ابن مسعود في تسليمتين . وفي رواية للنسائي : ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك . قد اختلف في إسناده على أبي إسحاق على أقوال كثيرة ، وفي رفعه ووقفه ، وكان شعبة ينكر أن يكون مرفوعا . وروى عمرو بن يحيى المازني ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، أنه سأل ابن عمر ، عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف كانت ؟ قال : الله أكبر ، كلما وضع ورفع ، ثم يقول : السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه ، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وهذا إسناد جيد . قال ابن عبد البر : هو إسناد مدني صحيح ، إلا أنه يعلل بأن ابن عمر كان يسلم تسليمة واحدة ، فكيف يروي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يخالفه ؟ وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده ، لكنه رجح صحته . ورواه - أيضا - بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر - مرفوعا - أيضا . قال أبو حاتم : هو منكر . وقال الدارقطني : اختلف على بقية في لفظه : روي أنه كان يسلم تسليمتين ، وروي تسليمة واحدة ، وكلها غير محفوظة . وقال الأثرم : هو حديث واه ، وابن عمر كان يسلم واحدة ، قد عرف ذلك عنه من وجوه ، والزهري كان ينكر حديث التسليمتين ، ويقول : ما سمعنا بهذا . وروي - أيضا - من حديث حميد الساعدي ، أنه لما وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عن يمينه وشماله . خرجه أبو داود من رواية الحسن بن الحر : حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس بن سهل ، عنه . وقد سبق الكلام على هذا الإسناد . وفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيد غالبها من كلام . وقد قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : ثبت عندنا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه ، أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله ، حتى يرى بياض خده . وقال العقيلي : الأحاديث الصحاح ، عن ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهما في تسليمتين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء - : قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم . وقال الإمام أحمد : لا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التسليمة الواحدة إلا حديثا مرسلا لابن شهاب الزهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم انتهى . ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها . ومن أشهرها : حديث زهير بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه ، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا . خرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، عن زهير ، به . وقال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه . قال محمد بن إسماعيل : زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير ، ورواية أهل العراق عنه أشبه . وخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير ، به ، مختصرا . وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما . وأخطأ فيما قال ؛ فإن روايات الشاميين ، عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم . قال أحمد - في رواية الأثرم - : أحاديث التنيسي ، عن زهير بواطيل . قال : وأظنه قال : موضوعة . قال : فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة . فقال : مثل هذا . وذكر ابن عبد البر : أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث ، فضعفه . وقال أبو حاتم الرازي : هو منكر ، إنما هو عن عائشة - موقوف . وكذا رواه وهيب بن خالد ، عن هشام . وكذا رواه الوليد بن مسلم ، عن زهير بن محمد ، عن هشام ، عن أبيه - موقوفا . قال الوليد : فقلت لزهير : فهل بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ؟ قال : نعم ، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة . قال العقيلي : حديث الوليد أولى . يعني : من حديث عمرو بن أبي سلمة . قال : وعمرو في حديثه وهم . قال الدارقطني : الصحيح وقفه ، ومن رفعه فقد وهم . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، أنه كان يسلم تسليمة يسمعنا . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : يسلم تسليمة واحدة : السلام عليكم يرفع بها صوته ، حتى يوقظنا . وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة ، ويسر الثانية . وروى عبد الوهاب الثقفي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة . خرجه الطبراني والبيهقي . ورفعه خطأ ، إنما هو موقوف ، كذا رواه أصحاب حميد ، عنه ، عن أنس ، من فعله . وروى جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة . خرجه البزار في مسنده . وأيوب ، رأى أنسا ، ولم يسمع منه - : قاله أبو حاتم . وقال الأثرم : هذا حديث مرسل ، وهو منكر ، وسمعت أبا عبد الله يقول : جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب . وروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة ، ثنا أبي ، عن الحسن ، عن سمرة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة قبالة وجهه ، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره . خرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم ، وخرجه بقي بن مخلد مختصرا . وروح هذا ، ضعفه ابن معين وغيره ، وقال الأثرم : لا يحتج به . وفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة ، لضعف أسانيدها . وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك : فمنهم من كان يسلم ثنتين ، ومنهم من كان يسلم واحدة . قال عمار بن أبي عمار : كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين ، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمة واحدة . وأكثر أهل العلم على التسليمتين . وممن روي عنه ذلك من الصحابة : أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وسهل بن سعد ونافع بن عبد الحارث . وروي عن عطاء والشعبي وعلقمة ومسروق وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون وأبي وائل وأبي عبد الرحمن السلمي . وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ، وحكي عن الأوزاعي . وروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع ، وروي عن عثمان وعلي - أيضا - وعن الحسن وابن سيرين وعطاء - أيضا - وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وهو قول مالك والأوزاعي والليث . وهو قول قديم للشافعي . وحكاه أحمد عن أهل المدينة ، وقال : ما كانوا يسلمون إلا واحدة . قال : وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم . يعني : في ولاية بني العباس . وقال الليث : أدركت الناس يسلمون تسليمة واحدة . وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك ، فروي عنهم التسليمتان ، وروي عنهم التسليمة الواحدة ، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغا ، وإن كان بعضه أفضل من بعض ، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة ، وعلى أهل العراق التسليمتان . وحكي للشافعي قول ثالث قديم - أيضا - وقيل : إن الربيع نقله عنه ، فيكون حينئذ جديدا - : أنه إن كان المصلي منفردا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة ، وإلا فتسليمتان . والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه ، وصحت صلاته ، وذكره ابن المنذر إجماعا ممن يحفظ عنه من أهل العلم . وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معا ، وهو قول الحسن بن حي وأحمد - في رواية عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر . واستدلوا بقوله عليه السلام : تحليلها التسليم ، وقالوا : التسليم إلى ما عهد منه فعله ، وهو التسليمتان ، وبقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وقد كان يسلم تسليمتين . ومن ذهب إلى قول الجمهور ، قال : التسليم مصدر ، والمصدر يصدق على القليل والكثير ، ولا يقتضي عددا ، فيدخل فيه التسليمة الواحدة . واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين ، ومنهم من يسلم تسليمة واحدة ، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء ، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة ، فدل على أنهم كانوا يفعلون أحيانا هذا وأحيانا هذا ، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي . قال أكثر أصحابنا : ومحل الخلاف ، عن أحمد في الصلاة المكتوبة ، فأما التطوع فيجزئ فيه تسليمة ، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، وقد سبق ذكره . وخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها . وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يسمعهم واحدة ويخفي الثانية ، وقد نص أحمد على ذلك ، وأن الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر . وقد روى أبو رزين ، قال : سمعت عليا يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله ، والتي عن شماله أخفض . ومن أصحابنا من قال : يجهر بالثانية ويخفض بالأولى ، وهو قول النخعي . واختلفوا في صفة التسليم : فقالت طائفة : صفة التسليم : السلام عليكم ورحمة الله ، وهذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، وإليه ذهب أكثر العلماء . ولو اقتصر على قوله السلام عليكم أجزأه عند جمهورهم ، ولأصحاب أحمد فيه وجهان . وقالت طائفة : يزيد مع ذلك : وبركاته ، ومنهم : الأسود بن يزيد ، كان يقولها في التسليمة الأولى . وقال النخعي : أقولها وأخفيها . واستحبه طائفة من الشافعية . وقد خرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يسلم عن يمينه : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله . ومن أصحابنا من قال : إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز . وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى : السلام عليكم ورحمة الله ، ويقتصر في الثانية على السلام عليكم ، وروي عن عمار وغيره . وقد تقدم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك . وقالت طائفة : بل يقتصر على قوله : السلام عليكم بكل حال ، وهو قول مالك والليث بن سعد ، وروي عن علي وغيره . وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع . وفي بعضها زيادة : ورحمة الله . وقد خرجه مسلم بالوجهين . وأكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم ، واستدلوا بحديث : تحليلها التسليم . وممن قال من الصحابة : تحليل الصلاة التسليم : ابن مسعود وابن عباس ، وحكاه الإمام أحمد إجماعا . وذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل مناف لها ، من أكل أو شرب أو كلام أو حدث ، وهو قول الحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق . ولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغير اختياره إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك ، وإن وجد بغير اختياره بطلت صلاته ، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك . وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك . وقد حكي عن طائفة من السلف : أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته ، منهم : الحسن وابن سيرين وعطاء - على خلاف عنه - والنخعي . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتم الرازي وغيرهما . وروي - أيضا - عن ابن مسعود من طريق منقطع . واستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود : إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . وقد سبق ذكره ، والاختلاف في رفعه ووقفه على ابن مسعود . واختلف في لفظه - أيضا - : فرواه بعضهم ، وقال : قال ابن مسعود : فإذا فرغت من صلاتك ، فإن شئت فاثبت ، وإن شئت فانصرف . خرجه البيهقي . وهذه الرواية تدل على أنه إنما خيره إذا فرغ من صلاته ، وإنما يفرغ بالتسليم ؛ بدليل ما روى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : مفتاح الصلاة التكبير ، وانقضاؤها التسليم ، إذا سلم الإمام فقم إن شئت . قال البيهقي : وهذا أثر صحيح . وقال : ويكون مراد ابن مسعود : الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه . وحمل أبو حنيفة وإسحاق حديث : تحليلها التسليم على التشهد ، وقالوا : يسمى التشهد تسليما ؛ لما فيه من التسليم على النبي والصالحين . وهذا بعيد جدا . واستدلوا - أيضا - بما روى عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة أخبراه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم جازت صلاته . خرجه الترمذي . وقال : إسناده ليس بالقوي ، وقد اضطربوا في إسناده ، والأفريقي ضعفه القطان وأحمد بن حنبل . وخرجه أبو داود بمعناه . وخرجه الدارقطني ، ولفظه : إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة واستوى جالسا تمت صلاته . وقد روي بهذا المعنى ، عن الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو - مرفوعا . وهذا اضطراب منه في إسناده ، كما أشار إليه الترمذي ، ورفعه منكر جدا ، ولعله موقوف ، والأفريقي لا يعتمد على ما ينفرد به . قال حرب : ذكرت هذا الحديث لأحمد ، فرده ، ولم يصححه . وقال الجوزجاني : هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث : تحليلها التسليم . وأجاب بعضهم عن هذا ، وعن حديث ابن مسعود - على تقدير صحتهما - بالنسخ ، واستدل بما روى عمر بن ذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه ، وذلك قبل أن ينزل التسليم . خرجه البيهقي . وخرجه وكيع في كتابه ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء - بمعناه - وقال : حتى نزل التسليم . وقد ذكرنا - فيما تقدم في أول كتاب الصلاة - حديثا ، عن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في أول الإسلام ركعتين ، ثم أمر أن يصلي أربعا ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل ، يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ، ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذلك . خرجه الإسماعيلي . وإسناده ضعيف . ولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين : إن الصلاة الرباعية المكتوبة يسلم فيها مرتين : مرة في التشهد الأول ، ومرة في الثاني ، ولكن الإمام يسر السلام الأول ، ويعلن بالثاني ، والأحاديث كلها تدل على أنه لم يكن يسلم فيها إلا مرة واحدة ، في التشهد الثاني خاصة .
الحَدِيْث الثاني : 660 - حدثنا مُحَمَّد بْن بشار : ثنا يَحْيَى ، عَن عُبَيْدِ الله ، قَالَ : حَدَّثَنِي خبيب بن عَبْد الرحمن ، عَن حفص بْن عاصم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( سبعة يظلهم الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ فِي عُبَادَة ربه عز وجل ، ورجل قلبه متعلق فِي المساجد ، ورجلان تحابا فِي الله اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال ، فَقَالَ : إني أخاف الله ، ورجل تصدق ، أخفى حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) . هذه السبعة اختلفت أعمالهم فِي الصورة ، وجمعها معنى واحد ، وَهُوَ مجاهدتهم لأنفسهم ، ومخالفتهم لأهوائها ، وذلك يحتاج أولاً إلى رياضة شديدة وصبر عَلَى الامتناع مِمَّا يدعو إليه داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع ، وفي تجشم ذَلِكَ مشقة شديدة عَلَى النفس ، ويحصل لها بِهِ تألم عظيم ، فإن القلب يكاد يحترق من حر نار الشهوة أو الغضب عِنْدَ هيجانها إذا لَمْ يطفأ ببلوغ الغرض من ذَلِكَ ، فلا جرم كَانَ ثواب الصبر عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذا اشتد الحر فِي الموقف ، ولم يكن للناس ظل يظلهم ويقيهم حر الشمس يومئذ ، كان هؤلاء السبعة فِي ظل الله عز وجل ، فَلَمْ يجدوا لحر الموقف ألماً جزاءً لصبرهم عَلَى حر نار الشهوة والغضب فِي الدنيا . وأول هذه السبعة : الإمام العادل . وَهُوَ أقرب النَّاس من الله يوم القيامة ، وَهُوَ عَلَى منبر من نور عَلَى يمين الرحمن عز وجل ، وذلك جزاء لمخالفته الهوى ، وصبره عَن تنفيذ مَا تدعوه إليه شهواته وطمعه وغضبه ، مَعَ قدرته عَلَى بلوغ غرضه من ذَلِكَ ؛ فإن الإمام العادل دعته الدنيا كلها إلى نفسها ، فقالَ : إني أخاف الله رب العالمين . وهذا أنفع الخلق لعباد الله ، فإنه إذا صلح صلحت الرعية كلها . وقد روي أَنَّهُ ظل الله فِي الأرض ؛ لأن الخلق كلهم يستظلون بظله ، فإذا عدل فيهم أظله الله فِي ظله . والثاني : الشاب الَّذِي نشأ فِي عُبَادَة الله عز وجل . فإن الشباب شعبة من الجنون ، وَهُوَ داع للنفس إلى استيفاء الغرض من شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة ، فمن سلم مِنْهُ فَقَدْ سلم . وفي الحَدِيْث : ( عجب ربك من شاب ليست لَهُ صبوة ) . وفي بعض الآثار ، يَقُول الله : ( أيها الشاب التارك شهوته ، المتبذل شبابه من أجلي ، أنت عندي كبعض ملائكتي ) . والثالث : الرَّجُلُ المعلق قلبه بالمساجد . وفي رِوَايَة : ( إذا خرج مِنْهُ حَتَّى يعود إِلَيْهِ ) ، فهو يحب المسجد ويألفه لعبادة الله فِيهِ ، فإذا خرج مِنْهُ تعلق قلبه بِهِ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ ، وهذا إنما يحصل لمن ملك نفسه وقادها إلى طاعة الله فانقادت لَهُ ؛ فإن الهوى إنما يدعو إلى محبة مواضع الهوى واللعب ، إما المباح أو المحظور ، ومواضع التجارة واكتساب الأموال ، فلا يقصر نفسه عَلَى محبة بقاع العبادة إلا من خالف هواه ، وقدم عَلِيهِ محبة مولاه . وقد مدح عمار المساجد فِي قوله : بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وفي ( المسند ) و ( سنن ابن ماجه ) من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا توطن رَجُل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله بِهِ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم ) . وروى ابن لهيعة ، عَن دراج ، عَن أَبِي الهيثم ، عَن أَبِي سَعِيد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من ألف المسجد ألفه الله ) . ويروى عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، قَالَ : من جلس فِي المسجد فإنما يجالس ربه عز وجل . الرابع : المتحابان فِي الله عز وجل . فإن الهوى داع إلى التحاب فِي غير الله ؛ لما فِي ذَلِكَ من طوع النفس أغراضها من الدنيا ، فالمتحابان فِي الله جاهدا أنفسهما فِي مخالفة الهوى حَتَّى صار تحابهما وتوادهما فِي الله من غير غرض دنيوي يشوبه ، وهذا عزيز جداً . ولن يتحابا فِي الله حَتَّى يجتمعا فِي الدنيا فِي ظل الله المعنوي ، وَهُوَ تأليف قلوبهما عَلَى طاعة الله ، وإيثار مرضاته وطلب مَا عنده ، فلهذا اجتمعا يوم القيامة فِي ظل الله الحسي . وقوله : ( اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ ) يحتمل أَنَّهُ يريد : أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله حَتَّى فرق بَيْنَهُمَا الموت فِي الدنيا أو غيبة أحدهما عَن الآخر ، ويحتمل أَنَّهُ أراد أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله ، فإن تغير أحدهما عما كَانَ عَلِيهِ مِمَّا توجب محبته فِي الله فارقه الآخر بسبب ذَلِكَ ، فيدور تحاببهما عَلَى طاعة الله وجوداً وعدماً . قَالَ بعض السلف : إذا كَانَ لَكَ أخ تحبه فِي الله فأحدث حدثاً فَلَمْ تبغضه فِي الله لَمْ تكن محبتك لله ، أو هَذَا المعنى . الخامس : رَجُل دعته امرأة ذات منصب وجمال . ويعني بالمنصب : النسب والشرف والرفعة فِي الدنيا ، فإذا اجتمع ذَلِكَ مَعَ الجمال فَقَدْ كمل الأمر وقويت الرغبة ، فإن كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ هِيَ الطالبة الداعية إلى نفسها ، كَانَ أعظم وأعظم ، فإن الامتناع بعد ذَلِكَ كله دليل عَلَى تقديم خوف الله عَلَى هوى النفس ، وصاحبه داخل فِي قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى وهذا كما جرى ليوسف عَلِيهِ السلام . قَالَ عُبَيْدِ بْن عمير : من صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء فِي المكاره ، ومن صدق الإيمان وبره أن يخلو الرَّجُلُ بالمرأة الجميلة فيدعها ، لا يدعها إلا لله عز وجل . ومثل هَذَا إذا قَالَ : ( إني أخاف الله ) فهو صادق فِي قوله ؛ لأن عمله مصدق لقوله ، وقوله لها : ( إني أخاف الله ) موعظة لها ، فربما تنْزجر عَن طلبها ، وترجع عَن غيها . وقد وقع ذَلِكَ لغير واحدٍ ، وفيه حكايات مذكورة فِي كِتَاب ( ذم الهوى ) وغيره . السادس : رَجُل تصدق بصدقة فاجتهد فِي إخفائها غاية الاجتهاد حَتَّى لَمْ يعلم بِهِ إلا الله . وضرب المثال لذلك عَلَى طريق المبالغة : ( حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه ) . وهذا دليل عَلَى قوة الإيمان والاكتفاء باطلاع الله عَلَى العبد وعلمه بِهِ ، وفيه مخالفة للهوى ومجاهدة للنفس ؛ فإنها تحب إظهار الصدقة ، والتمدح بِهَا عِنْدَ الخلق ، فيحتاج فِي إخفاء الصدقة إلى قوة شديدةٍ تخالف هوى النفس . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حَدِيْث أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت ، فعجبت الملائكة من خلق الجبال ، فقالوا : يَا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الحديد ، قالوا : يَا رب ، فهل شيء من خلقك أشد من الحديد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، النار ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الماء ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الريح ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ابن آدم ؛ يتصدق بيمينه يخفيها من شماله ) . السابع : رَجُل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه . فهذا رَجُل يخشى الله فِي سره ، ويراقبه فِي خلوته ، وأفضلُ الأعمال خشية الله فِي السر والعلانية ، وخشية الله فِي السر إنما تصدر عَن قوة إيمان ومجاهدةٍ للنفس والهوى ، فإن الهوى يدعو فِي الخلوة إلى المعاصي ، ولهذا قيل : إن من أعز الأشياء الورع فِي الخلوة . وذكر الله يشمل ذكر عظمته وبطشه وانتقامه وعقابه ؛ والبكاء الناشئ عَن هَذَا هُوَ بكاء الخوف ، ويشمل ذكر جماله وكماله وبره ولطفه وكرامته لأوليائه بأنواع البر والألطاف ، لا سيما برؤيته فِي الجنة ، والبكاء الناشئ عَن هَذَا هُوَ بكاء الشوق . ويدخل فِيه - أيضاً - : رَجُل ذكر أن الله مَعَهُ حيثما كَانَ ، فتذكر معيته وقربه واطلاعه عَلِيهِ حيث كَانَ يبكي حياء مِنْهُ ، وَهُوَ من نوع الخوف أيضاً . وخرج الطبراني بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن أَبِي أمامة مرفوعاً : ( ثَلاَثَة فِي ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : رَجُل حيث توجه علم أن الله مَعَهُ ) . وهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن هؤلاء السبعة يظلهم الله فِي ظله ، ولا يدل عَلَى الحصر ، ولا عَلَى أن غيرهم لا يحصل لَهُ ذَلِكَ ؛ فإنه صح عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن من أنظر معسراً أو وضع عَنْهُ أظله الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله ) . خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي اليسر الأنصاري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من نفس عَن غريمه أو محا عَنْهُ كَانَ فِي ظل العرش يوم القيامة ) . وهذا يدل عَلَى أن المراد بظل الله : ظل عرشه .
الحَدِيْث الثالث : 661 - حدثنا قتيبة ، ثنا إسماعيل بْن جَعْفَر ، عَن حميد ، قَالَ : سئل أَنَس : هَلْ اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ، ثمَّ أقبل علينا بوجهه بعدما صلى ، فَقَالَ : ( صلى النَّاس ورقدوا ، ولم تزالوا فِي صلاة مَا انتظرتموها ) قَالَ : فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي مواضع من ( الكتاب ) ، وَهُوَ بمعنى حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ المخرج فِي أول الباب .
36 - باب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة ، وفضل المساجد قَدْ تقدم فِي فضل انتظار الصلاة فِي المسجد من حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ومن حَدِيْث أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى . وخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 659 - حدثنا عَبْد الله بْن مسلمة ، عَن مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( الملائكة تصلي عَلَى أحدكم مَا دام فِي مصلاه ، مَا لَمْ يحدث : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) . دل هَذَا الحَدِيْث عَلَى فضل أمرين : أحدهما : الجلوس فِي المصلى ، وَهُوَ موضع الصلاة الَّتِيْ صلاها ، والمراد بِهِ فِي المجلس دون البيت ، وآخر الحَدِيْث يدل عَلِيهِ . قَالَ ابن عَبْد البر : ولو صلت المرأة فِي مسجد بيتها وجلست فِيهِ تنتظر الصلاة فَهِيَّ داخلة فِي هَذَا المعنى إذا كَانَ يحبسها عَن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة . ( وإن الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا لَمْ يحدث ) وقد فسر صلاة الملائكة عَلِيهِ بالدعاء لَهُ بالمغفرة والرحمة ، والصلاة قَدْ فسرت بالدعاء ، وفسرت بالثناء والتنويه بالذكر ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هُوَ تنويه منهم بذكره وثناء عَلِيهِ بحسن عمله . وقد قيل : صلاتهم عَلِيهِ مقبولة مَا لَمْ يحدث . وقد اختلف فِي تفسير الحدث : هَلْ هُوَ الحدث الناقض للوضوء ، أو الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال الَّتِيْ لا تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هَذَا الاختلاف فِي ( كِتَاب الطهارة ) . وذهب مَالِك وغيره إلى أَنَّهُ الحدث الناقض للوضوء ، ورجحه ابن عَبْد البر ؛ لأن المحدث وإن جلس فِي المسجد فهو غير منتظر للصلاة ؛ لأنه غير قادر عَلَيْهَا . والثاني : أن منتظر الصلاة لا يزال فِي صلاة مَا دامت الصلاة تحبسه . وقد فسر ذَلِكَ بأنه ( لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) ، وهذا يشمل من دَخَلَ المسجد للصلاة فِيهِ جماعة قَبْلَ إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة ، ومن صلى مَعَ الإمام ثُمَّ جلس ينتظر الصلاة الثانية . وهذا من نوع الرباط فِي سبيل الله ، كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلكم عَلَى مَا يمحو الله بِهِ الخطايا ويرفع بِهِ الدرجات ؟ ) قالوا : بلى يَا رسول الله ، قَالَ : ( إسباغ الوضوء عَلَى المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ) . خرجه مُسْلِم من حَدِيْث العلاء بْن عَبْد الرحمن ، عَن أبيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . وقد ورد تقييد ذَلِكَ أيضاً بما لَمْ يحدث . خرجه البخاري فِي ( أبواب نواقض الوضوء ) من رِوَايَة ابن أَبِي ذئب ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يزال العبد فِي صلاة مَا كَانَ فِي المسجد ينتظر الصلاة ، مَا لَمْ يحدث ) فَقَالَ رَجُل أعجمي : مَا الحدث يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : الصوت ، يعني : الضرطة . وقد سبق الكلام عَلِيهِ فِي موضعه ، وذكرنا اخْتِلاَف النَّاس فِي تفسير الحدث والمراد بِهِ . وقد فسره أبو سَعِيد الْخُدرِيَّ كما فسره أبو هُرَيْرَةَ أيضاً . خرجه الإمام أحمد . ومعنى كونه فِي الصلاة - والله أعلم - : أن لَهُ أجر المصلي وثوابه بحبس نفسه فِي المسجد للصلاة . وليس فِي هَذَا الحَدِيْث ولا فِي غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس فِي مصلاه أن يكون مشتغلاً بالذكر ، ولكنه أفضل وأكمل ، ولهذا ورد فِي فضل من جلس فِي مصلاه بعد الصبح حَتَّى تطلع الشمس ، وبعد العصر حَتَّى تغرب ، أحاديث متعددة . وهل المراد بمصلاه نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ ؟ هَذَا فِيهِ تردد . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن جابر بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء . وفي رِوَايَة لَهُ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس قام . ومعلوم أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه . وخرجه الطبراني ، وعنده : كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس . ولفظة : ( الذكر ) غريبة . وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم : وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة ، فيضحكون ويتبسم . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ ينكر عَلَى من تحدث وضحك فِي ذَلِكَ الوقت ، فهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن المراد بمصلاه الَّذِي يجلس فِيهِ المسجد كله . وإلى هَذَا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا ، وغيره . وقد روي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يخالف هَذَا . رَوَى مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم ثُمَّ جلس فِي مصلاه لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ ، تَقُول : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، فإن قام من مصلاه فجلس فِي المسجد ينتظر الصلاة لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ فِي مصلاه حَتَّى يصلي . فهذا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه فِي مصلاه ، فإن جلس ينتظر الصلاة كَانَ حكمه حكم من ينتظرها ، وصلت عَلِيهِ الملائكة - أيضاً - فإن لَمْ يجلس منتظراً للصلاة فلا شيء لَهُ ؛ لأنه لَمْ يجلس فِي مصلاه ولا هُوَ منتظر للصلاة . قَالَ ابن عَبْد البر : إلا أنه لا يقال : إنه تصلي عَلِيهِ الملائكة . يعني : عَلَى المتحول من مكانه ، وَهُوَ ينتظر الصلاة كما تصلي عَلَى الَّذِي فِي مصلاه ينتظر الصلاة . يشير إلى أن الحَدِيْث المرفوع إنما فِيهِ صلاة الملائكة عَلَى من يجلس فِي مصلاه لا عَلَى المنتظر للصلاة . ولكن قَدْ روي فِي حَدِيْث مرفوع ، فروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن عَلِيّ ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( من صلى الفجر ثُمَّ جلس فِي مصلاه صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ومن ينتظر الصلاة صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ) . خرجه الإمام أحمد . وَقَالَ عَلِيّ بْن المديني : هُوَ حَدِيْث كوفي ، وإسناده حسن . وذكر ابن عَبْد البر - أيضاً - أنه يحتمل أن يكون بقاؤه فِي مصلاه شرطاً فِي انتظار الصلاة - أيضاً - كما كَانَ شرطاً فِي الجلوس فِي مصلاه . وهذا الَّذِي قاله بعيد ، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثُمَّ جلس ينتظر صلاة أخرى ، فأما من دَخَلَ المسجد ليصلي صلاة واحدة وجلس ينتظرها قَبْلَ أن تقام فأي مصلى لَهُ حَتَّى يشترط أن لا يفارقه ؟ قَالَ : وقيامه من مجلسه ، المراد بِهِ : قيامه لعرض الدنيا ، فأما إذا قام إلى مَا يعينه عَلَى مَا كَانَ يصنعه فِي مجلسه من الذكر . يعني : أَنَّهُ غير مراد ، ولا قاطع للصلاة عَلِيهِ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
151 - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى قال أبو عبد الله : رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة . 836 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : سألت أبا سعيد الخدري ، فقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين ، حتى رأيت أثر الطين في جبهته . هذا مختصر من الحديث الذي فيه ذكر طلب ليلة القدر ، وقد سبق بتمامه في أبواب السجود ، وسيأتي في آخر الصيام - إن شاء الله سبحانه وتعالى - بألفاظ أخر ، وفي بعضها : أنه قال : فبصرت عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ . ولا شك أنه لم ينظر إلى وجهه إلا بعد انصرافه من الصلاة ، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يمسح أثر الطين من جبهته وأنفه في الصلاة ، وهذا هو الذي أشار إليه الحميدي . وقد اتفقوا على أن تركه في الصلاة أفضل ، فإنه يشبه العبث ، واختلفوا : هل هو مكروه ، أم لا ؟ قال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود ، أنه قال : من الجفاء مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة . وكره ذلك الأوزاعي وأحمد ومالك . وقال الشافعي : تركه أحب إلي ، وإن فعل فلا شيء عليه . ورخص مالك وأصحاب الرأي فيه . انتهى . وروي عن ابن عباس ، أنه قال : لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهد ويسلم . وعن سعيد بن جبير ، أنه عده من الجفاء . وعن الحسن : أنه رخص فيه . وقال سفيان - في نفض التراب عن اليدين في الصلاة - : يكره . وأما عن الوجه فهو أيسر ، وفي كراهته حديثان مرفوعان : أحدهما : خرجه ابن ماجه من رواية هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته . وهارون هذا ، قال البخاري : لا يتابع على حديثه . وضعفه النسائي والدارقطني . والثاني : من رواية سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاث من الجفاء : أن يبول الرجل قائما ، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته ، أو ينفخ في سجوده . خرجه البزار في مسنده والطبراني والدارقطني وغيرهم . وسعيد هذا ، احتج به البخاري ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم . لكنه خولف في إسناد هذا الحديث : فرواه قتادة والجريري ، عن ابن بريدة ، عن ابن مسعود من قوله . ورواه كهمس ، عن ابن بريدة ، قال : كان يقال ذلك . وهذا الموقوف أصح . وحكى البيهقي ، عن البخاري ، أنه قال في المرفوع : هو حديث منكر يضطربون فيه . وأشار الترمذي إليه في باب : البول قائما ، ولم يخرجه ، ثم قال : حديث بريدة في هذا غير محفوظ . قال البيهقي : وقد روي فيه من أوجه أخرى ، كلها ضعيفة . فأما مسح الوجه من أثر السجود بعد الصلاة ، فمفهوم ما روي عن ابن مسعود وابن عباس يدل على أنه غير مكروه . وروى الميموني ، عن أحمد ، أنه كان إذا فرغ من صلاته مسح جبينه . وقد روي من حديث أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قضى صلاته مسح جبهته بكفه اليمنى . وله طرق عن أنس ، كلها واهية . وكرهه طائفة ؛ لما فيه من إزالة أثر العبادة ، كما كرهوا التنشيف من الوضوء والسواك للصائم . وقال عبيد بن عمير : لا تزال الملائكة تصلي على الإنسان ما دام أثر السجود في وجهه . خرجه البيهقي بإسناد صحيح . وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد ، أنه كان في وجهه شيء من أثر السجود فمسحه رجل ، فغضب ، وقال : قطعت استغفار الملائكة عني . وذكر إسنادها عنه ، وفيه رجل غير مسمى . وبوب النسائي باب : ترك مسح الجبهة بعد التسليم ، ثم خرج حديث أبي سعيد الخدري الذي خرجه البخاري هاهنا ، وفي آخره : قال أبو سعيد : مطرنا ليلة إحدى وعشرين ، فوكف المسجد في مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ، ووجهه مبتل طينا وماء .
150 - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب 835 - حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن الأعمش ، حدثني شقيق ، عن عبد الله ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء - أو بين السماء والأرض - أشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو . وقد سبق في رواية للإمام أحمد التصريح بأن هذا الدعاء إنما هو في التشهد الأخير خاصة ، فأما التشهد الأول فلا يدعو بعده عند جمهور العلماء ، ولا يزاد عليه عند أكثرهم ، حتى قال الثوري - في رواية عنه - : إن فعل ذلك عمدا بطلت صلاته . إلا أن الشافعي - في الجديد - قال : يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده دون آله . وقال مالك : يدعى فيه كالتشهد الأخير . وروي عن ابن عمر . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيحمد الله ويثني على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويدعو بينهن ، ولا يسلم ، ثم يصلي التاسعة ويقعد ، ويحمد الله ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويدعو ، ثم يسلم تسليما يسمعنا . وحمل بعض أصحابنا هذا على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله أحيانا في صلاة النفل ، لبيان الجواز دون الاستحباب . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عبيدة ، عن أبيه عبد الله بن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الركعتين كأنه على الرضف حتى يقوم . وحسنه . وأبو عبيدة ، وإن لم يسمع من أبيه ، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه - قاله ابن المديني وغيره . وروي عن أبي بكر الصديق نحو ذلك . فأما الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير ، فإنه مشروع بغير خلاف . وحكى ابن المنذر ، عن الحسن ، أنه كره الدعاء في المكتوبة ، وأباحه في التطوع . ولعله أراد في غير التشهد . وقد دل عليه حديث ابن مسعود هذا ، وليس هو بواجب كما ذكره البخاري ، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك . وقد يستدل له بما روى الحسن بن الحر ، عن القاسم بن مخيمرة ، قال : أخذ علقمة بيدي ، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده ، فعلمه التشهد في الصلاة - فذكره إلى آخره ، ثم قال : إذا قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وقال إسحاق بن راهويه : صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر في أن ما بعد التشهد ليس بواجب ، ولكن قد قيل : إن القائل : إذا قلت هذا إلى آخره ، هو ابن مسعود ، وليس مرفوعا - ؛ كذلك قاله الدارقطني وأبو علي النيسابوري والبيهقي وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ . وعلى هذا التقدير ، فإذا قال ابن مسعود هذا ، وهو راوي الحديث الذي فيه : ثم ليتخير من الدعاء دل على أنه فهم من ذلك الاستحباب دون الوجوب ؛ ولهذا رده إلى اختياره ومشيئته وإعجابه ، وراوي الحديث أعلم بمعنى ما روى ، فيرجع إليه في فهم ذلك . وقد سبق عن طاوس : ما حكاه عنه مسلم ، أنه بلغه عنه ، أنه أمر ابنه بالإعادة إذا لم يتعوذ في صلاته من تلك الأربع . وحكى بعض أصحابنا وجها لهم بمثل ذلك . وحكي عن أبي طالب ، عن أحمد ، أنه قال : من ترك شيئا من الدعاء في الصلاة عمدا يعيد . وقوله : ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن ، وعامة الأدعية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كذلك ، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك . وهذا قول جمهور العلماء ، خلافا لأبي حنيفة والثوري في قولهما : لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظ القرآن ، فإن خالف بطلت صلاته . وحكى أصحاب سفيان الثوري مذهبه كذلك . والصحيح - المنصوص عن أحمد - : أنه يجوز الدعاء بما يعود بمصلحة الدين بكل حال ، وهو قول جمهور العلماء . وفي سنن أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : كيف تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ، ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : حولها ندندن . وهذا يشعر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظ كان . واختلفوا : هل يجوز الدعاء في الصلاة بالمصالح الدنيوية خاصة ؟ فقالت طائفة : يجوز ، منهم : عروة ومالك والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود . وقالت طائفة : لا يجوز ذلك ، وهو المشهور عن أحمد ، واختاره أبو محمد الجويني من الشافعية . وإنما هذا فيما لم يرد النص بمثله كالرزق والعافية والصحة ونحو ذلك مما ورد الدعاء به في الأخبار في الصلاة وغيرها ، فإنه يجوز الدعاء به في الصلاة ، وإنما الممنوع طلب تفاصيل حوائج الدنيا ؛ كالطعام الطيب والجارية الوضيئة والثوب الحسن ونحو ذلك ، فإن هذا عندهم من جنس كلام الآدميين الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس . ولا فرق في استحباب الدعاء بين الإمام والمأموم والمنفرد عند جمهور العلماء . واستحب إسحاق للإمام أن يدعو في هذا الموضع بصيغة الجمع ؛ ليشمل المأمومين معه ، وكره أن يخص نفسه ؛ للحديث المروي في النهي عن ذلك . وللشافعية وجه ضعيف : أن الإمام لا يدعو ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه قال في كتاب الأم : أحب لكل مصل أن يزيد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الله عز وجل وتحميده ودعاء في الركعتين الأخيرتين ، وأرى أن تكون زيادته ذلك إن كان إماما أقل من قدر التشهد ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها قليلا ؛ للتخفيف عمن خلفه ، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك ، ولا أكره ما طال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو خاف فيه سهوا ، وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كرهت ذلك ، ولا إعادة عليه ، ولا سجود سهو . انتهى كلامه . وقد تضمن : أنه بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرع له ذكر الله وتحميده ، وهو خلاف نص أحمد ؛ فإنه نص على أنه يدعو بعد التشهد من غير ثناء وحمد . وسئل أحمد - أيضا - : هل يحمد الله قبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : لا أعرفه . وقال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا أنه لم يستحب ذلك . ولا يستحب للإمام أن يدعو أكثر من قدر التشهد خشية الإطالة على المأمومين ، فأما المنفرد فإنه يطيل ما لم يخف السهو فيكره له الزيادة . وقد بوب النسائي في سننه : باب : الذكر بعد التشهد ، وخرج فيه حديث عكرمة بن عمار : ثنا إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس ، قال : جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي ، قال : سبحي الله عشرا ، واحمديه عشرا ، وكبريه عشرا ، ثم سليه حاجتك ، يقول : نعم ، نعم . وخرج - أيضا - بعد ذلك من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في صلاته بعد التشهد : أحسن الكلام كلام الله ، وأحسن الهدي هدي محمد . وهذا الحديث إنما يعرف فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله في تشهده في الخطبة ، كما في صحيح مسلم وغيره ، فلعل ذكر الصلاة فيه مما توهمه بعض الرواة ، حيث سمع أنه كان يقوله في تشهده ، فظن أنه تشهد الصلاة . وحديث أنس المتقدم ، خرجه الترمذي والحاكم في باب : صلاة التسبيح . وحسنه الترمذي ، وصححه الحاكم ، وجعلاه من جملة أحاديث صلاة التسبيح . وخرجه الإمام أحمد ، ولم يذكر فيه : في صلاتي . وقد روي الحديث بلفظ آخر بإسناد آخر ، وهو : إذا صليت الصلاة المكتوبة فسبحي . وهذا اللفظ يحمل على أنها تقول ذلك إذا فرغت من صلاتها ، فيستدل به حينئذ على فضل الذكر والدعاء عقب الصلاة المكتوبة ، وعلى ذلك حمله ابن حبان وغيره . وقد روي عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح قيام الليل ، يكبر عشرا ، ويسبح عشرا ، ويحمد عشرا ، ويهلل عشرا ، ويستغفر عشرا ، ويقول : اللهم ، اغفر لي واهدني وارزقني - عشرا ، ويقول : اللهم ، إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم الحساب - عشرا . خرجه النسائي . وخرجه من وجوه متعددة بألفاظ متقاربة ، وفي بعضها : ثم يستفتح الصلاة . وهذه الرواية تشهد لأنه كان يقول ذلك قبل دخوله في الصلاة . والله أعلم . وروى جعفر الفريابي في كتاب الذكر بإسناد صحيح ، عن ابن عمر ، أنه رأى رجلا دخل في الصلاة ، فكبر ، ثم قال : اللهم اغفر لي وارحمني ، فضرب ابن عمر منكبيه وقال : ابدأ بحمد الله عز وجل والثناء عليه . وهذا يدل على استحباب ذلك عند افتتاح الصلاة . ومما يستدل به على استحباب الثناء على الله عز وجل في التشهد قبل الدعاء : ما روى أنس قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وسجد وتشهد دعا ، فقال في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت المنان ، بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حي يا قيوم ، إني أسألك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : هل تدرون بما دعا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : والذي نفسي بيده ، لقد دعا باسمه العظيم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح على شرطهما . وعن محجن بن الأدرع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ، فإذا رجل قد قضى صلاته ، وهو يتشهد ، فقال : اللهم ، إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، أن تغفر لي ذنوبي ، إنك أنت الغفور الرحيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد غفر له - ثلاثا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم ، وقال : على شرطهما . وخرج الترمذي من حديث ابن مسعود ، قال : كنت أصلي والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر معه ، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى ، ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم دعوت لنفسي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سل تعطه . سل تعطه . وقال : حسن صحيح . وعن فضالة بن عبيد ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : عجل هذا ، ثم دعاه ، فقال له - أو لغيره - : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليدع بما شاء . خرجه الترمذي ، وقال : حسن . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود وعنده : فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه . وخرجه النسائي ، وزاد : فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي فمجد الله وحمده ، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادع تجب ، وسل تعطه . وخرجه الترمذي بهذا المعنى - أيضا - وعنده : فقال : عجلت أيها المصلي ، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ، ثم ادعه - وذكر باقيه بمعناه . وفي هذا الحديث وحديث ابن مسعود : استحباب تقديم الثناء على الله على الصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهذا قد يصدق بالدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن التشهد فيه ثناء على الله عز وجل ، فلا يحتاج إلى إعادة الثناء . وقال إسحاق : يحمد الله بعد التشهد وقبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - نقله عنه حرب . واستحب إسحاق وبعض الشافعية أن يبتدئ التشهد بـ بسم الله ، وفيه حديث مرفوع ضعفه غير واحد . وقد روي عن ابن عمر ، أنه كان إذا تشهد التشهد الأخير دعا فيه ، ثم أخر السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى نفسه وعباد الله الصالحين إلى بعد الدعاء ، ثم يختم دعاءه بالسلام ، ثم يسلم عن يمينه . ولم يذكر البخاري الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد ، وقد دل هذان الحديثان - أعني : حديث ابن مسعود وفضالة - عليها ، ولكن ليسا على شرطه . وقد روى ابن إسحاق : حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن عقبة بن عمرو ، قال : قالوا : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ؟ قال : قولوا : اللهم ، صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . خرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني - وقال : إسناد حسن متصل - والحاكم - وقال : صحيح الإسناد . ويشهد لذلك : قول الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا السلام عليك قد عرفناه ، وإنما عرفوا السلام عليه في التشهد في الصلاة ، وهو : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ، فيكون سؤالهم عن الصلاة عليه في الصلاة - أيضا . وقد خرج ابن عدي من حديث طلحة ، قال قلت : يا رسول الله ، هذا التشهد قد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك - فذكره . وفي إسناده : سليمان بن أيوب الطلحي ، وقد وثقه يعقوب بن شيبة وغيره وقال ابن عدي : عامة أحاديثه أفراد لا يتابعه عليها أحد . وخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تشهد أحدكم في الصلاة ، فليقل : اللهم صل على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، وارحم محمدا وآل محمد ، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . وفي إسناده : رجل غير مسمى . وخرج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد ، عن مجاهد ، قال : أخذ بيدي ابن أبي ليلى - أو أبو معمر - قال : علمني ابن مسعود التشهد ، وقال : علمنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : التحيات لله - فذكره إلى آخره ، وزاد بعده : الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم وقال : ابن مجاهد هذا ، ضعيف الحديث . وخرج البيهقي من رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا جلستم بين الركعتين فقولوا : التحيات لله - إلى آخر التشهد . قال عبد الله : وإذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ أصابت كل عبد صالح أو نبي مرسل ، ثم يبدأ بالثناء على الله والمدحة له بما هو أهله ، وبالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يسأل بعد ذلك . والظاهر : أن آخره من قول ابن مسعود . وفيه : استحباب الثناء على الله بعد التشهد قبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم ولا نعلم خلافا بين العلماء في أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير مشروعة ، واختلفوا : هل تصح الصلاة بدونها ؟ على ثلاثة أقوال : أحدها : لا تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو مذهب الشافعي وأحمد - في رواية عنه . وروي عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : ما أرى أن لي صلاة تمت لا أصلي فيها على محمد وآله . وخرج ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة لمن لم يصل على نبيه صلى الله عليه وسلم . وعبد المهيمن ، تكلموا فيه . والثاني : تصح الصلاة بدونها مع السهو دون العمد ، وهو رواية أخرى ، عن أحمد وإسحاق . وروي معناه ، عن ابن عمر من قوله . خرجه المعمري في كتاب عمل يوم وليلة . واستدل بعض من قال ذلك بحديث فضالة بن عبيد المتقدم ذكره ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من صلى ولم يصل عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك ، وإنما علمه أن يقولها فيما بعد . والثالث : تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو قول أكثر العلماء ، منهم : أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق - في رواية عنهما - وداود وابن جرير وغيرهم . وقال النخعي : كانوا يكتفون بالتشهد من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه سعيد بن منصور . ولعله أراد : أن التسليم عليه والشهادة له بالرسالة تكفي من الصلاة عليه . وقد روي عنه ما يدل على أن ذلك مراده ، وعن منصور والثوري نحوه - أيضا . واستدل لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم المسيء في صلاته الصلاة عليه ، ولا صح عنه أنه علمها أصحابه مع التشهد ، مع أنه علمهم الدعاء بعده ، وليس بواجب كما سبق . والأمر بها في حديث ابن إسحاق لا يدل على الوجوب ؛ فإنه إنما أمرهم عند سؤالهم عنه ، وهذه قرينة تخرج الأمر عن الوجوب ، على ما ذكره طائفة من الأصوليين ؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لابتدأهم به ، ولم يؤخره إلى سؤالهم ، مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم ؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فدل على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة . يدل على ذلك : أن عمر كان يعلم الناس التشهد على المنبر ، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك روي صفة التشهد عن طائفة من الصحابة ، منهم : ابن عمر وعائشة وغيرهما ، ولم يذكروا فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم
149 - باب الدعاء قبل السلام فيه حديثان : الأول : 832 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أنا عروة ، عن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ، ووعد فأخلف . 833 - وعن الزهري ، قال : أخبرني عروة ، أن عائشة قالت : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال . إنما في هذا الحديث أنه كان يدعو بذلك في صلاته ، وليس فيه أنه كان يدعو به في تشهده قبل السلام ، كما بوب عليه . وقد روى مسروق ، عن عائشة في ذكر عذاب القبر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة بعد ذلك إلا تعوذ من عذاب القبر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وخرجه النسائي من رواية جسرة بنت دجاجة ، عن عائشة ، وفي حديثها : أنه كان يقول ذلك في دبر كل صلاة . وهذا يدل على أنه كان يقوله في تشهده . ويستدل على ذلك - أيضا - بحديث آخر ، خرجه مسلم من رواية الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن محمد بن أبي عائشة ، عن أبي هريرة . وعن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ، يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال . وفي رواية له بالطريق الأول خاصة : إذا فرع أحدكم من التشهد فليقل . وفي رواية أخرى له أيضا - : التشهد الأخير . وخرج - أيضا - من رواية هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكر الصلاة . وكذلك خرجه البخاري في الجنائز من رواية هشام . وهذا يدل على أن رواية الأوزاعي حمل فيها حديث يحيى ، عن أبي سلمة على لفظ حديث حسان ، عن ابن أبي عائشة ، ولعل البخاري لم يخرجه لذلك ؛ فإن المعروف ذكر الصلاة في رواية ابن أبي عائشة خاصة ، ولم يخرج له البخاري . وخرج أبو داود من رواية عمر بن يونس اليمامي : حدثني ابن عبد الله ابن طاوس ، عن أبيه ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول بعد التشهد : اللهم ، إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من فتنة الدجال . وروى مالك ، عن أبي الزبير ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن - فذكره ، ولم يذكر : الصلاة . وخرجه من طريقه مسلم . وكذلك خرج - أيضا - من طريق ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - ومن طريق عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بهذا التعوذ ، ولم يذكر : الصلاة - أيضا . وذكر مسلم ، أن طاوسا كان يروي هذا الحديث عن ثلاثة ، أو عن أربعة ، وأنه أمر ابنه أن يعيد الصلاة حيث لم يتعوذ فيها من ذلك . وخرجه الحاكم من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وذكر الدارقطني أن ابن طاوس كان يرويه ، عن أبيه مرسلا . وسماع عائشة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته يدل على أنه كان أحيانا يسمع من يليه دعاءه ، كما كان أحيانا يسمع من يليه الآية من القرآن .
الحديث الثاني : 834 - حدثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر الصديق ، أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علمني دعاء أدعو به في صلاتي . قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم . وهذا الحديث - أيضا - إنما فيه : ذكر الدعاء في الصلاة من غير تخصيص بالتشهد ، وقد سبق ذكر الدعاء في الركوع والسجود والاختلاف فيه . والكلام على الاختلاف في إسناد هذا الحديث ، وفي بعض ألفاظه وفي معانيه يأتي في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
37 - باب فَضْلِ مَنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ 662 - حدثنا عَلِيّ بْن عَبْد الله ، ثنا يزيد بْن هارون ، أنا مُحَمَّد بْن مطرف ، عَن زيد بْن أسلم ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله لَهُ نزلاً من الجنة كُلَّمَا غدا أو راح ) . الغدو : يكون من أول النهار ، والرواح : يكون من آخره بعد الزوال ، وقد يعبر بأحدهما عَن الخروج والمشي ، سواء كَانَ قَبْلَ الزوال أو بعده ، كما فِي قوله صلى الله عليه وسلم فِي الجمعة : ( من راح فِي الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ) عَلَى مَا حمله عَلِيهِ جمهور العلماء . ومعنى الحَدِيْث : أن من خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر الله تعالى ، والله يعد لَهُ نزلاً من المسجد ، كُلَّمَا انطلق إلى المسجد ، سواء كَانَ فِي أول النهار أو فِي آخره . والنزل : هُوَ مَا يعد للضيف عِنْدَ نزوله من الكرامة والتحفة . قَالَ الحافظ أبو موسى المديني : وزيد فِيهِ فِي غير هذه الرواية : ( كما لَوْ أن أحدكم زاره من يحب زيارته لاجتهد فِي إكرامه ) . وخرج من طريق الطبراني بإسناده ، عَن سَعِيد بْن زربي ، عَن ثابت ، عَن أَبِي عُثْمَان ، عَن سلمان ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من توضأ فأحسن الوضوء ثُمَّ أتى المسجد فهو زائر الله ، وحق عَلَى المزور أن يكرم الزائر ) . قَالَ أبو موسى : ورواه سُلَيْمَان التيمي ، وداود بْن أَبِي هند ، وعوف ، عَن أَبِي عُثْمَان ، عَن سلمان ، موقوفاً لا مرفوعاً . وسعيد بن زربي ، فِيهِ ضعف . وخرج - أيضاً - من طريق الطبراني بإسناده ، عَن يَحْيَى بْن الحارث ، عَن الْقَاسِم ، عَن أَبِي أمامة ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الغدو والرواح إلى المساجد من الجهاد فِي سبيل الله ) . وذكر مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر ، أن أبا بَكْر بْن عَبْد الرحمن كَانَ يَقُول : من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره ؛ ليعلم خيراً أو يتعلمه ، ثُمَّ رجع إلى بيته ، كَانَ كالمجاهد فِي سبيل الله . ومما يستدل بِهِ عَلَى أن قصد المساجد للصلاة فيها زيارة لله عز وجل مَا خرجه ابن ماجه بإسناد فِيهِ ضعف ، من حَدِيْث أَبِي الدرداء ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إن أحسن مَا زرتم بِهِ الله فِي قبوركم ومساجدكم البياض ) .
148 - باب التشهد في الآخرة يعني : في الجلسة الأخيرة في الصلاة 831 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : قال عبد الله : كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا : السلام على جبريل ومكائيل ، السلام على فلان السلام على فلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله عز وجل صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وإنما خص البخاري هذا الحديث بالتشهد الأخير ؛ لأنه روي في آخره الأمر بالتخيير من الدعاء ، كما سيأتي ، والدعاء يختص بالأخير ، ولكن المراد بالتشهد الأخير : كل تشهد يسلم منه ، سواء كان قبله تشهد آخر أم لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي حديث ابن مسعود بلفظ آخر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره ، وقال في آخره : ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ، فليدع به ربه عز وجل . وهذا اللفظ صريح في أنه يتشهد بهذا التشهد في كل ركعتين يسلم منهما . وخرجه الترمذي والنسائي - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول : التحيات لله فذكره ، ولم يذكر بعده الدعاء . وخرجه الإمام أحمد بلفظ ، وهو : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها ، وذكر الحديث ، وقد سبق ذكر إسناده ، وقال في آخره : ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده ، وإن كان في آخرها ، دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم . وهذه الرواية صريحة في أنه يتشهد به في التشهد الأول والآخر . وخرجه النسائي بلفظ آخر ، وهو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : قولوا في كل جلسة : التحيات لله فذكره . وهذا يشمل الجلوس الأول والثاني . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو السلام إنما قاله نهيا لهم عن أن يقولوا : السلام على الله من عباده ، وكانوا يقولون ذلك ، ثم يسلمون على جبريل وميكائيل وغيرهما . وقد خرج البخاري في رواية أخرى ، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى . ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلوات التي قالوا فيها ذلك ، واستدل بذلك على أن كلام الجاهل لا يبطل الصلاة ؛ فإن هذا الكلام منهي عنه في الصلاة وغيرها ؛ فإن الله تعالى هو السلام ؛ لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها ، وذلك واجب له لذاته ، ومنه يطلب السلامة لعباده ؛ فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه . وفي قولهم هذا الكلام قبل أن يعلموا التحيات : دليل على أنهم رأوا أن المنصرف من صلاته لا ينصرف حتى يحيي الله تعالى وخواص عباده بعده ، ثم ينصرف ، ثم يسلم ؛ لأن المصلي يناجي ربه ما دام يصلي ، فلا ينصرف حتى يختم مناجاته بتحية تليق به ، ثم يحيي خواص خلقه ، ثم يدعو لنفسه ، ثم يسلم على الحاضرين معه ، ثم ينصرف . وقد أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما قصدوه من ذلك ، لكنه أمرهم أن يبدلوا قولهم : السلام على الله ، بقولهم : التحيات لله . والتحيات : جمع تحية ، وفسرت التحية بالملك ، وفسرت بالبقاء والدوام ، وفسرت بالسلامة ، والمعنى : أن السلامة من الآفات ثابت لله ، واجب له لذاته . وفسرت بالعظمة ، وقيل : إنها تجمع ذلك كله ، وما كان بمعناه ، وهو أحسن . قال ابن قتيبة : إنما قيل التحيات بالجمع ؛ لأنه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها ، فقيل لهم : قولوا : التحيات لله أي : أن ذلك يستحقه الله وحده . وقوله : والصلوات فسرت بالعبادات جميعها ، وقد روي عن طائفة من المتقدمين : أن جميع الطاعات صلاة ، وفسرت الصلوات هاهنا بالدعاء ، وفسرت بالرحمة ، وفسرت بالصلوات الشرعية ، فيكون ختام الصلاة بهذه الكلمة كاستفتاحها بقول : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقوله : والطيبات ، فسرت بالكلمات الطيبات ، كما في قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فالمعنى : إن ما كان من الكلام فإنه لله ، يثنى به عليه ويمجد به . وفسرت الطيبات بالأعمال الصالحة كلها ؛ فإنها توصف بالطيب ، فتكون كلها لله بمعنى : أنه يعبد بها ويتقرب بها إليه . فهذا جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بدل قوله : السلام على الله . وأما سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق ، فأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذكر السلام ؛ لأن الخلق كلهم يطلب السلام من الله . وفي تفسير السلام على فلان قولان : أحدهما : أن المراد بالسلام اسم الله - يعني : فكأنه يقول : اسم الله عليك . والثاني : أن المراد : سلم الله عليك تسليما وسلاما ، ومن سلم الله عليه ، فقد سلم من الآفات كلها . ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداء ؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم ، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق ؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان على يديه بتعليمه وإرشاده - صلى الله عليه وسلم - تسليما ، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته . والسلام على النبي بلفظ : السلام عليك أيها النبي ، وهكذا في سائر الروايات ؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة . وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - : السلام على النبي ، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من كتابه أنهم كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في التشهد كذلك ، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة . ثم عطف على ذكر السلام على النبي : ورحمة الله وبركاته ، وهذا مطابق لقول الملائكة لإبراهيم عليه السلام : رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت . ويستدل بذلك على جواز الدعاء بالرحمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه اختلاف بين العلماء . ثم أمرهم بعد ذلك بأن يقولوا : السلام علينا والضمير عائد على المصلي نفسه ، وعلى من حضره من الملائكة والمصلين وغيرهم . وفي هذا مستند لمن استحب لمن يدعو لغيره أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبله ، وهو قول علماء الكوفة ، وخالفهم آخرون ، وقد أطال الاستدلال لذلك في كتاب الدعاء من صحيحه هذا ، ويأتي - إن شاء الله تعالى - في موضعه ، بتوفيق الله وعونه . وقوله : وعلى عباد الله الصالحين هو كما قال صلى الله عليه وسلم : فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض . فيغني ذلك عن تعيين أسمائهم ؛ فإن حصرهم لا يمكن ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم . وقد خرج النسائي حديث ابن مسعود في التشهد ، ولفظه : قال عبد الله : كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا ، فعلمنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم : التحيات لله - فذكره . وفي رواية أخرى له : كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم علم فواتح الكلم وخواتمه ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره . ثم أمرهم أن يختموه بالشهادتين ، فيشهدون لله بتفرده بالإلهية ، ويشهدون لمحمد بالعبودية والرسالة ؛ فإن مقام العبودية أشرف مقامات الخلق ؛ ولهذا سمى الله محمدا صلى الله عليه وسلم في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية ، كما قال تعالى في صفة ليلة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ وقال : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى وقال في حقه في مقام الدعوة : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ولهذا المعنى لما سلم على الصالحين في هذا التشهد سماهم : عباد الله ، والصالحون هم القائمون بما لله عليهم من الحقوق له ولخلقه ، وإنما سمي التشهد تشهدا لختمه بالشهادتين . ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود ، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد من روايات أخر فيها بعض المخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص ، وقد خرج مسلم منها حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وإسحاق . وحديث أبي موسى فيه : التحيات الطيبات الصلوات لله ، وباقيه كتشهد ابن مسعود . وحديث ابن عباس فيه : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود ، غير أن في آخره : وأشهد أن محمدا رسول الله . وكل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشهدات ، فإنه يصح الصلاة به ، حكى طائفة الإجماع على ذلك ، لكن اختلفوا في أفضل التشهدات : فذهب الأكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود ، وتفضيله ، والأخذ به . وقد روى ابن عمر ، أن أبا بكر الصديق كان يعلمهم على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب ، ثم ذكره بمثل تشهد ابن مسعود . خرجه ابن أبي شيبة . وروي - أيضا - نحوه عن أبي سعيد الخدري وغيره ، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة ، من التابعين ومن بعدهم . قال أبو إسحاق ، عن الأسود : رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله ، كما يتعلم السورة من القرآن . وقال إبراهيم ، عن الأسود : كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن ، يأخذ علينا الألف والواو . وقال إبراهيم : كانوا يتحفظون هذا التشهد - تشهد عبد الله - ويتبعونه حرفا حرفا . خرجه ابن أبي شيبة وغيره . وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، وأنه قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وحكاه ابن المنذر ، عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق . وحكاه ابن عبد البر عن أكثر أهل الحديث . وروي عن خصيف قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت : يا رسول الله ، اختلف علينا في التشهد : فقال : عليك بتشهد ابن مسعود . وقد نص أحمد على أنه لو تشهد بغيره بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزئه . وذكر القاضي أبو يعلى : أن كلام أحمد في التشهد بما روي عن الصحابة ، كعمر أو غيره : هل يجزئ أو لا ؟ - محتمل ، والأظهر : أنه يجزئ . وقد روي عن علي وابن عمر وعائشة تشهدات أخر . وقد نص إسحاق على جواز التشهد بذلك كله - : نقله حرب . ومن أصحابنا من قال : يجب التشهد بتشهد ابن مسعود ، ولا يجزئ أن يسقط منه واوا ولا ألفا . وهذا خلاف أحمد . والمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنوع التشهدات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نص عليه أحمد . وقال طائفة ، منهم : القاضي أبو يعلى في كتابه الجامع الكبير : إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته ، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح . وقيل لأحمد : لو قال في تشهده : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله : هل يجزئه ؟ قال : أرجو . وقد ورد مثل ذلك في بعض روايات حديث أبي موسى ، وهو في بعض نسخ صحيح مسلم ، وهي رواية لأبي داود والنسائي . والأفضل عند الشافعي : التشهد بتشهد ابن عباس ، الذي نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجه مسلم ، وهو قول الليث بن سعد . والأفضل عند مالك تشهد عمر بن الخطاب ، وقد ذكره في الموطأ موقوفا على عمر ، أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول : قولوا : التحيات لله ، الزاكيات لله ، الصلوات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود . وإليه ذهب الزهري ومعمر . وقد روي عن عمر مرفوعا من وجوه لا تثبت ، والله أعلم . وطائفة من علماء الأندلس اختاروا تشهد ابن مسعود ، وكان يقال عنه : إنه لم يكن بالأندلس من اجتمع له علم الحديث والفقه أحد قبله مثله . وقد روي من حديث سلمان الفارسي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد حرفا حرفا - فذكر مثل حديث تشهد ابن مسعود سواء ، قال : ثم قال : قلها يا سلمان في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفا ، ولا تنتقص منها حرفا . خرجه البزار في مسنده . وفي إسناده ضعف . والله أعلم .
38 - باب إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ بوب عَلَى هذه الترجمة ، ولم يخرج الحَدِيْث الَّذِي بلفظها ، وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَمْرِو بْن دينار ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) . وخرجه أبو داود موقوفاً . وقد اختلف فِي رفعه ووقفه ، واختلف الأئمة فِي الترجيح ، فرجح الترمذي رفعه ، وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) ، وإليه ميل الإمام أحمد ، ورجح أبو زُرْعَة وقفه ، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين ، وإنما لَمْ يخرجه البخاري لتوقفه ، أو لترجيحه وقفه ، والله أعلم . وقد خرجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد الله ، عَن مُحَمَّد بْن جحادة ، عَن عَمْرِو ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا أخذ المؤذن فِي الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة ) . وهذا لفظ غريبٌ . وقد روي من وجوه أخر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . وخرجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة ، ثنا عياش بْن عباسٍ ، عَن أَبِي تميم الزُّهْرِيّ ، عن أبي هريرة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِيْ أقيمت ) . وخرجه الطبراني بهذا اللفظ - أيضا - من رِوَايَة أَبِي صالح ، ثنا الليث ، عن عَبْد الله بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني ، عَن أبيه ، عَن أَبِي تميم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . قَالَ البخاري : 663 - حدثنا عَبْد العزيز بْن عَبْد الله ، ثنا إِبْرَاهِيْم بْن سعد ، عَن أبيه ، عَن حفص بْن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ، قَالَ : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل . وحدثني عَبْد الرحمن - هو : ابن بشر ثنا بهز بْن أسد ، ثنا شعبة ، أخبرني سعد بْن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : سَمِعْت حفص بْن عاصم ، قَالَ : سَمِعْت رجلاً من الأزد ، يقال لَهُ : مَالِك ابن بحينة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث بِهِ النَّاس ، فَقَالَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( آلصبح أربعاً ، آلصبح أربعاً ؟ ) . تابعه غندر ومعاذ ، عَن شعبة ، عَن مَالِك . وَقَالَ ابن إِسْحَاق : عَن سعد ، عَن حفصٍ ، عَن عَبْد الله ابن بحينة . وَقَالَ حماد : أنا سعد ، عَن حفص ، عَن مَالِك . ( لاث بِهِ النَّاس ) أي : أحدقوا بِهِ ، وأحاطوا حوله . وقوله : ( آلصبح أربعاً ) - مرتين - : إنكار لصلاته وقد أقيمت صلاة الفجر ، فكأنه صلى الصبح بعد الإقامة أربعاً . وخرجه مُسْلِم ، ولفظه : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يصلي وقد أقيمت الصلاة ، فكلمه بشيء ، لا ندري مَا هُوَ ، فلما انصرفنا أحطنا بِهِ ، نقول : ماذا قَالَ لَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : قَالَ لِي : ( يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً ) . وفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً - : أقيمت صلاة الصبح ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتصلي الصبح أربعاً ؟ ) . فعلى هذه الرواية ورواية البخاري الحَدِيْث من رِوَايَة ابن بحينة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، سمعه مِنْهُ ، وعلى الرواية الأولى لمسلم الحَدِيْث من رِوَايَة ابن بحينة ، عَن رَجُل غير مسمى من الصَّحَابَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . لكن ؛ قَدْ روي أن الرَّجُلُ المصلي هُوَ ابن القشب ، وَهُوَ ابن بحينة راوي الحَدِيْث . كذلك رواه جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَن أبيه ، مرسلاً . وروي ، عَن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن عَبْد الله بْن مَالِك ابْن بحينة . والصحيح : المرسل ، قاله أبو حاتم الرَّازِي . وقد أشار البخاري إلى الاختلاف فِي اسم ( ابن بحينة ) ، فخرجه من طريق إبراهيم بْن سعد ، عَن أبيه ، وسمى الصحابي : ( عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ) ، وذكر أن ابن إسحاق قالَ عن سعد : ( عن عبد الله ابن بحينة ) ، وخرجه من طريق شعبة ، وسماه : ( مَالِك ابن بحينة ) ، وذكر أن حماداً رواه عَن سعد كذلك ، وحماد هُوَ : ابن سَلَمَة . وكذا رواه أبو عوانة ، عَن سعد أيضاً . وقيل عَنْهُ : ( عَن ابن بحينة ) غير مسمى . والصحيح من ذَلِكَ : عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ، قاله أبو زُرْعَة والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم . وَهُوَ عَبْد الله بْن مَالِك ابن القشب ، من أزد شنوءة ، حليف لبني عَبْد المطلب ، وبحينة أمه ، وهي بحينة بِنْت الحارث بْن عَبْد المطلب ، قاله ابن المديني وابن سعد والترمذي والبيهقي وغيرهم . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث القعنبي ، عَن إِبْرَاهِيْم بْن سعد ، فَقَالَ فِيهِ : عَن عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ، عَن أَبِيه ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله : ( عَن أَبِيه ) وهم ، قاله الإمام أحمد وابن معين وسليمان بْن داود الهاشمي ومسلم - ذكره فِي ( صحيحه ) - وغيرهم . وقد روي مثل هَذَا الحَدِيْث عَن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددةٍ . وخرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث عاصم الأحوال ، عَن عَبْد الله بْن سرجس ، قَالَ : دَخَلَ رَجُل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم فِي صلاة الغداة ، فصلى ركعتين فِي جانب المسجد ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا فلان ، بأي الصلاتين اعتددت ، أبصلاتك وحدك ، أم بصلاتك مَعَنَا ؟ ) . ولا نعلم خلافاً أن إقامة الصلاة تقطع التطوع فيما عدا ركعتي الفجر ، واختلفوا فِي ركعتي الفجر : هَلْ تقطعهما الإقامة . فَقَالَتْ طائفة : تقطعهما الإقامة ، لهذه الأحاديث الصحيحة ، روي عَن ابن عُمَر وأبي هُرَيْرَةَ . وروي عَن عُمَر ، أنه كَانَ يضرب عَلَى الصلاة بعد الإقامة . وممن كره ذَلِكَ ونهى عَنْهُ : سَعِيد بْن جبير وميمون بْن مهران وعروة والنخعي . وَقَالَ ابن سيرين : كانوا يكرهون أن يصلوهما إذا أقيمت الصلاة ، وَقَالَ : مَا يفوته من المكتوبة أحب إلي منهما . وروى أبو حَمْزَة ، قَالَ : قُلتُ لإبراهيم : لأي شيءٍ كرهت الصلاة عِنْدَ الإقامة ؟ قَالَ : مخافة التكبيرة الأولى . قَالَ وكيع : وتدرك فضيلة التكبيرة الأولى بإدراك التأمين مَعَ الإمام ، واستدل بحديث بلال ، أَنَّهُ قَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم : لا تسبقني بقول آمين . وروي نحوه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . ونص أحمد فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم بْن الحارث عَلَى أَنَّهُ إذا لَمْ يدرك التكبيرة مَعَ الإمام لَمْ يدرك التكبيرة الأولى . وممن كره الصلاة بعد الإقامة : الشَّافِعِيّ وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو خيثمة وسليمان بْن داود الهاشمي . ولو خالف وصلى بعد الإقامة صلاةً ، فهل تنعقد ، أم تقع باطلة ؟ فِيهِ لأصحابنا وجهان . واختلفوا : هَلْ يصليهما وَهُوَ فِي البيت إذا سَمِعَ الإقامة ؟ فَقَالَتْ طائفة : يصليهما فِي البيت . وروي عَن ابن عُمَر ، أنَّهُ دَخَلَ المسجد والناس يصلون ، فدخل بيت حَفْصَةَ فصلى ركعتين ، ثُمَّ خرج إلى المسجد . وروي عَنْهُ مرفوعاً ، خرجه ابن عدي . ورفعه لا يصح . وروى أبو إِسْحَاق ، عَن الحارث ، عَن عَلِيّ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصلي الركعتين عِنْدَ الإقامة . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه . والحارث فِيهِ ضعف ، وأبو إِسْحَاق لَمْ يسمعه مِنْهُ . وخرجه يعقوب بْن شيبة ، ولفظه : ( مَعَ الإقامة ) . ورواه الْحَسَن بْن عمارة - وهو متروك - عَن أَبِي إِسْحَاق ، وزاد فِيهِ : أَنَّهُ صلى فِي ناحية المسجد والمؤذن يقيم . ولم يتابع عَلَى ذَلِكَ . ورخص مَالِك فِي الصلاة بعد الإقامة خارج المسجد إذا لَمْ يخش أن تفوته الركعة الأولى . ونقل ابن منصور عَن أحمد وإسحاق أنهما رخصا فيهما فِي البيت . قَالَ أحمد : وقد كرهه قوم ، وتركه أحب إلي . ونقل الشالنجي عَن أحمد : لا يصليهما فِي المسجد ، ولا فِي البيت . وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ الهاشمي . وقالت طائفة : يصليهما فِي المسجد - أيضاً وروي ذَلِكَ عَن ابن مَسْعُود ، وأنه فعله بمحضرٍ من حذيفة وأبي موسى الأشعري . وعن أَبِي الدرداء ، قَالَ : إني لأوتر وراء عمودٍ والإمام فِي الصلاة . وعن الْحَسَن ومسروق ومجاهد ومكحول ، وَهُوَ قَوْلِ حمادٍ والحسن بْن حي والأوزاعي وسعيد بْن عَبْد العزيز والثوري وأبي حنيفة وأصحابه . لكن الأوزاعي وسعيد وأبو حنيفة قالوا : إنما يصليهما إذا رجا إدراك الركعة الأخيرة مَعَ الإمام ، وإلا فلا يصليهما . وروى وكيع ، عَن سُفْيَان ، أَنَّهُ يعتبر أن يرجو إدراك الركعة الأولى . وروي ذَلِكَ عَن المقدام بْن معدي كرب الصحابي . خرجه حرب عَنْهُ بإسناده . ونقل حرب ، عَن إِسْحَاق ، قَالَ : إذا دَخَلَ المسجد وقد أخذ المؤذن فِي الإقامة ، فإن كَانَ الإمام افتتح الصلاة دخل معه ، وإن لم يكن افتتح الصلاة فلا بأس . هَذَا كله حكم ابتداء التطوع بعد إقامة الصلاة ، فإن كَانَ قَدْ ابتدأ بالتطوع قَبْلَ الإقامة ، ثُمَّ أقيمت الصلاة ، ففيه قولان : أحدهما : أَنَّهُ يتم ، وَهُوَ قَوْلِ الأكثرين ، منهم : النخعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، حملاً للنهي عَلَى الابتداء دون الاستدامة . والثاني : يقطعها ، وَهُوَ قَوْلِ سَعِيد بْن جبير . وحكي رِوَايَة عَن أحمد ، حكاها أبو حفص ، وهي غريبة ، وحكاها غيره مقيدةً بما إذا خشي فوات الجماعة بإتمام صلاته ، وحكي عَن أحمد فِي إتمامها وقطعها روايتان . وحكي عَن النخعي وأبي حنيفة وإسحاق الإتمام ، وعن الشَّافِعِيّ القطع . وَقَالَ مَالِك : إن أقيمت وَهُوَ راكع [ ] ولم يركع لكنه ممن يخف الركعتين قَبْلَ أن يركع الإمام صلاهما ، وإلا قطع وصلى مَعَ الإمام ؛ لأنه تحصل لَهُ الجماعة فِي جميع الركعات ، ولا يبطل عَلِيهِ من التطوع كبير عملٍ . وَقَالَ الثوري : إذا كَانَ يتطوع فِي المسجد ثُمَّ أقيمت الصلاة فليسرع الصلاة حَتَّى يلحق الإمام ، قَالَ : وإن دَخَلَ المسجد والمؤذن يقيم ، فظن أَنَّهُ يؤذن ، فافتتح تطوعاً ، فإن تهيأ لَهُ أن يركع ركعتين خفيفتين فعل ، وإلا قطع ودخل فِي الصلاة ؛ فإن هذه صلاة ابتدأها بعد الإقامة . هَذَا كله فِي صلاة التطوع حال إقامة الصلاة . فأما إن كَانَ يصلي فرضاً وحده ، ثُمَّ أقيمت تلك الصلاة ، ففيه أربعة أقوال : أحدها : أَنَّهُ يجوز لَهُ أن يتمه نفلاً ، ثُمَّ يصلي مَعَ الجماعة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشَّافِعِيّ ، ليحصل فضيلة الجماعة . وعن أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ يقطع صلاته ويصلي مَعَ الجماعة . والثاني : يتمه فرضاً ، وَهُوَ قَوْلِ الْحَسَن ، والقول الثاني للشافعي ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد ، نقلها عَنْهُ أبو الحارث ، وَقَالَ : إذا أتمها فهو مخير ، إن شاء صلى مَعَ القوم ، وإن شاء لَمْ يدخل معهم . قَالَ أبو حفص : وعنه رِوَايَة أخرى : أَنَّهُ يجب أن يصلي معهم إذا حضر فِي مسجد أهله يصلون ، قَالَ : وَهُوَ الأكثر فِي مذهبه ، قَالَ : وبه وردت السنة . قُلتُ : يشير إلى الإعادة مَعَ الجماعة . وفي وجوب الإعادة واستحبابها عَنْهُ روايتان ، وأكثر الأصحاب عَلَى أن الإعادة مستحبة غير واجبة ، قالوا : وسواء كَانَ صلى منفرداً أو فِي جماعة . قالوا : وإنما تجب الصلاة فِي جماعة لمن لَمْ يصل ، فأما من صلى منفرداً فَقَدْ سقط عَنْهُ الفرض ، فلا يجب عَلِيهِ إعادته ؛ ولهذا إذا أعاده فِي جماعة كَانَتْ المعادةُ نفلاً ، وفرضه الأولى ، نَصَّ عَلِيهِ أحمد . والثالث : إن كَانَ صلى أكثر الفرض أتمه فرضاً ، وإلا أتمه نفلاً ، ثُمَّ صلى مَعَ الجماعة فرضه ، تنزيلاً للأكثر منزلة الكل ، وَهُوَ قَوْلِ النخعي ومالك وأبي حنيفة والثوري . وقالوا : إنَّه يصلي بعد ذَلِكَ مَعَ الجماعة مَا يلحق معهم تطوعاً . والرابع : أَنَّهُ يحتسب بما صلى فريضة ، ثُمَّ يتم باقي صلاته مَعَ الجماعة ، ويفارقهم إذا تمت صلاته ، وَهُوَ قَوْلِ طائفة من السلف ، حكاه عنهم الثوري ، ونقله حرب عَن إِسْحَاق ، وحكاه إِسْحَاق عَن النخعي . وهذا مبني عَلَى القول بجواز الانتقال من الإفراد إلى الائتمام ، فأما إن أقيمت الصلاة وعليه فائتة ، فمن قَالَ : لا يجب الترتيب بَيْن الفائتة والحاضرة ، فإنه يرى أن يصلي مَعَ الإمام فريضة الوقت الَّتِيْ يصليها الإمام ، ثُمَّ يقضي الفائتة بعدها . وأما من أوجب الترتيب ، فاختلفوا : فمنهم من أسقط الترتيب فِي هَذَا الحال لخشية فوات الجماعة ؛ فإنها واجبة عندنا ، والنصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص فِي الترتيب ، وحكي هَذَا رِوَايَة عَن أحمد ، ورجحها بعض المتأخرين من أصحابنا . والمنصوص عَن أحمد : أَنَّهُ يصلي مَعَ الإمام الحاضرة ، ثُمَّ يقضي الفائتة ، ثُمَّ يعيد الحاضرة ؛ فإنه يحصل لَهُ بعد ذَلِكَ الترتيب ، ولا يكون مصلياً بعد إقامة الصلاة غير الصلاة الَّتِيْ أقيمت . ومن النَّاس من قَالَ : يفعل كذلك إذا خشي أن تفوته الجماعة بالكلية ، فإن رجا أن يدرك مَعَ الإمام شيئاً من الصلاة فالأولى أن يشتغل بقضاء الفائتة ، ثُمَّ يصلي الحاضرة مَعَ الإمام ، ويقضي مَا سبقه بِهِ . وهذا ضَعِيف ؛ فإن الَّتِيْ صلاها فِي جماعة لَمْ يعتد بِهَا ، بل قضاها ، فَهِيَّ فِي معنى النافلة . ومن أصحابنا من قَالَ : الأولى أن يشتغل بالقضاء وحده ، ثُمَّ إن أدرك مَعَ الإمام الحاضرة ، وإلا صلاها وحده . وفي هَذَا مخالفة لقوله : ( فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِيْ أقيمت ) . ومن أجاز أن يقتدي من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر ، أجاز أن يقتدي بالإمام فِي الفائتة ، ثُمَّ يصلي الحاضرة بعدها ، وأمر بذلك عَطَاء بْن أَبِي رباح . وخرج البيهقي من رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمْزَة ، ثنا الوضين بْن عَطَاء ، عَن محفوظ بْن علقمة ، عَن ابن عائذ ، قَالَ : دَخَلَ ثَلاَثَة من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فِي صلاة العصر ، قَدْ فرغوا من صلاة الظهر ، فصلوا مَعَ النَّاس ، فلما فرغوا قَالَ بعضهم لبعض : كَيْفَ صنعتم ؟ قَالَ أحدهم : جعلتها الظهر ، ثُمَّ صليت العصر ، وَقَالَ الآخر : جعلتها العصر ، ثُمَّ صليت الظهر ، وَقَالَ الآخر : جعلتها للمسجد ، ثُمَّ جعلتها للظهر والعصر ، فَلَمْ يعب بعضهم عَلَى بعضٍ . وخرجه الجوزجاني ، حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد ، ثنا بقية ، عَن الوضين بْن عَطَاء ، عَن يزيد بْن مرثد ، قَالَ : دَخَلَ مسجد حمص ثَلاَثَة نفر من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : شداد بْن أوس وعبادة بْن الصَّامِت وواثلة بْن الأسقع ، والإمام فِي صلاة العصر ، وهم يرون أنها الظهر ، فَقَالَ أحدهم : هِيَ العصر ، وأصلي الظهر ، وَقَالَ الآخر : هذه لِي الظهر ، وأصلي العصر ، وَقَالَ الثالث : أصلي الظهر ، ثُمَّ العصر ، فَلَمْ يعب واحد منهم عَلَى صاحبيه .
147 - باب التشهد في الأولى 830 - حدثنا قتيبة ، ثنا بكر - هو ابن مضر - عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقام وعليه جلوس ، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالس . يعني البخاري : التشهد في الجلسة الأولى في الصلاة . وحديث ابن بحينة قد سبق في الباب الماضي . وفيه : دليل على أن من تركه نسيانا لم تبطل صلاته ، وأنه يسجد للسهو لتركه ، وقد سبق حكم تركه نسيانا وعمدا في الباب الماضي . ومذهب أحمد : إن تركه نسيانا لزمه [ بسجود به أن يجبره بسهوويه ] ، وإن تركه عمدا بطلت صلاته ؛ كما سبق ذكره . وفي صحيح مسلم ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في كل ركعتين التحية . وخرجه البيهقي ، ولفظه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين كل ركعتين تحية . وخرج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدؤوا قبل التسليم : التحيات والطيبات والصلوات والملك لله ، ثم سلموا . والتشهد بعد الركعتين - وإن لم يسلم منه - إشارة إلى أن كل صلاة ركعتين صلاة تامة ، فيتشهد عقبها ، وإن كان يقوم منها إلى الصلاة ؛ فإن الصلاة التي يقوم إليها كالصلاة المستقبلة . ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أكثر من ركعتين بغير تشهد غير صلاة الليل ؛ فإنه قد روي عنه أنه كان يصلي ثمانيا وأربعا ثم يتشهد .
الطريق الثاني : قَالَ : 665 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى : ثنا هِشَام بْن يوسف ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتي ، فأذن لَهُ ، فخرج بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وكان بَيْن عَبَّاس ورجل آخر . قَالَ عُبَيْدِ الله : فذكرت ذَلِكَ لابن عَبَّاس مَا قَالَتْ عَائِشَة ، فَقَالَ لِي : وهل تدري من الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تسم عَائِشَة ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب . وقد رواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، وذكر فِي حديثه : الفضل بْن عَبَّاس . خرجه مُسْلِم من طريقه كذلك . وخرجه من طريق عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، وذكر فِي حديثه : العباس ، كما قَالَ هِشَام ، عَن معمر . وخرجه البخاري فِي ( وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ) من حَدِيْث عقيل مطولاً . وقد فهم البخاري من خروجه بَيْن عَبَّاس وغيره خروجه إلى المسجد للصلاة . وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ( كِتَاب الصلاة ) أَيْضاً . وفي هَذَا نظر ؛ وظاهر السياق يقتضي أنها أرادت خروجه إلى بيت عَائِشَة ليمرض فِيهِ . يدل عَلِيهِ : أن فِي رِوَايَة عَبْد الرزاق عن معمر الَّتِيْ خرجها مُسْلِم : أول مَا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتها ، فأذن لَهُ ، قَالَتْ : فخرج ويد لَهُ عَلَى الفضل الحَدِيْث . رواه ابن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بلفظ صريح بذلك : أن عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يدور عَلَى نسائه ، فلما ثقل استأذنهن أن يقيم فِي بيتي ، ويدرن عَلِيهِ ، قَالَتْ : فذهب ينوء فَلَمْ يستطع ، فدخل عَلِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْن رجلين ، ورجلاه تخطان فِي الأرض ؛ أحدهما العباس . ورواه عَبْد الرحمن بْن إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ والقاسم وأبي بَكْر بن عَبْد الرحمن وعبيد الله بْن عَبْد الله ، كلهم يحدثونه عَن عَائِشَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : جاءه مرضه الَّذِي مات فِيهِ في بيت ميمونة ، فخرج عاصباً رأسه ، فدخل عَلَيّ بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وعن يمينه العباس وذكر الحَدِيْث . وكذا رواه صالح بْن كيسان ، عَن ابن شِهَاب ، مرسلاً : أَنَّهُ خرج بَيْن الرجلين تخط رجلاه الأرض ، حَتَّى دَخَلَ بيت عَائِشَة . وحينئذ ؛ فلا ينبغي تخريج هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب ، ولا هُوَ داخل فِي معناه بالكلية . والله سبحانه وتعالى أعلم .
39 - باب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ قوله : ( حد المريض ) ضبطه جماعة بالجيم المكسورة ، والمعنى : اجتهاد المريض أن يشهد الجماعة ، ومنهم من ضبطه بالحاء المهملة المفتوحة ، وفسره بالعزم والحرص . ابتدأ البخاري - رحمه الله - فِي ذكر الأعذار الَّتِيْ يباح معها التخلف عَن شهود الجماعة ، فمنها : المرض ، وَهُوَ عذر مبيح لترك الجماعة ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بَكْر أن يصلي بالناس ، وإنما خرج إلى الصلاة لما وجد من نفسه خفة . وخروج المريض إلى المسجد ومحاملته أفضل ، كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يهادى بَيْن رجلين . وقد قَالَ ابن مَسْعُود : ولقد كَانَ الرَّجُلُ يهادى بَيْن رجلين حَتَّى يقام فِي الصف . ومتى كَانَ المريض لا يقدر عَلَى المشي إلى المسجد ، وإنما يقدر أن يخرج محمولاً لَمْ يلزمه الخروج إلى الجماعة . ولو وجد الزمن من يتطوع بحمله لَمْ تلزمه الجماعة ، وفي لزوم الجمعة لَهُ بذلك وجهان لأصحابنا . قَالَ ابن المنذر : ولا أعلم اختلافاً بَيْن أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عَن الجماعات من أجل المرض . خرج البخاري فِي هَذَا الباب حَدِيْث عَائِشَة فِي مرض النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين : الأول : قَالَ : 664 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص بْن غياث ، ثنا أَبِي ، ثنا الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، قَالَ : كنا عِنْدَ عَائِشَة ، فذكرنا المواظبة عَلَى الصلاة ، والتعظيم لها ، قَالَتْ : لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فحضرت الصلاة ، فأوذن ، فَقَالَ : ( مروا أبا بَكْر فليصل بالناس ) ، فَقِيلَ لَهُ : إن أبا بَكْر رَجُل أسيف ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس ، وأعاد ، فأعادوا لَهُ ، فأعاد الثالثة ، فَقَالَ : ( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بَكْر فليصل بالناس ) ، فخرج أبو بَكْر فصلى ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج يهادى بَيْن رجلين ، حَتَّى كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بَكْر أن يتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك . ثُمَّ أتي بِهِ حَتَّى جلس إلى جنبه . فَقِيلَ للأعمش : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ؟ فَقَالَ برأسه : نَعَمْ . روى أبو داود ، عَن شعبة ، عَن الأعمش بعضه ، وزاد أبو معاوية : جلس عَن يسار أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يصلي قائماً . قَالَ الخطابي : الأسيف : الرقيق القلب ، الَّذِي يسرع إليه الأسف والحزن . قَالَ : ويهادى : يحمل ، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة . قَالَ : وقوله : ( صواحبات يوسف ) يريد النسوة اللاتي فتنه وتعنتنه . انتهى . وكانت عَائِشَة هِيَ الَّتِيْ أشارت بصرف الإمامة عَن أَبِي بَكْر ؛ لمخافتها أن يتشاءم النَّاس بأول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الإمامة ، فكان إظهارها لرقة أَبِي بَكْر خشية أن لا يسمع النَّاس توصلاً إلى مَا تريده من صرف التشاؤم عَن أبيها ، ففيه نوع مشابهة لما أظهره النسوة مَعَ يوسف عَلِيهِ السلام مِمَّا لا حقيقة لَهُ توصلاً إلى مرادهن . وكان قصد النبي صلى الله عليه وسلم تقديم أَبِي بَكْر عَلَى النَّاس فِي أهم أمور الدين حَتَّى تكون الدنيا تبعاً للدين فِي ذَلِكَ . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى أن تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عَن الخروج أولاً لشدة الوجع عَلِيهِ ، فإنه لَمْ يمكنه الخروج بالكلية ، فلما وجد من نفسه خفة فِي الألم خرج محمولاً بَيْن رجلين ، يعتمد عَلَيْهِمَا ويتوكأ ، ورجلاه تخطان الأرض ، فَلَمْ يستطع أن يمشي برجليه عَلَى الأرض لقوة وجعه ، بل كَانَ يحمل حملاً . ولما رأى أبو بَكْر النبي صلى الله عليه وسلم قَدْ خرج أراد أن يتأخر تأدباً مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ، أي : اثبت مكانك ، ثُمَّ أتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى أجلس إلى جانب أَبِي بَكْر . وليس فِي هذه الرواية تعيين الجانب الَّذِي أجلس النبي صلى الله عليه وسلم فِيهِ من أَبِي بكرٍ : هَلْ هُوَ جانبه الأيمن أو الأيسر ؟ وقد ذكر البخاري أن أبا معاوية زاد فِي حديثه عَن الأعمش : ( فجلس عَن يسار أَبِي بَكْر ) . وقد خرج البخاري فيما بعد عَن قتيبة ، عَن أَبِي معاوية كذلك . وخرجه - أَيْضاً - من رِوَايَة عَبْد الله بْن داود الخريبي ، عَن الأعمش ، ولفظه : فتأخر أبو بَكْر ، وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس التكبير . وذكر أن محاضر بْن المورع رواه عن الأعمش كذلك . وخرجه مُسْلِم من رِوَايَة وكيع وأبي معاوية ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حَدِيْث أَبِي معاوية عنده : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس عَن يسار أَبِي بَكْر . وخرجه - أَيْضاً - من طريق عَلِيّ بْن مسهر وعيسى بْن يونس ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حديثهما : فأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أجلس إلى جنبه . وخرج إِسْحَاق بْن راهويه فِي ( مسنده ) ، عَن وكيع ، عَن الأعمش هَذَا الحَدِيْث ، وَقَالَ فِيهِ : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس عَن يمين أَبِي بَكْر ، يقتدي بِهِ ، والناس يقتدون بأبي بَكْر . وهذه زيادة غريبةُ . وقد خرج الحَدِيْث الإمام أحمد فِي ( مسنده ) ، عَن وكيع ، ولم يذكر فِيهِ ذَلِكَ ، بل قَالَ فِي حديثه : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس إلى جنب أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والناس يأتمون بأبي بَكْر . وأما ذكر جلوسه عَن يسار أَبِي بَكْر ، فتفرد بذلك أبو معاوية عَن الأعمش ، وأبو معاوية وإن كَانَ حافظاً لحديث الأعمش خصوصاً ، إلا أن ترك أصْحَاب الأعمش لهذه اللفظة عَنْهُ توقع الريبة فيها ، حَتَّى قَالَ الحافظ أبو بَكْر بْن مفوز المعافري : إنها غير محفوظة ، وحكاه عَن غيره من العلماء . وأما رِوَايَة أَبِي داود الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش لبعض هَذَا الحَدِيْث ، كما أشار إليه البخاري ، فإنه رَوَى بهذا الإسناد عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : من النَّاس من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي الصف ، ومنهم من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم المقدم . قَالَ البيهقي : هكذا رواه الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش ، ورواية الجماعة عَن الأعمش كما تقدم عَلَى الإثبات والصحة . قُلتُ : قَدْ رَوَى غير واحد عَن شعبة ، عَن الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر قاعداً . وأما مَا ذكره حفص بْن غياث فِي روايته عَن الأعمش ، أَنَّهُ قيل للأعمش : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ، فأشار برأسه : نَعَمْ ، فإنه يشعر بأن هذه الكلمات ليست من الحَدِيْث الَّذِي أسنده الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، بل هِيَ مدرجة ، وقد أدرجها أبو معاوية ووكيع فِي حديثهما عَن الأعمش . ورواه عَن همام ، عَن الأعمش ، فَلَمْ يذكر فِيهِ هَذه الكلمات بالكلية ، وهذا - أَيْضاً - يشعر بإدراجها . وقد رَوَى عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم ، قَالَ عُرْوَةَ : فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج ، فذكر معنى ذَلِكَ أَيْضاً . وهذا مدرج مصرح بإدراجه ، وقد خرجه البخاري فيما بعد كذلك . وروى الإمام أحمد : حَدَّثَنَا شبابة ، ثنا شعبة ، عَن سعد بْن إِبْرَاهِيْم ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي مرضه : ( مروا أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس ) - وذكر الحَدِيْث ، وفي آخره : فصلى أبو بَكْر ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه قاعداً . ولو كَانَتْ هذه الكلمات الَّتِيْ ذكرها الأعمش فِي حديثه فِي هَذَا الحَدِيْث عَن عَائِشَة ، فكيف كَانَتْ تَقُول : من النَّاس من يَقُول : كَانَ أبو بَكْر المقدم بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الصف ، ومنهم من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم المقدم . وكذلك قَالَ ابن أخيها الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فقيه المدينة . قَالَ عُمَر بْن شبة فِي ( كِتَاب أخبار المدينة ) : حَدَّثَنَا زيد بْن يَحْيَى أبو الحسين ، ثنا صخر بْن جويرية ، عَن عَبْد الرحمن بْن الْقَاسِم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح فِي اليوم الَّذِي مات فِيهِ فِي المسجد ، جَاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر يصلي ، فجلس عِنْدَ رجليه ، فمن النَّاس من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم هُوَ المتقدم ، وعظم الناس يقولون : كَانَ أبو بَكْر هُوَ المتقدم . قَالَ عُمَر بْن شبة : اختلف النَّاس فِي هَذَا ، فَقَالَ بعضهم : صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر ، وَقَالَ آخرون : بل كَانَ أبو بَكْر يأتم بتكبير النبي صلى الله عليه وسلم ، ويأتم النَّاس بتكبير أَبِي بَكْر . وَقَالَ أبو بَكْر بْن المنذر : اختلفت الأخبار فِي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ خلف أبي بَكْر ، ففي بعض الأخبار : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس . وفي بعضها : أن أَبَا بَكْر كَانَ المقدم ، وقالت عَائِشَة : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ . انتهى . وهذا المروي عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه مِمَّا يدل عَلَى أن هذه الألفاظ فِي آخر حَدِيْث الأعمش مدرجة ، ليست من حَدِيْث عَائِشَة . وقد رَوَى شبابة ، عَن شعبة ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عائشة ، قَالَتْ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ . خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان فِي ( صحيحه ) . وَقَالَ الترمذي : حسن صحيح . وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رِوَايَة بَكْر بْن عيسى ، عَن شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة ، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس والنبي صلى الله عليه وسلم فِي الصف . وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة بَكْر بْن عيسى عَلَى رِوَايَة شبابة ، وذكر أنها مخالفة لها . وقد يقال : ليست مخالفة لها ؛ فإن المراد بالصف صف المأمومين ، فهما إذا بمعنى واحد . وروى هَذَا الحَدِيْث معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أبيه ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، أحسبه عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، فذكرت حَدِيْث مرض النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلاة أَبِي بَكْر ، قَالَتْ : ثُمَّ أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت نوبة وبريرة فاحتملاه ، فلما أحس أبو بَكْر بمجيئه أراد أن يتأخر ، فأومأَ إليه أن اثبت ، قَالَ : وجيء بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع بحذاء أَبِي بَكْر فِي الصف . خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) . ومنعه من التأخر يدل عَلَى أَنَّهُ أراد أن يستمر عَلَى إمامته . وخرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق عاصم ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، وزاد فِيهِ : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وَهُوَ جالس ، وأبو بَكْر قائم يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر . ولكن عاصم ، هُوَ ابن أَبِي النجود ، ليس بذاك الحافظ . وروى شعبة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَة ، عَن عَائِشَة ، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الصف خلفه . خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) من طريق بدل بْن المحبر ، عَن شعبة . وبدل ، وثقه غير واحد ، وخرج لَهُ البخاري فِي ( صحيحه ) ، وإن تكلم فِيهِ الدارقطني . خالفه فِيهِ أبو داود الطيالسي : خرجه الإمام أحمد : حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي ، ثنا شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْن يدي أَبِي بَكْر يصلي بالناس قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، والناس خلفه . وكذا رواه زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة . وقد خرج حديثه البخاري فيما بعد بسياق مطول ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بَيْن رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر ، وذكر بقية الحَدِيْث بمعنى مَا رواه أبو معاوية ووكيع وغيرهما عَن الأعمش . وقد ذكر ابن أَبِي حاتم فِي كِتَاب ( الجرح والتعديل ) لَهُ عَن أَبِيه ، قَالَ : يريبني حَدِيْث موسى بْن أَبِي عَائِشَة فِي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه ، قُلتُ : كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : صالح الحَدِيْث ، قُلتُ : يحتج بِهِ ؟ قَالَ : يكتب حديثه . قُلتُ : وقد اختلف عَلِيهِ فِي لفظه ، فرواه شعبة ، عَنْهُ ، كما تقدم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فِي الصف خلف أَبِي بَكْر . ورواه زائدة ، واختلف عَنْهُ ، فَقَالَ الأكثرون ، عَنْهُ : إن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي وَهُوَ قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قاعد ، والناس يأتمون بصلاة أَبِي بَكْر . ورواه عَبْد الرحمن بْن مهدي ، عَن زائدة ، وَقَالَ فِي حديثه : فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس وَهُوَ قائم يصلي . وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة الأكثرين عَن زائدة عَلَى رِوَايَة ابن مهدي . وليس ائتمام أَبِي بَكْر بالنبي صلى الله عليه وسلم صريحاً فِي أنه كَانَ مأموماً ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يراعي فِي تلك الصلاة حال النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه ، وما هُوَ أهون عَلِيهِ ، كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بْن أَبِي العاص لما جعل إمام قومه : ( اقتد بأضعفهم ) أي : راع حال الأضعف ، وصل صلاةً لا تشق عليهم . وقد اختلف العلماء : هَلْ كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماماً لأبي بَكْر فِي هذه الصلاة ، أو كَانَ مؤتماً بِهِ ؟ وقد تقدم عَن عَائِشَة والقاسم بْن مُحَمَّد ، أنهما ذكرا هَذَا الاختلاف ، وأن الْقَاسِم قَالَ : عظم النَّاس يَقُول : أبو بَكْر كَانَ هُوَ المقدم - يعني : فِي الإمامة - وعلماء أهل المدينة عَلَى هَذَا القول ، وهم أعلم النَّاس بهذه القصة . وذكر ابن عَبْد البر فِي ( استذكاره ) أن ابن الْقَاسِم رَوَى عَن مَالِك ، عَن رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرحمن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وَهُوَ مريض ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، فجلس إلى أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر هُوَ الإمام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بصلاة أَبِي بَكْر ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ( مَا مات نبي حتى يؤمه رَجُل من أمته ) . قَالَ ابن الْقَاسِم : قَالَ مَالِك : العمل عندنا عَلَى حَدِيْث رَبِيعَة هَذَا ، وَهُوَ أحب إلي . قَالَ سحنون : بهذا الحَدِيْث يأخذ ابن الْقَاسِم . أما مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، فهو أن هذه الصلاة الَّتِيْ حكتها عَائِشَة كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الإمام فيها لأبي بَكْر ، ثُمَّ اختلفا : فَقَالَ أحمد : كَانَ أبو بَكْر إماماً للناس - أَيْضاً - فكانت تلك الصلاة بإمامين . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : بل كَانَ مأموماً ، وَهُوَ الَّذِي ذهب إليه البخاري والنسائي . وفرع عَلَى هَذَا الاختلاف مسألة الصلاة بإمامين ، ومسألة الصلاة قاعداً أو قائماً خلف الإمام القاعد ، وسيأتي ذَلِكَ مبسوطاً فِي مواضعه إن شاء الله تعالى . ولم ينف الشَّافِعِيّ ولا أكثر أصْحَاب الإمام أحمد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ائتم بأبي بَكْر فِي غير هذه الصلاة ، بل قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر مرة لَمْ يمنع ذَلِكَ أن يكون صلى خلفه مرة أخرى . وكذلك ذكر أبو بَكْر عَبْد العزيز بْن جَعْفَر من أصحابنا فِي كتابه ( الشَّافي ) ، وكذلك ذكره ابن حبان ومحمد بْن يَحْيَى الهمداني فِي ( صحيحيهما ) ، والبيهقي وغيرهم . وكذلك صنف أبو علي البرداني وعبد العزيز بْن زهير الحربي من أصحابنا فِي إثبات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر . ورد ذَلِكَ أبو الفرج ابن الجوزي ، وصنف فِيهِ مصنفاً ، وَهُوَ يشتمل عَلَى أوهام كثيرة . وقد ذكر كثير من أهل المغازي والسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه ، منهم : موسى بْن عقبة ، وَهُوَ أجل أهل المغازي ، وذكر أن صلاته خلفه كَانَتْ صلاة الصبح يوم الاثنين ، وَهُوَ آخر صلاة صلاها ، وذكره عَن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ . وروى ابن لهيعة ، عَن أَبِي الأسود ، عَن عُرْوَةَ ، مثله . وقد تقدم عَن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد نحوه . وروي عَن الْحَسَن أَيْضاً . ولذلك رجحه ابن حبان والبيهقي وغيرهما . وجمع البيهقي فِي ( كِتَاب المعرفة ) بَيْن هَذَا وبين حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستر فِي أول الصلاة ، ثُمَّ وجد خفة فِي الركعة الثانية فخرج فصلاها خلف أَبِي بَكْر ، وقضى الركعة الَّتِي فاتته . وخرج ابن سعد فِي ( طبقاته ) هَذَا المعنى من تمام حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد بأسانيد فيها مقال . والله أعلم . وبإسناد صحيح ، عَن عُبَيْدِ بْن عمير ، مرسلاً . وروى ابن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي يعقوب بْن عُتْبَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ اليوم حِينَ دَخَلَ المسجد ، فاضطجع فِي حجري - ثُمَّ ذكرت قصة السواك الأخضر - وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ . خرجه الإمام أحمد . وَهُوَ دليل عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ خرج إلى المسجد ذَلِكَ اليوم . وفي ( مسند الإمام أحمد ) أن المغيرة بْن شعبة سئل : هَلْ أم النبي صلى الله عليه وسلم رَجُل من هذه الأمة غير أَبِي بَكْر الصديق ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كنا فِي سفر ثُمَّ ذكر قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وراء عَبْد الرحمن بْن عوف . وذكر ابن سعد فِي ( طبقاته ) عَن الواقدي ، أَنَّهُ قَالَ : هَذَا الَّذِي ثبت عندنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر . وفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا . وقد خرج الترمذي من حَدِيْث حميد ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي مرضه خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، فِي ثوب متوشحاً بِهِ . وَقَالَ : حسن صحيح . وخرجه - أَيْضاً - ابن حبان فِي ( صحيحه ) ، وصححه العقيلي وغير واحد . وقد رواه جماعة عَن حميد ، عَن أنس ، من غير واسطة . واختلف الحفاظ فِي الترجيح ؛ فرجحت طائفة قَوْلِ من أدخل بَيْنَهُمَا ( ثابتاً ) ، منهم : الترمذي وأبو حاتم الرَّازِي ، ومنهم من رجح إسقاطه ، ومنهم : أبو زُرْعَة الرَّازِي ، والله تعالى أعلم .
146 - باب من لم ير التشهد الأول واجبا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام من الركعتين ولم يرجع 829 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني عبد الرحمن بن هرمز مولى بني عبد المطلب - وقال مرة : مولى ربيعة بن الحارث - أن عبد الله بن بحينة - وهو من أزد شنوءة ، وهو حليف لبني عبد مناف ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر ، فقام في الركعتين الأوليين ، لم يجلس ، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر ، وهو جالس ، فسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم سلم . عبد الرحمن بن هرمز : هو الأعرج ، وهو مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، فلذلك نسبه الزهري مرة إلى ولاء بني عبد المطلب ، ومرة إلى مولاه . وقد استدل بهذا الحديث كثير من العلماء - كما أشار إليه البخاري - على أن التشهد الأول ليس بواجب ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نسيه ، ولم يرجع بعد قيامه إلى الركعة الثالثة . وممن ذهب إلى أن التشهد الأول والجلوس له سنة لا تبطل الصلاة بتركهما عمدا : النخعي وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد . والمنصوص عن أحمد : إنكار تسميته سنة ، وتوقف في تسميته فرضا ؛ وقال : هو أمر أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الثوري وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبو ثور وداود : أن ترك واحدا منهما عمدا بطلت صلاته ، وإن تركه سهوا سجد لسهو . وحكى الطحاوي مثله ، عن مالك . لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم عليه ، وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وإنما تركه نسيانا ، وجبره بسجود السهو ، وقد روى عنه الأمر به . كما خرجه أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد . والعجب أن من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة : إذا لم تجلس بينهما لم تصح الخطبة ، وهو يقول : لو صلى الظهر أربعا من غير جلوس في وسطها صحت صلاته . وأما التشهد الآخر والجلوس به ، فقال كثير من العلماء : إنهما من فرائض الصلاة ، ومن تركهما لم تصح صلاته ، وهو قول الحسن ومكحول ونافع مولى ابن عمر والشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبي ثور وداود . وحكى ابن المنذر مثله عن مالك ، إلا أنه قال : إذا نسيه خلف الإمام حمله عنه . وروي عن الأوزاعي نحوه . ونقل مهنا عن أحمد ما يدل على مثل ذلك . وقال أبو مصعب : من ترك التشهد بطلت صلاته ، ونقله عن مالك وأهل المدينة . وقالت طائفة : هو سنة كالتشهد الأول ، لا تبطل الصلاة بتركه ، منهم : النخعي وقتادة وحماد والأوزاعي ، وهو المشهور عن مالك . ونقل محمد بن يحيى الكحال ، عن أحمد ، فيمن سلم ولم يتشهد : لا إعادة ، واستدل بحديث ابن بحينة . ونقل ابن وهب ، عن مالك ، قال : كل أحد يحسن التشهد ؟! وإذا ذكر الله أجزأ عنه . وقال أحمد - في رواية عنه ، نقلها حرب - : إذا لم يقدر أن يتعلم التشهد يدعو بما أحب . وأوجب أبو حنيفة الجلوس له بقدر التشهد ، دون التشهد ، وهو رواية عن الثوري . وروي عنه : إن أحدث قبل التشهد تمت صلاته . وحكي القول بأنه سنة رواية عن أحمد - أيضا - حكاه عنه الترمذي في جامعه ، فإنه قال في رواية ابن منصور ، وقد قيل له : فإن لم يتشهد وسلم ؟ قال : التشهد أهون ؛ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثنتين ولم يتشهد . فحمله هؤلاء على أن التشهد غير واجب . ومنهم من حمله على التشهد الأول ؛ لاستدلاله عليه بالحديث ، والحديث إنما ورد في الأول ، وقالوا : قد فرق بين الأول والثاني في روايات أخر عنه . وقال طائفة : هو واجب ، تبطل الصلاة بتركه عمدا ، ويسجد لسهوه ، وهو قول الزهري والثوري ، وحكي عن الأوزاعي - أيضا - ونقله إسماعيل بن سعيد وأبو طالب وغيرهما عن أحمد . وذكر أبو حفص البرمكي من أصحابنا : أن هذا هو مذهب أحمد ، وأنه لا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني ، وأنهما واجبان تبطل الصلاة بتركهما عمدا ، ويسجد لسهوهما . وهو - أيضا - قول أبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي وابن أبي شيبة . واستدل من قال : إنه فرض ، بما روي عن ابن مسعود ، أنه قال : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد : السلام على الله - الحديث ، وذكر فيه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالتشهد وتعليمه لهم . خرجه الدارقطني ، وقال : إسناده صحيح . وخرج البزار والطبراني من حديث ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم التشهد ، وقال لهم : تعلموا ؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد . وفي إسناده : ميمون أبو حمزة ، ضعيف جدا . وخرج الطبراني نحوه من حديث علي مرفوعا ، بإسناد لا يصح . وقد روي موقوفا على ابن مسعود ، وهو أشبه . وروى شعبة ، عن مسلم أبي النضر ، قال : سمعت حملة بن عبد الرحمن ، عن عمر ، أنه قال : لا تجزئ صلاة إلا بتشهد . خرجه الجوزجاني وغيره . وفي رواية : قال : من لم يتشهد فلا صلاة له . وخرجه البيهقي ، وعنده التصريح بسماع حملة له من عمر .
الحديث الثاني : 828 - ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء - ح . وثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته . وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ، ويزيد من محمد بن حلحلة ، وابن حلحلة من ابن عطاء . وقال أبو صالح ، عن الليث : كل فقار . وقال ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدثه : كل فقار . مقصود البخاري بما ذكره : اتصال إسناد هذا الحديث ، وأن الليث سمع من يزيد بن أبي حبيب ، وأن يزيد سمع من محمد بن عمرو بن حلحلة ، وأن ابن حلحلة سمع من محمد بن عمرو بن عطاء . وفي رواية يحيى بن أيوب التي علقها : التصريح بسماع يزيد من محمد بن عمرو بن حلحلة . وأما سماع محمد بن عطاء من أبي حميد والنفر من الصحابة الذين معه ، ففي هذه الرواية أنه كان جالسا معهم ، وهذا تصريح بالسماع من أبي حميد . وقد صرح البخاري في تاريخه بسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد كذلك . وقد روى هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر : حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو قتادة بن ربعي - فذكر الحديث ، وفي آخره : قالوا : صدقت ، هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي : حسن صحيح . وسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي قتادة قد أثبته البخاري والبيهقي ، ورد على الطحاوي في إنكاره له وبين ذلك بيانا شافيا . وأنكر آخرون سماع محمد بن عمرو بن عطاء لهذا الحديث من أبي حميد - أيضا - وقالوا : بينهما رجل ، وممن قال ذلك : أبو حاتم الرازي والطحاوي وغيرهما . ولعل مسلما لم يخرج في صحيحه الحديث لذلك . واستدلوا لذلك بأن عطاف بن خالد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثنا رجل ، أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوسا ، فذكر الحديث . وروى الحسن بن الحر الحديث بطوله ، عن عبد الله بن عيسى بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس - أو عياش - بن سهل الساعدي ، أنه كان في مجلس فيهم أبوه ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي - فذكر الحديث . خرجه أبو داود مختصرا . وخرجه - أيضا - مختصرا من رواية بقية بن الوليد : حدثني عتبة بن أبي حكيم ، حدثني عبد الله بن عيسى ، عن العباس بن سهل ، عن أبي حميد الساعدي ، فذكره . وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن عتبة أيضا . خرجه من طريقه بقي بن مخلد في مسنده . وقال إسماعيل : عن عتبة عن عيسى بن عبد الله ، وهو أصح . ورواه ابن المبارك ، عن عتبة ، عن عباس بغير واسطة . وخرجه أبو داود - أيضا - من رواية فليح بن سليمان : حدثني عباس بن سهل ، قال : اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث . وخرج بعضه ابن ماجه والترمذي وصححه . قال أبو داود : ورواه ابن المبارك : أخبرنا فليح ، قال : سمعت عباس بن سهل يحدث ، فلم أحفظه ، فحدثنيه أراه عيسى بن عبد الله ، أنه سمعه من عباس بن سهل قال : حضرت أبا حميد الساعدي ، فذكره . وخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق : حدثني عباس بن سهل بن سعد ، قال : جلست بسوق المدينة الضحى مع أبي أسيد وأبي حميد وأبي قتادة ، فذكر الحديث . قال أبو حاتم الرازي : هذا الحديث إنما يعرف من رواية عباس بن سهل ، وهو صحيح من حديثه ؛ كذا رواه فليح وغيره . فيتوجه أن يكون محمد بن عمرو إنما أخذه عن عباس فتصير رواية عبد الحميد بن جعفر مرسلة ، وكذا رواية ابن حلحلة التي خرجها البخاري هاهنا . ويجاب عن ذلك : بأن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي قد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد يحدثه ، فكيف يعارض ذلك برواية عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وعطاف لا يقاوم ابن حلحلة ولا يقاربه . وقد تابع ابن حلحلة على ذكر سماع ابن عمرو له من أبي حميد : عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة جليل مقدم على عطاف وأمثاله . وأما رواية عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو ، فعيسى ليس بذلك المشهور فلا يقضى بروايته على رواية الثقات الأثبات ؛ فإن رواية عيسى كثيرة الاضطراب ، والأكثرون رووه عن عيسى ، عن عباس بغير واسطة منهم : عتبة بن أبي حكيم وفليح بن سليمان . واختلف فيه عن الحسن بن الحر : فروي عنه ، عن عيسى بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء : أخبرني مالك عن عباس - أو عياش - بن سهل أنه كان في مجلس فيه أبوه . ففي هذه الرواية بين محمد بن عمرو وبين أبي حميد رجلان . وقد خرجه البيهقي كذلك ، ثم قال : روي - أيضا - عن الحسن بن الحر ، عن عيسى ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثني مالك ، عن عباس . وقوله : عباس أو عياش يدل على عدم ضبطه لهذا الاسم ، وإنما هو عباس بغير شك . وفي حديث الحسن بن الحر وهم في هذا الحديث ، وهو أنه ذكر أنه تورك في جلوسه بين السجدتين دون التشهد ، وهذا مما لا شك أنه خطأ ، فتبين أنه لم يحفظ متن هذا الحديث ولا إسناده . والصحيح في اسم هذا الرجل أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار ، وجده مولى عمر بن الخطاب . ومن قال فيه : عبد الله بن عيسى - كما وقع في روايتين لأبي داود - فقد وهم . وزعم الطبراني أنه : عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو وهم - أيضا - وإنما هو : عيسى بن عبد الله بن مالك الدار - قاله البخاري في تاريخه وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين . وقال ابن المديني فيه : هو مجهول ، وحينئذ فلا يعتمد على روايته مع كثرة اضطرابها ، وتعلل بها روايات الحفاظ الأثبات . فظهر بهذا : أن أصح روايات هذا الحديث : رواية ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو التي اعتمد عليها البخاري ، ورواية عبد الحميد المتابعة لها ، ورواية فليح وغيره ، عن عباس بن سهل ، مع أن فليحا ذكر أنه سمعه من عباس ولم يحفظه عنه ، إنما حفظه عن عيسى عنه . وأما ما تضمنه حديث أبي حميد من الفقه في أحكام الصلاة ، فقد سبق ذكر عامة ما فيه من الفوائد مفرقا في مواضع متعددة ، وبقي ذكر صفة جلوسه للتشهد ، وهو مقصود البخاري في هذا الباب . وقد دل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في التشهد الأول مفترشا ، وفي التشهد الثاني متوركا . خرجه أبو داود من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب بإسناده ، ولفظه : فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض ، وأخرج قدميه من ناحية واحدة . ولم يذكر أحد من رواة حديث أبي حميد التشهدين في حديثه سوى ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وقد ذكر غيره من الرواة التشهد الأول خاصة وبعضهم ذكر الأخير خاصة . ففي رواية فليح ، عن عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث ، وفيه : ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ، ووضع كفه اليمن على ركبته اليمنى ، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بإصبعه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . ورواه - أيضا - عتبة بن أبي حكيم ، عن عيسى ، أو ابن عيسى ، عن العباس - بمعناه - أيضا . ففي هذه الرواية : ذكر التشهد الأول خاصة . وأما ذكر التشهد الأخير ، ففي رواية عبد الحميد بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث وفيه : حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى ، وقعد متوركا على شقه الأيسر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وصححه الترمذي . وقد خرجه الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن أبي عاصم ، عن [ أنه كان في] الثنتين يثني رجله اليسرى فيقعد عليها معتدلا حتى يقر كل عظم منه موضعه ، ثم ذكر توركه في تشهده الأخير ، وهذه زيادة غريبة . وقد خرج أبو داود وابن ماجه الحديث من رواية أبي عاصم ، وخرجه الإمام أحمد ، عن أبي عاصم ، ولم يذكروا صفة جلوسه في الركعتين ، إنما ذكروا ذلك في جلوسه بين السجدتين . وفي حديث عبد الحميد : زيادة ذكر رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول ، وكذلك في حديث عتبة بن أبي حكيم أيضا . وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق . ثم اختلفوا : فقال الشافعي : يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان ؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه ؛ لأن التورك أهون من الافتراش . وقال أحمد وإسحاق : إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما ، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه ، بل افترش . فيكون التورك للفرق بين التشهدين ، ويكون فيه فائدتان : نفي السهو عن المصلي ، ومعرفة الداخل معه في التشهد : هل هو في الأول أو الثاني . واتفقوا - أعني : هؤلاء الثلاثة - على أنه يفرش في التشهد الأول الذي لا يسلم فيه . وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث وائل بن حجر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فلما جلس افترش . لكن اختلفت ألفاظ الروايات فيه : ففي رواية الترمذي : يعني للتشهد وهذا تفسير من بعض الرواة . وفي رواية للإمام أحمد : أن ذلك كان في جلوسه بين السجدتين . وفي رواية للنسائي : أنه كان يفعل ذلك إذا جلس في الركعتين . وهذه الرواية ، إنما تدل على افتراشه في جلوسه بعد الركعتين ، وأحمد وإسحاق يقولان بذلك . وفي صحيح مسلم ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل ركعتين التحية ، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى . وهو محمول على صلاة الركعتين ، بدلالة سياق أول الكلام . وخرج أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : إذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى . وفي رواية أخرى له - أيضا - : فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ، ثم تشهد . وهذه الرواية تدل على أنه إنما أمره بالافتراش في التشهد الأول خاصة . وفي المسند من طريق ابن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها . فكنا نحفظ عن ابن مسعود ، حين أخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه إياه ، فكان يقول : إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى : التحيات لله إلى آخر التشهد . والظاهر : أن قوله : على وركه يعود إلى قوله : وفي آخرها خاصة . وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم . وقال طائفة : يتورك في جميعها ، وهو قول مالك ، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين . وجميع من سبق ذكره العلماء قالوا : أنه يفترش فيه . وفي صحيح مسلم ، عن ابن الزبير ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى . وقد فسره بالتورك حرب الكرماني وغيره . وقد روي التورك في الجلوس في الصلاة عن ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، أنه أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وأخبرني أن أباه كان يفعل ذلك . وخرجه أبو داود من طريقه . وقال ابن جرير الطبري : كل ذلك جائز ؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخير المصلي بينه ، فيفعل منه ما شاء . ومال إلى قوله ابن عبد البر . وقد نص أحمد في رواية الأثرم على جواز التورك في التشهد الذي يسلم فيه من ركعتين ، مع قوله : إن الافتراش فيه أفضل . وقد روي النهي عن التورك في الصلاة ، ولا يثبت ، وفيه حديثان : أحدهما : من رواية يحيى بن إسحاق ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء في الصلاة . خرجه أبو داود في كتاب التفرد . وقال : هذا الحديث ليس بالمعروف . وخرجه البزار في مسنده . وقال : لا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه ، وأظن يحيى أخطأ فيه . وقال أبو بكر البرديجي في كتاب معرفة أصول الحديث له : هذا حديث لا يثبت ؛ لأن أصحاب حماد لم يجاوزوا به قتادة . كأنه يشير إلى أن يحيى أخطأ في وصله بذكر أنس ، وإنما هو مرسل . وثانيهما : من رواية سعيد بن بشير ، عن الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء ، وأن لا نستوفز في صلاتنا . خرجه البزار . وقال : سعيد بن بشير ، لا يحتج به . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعتدل في الجلوس ، وأن لا نستوفز .
خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 827 - ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله ، أنه أخبره أنه كان يرى ابن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس ، ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى ، فقلت : إنك تفعل ذلك ؟ فقال : إن رجلي لا تحملاني . وخرجه النسائي من رواية يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى ، واستقباله بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى . وفي رواية - أيضا - بهذا إسناد : من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى . وهذا حكمه حكم المرفوع ؛ لقوله : من سنة الصلاة . وقد رواه مالك عن يحيى بن سعيد ، فجعله عن ابن عمر من فعله ، ولم يذكر : السنة . خرجه أبو داود ، وذكر فيه : الجلوس على وركه الأيسر ، وسيأتي لفظه فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وظاهر الروايات التي قبل هذه : إنما تدل على الافتراش لا على التورك ، ورواية النسائي صريحة بذلك .
145 - باب سنة الجلوس في التشهد وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة . قال حرب الكرماني : نا عمرو بن عثمان ، نا الوليد بن مسلم ، عن ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل ، إلا أنها تميل على شقها الأيسر ، وكانت فقيهة . وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي ، وهو رواية عن النخعي . وروي عن نافع ، أن ابن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة . وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة ابن عمر ، أنها كانت تتربع في الصلاة . وقال زرعة بن إبراهيم ، عن خالد بن اللجلاج ، كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ، يتقى ذلك عن المرأة ، مخافة أن يكون الشيء منها . خرجه ابن أبي شيبة . وقال الإمام أحمد : تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها ، والسدل عنده أفضل . وهو قول النخعي والثوري وإسحاق ؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل ، وأبلغ في الاجتماع والضم . وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك ، وأما الإمام أحمد فصرح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء . وروى سعيد بن منصور بإسناده ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال : كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها ، وربما جلست متربعة . وقال الشعبي : تجلس كما تيسر عليها . وقال قتادة : تجلس كما ترى أنه أستر . وقال عطاء : لا يضرها أي ذلك جلست ، إذا اجتمعت . قال : وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلي من الأيمن . وقال حماد : تفعل كيف شاءت .
الحَدِيْث الثاني : 667 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِك ، عَن ابْنِ شِهَاب ، عَن محمود بْن الربيع الأنصاري ، أن عتبان بْن مَالِك كَانَ يؤم قومه وهو أعمى ، وأنه قَالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يَا رسول الله ، إنها تكون الظلمة والسيل ، وأنا رَجُل ضرير البصر ، فصل يَا رسول الله فِي بيتي مكاناً أتخذه مصلى ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( أين تحب أن أصلي ؟ ) فأشار إلى مكان من البيت ، فصلى فِيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : المساجد فِي البيوت ) ، من ( أبواب : المساجد ) . وخرجه البخاري هناك بسياق مطول ، من حَدِيْث عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، وتكلمنا هناك عَلَى فوائد الحَدِيْث بما فِيهِ كفاية - إن شاء الله - وذكر الكلام عَلَى التخلف عَن حضور المسجد للعمى وللسيول والظلمة . ولا ريب أن من كَانَ بصره ضعيفاً ، وفي طريقه سيول ، فإنه معذور فِي الخروج إلى المسجد ليلاً ؛ فإنه ربما خشي عَلَى نفسه التلف ، والجماعة يسقط حضورها بدون ذَلِكَ . وذكرنا هناك حَدِيْث ابن أم مكتوم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يرخص لَهُ فِي التخلف عَن المسجد ، مَعَ كونه ضريراً ولا يجد قائداً يلائمه ، ويخشى فِي طريقه الهوام ، ووجه الجمع بَيْن الحديثين بما فِيهِ كفاية .
40 – باب الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ فِيهِ حديثان : الأول : 666 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن نَافِع ، أن ابن عُمَر أذن بالصلاة فِي ليلة ذات برد وريح ، ثُمَّ قَالَ : ألا صلوا فِي الرحال ، ثُمَّ قَالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يأمر المؤذن إذا كَانَتْ ليلة برد ومطر يَقُول : ( ألا صلوا فِي الرحال ) . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ) ، خرجه البخاري هناك من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، قَالَ : أذن ابن عُمَر فِي ليلة باردةٍ بضجنان ، ثُمَّ قَالَ : صلوا فِي رحالكم ، وأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يأمر مؤذناً يؤذن ، ثُمَّ يَقُول عَلَى إثره : ( ألا صلوا فِي الرحال فِي الليلة الباردة أو المطيرة فِي السفر ) . ففي هذه الرواية : أن ذَلِكَ كَانَ فِي السفر ، وأنه كَانَ فِي الليلة الباردة أو المطيرة . وليس ذكر السفر فِي رِوَايَة مَالِك ، وفي روايته : إذا كَانَتْ ليلة ذات برد ومطر . وظاهره : الجمع بَيْن البرد والمطر فِي ليلة واحدة . وروى ابن إسحاق هَذَا الحَدِيْث عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاك فِي المدينة فِي الليلة المطيرة ، أو الغداة القرة . خرجه أبو داود . ولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية ، ورواية عُبَيْدِ الله أصح . وأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات ، ليلاً ونهاراً . قَالَ الترمذي : قَدْ رخص أهل العلم فِي القعود عَن الجماعة والجمعة فِي المطر والطين ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق . وحكاه بعض أصحابنا عَن جمهور العلماء . وحكي عَن مَالِك : أن المطر ليس بعذر فِي ترك الجمعة خاصة . وروي نحوه عَن نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر . وَقَالَ سُفْيَان الثوري : لا يرخص لأحد فِي ترك الجمعة إذا كَانَ فِي مصر يجمع فِيه ، إلا لمرض مضن ، أو خوف مقطع . وحكي عَن أحمد رِوَايَة أخرى : أن المطر والوحل ليس بعذر فِي الحضر ، إنما هُوَ عذر فِي السفر ؛ لأن الأحاديث الصحيحة إنما جاءت بذلك فِي السفر ، كحديث ابن عُمَر ، وفي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث جابر ، نحوه ، وليس فِي الحضر إلا حَدِيْث ابن إِسْحَاق المتقدم ، وحديث يروى عَن نعيم النحام ، وقد ذكرناه فِي ( أبواب : الأذان ) ، وفي إسناده مقال . ومقتضى هَذَا القول : أن الجمعة لا يباح تركها بذلك ؛ لأنها لا تكون إلا في الحضر ، ولكن قَدْ روي عَن جماعة من الصَّحَابَة أَنَّهُ يعذر فِي ترك الجمعة بالمطر والطين ، منهم : ابن عَبَّاس وعبد الرحمن بْن سمرة وأسامة بن عمير والد أَبِي المليح ، ولا يعرف عَن صحابي خلافهم ، وقولهم أحق أن يتبع . وروى هِشَام ، عَن قتادة ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن سيرين : مَا كَانَ يختلف إذا كَانَ يوم الجمعة فِي يوم مطر فِي الرخصة للرجل أن يجلس عَن الجمعة فِي بيته . خرجه الفريابي فِي ( كِتَاب الصلاة ) . وذكر ابن المنذر : أن المطر عذر فِي الليلة المطيرة . وهذا يفهم مِنْهُ أَنَّهُ لا يكون عذراً فِي النهار ؛ لأن حَدِيْث ابن عُمَر إنما فِيهِ ذكر الليل . ولكن رَوَى قتادة ، عَن أَبِي المليح بْن أسامة ، عَن أَبِيه ، أن يوم حنين كَانَ يوم مطر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديه : أن الصلاة فِي الرحال . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحيهما ) ، والحاكم . وخرجه أبو داود - أَيْضاً - من طريق أَبِي قلابة ، عَن أَبِي المليح ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ شهد مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية فِي يوم جمعة ، وأصابهم مطر لَمْ يبل أسفل نعالهم ، فأمرهم أن يصلوا فِي رحالهم . وخرجه الإمام أحمد من حَدِيْث شعبة ، عَن عَمْرِو بْن أوس ، عَن رَجُل ، حدثه مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي يوم مطر : صلوا فِي الرحال . وروي من حَدِيْث نعيم النحام ، أن ذَلِكَ كَانَ فِي أذان الصبح ، وقد سبق ذكره . ولأن الصَّحَابَة جعلوا المطر والطين عذراً فِي ترك الجمعة ، والجمعة إنما تقام نهاراً ، فعلم أن ذَلِكَ عندهم عذر فِي الليل والنهار . وقد روي فِي حَدِيْث مرسل ، خرجه وكيع عَن المغيرة بْن زياد ، عَن عَطَاء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي سفر ، فأصابهم مطر ، فصلى بالناس فِي رحالهم ، وبلال يسمع النَّاس التكبير . وَهُوَ مرسل . وَهُوَ يدل عَلَى أنهم صلوا جماعة ، لكن كل إنسان صلى فِي رحله ، وهذا غريب جداً . وأما الريح الشديدة الباردة ، فَقَالَ أصحابنا : هِيَ عذر فِي ترك الجماعة فِي الليلة المظلمة خاصة .
144 - باب يكبر وهو ينهض من السجدتين وكان ابن الزبير يكبر في نهضته . وقد سبق في باب : يهوي بالتكبير حين يسجد حديث أبي هريرة ، أنه كان يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى والثانية ، ويقول حين ينصرف : إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا . وهو يدل على أنه كان يكبر في حال نهوضه وقيامه من السجود إلى الركعة التي بعده . وخرج هاهنا حديثين : الحديث الأول : 825 - حدثنا يحيى بن صالح ، ثنا فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، قال : صلى لنا أبو سعيد ، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد ، وحين رفع ، وحين قام من الركعتين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . الثاني : 826 - حدثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا غيلان بن جرير ، عن مطرف ، قال : صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما سلم أخذ عمران بيدي ، فقال : لقد صلى بنا هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو قال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم . ووجه استدلال البخاري بهذين الحديثين على ما بوب عليه : أن حديث أبي سعيد فيه التكبير حين يرفع من السجود ، وهذا ظاهر في شروعه في التكبير مع شروعه في الرفع ، وأما حديث عمران ، ففيه : إذا رفع كبر ، ويحمل - أيضا - على أنه كبر حين شرع في الرفع . وحديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه أصرح من ذلك كله ؛ فإن فيه : أنه كان يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى والثانية ، وهذا لا اختلاف فيه . وفي حديث أبي سعيد : التكبير حين قام من الركعتين ، وفي حديث عمران : إذا نهض من الركعتين كبر . وقد اختلف في تأويل ذلك ، فحمله الأكثرون على أنه كان يكبر حين يشرع في القيام والنهوض . وفي حديث أبي هريرة المشار إليه في أول الباب : ويكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين . وهذا قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد . وقال مالك - في أشهر الروايتين عنه - : لا يكبر إذا قام من الركعتين حتى يستوي قائما ؛ لأنه روي في بعض ألفاظ حديث أبي حميد وأصحابه : حتى إذا قام من الركعتين كبر . خرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان . وروي نحوه من حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما . وهذه الأحاديث محمولة على أنه كان يكبر إذا أراد القيام من التشهد الأول ؛ بدليل ما روي في رواية أخرى في حديث أبي حميد وأصحابه : ثم جلس بعد ركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة . خرجه أبو داود . فهذه الرواية تدل على أن معنى تلك الرواية : أنه كان إذا شرع في القيام من الركعتين كبر .
143 - باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة 824 - حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : جاءنا مالك بن الحويرث ، فصلى بنا في مسجدنا هذا ، فقال : إني لأصلي بكم ولا أريد الصلاة ، لكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي . قال أيوب : فقلت لأبي قلابة : وكيف كانت صلاته ؟ قال : مثل صلاة شيخنا هذا - يعني : عمرو بن سلمة . قال أيوب : وكان ذلك الشيخ يتم التكبير ، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام . هذه الرواية ليست صريحة في رفع الاعتماد على الأرض بخصوصه ؛ لأن فيها أن صلاة عمرو بن سلمة مثل صلاة مالك بن الحويرث ، وصلاة مالك مثل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك تصريحا برفع جميع حركات الصلاة ، فإن المماثلة تطلق كثيرا ولا يراد بها التماثل من كل وجه ، بل يكتفى فيها بالمماثلة من بعض الوجوه ، أو أكثرها . لكن رواية الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة بنحوه ، وقال فيه : كان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى ، فاستوى قاعدا قام واعتمد على الأرض . خرجه النسائي وغيره . وقد اختلف العلماء في القائم إلى الركعة الثانية من صلاة : كيف يقوم ؟ فقالت طائفة : يعتمد بيديه على الأرض ، كما في حديث مالك بن الحويرث هذا . وروي عن عطاء ، وقال : يتواضع لله عز وجل . وهو من رواية ابن لهيعة ، عنه . وهو قول مالك والشافعي وإسحاق . وروي عن أحمد ، أنه كان يفعله ، وتأوله القاضي أبو يعلى وغيره على أنه فعله لعجز وكبر . وقد روي عن كثير من السلف ، أنه يعتمد على يديه في القيام إلى الركعة الثانية ، منهم : عمر وعبادة بن نسي وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري - وقال : هو سنة الصلاة - وهو قول الأوزاعي وغيره ، ورخص فيه قتادة . وقالت طائفة : ينهض على صدور قدميه ، ولا يعتمد على يديه ، بل يضعهما على ركبتيه ، صح ذلك عن ابن مسعود ، وروي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وأنه قال : هو من سنة الصلاة ، وعن ابن عمر - أيضا - وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد . وحكى ابن المنذر عن أحمد الاعتماد على يديه ، وهو خلاف مذهبه المعروف عنه . والأكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد ، فقد كان من السلف من يعتمد ولا يجلس للاستراحة ، منهم : عبادة بن نسي ، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي . وهذا مذهب أصحاب الشافعي وأحمد ؛ فإن أصحاب الشافعي قالوا : يعتمد ، سواء قلنا : يجلس للاستراحة أو قلنا لا يجلس . وقال أصحاب أحمد : لا يعتمد ، سواء قلنا : يجلس ، أو قلنا : لا يجلس ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على أنه فعل الاعتماد لحاجته إليه ؛ لضعف أو كبر ونحو ذلك . ولا يبعد إذا قلنا : إن جلسة الاستراحة فعلها تشريعا للأمة ، أن يكون الاعتماد فعله كذلك . وكلام أحمد في رواية ابنه عبد الله وغيره من أصحابه يدل على تلازم الجلسة والاعتماد ، فيحتمل أن يقال : إن قلنا : يجلس للاستراحة اعتمد على الأرض ، لا سيما إن فعل ذلك لعجز أو كبر ، وإن نهض من غير جلوس نهض على صدور قدميه ، معتمدا على ركبتيه . ويدل على ذلك : أن أحمد استدل على النهوض على صدور القدمين بحديث رفاعة بن رافع وحديث أبي حميد المتقدمين ، وفيهما : ذكر القيام بعد السجدتين ، من غير ذكر النهوض على صدور القدمين ، فدل على أنه يرى تلازم الأمرين ، وأنه يلزم من ترك جلسة الاستراحة النهوض على صدور القدمين . وقد روى الهيثم ، عن عطية بن قيس بن ثعلبة ، عن الأزرق بن قيس ، قال : رأيت ابن عمر وهو يعجن في الصلاة يعتمد على يديه إذا قام ، فقلت : ما هذا ؟ قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجن في الصلاة - يعني : يعتمد . خرجه الطبراني في أوسطه . والهيثم هذا غير معروف . وقال بعضهم : العاجن ، هو الشيخ الكبير الذي يعتمد إذا قام ببطن يديه ، ليس هو عاجن العجين . وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة ، أسانيدها ليست قوية ، أجودها : حديث مرسل ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه . وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله . والصحيح : إرساله جزما . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحَدِيْث الثالث : 670 - حَدَّثَنَا آدم ، قَالَ : ثنا شعبة ، ثنا أنس بْن سيرين ، قَالَ : سَمِعْت أنساً يَقُول : قَالَ رَجُل من الأنصار : إني لا أستطيع الصلاة معك ، وكان رجلاً ضخماً ، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً ، فدعاه إلى منزله ، فبسط لَهُ حصيراً ونضح طرف الحصير ، فصلى عَلِيهِ ركعتين . فَقَالَ رَجُل من آل الجارود لأنس : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قَالَ : مَا رأيته صلاها إلا يومئذ . فِي هَذَا الحَدِيْث : أن من كَانَ ثقيل البدن يشق عَلِيهِ المشي إلى المسجد ، فإنه يعذر لترك الجماعة لذلك . وليس فِي الحَدِيْث ذكر عذر لترك الجماعة سوى كونه ضخماً ، وأنه لا يستطيع الصلاة مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي مسجده ، ولعل منزله كَانَ بعيداً من المسجد . والظاهر : أن هَذَا الرَّجُلُ غير عتبان بْن مَالِك ؛ فإن ذاك كَانَ عذره العمى ، مَعَ بعد المنزل ، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد .
41 – باب هَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ وهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ ؟ يعني بهذا الباب : أن المطر والطين ، وإن كَانَ عذراً فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد ، إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس ، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد ، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر ، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ ، إذا كانوا عدداً تنعقد بهم الجمعة ، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه ، إذا أقيم شعارهما فِي المساجد . وعلى هَذَا ، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين ، وأن الإمام لا يدعهما . وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد ، أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد ، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة ؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية . والله أعلم . ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر ، ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة ، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى ، أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ ، فدعا الله بإمساك المطر عَن المدينة ، وسيأتي الحَدِيْث فِي ( الجمعة ) و ( الاستسقاء ) إن شاء الله سبحانه وتعالى . خرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : قَالَ : 668 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن عَبْد الوهاب ، ثنا حماد بْن زيد ، ثنا عَبْد الحميد - صاحب الزيادي - قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن الحارث ، قَالَ : خطبنا ابن عَبَّاس فِي يوم ذي ردغ ، فأمر المؤذن لما بلغ ( حي عَلَى الصلاة ) ، قَالَ : قل : ( الصلاة فِي الرحال ) . فنظر بعضهم إلى بعض ، كأنهم أنكروا ، فَقَالَ : كأنكم أنكرتم هَذَا ، إن هَذَا فعله من هُوَ خير مني - يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم . وعن حماد ، عَن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن الحارث ، عَن ابن عَبَّاس ، نحوه ، غير أَنَّهُ قَالَ : كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( بَاب : الكلام فِي الأذان ) ، وفسرنا هنالك معنى ( الروغ ) . وقوله : ( إنها عزمة ) ، يعني : الجمعة ، والمراد : أَنَّهُ إذا دعا النَّاس إليها بقول المؤذن : ( حي عَلَى الصلاة ) ، فَقَدْ عزم عَلَى النَّاس كلهم أن يأتوه ، فليزمهم ذَلِكَ ؛ فلذلك أبدله بقوله : ( صلوا فِي رحالكم ) . وقوله : ( كرهت أن أحرجكم ) : أي أشدد عليكم ، وأضيق بإخراجكم إلى المساجد فِي الطين ، والحرج : الشدة والضيق . وفي الرواية الأخرى : ( كرهت أن أؤثمكم ) ، كأنه يريد إذا دعاهم إلى هذه الصلاة فِي هَذَا اليوم خشي عليهم الإثم إذا تخلفوا عَن الصلاة مَعَ دعائهم إليها ، فإذا خرجوا حرجوا بخوضهم فِي الطين إلى ركبهم ، وإن قعدوا أثموا . وظاهر هَذَا يدل عَلَى أن ابن عَبَّاس يرى أن الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة ، وإنما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى : ( الصلاة فِي الرحال ) . والله أعلم . وقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد ، فيما رواه البيهقي فِي ( مناقب أحمد ) بإسناده ، عَن مُحَمَّد بْن رافع ، قَالَ : سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول : إن قَالَ المؤذن فِي أذانه : ( الصلاة فِي الرحال ) فلك أن تتخلف ، وإن لَمْ يقل فَقَدْ وجب عَلَيْك ، إذا قَالَ : ( حي عَلَى الصلاة ، حي عَلَى الفلاح ) .
الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 669 - حَدَّثَنَا مُسْلِم ، قَالَ : ثنا هِشَام ، عَن يَحْيَى ، عَن أَبِي سَلَمَة ، قَالَ : سألت أَبَا سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : جاءت سحابة بمطر حَتَّى سَالَ السقف ، وكان من جريد النخل ، فأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فِي الماء والطين ، حَتَّى رأيت أثر الطين فِي جبهته . هَذَا الحَدِيْث قطعة مختصرة من حَدِيْث سؤال أَبِي سَلَمَة لأبي سَعِيد عَن ليلة القدر ، وقد خرجه بتمامه فِي ( الصيام ) و ( الاعتكاف ) . والمقصود مِنْهُ هاهنا : أن النَّاس مطروا من الليل فِي رمضان ، فسال السقف ، وكان من جريد النخل ، حَتَّى صار الطين فِي أرض المسجد ، ومع هَذَا فَقَدْ أقيمت الصلاة ، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فِيهِ ، ولما انصرف من صلاة الصبح رئي أثر الطين فِي جبهته ، ولم يتخلف عَن الصلاة فِي المسجد ، ولا عَن الأذان والإقامة فِيهِ ، فدل عَلَى أن المطر يعذر فِي التخلف عَن الجماعة فِيهِ آحاد النَّاس ، أو من منزله بعيد عَن المسجد بحيث يشق عَلِيهِ قصد المسجد ، فأما الإمام ومن قرب المسجد فلا يخلون بإقامة الجماعة فِيهِ . والله أعلم .
142 - باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض 823 - ثنا محمد بن الصباح ، ثنا هشيم ، أنا خالد ، عن أبي قلابة ، أنا مالك بن الحويرث الليثي ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا . وقد خرجه في الباب الآتي من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك ، وفي حديثه : أنه جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام . وقد سبق من وجه آخر بهذا الإسناد ، وفيه : كان يقعد في الثالثة أو الرابعة . وهذا لا معنى له ؛ لأن قعوده في الرابعة لا بد منه للتشهد . وروى هذا الحديث أنيس بن سوار الحنفي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت مع أبي قلابة ، فجاءه رجل من بني ليث ، يقال له : مالك بن الحويرث ، من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألا أريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ؟ قلنا : بلى ، فصلى لنا ركعتين ، فأوجز فيهما . قال أبي : فاختلفت أنا وأبو قلابة ، قال أحدنا : لزق بالأرض ، وقال الآخر : تجافى . خرجه الخلال في كتاب العلل . وقال الإمام أحمد في حديث مالك بن الحويرث في الاستواء إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى ، قال : هو صحيح ، إسناده صحيح . وقال - أيضا - : ليس لهذا الحديث ثان . يعني : أنه لم ترو هذه الجلسة في غير هذا الحديث . وهذا يدل على أن ما روي فيه هذه الجلسة من الحديث غير حديث مالك بن الحويرث ، فإنه غير محفوظ ، فإنها قد رويت في حديث أبي حميد وأصحابه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه . وذكر بعضهم أنه خرجه أبو داود والترمذي ، وإنما خرجا أصل الحديث ، ولم نجد في كتابيهما هذه اللفظة . والظاهر - والله أعلم - : إنها وهم من بعض الرواة ، كرر فيه ذكر الجلوس بين السجدتين غلطا . وبعضهم ذكر سجوده ، ثم جلوسه ، ثم ذكر أنه نهض . كذا في رواية الترمذي وغيره . فظن بعضهم ، أنه نهض عن جلوس ، وليس كذلك ، إنما المراد بذلك الجلوس : جلوسه بين السجدتين ، ولم يذكر صفة الجلسة الثانية لاستغنائه عنها بصفة الجلسة الأولى . وقد خرج أبو داود حديث أبي حميد وأصحابه من وجه آخر ، وفيه : أنه سجد ، ثم جلس فتورك ، ثم سجد ، ثم كبر فقام ولم يتورك . وهذه الرواية صريحة في أنه لم يجلس بعد السجدة الثانية . ويدل عليه : أن طائفة من الحفاظ ذكروا أن حديث أبي حميد ليس فيه ذكر هذه الجلسة . واستدل بعضهم - أيضا - بالحديث الذي خرجه البخاري في صحيحه هذا في كتاب الاستئذان و أبواب السلام في باب من رد فقال : عليك السلام ، خرج فيه حديث المسيء في صلاته ، من رواية ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلا دخل المسجد فصلى ، ثم جاء فسلم - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تستوي قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها . قال : وقال أبو أسامة في الأخير : حتى تستوي قائما . يعني : أنه ذكر بدل الجلوس : القيام . ثم خرج من حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثم ارفع حتى تطمئن جالسا . يعني : أنه وافق ابن نمير في ذكر الجلوس . فهذه اللفظة قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا ، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين ، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما ، وهذا هو الأشبه ؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه شيئا من سنن الصلاة المتفق عليها ، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة ؟ هذا بعيد جدا . ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا ، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين . قال : والصحيح عنه : أنه قال بعد ذكر السجدتين : ثم ارفع حتى تستوي قائما . قال : وقد رواه البخاري في صحيحه عن إسحاق بن منصور ، عن أبي أسامة - وذكر رواية ابن نمير ، ولم يذكر تخريج البخاري لها ، ولم يذكر يحيى بن سعيد في روايته السجود الثاني ، ولا ما بعده من القعود أو القيام . قال : والقيام أشبه بما سيق الخبر لأجله من عد الأركان دون السنن . والله أعلم . قلت : وهذا يدل على أن ذكر الجلسة الثانية غير محفوظة عن يحيى . وفي حديث يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن عمه رفاعة بن رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم المسيء في صلاته ، وقال له بعد أن أمره بالسجود ، ثم بالقعود ، ثم بالسجود ، فقال له : ثم قم . وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ . واستدل به على أنه لا يجلس قبل قيامه . وخرجه الترمذي - أيضا - وحسنه . مع أن حديث رفاعة هذا فيه تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا المسيء أشياء من مسنونات الصلاة . وقد روي في حديث رفاعة هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ثم انهض قبل أن تستوي قاعدا . خرجه الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الخلال . ولكن إسناده ضعيف . وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه : أنه صلى بهم ، وذكر صفة صلاته ، وقال فيها : ثم كبر وخر ساجدا ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائما ، فلما قضى صلاته قال : احفظوا ؛ فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرج أبو داود بعض الحديث ، ولم يتمه . وفي جلسة الاستراحة : حديث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إذا رفع أحدكم رأسه من السجدة الثانية فليلزق أَليتيه بالأرض ، ولا يفعل كما تفعل الإبل ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ذلك توقير الصلاة . خرجه العقيلي من رواية أبي خالد القرشي ، عن علي بن الحزور ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي . وهذا إسناد ساقط ، والظاهر : أن الحديث موضوع ، وأبو خالد ، الظاهر : أنه عمرو بن خالد الواسطي ، كذاب مشهور بالكذب ، وعلي بن الحزور ، قال ابن معين : لا يحل لأحد أن يروي عنه ، والأصبغ بن نباتة ضعيف جدا . وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة ، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره . وقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة : فقالت طائفة : هي مستحبة . وهو قول حماد بن زيد والشافعي - في أشهر قوليه - وأحمد - في رواية عنه - ذكر الخلال : أن قوله استقر عليها ، واختارها الخلال وصاحبه أبو بكر بن جعفر . وقال الأكثرون : هي غير مستحبة ، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائما ، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود ، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس . وذكر بإسناده ، عن النعمان بن أبي عياش ، قال : أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس . وروي - أيضا - عن أبي ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم . وروي معناه عن ابن عمر أيضا . خرجهما حرب الكرماني . وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم . وممن قال ذلك : عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه . ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قال : هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه ؛ لأنه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة . وحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين ، لا على اختلاف قولين ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقعد أحيانا لما كبر وثقل بدنه ؛ فإن وفود العرب إنما وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره . ويشهد لذلك ، أن أكابر الصحابة المختصين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم ، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقا . وروى حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه روايتين : إحداهما : تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد . والثانية : لا تستحب إلا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه . وهي رواية ابن منصور ، عن إسحاق أيضا . ومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية ، قال : إنه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها ، كالتروح لكرب شديد ، ودفع المؤذي ، ونحو ذلك مما ليس بمسنون ، وإنما هو مباح .
822 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اعتدلوا في السجود ، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب . في هذا الإسناد : التصريح بالسماع من أوله إلى قتادة ، وليس فيه تصريح بسماع قتادة له من أنس ، وقتادة مدلس كما قد عرف . وخرجه الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أنسا . وكذلك خرجه النسائي من طريق خالد الواسطي ، عن شعبة . فصح اتصاله كله . ولله الحمد . وفي النهي عن افتراش الذراعين في السجود أحاديث أخر . وقد خرج مسلم من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع . ومن حديث البراء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سجدت فضع يديك ، وارفع مرفقيك . وقد ذكر الترمذي أن العمل على هذا عند أهل العلم ، يختارون الاعتدال في السجود . وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه ، وهو قول جمهور العلماء ، وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر . وفي المسند عن شعبة مولى ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : إن مولاك إذا سجد وضع رأسه وذراعيه وصدره بالأرض ، فقال له ابن عباس : ما يحملك على ما تصنع ؟ قال : التواضع . قال : هكذا ربضة الكلب ، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد رئي بياض إبطيه . ولكن ؛ روي عن ابن مسعود ، أنه كان يفرش ذراعيه . قال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : كان ابن مسعود يذهب إلى ثلاثة أشياء : إلى التطبيق ، وإلى افتراش الذراعين ، وإذا كانوا يقوم في وسطهم ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجافي في السجود ، ولم تبلغه هذه الآثار . وروى ابن أبي شيبة من غير وجه ، عن ابن مسعود ، أنه قال : اسجدوا حتى بالمرفق . وبإسناده ، عن الحكم بن الأعرج ، قال : أخبرني من رأى أبا ذر مسودا ما بين رصغه إلى مرفقه . وقوله : اعتدلوا في السجود يريد به : اعتدال الظهر فيه ، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين ، إنما يكون مع التجافي . وقول أبي حميد : ولا قابضهما ، يعني : أنه بسط كفيه ، ولم يقبضهما .
141 - باب لا يفترش ذراعيه في السجود وقال أبو حميد : سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضع يديه ، غير مفترش ، ولا قابضهما . حديث أبي حميد ، قد خرجه البخاري ، وسيأتي بتمامه قريبا إن شاء الله تعالى .
الحديث الثاني : 820 - ثنا محمد بن عبد الرحيم ، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ، ثنا مسعر ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - وركوعه وقعوده بين السجدتين قريبا من السواء . الحديث الثالث : 821 - ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا . قال ثابت : كان أنس بن مالك يصنع شيئا لم أركم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل : قد نسي ، وبين السجدتين حتى يقول القائل : قد نسي . وقد تقدمت هذه الأحاديث الثلاثة في باب : الرفع من الركوع . وحكم الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين حكم الرفع من الركوع ، على ما سبق ذكره . وذكرنا هنالك : أن تطويل النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك في حديث أنس إنما كان حين يطيل القيام والركوع والسجود ، وأن تخفيفه كما في حديث مالك بن الحويرث كان إذا لم يطل القيام والركوع والسجود ، وأن حديث البراء بن عازب يفسر ذلك ، حيث قال : كان سجوده وركوعه وقعوده بين السجدتين قريبا من السواء . ولم يخرج البخاري في الدعاء والذكر بين السجدتين شيئا ؛ فإنه ليس في ذلك شيء على شرطه . وفيه : عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين السجدتين : اللهم ، اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني . خرجه أبو داود . والترمذي ؛ وعنده : واجبرني بدل : عافني . وابن ماجه ، وعنده : وارفعني بدل : اهدني ، وعنده : أنه كان يقوله في صلاة الليل . وفي إسناده كامل بن العلاء ؛ وثقه ابن معين وغيره ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وتكلم فيه غير واحد . وقد اختلف عليه في وصله وإرساله . وقد روي هذا من حديث بريدة - مرفوعا - وإسناده ضعيف جدا . وروي عن علي بن أبي طالب - موقوفا عليه - وعن المقدام بن معدي كرب . وخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حذيفة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين السجدتين : رب اغفر لي . واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة ، فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس ، وقال : يقول : رب اغفر لي ثلاث مرات ، أو ما شاء . ومن أصحابه من قال : يقولها مرتين فقط . ومنهم من قال : يقولها ثلاثا كتسبيح الركوع والسجود ، وحمل حديث حذيفة أنه كان يكرر ذلك ؛ فإن في حديثه : أن جلوسه بين السجدتين كان نحوا من سجوده . وروي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس ، منهم : مكحول والثوري وأصحاب الشافعي . وقال إسحاق : كله جائز ، وعنده : إن قال ما في حديث ابن عباس لم يكرره ، وإن قال : رب اغفر لي كرره ثلاثا . وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود ، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدا ، ويسجد لسهوه . وروي عن أحمد ، أنه ليس بواجب . قال حرب : مذهب أحمد : أنه إن قال جاز ، وإن لم يقل جاز ، والأمر عنده واسع . وكذا ذكر أبو بكر الخلال ، أن هذا مذهب أحمد . وهذا قول جمهور العلماء . وحكي عن أبي حنيفة ، أنه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية . وعن بعض أصحابه ، أنه يسبح فيه .
140 - باب المكث بين السجدتين فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 818 - حدثنا أبو النعمان ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، أن مالك بن الحويرث قال لأصحابه : ألا أنبئكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ - قال : وذلك في غير حين صلاة - فقام ، ثم ركع فكبر ، ثم رفع رأسه ، فقام هنية ، ثم سجد ، ثم رفع رأسه هنية ، فصلى صلاة عمرو بن سلمة ، شيخنا هذا . قال أيوب : كان يفعل شيئا لم أرهم يفعلونه ، كان يقعد في الثالثة أو الرابعة . 819 - قال : فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقمنا عنده ، فقال : لو رجعتم إلى أهاليكم ، صلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلوا صلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم . قد سبق هذا الحديث في مواضع ، تاما ومختصرا . والمراد منه في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد رفع رأسه هنية ، والمراد : أنه يجلس بين السجدتين هنية ، ثم يسجد السجدة الثانية .
42 - باب إذا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ وكان ابن عُمَر يبدأ بالعشاء . وَقَالَ أبو الدرداء : من فقه الرَّجُلُ إقباله عَلَى حاجته حَتَّى يقبل عَلَى صلاته وقلبه فارغ . أما المروي عَن ابن عُمَر ، فَقَدْ أسنده البخاري فِي هَذَا الباب ، وسيأتي إن شاء الله . وأما المروي عَن أَبِي الدرداء [ ] . وقد روي نحوه عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء . ذكره الترمذي فِي ( جامعه ) تعليقاً ، وخرجه وكيع فِي ( كتابه ) عَن شريك ، عَن عُثْمَان الثَّقَفِيّ ، عَن زياد مَوْلَى ابن عياش ، أن ابن عَبَّاس كَانَ ينتظر الطعام ، فحضرت الصلاة ، فَقَالَ : انتظروا ، لا يعرض لنا فِي صلاتنا . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يؤخر الصلاة إذا كَانَ في انتظار الطعام وإن لَمْ يكن حاضراً ، وعلله بخشية أن يعرض لَهُ فِي صلاته ، يعني : ذكره وتحديث النفس بِهِ . وروى وكيع - أَيْضاً - عَن شريك ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، قَالَ : قَالَ الْحَسَن : أذهب للنفس اللوامة أن يبدأ بالطعام . خرج البخاري من هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث . الحَدِيْث الأول : 671 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا يَحْيَى ، عَن هِشَام ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْت عَائِشَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ : ( إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ) . الحَدِيْث الثاني : 672 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكير ، ثنا الليث ، عَن عقيل ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بن مَالِك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا قدم العشاء فابدأوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . الحَدِيْث الثالث : 673 - حَدَّثَنَا عُبَيْدِ بْن إِسْمَاعِيل ، عَن أَبِي أسامة ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ، ولا يعجل حَتَّى يفرغ مِنْهُ ) . وكان ابن عُمَر يوضع لَهُ الطعام ، وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حَتَّى يفرغ ، وإنه يسمع قراءة الإمام . 674 - وَقَالَ زهير ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى بْن عقبة ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجل حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة ) . قَالَ أبو عَبْد الله : رواه إِبْرَاهِيْم بْن المنذر ، عَن وهب بْن عُثْمَان . ووهب مديني . حَدِيْث عَائِشَة ، قَدْ خرجه - أَيْضاً - فِي ( الأطعمة ) من رِوَايَة وهيب وسفيان الثوري ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، بِهِ . وحديث أنس ، قَدْ خرجه فِي ( الأطعمة ) من طريق أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وَقَالَ : عَن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . وعن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ تعشى وَهُوَ يسمع قراءة الإمام . وحديث موسى بْن عقبة الَّذِي علقه البخاري ، قَدْ خرجه مُسْلِم من رِوَايَة أَبِي ضمرة ، عَن موسى ، ولم يذكر لفظه ، لكنه قَالَ : بنحو رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر . وخرجه البيهقي من طريق سويد بْن سَعِيد ، عَن حفص بْن ميسرة ، عَن موسى بْن عقبة ، ولفظه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجلن حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة ) . ثُمَّ قَالَ : وبهذا اللفظ رواه زهير بْن معاوية ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى بن عقبة ، وأشار البخاري إلى روايتهما . قُلتُ : وإنما أشار البخاري إليه ؛ لأن لفظه صريح فِي أن من شرع فِي عشائه ثُمَّ أقيمت الصلاة فلا يقم إلى الصلاة حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، بخلاف سائر ألفاظ الحَدِيْث الَّتِيْ خرجها ؛ لأنه يحتمل أن يكون الخطاب بِهَا لمن لَمْ يتناول من عشائه شيئاً . ووهب بْن عُثْمَان ، ذكر البخاري أَنَّهُ مديني ، وأن هَذَا الحَدِيْث رواه عَنْهُ إِبْرَاهِيْم بْن المنذر الحزامي ، ولم يذكره فِي غير هَذَا الموضع من ( كتابه ) ، ولا خرج لَهُ فِي بقية ( الكتب الستة ) ، وذكره ابن حبان فِي ( ثقاته ) . وقد خرج ابن حبان فِي ( صحيحه ) من طريق ابن جُرَيْج : أخبرني نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر إذا غربت الشمس وتبين لَهُ الليل ، فكان أحياناً يقدم عشاءه وَهُوَ صائم ، والمؤذن يؤذن ، ثُمَّ يقيم وَهُوَ يسمع ، فلا يترك عشاءه ، ولا يجعل حَتَّى يقضي عشاءه ، ثُمَّ يخرج فيصلي ، ويَقُول : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تعجلوا عَن عشائكم إذا قدم إليكم ) . وقد روي ذكر الصيام مرفوعاً . خرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق موسى بْن أعين ، عَن عَمْرِو بْن الحارث ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . وخرجه الدارقطني فِي كِتَاب ( الإلزامات ) وصححه . وخرجه الطبراني ، وَقَالَ : لَمْ يقل فِي هَذَا الحَدِيْث : ( وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ) إلا عَمْرِو بْن الحارث ، تفرد بِهِ موسى بْن أعين . قُلتُ : وإنما تفرد موسى بذكر : ( وأحدكم صائم ) ، وأما قوله : ( فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ) فَقَدْ خرجه مُسْلِم من طريق ابن وهب ، عَن عَمْرِو بن الحارث بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ( إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . فهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنه يبدأ بالعشاء ، سواء كَانَ قَدْ أكل مِنْهُ شيئاً أو لا ، وأنه لا يقوم حَتَّى يقضي حاجته من عشائه ، ويفرغ مِنْهُ . وممن روي عَنْهُ تقديم العشاء عَلَى الصلاة : أبو بَكْر وعمر وابن عُمَر وابن عَبَّاس وأنس وغيرهم . وروى معمر ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : إني لمع أَبِي بْن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى طعام ، إذ نودي بالصلاة ، فذهبت أقوم فأقعدوني ، وأعابوا عَلِيّ حِينَ أردت أن أقوم وأدع الطعام . خرجه عَبْد الله ابن الإمام أحمد فِي ( مسائله ) . وإلى هَذَا القوم ذهب الثوري وأحمد - فِي المشهور عَنْهُ - وإسحاق وابن المنذر . وَقَالَ أحمد : لا يقوم حَتَّى يفرغ من جميع عشائه ، وإن خاف أن تفوته الصلاة مَا دام فِي وقت ، قَالَ : لأنه إذا تناول مِنْهُ شيئاً ثُمَّ تركه كَانَ فِي نفسه شغل من تركه الطعام إذا لَمْ ينل مِنْهُ حاجته . وحاصل الأمر ؛ أَنَّهُ إذا حضر الطعام كَانَ عذراً فِي ترك صلاة الجماعة ، فيقدم تناول الطعام ، وإن خشي فوات الجماعة ، ولكن لا بد أن يكون لَهُ ميل إلى الطعام ، ولو كَانَ ميلاً يسيراً ، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم . وعلى ذَلِكَ دل تعليل ابن عَبَّاس والحسن وغيرهما ، وكذلك مَا ذكره البخاري عَن أَبِي الدرداء . فأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام ، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة . وقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل ، إلا أن يكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام ، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ ، وقول ابن حبيب المالكي . واستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم ، وألحق بِهِ كل من كَانَ شديد التوقان إلى الطعام فِي الصلاة ، يمنع من كمال الخشوع ، بخلاف الميل اليسير . وقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفاً ، حكاه ابن المنذر ، عَن مَالِك . وهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة ، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء . وهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد ، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك والشافعي فِي أحد قوليه . ونقل حرب ، عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ يبدأ بالصلاة ، إلا فِي حالين : أحدهما : أن يكون الطعام خفيفاً ، والثاني : أن يكون أكله مَعَ جماعة ، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة . وهؤلاء قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفاً ، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة فِي عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه . وروى أبو داود بإسناده ، عَن عَبْد الله بْن عُبَيْدِ بْن عمير ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي زمان ابن الزُّبَيْر إلى جنب عَبْد الله بْن عُمَر ، فَقَالَ عباد بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر : إنا سمعنا أَنَّهُ يبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فَقَالَ عَبْد الله بْن عُمَر : ويحك ، مَا كَانَ عشاؤهم ، أتراه كَانَ مثل عشاء أبيك ؟ وخرج البيهقي من حَدِيْث حميد ، قَالَ : كنا عِنْدَ أنس بْن مَالِك ، فأذن المؤذن بالمغرب وقد حضر العشاء ، فَقَالَ أنس : ابدأوا بالعشاء ، فتعشينا مَعَهُ ، ثُمَّ صلينا ، فكان عشاؤه خفيفاً . وقالت طائفة : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون الطعام يخاف فساده لما فِي تأخيره من إفساد الطعام ، وهذا قَوْلِ وكيع ، رواه الترمذي فِي ( جامعه ) عَنْهُ . وفي هَذَا القول بعد ، وَهُوَ مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة . وللإمام أحمد فِي المسألة ثَلاَثَة أقوال : أحدها : أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة أَبِي الحارث ، وسئل عَن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة ، فَقَالَ : قد جاءت أحاديث ، وكان القوم فِي مجاعة ، فأما اليوم فلو قام رجوت . وهذه الرواية تدل عَلَى أن تقديم الأكل عَلَى الصلاة مختص بحال مجاعة النَّاس عموماً ، وشدة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام ، وفي هَذَا نظر . وقد يستدل لَهُ بما رَوَى مُحَمَّد بْن ميمون الزعفراني ، عَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَن أبيه ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤخر الصلاة لطعام ولا غيره . وخرجه الطبراني ، ولفظه : لَمْ يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة المغرب لعشاء ولا غيره . وهذا حَدِيْث ضَعِيف لا يثبت . ومحمد بْن ميمون هَذَا ، وثقه ابن معين وغيره ، وَقَالَ البخاري والنسائي : منكر الحَدِيْث . وروى سلام بْن سُلَيْمَان المدائني : ثنا ورقاء بْن عُمَر ، عَن ليث بْن أَبِي سليم ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا حضر العشاء والصلاة فابدأوا بالصلاة ) . خرجه تمام الرَّازِي فِي ( فوائده ) ، وَقَالَ : هكذا وقع فِي كتابي ، وَهُوَ خطأ . وليث بْن أَبِي سليم ليس بالحافظ ، فلا تقبل مخالفته لثقات أصْحَاب نَافِع ؛ فإنهم رووا : ( فابدأوا بالعشاء ) كما تقدم ، وسلام المدائني ضَعِيف جداً . والقول الثاني : نقل حَنْبل ، عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ أخذ من طعامه لقمةً أو نحو ذَلِكَ فلا يقوم إلى الصلاة فيصلي ، ثُمَّ يرجع إلى العشاء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يحتز من كتف الشاة ، فألقى السكين وقام . وكذا نقل عَنْهُ ابنه عَبْد الله والأثرم . وحاصل هَذَا القول : إن كَانَ أكل شيئاً من الطعام ثُمَّ أقيمت الصلاة قام إليها ، وترك الأكل ، وإن لَمْ يكن أكل شيئاً أكل مَا تسكن بِهِ نفسه ثُمَّ قام إلى الصلاة ، ثُمَّ عاد إلى تتمة طعامه . وصرح بذلك الأثرم فِي ( كِتَاب الناسخ والمنسوخ ) ، واستدل بحديث عَمْرِو بن أمية الضمري ، وقد خرجه البخاري فِي الباب الذي يلي هَذَا . وروي نحوه من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة وجابر بْن عَبْد الله . وفي هذه الأحاديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يحتز من كتف شاة ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فألقى السكين ثُمَّ قام إلى الصلاة . وقد ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أَنَّهُ إذا سَمِعَ الإقامة لم يشبع من طعامه ، بل يأكل مَا يكسر بِهِ سورة جوعه . وحديث ابن عُمَر صريح فِي رد ذَلِكَ ، وأنه لا يعجل حَتَّى يفرغ من عشائه . والقول الثالث : عكس الثاني ، نقله حرب عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ قَدْ أكل بعض طعامه ، فأقيمت الصلاة ، فإنه يتم أكله ، وإن كَانَ لَمْ يأكل شيئاً فأحب أن يصلي . وقد يعلل هَذَا بأنه إذا تناول شيئاً من طعامه فإن نفسه تتوق إلى تمامه ، بخلاف من لَمْ يذق مِنْهُ شيئاً ؛ فإن توقان نفسه إليه أيسر . وفي المسألة قَوْل آخر ، وَهُوَ الجمع بَيْن أحاديث هَذَا الباب ، وبين حَدِيْث عَمْرِو بْن أمية ، وما فِي معناه من طرح النبي صلى الله عليه وسلم السكين من يده ، وقيامه إلى الصلاة بالفرق بَيْن الإمام والمأمومين ، فإذا دعي الإمام إلى الصلاة قام وترك بقية طعامه ؛ لأنه ينتظر ، ويشق عَلَى النَّاس عِنْدَ اجتماعهم تأخره عنهم ، بخلاف آحاد المأمومين ، وهذا مسلك البخاري ، كما سيأتي ذَلِكَ فِي الباب الَّذِي يلي هَذَا . وبكل حال ؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة ، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء ، ونص عَلِيهِ أحمد وغيره . وشذت طائفة ، فرخصت فِي تأخير الصلاة عَن الوقت بحضور الطعام - أَيْضاً - وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية ، ووجه ضَعِيف للشافعية ، حكاه المتولي وغيره . وقد رَوَى المروذي أن أحمد احتجم بالعسكر ، فما فرغ إلا والنجوم قَدْ بدت ، فبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فما فرغ حَتَّى دخل وقت العشاء ، فتوضأ وصلى المغرب والعشاء . قَالَ القاضي فِي ( خِلافَه ) : يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مسافراً ؛ لأن المراد بالعسكر سامراء ، وكان قَدْ طلبه المتوكل إليها . والثاني : أَنَّهُ خاف عَلَى نفسه من تأخير العشاء المرض ؛ لضعفه بالحجامة . وَقَالَ ابن عقيل : يحتمل أَنَّهُ كَانَ مريضاً أو ناسياً ، قَالَ : ومع هذه الاحتمالات لا يؤخذ من ذَلِكَ مذهب يخالف مذهب النَّاس . ومتى خالف ، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئة عند جميع العلماء المعتبرين ، وقد حكى الإجماع عَلَى ذَلِكَ ابن عَبْد البر وغيره ، وإنما خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية ، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم . وفي أحاديث هَذَا الباب : دليل عَلَى أن وقت المغرب متسع ، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فِيهِ عَن أول الوقت ، ولولا ذَلِكَ لَمْ يأمر بتقديم العشاء عَلَى صلاة المغرب من غير بيان لحد التأخير ؛ فإن هَذَا وقت حاجة إلى البيان ،
139 - باب التسبيح والدعاء في السجود 817 - حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن سفيان ، قال : حدثني منصور ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي يتأول القرآن . قد تقدم هذا الحديث في باب : الدعاء في الركوع من حديث شعبة ، عن منصور ، بنحوه . وفي هذه الرواية : زيادة ذكر الإكثار . وفيها - أيضا - أنه يتأول القرآن ، والمراد : أنه يمتثل ما أمره الله به بقوله : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فتأويل القرآن ، تارة يراد به تفسير معناه بالقول ، وتارة يراد به امتثال أوامره بالفعل . وبهذا يقال : من ارتكب شيئا من الرخص لتأويل سائغ أو غيره : إنه فعله متأولا . وقد سبق ذكر حكم التسبيح في السجود والدعاء فيه في باب : الدعاء في الركوع .
43 - باب إذا دُعيَ الإمَامُ إلى الصَّلاةِ وبَيَدِهِ مَا يَأكُلُ 675 - حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عَبْد الله ، ثنا إِبْرَاهِيْم ، عَن صالح ، عن ابن شِهَاب ، قَالَ : أخبرني جَعْفَر بْن عَمْرِو بْن أمية الضمري ، أن أباه قَالَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ذراعاً يحتز مِنْهَا ، فدعي إلى الصلاة ، فَقَام فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ . وقد سبق فِي ( كِتَاب الوضوء ) من حَدِيْث عقيل ، عَن ابن شِهَاب ، بمعناه . وقد حمل البخاري هَذَا عَلَى أن الإمام خاصة إذا دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل فإنه يقوم إلى الصلاة ولا يتم أكله ؛ لما فِي تأخيره من المشقة عَلَى المأمومين بانتظاره ، فيكون دعاء الإمام إلى الصلاة بمنزلة إقامة الصلاة فِي حق المأمومين . وقد حمله غيره - كما تقدم - عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وقد أكل بعض طعامه أَنَّهُ يقوم ولا يتمه . والبخاري قَدْ بَيْن فِي الباب السابق أن بعض ألفاظ حَدِيْث ابن عمر صريح فِي خلاف هذا ، فلذلك حمله عَلَى الإمام خاصة ، ولو أَنَّهُ حمل عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ أتم أكله لكان محتملاً مَعَ بعده ؛ فإن ظاهر اللفظ يقتضي أَنَّهُ لَمْ يكن أتم أكله . وقد حمله بعضهم عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أخذ من طعامه مَا يحتاج إليه بحيث لا تتوق نفسه بعده إلى شيء مِنْهُ ، فاكتفي بذلك . وخرج أبو داود من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة ، قَالَ : ضفت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فأمر بجنب فشوي ، وأخذ الشفرة فجعل يحتز لِي بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : فجاء بلال فآذنه بالصلاة ، قالَ : فألقى الشفرة ، وقَالَ : ( ما له ؟ تربت يداه ) ، وقام . ويروى من حَدِيْث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل ، فقام ثُمَّ رجع ، فأتى ببقية الطعام . ذكره الأثرم تعليقاً . وخرجه [ ] .
138 - باب لا يكف ثوبه في الصلاة 816 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا أبو عوانة ، عن عمرو ، عن طاوس عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ، ولا أكف شعرا ولا ثوبا . ظاهر تبويب البخاري : يدل على أن النهي عنده عن كف الثياب مختص بفعل ذلك في الصلاة نفسها ، فلو كفها قبل الصلاة ، ثم صلى على تلك الحال لم يكن منهيا عنه . وهذا قول مالك ، قال : إن كان يعمل عملا قبل الصلاة فشمر كمه أو ذيله ، أو جمع شعره لذلك فلا بأس أن يصلي كذلك ، كما لو كان ذلك هيئته ولباسه ، وإن فعل ذلك للصلاة ، وأن يصون ثوبه وشعره عن أن تصيبهما الأرض كره ؛ لأن فيه ضربا من التكبر وترك الخشوع . قال بعض أصحابنا : وقد أومأ إلى ذلك أحمد في رواية محمد بن الحكم ، فقال : قلت لأحمد : الرجل يقبض ثوبه من التراب إذا ركع وسجد ؛ لئلا يصيب ثوبه ؟ قال : لا ؛ هذا يشغله عن الصلاة . قلت : ليس في هذه الرواية دليل على اختصاص الكراهة بهذه الصورة ، إنما فيها تعليل الكراهة في الصلاة بالشغل عنها ، وقد تعلل كراهة استدامة ذلك في الصلاة بعلة أخرى ، وهي سجود الشعر والثياب ، كما صرح به في رواية أخرى ، وقد يعلل الحكم الواحد بعلتين ، فكراهة الكف في الصلاة له علتان ، وكراهة الكف قبل الصلاة واستدامته لها معلل بإحداهما . وأكثر العلماء على الكراهة في الحالين ، ومنهم : الأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعي ، وقد سبق عن جماعة من الصحابة ما يدل عليه ، منهم : عمر وعثمان وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو رافع وغيرهم . وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يحل شعره وينشره إذا أراد الصلاة ، ويعقصه بعد ذلك . وقال عطاء : لا يكف الشعر عن الأرض . وظاهر تبويب البخاري : يدل على أن كف الشعر في الصلاة مكروه ، سواء فعله في الصلاة أو قبلها ثم صلى كذلك ، بخلاف كف الثوب ، فإنه إنما يكره فعله في الصلاة خاصة ؛ لما فيه من العبث . والجمهور على التسوية بينهما . وقد كره أحمد كف الخف في الصلاة ، وجعلها من كف الثياب .
44 - باب مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمتِ الصَّلاةُ فَخَرَجَ 676 - حَدَّثَنَا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، قَالَ : سألت عَائِشَة : مَا كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : كَانَ يكون فِي مهنة أهله - تعني : خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة . ( المهنة ) - بكسر الميم وفتحها - الخدمة . ومنهم من أنكر الكسر ، قَالَ الأصمعي : هُوَ خطأ . قَالَ الزمخشري : هُوَ عِنْدَ الأثبات خطأ ، قَالَ : وكان القياس لَوْ قيل مثل جلسة وخدمة . وقد فسرت عَائِشَة هذه الخدمة فِي رِوَايَة عَنْهَا ، فروى المقدام بْن شريح ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، أَنَّهُ سألها : كَيْفَ كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا كَانَ فِي بيته ؟ قَالَتْ : مثل أحدكم فِي مهنة أهله ، يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويضع الشيء . وروى معاوية بْن صالح ، عَن يَحْيَى بْن سَعِيد ، عَن عمرة ، قَالَتْ : سئلت عَائِشَة : مَا كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : بشر من البشر ، يخدم نفسه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله . وروى هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، قَالَ : قيل لعائشة : مَا كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : يخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، ويعمل مَا يعمله الرجال فِي بيوتهم . خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) . ومقصود البخاري بهذا الباب : أن الصلاة إذا أقيمت والإنسان فِي شغل بعمل شيء من مصالح دنياه ، فإنه يدعه ويقوم إلى الصلاة ، إماماً كَانَ أو مأموماً . وقد روي حَدِيْث الأسود ، عَن عَائِشَة ، الَّذِي خرجه البخاري بزيادة فِي آخره . خرجه الحافظ أبو الحسين بن المظفر فِي ( غرائب شعبة ) من طريق الْحَسَن بن مدرك ، ثنا يَحْيَى بْن حماد ، ثنا شعبة ، عَن الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كَانَ عندي كَانَ فِي مهنة أهله ، فإذا نودي بالصلاة كأنه لَمْ يعرفنا . وقد روي من وجه آخر معنى هذه الزيادة . رَوَى أبو زُرْعَة الدمشقي فِي ( تاريخه ) : حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي أسامة ، ثنا مبشر بْن إِسْمَاعِيل ، ثنا عَبْد الله بْن الزبرقان ، حَدَّثَنِي أسامة بْن أَبِي عَطَاء ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النُّعْمَان بْن بشير ، فَقَالَ لَهُ سويد بْن غفلة : ألم يبلغني أنك صليت مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : ومرة ، لا بل مراراً ، كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سَمِعَ النداء كأنه لا يعرف أحداً من النَّاس .
137 - باب لا يكف شعرا 815 - حدثنا أبو اليمان ، نا حماد - هو ابن زيد - عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبعة أعظم ، ولا يكف ثوبه ، ولا شعره . كف الشعر المنهي عنه ، يكون تارة بعقصه ، وتارة بإمساكه عن أن يقع على الأرض في سجوده ، وكله منهي عنه . أما الأول : ففي صحيح مسلم عن كريب ، أن ابن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه ، فجعل يحله ، وأقر له الآخر ، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس ، فقال : ما لك ورأسي ؟ فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي رافع ، أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي ، وقد عقص ضفيرته في قفاه ، فحلها ، فالتفت إليه الحسن مغضبا ، فقال : أقبل على صلاتك ولا تغضب ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ذلك كفل الشيطان . وقال الترمذي : حديث حسن . وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من وجه آخر ، عن أبي رافع ، أنه رأى الحسن بن علي يصلي وقد عقص شعره ، فأطلقه - أو نهى عنه - وقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره . وفي الباب أحاديث أخر . وممن نهى عن الصلاة مع عقص الشعر : علي وابن مسعود وأبو هريرة ، وقالا : إن الشعر يسجد مع صاحبه . زاد ابن مسعود : وله بكل شعرة حسنة . وفي رواية : أن رجلا قال لابن مسعود : إني أخاف أن يتترب ، قال : تربه خير لك . وعن عثمان بن عفان ، قال : مثل الذي يصلي وقد عقص شعره مثل الذي يصلي وهو مكتوف . وقطع حذيفة ضفيرة ابنه لما رآه يصلي وهو معقوص . وأما الثاني : فقال ابن سيرين : نبئت أن عمر بن الخطاب مر على رجل قد طول شعره ، كلما سجد قال هكذا ، فرفع شعره بظهور كفيه ، فضربه ، وقال : إذا طول أحدكم فليتركه يسجد معه . وروى عبد الله بن محرر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يسجد وهو يقول بشعره هكذا بكفه عن التراب ، فقال : اللهم ، قبح شعره قال : فسقط . خرجه ابن عدي . وابن محرر ، ضعيف جدا من قبل حفظه ، وكان شيخا صالحا . قال الإمام أحمد : إذا صلى فلا يرفعن ثوبه ولا شعره ولا شيئا من ذلك ؛ لأنه يسجد . وكف الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء ، وحرمه طائفة من أهل الظاهر وغيرهم ، واختاره ابن جرير الطبري ، وقال : لا إعادة على من فعله ، لإجماع الحجة وراثة عن نبيها - عليه السلام - أن لا إعادة عليه . وحكى ابن المنذر الإعادة منه عن الحسن . ورخص فيه مالك إذا كان ذلك قبل الصلاة ، لمعنى غير الصلاة ، وسنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى .
45 - باب مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ وََهُوَ لاَ يُريدُ إلاَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلاَةَ النبي صلى الله عليه وسلم وَسُنَّتَهُ 677 - حَدَّثَنَا موسى بْن إِسْمَاعِيل : أنا وهيب ، نا أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، قَالَ : جاءنا مَالِك بْن الحويرث فِي مسجدنا هَذَا ، فَقَالَ : إني لأصلي بكم ، وما أريد الصلاة ، أصلي كَيْفَ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، فَقِيلَ لأبي قلابة : كَيْفَ كَانَ يصلي ؟ قَالَ : مثل شيخنا هَذَا ، وكان الشَّيْخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قَبْلَ أن ينهض فِي الركعة الأولى . وقد خرجه البخاري فيما بعد عَن معلى بْن أسد ، عَن وهيب ، ولفظ حديثه : جاءنا مَالِك بْن الحويرث فصلى بنا فِي مسجدنا هَذَا ، فَقَالَ : إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة ، لكني أريد أن أريكم كَيْفَ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وذكر بقية الحَدِيْث . قول مَالِك بْن الحويرث : ( إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة ) يحتمل أَنَّهُ أراد أني لا أريد الصلاة إماماً ، وأنه لا غرض لِي فِي إمامتكم سوى تعليمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم الصلاة صحت صلاته ، كما حج النبي صلى الله عليه وسلم ، وَقَالَ لهم : ( خذوا عني مناسككم ) ، وَقَالَ - أَيْضاً - فِي الصلاة : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) . وإن حمل عَلَى أن مراد ابن الحويرث : أني لا أريد أن أصلي هذه الصلاة لأني قَدْ صليتها ، وإنما أعيدها لتعليمكم الصلاة دل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يرى جواز اقتداء المفترضين بالمتنفل ، إن كَانَ أمهم فِي وقت صلاة مفروضة ، فإن كَانَ أمهم فِي تطوعٍ فلا دلالة فِيهِ عَلَى ذَلِكَ . وقد ورد ذَلِكَ مصرحاً بِهِ في رِوَايَة خرجها البخاري فِي ( بَاب : الطمأنينة ) من رِوَايَة حماد بْن زيد ، عَن أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، قَالَ : قام مَالِك بْن الحويرث يرينا كَيْفَ كَانَ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك فِي غير وقت الصلاة ، وذكر صفة صلاته . فعلم بهذا أنهم كانوا متنفلين بهذه الصلاة كلهم . ولا يصح حمل كلامه عَلَى ظاهره ، وأنه لَمْ ينو الصلاة بالكلية ، بل كَانَ يقوم ويقعد ويركع ويسجد ، وَهُوَ لا يريد الصلاة ، فإن هَذَا لا يجوز ، وإنما يجوز مثل ذَلِكَ فِي الحج ، يجوز أن يكون الَّذِي يقف بالناس ويدفع بهم غير محرم ، ولا مريداً للحج بالكلية ، لكنه يكره . قَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء فِي الأحكام السلطانية : لأن الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره ، بخلاف القيام والركوع والسجود ، فإنه لا يجوز إلا فِي الصلاة بشروطها . وبقية فوائد الحَدِيْث يأتي الكلام عَلِيهِ فِي مواضعه - إن شاء الله - ؛ فإن البخاري خرجه فِي مواضع متعددة .
136 - باب عقد الثياب وشدها ومن ضم إليه ثوبه إذا خاف أن تنكشف عورته 814 - حدثنا محمد بن كثير ، أنا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كان الناس يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا . قد خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في باب : إذا كان الثوب ضيقا . ومقصوده بتخريجه في هذا الباب : أن عقد الثياب وشدها وضمها في الصلاة إذا كان لضيق الثوب أو تخرقه ؛ خشية انكشاف العورة منه ، فإنه جائز غير مكروه ، فإذا كان عليه إزار صغير ، فعقده على منكبه ليستر به منكبيه وعورته ، فهو حسن . واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة شد الوسط في الصلاة ، فكرهه في رواية ، وقال : هو تشبه بأهل الكتاب ، ورخص فيه في رواية . فمن الأصحاب من قال عنه : في كراهته روايتان . ومنهم من قال : هما منزلان على حالين : فإن كان يشبه شد الزنار كره ، وإلا لم يكره ، بل يستحب ، خصوصا لمن ليس عليه إزار ولا سراويل ؛ لأنه أستر لعورته . وقد نص أحمد على التفريق بينهما ، وقال إسحاق بن هانئ في مسائله : سألت أحمد عن الرجل يصلي مشدود الوسط ؟ فقال : هو عندي أسهل ، إذا كان يريد بشد وسطه أن لا يتترب ثوبه ، فلا يصلي مشدود الوسط إلا أن يكون لعمل . ومعنى هذه الرواية : إن شد وسطه خشية أن يصيبه التراب في سجوده كره له ذلك ؛ لما فيه من التكبر ، فإن تتريب المصلي بدنه وثيابه من الخشوع والتواضع لله عز وجل ، وإن كان شده لغير ذلك من عمل يعمله لم يكره . وفهم طائفة من أصحابنا من كلام أحمد عكس هذا ، ولا وجه لذلك . وقال الشعبي : كان يقال : شد حقوك في الصلاة ولو بعقال . وقال يزيد بن الأصم وإبراهيم النخعي : شد حقوك ولو بعقال . وروى شعبة ، عن يزيد بن خمير ، عن مولى لقريش ، قال : سمعت أبا هريرة يحدث معاوية ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الرجل حتى يحتزم . خرجه الإمام أحمد . وخرجه أبو داود ، ولفظه : نهى أن يصلي الرجل بغير حزام . واستدل به أحمد على أنه لا يكره شد الوسط في الصلاة .
الحَدِيْث الخامس : 682 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْمَان ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابن وهب ، حَدَّثَنِي يونس ، عَن ابن شِهَاب ، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله ، أَنَّهُ أخبره عَن أَبِيه ، قَالَ : لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه قيل لَهُ فِي الصلاة ، قَالَ : ( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، قَالَتْ عَائِشَة : إن أَبَا بَكْر رَجُل رقيق ، إذا قرأ غلبه البكاء ، قَالَ : ( مروه فليصل ) ، فعاودته ، فَقَالَ : ( مروه فليصل ، فإنكن صواحب يوسف ) . تابعه : الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق بْن يَحْيَى الكلبي ، عَن الزُّهْرِيّ . وقال عقيل ومعمر : عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، مرسلاً . قَدْ ذكر البخاري الاختلاف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي إسناده ، وأنه روي عَنْهُ متصلاً ومرسلاً . فخرجه من طريق ابن وهب ، عَن يونس ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله بْن عُمَر ، عَنْ أَبِيه - متصلاً وذكر أَنَّهُ تابعه عَلَى وصله الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق الكلبي ، وأرسله عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة من غير ذكر ابن عُمَر : عقيل ومعمر . وقد اختلف عَن معمر : وخرجه مُسْلِم من حَدِيْث معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن عَائِشَة . واختلف فِيهِ عَلَى عقيل - أَيْضاً - : فروي عَنْهُ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة - مرسلاً . وروي عَنْهُ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن عَائِشَة . وكذا قَالَ يونس بْن أَبِي إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ . وكلاهما محفوظ عَنْهُ ، ذكر ذَلِكَ الدارقطني فِي موضع من ( علله ) . وذكر فِي موضع آخر مِنْهَا : أَنَّهُ رواه عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن أَبِيه . قَالَ : وَهُوَ الصواب . قُلتُ : ورواه ابن المبارك ، عَن يونس ومعمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، مرسلاً .
الحَدِيْث الثالث : 680 - حَدَّثَنَا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني أنس بْن مَالِك الأنصاري - وكان تبع النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وصحبه أن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي بهم فِي وجع النبي صلى الله عليه وسلم الَّذِي توفي فِيهِ ، حَتَّى إذا كَانَ يوم الاثنين وهم صفوف فِي الصلاة ، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ، ينظر إلينا وَهُوَ قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثُمَّ تبسم يضحك ، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، فنكص أبو بَكْر عَلَى عقبيه ليصل الصف ، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن ( أتموا صلاتكم ) ، وأرخى الستر ، فتوفي من يومه صلى الله عليه وسلم . فِي هَذَا الحَدِيْث أن أَبَا بَكْر استمر عَلَى إقامته فِي الصلاة إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستر ، ونظر إليه وَهُوَ يؤم النَّاس فِي صلاة الصبح يوم الاثنين ، وهي آخر صلاة أدركها النبي صلى الله عليه وسلم فِي حياته ، فظن أبو بَكْر أَنَّهُ خارج إلى الصلاة ، فأخذ فِي التأخر إلى صف المأمومين ؛ ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فيؤم النَّاس ، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر . وهذا فِيهِ أمر لأبي بَكْر بأن يستمر عَلَى إمامته فِي آخر صلاة أدركها وَهُوَ حي . وظاهر هَذَا الحَدِيْث ، يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يخرج إلى المسجد ولم يصل مَعَ الجماعة تلك الصلاة ، لا إماماً ولا مأموماً . وقد قَالَ كثير من السلف : إنه خرج وصلى خلف أَبِي بَكْر فِي الصف تلك الصلاة . وقد سبق حَدِيْث أَنَس أن آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب متوشحاً خلف أَبِي بَكْر . وقد جمع البيهقي وغيره بَيْن ذلك وبين حَدِيْث أَنَس هَذَا ، بأنه أرخى الستر ودخل ، ثُمَّ وجد خفة فخرج فصلى خلف أَبِي بَكْر الركعة الثانية ، وقضى الركعة الَّتِيْ فاتته . وقد صح هَذَا المعنى عَن عُبَيْدِ بْن عمير أَيْضاً . وروي صريحاً - أَيْضاً - من حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد . خرجه ابن سعد فِي ( طبقاته ) عَن الواقدي .
46 - باب أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ فِيهِ خمسة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 678 - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نصر : حَدَّثَنَا حسين ، عَن زائدة ، عَن عَبْد الملك بن عمير ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو بردة ، عَن أَبِي موسى ، قَالَ : مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه ، فَقَالَ : ( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، قَالَتْ عَائِشَة : إنه رَجُل رقيق ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس ، قَالَ : ( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، فعادت ، فَقَالَ : ( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس ؛ فإنكن صواحب يوسف ) ، فأتاه الرسول ، فصلى بالناس فِي حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم . استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس ، وروجع فِي ذَلِكَ مراراً وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة ، وإنما قدمه لعلمه وفضله ؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَلِيهِ أهل السنة والجماعة ، وأما علمه فكذلك . وقد حكى أبو بَكْر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عَلِيهِ ، أَيْضاً . وهذا مِمَّا يستدل بِهِ من قَالَ : إن الأفقه والأعلم مقدم عَلَى الأقرأ ؛ فإن أَبِي بْن كعب كَانَ أقرأ الصَّحَابَة ، كما قَالَ عُمَر : ( أَبِي أقرؤنا ) . وروي عَن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ، أَنَّهُ قَالَ : ( أقرأ أمتي لكتاب الله أَبِي بْن كعب ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وصححه الترمذي من حَدِيْث أَبِي قلابة ، عَن أنس . وقد روي عَن أَبِي قلابة مرسلاً من غير ذكر ( أَنَس ) ، وَهُوَ أصح عِنْدَ كثير من الحفاظ . فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب فِي الصلاة بالناس دل عَلَى أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم عَلَى الأقرأ . وقد اختلف العلماء : هَلْ يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، أم الأفقه عَلَى الأقرأ ؟ فَقَالَتْ طائفة : يقدم الأفقه ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور . وَقَالَ الليث : يؤمهم أفضلهم وخيرهم ، ثُمَّ أقرؤهم ، ثُمَّ أسنهم . وقالت طائفة : يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، وحكي عَن الأشعث بْن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره . وما حكيناه عَن الثوري ، حكاه أصحابه عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه . ونص أحمد عَلَى أَنَّهُ يقدم الأقرأ إذا كَانَ يعرف مَا تحتاج إليه الصلاة من الفقه ، وكذلك قَالَ كثير من المحققين من أصحابه ، وحكوا مذهبه عَلَى هَذَا الوجه . واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود الأنصاري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فِي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فِي السنة سواء فأقدمهم هجرة ) . وفي رِوَايَة لمسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة ) . وخرجه الحَاكِم ، وعنده ( يؤم القوم أكثرهم قرآناً ) ، وذكر الحَدِيْث . وخرج مُسْلِم - أَيْضاً - من حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانوا ثَلاَثَة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ) . وخرج البخاري فِي ( كتابه ) هَذَا من حَدِيْث عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي ، عَن أَبِيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآناً ) . وخرج - أَيْضاً - فِيهِ من حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : لما قدم المهاجرون الأولون قَبْلَ مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآناً . وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤمكم أقرؤكم ) . وخرجه أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن عَبَّاس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( ليؤمكم قراؤكم ) . وفي الباب أحاديث أخر . وقد تأول الشَّافِعِيّ وغيره هذه الأحاديث عَلَى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطب أصحابه ، وكان أكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً ؛ فإن قراءتهم كَانَتْ علماً وعملاً بخلاف من بعدهم . وأجيب عَن هَذَا بوجهين : أحدهما : أن هَذَا خطاب عام للأمة كلهم ، فلا يختص بالصحابة . والثاني : أَنَّهُ فرق بَيْن الأقرأ والأعلم بالسنة ، وقدم الأقرأ عَلِيهِ . وأجاب الإمام أحمد عَن تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب وغيره ، بأنه أراد بذلك التنبيه عَلَى خلافته ، فلهذا المعنى قدمه فِي الصلاة عَلَى النَّاس كلهم . وقد منع بعضهم أن يكون أَبِي بْن كعب أقرأ من أَبِي بَكْر ، لأن المراد بالأقرأ فِي الإمامة الأكثر قرآناً ، وَقَالَ : كَانَ أبو بَكْر يقرأ القرآن كله ، فلا مزية لأبي بْن كعب عَلِيهِ فِي ذَلِكَ ، وامتاز أبو بَكْر بالعلم والفضل . وهذه المسألة لأصحابنا فيها وجهان : إذا اجتمع قارئان ، أحدهما أكثر قرآناً ، والآخر أجود قراءةً ، فهل يقدم الأكثر قرآناً عَلَى الأجود قراءة ، أم بالعكس ؟ وأكثر الأحاديث تدل على اعتبار كثرة القرآن . وإن اجتمع فقيهان قارئان ، أحدهما أفقه ، والآخر أجود قراءة ، ففي أيهما يقدم وجهان ، أَيْضاً . وقيل : إن المنصوص عَن أحمد ، أَنَّهُ يقدم الأقرأ .
الحَدِيْث الثاني : 679 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، أنها قَالَتْ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي مرضه : ( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، قَالَتْ عَائِشَة : قُلتُ : إن أَبَا بَكْر إذا قام فِي مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء ، فمر عُمَر فليصل بالناس ، قَالَتْ عَائِشَة : فَقُلْت لحفصة : قولي : إن أَبَا بَكْر إذا قام في مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء ، فمر عُمَر فليصل بالناس ، ففعلت حَفْصَةَ ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) فَقَالَتْ حفصة لعائشة : مَا كُنْتُ لأصيب منك خيراً . والمراد من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب أمر النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر بالصلاة بالناس فِي مرضه ، وأنه روجع فِي ذَلِكَ فزجر من راجعه ، وكرر الأمر بذلك .
الحَدِيْث الرابع : 681 : حَدَّثَنَا أبو معمر ، قَالَ : ثنا عَبْد الوارث ، ثنا عَبْد العزيز ، عَن أَنَس ، قَالَ : لَمْ يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، فأقيمت الصلاة ، فذهب أبو بَكْر فتقدم ، فَقَالَ نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب ، فرفعه ، فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم مَا رأينا منظراً كَانَ أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ وضح لنا ، فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم ، وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب ، فَلَمْ يقدر عَلِيهِ حَتَّى مات . وهذا الحَدِيْث قريب من حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أَنَس الَّذِي قبله ، وفيه : التصريح بإيماء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم ويؤم النَّاس ، ولكنه يوهم أن أَبَا بَكْر لَمْ يكن قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة ، وحديث الزُّهْرِيّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة .
135 - باب السجود على الأنف في الطين 813 - حدثنا موسى ، ثنا همام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : انطلقت إلى أبي سعيد الخدري ، فقلت : ألا تخرج بنا إلى النخل نتحدث ؟ فخرج ، فقلت : حدثني ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة القدر ؟ فقال : اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر الأول من رمضان ، واعتكفنا معه ، فأتاه جبريل ، فقال : إن الذي تطلب أمامك ، فاعتكف العشر الأوسط ، فاعتكفنا معه ، فأتاه جبريل ، فقال : إن الذي تطلب أمامك ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا صبيحة عشرين من رمضان ، فقال : من كان اعتكف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فليرجع ؛ فإني أريت ليلة القدر وإني نسيتها ، وإنها في العشر الأواخر في وتر ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء ، وكان سقف المسجد عريش النخل ، وما نرى في السماء شيئا ، فجاءت قزعة ، فأمطرنا ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرنبته ، تصديق رؤياه . قال أبو عبد الله : كان الحميدي يحتج بهذا الحديث ، ألا يمسح الجبهة في الصلاة ، بل يمسحها بعد الصلاة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رئي الماء في أرنبته وجبهته بعد ما صلى . قد خرج البخاري هذا الحديث في أواخر الصيام من كتابه هذا من طرق ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ، ليس في شيء منها ذكر اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأول ، إنما فيها اعتكافه في العشر الأوسط ، ثم العشر الأواخر ، ولم يخرج اعتكافه في العشر الأول في غير هذه الرواية هاهنا . وقد خرج ذلك مسلم في صحيحه من رواية عمارة بن غزية ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد أيضا . ومقصود البخاري بهذا الحديث هاهنا : ذكر سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبهته وأرنبة أنفه ، وأنه سجد عليهما في الطين . وأرنبة الأنف : طرفه . وقد سبق ذكر السجود في الماء والطين ، وما للعلماء في ذلك من الاختلاف والتفصيل ، عند ذكر البخاري ، عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج في باب : الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا . وأما ما ذكره عن الحميدي ، فقد بوب عليه البخاري بابا منفردا ، وعاد فيه الحديث مختصرا ، ويأتي في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى .
134 - باب السجود على الأنف 812 - حدثنا معلى بن أسد ، ثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ، ولا نكفت الثياب والشعر . معنى نكفت أي : نضم ونجمع ، ومنه قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا أي : نكفتهم ونضمهم ونجمعهم وهم أحياء على ظهرها ، وإذا ماتوا ففي بطنها . وفي هذه الرواية : أنه لما ذكر الجبهة أشار بيده إلى أنفه ، وقد خرجه مسلم من حديث وهيب ، وخرجه - أيضا - من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت أن أسجد على سبع ، ولا أكفت الشعر ولا الثياب : الجبهة والأنف ، واليدين ، والركبتين ، والقدمين . واستدل بهذا من يقول : إنه يجب السجود على الأنف مع الجبهة ، وهو قول مالك وأحمد - في رواية عنهما - وإسحاق ، واختار هذه الرواية عن أحمد أبو بكر عبد العزيز وغيره من أصحابنا - وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة . وحكي قولا للشافعي ، رجحه بعض المتأخرين من أصحابه ، إلا أنه خصه بحال الذكر . وروي معناه عن طاوس والنخعي وسعيد بن جبير . وروي عن ابن عمر ، قال : السجود على الأنف تحقيق السجود . وسئل طاوس : الأنف من الجبين ؟ قال : هو خيره . وروى عاصم ، عن عكرمة ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي لا يمس أنفه الأرض ، قال : لا تقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين . وخرجه الدارقطني والحاكم - موصولا - عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وصحح الحاكم وصله ، وصحح الأكثرون إرساله ، منهم : أبو داود في مراسيله والترمذي في علله والدارقطني وغيرهم . وإلى ذلك يميل الإمام أحمد ، وهو مرسل حسن . ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته ، لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف ، غير أبي حنيفة ، وهي رواية عن الثوري ، رواها عنه حسان بن إبراهيم . وقال كثير من العلماء : السجود على الأنف مستحب غير واجب ، وروي عن الحسن والشعبي والقاسم وسالم ، وهو قول الشافعي وسفيان وأحمد - في الرواية الثانية عنهما . وحمل من قال بذلك حديث ابن عباس على الاستحباب دون الوجوب ، قالوا : لأنه عد الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعا ، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانيا . وهذا مردود ، فإن الأنف من الجبهة ، كما قال طاوس : هو خيرها . وروي عنه ، أنه كان يعد الأنف والجبهة واحدا . فإن قيل : فالجبهة لا يجب السجود على جميعها بالإجماع ، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها . قيل : هذا الإجماع غير صحيح ، وقد سبق قول من قال بوجوب استيعابها بالسجود عليها . ولكن ؛ قد قيل : إن ذكر الأنف منها إنما هو من كلام طاوس . قاله البيهقي وغيره . وفي سنن ابن ماجه من رواية ابن عيينة ، عن ابن طاوس هذا الحديث ، وفيه : قال ابن طاوس : وكان أبي يقول : الركبتين واليدين والقدمين ، وكان يعد الجبهة والأنف واحدا . كذا خرجه عن هشام بن عمار ، عن سفيان . وخرجه النسائي من طريق سفيان - أيضا - وعنده : قال سفيان : قال لنا ابن طاوس : وضع يديه على جبهته ، وأمرها على أنفه ، وقال : هذا واحد . ورواه - أيضا - الشافعي وابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه - بمعناه . خرجه البيهقي . وقال : في حديث سفيان ما دل على أن ذكر الأنف في الحديث من تفسير طاوس . وخرجه - أيضا - من طريق إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد منه على سبع ، قال ابن ميسرة : فقلت لطاوس : أرأيت الأنف ؟ قال : هو خيره . وأيضا ؛ فقد قال : سبعة أعظم ، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظما ، فعلم أنه تابع لعظم الجبهة ، وليس عضوا مستقلا . فلو تعذر السجود على الجبهة لعذر ، وقدر على السجود على أنفه ، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه ؟ فيه قولان : أحدهما : نعم ، وينتقل الفرض إليه ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي . والثاني : لا ينتقل الفرض إليه ، بل يومئ بجبهته ، ولا يلزمه السجود على أنفه ، وهو قول مالك وأصحابنا ، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية ، إذا قدر على غسله ، وعجز عن غسل اليدين والرجلين .
133 - باب السجود على سبعة أعظم 809 - حدثنا قبيصة ، ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبعة أعضاء ، ولا يكف شعرا ، ولا ثوبا : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والرجلين . 810 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم ، ولا نكف ثوبا ، ولا شعرا . 811 - حدثنا آدم ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن يزيد : قال البراء بن عازب - وهو غير كذوب - : كنا نصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا قال : سمع الله لمن حمده . لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي - صلى الله عليه وسلم - جبهته على الأرض . حديث البراء هذا ، قد سبق في مواضع ، وإنما خرجه هاهنا ؛ لما فيه من ذكر سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبهته . فأما حديث ابن عباس ، فقد خرجه هاهنا من طريق سفيان وشعبة ، كلاهما عن عمرو بن دينار ، وفي حديث سفيان : ذكر الأعضاء وعددها . وللحديث طرق عن طاوس ، يأتي بعضها إن شاء الله . وله طرق عن ابن عباس . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، أصحها : حديث ابن عباس هذا . وروى عامر بن سعد ، عن العباس بن عبد المطلب ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب : وجهه ، وكفاه ، وركبتاه ، وقدماه . وقد عزاه غير واحد من الحفاظ إلى صحيح مسلم ، ولم نجده فيه . وصححه الترمذي وأبو حاتم الرازي . وقد روي هذا المعنى عن عمر وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة من قولهم . قال أبو هريرة : يسجد من الإنسان سبعة : وجهه ، ويداه ، وركبتاه ، وأطراف أصابعه ، كل ذلك بمنزلة الوجه ، لا يرفع شيئا من ذلك . خرجه الجوزجاني . وقال ابن سيرين : كانوا يستحبون السجود على هذه السبعة . خرجه ابن أبي شيبة . وقال الترمذي : عليه العمل عند أهل العلم . ولا خلاف في أن السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل ، واختلفوا في الواجب من ذلك : فقالت طائفة : يجب السجود على جميعها ، وهو أحد القولين للشافعي ، ورجحه كثير من أصحابه ، والصحيح المشهور عن أحمد ، وعليه أصحابه ، وأكثرهم لم يحك عنه فيه خلافا ، وهو قول مالك وإسحاق وزفر ، وحكي عن طاوس . ويدل على هذا القول : هذه الأحاديث الصحيحة بالأمر بالسجود على هذه الأعضاء كلها ، والأمر للوجوب . وقالت طائفة : إنما يجب بالجبهة فقط ، ولا يجب بغيرها ، وهو القول الثاني للشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه . والمنقول عن أحمد فيمن سجد ورفع أطراف أصابع قدميه من الأرض : أنه ناقص الصلاة ، وتوقف في الإعادة على من صلى وسجد وقد رفع إحدى رجليه ، وقال : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم . ورأى مسروق رجلا ساجدا قد رفع رجليه أو إحداهما ، فقال : إن هذا لم يتم صلاته . وروي عن أحمد ، أنه صلى وسجد ووضع ثلاث أصابع رجليه على الأرض . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا : أنه يجزئه أن يضع بعض أصابع رجليه . ونقل إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد : إذا وضع من يديه على الأرض قدر الجبهة أجزأه . قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : وكذا من الرجلين . وقال القاضي أبو يعلى : يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئا ، وإن قل . ومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك . وهذا مخالف لرواية الشالنجي ؛ فإنها تدل على أنه لا يجزئ دون وضع الجبهة ، وقدرها من الكفين . وحكي عن ابن حامد من أصحابنا : أنه يجب استيعاب الكفين بالسجود عليهما ، وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب . وقال داود بن سليمان الهاشمي : إذا وضع أكثر كفيه أجزأه . ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه ، ونص عليه في الأم : أنه لو سجد على بعض جبهته كره ، وأجزأه . ولأصحابه وجه : لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة .
132 - باب إذا لم يتم سجوده 808 - ثنا الصلت بن محمد ، ثنا مهدي ، عن واصل ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فلما قضى صلاته ، قال له حذيفة : ما صليت - وأحسبه قال - : لو مت مت على غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم . قد تقدم هذا الحديث في باب : إذا لم يتم الركوع من وجه آخر عن حذيفة ، وفيه : لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من غير شك . ويستدل بهذه الرواية على أن المراد بالفطرة السنة . ومعنى إتمام الركوع والسجود : التمكن فيهما والطمأنينة . وسبق الكلام على ذلك .
131 - باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة قاله أبو حميد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . حديث أبي حميد ، قد خرجه البخاري فيما بعد ، ولفظه : فإذا سجد وضع يديه ، غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف رجليه القبلة ، وسيأتي بتمامه في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . وعلقه البخاري - أيضا - فيما سبق في باب : فضل استقبال القبلة وذكرنا هناك الأحاديث والآثار في استقبال القبلة بأصابع اليدين والرجلين في السجود ، وأن ابن عمر كان يفعله ، وكذلك الإمام أحمد ، ونص عليه الشافعي . وخالف فيه بعض أصحابه ، وقالوا : يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها . ورده عليه صاحب شرح المهذب ، وقال : هذا شاذ مردود مخالف للأحاديث الصحيحة ، ولنص الشافعي . وخرج البيهقي من حديث البراء بن عازب ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد فوضع يديه بالأرض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة . وفي رواية له - أيضا - : وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة فتفلج . وفي الإسنادين مقال .
47 - باب مَنْ قَامَ إلى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ 683 - حَدَّثَنَا زكريا بْن يَحْيَى ، ثنا ابن نمير ، ثنا هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم . قَالَ عُرْوَةَ : فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج ، فإذا أبو بَكْر يؤم النَّاس ، فلما رآه أبو بَكْر استأخر ، فأشار إليه أن كما أنت ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حذاء أَبِي بَكْر إلى جنبه ، فكان أبو بَكْر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر . المُتَّصِل من هَذَا الحَدِيْث : هُوَ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم ، وما بعده مدرج من قَوْلِ عُرْوَةَ ، كما خرجه البخاري هاهنا . وكذا خرجه مُسْلِم عَن جماعة ، كلهم عَن ابن نمير ، بِهِ . وكذا رَوَى هَذَا الكلام الآخر مَالِك فِي ( موطئه ) عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، مرسلاً . وقد وصله بعض الرواة بحديث عَائِشَة ، فمن وصله بحديث عَائِشَة فَقَدْ أدرجه ، ولكن قَدْ روي هَذَا المعنى متصلاً من وجوه أخر ، كلها لا تخلو عَن علة ، وقد سبق ذكرها والإشارة إلى تعليلها . ومراد البخاري بهذا الباب : أن أَبَا بَكْر صلى مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ قائم إلى جانبه بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم إليه فِي ذَلِكَ ، ولم يتركه يتأخر إلى الصف ، وكان ذَلِكَ لعلة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصلي بالناس جالساً ، والناس قيام وراءه ، فكان قيام أَبِي بَكْر إلى جانبه لإسماع النَّاس تكبير النبي صلى الله عليه وسلم ، ورؤية النَّاس لَهُ ؛ ليتمكنوا من كمال الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث لَمْ يمكنه القيام ، ولولا هذه العلة لكانت السنة لأبي بَكْر أن يقوم فِي الصف وراء النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكر هَذَا المعنى طائفة من الشافعية . ونقله الوليد بْن مُسْلِم عَن مَالِك ، أَنَّهُ أجاز للمريض أن يصلي بالناس جالساً وهم قيام ، قَالَ : وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه من يعلم النَّاس بصلاته . وهي رِوَايَة غريبة عَن مَالِك ، ومذهبه عِنْدَ أصحابه أَنَّهُ لا يجوز ائتمام القائم بالجالس . وهذا كله عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما من قَالَ : هُوَ الإمام ، فلا إشكال عنده فِي قيام أَبِي بَكْر إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أشكل عنده جلوس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنب أَبِي بَكْر ، وقد يجاب عَنْهُ بأنه يحتمل أن يكون ذَلِكَ لضيق الصف . والله أعلم .
130 - باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود 807 - ثنا يحيى بن بكير ، حدثني بكر بن مضر ، عن جعفر ، عن ابن هرمز ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه . وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة نحوه . الضبع - بسكون الباء - : العضد . ويقال : الإبط . وعن الأصمعي ، قال : الضبعان ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه . وابن هرمز ، هو : عبد الرحمن الأعرج . ورواية الليث بن سعد التي ذكرها تعليقا ، أسندها مسلم في - صحيحه - من رواية ابن وهب : أنا عمرو بن الحارث والليث بن سعد ، كلاهما عن جعفر بهذا الإسناد . وفي رواية عمرو : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه . وفي رواية الليث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه . وفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة ، لم يخرج البخاري منها غير هذا . والقول باستحبابه قول جمهور العلماء ، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه ، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم . ولكن روى نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سجد ضم يديه إلى جنبيه ولم يفرجهما . وروى عنه ابنه واقد بن عبد الله ، أن أباه كان يفرج بين يديه . وروى عنه آدم بن علي ، أنه أمر بذلك . وقد حمل بعضهم ما رواه نافع على حالة التضايق والازدحام ، وقد يحمل على حالة إطالة السجود ، وعلى ذلك حمله الأوزاعي وغيره . وروي عن ابن عمر ، قال : اسجد كيف تيسر عليك . ورخص ابن سيرين في الاعتماد بمرفقيه على ركبتيه . وقال قيس بن سكن : كل ذلك قد كانوا يفعلون ، كان بعضهم يضم ، وبعضهم يجافي . فإن أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج ، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه . وقد روى ابن عجلان ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : اشتكى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا ، فقال : استعينوا بالركب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وهذا لفظه - وابن حبان في صحيحه والحاكم . وزاد هو والإمام أحمد : قال ابن عجلان : وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا . ورواه الثوري وابن عيينة وغيرهما ، عن سمي ، عن النعمان بن أبي عياش ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . والمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم . وقد روي - أيضا - عن زيد بن أسلم - مرسلا . ورخص فيه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك في النافلة . وكذلك قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي . والمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل ، بل يجافي . ومتى كان التجافي يضر بمن يليه في الصف للزحام فإنه يضم إليه من جناحه - : قاله الأوزاعي . وهذا في حق الرجل ، فأما المرأة فلا تتجافى بل تتضام ، وعلى هذا أهل العلم - أيضا - وفيه أحاديث ضعيفة . وخرج أبو داود في ذلك حديثا مرسلا في مراسيله .
684 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي حَازِم بْن دينار ، عَن سَهْل بْن سعد الساعدي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عَمْرِو بْن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أَبِي بَكْر ، فَقَالَ : أتصلي للناس فأقيم ، قَالَ : نَعَمْ ، فصلى أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فِي الصلاة ، فتخلص حَتَّى وقف فِي الصف ، فصفق النَّاس ، وكان أبو بَكْر لا يلتفت فِي صلاته ، فلما أكثر النَّاس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك ، فرفع أبو بَكْر يديه ، فحمد الله عَلَى مَا أمره بِهِ رسول الله من ذَلِكَ ، ثُمَّ استأخر أبو بَكْر حَتَّى استوى فِي الصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، فلما انصرف قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، مَا منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ ) فَقَالَ أبو بَكْر : مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا لِي أراكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء ) . فِي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة : مِنْهَا : أن الإمام يستحب لَهُ الإصلاح بَيْن طائفتين من المُسْلِمِين إذا وقع بينهم تشاجر ، وله أن يذهب إليهم إلى منازلهم لذلك . ومنها : أن الإمام الراتب للمسجد إذا تأخر وعلم أَنَّهُ غائب عَن منزله فِي مكان فِيهِ بعد ، ولم يغلب عَلَى الظن حضوره ، أو غلب ولكنه لا ينكر ذَلِكَ ولا يكرهه ، فلأهل المسجد أن يصلوا قَبْلَ حضوره فِي أول الوقت ، وكذا إذا ضاق الوقت . وأما إن كَانَ حاضراً أو قريباً ، وكان الوقت متسعاً ، فإنه ينتظر ، كما انتظروا النبي صلى الله عليه وسلم لما أخر صلاة العشاء حَتَّى نام النِّسَاء والصبيان ، وقد سبق ذكره . ومنها : أَنَّهُ إنما يؤم النَّاس مَعَ غيبة الإمام أفضل من يوجد من الحاضرين ، ولذلك دعي أبو بَكْر إلى الصلاة دون غيره من الصَّحَابَة . وهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى أن الصَّحَابَة كلهم كانوا معترفين بفضل أَبِي بَكْر وتقدمه عليهم ، وعلمهم أَنَّهُ لا يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم مَعَ غيبته غيره . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فِي هَذَا اليوم أَبَا بَكْر أن يؤم النَّاس إذا لَمْ يحضر . فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي هَذَا الحَدِيْث من طريق حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل بْن سعد ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أَبَا بَكْر يصلي بالناس ) . وخرجه الحَاكِم من طريق عُمَر المقدمي ، عَن أَبِي حَازِم ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، إن أقيمت الصلاة فتقدم فصل بالناس ) ، قَالَ : نَعَمْ . وعلى هذه الرواية ، فإنما تقدم أبو بَكْر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي ذَلِكَ . وفيه : دليل عَلَى أن أَبَا بَكْر كَانَ أحق النَّاس بالإمامة فِي حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَ تخلفه عَن الصلاة بالناس فِي صحته ومرضه . وهذا يشكل عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : إنه إنما أمره فِي مرضه بالصلاة ؛ لأنه أراد استخلافه عَلَى الأمة ، فإن أمره بالصلاة فِي غيبته يدل عَلَى أَنَّهُ أحق النَّاس بالإمامة ، وأنه أقرأ الصَّحَابَة ؛ فإنه يقرأ مَا يقرأون ، ويزيد عليهم باختصاصه بمزيد الفهم والفضل ، وما اختص بِهِ من الخشوع فِي الصلاة وعدم الالتفات فيها ، وكثرة البكاء عِنْدَ قراءة القرآن . ومنها : أن شق الداخل فِي الصلاة الصفوف طولاً حَتَّى يقوم فِي الصف الأول ليس بمكروه ، ولعله كَانَ فِي الصف الأول فرجة ، وقد سبق ذكر هذه المسألة فِي ( أبواب : المرور بَيْن يدي المصلي ) . وقد قيل : إنَّ ذَلِكَ يختص جوازه بمن تليق به الصلاة بالصف الأول لفضله وعلمه ، وَهُوَ الَّذِي ذكره ابن عَبْد البر . والمنصوص عَن أحمد : كراهته . قَالَ الأثرم : قُلتُ لأبي عَبْد الله : يشق الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة عَلَى نحو حَدِيْث المسور بْن مخرمة ، كأنه لَمْ يعجبه ، ثُمَّ قَالَ : اللهم إلا أن يضيق الموضع بالناس ، وتؤذيهم الشمس ، فإذا أقيمت شق الصفوف ودخل ، ليس بِهِ التخطي ، إنما بِهِ مَا أذاه الشمس . ومنها : أن الالتفات فِي الصلاة لحاجة عرضت غير مكروه ، وإنما يكره لغير حاجةٍ . ومنها : أن الالتفات وكثرة التصفيق لحاجة غير مبطل للصلاة ، وكذلك التأخر والمشي من صف إلى صف . ومنها : أن رفع اليدين فِي الصلاة ، وحمد الله تعالى عِنْدَ نعمة تجددت غير مبطل للصلاة . وقد اختلف فِي ذَلِكَ : فَقَالَ عُبَيْدِ الله بْن الْحَسَن العنبري : هُوَ حسن . وَقَالَ الأوزاعي : يمضي فِي صلاته . وَقَالَ عَطَاء : مَا جرى عَلَى لسان الرَّجُلُ فِي الصلاة مَا لَهُ أصل فِي القرآن فليس بكلام . وَقَالَ إِسْحَاق : إن تعمده فهو كلام ، يعيد الصلاة ، وإن سبق مِنْهُ من غير تعمد فليس عَلِيهِ إعادة . وَقَالَ - مرة - : إن تعمد فأحب إلي أن يعيد ، فلا يتبين لِي ، نقله عَنْهُ حرب . وعن أحمد ، أَنَّهُ يعيد الصلاة بذلك ، وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى أَنَّهُ لا تعاد الصلاة مِنْهُ ، وقد سبق ذَلِكَ مستوفى فِي ( بَاب : مَا يَقُول إذا سَمِعَ المؤذن ) . ومنها : أن أمر الإكرام لا تكون مخالفته معصية ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن ذَلِكَ عَلِيهِ . وهذا مِمَّا استدل بِهِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر لَمْ يؤم النبي صلى الله عليه وسلم قط ، لا فِي صحته ولا فِي مرضه . ومنها - وَهُوَ الَّذِي قصده البخاري بتبويبه هاهنا - : أن من أحرم بالصلاة إماماً فِي مسجد لَهُ إمام راتب ، ثُمَّ حضر إمامه الراتب ، فهل لَهُ أن يؤخر الَّذِي أحرم بالناس إماماً ويصير مأموماً ويصير الإمام الإمام الراتب ، أم لا بل ذَلِكَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه إمام النَّاس عَلَى كل حال ، وقد نهى الله عَن التقدم بَيْن يديه ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ؟ فِي ذَلِكَ قولان : أحدهما : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، بل هُوَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكاه ابن عَبْد البر إجماعاً من العلماء ، وحكاه بعض أصحابنا عَن أكثر العلماء . والثاني : أَنَّهُ يجوز ذَلِكَ ، وتبويب البخاري يدل عَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ ، وأحد الوجهين لأصحابنا ، وقول ابن الْقَاسِم من المالكية . واستدل بهذا الحَدِيْث عَلَى أن الإمام إذا سبقه الحدث جاز لَهُ أن يستخلف بعض المأمومين ؛ لأنه إذا جازت الصلاة بإمامين مَعَ إمكان إتمامها بالإمام الأول فمع عدم إمكان ذَلِكَ لبطلان صلاة الأول أولى . وفي الحَدِيْث - أَيْضاً - : أن الرَّجُلُ إذا نابه شيء فِي صلاته ، فإنه يسبح ، ولو صفق لَمْ تبطل صلاته ، ولكنه يكون مكروهاً . وأما قوله : ( إنما التصفيح للنساء ) ، فاختلفوا فِي معناه : فحمله مَالِك وأصحابه عَلَى أن المراد : أن التصفيح من أفعال النِّسَاء ، فيكون إخباراً عَن عيبه وذمه ، وأنه لا ينبغي أن يفعله أحد فِي الصلاة ، رجلاً كَانَ أو امرأةً . وحملوا قوله : ( من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ) عَلَى أَنَّهُ عام ، يدخل فِي عمومه الرجال والنساء ، إخبار مِنْهُ بمشروعيته للنساء فِي الصلاة . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل ، وَقَالَ فِي حديثه : ( إذا نابكم شيء فِي الصلاة فليسبح الرجال ، وليصفح النِّسَاء ) . خرجه النسائي وغيره . وهذا صريح فِي ذَلِكَ ، سيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ مستوفى فِي موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري خرج التسبيح للرجال والتصفيق للنساء من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ وسهل بْن سعد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي معنى حَدِيْث سَهْل من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بسياق غريب . خرجه الترمذي فِي كِتَاب ( العلل ) : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصباح ، ثنا شبابة ، عَن المغيرة بْن مُسْلِم ، عَن مُحَمَّد بْن عَمْرِو ، عَن أَبِي سَلَمَة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي حاجة ، فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر فِي الصلاة ، فأرادوا أن يردوا وصفقوا ، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ، فلما انفتل قَالَ : ( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء ) . وَقَالَ : سألت عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل - يعني : البخاري - فَلَمْ يعرفه ، وجعل يستحسنه ، وَقَالَ : المشهور عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل . انتهى . وهذا يخالف مَا فِي حَدِيْث سَهْل ، من أن أَبَا بَكْر تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى بالناس ، والصحيح : حَدِيْث سَهْل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
48 - باب مَنْ دَخَلَ ليَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإمَامُ الأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ فِيهِ : عَائِشَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . حَدِيْث عَائِشَة ، سبقت الإشارة إليه فيما مضى ، وقد خرجه البخاري بتمامه فيما بعد من حَدِيْث عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، عَن عَائِشَة .
129 - باب فضل السجود 806 - حدثنا أبو اليمان ، نا شعيب ، عن الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ، أن أبا هريرة أخبرهما ، أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تمارون في القمر ليلة البدر ، ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا ، قال : فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيدعوهم ، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم . قال : فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يخردل ، ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار ، أمر الله عز وجل الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله ، فيخرجونهم ، ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله عز وجل على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل . وذكر بقية الحديث في آخر من يدخل الجنة ، وقد خرجه بتمامه - أيضا - في كتاب التوحيد ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى - فإن هذا القدر من الحديث فيه هاهنا كفاية . فأما ما يتعلق برؤية الله عز وجل يوم القيامة من أول الحديث ، فقد سبق الكلام على ألفاظه ومعانيه في مواقيت الصلاة في باب : فضل صلاة العصر ، وفي باب : فضل صلاة الفجر ، فلا حاجة إلى إعادتها هاهنا . وفي الحديث : دليل على أن المشركين الذين كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله آلهة يتبعون آلهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة ، فيردنهم النار ، كما قال تعالى في حق فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ويبقى من كان يعبد الله وحده ظاهرا ، مؤمنا كان أو منافقا ، فهؤلاء ينظرون من كانوا يعبدونه في الدنيا ، وهو الله وحده لا شريك له . ففي هذا الحديث : أن الله يأتيهم أول مرة فلا يعرفونه ، ثم يأتيهم في المرة الثانية فيعرفونه . وفي الحديث السابق اختصار ، وقد ساقه في مواضع أخر بتمامه . وقد دل القرآن على ما دل عليه هذا الحديث في مواضع ، كقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ وقال : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئا من ذلك ، ولا أخرجوه عن مدلوله ، بل روي عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء . وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال في مجيئه : هو مجيء أمره . وهذا مما تفرد به حنبل عنه . فمن أصحابنا من قال : وهم حنبل فيما روى ، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه . وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل ، عن أحمد رواية . ومن متأخريهم من قال : هو رواية عنه ، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما . ومنهم من قال : إنما قال ذلك إلزاما لمن ناظره في القرآن ، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن ، فقال : إنما يجيء ثوابه ، كقوله : وَجَاءَ رَبُّكَ أي : كما تقولون أنتم في مجيء الله ، أنه مجيء أمره . وهذا أصح المسالك في هذا المروي . وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق : فمنهم من يثبت المجيء والإتيان ، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات ، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه . ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره . ومنهم من يقر ذلك ، ويمره كما جاء ، ولا يفسره ، ويقول : هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه . وهذا هو الصحيح عن أحمد ، ومن قبله من السلف ، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة . وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية ؛ لأن جهما وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات ، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات ، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات ، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم ، وردوا ما دلت على نفيه بزعمهم ، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم . وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال ، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي افتراء على الله ، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله . وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز ، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة ، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة ، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة ، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك ، وهذا كله مروق عن دين الإسلام . ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفا من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه ؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كانوا ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل . قال أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي : سمعت عبد الرحمن بن محمد ابن جابر السلمي يقول : سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول : جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام ، فقال : إني أكره هذا ، بل أنهى عنه ، كما نهى عنه الشافعي ؛ فإني سمعت الشافعي يقول : سئل مالك عن الكلام والتوحيد ، فقال مالك : محال أن يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد ، فالتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، فما عصم الدم والمال فهو حقيقة التوحيد . انتهى . وقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل كتاب العلم في الكلام على أول الواجبات . وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من استنكر شيئا من هذه النصوص ، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه : فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلا يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : تحاجت الجنة والنار ، وفيه : فلا تمتلئ حتى يضع رجله - أو قال : قدمه - فيها . قال : فقام رجل فانتفض ، فقال ابن عباس : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمه ، ويهلكون عند متشابهه . وخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق . ولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه . وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون ، فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض . وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة : فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل . وقد قال الخطابي في الأعلام : مذهب السلف في أحاديث الصفات : الإيمان ، وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها . ومن قال : الظاهر منها غير مراد ، قيل له : الظاهر ظاهران : ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم ، فهو غير مراد ، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام ، فهو مراد ، ونفيه تعطيل . ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون : إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات . وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول . وأما أهل العلم والإيمان ، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه ، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه ، أو مستحيل ، بل كل ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله ، فإنه حق وصدق ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه ، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته . وما أشكل فهمه من ذلك ، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل . وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ولا تحريف ولا تعطيل . قال أبو هلال : سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال . وقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئا . وقال الأوزاعي : سئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت . وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكا وسفيان وليثا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ، فقالوا : أمروها بلا كيف . وقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل . وكلام السلف في مثل هذا كثير جدا . وقال أشهب : سمعت مالكا يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع ؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي في كتاب ذم الكلام . وروى - أيضا - بأسانيده ذم الكلام وأهله عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة . وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي . وروى السلمي - أيضا - النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد وإبراهيم الخواص . فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين . ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها ، وتمر كما جاءت عندهم : قوله تعالى : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة . وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما . وعندهما : أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره . وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة . وقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور . وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ - الإبانة - وهو من أجل كتبه ، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه ، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم . وقد شرحه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني . وقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين . وقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة . وقال ابن سريج : توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان ، وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي . وكذلك ذكره الخطابي في رسالته في الغنية عن الكلام وأهله . وهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة . قال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع : إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة ، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتو النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها . ثم ذكر أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة المستقيمة . ثم ذكر طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف . ثم قال : فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فإنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل . قال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم [ ] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق [ ] جعلوه مبطلا ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [ ] به حجة . وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسدا به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معا في الخطأ ، مشتركان فيه ، كقول الشاعر : حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا ، وكل واهن مكسور ومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلا صحيحا ، وإنما هو أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم الاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل . وذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها - بزعمهم - نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه . وإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشابهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابه إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون المحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وساوس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب . فأهل العلم والإيمان يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من علامات الإيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنى يصح ، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها . هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض . وأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء ، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق . وقوله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يجوز بأمته حتى يقطع الجسر بأمته ، وروي : يجيز ، وهما لغتان ، يقال : جزت الوادي وأجزته ، وهما بمعنى . وعن الأصمعي ، قال : أجزته : قطعته ، وجزته : مشيت عليه . وقوله : منهم الموبق بعمله أي : الهالك . وقوله : ومنهم المخردل ، هو بالدال المهملة والمعجمة : لغتان مشهورتان ، والمعنى : المقطع ، والمراد - والله أعلم - : أن منهم من يهلك فيقع في النار ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسر جهنم ، ثم لا ينجو ولا يقع في النار . وقيل : معناه أنه ينقطع عن النجاة واللحاق بالناجين . والمقصود من تخريج الحديث بطوله في هذا الباب : أن أهل التوحيد لا تأكل النار منهم مواضع سجودهم ، وذلك دليل على فضل السجود عند الله وعظمته ، حيث حرم على النار أن تأكل مواضع سجود أهل التوحيد . واستدل بذلك بعض من يقول : إن تارك الصلاة كافر ؛ فإنه تأكله النار كله ، فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين . وهذا فيمن لم يصل لله صلاة قط ظاهر . وقوله : امتحشوا أي : احترقوا ، وضبطت هذه الكلمة بفتح التاء والحاء . وفي بعض النسخ بضم التاء وكسر الحاء . و الحبة - بكسر الحاء - قال الأصمعي : كل نبت له حب فاسم جميع ذلك الحب : الحبة . وقال الفراء : الحبة : بذور البقل . وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار . وقال الكسائي : الحبة بذر الرياحين ، واحدتها حبة ، وأما الحنطة فهو الحب لا غير - يعني : بالفتح . و الحميل : ما حمله السيل من كل شيء ، فهو حميل بمعنى محمول ، كقتيل بمعنى مقتول . ويأتي الكلام على باقي الحديث في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الحديث الأول : 803 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره ، فيكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول : ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين ، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده ، إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا . 804 - قالا : وقال أبو هريرة : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يرفع رأسه يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد يدعو لرجال ، فيسمهم بأسمائهم ، فيقول : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف . وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له . مقصوده من هذا الحديث في هذا الباب : التكبير للسجود حين يهوي ساجدا ، وقد فعله أبو هريرة ، وذكر أن هذه الصلاة كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فارق الدنيا . وقد خرجه مختصرا فيما تقدم من رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وحده . ومن رواية عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وحده . وفي هذه الرواية زيادة القنوت بعد الركوع ؛ للدعاء على المشركين ، والدعاء للمستضعفين من المؤمنين . فأما القنوت ، فيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى . وأما تسمية الرجال المدعو لهم وعليهم في الصلاة ، فجائز عند أكثر العلماء ، منهم : عروة والأوزاعي والشافعي وأحمد وغيرهم ، وروي عن أبي الدرداء . وكرهه عطاء والنخعي وأحمد - في رواية . وعند الثوري وأبي حنيفة : أن ذلك كلام يبطل الصلاة . واستدل لهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف أصحابه عن سلامهم في التشهد على جبريل وميكائيل ، وأمرهم أن يسلموا على عباد الله الصالحين عموما . ولا حجة في ذلك ؛ لأنه إنما قصد جوامع الكلم واختصاره . وسيأتي ذلك في موضع آخر إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقوله : وأهل المشرق من مضر مخالفون له ، يريد : قبائل من مضر ، كانوا مشركين ، وكانت إقامتهم بأرض نجد وما والاها ؛ لأن ذلك مشرق المدينة ، ولهذا قال له عبد القيس - عند قدوم وفدهم عليه - : بيننا وبينك هذا الحي من مضر ، ولن نصل إليك إلا في شهر حرام ، وكان عبد القيس يسكنون بالبحرين . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فيهم : هم خير أهل المشرق .
الحديث الثاني : 805 - نا علي بن عبد الله ، نا سفيان - غير مرة - عن الزهري ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس - وربما قال سفيان : من فرس - فجحش شقه الأيمن ، فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة ، فصلى بنا قاعدا فقعدنا - وقال سفيان مرة : صلينا قعودا - فلما قضى الصلاة قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا . كذا جاء به معمر ؟ قلت : نعم . قال : لقد حفظ كذا قال الزهري : ولك الحمد ، حفظت منه شقه الأيمن ، فلما خرجنا من عند الزهري ، قال ابن جريج - وأنا عنده - : فجحش ساقه الأيمن . هذا الحديث خرجه البخاري عن شيخه علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، وذكر أن سفيان لما حدثه به سأله : أهكذا جاء به معمر ؟ فقال ابن المديني : نعم ، فقال سفيان : لقد حفظ ، فأثنى ابن عيينة على معمر بالحفظ حيث وافقه على رواية هذا الحديث عن الزهري . وذكر ابن عيينة : أن الزهري قال في هذا الحديث : ولك الحمد - يعني : بالواو - وأنه حفظ منه : فجحش شقه الأيمن ، فلما خرجوا من عند الزهري قال لهم ابن جريج : إنما هو فجحش ساقه الأيمن . والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن سجود المأموم يكون عقيب سجود الإمام ، وكذلك سائر أفعاله تكون عقيب أفعال الإمام . وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى ، وعلى بقية فوائد هذا الحديث ، من الصلاة خلف الجالس ، وهل يصلي من خلفه من قعود أو قيام ؟ بما فيه كفاية إن شاء الله سبحانه وتعالى .
128 - باب يهوي بالتكبير حين يسجد وقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه . بوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود . وذكر فيه أحكاما أخرى من أحكام السجود . فأما التكبير في حال الهوي ، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة . وكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير ، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد . وقال النخعي : كبر وأنت تهوي ، وأنت تركع . يشير إلى أن التكبير للركوع يكون - أيضا - في حال الهوي إليه كالسجود . والهوي : هو السقوط والانخفاض ، وهو بتشديد الياء ، وأما الهاء فمضمومة . وقيل : بفتحها : ثم قيل : هما لغتان . وقيل : بل هو بالضم الصعود ، وبالفتح النزول . وقال بعض أصحابنا : يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال ، وانتهاؤه مع انتهائه ، فإن كمله في جزء من الانتقال ، ولم يستوعبه به أجزأه ؛ لأنه لم يخرج به عن محله ، وإن شرع فيه قبله أو كمله بعده ، فوقع بعضه خارجا منه ، فهو كتركه ، لأنه لم يكمله في محله ، فهو كمن تمم قراءته في الركوع . قال : هذا هو قياس المذهب . قال : ويحتمل أن يعفى عن ذلك ؛ لأن التحرز منه يعسر ، والسهو به يكثر ، ففي إبطال الصلاة بعمده ، وإيجاب السجود لسهوه مشقة . وقال أصحاب الشافعي : يبتدئ تكبير الركوع قائما ، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع . قالوا : هذا هو الذي نص عليه الشافعي في الأم . وقطع به العراقيون . وحكى الخراسانيون قولين : أحدهما : هذا . قالوا : وهو الجديد . والثاني - وهو القديم - : لا يديم التكبير بل يسرع به . قالوا : والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات : هل تحذف ، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها ؟ والصحيح : المد . وقالوا في تكبير السجود : إنه يشرع به من حين يشرع في الهوي ، ولم يقولوا : إنه يبتدئه قائما ، كما قالوا في تكبير الركوع ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في الأم : أحب أن يبتدئ التكبير قائما وينحط مكانه ساجدا . قال : وإن أخر التكبير عن ذلك - يعني : عن الانحطاط - أو كبر معتدلا ، أو ترك التكبير كرهت ذلك . انتهى . وهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الانحطاط وتقديمه عليه كتركه . وممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره : مالك والثوري وأحمد وغيرهم . وأما ما ذكره البخاري ، عن نافع - تعليقا - قال : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه . فخرج ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج ، عن الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك . وخرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة ، عن الدراوردي ، به . وقال البيهقي : ما أراه إلا وهما - يعني : رفعه . وقد رواه ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن الدراوردي كذلك . وقيل : إن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك . ورواه أبو نعيم الحلبي ، عن الدراوردي ، فوقفه على ابن عمر . قال الدارقطني : وهو الصواب . وروي عن ابن عمر خلاف ذلك ؛ روى ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه ، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه . خرجه ابن أبي شيبة . وروى شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه . خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن . وخرجه الحاكم ، وصححه . وهو مما تفرد به شريك ، وليس بالقوي . وخرجه أبو داود من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال همام : ونا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله . فهذا الثاني مرسل ، والأول منقطع ؛ لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه . وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، لا تخلو من ضعف . وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ، ولا يثبت - أيضا - وأجود طرقه : من رواية محمد بن عبد الله بن حسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه . خرجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصرا . وقال : غريب . وقال حمزة الكناني : هو منكر . ومحمد راويه ، ذكره البخاري في الضعفاء ، وقال : يقال : ابن حسن ، ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أبي الزناد ، أم لا ؟ فكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور ، ثم قتله المنصور بها . وزعم حمزة الكناني ، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له : الديباج ، وهو بعيد . واختلف العلماء في الساجد : هل يضع ركبتيه قبل يديه ، أم يديه قبل ركبتيه ؟ فقال الأكثرون : يضع ركبتيه قبل يديه . قال الترمذي : وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله . وهو قول مسلم بن يسار ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال حجاج ، عن أبي إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم . وكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : هل يفعله إلا مجنون ؟ وقالت طائفة : يبدأ بيديه قبل ركبتيه ، وهو مروي عن الحسن ، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم ، وحكي رواية عن أحمد . ومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة ، وهو أصح . وقال الأوزاعي : أدركت الناس يصنعونه . وهو قول مالك . وروي عنه ، أنهما سواء . وقال قتادة : فيضع أهون ذلك عليه .
49 - باب إذا اسْتَوَوْا فِي الْقراَءةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ 685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب ، ثنا حماد بْن زيد ، عَن أيوب ، عَن أبي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : قدمنا عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة ، فلبثنا عنده نحواً من عشرين ليلة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً ، فَقَالَ : ( لَوْ رجعتم إلى بلادكم ، فعلمتموهم ، مروهم فليصلوا صلاة كذا فِي حِينَ كذا ، وصلاة كذا فِي حِينَ كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . هَذَا الحديث خرجه مُسْلِم - بمعناه - من حَدِيْث خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي قلابة ، وزاد فِيهِ : قَالَ الحذاء : وكانا متقاربين فِي القراءة . وخرجه أبو داود ، وزاد فِيهِ : وكنا يومئذ متقاربين فِي العلم . ورواه حماد بْن سَلَمَة ، عَن أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤم القوم أكبرهم سناً ) . ذكره أبو بَكْر الأثرم ، وَقَالَ : غلط حماد فِي لفظه ، وإنما رواه بالمعنى . وفي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، وأقدمهم قراءةً ، فإن كَانَتْ قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا فِي الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ) . وفي ألفاظ هَذَا الحَدِيْث اخْتِلاَف ، وقد توقف فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي ، وحكى عَن شعبة أَنَّهُ كَانَ يهابه ؛ لتفرد إِسْمَاعِيل بْن رجاء بِهِ عَن أوس ، فَقَالَ : إنما رواه الْحَسَن بْن يزيد الأصم ، عَن السدي ، وَهُوَ شيخ ، وأخاف أن لا يكون محفوظاً ، يعني : حَدِيْث السدي . وهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى التقديم بالسن عِنْدَ التساوي فِي القراءة وغيرها من الفضائل ، وقد أخذ بذلك أكثر العلماء . قَالَ عَطَاء والثوري وأبو حنيفة : إذا استووا فِي القراءة والفقه فأسنهم . وَقَالَ مَالِك : للسن حق . ولكن اختلفوا : هَلْ تقدم الهجرة والنسب عَلَى السن ، أم لا ؟ وفيه اخْتِلاَف بَيْن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء . وقول إِسْحَاق : إنه يقدم بالهجرة ، وبعدها بالسن ، وقيل : إنه ظاهر كلام أحمد ، أَيْضاً . ومما يفرع عَلَى التقديم بالسن ، أَنَّهُ : هَلْ يكره أن يؤم الرَّجُلُ أباه إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ وأفقه ؟ فمن العلماء من كرهه ، منهم : عَطَاء ، وحكي عَن أَبِي حنيفة ، ورواية عَن أحمد ، والمشهور الَّذِي نقله عَنْهُ أكثر أصحابه : أَنَّهُ لا يكره إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري . وروي عَن أَبِي أسيد الأنصاري - وَهُوَ من الصَّحَابَة - أَنَّهُ كَانَ يأتم بابنه ، وكذلك عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي كَانَ يؤم الحي وفيهم أبوه ، وقد قدم أبو بَكْر الصديق مكة فِي خلافته فأمهم وفيهم أبو قحافة .
127 - باب الاطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع وقال أبو حميد : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - واستوى حتى يعود كل فقار مكانه . هكذا في كثير من النسخ : الاطمأنينة . وفي بعضها الطمأنينة وقيل : إنه الصواب ، والمراد بها السكون . وحديث أبي حميد قد خرجه فيما بعد ، وذكر أن بعضهم رواه كل قفار بتقديم القاف على الفاء . والصواب الرواية الأولى بتقديم الفاء . ومنه : سمي سيف العاص بن منبه السهمي الذي نفله النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر لعلي حين قتل صاحبه يومئذ . و الفقار جمع فقارة ، وهو خرزات الصلب ، ويقال لها : الفقرة والفقرة - بالكسر والفتح .
خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 800 - ثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن ثابت ، قال : كان أنس ينعت لنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فكان يصلي ، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول : قد نسي . وخرجه في موضع آخر من حديث حماد بن زيد ، عن ثابت ، قال : قال لنا أنس : إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا . قال حماد : قال ثابت : وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما ، حتى يقول القائل : قد نسي . ففي هذا الحديث : دليل على أن الرفع من الركوع ينتصب فيه حتى يعتدل قائما ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي علمه الصلاة : ثم ارفع حتى تعتدل قائما . وأكثر العلماء على أن الرفع من الركوع ركن من أركان الصلاة ، وهو قول الشافعي وأحمد . وقال أبو حنيفة ومالك - في رواية عنه - : ليس بركن ، فلو ركع ثم سجد أجزأه . وهذا يرده فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالاعتدال . والطمأنينة في هذا الاعتدال ركن - أيضا - عند الشافعي وأحمد وأكثر أصحابهما . ومن الشافعية من توقف في ذلك ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرنا بالاعتدال دون الطمأنينة . والصحيح : أن الطمأنينة فيه ركن ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الثوري والأوزاعي وأبو يوسف وإسحاق . وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطمأنينة في الجلوس بين السجدتين ، فالطمأنينة في الرفع من الركوع مثلها . وقد روي من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته ، وأمره أن يرفع حتى يطمئن قائما . خرجه الإمام أحمد وغيره . وقد سبق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده . ومن حديث طلق بن علي الحنفي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه . وحديث طلق أصح من حديث أبي هريرة . وفيه : دليل على استحباب إطالة ركن الرفع من الركوع ، ولا سيما مع إطالة الركوع والسجود ، حتى تتناسب أركان الصلاة في القدر . وذهب بعض الشافعية إلى أن من أطال ذلك فسدت صلاته ؛ لأنه غير مقصود لنفسه ، بل للفصل بين الركوع والسجود . وهذا قول مردود ؛ لمخالفته السنة .
الحديث الثالث : 802 - ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : قام مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في غير وقت الصلاة ، فقام فأمكن القيام ، ثم ركع فأمكن الركوع ، ثم رفع رأسه فأنصت هنية . قال : فصلى بنا صلاة شيخنا هذا : أبي بريد ، وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة استوى قاعدا ، ثم نهض . قوله : فأنصت - يعني من الإنصات ، والمعنى : أنه سكت هنية بعد رفع رأسه من الركوع ، والمراد بإنصاته : أنه لم يجهر بذكر يسمع منه ، لا أنه لم يقل شيئا في نفسه . ويروى : فانتصب من الانتصاب ، وهو القيام . وقوله : هنية ، هو بالياء المشددة بغير همز ، ويروى بالهمز ، ويروى هنيهة بهاءين ، والكل بمعنى ، وهو تصغير هنة ، وهي كلمة يكنى بها عن الشيء ، أي : شيئا قليلا من الزمان . وفي هذا الحديث : أن قيامه بعد الركوع كان قليلا ، بخلاف ما دل عليه حديث أنس ، ولعل سائر أركان الصلاة كانت خفيفة ، فناسب ذلك تقصير القيام من الركوع ، ويكون حديث أنس في حالة يطيل فيه الركوع والسجود . وحديث البراء بن عازب يدل على هذا الجمع ؛ فإنه يدل على أن ركوعه واعتداله وسجوده وقعوده من سجوده كان متقاربا . وقوله : صلاة شيخنا هذا أبي بريد ، يريد به : عمرو بن سلمة الجرمي ، وسلمة بكسر اللام . ووقع في عامة الروايات : يزيد بالياء المثناة والزاي المعجمة . وقال مسلم : إنما هو : أبو بريد ، بالباء الموحدة والراء المهملة . قال عبد الغني بن سعيد : لم أسمعه من أحد إلا بالزاي ، لكن مسلم أعلم بأسماء المحدثين . وكذا ذكره الدارقطني وأبو ذر الهروي كما ذكره مسلم . وكذا ضبطه أبو نصر الكلاباذي بخطه . وذكر ابن ماكولا أنه أبو بريد - بالباء والراء - ثم قال ، وقيل : أبو يزيد .
الحديث الثاني : 801 - ثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان ركوع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجوده ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وبين السجدتين قريبا من السواء . هذا الحديث صريح في إطالة النبي - صلى الله عليه وسلم - للرفع من الركوع والسجود ، وأن رفعه منهما كان قريبا من ركوعه وسجوده ، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يناسب بين أركان الصلاة ، وهي الركوع والسجود والرفع منهما ، ويقارب بين ذلك كله ، فإن أطال منها شيئا أطال الباقي ، وإن أخف منها شيئا أخف الباقي . ويستدل بذلك على تطويل الرفع من الركوع والسجود في صلاة الكسوف ، كما سيأتي ذكره في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
50 - باب إذا زَارَ الإمَامُ قَوْماً فَأَمَّهُمْ 686 - حَدَّثَنَا معاذ بن أسد ، ثنا عَبْد الله ، أنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني محمود بْن الربيع ، قَالَ : سَمِعْت عتبان بْن مَالِك الأنصاري ، قَالَ : استأذن عَلِيّ النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت لَهُ ، فَقَالَ : ( أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ ) فأشرت لَهُ إلى المكان الَّذِي أحب ، فقام وصففنا خلفه ، ثُمَّ سلم فسلمنا . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث مطولاً ومختصراً فِي ( أبواب المساجد ) . وإنما مقصوده مِنْهُ هاهنا : أَنَّهُ يجوز للزائر أن يؤم فِي منزل من زاره بإذنه . وقد اختلف فِي كراهة ذَلِكَ : فكرهه طائفة ، منهم : إِسْحَاق ، واستدل بما رَوَى بديل بْن ميسرة ، عَن أَبِي عطية مَوْلَى لهم ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من زار قوماً فلا يؤمهم ، وليؤمهم رَجُل منهم ) . خرجه أبو داود والترمذي ، وخرجه النسائي بمعناه ، وحسنه الترمذي . وقد عمل بهذا الحَدِيْث مَالِك بْن الحويرث ، ولم يتقدم فِي منزل غيره مَعَ أمرهم لَهُ بالتقدم ، واستدل بما رواه . وأبو عطية هَذَا ، قَالَ ابن المديني : لا نعرفه . رَوَى إِسْحَاق بْن يَحْيَى بْن طلحة ، عَن المُسَيِّب بْن رافع ومعبد بْن خَالِد ، عَن عَبْد الله بْن يزيد الخطمي - وكان أميراً عَلَى الكوفة - فَقَالَ : أتينا قيس بْن سعد بْن عُبَادَة فِي بيته ، فأذن بالصلاة ، فقلنا لقيس : قم فصل لنا ، فَقَالَ : لَمْ أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير ، فَقَالَ رَجُل ليس بدونه - يقال لَهُ : عَبْد الله بن حنظلة الغسيل - : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرَّجُلُ أحق أن يؤم فِي رحله ) . خرجه الجوزجاني . وخرجه الطبراني والبزار ، وعنده : ( فِي بيته ) ، وزاد : ( فأمر مَوْلَى لَهُ فتقدم فصلى ) . وخرجه البيهقي - أَيْضاً - بمعناه . وإسحاق هَذَا ، ضَعِيف جداً . وقد روي هَذَا المعنى من وجوه متعددة فيها ضعف . وروى أبو نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد مَوْلَى أَبِي أسيد ، قَالَ : بنيت عَلَى أهلي وأنا مملوك ، فدعوت أناساً من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم : عبد الله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة ، فحضرت الصلاة ، فَقُلْت : يتقدم بعضكم ، فقالوا : لا ، تقدم أنت أحق ، فقدموني . خرجه وكيع وابن أَبِي شيبة وغيرهما . واستدل بِهِ أحمد وغيره عَلَى إمامة العبد . وروى أبو إِسْحَاق ، عَن علقمة - قَالَ : ولم أسمعه مِنْهُ أن ابن مَسْعُود أتى أَبَا موسى فِي منزله ، فحضرت الصلاة ، فَقَالَ أبو موسى : تقدم يَا أَبَا عَبْد الرحمن ؛ فإنك أقدمنا سنا وأعلم ، قَالَ : بل تقدم أنت ؛ فإنما أتيناك فِي منزلك ومسجدك ، فأنت أحق ، فتقدم أبو موسى . وَقَالَ أشعث ، عَن الْحَسَن : صاحب البيت أحق بالإمامة . ورخص آخرون فِي إمامة الزائر بإذن رب البيت ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأحمد . وهذا القول هُوَ الَّذِي بوب عَلِيهِ البخاري هاهنا ، ولكنه لَمْ يشترط الإذن . وقد وافقه ابن عقيل من أصحابنا ، وَقَالَ : إنما يكون رب البيت وإمام المسجد أولى ممن سواه لا ممن هُوَ أقرأ مِنْهُ أو أفقه . وظاهر هَذَا : أَنَّهُ يقدم الأقرأ والأفقه مطلقاً عَلَى إمام المسجد ورب البيت ، بإذنه وغيره . وقد روي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن مَا يدل عَلَى ذَلِكَ - أَيْضاً - وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى . وأكثر العلماء عَلَى أَنَّهُ إنما يقدم عَلَى رب البيت وإمام المسجد بإذنه ، وإنما يعتبر الإذن فِي حق غير النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكر أبو بَكْر الأثرم فِي كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصلي بالقوم إذا زارهم من غير استئذان ؛ لأنه كَانَ إمام النَّاس كلهم حيثمَا كَانَ ، وليس هَذَا لغيره ، قَالَ : والنهي عَن إمامة الزائر يحمل فِي حق أمته عَلَى إمامتهم بغير إذنهم . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يؤمن الرَّجُلُ الرَّجُل فِي سلطانه ، ولا يقعد فِي بيته عَلَى تكرمته إلا بإذنه ) . قَالَ الإمام أحمد : أرجو أن يكون الاستثناء عَلَى كله ، وأما التكرمة فلا بأس بِهِ إذا أذن . يعني : أن الاستثناء يعود إلى الجلوس عَلَى التكرمة قطعاً من غير شك ، ويرجى عوده إلى الإمامة فِي سلطانه - أَيْضاً - فيكون مرخصاً فيها بإذنه . وفسر سُفْيَان وأحمد السلطان فِي هَذَا الحَدِيْث بداره . ونقل حرب عَن أحمد ، قَالَ : إذا كَانَ الرَّجُلُ فِي قريته وداره فهو فِي سلطانه ، لا ينبغي لأحد أن يتقدمه إلا بإذنه . وفي رِوَايَة لمسلم فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي أهله ولا فِي سلطانه ) . وعلى هذه الرواية ، فالمراد بأهله : بيته ، وبسلطانه : مَا يتصرف فِيهِ بأمره ونهيه ، كأمير البلد . وخرجه أبو داود ، ولفظه : ( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي بيته ، ولا فِي سلطانه ) . ولو اجتمع السلطان العام والسلطان الخاص ، مثل أن يجتمع فِي بيت رَجُل رب البيت وسلطان المصر ، أو فِي مسجد إمام المسجد والسلطان ، فهل يقدم السلطان عَلَيْهِمَا ، أم يقدمان عَلِيهِ ، أم يقدم عَلَى إمام المسجد دون صاحب البيت ؛ لأن إمام المسجد إنما يقدم بتقديم السلطان لَهُ غالباً ؟ فِيهِ ثَلاَثَة أوجه لأصحابنا . وظاهر مَا تقدم عَن قيس بْن سعد يقتضي أن رب البيت أولى من السلطان وإمام المسجد ، كرب البيت فيما ذكرنا . وروى الشَّافِعِيّ : أنا عَبْد المجيد ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني نَافِع ، قَالَ : أقيمت الصلاة فِي مسجد بطائفة المدينة ، ولابن عُمَر قريب من ذَلِكَ المسجد أرض يعملها ، وإمام ذَلِكَ المسجد مولى لَهُ ، ومسكن ذَلِكَ المَوْلَى وأصحابه ثمَّ ، فلما سمعهم عَبْد الله جَاءَ ليشهد معهم الصلاة ، فَقَالَ لَهُ المولى صاحب المسجد : تقدم فصل ، فَقَالَ عَبْد الله : أنت أحق أن تصلي فِي مسجدك مني ، فصلى المولى . قُلتُ : لعل هَذَا المولى كَانَ عتيقاً لابن عُمَر ، وأما لَوْ كَانَ رقيقاً لَهُ ففي كونه أولى بالإمامة نظر . وقد قَالَ أصحابنا : السيد فِي منْزل عبده أولى مِنْهُ بالإمامة ؛ لأنه يملكه ويملك منْزله . وهذا قَدْ يبنى عَلَى أن العبد : هَلْ يملك ماله ، أم هُوَ ملك للسيد ؟ وفيه خلاف مشهور . والله أعلم . وروى أبو قيس ، عَن هزيل بْن شرحبيل ، قَالَ : جَاءَ ابن مَسْعُود إلى مسجدنا ، فأقيمت الصلاة ، فقلنا لَهُ : تقدم ، فَقَالَ : يتقدم إمامكم ، فقلنا : إن إمامه ليس هاهنا ، قَالَ : يتقدم رَجُل منكم . خرجه البيهقي . وهذا مِمَّا يشهد لَهُ مَا تقدم عَن أحمد ، أن الرَّجُلُ إذا كَانَ فِي قريته فهو فِي سلطانه ، فلا يتقدم عَلِيهِ . وروى حرب بإسناده ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ دَخَلَ مسجداً ، فَقَالَ لَهُ إمامه : تقدم يَا أَبَا سَعِيد ، قَالَ : الإمام أحق بالإمامة . وروي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن ، أَنَّهُ تقدم فِي بعض البوادي عَلَى إمامهم بغير إذن ، وكره إمامه الأعرابي ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
قال البخاري رحمه الله : 799 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي ، قال : كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده فقال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد ، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه . فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا . قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ، أيهم يكتبها أول . قوله : أول روي على وجهين : بضم اللام وفتحها . فالضم على أنه صفة لأي . وقد سبق نحوه في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : لقد ظننت أن لا يسألني أحد أول منك . و البضع : ما بين الثلاث إلى التسع ، في الأشهر . وقال أبو عبيدة : ما بين الثلاث إلى الخمس . وقيل غير ذلك . وقد قيل في مناسبة هذا العدد : إن هذه الكلمات المقولة تبلغ حروفها بضعا وثلاثين حرفا ، فكأن الملائكة ازدحموا على كتابتها ورضوا أن يكتب كل واحد منهم حرفا منها . وفي هذا نظر ؛ فإنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم توزعوا كتابتها . وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة ، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل ، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - وأن مثل هذا الذكر حسن في الاعتدال من الركوع في الصلوات المفروضات ؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما كانوا يصلون وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات المفروضة غالبا ، وإنما كانوا يصلون وراءه التطوع قليلا . وفيه - أيضا - : دليل على أن جهر المأموم أحيانا وراء الإمام بشيء من الذكر غير مكروه ، كما أن جهر الإمام أحيانا ببعض القراءة في صلاة النهار غير مكروه . وقد سبق ذكر الجهر مستوفى .
126 - باب القنوت 797 - حدثنا معاذ بن فضالة ، نا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : لأقربن لكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء ، وصلاة الصبح ، بعدما يقول : سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار . 798 - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود ، نا إسماعيل ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كان القنوت في المغرب والفجر . ليس مقصود البخاري بهذا الباب ذكر القنوت ؛ فإن القنوت قد أفرد له بابا في أواخر أبواب الوتر ، ويأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . إنما مراده بتخريج هذين الحديثين في هذا الباب : أن المصلي يشرع له بعد أن يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد أن يدعو ، ولا يقتصر على التسميع والتحميد خاصة . وقد وردت أحاديث صريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه كان يزيد في الثناء على التسميع والتحميد ، ولم يخرجها البخاري ، فإنها ليست على شرطه ، وخرج مسلم كثيرا منها . فخرج من حديث علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر فيها : قال : وإذا رفع من الركوع قال : اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد . وفي رواية أخرى له : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد إلى آخره . وخرج - أيضا - من رواية قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ، ربنا ولك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وخرج - أيضا - من حديث الأعمش ، عن عبيد بن الحسن ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من الركوع قال : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد . وخرجه من حديث شعبة ، عن عبيد ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدعاء ، ولم يذكر فيه : رفع رأسه من الركوع . ورجح الإمام أحمد رواية شعبة ، وقال : أظن الأعمش غلط فيه . يعني : في ذكره : أنه كان يقوله بعد رفع رأسه من الركوع . وقد بين ذلك أبو داود في سننه ، وبسط القول فيه . وفي رواية لمسلم زيادة : اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ . وليس في هذه الرواية : ذكر رفع رأسه من الركوع أيضا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث قزعة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع قال : ربنا لك الحمد ، ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي إسناده بعض اختلاف ، وروي مرسلا . وفي الباب أحاديث أخر ، ليست أسانيدها بالقوية . وقد استحب الشافعي وإسحاق قول هذه الأذكار المروية بعد التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة وغيرها . ولم يستحب الكوفيون الزيادة على التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة ، وحملوا ما ورد في الزيادة عليها على صلاة النافلة . وظاهر مذهب الإمام أحمد : أن الإمام والمنفرد يقول كل منهما بعد التحميد : ملء السماوات والأرض ، إلى قوله : من شيء بعد في الصلاة المفروضة وغيرها . وأما المأموم فيقتصر على قول : ربنا ولك الحمد . قيل لأحمد : فيزيد - يعني الإمام والمنفرد - على هذا ، فيقول : أهل الثناء والمجد ؟ قال : قد روي ذلك ، وأما أنا فإني أقول إلى ملء ما شئت من شيء بعد يعني : لا يزيد عليه . وحكي عن أحمد رواية أخرى : أنه يستحب قولها في المكتوبة - أيضا - وهي اختيار أبي حفص العكبري . ومن أصحابنا من قال : من اكتفى في ركوعه وسجوده بأدنى الكمال من التسبيح لم يستحب له الزيادة على ذلك ، ومن زاد على ذلك في التسبيح استحب له قولها ؛ لتقع أركان الصلاة متناسبة في طولها وقصرها ، وحمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وتركه على مثل ذلك . وعن أحمد رواية : أن المأموم يستحب له أن يأتي بالتحميد وما بعده من الدعاء ، كالإمام والمنفرد ، غير أنه لا يأتي بالتسميع ، ورجحها بعض أصحابنا المتأخرين .
خرج البخاري فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 687 - حَدَّثَنَا أحمد بْن يونس ، ثنا زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : دخلت عَلَى عَائِشَة ، فَقُلْت : ألا تحدثيني عَن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَتْ : بلى ؛ ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( أصلى النَّاس ؟ ) فقلنا : لا ، يَا رسول الله ، وهم ينتظرونك ، فَقَالَ : ( ضعوا لِي ماء فِي المخضب ) ، قَالَتْ : ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عَلِيهِ ثُمَّ أفاق ، فَقَالَ : ( أصلى النَّاس ؟ ) قلنا : لا ، وهم ينتظرونك يَا رسول الله ، والناس عكوف فِي المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة لعشاء الآخرة ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أَبِي بَكْر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول ، فَقَالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس ، فَقَالَ أبو بَكْر - وكان رجلاً رقيقاً - : يَا عُمَر ، صل بالناس ، فقالَ لهُ عُمَر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بَكْر تلك الأيام ، ثُمَّ إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج بَيْن رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يتأخر ، قَالَ : ( أجلساني إلى جنبه ) ، فأجلساه إلى جنب أَبِي بَكْر ، قَالَ : فجعل أبو بَكْر يصلي وَهُوَ يأتم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد . قَالَ عُبَيْدِ الله : فدخلت عَلَى عَبْد الله بْن عَبَّاس ، فَقُلْت : ألا أعرض عَلَيْك مَا حَدَّثَتني عَائِشَة عَن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : هات ، فعرضت عَلِيهِ حديثها ، فما أنكر مِنْهُ شيئاً ، غير أَنَّهُ قَالَ : أسمت لَكَ الرَّجُلُ الآخر الَّذِي كَانَ مَعَ العباس ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : هُوَ عَلِيّ . هَذَا السياق من أتم مَا روي عَن عَائِشَة فِي هَذَا الباب ، وقد تفرد بِهِ موسى بن أَبِي عَائِشَة عَن عُبَيْدِ الله ، وقد سبق مَا قاله أبو حاتم الرَّازِي فِي حديثه هَذَا ، وأنه مِمَّا يرتاب بِهِ ، ولعل فِيهِ ألفاظاً مدرجة . والظاهر : أن مَا ذكره فِي آخره : ( فجعل أبو بَكْر يصلي ) مدرج من قَوْلِ بعض الرواة ، فلهذا قَالَ فِيهِ : ( قَالَ ) ، ولم يقل : ( قَالَتْ ) ، فالظاهر أن عَائِشَة لَمْ تقل ذَلِكَ ، إنما قاله عُبَيْدِ الله أو غيره كما تقدم ذَلِكَ من قَوْلِ عُرْوَةَ ، زاده فِي حديثه عَن عائشة . وقوله : ( ذهب لينوء ) ، أي : ينهض بثقل ، من قولهم : نؤت بالحمل أنوء بِهِ إذا نهضت بِهِ . وفي هَذَا الحَدِيْث من العلم مسائل كثيرة : مِنْهَا : أن الإمام إذا كَانَ قريباً من المسجد وعرف عذره المانع لَهُ من الخروج إلى الصلاة ، فإنه ينتظر خروجه . ومنها : أن المغمى عَلِيهِ إذا أفاق فإنه يستحب لَهُ أن يغتسل ، وقد سبقت المسألة فِي ( الطهارة ) . ومنها : أن المأمور بالصلاة بالناس لَهُ أن يأذن لغيره فِي الصلاة بهم ؛ فإن أبا بَكْر أذن لعمر . ويؤخذ من هَذَا : أن الوكيل لَهُ أن يوكل فيما وكل فِيهِ من غير إذن لَهُ فِي التوكيل ، كما هُوَ أحد قولي العلماء ، وإحدى الروايتين عَن أحمد . ومنها : جواز وقوف المأموم إلى جانب الإمام ، وإن كَانَ وراءه صفوف ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ . ومنها - وَهُوَ مقصود البخاري هاهنا - : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ هُوَ الإمام فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر مؤتماً بِهِ ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر إلى جانبه قائماً ، والناس وراءه قياماً ، ولم يأمره بالجلوس ، وهذه الصلاة كَانَتْ فِي آخر حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل ذَلِكَ عَلَى نسخ أمره بالجلوس وراء الإمام إذا صلى جالساً ؛ لأن ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ هَذَا بغير شك . وقد ذكره البخاري فِي آخر الباب عَن أَبِي بَكْر الحميدي ، والحميدي أخذه عَن الشَّافِعِيّ ، وسيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ بعد ذكر باقي أحاديث الباب إن شاء الله تعالى .
51 - باب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وصلى النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه الَّذِي توفي فِيه بالناس وَهُوَ جالس . وَقَالَ ابن مَسْعُود : إذا رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ، ثُمَّ يتبع الإمام وَقَالَ الْحَسَن - فيمن يركع مَعَ الإمام ركعتين ولا يقدر عَلَى السجود - : يسجد للركعة الأخيرة سجدتين ، ثُمَّ يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حَتَّى قام : يسجد . المقصود بهذا الباب : أن الإمام يتبع فِي جميع أفعاله ، وإن فات من متابعته شيء ، فإنه يقضيه المأموم ثُمَّ يتبعه ، وإنما يتم هَذَا بأن يصلوا وراءه جلوساً إذا صلى جالساً . وهذا المعنى هُوَ الَّذِي قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لأجله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ) ، والبخاري يدعي نسخه ، كما ذكره فِي آخر الباب ، فعلى قوله يفوت كمال المتابعة والائتمام بِهِ . وما علقه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فِي مرضه قَدْ خرجه فِي الباب بإسناده . وأما مَا حكاه عَن ابن مَسْعُود ، فمضمونه : أن من رفع رأسه قَبْلَ الإمام فإنه يعود إلى الركوع والسجود الَّذِي رفع مِنْهُ ، فيمكث بقدر مَا رفع قبله ليتم متابعته ، ويكون ركوعه وسجوده بقدر ركوع الإمام وسجوده . وهكذا قَالَ عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : إذا رفع أحدكم رأسه من ركعته أو سجدته قَبْلَ الإمام فليعد حَتَّى يرى أنه قَدْ أدرك مَا فاته . خرجه حرب الكرماني والإسماعيلي فِي ( مسند عُمَر ) من طريق ابن إِسْحَاق ، عَن يعقوب بْن عَبْد الله بْن الأشج ، عَن بسر بْن سَعِيد ، عَن الحارث بْن مخلد ، عَن أَبِيه مخلد ، قَالَ : سَمِعْت عُمَر ، فذكره . وخرجه الحافظ أبو موسى المديني ، من طريق حماد بْن مسعدة ، عَن ابن أَبِي ذئب ، عَن يعقوب بْن الأشج ، بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورفعه فِيهِ نكارة . وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هَذَا القدر من المتابعة للإمام ، كما خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، وليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، يجبكم الله ، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ) ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، يسمع الله لكم ؛ فإن الله تعالى قَالَ عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : سَمِعَ الله لمن حمده ، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع ) ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) وذكر بقية الحَدِيْث . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) : أن مَا سبقكم من ركوعه قبلكم وسجوده قبلكم تدركونه بتأخركم بالرفع بعده من الركوع والسجود ، فتساوونه فِي قدر ركوعه وسجوده بذلك . وروى أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ، فمهما أسبقكم بِهِ إذا ركعت تدركوني إذا رفعت ، ومهما أسبقكم بِهِ إذا سجدت تدركوني بِهِ إذا رفعت ؛ إني قَدْ بدنت ) . وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث ابن مسعدة صاحب الجيوش ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( إني قَدْ بدنت ، فمن فاته ركوعي أدركه فِي بطء قيامي ) . فلهذا المعنى قَالَ ابن مَسْعُود : فمن رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ثُمَّ يتبع الإمام . وفيه معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ إذا فعل ذَلِكَ فَقَدْ تخلص من محذور رفعه قَبْلَ الإمام ، وَهُوَ منهي عَنْهُ . وقد روي مثل قَوْلِ ابن مَسْعُود عَن عُمَر وابنه ، وعن كثير من التابعين ومن بعدهم من العلماء ، وَهُوَ قَوْلِ الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد . وأوجب أصحابنا عَلَى السابق أن يرفع ليتبع الإمام ، مَا دام الإمام لَمْ يرفع بعد . فإن رفع الإمام ، فقالوا : يستحب لَهُ أن يعوض عَن ذَلِكَ بالتطويل فِي السجدة الثانية ، وحملوا عَلِيهِ مَا روي عَن ابن عُمَر ، قَالَ : من رفع رأسه فِي السجدة الأولى قَبْلَ الإمام فليطول فِي الثانية . وعن ابن مَسْعُود ، قَالَ : ليصنع فِي الثانية بعد الإمام بقدر مَا كَانَ رفع فِي الأولى . خرجهما سَعِيد بْن منصور فِي ( سننه ) . ولم يفرق أكثرهم بَيْن أن يرفع قبله عمداً أو سهواً ، وهذا عَلَى أصل الحنفية ظاهر ؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصلاة بزيادة ركوع أو سجود عمداً ، وأما أصْحَاب الشَّافِعِيّ وأحمد فعندهم تبطل الصلاة بذلك عمداً . وَقَالَ بعض متأخريهم : إنه إن رفع قَبْلَ الإمام عمداً لَمْ يعد إلى متابعته فيما رفع عَنْهُ من ركوع أو سجود ؛ لأنه يكون قَدْ تعمد زيادة ركن عمداً فتبطل صلاته بذلك . والصحيح : مَا أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم ؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لما فعله من القيام والقعود الَّذِي سبق بِهِ الإمام ، وعود إلى متابعة الإمام ، وليس عوده إتماماً للركوع ولا للسجود الَّذِي سبق بِهِ ، بل هُوَ إبطال لَهُ ، فلا يصير بذلك متعمداً لزيادة ركن تام . وبكل حال ؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا . وقيل : إن البطلان ظاهر كلام أحمد ، وروي عَن ابن عُمَر ، وأكثر العلماء عَلَى أنها لا تبطل ، ويعتد لَهُ بِهَا إذا اجتمع مَعَ إمامه فيما بعد . ولو كَانَ سبق الإمام سهواً حَتَّى أدركه إمامه اعتد لَهُ بذلك عِنْدَ أصحابنا وغيرهم ، خلافاً لزفر . وقد بسطت القول عَلَى ذَلِكَ فِي ( كِتَاب القواعد فِي الفقه ) . والله أعلم . وأما مَا حكاه البخاري عَن الْحَسَن ، فإنه يتضمن مسألتين : إحداهما : إذا صلى مَعَ الإمام ركعتين ، وقدر عَلَى الركوع فيهما مَعَهُ دون السجود فإنه عجز عَنْهُ ، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد سجد سجدتين ، فكملت لَهُ الركعة الثانية ، وأعاد الركعة الأولى الَّتِيْ عجز عَن سجدتيها . وهذا يدل عَلَى أن المأموم إذا تخلف عَن متابعة الإمام فِي سجدتين من ركعة ، فَقَدْ فات المأموم تلك الركعة ؛ فلهذا لَمْ يعتد بالركعة الأولى ، وإنما يعتد بالثانية ؛ لأنه قدر عَلَى قضاء السجدتين ، وإدراك الإمام قَبْلَ سلامه ، فهو كما لَوْ أدركهما مَعَهُ . وفي هَذَا نظر ؛ فإنه كَانَ ينبغي أن يأتي بالسجدتين فِي قيام الإمام إلى الثانية ، ثُمَّ يلحقه كما يأتي بهما فِي حال تشهده فِي الثانية ، ولا فرق بَيْنَهُمَا . وقد يحمل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتمكن من السجدتين إلا فِي التشهد ، ولم يتمكن فِي حال قيام الإمام فِي الثانية . وعن أحمد فيما إذا تخلف عَن الإمام حَتَّى فاته مَعَهُ سجدتان - روايتان : إحداهما : أَنَّهُ تلغى ركعته ، كما قَالَ الْحَسَن ، ولكن لا فرق عنده بَيْن الركعة الأولى والثانية . والرواية الثانية : إن خاف فوات الركعة الثانية بتشاغله بقضاء السجدتين فكذلك ، وإن لَمْ يخف قضى السجدتين إذا قام الإمام فِي الثانية ثُمَّ لحقه فيها . واختلف الأصحاب فِي ذَلِكَ : فمنهم من قَالَ : هاتان الروايتان جاريتان فِي جميع صور التخلف عَن متابعة الإمام بركنين ، سواء كَانَ لسهو أو نوم أو زحام . ومنهم من قَالَ : إنما نَصَّ أحمد فِي الساهي والنائم عَلَى أن ركعته تلغى ، ونص فِي المزحوم عَلَى أَنَّهُ يقضي ثُمَّ يلحق الإمام ، فيقر النصان عَلَى مَا نَصَّ عَلِيهِ من غير نقل ولا تخريج ، ويفرق بَيْن المزحوم وغيره بأن غير المزحوم مفرط ومقصر فتلغى ركعته ، بخلاف المزحوم فإنه معذور فيأتي بما فاته ويلحق إمامه . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، فِي رَجُل صلى مَعَ الإمام ركعة ، فلما كَانَ فِي الثانية ركع الإمام وسجد سجدتيه ، ثُمَّ قام فِي الثالثة والرجل قائم ؟ قَالَ : إن أدركه فِي سجدتيه ركع وسجد معهم ، وإن كَانَ قَدْ نهض فِي الثالثة اتبعه فيما بقي من صلاته ، ثُمَّ يقضي تلك الركعة الَّتِيْ نام عَنْهَا أو غفل . وعن الزُّهْرِيّ ، فِي الرَّجُلُ يصلي مَعَ الإمام ، فينام حَتَّى يفرغ الإمام من الركعة والسجدتين ؟ قَالَ : يصلي مَا تركه بعد أن يسلم ، ويسجد سجدتي السهو . وبإسناده ، عَن هِشَام ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل كَانَ مَعَ القوم ، فنام أو سها ، فركعوا أو سجدوا ؟ قَالَ : يتبعهم بالركوع والسجود ، وليس عَلِيهِ غيره . وهذا يدل عَلَى أن كلام الْحَسَن الَّذِي حكاه البخاري إنما أراد بِهِ أَنَّهُ عجز عَن قضاء السجدتين قَبْلَ تشهد الإمام . والله أعلم . ويدل عَلِيهِ - أَيْضاً - : مَا خرجه عَبْد الرزاق فِي ( كتابه ) ، عَن معمر ، عَن رَجُل ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل دَخَلَ مَعَ قوم فِي صلاتهم ، فنعس حَتَّى ركع الإمام وسجد ؟ قَالَ : يتبع الإمام . وعن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : قُلتُ لَهُ : لَوْ كبرت مَعَ الإمام لاستفتاح الصلاة ، ثُمَّ ركع فسهوت ، فَلَمْ أركع حَتَّى رفع ؟ قَالَ : قَدْ أدركتها فاعتد بِهَا . قُلتُ لعطاء : فنعست ، فَلَمْ أزل قائماً حَتَّى رفع النَّاس وسجدوا ، فجبذني إنسان ، فجلست كما أنا ؟ قَالَ : فأوف تلك الركعة - يعني : تقضيها وَقَالَ عَبْد الرزاق عَن الثوري ، فِي رَجُل كبر مَعَ الإمام فِي أول الصلاة ، ثُمَّ نعس حتى صلى الإمام ركعة أو ركعتين ؟ قَالَ : إذا استيقظ ركع وسجد مَا سبقه ، ثُمَّ يتبع الإمام بما بقي ، فهو يركع ويسجد بغير قراءة . وهذا قَوْلِ غريب . وقد تقدم عَن الأوزاعي أَنَّهُ يتبعه ، ويأتي بما فاته مَا لَمْ ينهض الإمام إلى الركعة الَّتِيْ بعدها . وَقَالَ مَالِك : إن أدركهم فِي أول سجودهم سجد معهم واعتد بِهَا ، وإن علم أَنَّهُ لا يقدر عَلَى الركوع وأن يدركهم فِي السجود حَتَّى يقوموا فِي الثانية تبعهم فيما بقي ، وقضى الركعة بعد السلام ، وسجد للسهو . ومذهب الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يسجد ويتبعه مَا لَمْ يركع الإمام الركعة الثانية ؛ فإن ركع لغت ركعته ، ثُمَّ قضاها بعد سلام الإمام . ومذهب الإمام أحمد : إذا فاته مَعَ الإمام أكثر من ركنين لغت ركعته ، ويقضيها بعد سلام الإمام كالمسبوق . وعن الإمام أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ إذا نام حَتَّى فاته ركعتان بطلت صلاته . وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ نوماً طويلاً ، فانتقضت طهارته ، فيعيد الوضوء والصلاة . وحكي عَنْهُ رِوَايَة أخرى : إذا نام حَتَّى رفع الإمام من الركوع تبطل صلاته . وهي محمولة - أَيْضاً - عَلَى أَنَّهُ نام مدة قيام الأول وركوعه ورفعه ، فهو نوم طويل ناقض للطهارة . والله أعلم . المسألة الثانية : أن من نسي سجدة حَتَّى قام الإمام سجد ، ثُمَّ تابعه . وهذا قَوْلِ جمهور العلماء . ومن أصحابنا من قَالَ : لا نعلم فِيهِ خلافاً ؛ لأنه تخلف يسير لعذر ، وتعم بِهِ البلوى كثيراً فِي حق من صلى خلف من لا يطيل المكث فِي ركوعه وسجوده . وهذا مطرد فِي كل من فاته مَعَ الإمام ركن واحد لعذر من زحام أو نوم أو نسيان . ولا فرق بَيْن ركن وركن فِي ذَلِكَ عِنْدَ كثير من العلماء من أصحابنا وغيرهم . ومن أصحابنا من فرق بَيْن الركوع وغيره ، فَقَالَ : إن فاته الركوع وحده حَتَّى رفع الإمام فحكمه حكم التخلف عَن الإمام بركنين ، كما سبق ، فإما أن تفوته الركعة ويقضيها ، أو أن يركع ثُمَّ يتابع إمامه ، عَلَى مَا سبق . وحكي رِوَايَة عَن أحمد ، أَنَّهُ تبطل صلاته ، وقَدْ سبق ذكرها وتأويلها . وفرق هؤلاء بَيْن الركوع وغيره بأن الركوع عماد الركعة ، وبه تلحق وتفوت بفوته ، فألحق بالركنين فِي التخلف بِهِ عَن الإمام ، وهذه طريقة ابن أَبِي موسى وغيره . ومن سوى بَيْن الركوع وغيره فرق بَيْن هَذَا وبين المسبوق ، بأن المسبوق قَدْ فاته مَعَ الإمام معظم الركعة ، وَهُوَ القيام والقراءة والركوع ، وليس هَذَا كذلك . وقد سبق عَن عَطَاء مَا يدل عَلَى أَنَّهُ يركع بعد إمامه ويعتد لَهُ بتلك الركعة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحَدِيْث الثاني : 688 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أم المُؤْمِنيِن ، أنها قَالَتْ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي بيته وَهُوَ شاك ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) . الحَدِيْث الثالث : 689 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بْن مَالِك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصرع عَنْهُ ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وَهُوَ قاعد ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . قَالَ الحميدي : هَذَا منسوخ ، قوله : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، هَذَا هُوَ فِي مرضه القديم ، ثُمَّ صلى بعد ذَلِكَ جالساً والناس خلفه قياماً . قَالَ أبو عَبْد الله : ولم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ جالساً والناس خلفه قيام . وقد خرج البخاري فيما تقدم من حَدِيْث أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا كبر فكبروا ) فذكر مثل حَدِيْث أنس إلى قوله : ( أجمعون ) . وخرجه فيما بعد من حَدِيْث همام بْن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف العلماء فِي صلاة القادر عَلَى القيام خلف الجالس : فَقَالَتْ طائفة : لا يجوز ذَلِكَ بالكلية ، هَذَا قَوْلِ مُحَمَّد بن الْحَسَن ، والحسن بن حي ، ومالك فِي ظاهر مذهبه ، والثوري فِي رواية عَنْهُ . وتعلق بعضهم بحديث مرسل ، رواه جابر الجعفي ، عَن الشَّعْبِيّ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لا يؤمن أحد بعدي جالساً ) . وجابر لا يحتج بما يسنده ، فكيف بما يرسله ؟ وقد طعن فِي حديثه هَذَا الشَّافِعِيّ وابن أَبِي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم . وروى سيف بن عُمَر الضبي : ثنا سَعِيد بن عَبْد الله الجمحي ، عَن أَبِيه ، عَن مُحَمَّد بن مسَلَمَة ، قَالَ : دخلت عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي شكوى اشتكاه ، وحضرت الصلاة ، فصلى بنا جالساً ونحن قيام ، فلما انصرف قَالَ : ( إذا صلى إمامكم جالساً فصلوا جلوساً ) ، وكنا نفعل ذَلِكَ حَتَّى حج حجته ، فنهى فيها أن يؤم أحد قوماً وَهُوَ جالس . خرجه القاضي مُحَمَّد بن بدر فِي ( كِتَاب المناهي ) . وَهُوَ حَدِيْث باطل ، وسيف هَذَا مشهور بالكذب . وقالت طائفة : يجوز أن يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس العاجز عَن القيام بكل حال ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك - في رِوَايَة عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما . واختلفت الرواية عَن الإمام أحمد فِي ذَلِكَ ، فالمشهور عَنْهُ : أَنَّهُ لا يجوز أن يأتم القادر عَلَى القيام بالعاجز عَنْهُ ، إلا أن يكون العاجز إمام الحي ، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه ، ويأتمون بِهِ جلوساً ، كما سيأتي إن شاء الله . ونقل عَنْهُ الميموني ، أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ إلا خلف الإمام الأعظم خاصة ، إذا كَانَ مرضه يرجى برؤه . وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى جواز الائتمام بالجالس مطلقاً ، لكن إن كَانَ إمام الحي ورجي زوال علته صلّوا وراءه جلوساً ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ صلوا وراءه قياماً . واختلف القائلون بجواز اقتداء القادر عَلَى القيام بالجالس : هَلْ يصلي وراءه جالساً ، أو قائماً ؟ فَقَالَتْ طائفة : يصلي وراءه قائماً ، هَذَا قَوْلِ المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور . واعتمدوا عَلَى أقيسة أو عمومات ، مثل قوله : ( صل قائماً ، فإن لَمْ تستطع فقاعداً ) . وتبعهم عَلَى ذَلِكَ طائفة من المحدثين كالحميدي والبخاري ، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرض موته قاعداً والناس خلفه قياماً ، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري ، وحكاه عَن الحميدي . وَقَالَ آخرون : بل يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس جالساً ، هَذَا هُوَ المروي عَن الصَّحَابَة ، ولا يعرف عنهم اختلاف فِي ذَلِكَ . وممن روي عَنْهُ ذَلِكَ من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر بن عَبْد الله وأبو هُرَيْرَةَ ومحمود بن لبيد . ولا يعرف عَن صحابي خلاف ذَلِكَ ، بل كانوا يفعلون ذَلِكَ فِي مساجدهم ظاهراً ، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي . رَوَى سُلَيْمَان بن بلال ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن بشير بن يسار ، أن أسيد بن الحضير كَانَ يؤم قومه بني عَبْد الأشهل فِي مسجدهم ، ثُمَّ اشتكى ، فخرج إليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أقوم ، قالوا : لا يصلي لنا أحد غيرك مَا كُنْتُ فينا ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا ، فصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً . خرجه الأثرم وغيره . وهذا إسناد صحيح . وروى هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن كثير بن السائب ، عَن محمود بن لبيد ، قَالَ : كَانَ أسيد بن حضير قَدْ اشتكى عرق النسا ، وكان لنا إماماً ، فكان يخرج إلينا فيشير إلينا بيده أن اجلسوا ، فنجلس فيصلي بنا جالساً ونحن جلوس . خرجه الدارقطني . وروى قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن قيس بن قهد ، أن إماماً لهم اشتكى أياماً . قَالَ : فصلينا بصلاته جلوساً . خرجه أبو الْقَاسِم البغوي وذكره البخاري فِي ( تاريخه ) . وروى يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، أَنَّهُ فعل ذَلِكَ مَعَ أصحابه . وروى وكيع ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : الإمام أمير ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً . قَالَ الإمام أحمد : فعله أربعة من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير ، وقيس بن قهد ، وجابر ، وأبو هُرَيْرَةَ . قَالَ : ويروى عَن خمسة عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، ولا أعلم شيئاً يدفعه . وهذا من علمه وورعه - رضي الله عنه فإنه إنما دفع ذَلِكَ بالنسخ وهي دعوى مردودة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وكان الإمام أحمد يتورع عَن إطلاق النسخ ؛ لأن إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مَعَ إمكان الجمع بينها وبين مَا يدعى معارضها غير جائز ، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بِهَا كلها وجب ذَلِكَ ، ولم يجز دعوى النسخ مَعَهُ ، وهذه قاعدة مطردة . وهي : أنا إذا وجدنا حديثاً صحيحاً صريحاً فِي حكم من الأحكام ، فإنه لا يرد باستنباط من نَصَّ آخر لَمْ يسق لذلك المعنى بالكلية ، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حَدِيْث النغير ، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث : ( مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رَجُل استأجر أجراء ) الحَدِيْث ، ولا أحاديث : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) بقوله : ( فيما سقت السماء العشر ) . وقد ذكر الشَّافِعِيّ أن هَذَا لَمْ يسق لبيان قدر مَا يجب مِنْهُ الزَّكَاةِ ، بل لبيان قدر الزَّكَاةِ ، وما أشبه هَذَا . وممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالساً خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء : الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بَكْر بن أَبِي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان ، ونقله إجماعاً قديماً من السلف ، حَتَّى قَالَ فِي ( صحيحه ) : أول من أبطل فِي هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً : المغيرة بن مقسم ، وعنه أخذ أبو حنيفة . وأما دعوى النسخ فِي هَذَا فَقَدْ بينا أَنَّهُ لا يجوز دعوى بطلان الحكم مَعَ إمكان العمل بِهِ ولو بوجه ، وسنبين وجه العمل بِهِ ، والجمع بَيْن مَا ادعي عَلِيهِ التعارض إن شاء الله تعالى . ويدل عَلَى أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ : أن النبي صلى الله عليه وسلم علله بعلل لَمْ تنسخ ولم تبطل منذ شرعت . ومنها : أَنَّهُ علله بأن الإمام إنما جعل إماماً ليؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ فِي أفعاله ، وَقَالَ : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . وما قَبْلَ الصلاة جلوساً لَمْ ينسخ مِنْهُ شيء ، فكذلك القعود ؛ لأن الجميع مرتب عَلَى أن الإمام يؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام جنة ، فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، فإذا وافق قول أهل الأرض قَوْل أهل السماء غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه ) . ومعنى كونه جنة : أَنَّهُ يتقى بِهِ ويستتر ، ولهذا إذا سلمت سترته لَمْ يضر مَا مر بَيْن يديه ، كما سبق تقريره . ومنها : أَنَّهُ جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء ، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطاعته من طاعة الله ، ومعلوم أَنَّهُ لَمْ ينسخ من هذه شيء ، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة . فخرج الإمام أحمد وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث ابن عُمَر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي نفر من أصحابه ، فَقَالَ : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أنك رسول الله ، قَالَ : ( ألستم تعلمون أَنَّهُ من أطاعني أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتي ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أَنَّهُ من أطاعك فَقَدْ أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتك ، قَالَ : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) . وفي رِوَايَة لهما أَيْضاً ( ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ) . وهذا يصلح أن يكون متمسكاً للإمام أحمد فِي تخصيصه ذَلِكَ بإمام الحي ؛ فإن أئمة الحي إنما ينصبهم الأئمة غالباً ، وخصه - فِي رِوَايَة عَنْهُ - بالإمام الأعظم الَّذِي تجب طاعته . ومنها : أَنَّهُ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها ، حيث يقومون وملوكهم جلوس ، وشريعتنا جاءت بخلاف ذَلِكَ ، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يتمثل لَهُ الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) . وَقَالَ عُمَر بن عَبْد العزيز للناس : أيها النَّاس ، إن تقوموا نقم ، وإن تجلسوا نجلس ، فإنما يقوم النَّاس لرب العالمين . وهذا حكم مستقر فِي الشريعة ، لَمْ ينسخ ولم يبدل . وقد دل عَلَى مَا ذكرناه : مَا خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وراءه وَهُوَ قاعد ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس تكبيره ، فالتفت إلينا ، فرآنا قياماً ، فأشار إلينا ، فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم قَالَ : ( إن كدتم - آنفاً - تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون عَلَى ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم ، إن صلوا قياماً فصلوا قياماً ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث الأعمش ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن جابر - فِي هذه القصة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لهم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً ، ولا تقوموا وَهُوَ جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها ) . وأما الكلام عَلَى دعوى النسخ ، عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنه كَانَ إماماً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتم بِهِ ، كما تقدم عَن مَالِك وغيره ، فلا دلالة فِي الحَدِيْث حينئذ عَلَى أن الائتمام بالقاعد بالكلية . وأما من قَالَ : إن الإمام كَانَ هُوَ النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قاله الشَّافِعِيّ والإمام أحمد والبخاري والأكثرون ، فالجمع بَيْن هَذَا الحَدِيْث وبين الأحاديث المتقدمة الَّتِيْ فيها الأمر بالجلوس فِي الصلاة من وجهين : أحدهما - وَهُوَ الَّذِي ذكره الإمام أحمد - : أن المؤتمين بأبي بَكْر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وَهُوَ قائم ، ثُمَّ لما انتقلت مِنْهُ الإمامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم انتقلوا إلى الائتمام بقاعد ، فأتموا خلفه قياماً لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم . فعلى هَذَا التقرير نقول : إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالساً صلوا وراءه جلوساً ، وإن ابتدأ بهم قائماً ثُمَّ اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً . هكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه . ومنهم من قَالَ : إنه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قياماً إذا جلس فِي أثناء صلاته لعلة ، وسواء كَانَ إمام حي أو لَمْ يكن ، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف الجالس ، فإنها لا تصح عِنْدَ الإمام أحمد إلا إذا كَانَ إمام الحي ، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة ، فإنه يغتفر فِي الاستدامة مَا لا يغتفر فِي الابتداء . وممن قَالَ ذَلِكَ من أصحابنا : أبو الفتح الحلواني . والثاني : أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود عَلَى الاستحباب ، وحديث صلاته فِي مرضه من غير أمر لهم بالجلوس عَلَى جواز أن يأتموا بالقاعد قياماً ، فيكون المأمومون مخيرين بَيْن الأمرين ، وإن كَانَ الجلوس أفضل . وهذا يتخرج عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنهم إذا ائتموا بالجالس قياماً صحت صلاتهم ، وقد اختلف أصحابنا فِي ذَلِكَ عَلَى وجهين . وظهر لِي وجه ثالث فِي الجمع بَيْن هذه الأحاديث ، وَهُوَ متجه عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إماماً لأبي بَكْر ، وكان أبو بَكْر إماماً للناس ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . وحينئذ فيقال : لما اجتمع فِي هذه الصلاة إمامان ، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قياماً اتباعاً لإمامهم القائم ؛ فإن الأصل القيام ، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم ، وموجب للقعود أو مبيح لَهُ ، فغلب جانب القيام ؛ لأنه الأصل ، كما إذا اجتمع فِي حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر ، فإنه يغلب الحظر . وأما أبو بَكْر فإنه إنما صلى قائماً ؛ لأنه وإن ائتم بقاعد إلا أَنَّهُ أم قادرين عَلَى القيام ، وَهُوَ قادر عَلِيهِ ، فاجتمع فِي حقه - أَيْضاً - سببان : موجب للقيام ، ومسقط لَهُ ، فغلب إيجاب القيام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
125 - باب فضل : اللهم ربنا ولك الحمد 796 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد ، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . قد تقدم في الباب الماضي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في حال رفعه من الركوع : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول بعد انتصابه منه : ربنا ولك الحمد ، فدل على أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد ، وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ، وروي عن علي وأبي هريرة . وأما مالك وأبو حنيفة ، فعندهما : يقتصر الإمام على التسميع والمأموم على التحميد ؛ لظاهر حديث أبي هريرة هذا . وحمل بعض أصحابهما حديث أبي هريرة السابق في الجمع بينهما على النافلة ، وهو بعيد جدا . وقد خرج مسلم في صحيحه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بينهما إذا رفع رأسه من الركوع من حديث علي وابن أبي أوفى . ومن حديث حذيفة - أيضا - لكن في صلاة النافلة . وفي هذا الحديث : الأمر للمأمومين أن يقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد إذا قال : سمع الله لمن حمده ، فيجتمع الإمام والمأمومون في قول : ربنا ولك الحمد . واستدل بهذا من قال : إن المأموم لا يقول : سمع الله لمن حمده كالإمام ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد . وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي . وقالت طائفة : يجمع المأموم بين الأمرين - أيضا - فيسمع ويحمد . وهو قول عطاء وأبي بردة وابن سيرين والشافعي وإسحاق ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي . وفيه حديثان صريحان في المأموم أنه يجمع بينهما ، ولكنهما ضعيفان : قاله البيهقي وغيره . وروي - أيضا - عن أبي موسى ، وضعفه البيهقي أيضا . ومعنى قوله : سمع الله لمن حمده : استجاب الله لحامده كما استعاذ من دعاء لا يسمع ، أي لا يستجاب ؛ فكذلك يشرع عقب ذلك الاجتماع على حمد الإمام من الإمام ومن خلفه . وظاهر هذا الحديث : يدل على أن الملائكة تحمد مع المصلين ، فلهذا علل أمرهم بالتحميد بقوله : من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . وفي حديث أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وإذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، يسمع الله لكم ، فإن الله تعالى قال على لسان نبيه : سمع الله لمن حمده . خرجه مسلم . وفي حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب : اللهم ، ربنا لك الحمد بغير واو . وفي حديث أبي هريرة المخرج في الباب قبله : اللهم ، ربنا ولك الحمد بالواو . وفي رواية أخرى عن أبي هريرة - سبق تخريجها - : ربنا لك الحمد بغير واو . وفي روايات أخر : ربنا ولك الحمد بالواو . وكله جائز ، وأفضله عند مالك وأحمد : ربنا ولك الحمد بالواو . وقال أحمد : روى الزهري فيه ثلاثة أحاديث عن أنس بن مالك ، وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وعن سالم عن أبيه . يعني : كلها بالواو . وقال في حديث علي الطويل : ولك الحمد . وحديث علي ، خرجه مسلم . وقد ذكر الأصمعي أنه سأل أبا عمرو عن الواو في قوله : ربنا ولك الحمد . فقال : هي زائدة . وذكر غيره أنها عاطفة على محذوف ، تقديره : ربنا أطعناك وحمدناك ولك الحمد . قال أصحابنا : فإن قال : ربنا ولك الحمد فالأفضل إثبات الواو ، وإن زاد في أولها : اللهم فالأفضل إسقاطها ، ونص عليه أحمد في رواية حرب ؛ لأن أكثر أحاديثها كذلك ، ويجوز إثباتها ؛ لأنه ورد في حديث أبي هريرة ، كما خرجه البخاري في الباب الماضي . وذهب الثوري والكوفيون إلى أن الأفضل : ربنا لك الحمد بغير واو . والله سبحانه وتعالى أعلم .
124 - باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع 795 - حدثنا آدم ، نا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال : سمع الله لمن حمده قال : اللهم ، ربنا ولك الحمد ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع وإذا رفع رأسه يكبر ، وإذا قام من السجدتين قال : الله أكبر . قد خرج البخاري فيما تقدم ، في باب : التكبير إذا قام من السجود ، من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث . عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا لك الحمد . فتبين بذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : سمع الله لمن حمده في حال رفعه ، ثم إذا انتصب واستوى قائما يقول : ربنا لك الحمد . وفي رواية سعيد المقبري ، عن أبي هريرة المخرجة في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال : سمع الله لمن حمده قال : اللهم ، ربنا ولك الحمد . والمراد : أنه يصلها بها من غير فصل ، وإن كانت الأولى في حال الرفع ، والثانية في حال القيام . وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المأمومين أن يقولوا : ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، وسيأتي الحديث بذلك ، فدل هذا كله على أن الإمام والمأمومين يشتركون في قول : ربنا ولك الحمد . لكن من قال : إن المأموم يقول : سمع الله لمن حمده كالإمام ، يقول : إنه يقوله في حال رفعه ، فإذا انتصب قال : ربنا ولك الحمد كالإمام . ومن قال : يقتصر المأموم على التحميد ، قال : يأتي به في حال رفعه . وسيأتي ذكر الاختلاف في ذلك فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقوله : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع وإذا رفع رأسه يكبر يوهم أنه كان يكبر إذا رفع رأسه من الركوع ، وليس المراد ذلك . وقد حمله البيهقي على أن المراد : أنه كان إذا رفع رأسه من ركوعه ، ثم أراد أن يسجد ، كبر حينئذ للسجود . ويحتمل أن المراد : أنه كان إذا رفع رأسه من السجود كبر ؛ فإنه قد ذكر قبل ذلك ما كان يقوله إذا رفع رأسه من الركوع ، وهو : اللهم ، ربنا ولك الحمد ثم ذكر بعد ذلك ما كان يقوله إذا رفع من السجود ، وهو التكبير .
باب القراءة في الركوع والسجود بوب البخاري على هذا ، ولم يخرج فيه شيئا ، وفيه أحاديث ليست على شرطه : أشهرها : حديث علي ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود . خرجه مسلم . وفي بعض الروايات : الاقتصار على ذكر الركوع . وكذا رواه مالك ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي . وقد خرجه مسلم من طريقه كذلك . وفي إسناده اختلاف كثير ، قد ذكر مسلم منه في صحيحه ستة أنواع ، وذكر الدارقطني فيه أكثر من ذلك ، ولم يرجح منه شيئا . والظاهر : أن البخاري تركه ، لأنه رأى الاختلاف مؤثرا فيه . وله طرق أخرى ، عن علي : خرجه النسائي من رواية أشعث ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج مسلم - أيضا - من رواية إبراهيم بن عبد الله بن معبد ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ، فقال : أيها الناس ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ، يراها المسلم أو ترى له ، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم . وقد قال الإمام أحمد فيه : ليس إسناده بذاك . وإبراهيم هذا وأبوه ، لم يخرج لهما البخاري شيئا . وأكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود ، ومنهم من حكاه إجماعا . وهل الكراهة للتحريم ، أو للتنزيه ؟ فيه اختلاف . وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز . ومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا : أنه مكروه . وهل تبطل به الصلاة ، أو لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا . والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك . وللشافعية وجه : إن قرأ بالفاتحة خاصة بطلت ؛ لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه . ورخصت طائفة في القراءة في الركوع والسجود . روي عن أبي الدرداء ، أنه كان يقرأ البقرة في سجوده . وعن سليمان بن ربيعة ، وعبيد بن عمير ، والمغيرة . وعن النخعي فيمن نسي الآية أو تركها ، فذكرها وهو راكع ، قال : يقرؤها وهو راكع . وعن المغيرة ، قال : كانوا يفعلون ذلك . وسئل عطاء ، عن القراءة في الركوع والسجود ؟ فقال : رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع في المكتوبة . ورخص بعضهم في ذلك في النفل دون الفرض : روى سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن علي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القراءة في الركوع والسجود في الصلاة المكتوبة ، فأما الصلاة في التطوع ، فلا جناح . خرجه الإسماعيلي . وإسناده منقطع ، فإن نافعا إنما يرويه عن ابن حنين ، عن أبيه ، عن علي ، كما سبق . وآخر الحديث ، لعله مدرج من قول بعض الرواة . وسليمان بن موسى ، مختلف فيه .
690 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو إِسْحَاق ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الله بن يزيد ، قَالَ : حَدَّثَنِي البراء - وَهُوَ غير كذوب قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قَالَ : ( سَمِعَ الله لمن حمده ) لَمْ يحن أحد منا ظهره حَتَّى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً ، ثُمَّ نقع سجوداً بعده . قَالَ أبو عَبْد الله : أخبرنا أبو نعيم ، عَن سُفْيَان بهذا ، وإنما أدخلت حَدِيْث مسدد لحال الإخبار . هكذا وقع فِي بعض النسخ دون بعض . ومعناه : أن هَذَا الحَدِيْث سمعه البخاري من أَبِي نعيم ، عَن سُفْيَان - هُوَ : الثوري - بهذا الإسناد ، ولكن معنعناً ، وإنما خرجه عَن مسدد ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان نازلاً ؛ لأنه ذكر فِي حديثه سماع سُفْيَان لَهُ من أَبِي إِسْحَاق ، وسماع أَبِي إِسْحَاق من عَبْد الله بن يزيد ، وسماعه من البراء . وقوله : ( حَدَّثَنِي البراء وَهُوَ غير كذوب ) ظاهر السياق يقتضي أَنَّهُ من قَوْلِ عَبْد الله بن يزيد في حق البراء ، ورجح ذَلِكَ الخطابي وغيره . وَقَالَ ابن معين وغيره : إنما هُوَ من قَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي حق عَبْد الله بن يزيد ، وقالوا : إن الصَّحَابَة أجل من أن يوصفوا بنفي الكذب . وهذا ليس بشيء ، ونفي الكذب صفة مدح لا ذم ، وكذلك نفي سائر النقائص ، وقد كَانَ عَلِيّ بن أَبِي طالب يَقُول : والله مَا كذبت ولا كذبت ، فنفى الكذب عَن نفسه ، وأشار إلى نفيه عمن أخبره ، وَهُوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالت عَائِشَة فِي حق عُمَر وابن عُمَر : إنكم لتحدثون عَن غير كاذبين ولا مكذبين ، ولكن السمع يخطئ . وأبلغ من هَذَا ، أن الله تعالى نفى عَن نفسه النقائص والعيوب ، كالظلم وإرادته ، والغفلة والنسيان ، وكذلك نفيه للشريك والصاحبة والولد ، وليس فِي شيء من ذَلِكَ نقص بوجه مَا . وأيضاً ؛ فعبد الله بن يزيد هُوَ الخطمي ، وَهُوَ معدود من الصَّحَابَة ، وله رِوَايَة عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف حسن نفي الكذب عَنْهُ دون البراء ، وكلاهما صحابي ؟ وإن كَانَ البراء أشهر مِنْهُ ، وأكثر رِوَايَة . والله أعلم . وفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن المأموم يتابع الإمام ، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام ؛ فإن البراء أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لَمْ يحن أحد منهم ظهره حَتَّى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً ، ثُمَّ يسجدون بعده . وفي رِوَايَة لمسلم فِي هَذَا الحَدِيْث : أنهم كانوا يصلون مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا رفع رأسه من الركوع لَمْ نر أحداً يحني ظهره حَتَّى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته عَلَى الأرض ، ثُمَّ نخر من ورائه سجداً . وهذه صريحة فِي أنهم كانوا لا يشرعون فِي السجود حَتَّى ينهيه النبي صلى الله عليه وسلم . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ) يدل عَلَى أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقيب تكبير الإمام وركوعه وسجوده ، ولا مَعَهُ ولا قبله . وفي حَدِيْث أَبِي موسى ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ، فتلك بتلك ) . خرجه مُسْلِم ، وقد سبق ذكره . وأكثر العلماء عَلَى أن الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام ، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام فِي ذَلِكَ ، وكذلك كَانَ يفعل أبو قلابة وغيره من السلف . وروى وكيع بإسناده ، عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : لا تبادروا أئمتكم ، فإنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع . وَهُوَ مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، ورواية عَن مَالِك . وإن وافقه فِي فعله مَعَهُ كره ، وصحت صلاته عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية ، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك . ويستثنى من ذَلِكَ صورتان : إحداهما : تكبيرة الإحرام فِي ابتداء الصلاة ، فإذا كبر مَعَهُ لَمْ تنعقد صلاة المأموم عِنْدَ ابن المبارك والشافعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأبي يوسف . وَقَالَ أبو حنيفة والثوري والعنبري ومحمد بن الْحَسَن وزفر : تنعقد صلاته بذلك . وزاد الثوري عليهم ، فَقَالَ : لَوْ كبر مَعَ إمامه وفرغ من تكبيره قَبْلَ فراغ إمامه جاز . ومن الحنفية من جعل تكبيرة الإحرام شرطاً للصلاة كالطهارة والستارة ، ولم يجعلها مِنْهَا . والصورة الثانية : إذا سلم مَعَ إمامه ، فإنه يجوز مَعَ الكراهة عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية . ولهم وجه آخر : أَنَّهُ لا يجوز ، وحكي عَن مَالِك . قَالَ بعض أصحابنا : وهذا قَوْلِ قوي عَلَى قَوْلِ من يعتبر النية للخروج . وعن مَالِك فِي أصل متابعة المأموم لإمامه ثَلاَثَ روايات : إحداهن : أنه يستحب أن يكون عمله بعد عمل إمامه ، معاقباً لَهُ ، كقول الشَّافِعِيّ وأحمد . والثانية : أن عمل المأموم كله مَعَ عمل الإمام : ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه ، مَا خلا الإحرام والتسليم ، فإنه لا يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبير الإمام وسلامه . وقيل : إنها أصح الروايات عَنْهُ . والثالثة : أَنَّهُ يكون عمله مَعَ الإمام ؛ مَا خلا ثَلاَثَة أشياء : التحريم والتسليم والقيام من اثنتين ، فإنه يكون بعده .
52 - باب مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ ؟ وَقَالَ أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإذا سجد فاسجدوا ) . حَدِيْث أَنَس هَذَا ، قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من رِوَايَة الزُّهْرِيّ ، عَنْهُ ، ويأتي فِي موضعه إن شاء الله . وفيه : دليل عَلَى أن سجود المأموم يكون عقيب سجود الإمام ، ولا يكون مَعَهُ ولا قبله .
123 - باب الدعاء في الركوع 794 - حدثنا حفص بن عمر ، ثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي . في هذا الحديث : دليل على الجمع بين التسبيح والتحميد والاستغفار في الركوع والسجود . وخرج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، قال : لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، إنك أنت التواب الرحيم ثلاثا . وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه صحيحة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، من حديث عون بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم ، وذلك أدناه ، وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، وذلك أدناه . وهو مرسل ، يعني : أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود - : قاله الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم . وقد روي بهذا الإسناد موقوفا . وقد روي من وجوه أخر عن ابن مسعود مرفوعا - أيضا - ولا تخلو من مقال . وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فافتتح البقرة - وذكر الحديث ، إلى أن قال : ثم ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم ، وكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ، ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى ، فكان سجوده قريبا من قيامه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث موسى بن أيوب الغافقي : حدثني عمي إياس بن عامر ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، قال : لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في ركوعكم ، فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في سجودكم . موسى ، وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما ، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة . وفي صحيح مسلم عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح . وفيه - أيضا - : عن علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : وإذا ركع قال : اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وذكر بقية الحديث . وخرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : أن ذلك كان يقوله في المكتوبة . وفي إسناد الترمذي لين . ولكن خرج البيهقي هذه اللفظة بإسناد جيد . وخرج النسائي نحو حديث علي من حديث جابر ومحمد بن مسلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث محمد بن مسلمة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك في صلاة التطوع . وخرج - أيضا - هو وأبو داود من حديث عوف بن مالك ، قال : قمت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة ، يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة . وفي الباب أحاديث أخر متعددة يطول ذكرها . والكلام هاهنا في حكم التسبيح في الركوع ، وفي الدعاء فيه . فأما التسبيح في الركوع : فمشروع عند جمهور العلماء . قال جابر : كنا نسبح ركوعا وسجودا ، وندعو قياما وقعودا . خرجه البيهقي . وقال أصحاب مالك : لا بأس به . هكذا في تهذيب المدونة ، قال : ولا حد له . وأما الجمهور ، فأدنى الكمال عندهم ثلاث تسبيحات ، وتجزئ واحدة . وروي عن الحسن وإبراهيم أن المجزئ ثلاث . وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال ، كما تأول الشافعي وغيره حديث ابن مسعود المرفوع الذي فيه : وذلك أدناه على أدنى الكمال . وروي عن عمر ، أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات . وعن الحسن ، قال : التام من ذلك قدر سبع تسبيحات . وعنه ، قال : سبع أفضل من ثلاث ، وخمس وسط بين ذلك . وكذا قال إسحاق : يسبح من ثلاث إلى سبع . وقالت طائفة ، يستحب للإمام أن يسبح خمسا ليدرك من خلفه ثلاثا ، هكذا قال ابن المبارك وسفيان الثوري وإسحاق وبعض أصحابنا . ومنهم من قال : يسبح من خمس إلى عشر . وقال بعض أصحابنا : يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود ، ولا يكره للمنفرد ؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة . ولأصحابنا وجه : أنه لا يزيد على ثلاث . وذكر القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية : أن الإمام المولى إقامة الحج بالناس ليس له أن ينفر في النفر الأول ، بل عليه أن يلبث بمنى ، وينفر في اليوم الثالث ؛ ليستكمل الناس مناسكهم . وقال أصحاب الشافعي : لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات - ومنهم من قال : خمس - إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ، ويكونون محصورين لا يزيدون . وهذا خلاف نص الشافعي في الإمام ، فإنه نص على أنه يسبح ثلاثا ، ويقول مع ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي الذي سبق ذكره . قال : وكل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه ، إماما كان أو منفردا ، وهو تخفيف لا تثقيل . واختلف أصحابنا في [ ] الكمال في التسبيح : هل هو عشر تسبيحات ، أو سبع ؟ ولهم وجهان آخران في حق المنفرد : أحدهما : يسبح بقدر قيامه . والثاني : ما لم يخف سهوا . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس ، قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى - يعني : عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات . ولو لم يسبح في ركوعه ولا سجوده ، فقال أكثر الفقهاء : تجزئ صلاته ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وغيرهم . وقال أحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق : إن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن تركه سهوا وجب عليه أن يجبره بسجدتي السهو . وقالت طائفة : هو فرض لا يسقط في عمد ولا سهو ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول داود ، ورجحه الخطابي ، وقد روى الحسن والنخعي ما يدل عليه ، وهو قول يحيى بن يحيى ، وعلي بن دينار من أئمة المالكية . قال القرطبي : وقد تأوله المتأخرون بتأويلات بعيدة . ويستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة : إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . وكذلك سمى الله الصلاة تسبيحا ، كما سماها قرآنا ، فدل على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح . وعلى القول بالوجوب ، فقال أصحابنا : الواجب في الركوع : سبحان ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، لا يجزئ غير ذلك ، لحديث ابن مسعود وعقبة ، وقد سبقا . وقال إسحاق : يجزئ كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تسبيح وذكر ودعاء وثناء . وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات والتشهدات الواردة في الصلاة . وفي المسند وغيره ، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام ذات ليلة بآية يرددها ، بها يقوم ، وبها يركع ، وبها يسجد . والآية : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال أصحاب الشافعي : يستحب أن يأتي بالتسبيح ، ثم يقول بعده : اللهم ، لك ركعت إلى آخره . كما رواه علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قالوا : فإن أراد الاقتصار على أحدهما ، فالتسبيح أفضل . قال بعضهم : والجمع بين التسبيح ثلاثا ، وهذا الذكر أفضل من الاقتصار على التسبيح ، وزيادته على الثلاث . وأما الدعاء في الركوع ، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه ، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا ، وهو قول أكثر العلماء . وروي عن ابن مسعود . وقال مالك : يكره الدعاء في الركوع دون السجود ، واستدل بحديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما الركوع ، فعظموا فيه الرب ، وأما السجود ، فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم . خرجه مسلم . وروي عن أحمد رواية ، أنه قال : لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة . قال بعض أصحابنا : وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه التسبيح عن أدنى الكمال ، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء . وفيه - أيضا - عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوده : اللهم اغفر ذنبي كله ، دقه وجله ، أوله وآخره ، وعلانيته وسره . وخرج النسائي من حديث ابن عباس ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا - وذكر الحديث بطوله . وخرجه مسلم ، وعنده : أنه قال في صلاته ، أو في سجوده ، بالشك . وفي المسند عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت . وفيه : عنها - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : رب أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها .
122 - باب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة 793 - حدثنا مسدد ، نا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل ، فصلى ثم جاء ، فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل - ثلاثا - فقال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره ، فعلمني . قال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها . استدل بعضهم بهذا الحديث على أن من دخل المسجد وفيه قوم جلوس ، فإنه يبدأ فيصلي تحية المسجد ، ثم يسلم على من فيه ، فيبدأ بتحية المسجد قبل تحية الناس . وفي هذا نظر ، وهذه واقعة عين ، فيحتمل أنه لما دخل المسجد صلى في مؤخره قريبا من الباب ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدر المسجد ، فلم يكن قد مر عليهم قبل صلاته ، أو أنه لما دخل المسجد مشى إلى قريب من قبلة المسجد ، بالبعد من الجالسين في المسجد ، فصلى فيه ، ثم انصرف إلى الناس . يدل على ذلك : أنه روي في هذا الحديث : أن رجلا دخل المسجد ، فصلى ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناحية المسجد ، فجاء فسلم - وذكر الحديث خرجه ابن ماجه . فأما من دخل المسجد فمر على قوم فيه ، فإنه يسلم عليهم ثم يصلي . وفيه : دليل على أن من قام عن قوم لحاجته ، ثم عاد إليهم ، فإنه يسلم عليهم وإن لم يكن قد غاب عنهم . وفيه : دليل على أن من أساء في الصلاة فإنه يؤمر بإحسان صلاته مجملا ، حتى يتبين أنه جاهل ، فيعلم ما جهله . وفيه : دليل على أن من أساء في صلاة تطوع فإنه يؤمر بإعادتها . وهذا مما يتعلق به من يقول بلزوم النوافل بالشروع ، ووجوب إعادتها إذا أفسدها . ومن خالف في ذلك حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب ، وأن الأمر بالإعادة كان تغليظا على هذا المسيء في صلاته ؛ لأن ذلك أزجر له عن الإساءة ، وأقرب إلى عدم عوده إليها . وقد ذكرنا - فيما تقدم - الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التكبير والقراءة . والمقصود منه في هذا الباب : وجوب إتمام الركوع والطمأنينة فيه ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يركع حتى يطمئن راكعا . وقد أشار البخاري إلى أنه إنما أمر بالإعادة ؛ لأنه لم يتم الركوع ، وليس في سياق هذا الحديث ما يدل على ذلك . ولكن ؛ روي في حديث رفاعة بن رافع : أن الداخل إلى المسجد صلى وأخف صلاته . خرجه الترمذي وغيره . وخرجه النسائي ، وعنده : فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمق صلاته ، ولا يدرى ما يعيب منها . وقد قيل : إن المذكور في حديث رفاعة غير المذكور في حديث أبي هريرة ؛ لأن في حديث رفاعة تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض مستحبات الصلاة ؛ كالاستفتاح وغيره ، بخلاف حديث أبي هريرة ؛ فإنه ليس فيه غير تعليم فرائض الصلاة . وأكثر أهل العلم على أن إتمام الركوع بالطمأنينة فرض ، لا تصح الصلاة بدون ذلك . قال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم ؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود . وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة ؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود . وهذا الحديث الذي أشار إليه خرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي مسعود الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الترمذي : حسن صحيح . ولفظ أبي داود : لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود . وإقامة الظهر في الركوع والسجود : هو سكونه من حركته . وقدر الطمأنينة المفروضة : أدنى سكون بين حركتي الخفض والرفع عند أصحاب الشافعي ، وأحد الوجهين لأصحابنا . والثاني لأصحابنا : أنها مقدرة بقدر تسبيحة واحدة . وذهب أبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست فرضا في ركوع ولا غيره ، لظاهر قوله : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وللجمهور : أن الأمر بالركوع والسجود مطلق ، وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينه بفعله وأمره ، فرجع إلى بيانه في ذلك كما رجع إلى بيانه في عدد السجود وعدد الركعات ، ونحو ذلك .
53 - باب إِثْم مَنْ رَفَعَ رَأَسَهَ قَبْلَ الإمَامِ 691 - حَدَّثَنَا حجاج بن منهال ، ثنا شعبة ، عَن مُحَمَّد بن زياد ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( أما يخشى أحدكم - أو ألا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قَبْلَ الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار - أو يجعل صورته صورة حمار - ؟ ) . قَالَ الحافظ أبو موسى المديني : اتفق الأئمة عَلَى ثبوت هَذَا الحَدِيْث من هَذَا الطريق ؛ رواه عَن مُحَمَّد بن زياد قريب من خمسين نفساً ، وبعضهم يَقُول : ( صورته ) ، وبعضهم يَقُول : ( وجهه ) ، ومنهم من قَالَ : ( رأس كلب أو خنزير ) ، وتابع مُحَمَّد بن زياد جماعة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . انتهى . وفيه : دليل صريح عَلَى تحريم تعمد رفع المأموم رأسه قَبْلَ الإمام فِي ركوعه وسجوده ؛ فإنه توعد عَلِيهِ بالمسخ ، وَهُوَ من أشد العقوبات . وإنما اختص الحمار بالذكر دون سائر الحيوانات عَلَى الرواية الصحيحة المشهورة - والله أعلم - ؛ لأن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها ، وبه يضرب المثل فِي الجهل ؛ ولهذا مثل الله بِهِ عالم السوء الذي يحمل العلم ولا ينتفع بِهِ فِي قوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فكذلك المتعبد بالجهل يشبه الحمار ، فإن الحمار يحرك رأسه ويرفعه ويخفضه لغير معنى ، فشبه من يرفع رأسه قَبْلَ إمامه بالحمار ، وكذلك شبه من يتكلم وإمامه يخطب بالحمار يحمل أسفاراً ؛ لأنه لَمْ ينتفع بسماع الذكر ، فصار كالحمار فِي المعنى . والله أعلم . وقد اختلف العلماء فيمن تعمد رفع رأسه قَبْلَ إمامه فِي ركوعه أو سجوده : هَلْ تبطل بذلك صلاته ، أم لا ؟ وفيه وجهان لأصحابنا ، وأكثرهم عَلَى البطلان ، وروي عَن ابن عُمَر . وَقَالَ القاضي أبو يعلى : لا تبطل بذلك ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر الفقهاء . فعلى هَذَا ، فهل يؤمر أن يعود إلى ركوعه وسجوده ليرفع بعد إمامه ، أم لا ؟ قَالَ بعض المتأخرين من أصحابنا وبعض أصْحَاب الشَّافِعِيّ : لا يؤمر بذلك ، ومتى عاد بطلت صلاته لأنه يصير قَدْ زاد فِي صلاته ركناً عمداً . وقد رَوَى مَالِك فِي ( الموطأ ) أن السنة فِي الساهي إذا رفع رأسه قَبْلَ إمامه أن يعود ، ولا يقف ينتظره ، فذلك خطأ ممن فعله . ومفهومه : أن العامد ليس كذلك . وأكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم يقتضي أَنَّهُ يلزمه أن يعود لرفع بعد إمامه . وقد بسطنا القول عَلَى هَذَا فِي الباب الماضي ، فلا حاجة إلى إعادته .
120 ، 121 - باب استواء الظهر في الركوع وقال أبو حميد - في أصحابه - : ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم هصر ظهره . وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه ، والاطمأنينة . حديث أبي حميد وأصحابه ، قد خرجه البخاري بتمامه ، ويأتي فيما بعد - إن شاء الله - ولفظ حديثه : وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره . ومعنى : هصر ظهره : ثناه وأماله . ويقال : الهصر عطف الشيء الرطب ، كالغصن إذا ثناه ولم يكسره ، فشبه إمالة الظهر وانحناءه في الركوع بذلك . ويظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال ، وكذا قال الخطابي ، قال : هصر ظهره : أي ثناه ثنيا شديدا في استواء من رقبته ومتن ظهره لا يقوسه ، ولا يتحادب فيه . والطمأنينة : مصدر . والاطمأنينة : المرة الواحدة منه . وقيل : إن الاطمأنينة غلط .
قال - رحمه الله - : 792 - نا بدل بن المحبر ، نا شعبة ، أخبرني الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان ركوع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء . معنى هذا : أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت متقاربة في مقدارها ، فكان ركوعه ورفعه من ركوعه وسجوده ورفعه من سجوده قريبا من الاستواء في مقداره ، وإنما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد . ومقصوده بهذا الحديث في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث في ركوعه زمنا ، فيحصل بذلك طمأنينته فيه واعتداله . وقد تقدم في تفسير هصر ظهره أنه استواؤه . وقد روي هذا المعنى صريحا من حديث البراء ، من رواية سنان بن هارون ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع فلو أن إنسانا وضع على ظهره قدحا من الماء ما اهراق . وسنان ، ضعيف . وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد ، أنه وجده في كتاب أبيه ، قال : أخبرت عن سنان بن هارون : ثنا بيان ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي بن أبي طالب - فذكره . وخرجه أبو داود في مراسيله من طريق شعبة ، عن أبي فروة ، عن ابن أبي ليلى - مرسلا وهو أصح . وقد خرج ابن ماجه معناه من حديث وابصة بن معبد . وإسناده ضعيف جدا . وخرج الطبراني معناه - أيضا - من حديث أنس . وخرجه البزار من رواية وائل بن حجر . وإسناده ضعيف - أيضا .
خرج البخاري فِي هَذَا الباب حديثين : الحَدِيْث الأول : 692 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن المنذر ، ثنا أَنَس بن عياض ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قَبْلَ مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآنا . وخرجه أبو داود من طريق ابن نمير ، عَن عُبَيْدِ الله ، وزاد : فيهم عُمَر بن الخَطَّاب وأبو سَلَمَة بن عَبْد الأسد . وخرجه البخاري فِي ( الأحكام ) من ( صحيحه ) هَذَا من طريق ابن جُرَيْج ، عَن نَافِع ، أخبره أن ابن عُمَر أخبره ، قَالَ : كَانَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فِي مسجد قباء ، فيهم : أبو بَكْر وعمر وأبو سَلَمَة وزيد وعامر بن رَبِيعَة . والمراد بهذا : أَنَّهُ كَانَ يؤمهم بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك قَالَ : ( فِي مسجد قباء ) ، ومسجد قباء إنما أسسه النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ، فلذلك ذكر منهم : أَبَا بَكْر ، وأبو بَكْر إنما هاجر مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فِي هذه الرواية : ( قَبْلَ مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ) كما فِي الرواية الَّتِيْ خرجها البخاري هاهنا فِي هَذَا الباب ، فليس فِي هَذَا الحَدِيْث إشكال كما توهمه بعضهم . وإمامة سَالِم للمهاجرين بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فِي مسجد فِي حكم المرفوع ؛ لأن مثل هَذَا لا يخفى بل يشتهر ويبلغ النبي صلى الله عليه وسلم . والظاهر : أن سالماً لَمْ يعتق إلا بقدومه المدينة ؛ فإنه عتيق لامرأة من الأنصار ، أعتقته سائبة وأذنت لَهُ أن يوالي من شاء ، فوالى أَبَا حذيفة وتبناه . والعصبة : قَالَ صاحب ( معجم البلدان ) : هُوَ بتحريك الصاد عَلَى وزن همزة ، وَهُوَ حصن ، قَالَ : ويروى المعصب .
الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار ، ثنا يَحْيَى ، ثنا شعبة ، حَدَّثَنِي أبو التياح ، عَن أَنَس بن مَالِك ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل حبشي ، كأن رأسه زبيبة ) . الأمر بطاعة الحبشي يدخل فِيهِ الصلاة خلفه إذا استعمل عَلَى النَّاس ، وقد استدل بذلك الإمام أحمد ، أَيْضاً . وقد قيل : إن هَذَا من بَاب ضرب المثل لطاعة الأمراء عَلَى كل حال ، كقوله : ( من بنى مسجداً ، ولو كمفحص قطاة ) ، مَعَ أَنَّهُ لا يكون المسجد كذلك ، فكذلك العبد الحبشي لا يكون إماماً ؛ فإن الأئمة من قريش . وقيل : بل المراد أن الأئمة من قريش إذا ولت عبداً حبشياًً أطيع ، وقد روي ذَلِكَ من حَدِيْث عَلِيّ مرفوعاً وموقوفاً : ( إن أمرت عليكم قريش عبداً حبشياً فاسمعوا لَهُ وأطيعوا ) . وهذا أشبه : وقد استدل أبو ذر بهذا الحَدِيْث عَلَى الصلاة خلف العبيد إذا استعملهم الأئمة ، فروى عَبْد الله بن الصَّامِت ، عَن أَبِي ذر ، أَنَّهُ انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة ، فإذا عَبْد يؤمهم ، قَالَ : فَقِيلَ : هَذَا أبو ذر ، فذهب يتأخر ، فَقَالَ أبو ذر : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أسمع وأطيع ، ولو كَانَ عبداً حبشياً مجدع الأطراف . وفي رِوَايَة : فإذا عَبْد يصلي بهم ، فقالوا لأبي ذر : تقدم ، فأبى ، فتقدم العبد فصلى بهم ، ثُمَّ ذكر الحَدِيْث . وقد خرج مُسْلِم مِنْهُ المرفوع .
54 - باب إمَامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى وكانت عَائِشَة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف . وَوَلدَ البَغيِّ والأعرابي والغلام الَّذِي لَمْ يحتلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله ) . ولا يمنع العبد من الجماعة بغير علةٍ أشار البخاري - رحمه الله - بهذا التبويب إلى مسائل : إحداها : إمامة العبد والمولى . ومراده بالعبد : الرقيق القن ، وبالمولى : العتيق ، الَّذِي عَلِيهِ ولاء لمعتقه . وما ذكره من إمامة ذكوان لعائشة ، فروى وكيع ، عَن هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن أَبِي بَكْر بن أَبِي مليكة ، أن عَائِشَة أعتقت غلاماً لها عَن دبرٍ ، فكان يؤمها فِي المصحف فِي رمضان . ففي هذه الرواية : أَنَّهُ كَانَ مدبراً . وقد روي من غير وجه ، عَن عَائِشَة ، أنها صلت خلف مملوك . وروى أيوب ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن عَائِشَة ، أَنَّهُ كَانَ يؤمها عَبْد لها فِي المصحف . خرجه الأثرم . ورواه عَبْد الرحمن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه أَيْضاً . وذكر الإمام أحمد ، أَنَّهُ أصح من حَدِيْث ابن أَبِي مليكة ؛ لأن هِشَام بن عُرْوَةَ لَمْ يسمعه من ابن أَبِي مليكة ، إنما بلغه عَنْهُ . قَالَ أحمد : أبو معاوية ، عَن هِشَام ، قَالَ : نبئت عَن ابن أَبِي مليكة ، فذكره . قُلتُ : رواه شعيب بن أَبِي حَمْزَة ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، لَمْ يذكر ابن أَبِي مليكة . خرجه البيهقي . وكذا رواه مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن هِشَام ، عَن أَبِيه . وروى أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) : حَدَّثَنَا حماد بن سَلَمَة ، عَن ابن أَبِي مليكة ، أن عَائِشَة كَانَ يدخل عَلَيْهَا أشراف قريش ، فيؤمهم غلامها ذكوان . والظاهر : أن حماد بن سلمة إنما رواه عَن هِشَام ، عَن ابن أَبِي مليكة . ورواه الشَّافِعِيّ عَن عَبْد المجيد بن أَبِي رواد ، عَن ابن جُرَيْج : أخبرني ابن أَبِي مليكة ، أنهم كانوا يأتون عَائِشَة ، أم المُؤْمِنيِن بأعلى الوادي - هُوَ وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير - فيؤمهم أبو عَمْرِو مَوْلَى عَائِشَة ، وأبو عَمْرِو غلامها حينئذ لَمْ يعتق ، وكان إمام بني مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر وعروة . قَالَ أبو نعيم : وحدثنا زهير ، عَن داود بن أَبِي هند ، حَدَّثَنِي أبو نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد مَوْلَى أَبِي أسيد الأنصاري ، قَالَ : أتاني نفر من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم : أبو ذر وحذيفة وابن مَسْعُود ، فحضرت الصلاة ، فقدموني وأنا مملوك ، فصليت بهم . قَالَ : وحدثنا حسن الحسنائي ، ثنا زياد النميري ، قَالَ : سألت أَنَس بن مَالِك ، فَقُلْت : العبد ليس بدينه بأس ، يؤم القوم ؟ قَالَ : وما بأس بذلك . وفي ( صحيح مُسْلِم ) أن عُمَر بن الخَطَّاب قَالَ لنافع بن عَبْد الحارث - وكان عُمَر استخلفه عَلَى مكة - : من استخلفت عَلَى أهل الوادي ؟ قَالَ : ابن أبزى مَوْلَى لنا ، فَقَالَ عُمَر : استخلفت عليهم مَوْلَى ؟ قَالَ : يَا أمير المُؤْمِنيِن ، إنه قارئ لكتاب الله ، عالم بالفرائض ، فَقَالَ عُمَر : أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع بِهِ آخرين ) . وممن رخص فِي إمامة العبد : الشعبي والنخعي والحسن والحكم والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق . وكره إمامة العبد جماعة ، منهم : أبو مجلز . وَقَالَ الضحاك : لا يؤم العبد القوم وفيهم حر . وَقَالَ مَالِك : لا يؤمهم ، إلا أن يكون العبد قارئاً ومن خلفه أعراب لا يقرأون . وفي ( تهذيب المدونة ) : لا يؤم العبد فِي الحضر فِي مساجد القبائل ، وجائز أن يؤم فِي قيام رمضان وفي الفرائض فِي السفر ، إن كَانَ أقرأهم ، من غير أن يتخذ إماماً راتباً . وَقَالَ أصحابنا : لا تكره إمامة العبد ، والحر أولى مِنْهُ . المسألة الثانية : إمامة ولد البغي - وَهُوَ ولد الزنا . وقد اختلف فِي إمامته : فرخص فيها طائفة ، منهم : عَطَاء والحسن والشعبي والنخعي والزهري وسليمان بن موسى وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق . ومنهم من شرط سلامة دينه ، وَهُوَ قَوْلِ أحمد . وكره ذَلِكَ آخرون ، منهم : مُجَاهِد . وروي عَن عُمَر بن عَبْد العزيز ، أَنَّهُ نهى رجلاً كَانَ يؤم بالعقيق لا يعرف لَهُ أب . وَقَالَ مَالِك : أكره أن يتخذ إماماً راتباً . وَقَالَ أبو حنيفة : غيره أحب إلينا مِنْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أكره أن ينصب إماماً من لا يعرف أبوه ، ومن صلى خلفه أجزأه . وهؤلاء جعلوا النسب معتبراً فِي إمامة الصلاة ، فيكره أن يرتب للإمامة من لا نسب لَهُ ، كما يعتبر فِي الإمامة العظمى ، فلا يصح أن ينصب إماماً من لا نسب لَهُ . وفي هَذَا نظر ؛ فإن أكثرهم رخصوا فِي إمامة العبد والمولى ، مَعَ أَنَّهُ لا نسب لهما فِي العرب . المسأله الثالثة : إمامة الأعرابي ، وَهُوَ من لَمْ يهاجر إلى الأمصار من أهل البوادي . وقد اختلف فِي إمامة الأعرابي : فَقَالَتْ طائفة : لا بأس بِهَا إذا أقام الصلاة . وعنه ، قَالَ : العبد إذا فقه أحب إلي مِنْهُ . ورخص فِيهِ الثوري والشافعي وأحمد - فِي المشهور عَنْهُ - وإسحاق . وروى وكيع فِي ( كتابه ) عَن شريك ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، عَن رَجُل من طيئ ، أن ابن مَسْعُود حج ، فصلى خلف أعرابي . وكره الائتمام بالأعرابي طائفة ، منهم : أبو مجلز والشعبي والحسن وعطاء ومالك ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد . وروى وكيع ، عَن الربيع بن صبيح ، عَن ابن سيرين ، قَالَ : خرجنا مَعَ عُبَيْدِ الله بن معمر ، ومعنا حميد بن عَبْد الرحمن وأناس من وجوه الفقهاء ، فمررنا بماء فحضرت الصلاة ، فأذن أعرابي وأقام ، قَالَ : فتقدم حميد بن عَبْد الرحمن ، قَالَ : من كَانَ من أهل البلد فليتم الصلاة ، وكره أن يؤم الأعرابي . وهذا يدل عَلَى أنهم رأوا أن من كَانَ أولى بالإمامة فإنه يقدم عَلَى الإمام الراتب بغير إذنه ، وقد سبق الكلام عَلِيهِ . وَقَالَ مَالِك : الأعرابي لا يؤمهم وإن كَانَ أقرأهم . وَقَالَ أحمد : لا يؤم الحضري ، ولا فِي المصر ، إلا أن يكون قَدْ علم وعرفه . وَقَالَ - أَيْضاً - : إذا كَانَ قَدْ تعلم القرآن ودخل القرآن ، ولم يكن جافياً . وروى أشعث ، عَن الْحَسَن فِي مهاجري صلى خلف أعرابي ؟ قَالَ : إذا صلى أعاد تلك الصلاة . وقد خرج ابن ماجه من حَدِيْث جابر مرفوعاً : ( لا يؤم أعرابي مهاجراً ) - فِي حَدِيْث طويل ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى . المسألة الرابعة : إمامة الغلام الَّذِي لَمْ يحتلم . وفيها أقوال : أحدها : أنها جائزة فِي الفرض وغيره ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وإسحاق وأبي ثور . وخرجه طائفة من أصحابنا رِوَايَة عَن الإمام أحمد من صحة اقتداء المفترض بالمتنفل ، عَلَى رِوَايَة عَنْهُ ، وفيه نظر ؛ فإن المتنفل أهل للإمامة فِي الجملة بخلاف الصبي . وحكاه ابن المنذر عَن الْحَسَن . وروى حرب بإسناده ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : لَمْ يزل الغلمان يصلون بالناس إذا عقلوا الصلاة وقرأوا فِي رمضان ، وإن لَمْ يحتلموا . وروى أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن ابن جريج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : لا بأس أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم . وروى وكيع بإسناده ، عَن الأشعث بن قيس ، أَنَّهُ قدم غلاماً ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : إني لَمْ أقدمه ، إنما قدمت القرآن . ولعل الغلام هاهنا أريد بِهِ العبد ، لا الصبي . والقول الثاني : أَنَّهُ لا يؤم الصبي حَتَّى يحتلم ، روي ذَلِكَ عَن ابن عَبَّاس ، خرجه عَنْهُ بإسناد فِيهِ مقال . وخرجه الأثرم - أَيْضاً - بإسناد منقطع عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : لا يصلي خلف الغلام حَتَّى تجب عَلِيهِ الحدود . وَقَالَ النخعي : كانوا يكرهون أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم . قَالَ ابن المنذر : كره إمامة من لَمْ يبلغ : عَطَاء والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي . وقد روينا عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : لا يؤم الغلام حَتَّى يحتلم . وكرهه - أَيْضاً - الضحاك . والقول الثالث : يؤمهم فِي النفل دون الفرض ، روي ذَلِكَ عَن الْحَسَن ، ذكره وكيع ، عَن الربيع بن صبيح ، عَنْهُ ، قَالَ : لا بأس أن يؤمهم فِي رمضان إذا أحسن الصلاة قَبْلَ أن يحتلم ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد . والقول الرابع : حكاه ابن المنذر عَن الأوزاعي ، قَالَ : لا يؤم الغلام فِي الصلاة المكتوبة حَتَّى يحتلم ، إلا أن يكون ليس معهم من القرآن شيء ، فإنه يؤمهم المراهق . وعن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : إن اضطروا إليه أمهم . وقد أومأ أحمد إلى هَذَا القول ؛ فإنه قَالَ فِي رِوَايَة أَبِي طالب : لا يصلي بهم حَتَّى يحتلم ، لا فِي المكتوبة ولا فِي التطوع ، قيل لَهُ : فحديث عَمْرِو بن سَلَمَة ، أليس أم بهم وَهُوَ غلام ؟ فَقَالَ : لعله لَمْ يكن يحسن يقرأ غيره . ونقل عَنْهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة ، قَالَ : كَانَ هَذَا فِي أول الإسلام من ضرورة ، فأما اليوم فلا . وكذلك نقل عَنْهُ أبو داود ، قَالَ : لعله كَانَ فِي بدء الإسلام . وهذا يشير إلى نسخ حكمه بالكلية . ومن أصحابنا من أجاز إمامته فِي قيام رمضان ، إذا لَمْ يوجد قارئ غيره ؛ فإن أحمد أجاز إمامة المرأة فِي ذَلِكَ ، والغلام أولى ، وفيه نظر - أَيْضاً - ؛ فإن المرأة من أهل التكليف ووجوب الصلاة ، بخلاف الصبي . ولهذا اختلف أصحابنا فِي إمامة الغلام إذا بلغ عَشَرَ سنين ، وقلنا : تجب الصلاة عَلِيهِ ، كما هُوَ رِوَايَة عَن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه ، منهم : أبو بَكْر عَبْد العزيز وأبو الحسن التميمي وأبو الْحَسَن الجزري وأبو حفص البرمكي ، وحكي عَن ابن حامد - أَيْضاً . فاختلفوا : هَلْ يصح أن يؤم فِي الصلاة المفروضة حينئذٍ ، أم لا ؟ عَلَى وجهين : أحدهما : أَنَّهُ لا يؤم فيها - أَيْضاً - قاله أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلى والأكثرون ، والثاني : يصح ، قاله أبو الخَطَّاب . قَالَ القاضي وأصحابه : إذا قلنا : لا يصح أن يؤم فِي فرض فلا فرق بَيْن فروض الأعيان وفروض الكفايات كالجنائز . وقد استدل البخاري لصحة إمامة العبد والمولى وولد الزنا والأعرابي والصبي بعموم قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله ) . وقد خرجه فِي موضع آخر مسنداً من حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة ، عَن أَبِيه ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الأنصاري ، وقد سبق . وقد استدل بِهِ بنو جرم فِي عهد النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى إمامة الصبي ، حَتَّى قدموا عَمْرِو بن سَلَمَة أخذاً بعمومه . وقد أجاب بعضهم بأنه لَمْ ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه ذَلِكَ وأقر عَلِيهِ . وهذا يرجع إلى أن مَا عمل فِي زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أَنَّهُ بلغه ، فهل يكون حجة ، أم لا ؟ وفيه اخْتِلاَف مشهور . والمخالف فِي ذَلِكَ يَقُول : عموم هَذَا الحَدِيْث لا بد من تخصيصه ؛ فإن المرأة لَوْ كَانَتْ أقرأ القوم لَمْ تؤمهم مَعَ وجود قارئ غيرها إجماعاً ، وعند عدمه - أَيْضاً - عِنْدَ الأكثرين ، فلذلك نخص مِنْهُ الصبي ؛ لأنه ليس من أهل التكليف ، والكلام إنما توجه إلى من يدخل تَحْت التكليف ، فيتوجه إليه الخطاب . والله سبحانه وتعالى أعلم . المسألة الخامسة : قَالَ : لا يمنع العبد من الجماعة بغير علة . هَذَا يدل عَلَى أن البخاري يرى وجوب الصلاة فِي الجماعة عَلَى المملوك ، وأن سيده لا يجوز لَهُ منعه مِنْهَا . وَهُوَ - أَيْضاً - ظاهر كلام أحمد . قَالَ إِسْحَاق بن هانئ : سألت أَبَا عَبْد الله عَن العبد يرسله مولاه فِي حاجته ، فتحضر الصلاة : فيصلي ، ثُمَّ يقضي حاجة مولاه ، أو يقضي حاجة مولاه ثُمَّ يصلي ؟ ولعله إن قضى حاجة مولاه لا يجد مسجداً يصلي فِيهِ ؟ فَقَالَ أبو عَبْد الله : إذا علم أَنَّهُ إن قضى حاجة مولاه أصاب مسجداً يصلي فِيهِ قضى حاجة مولاه ، وإن علم أَنَّهُ لا يجد مسجداً يصلي فِيهِ صلى ، ثُمَّ قضى حاجة مولاه . وَقَالَ صالح ابن الإمام أحمد : سألت أَبِي عَن العبد يأمره مواليه بالحاجة ، وتحضر الصلاة ؟ قَالَ : إن وجد مسجداً يصلي فِيهِ قضى حاجة مواليه ، وإن صلى فلا بأس . ومن المتأخرين من أصحابنا من قَالَ : يتخرج وجوب الجماعة عَلَى العبد عَلَى وجوب الجمعة عَلِيهِ ، وفيه روايتان عَن أحمد ، فلذلك يخرج فِي وجوب الجماعة . ومنهم من قَالَ : لا تجب الجماعة عَلَى العبد بحال ، لتكررها كل يوم وليلة بخلاف الجمعة . وممن قَالَ : لا تجب الجماعة عَلَى العبد من أصحابنا : القاضي أبو يعلى فِي ( خلافه ) وأبو الفتح الحلواني . وروي عَن الْحَسَن مَا يدل عَلَى مثله ، فروى أبو بَكْر الخلال بإسناده ، عَن مهدي بن ميمون ، قَالَ : سألت الْحَسَن عَن عَبْد مملوك تحضره الصلاة ، فيحب أن يصليها فيرسله مولاه فِي بعض الحاجة ، فبأي ذَلِكَ يبدأ ؟ قَالَ : يبدأ بحاجة مولاه .
119 - باب إذا لم يتم الركوع 791 - حدثنا حفص بن عمر ، نا شعبة ، عن سليمان ، قال : سمعت زيد بن وهب ، قال : رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع والسجود . قال : ما صليت ، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا صلى الله عليه وسلم عليها . سليمان ، هو : الأعمش . وقد روي هذا الحديث من رواية عثمان بن الأسود ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وإسناده لا يصح . والصحيح : أنه من قول حذيفة ، لكنه في حكم المرفوع ؛ بذكره فطرة محمد صلى الله عليه وسلم . والمراد بفطرة محمد شرعه ودينه ، ولذلك عاد الضمير في قوله : عليه بلفظ التذكير ، وفي بعض النسخ : عليها ولا إشكال على ذلك . وخرج الطبراني من رواية بيان ، عن قيس ، عن بلال ، أنه أبصر رجلا يصلي لا يتم الركوع والسجود ، فقال : لو مات هذا لمات على غير ملة عيسى صلى الله عليه وسلم . وقد روي مرفوعا من وجه آخر بمعناه : خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، ثنا الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن البراء بن عثمان الأنصاري ، أن هانئ بن معاوية الصدفي حدثه ، قال : حججت في زمان عثمان بن عفان ، فجلست في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا رجل يحدثهم ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ، فأقبل رجل إلى هذا العمود ، فعجل قبل أن يتم صلاته ، ثم خرج ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا لو مات لمات وليس هو من الدين على شيء ، إن الرجل ليخفف ويتمها . فسألت عن الرجل : من هو ؟ فقيل : لعله عثمان بن حنيف الأنصاري . وهذا الإسناد فيه ضعف . وروى الوليد بن مسلم ، أنا شيبة بن الأحنف ، أنه سمع أبا سلام الأسود يحدث عن أبي صالح الأشعري أنه حدثه عن أبي عبد الله الأشعري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى رجل يصلي ، لا يتم ركوعه ولا سجوده ، ينقر صلاته كما ينقر الغراب ، فقال : إن مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده كمثل الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئا ، فأتموا الركوع والسجود ، وويل للأعقاب من النار . قال أبو صالح : فقلت لأبي عبد الله الأشعري : من حدثك بهذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ، كل هؤلاء سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه . وخرجه الطبراني ، وزاد فيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو مات على حالته هذه مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم . وخرج ابن ماجه من هذا الحديث : ويل للأعقاب من النار فقط . وقد دلت هذه الأحاديث على أن إتمام الركوع والسجود في الصلاة واجب ، وأن تركة محرم ، ولولا ذلك لم يكن تاركه خارجا من الدين ، بل هو يدل على أن تاركه تارك للصلاة ، فإنه لا يخرج من الدين بدون ترك الصلاة ، كما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة . وفي رواية : فمن تركها فقد كفر . وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يتم ركوعه ولا سجوده ففي غاية الحسن ، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها ، بما اشتملت عليه من ذكر الله ومناجاته وقربه ، فمن أتم صلاته فقد استوفى غذاء قلبه وروحه ، فما دام على ذلك كملت قوته ، ودامت صحته وعافيته ، ومن لم يتم صلاته فلم يستوف قلبه وروحه قوتها وغذاءها ، فجاع قلبه وضعف ، وربما مرض أو مات لفقد غذائه ، كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل تناول غذائه وقوته الملائم له .
118 - باب وضع الأكف على الركب في الركوع وقال أبو حميد في أصحابه : أمكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه من ركبتيه . حديث أبي حميد هذا ، قد خرجه بإسناده ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .
790 - حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن أبي يعفور ، قال : سمعت مصعب بن سعد يقول : صليت إلى جنب أبي ، فطبقت بين كفي ، ثم وضعتهما بين فخذي ، فنهاني أبي ، وقال : كنا نفعله فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . أبو يعفور ، هو : العبدي الكوفي ، اسمه : وقدان . وقيل : واقد ، وهو أبو يعفور الأكبر . وهذا الحديث قد ذكر ابن المديني وغيره أنه غير مرفوع ، ومرادهم : أنه ليس فيه تصريح بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه في حكم المرفوع ، فإن الصحابي إذا قال : أمرنا - أو نهينا - بشيء ، وذكره في معرض الاحتجاج به قوي الظن برفعه ؛ لأنه غالبا إنما يحتج بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه . وقد ورد التصريح برفعه من وجه فيه ضعف ، من رواية عكرمة بن إبراهيم الأزدي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : رأيت أصحاب ابن مسعود يطبقون أيديهم ، ويضعونها بين ركبهم إذا ركعوا ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل الشيء زمانا ، ثم يدعه ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع - أو قال - : أشهد أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع يضع راحتيه على ركبتيه ، ويفرج بين أصابعه . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده . وقال : عكرمة بن إبراهيم ، منكر الحديث . وذكر يحيى بن معين ، أنه قال : ليس فيه شيء . وروى عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، فكبر ورفع يديه ، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه . قال : فبلغ ذلك سعدا ، فقال : صدق أخي ، كنا نفعل هذا ، ثم أمرنا بهذا . يعني : الإمساك على الركبتين . خرجه أبو داود والنسائي والدارقطني . وقال : إسناد صحيح ثابت . وهذه الرواية - أيضا - تدل على رفع الأمر بالإمساك بالركبتين ، لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتطبيق لا يترك بأمر غيره بما يخالفه . وروى أبو عبد الرحمن السلمي قال : قال لنا عمر : إن الركب سنت لكم ، فخذوا بالركب . خرجه الترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . وخرجه النسائي ، ولفظه : قال : قال عمر : إنما السنة الأخذ بالركب . وفي رواية عن أبي عبد الرحمن ، عن عمر ، قال : سنت لكم الركب ، فأمسكوا بالركب . وسماع أبي عبد الرحمن من عمر ، قد أنكره شعبة ويحيى بن معين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة وضع اليدين على الركبتين في الركوع من فعله وأمره ، وليس شيء منها على شرط البخاري . وهذا هو السنة عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وأجمع عليه أئمة الأمصار . وكان ابن مسعود يطبق في ركوعه ، فيجعل أحد كفيه على الآخر ، ويجعلها بين ركبتيه ، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يأمر أصحابه بذلك . وقد خرج حديثه مسلم في صحيحه . وبه أخذ أصحابه ، منهم : علقمة والأسود وأبو عبيدة بن عبد الله . وكان النخعي يذهب إليه ثم رجع إلى ما روي عن عمر - : ذكره الإمام أحمد وغيره . وذكر أكثر العلماء : أن التطبيق كان شرع أولا ، ثم نسخ حكمه ، واستدلوا بحديث سعد وما في معناه . وروى حصين ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن أبي سبرة الجعفي ، قال : قدمت المدينة ، فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله وأركع ، فقال رجل : ما حملك على هذا ؟ قلت : كان عبد الله يفعله ، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . قال : صدق عبد الله ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما صنع الأمر ثم أحدث الله له الأمر الآخر ، فانظر ما أجمع عليه المسلمون فاصنعه . فلما قام كان لا يطبق . وذكره الأثرم - تعليقا - بمعناه ، وعنده فقال لي رجل من المهاجرين - فذكره . وأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة ، ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق . وروى عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن الراكع مخير بين أن يضع يديه على ركبتيه أو يطبق . وذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق ، وإبطال الصلاة به ؛ للنهي عنه كما دل عليه حديث سعد ، منهم : أبو خيثمة زهير بن حرب وأبو إسحاق الجوزجاني . وقال أبو بكر بن أبي شيبة - فيمن طبق ولم يضع يديه على ركبتيه - : أحب إلي أن يعيد . ونقل إسحاق بن منصور ، عن أحمد ، أنه سئل عن قول سفيان : من صلى بالتطبيق يجزئه ؟ فقال أحمد : أرجو أن يجزئه . فقال إسحاق بن راهويه كما قال ، إذا كان به علة . وحمل أبو حفص البرمكي - من أصحابنا - قول أحمد على ما إذا كان به علة ، فإن لم يكن به علة فلا تجزئه صلاته ، إلا أن لا يعلم بالنهي عنه . وتوقف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى . فعلى قول هؤلاء : يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة . وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك ، فإنه روي عن جماعة ، أنهم قالوا : إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع . وممن روي ذلك عنه : سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن سيرين ومجاهد وعطاء ، وقال : هو أدنى ما يجزئ في الركوع .
الحديث الثاني : 789 - نا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، أنه سمع أبا هريرة يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا لك الحمد ، ثم يكبر حين يهوي ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس . قال عبد الله ، عن الليث : ولك الحمد . عبد الله ، هو : أبو صالح كاتب الليث . ومراده : أنه رواه عن الليث . وقال في روايته ربنا ولك الحمد بالواو ، بخلاف رواية يحيى بن بكير عن الليث ، فإنها بإسقاط الواو . وخرجه مسلم من طريق حجين ، عن الليث به ، وقال فيه : بمثل حديث ابن جريج . وخرجه قبل ذلك من طريق ابن جريج ، عن الزهري ، وفي حديثه ولك الحمد بالواو . والمقصود من هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر حين يرفع رأسه ويقوم من السجدة الثانية ، كما كان يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى للجلوس بين السجدتين .
117 - باب التكبير إذا قام من السجود فيه حديثان : الأول : 788 - ثنا موسى بن إسماعيل ، نا همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، قال : صليت خلف شيخ بمكة ، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة ، فقلت لابن عباس : إنه أحمق ، فقال : ثكلتك أمك ، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم . وقال موسى : نا أبان ، نا قتادة ، نا عكرمة . إنما ذكر رواية أبان العطار تعليقا ؛ لأن فيها تصريح قتادة بسماع هذا الحديث من عكرمة ، فأمن بذلك تدليسه فيه . وهذه الصلاة التي صلاها عكرمة خلف هذا الشيخ كانت رباعية ، فإن الصلاة الرباعية تشتمل على أربع ركعات ، في كل ركعة خمس تكبيرات : تكبيرة للركوع ، وتكبيرتان للسجدتين ، وتكبيرة للجلوس بينهما ، وتكبيرة للرفع من السجدة الثانية ، فهذه عشرون تكبيرة في الأربع . وتكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول . فأما صلاة المغرب ، ففيها سبع عشرة تكبيرة ؛ لأنه يسقط منها تكبيرات ركعة كاملة ، وهي خمس تكبيرات . وأما صلاة الفجر ، ففيها إحدى عشرة تكبيرة ، لأن في الركعتين عشر تكبيرات وتكبيرة الإحرام . وهذا كله في حق غير المأموم المسبوق ببعض الصلاة ، فإن المسبوق قد يزيد تكبيرة على ذلك لأجل متابعة إمامه ، كما أنه قد يزيد في صلاته أركانا لا يعتد بها متابعة لإمامه ، ولا سجود عليه لذلك عند الأكثرين ، وفيه خلاف سبق ذكره . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن القائم من السجود إلى الركعة الثانية أو الرابعة يكبر في قيامة .
55 - باب إذا لَمْ يُتمَّ الإمَامُ وََأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ 694 - حَدَّثَنَا الفضل بن سَهْل ، ثنا الْحَسَن بن موسى الأشيب ، ثنا عَبْد الرحمن بن عَبْد الله بن دينار ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطَاء بن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم ) . تفرد البخاري بتخريج هَذَا الحَدِيْث عَن مُسْلِم ، وبتخريج حَدِيْث عَبْد الرحمن بن عَبْد الله بن دينار ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ضعفه ابن معين وغيره ، وَقَالَ عَلِيّ بن المديني : فِي بعض مَا يرويه منكرات لا يتابع عَلَيْهَا ، ويكتب حديثه فِي جملة الضعفاء . وقد خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) من وجه آخر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، من رِوَايَة أَبِي أيوب الأفريقي ، عَن صفوان بن سليم ، عَن ابن المُسَيِّب ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( سيأتي - أو يكون - أقوام يصلون الصلاة ، فإن أتموا فلكم ولهم ، وإن نقصوا فعليهم ولكم ) . وقد روي - أَيْضاً - من رِوَايَة أَبِي صالح السمان والحسن ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ولكن إسنادهما لا يصح . وخرج ابن ماجه والحاكم فِي ( المستدرك ) من حَدِيْث عَبْد الحميد بن سُلَيْمَان ، ثنا أبو حازم ، قَالَ : كَانَ سَهْل بن سعد الساعدي يقدم فتيان قومه يصلون بهم ، فَقِيلَ لَهُ : تفعل هَذَا ولك من القدم مَا لِك ؟ فَقَالَ : إني سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( الإمام ضامن ، فإن أحسن فله ولهم ، وإن أساء ، يعني : فعليه ولا عليهم ) . وقد ذكر هَذَا الحديث الإمام أحمد ، فَقَالَ : مَا سَمِعْت بهذا قط . وهذا يشعر باستنكاره لَهُ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حَدِيْث عقبة بن عامر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من أم النَّاس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ، ومن انتقص من ذَلِكَ شيئاً فعليه ولا عليهم ) . وفي إسناده اخْتِلاَف ، وقد روي مرسلاً . وفي المعنى أحاديث أخر متعددة فِي أسانيدها مقال . وقد استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن من صلى خلف من لا يتم صلاته فأتم صلاته ، فإن صلاته صحيحة ، ودخل فِي هَذَا : من صلى خلف محدث ، يعلم حدث نفسه أو لا يعمله ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ ، ومن صلى خلف إمام يؤخر الصلاة عَن مواقيتها ، وقد سبق الكلام عَلِيهِ - أَيْضاً ومن صلى خلف من ترك ركناً أو شرطاً فِي صلاته متأولاً ، والمأموم يخالف تأويله . وفي صحة صلاته وراءه قولان ، هما روايتان عَن أحمد ، كمن صلى خلف من مس ذكره ، أو احتجم ولم يتوضأ ، ومن صلى خلف من لا يتم ركوعه وسجوده ، وأتمه المأموم أجزأته صلاته ، كذا قَالَ علقمة والأوزاعي . وسئل أحمد عمن قام إمامه قَبْلَ أن يتم تشهده الأول ، فذكر قَوْلِ علقمة ، يعني : أَنَّهُ يتمه ثُمَّ يقوم . وسئل سُفْيَان الثوري عمن صلى خلف من يسرع الركوع والسجود ؟ قَالَ : تمم أنت والحق بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى بن آدم : صليت خلف رَجُل فأعدت صلاتي من سوء صلاته . وَقَالَ أحمد فِي إمام لا يتم ركوعه ولا سجوده : لا صلاة لَهُ ، ولا لمن خلفه ، نقله عَنْهُ أبو طالب . ونقل عَنْهُ ابن الْقَاسِم مَا يدل عَلَى أن من خلفه إذا أتم فلا إعادة عَلِيهِ . وهذا يرجع إلى مَا ذكرنا ؛ فإن من صور هَذَا الاختلاف : من ترك الطمأنينة متأولاً ، وصلى خلفه من يرى وجوب ذَلِكَ واطمأن . وأكثر كلام أحمد يدل عَلَى أَنَّهُ يفرق بَيْن التأويلات الضعيفة المخالفة للسنن الصحيحة فلا يمنع من الصلاة خلف متأولها ، كما نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لا يصلى خلف من يَقُول : الماء من الماء ، ولا من ترك قراءة الفاتحة فِي بعض الركعات عَلَى التأويل ، وأنه يصلى خلف من لا يتوضأ من خروج الدم ، ولا من أكل لحم الإبل ، ولا من مس الذكر ، أو يصلي فِي جلود الثعالب عَلَى التأويل . وسوى أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر وأكثر أصحابنا بَيْن الجميع ، والصحيح التفرقة . ولهذا نَصَّ الشَّافِعِيّ وأحمد عَلَى أَنَّهُ لا يحد الناكح بلا ولي ، ويحد من شرب النبيذ متأولاً ، ونص أحمد عَلَى أن الفرق هُوَ : ضعف التأويل فِي شرب النبيذ خاصة . وَقَالَ سُفْيَان الثوري : لا يصلى خلف من مسح عَلَى رجليه ، ومن صلى خلفه أعاد الصلاة . وَقَالَ شريك : لا يصلى خلفه ، ولا تعاد الصلاة . وقد استدل بالأحاديث المذكورة فِي هَذَا الباب من كره الإمامة ، وقد كره أن يؤم النَّاس جماعة من الصَّحَابَة ، منهم : حذيفة وعقبة بن عامر . وَقَالَ حذيفة : لتبتغن إماماً غيري ، أو لنصلين وحداناً . وسئل أحمد عَن الرَّجُلُ يؤم النَّاس : هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ ثواب ؟ قَالَ : إن كَانَ فِي قرية هُوَ أقرأ القوم ، أو فِي موضع هُوَ أقرؤهم فليتقدمهم . وسئل عَن الرَّجُلُ يكون أقرأ القوم ، فَيقَالَ لَهُ : تقدم ، فيأبى ؟ قَالَ : ينبغي لَهُ أن يتقدم ، يؤم القوم أقرؤهم ، قيل لَهُ : يجب عَلِيهِ ؟ فَقَالَ : ينبغي لَهُ أن يتقدم يؤم القوم ، ولم يقل : يجب عَلِيهِ . وسئل عَن معنى قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإمام ضامن ) ؟ فَقَالَ : هَذَا عَلَى التأكيد عَلَى الإمام . وهذا الحَدِيْث ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي إسناده اخْتِلاَف كثير أشار الترمذي إلى بعضه ، وقد بسطت القول فِيهِ فِي ( شرح الترمذي ) بحمد الله ومنه . رَوَى وكيع فِي ( كتابه ) عَن عَلِيّ بن المبارك ، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير ، قَالَ : حَدَّثَنِي من لا أتهم ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تبادروا الأذان ، ولا تبادروا الإمامة ) . وعن ابن عون ، قَالَ : ذكر عِنْدَ الشَّعْبِيّ أن الإمام ضامن لصلاة القوم ، فَقَالَ : والله إني لأرجو إن أحسن أن يتقبل الله مِنْهُ ، وإن أساء أن يغفر لَهُ .
116- باب إتمام التكبير في السجود فيه حديثان : الأول : 786 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد ، عن غيلان بن جرير ، عن مطرف بن عبد الله ، قال : صليت خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين ، فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم - أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم فيه ما يستدل به على أن نقص التكبير الذي كان معهودا بينهم : هو تركه عند السجود ، وعند القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة . وقد روي عن طائفة من التابعين التكبير للسجود وللنهوض من الركعتين . وهذا يدل على أن هذا هو الذي كان تركه من نقص التكبير ، فأما التكبير للرفع من السجود فإنما ذكر - والله أعلم - تبعا للتكبير للسجود ، ويكون المراد : أنه كان يكبر للهوي إلى السجود ، كما كان يكبر للرفع منه . والله أعلم .
الحديث الثاني : 787 - ثنا عمرو بن عون ، ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن عكرمة ، قال : رأيت رجلا عند المقام كبر في كل خفض ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فأخبرت ابن عباس ، فقال : أوليس تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أم لك ؟! مراده بالخفض : خفض الرأس للركوع والسجود . وبالرفع : رفعه من السجود خاصة . وبالقيام : قيامه من السجود ومن التشهد الأول إلى الركعة الأخرى . وبالوضع : وضع الرأس للسجود . ومقصود البخاري بهذا الباب : إثبات تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - للسجود ، وهو الذي كان قد اشتهر تركه في زمن بني أمية ، كما سبق .
56 - باب إمَامَةِ المَفْتُونِ والمبُتْدَعِ وَقَالَ الْحَسَن : تصلي وعليه بدعته . 695 - وَقَالَ لنا مُحَمَّد بن يوسف : حَدَّثَنَا الأوزاعي ، ثنا الزُّهْرِيّ ، عَن حميد بن عَبْد الرحمن ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن خيار ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَان بن عَفَّانَ ، وَهُوَ محصور ، فَقَالَ : إنك إمام عامة ، ونزل بك مَا ترى ، ويصلي لنا إمام فتنة ، ونتحرج ، فَقَالَ : الصلاة أحسن مَا يعمل النَّاس ، فإذا أحسن النَّاس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم . وَقَالَ الزبيدي : قَالَ الزُّهْرِيّ : لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد مِنْهَا . 696 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن أبان ، ثنا غندر ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن أَبِي التياح ، سَمِعَ أَنَس بن مَالِك يَقُول : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : ( اسمع وأطع ، ولو لحبشي ، كأن رأسه زبيبة ) . مَا ذكره عَن الْحَسَن رواه سَعِيد بن منصور ، ثنا ابن المبارك ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ سئل عَن صاحب البدعة : الصلاة خلفه ؟ قَالَ : صل خلفه ، وعليه بدعته . وخرجه حرب ، عَن سَعِيد بن منصور ، بِهِ . وخرج - أَيْضاً - بإسناده ، عَن جَعْفَر بن برقان ، قَالَ : سألت ميمون بن مهران عَن الصلاة خلف من يذكر أَنَّهُ من الخوارج ؟ فَقَالَ : إنك لا تصلي لَهُ ، إنما تصلي لله ، قَدْ كنا نصلي خلف الحجاج وَهُوَ حروري أزرقي ، فنظرت إليه ، فَقَالَ : أتدري مَا الحروري الأزرقي ، هُوَ الَّذِي إذا خالفت آيةً سماك كافراً ، واستحل دمك ، وكان الحجاج كذلك . وروى أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) : ثنا سُفْيَان ، عَن هِشَام ، عَن ابن سيرين ، قَالَ : كَانَ يكون أمراء عَلَى المدينة ، فسئل ابن عُمَر عَن الصلاة معهم ، فَقَالَ : الصلاة لا أبالي من شاركني فيها . وروى أبو شِهَاب : ثنا يونس بن عُبَيْدِ ، عَن نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر يسلم عَلَى الخشبية والخوارج وهم يقتتلون ، فَقَالَ : من قَالَ : ( حي عَلَى الصلاة ) أجبته ، ومن قَالَ : حي عَلَى الفلاح ، أجبته ، ومن قَالَ : حي عَلَى قتل أخيك الْمُسْلِم وأخذ ماله ، قُلتُ : لا ، خرجه البيهقي . وروى عَن ابن عُمَر من وجوه أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف الحجاج . وذكر البخاري فِي ( تاريخه ) : قَالَ لنا عَبْد الله ، عَن معاوية بن صالح ، عَن عَبْد الكريم البكاء ، قَالَ : أدركت عشرة من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يصلي خلف أئمة الجور . وخرج أبو داود من حَدِيْث مكحول ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الجهاد واجب عليكم مَعَ كل أمير ، براً كَانَ أو فاجراً ، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مُسْلِم ، براً كَانَ أو فاجراً ) . وهذا منقطع ؛ مكحول لَمْ يسمع من أَبِي هُرَيْرَةَ . وقد أنكر أحمد هَذَا ، ولم يره صحيحاً . قَالَ مهنا : سألت أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا أدري مَا هَذَا ، ولا أعرف هَذَا ، مَا ينبغي لنا أن نصلي خلف فاجر ، وأنكر هَذَا الكلام . وَقَالَ يعقوب بن بختان : سئل أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا سمعنا بهذا . وأما الأثر الَّذِي ذكره البخاري عَن عُثْمَان : فرواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عروة ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن الخيار ، عَن عُثْمَان ، فخالف معمر الأوزاعي فِي إسناده . وذكر الدارقطني أن الزبيدي والنعمان بن راشد وأبا أيوب الأفريقي ، رووه ، عن الزهري كما رواه عنه الأوزاعي . وخالفهم شعيب بن أَبِي حَمْزَة وإسحاق بن راشد وعبيد الله بن أَبِي زياد ، فرووه عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي . وكذلك قال عبد الواحد بن زياد وغندر ، عَن معمر . وَقَالَ مُحَمَّد بن ثور : عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي ، لَمْ يذكر بَيْنَهُمَا أحداً . وأرسله حماد بن زيد عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، وتابعه جَعْفَر بن برقان ، عَن الزُّهْرِيّ . قَالَ : وحديث حميد بن عَبْد الرحمن هُوَ المحفوظ ، قَالَ : ولا يدفع حَدِيْث عُرْوَةَ أن يكون الزُّهْرِيّ حفظ عنهما جميعاً . ورواه سعد بن إِبْرَاهِيْم بن عَبْد الرحمن بن عوف ، عَن أَبِيه ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي ، حدث بِهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنْهُ . انتهى . وأما مَا ذكره عَن الزبيدي ، عَن الزُّهْرِيّ ، أَنَّهُ لا يصلى خلف المخنث إلا أن لا يجد مِنْهُ بداً . فالمخنث : هُوَ الَّذِي يتشبه بالنساء فِي هيئته وكلامه . وكلام الزُّهْرِيّ هَذَا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا اضطر إلى الصلاة خلف من يكره صلى وراءه . وَقَالَ مسرور بن مُحَمَّد : قَالَ الأوزاعي : لا تصل خلف قدري ؛ إلا أن تضطر . وَقَالَ بقية بن الوليد : سألت الزبيدي : هَلْ يصلى خلف صاحب بدعة أو مكذب بالقدر ؟ فَقَالَ : إن كَانَ والياً فليس من الأمر فِي شيء ، وأنت فِي عذر ، وإن لَمْ يكن والياً فلا تصل خلفه . وكره آخرون الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور . رَوَى بقية بن الوليد : ثنا حبيب بن عُمَر الأنصاري ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعْت واثلة بن الأسقع يَقُول : لَوْ صليت خلف قدري لأعدت صلاتي . خرجه حرب الكرماني . وخرج - أَيْضاً - من طريق نوح بن جعونة ، ثنا عَبْد الكريم ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : لأن أصلي خلف جيفة حمار أحب إلي من أن أصلي خلف قدري . وفي كلا الإسنادين ضعف . وروى عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلِيّ ، أَنَّهُ أمر بإعادة الصلاة خلف القدري . وكذلك سُفْيَان . وفرقت طائفة بَيْن البدع المغلظة وغيرها . فَقَالَ أبو عُبَيْدِ فيمن صلى خلف الجهمي أو الرافضي : يعيد ، ومن صلى خلف قدري أو مرجئ أو خارجي : لا آمره بالإعادة . وكذلك الإمام أحمد ، قَالَ فِي الصلاة خلف الجهمية : إنها تعاد . والجهمي عنده من يَقُول : القرآن مخلوق ؛ فإنه كافر ، أو يقف ولا يَقُول مخلوق ولا غير مخلوق ، ونص أَنَّهُ تعاد الصلاة خلفه - أَيْضاً وقال : لا يصلى خلف من قَالَ : لفظي بالقرآن مخلوق ، وَهُوَ جهمي . وقال : لا يصلى خلف القدري إذا قَالَ : لا يعلم الشيء حَتَّى يكون ، فهذا كافر ، فإن صلى يعيد . وَقَالَ - أَيْضاً - فِي القدري : إذا كَانَ داعياً مخاصماً تعاد الصلاة خلفه . وهذا محمول عَلَى من لا ينكر منهم العلم القديم . وَقَالَ فِي الخوارج إذا تغلبوا عَلَى بلد : صلي خلفهم . وَقَالَ - مرة - : يصلى خلفهم الجمعة ؛ صلى ابن عُمَر خلف نجدة الحروري . وَقَالَ فِي الرافضي الَّذِي يتناول الصَّحَابَة : لا يصلى خلفه . وَقَالَ فيمن يقدم علياً عَلَى أَبِي بَكْر وعمر : إن كَانَ جاهلاً لا علم لَهُ فصلى خلفه فأرجو أن لا يكون بِهِ بأس ، وإن كَانَ يتخذه ديناً فلا تصل خلفه . وَقَالَ فِي المرجئ - وَهُوَ : من لا يدخل الأعمال فِي الإيمان - : إن كَانَ داعياً فلا يصلى خلفه . وَقَالَ فِي الصلاة خلف أهل الأهواء : إذا كَانَ داعيةً ويخاصم فِي بدعته فلا يصلى خلفه ، وإلا فلا بأس . وهذا محمول عَلَى البدع الَّتِيْ لا يكفر صاحبها ، فأما مَا يكفر صاحبه فتعاد الصلاة خلفه ، كما تقدم عَنْهُ . قَالَ حرب : قُلتُ لأحمد : فتكره الصلاة خلف أهل البدع كلهم ؟ فَقَالَ : إنهم لا يستوون . وأما الصلاة خلف الفساق ، فَقَالَ أحمد - فيمن يسكر - : لا يصلى خلفه ، وفيمن ترك شيئاً من فرائض الإسلام أو تعامل بالربا : لا يصلى خلفه ، ولا خلف من كل بيعه عينة - يعني : نسأة ولا خلف من يكثر كذبه . وسئل عَن الصلاة خلف من يغتاب النَّاس ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ كل من عصى الله لا يصلى خلفه ، متى كَانَ يقوم النَّاس عَلَى هَذَا ؟ وفرق - مرة - بَيْن المستتر والمعلن . قَالَ أحمدبن الْقَاسِم : سئل أحمد عَن الصلاة خلف من لا يرضى ؟ قَالَ : قَدْ اختلف فِيهِ ؛ فإن كَانَ لا يظهر أمره فِي منكر أو فاحشة بينة أو مَا أشبه ذَلِكَ فليصل . وفرق - مرة - بَيْن الصلاة خلف الأمراء وغيرهم . قَالَ الميموني : سَمِعْت أحمد قَالَ : إذا كَانَ الإمام من أئمة الأحياء يسكر فلا أحب أن أصلي خلفه البتة ؛ لأن لِي اختيار الأئمة ، وليس هُوَ والي المُسْلِمِين ؛ لأن ابن عُمَر سئل عَن الصلاة خلف الأمراء ؟ فَقَالَ : إنما هِيَ حسنة ، لا أبالي من شركني فيها . ولهذا المعنى لَمْ يختلف فِي حضور الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر . والمشهور عَنْهُ : إعادتها خلف الفاجر ، فإن كَانَ يكفر ببدعته ففي حضورها مَعَهُ روايتان ، ومع حضورها يعيدها ظهراً . وحكي عَنْهُ : لا يعيد . واختلف أصحابنا فِي حكاية المذهب فِي الإعادة خلف الفاسق ؛ فمنهم من قَالَ : فِي الإعادة روايتان مطلقاً . ومنهم من قالَ : إن لم يعلم فسقه فلا إعادة ، وإن علم ففي الإعادة روايتان . ومنهم من قَالَ : إن كَانَ مستتراً لَمْ يعد ، وإن كَانَ متظاهراً ففي الإعادة روايتان . فأما من يكفر ببدعته فحكمه حكم الكفار . ولذلك فرق إِسْحَاق بن راهويه بَيْن القدري والمرجئ ، فَقَالَ فِي القدري : لا يصلى خلفه ، وَقَالَ فِي المرجئ : إن كَانَ داعية لَمْ يصل خلفه . وَقَالَ حرب : ثنا ابن أَبِي حزم القطعي ، ثنا معاذ بن معاذ ، ثنا أشعث ، عَن الْحَسَن ، فِي السكران يؤم القوم ؟ قَالَ : إذا أتم الركوع والسجود فَقَدْ أجزأ عنهم . وَقَالَ مُحَمَّد بن سيرين : يعيدون جميعاً ، والإمام . وحكى ابن المنذر ، عَن مَالِك ، أَنَّهُ قَالَ : لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم ، ويصلى خلف أئمة الجور . وعن الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يجيز الصلاة خلف من أقام الصلاة ، وإن كَانَ غير محمود فِي دينه . اختار ابن المنذر هَذَا القول ، مَا لَمْ تخرجه بدعته إلى الكفر . وفي ( تهذيب المدونة ) : تجزئ الجمعة وغيرها خلف من ليس بمبتدع من الولاة ، وإذا كَانَ الإمام من أهل الأهواء فلا يصلى خلفه ولا الجمعة ، إلا أن يتقيه ، فليصلها مَعَهُ ، وليعد ظهراً ، ووقف مَالِك فِي إعادة من صلى خلف مبتدع ، وَقَالَ ابن الْقَاسِم : يعيد فِي الوقت . انتهى . وفي مصنف عَلَى مذهب سُفْيَان الثوري : تكره إمامة أهل البدع والأهواء الداعية إلى ذَلِكَ ؛ سئل سُفْيَان عَن الصلاة خلف الأمراء الذين يقولون : طاعتنا لله طاعة ، ومعصيتنا لله معصية ؟ قَالَ : كَانَ الحجاج يَقُول ذَلِكَ ، وهم يصلون خلف رافضي أو قدري فليعد الصلاة ، ولا يصلى خلف من يَقُول : الإيمان قَوْلِ بلا عمل . وحديث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري فِي هَذَا الباب يستدل بِهِ عَلَى الصلاة خلف أئمة الجور وأعوانهم ؛ وقد جعله البخاري دليلاً عَلَى إمامة المبتدع - أَيْضاً - كما يطاع فِي غير معصية ، إذا كَانَ لَهُ ولاية عَلَى النَّاس ، فإنه أمر بطاعتهم مطلقاً ، مَعَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه يكون من بعده ولاة يغيرون ويبدلون ، ونهى عَن قتالهم مَا أقاموا الصلاة ، ولم ينه عَن الصلاة وراءهم ، وإنما أمر بالصلاة فِي الوقت إذا أخر الأمراء الصلاة عَن الوقت ، وأمر بالصلاة معهم نافلة ، وقد سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( المواقيت ) . ويستدل بِهِ عَلَى صحة الصلاة النافلة خلف الفاجر . ومن أصحابنا من قَالَ : تصح النافلة خلفهم بغير خلاف فِي المذهب . وقد روي عَن أحمد رِوَايَة أخرى أَنَّهُ لا يصلى التراويح خلف من يسكر . وقد روي حَدِيْث مرفوع فِي كراهة الصلاة خلف الفاجر فِي غير الجمعة . خرجه ابن ماجه من رِوَايَة عَبْد الله بن مُحَمَّد العدوي ، عَن عَلِيّ بن زيد ، عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، عَن جابر ، قَالَ : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ( إن الله قَدْ افترض عليكم الجمعة فِي مقامي هَذَا إلى يوم القيامة ، فمن تركها فِي حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بِهَا ، وجحوداً لها ؛ فلا جمع الله لَهُ شمله ، ولا بارك لَهُ فِي أمره ، ألا ولا صلاة لَهُ ، ولا زكاة لَهُ ، ولا حج لَهُ ، ولا بركة حَتَّى يتوب ، ألا لا تؤمن امرأة رجلاً ، ولا يؤم أعرابي مهاجراً ، ألا ولا يؤم فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وشرطه ) . والعدوي هَذَا ، قَالَ البخاري وأبو حاتم : منكر الحَدِيْث ، وَقَالَ أبو حاتم : مجهول ، وَقَالَ الدارقطني : متروك . قَالَ العقيلي : وقد روي هَذَا من وجه آخر يشبه هَذَا فِي الضعف . وذكر الدارقطني فِي ( العلل ) أَنَّهُ رواه أبو فَاطِمَة مسكين بن عَبْد الله الطفاوي وحمزة بن حسان ، عَن عَلِيّ بن زيد - أَيْضاً ورواه الثوري عَن عَلِيّ بن زيد أَيْضاً . ثُمَّ خرجه من طريق مهنا بن يَحْيَى الشامي - صاحب الإمام أحمد - : حَدَّثَنَا زيد بن أَبِي الزرقاء ، عَن سُفْيَان ، عَن عَلِيّ بن زيد ، فذكره مختصراً . وهذا إسناد قوي ؛ إلا أن الحَدِيْث منكر ، قاله أبو حاتم الرَّازِي . وَقَالَ الدارقطني : هُوَ غير ثابت . وَقَالَ ابن عَبْد البر : أسانيده واهية . قُلتُ : وقد روي أوله من طرق متعددة ، كلها واهية .
115- باب إتمام التكبير في الركوع قاله ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه : مالك بن الحويرث . 784 - حدثنا إسحاق الواسطي ، ثنا خالد ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، عن عمران بن حصين ، قال : صلى مع علي - رضي الله عنه - بالبصرة ، فقال : ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع مضطرب إسناده ، والحسن بن عمران مجهول ، وابن عبد الرحمن بن أبزى ، قيل : إنه عبد الله ، وقيل : إنه سعيد . قال أحمد : هو أشبه . وروي أنه محمد ، ومحمد هذا غير معروف . وفسر الإمام أحمد نقص التكبير بأنهم لا يكبرون في الانحطاط للسجود ، ولا في الانحطاط للسجدة الثانية : نقله عنه ابن منصور . ونقل عن إسحاق ، أنه قال : إنما نقصوا التكبير للسجدة الثانية خاصة . وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال : لما صلى خلف علي بالبصرة مثل قول عمران بن حصين ، لقد ذكرنا علي بن أبي طالب صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : إما نسيناها ، وإما تركناها عمدا ، يكبر كلما خفض ، وكلما رفع ، وكلما سجد . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده اختلاف ؛ رواه أبو إسحاق السبيعي ، واختلف عنه : فقيل : عنه ، عن الأسود بن يزيد ، عن أبي موسى . وقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي موسى . وقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن رجل من بني تميم ، عن أبي موسى . ورجحه الدارقطني . ولذلك لم يخرج حديثه هذا في الصحيح . وأكثر العلماء على التكبير في الصلاة في كل خفض ورفع ، وقد كان ابن عمر وجابر وغيرهما من الصحابة يفعلونه ويأمرون به . وممن روي عنه إتمام التكبير : عمر بن الخطاب وابن مسعود وعلي وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس . وروى عبد الرحمن بن الأصم ، قال : سمعت أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يتمون التكبير . خرجه الإمام أحمد . وخرجه النسائي ، وزاد فيه : وعثمان . وقال سفيان عن منصور ، عن إبراهيم : أول من نقص التكبير زياد . وقال ثوير بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن ابن مسعود : إن أول من نقص التكبير : الوليد بن عقبة ، فقال ابن مسعود : نقصوها نقصهم الله . خرجه البزار وغيره . وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود ، وأبو بكر وعمر . زاد النسائي : وعثمان . وكان بنو أمية ينقصون التكبير ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، والظن به أنه لم تبلغه السنة الصحيحة في ذلك ، ولو بلغته لكان أتبع الناس لها . وروي عن القاسم وسالم وسعيد بن جبير ، أنهم كانوا لا يتمون التكبير . ذكره ابن المنذر وغيره . وقد سبق تفسير ترك إتمام التكبير ، ومن فهم عنهم أنهم كانوا لا يكبرون في الصلاة غير تكبيرة الإحرام فقد وهم فيما فهم . وأما ما حكاه ابن عبد البر ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده ، وذكر أن أحمد بن حنبل حكاه عنه في رواية ابن منصور . فهذا وهم منه - رحمه الله - على أحمد ، فإن مراد أحمد التكبير في أدبار الصلوات أيام التشريق . ويدل عليه : أن أحمد في تمام هذه الرواية حكى - أيضا - عن قتادة ، أنه كان يكبر إذا صلى وحده ، ثم قال : وأحب إلي أن يكبر من صلى وحده في الفرض ، وأما النافلة فلا . ولم يرد أحمد أن صلاة النافلة لا يكبر فيها للركوع والسجود والجلوس ، فإن هذا لم يقله أحمد قط ، ولا فرق أحد بين الفرض والنفل في التكبير . وأما حديث ابن أبزى ، فقد تقدم الكلام على ضعفه ، ولو صح حمل على أنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - إتمام التكبير ، لا أنه لم يكن يكبر في سجوده ورفعه . وهكذا المروي عن عثمان ، فإنه لما كبر وضعف خفض صوته به أو أسره . وأكثر الفقهاء على أن التكبير في الصلاة - غير تكبيرة الإحرام - سنة ، لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا . وذهب أحمد وإسحاق إلى أن من ترك تكبيرة من تكبيرات الصلاة عمدا فعليه الإعادة ، وإن كان سهوا فلا إعادة عليه في غير تكبيرة الإحرام . وأنكر أحمد أن يسمى شيء من أفعال الصلاة وأقوالها سنة ، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة ، وقال : كل ما في الصلاة واجب ، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها . وكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة ، وقال : هو كلام الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضع آخر . وكذلك ذكر الآبري في مناقب الشافعي بإسناده عن الواسطي ، قال : سمعت الشافعي يقول : كل أمور الصلاة عندنا فرض . وقال - أيضا - : قرأت عن الحسين بن علي ، قال : سئل الشافعي عن فريضة الحج ؟ قال : الحج من أوله إلى آخره فرض ، فمنه ما إن تركه بطل حجه ، فمنه الإحرام ، ومنه الوقوف بعرفات ، ومنه الإفاضة . وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : كل شيء في الصلاة مما ذكره الله فهو فرض . وهذا قيد حسن . وسمى أصحاب أحمد هذه التكبيرات التي في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام واجبات ؛ لأن الصلاة تبطل بتركها عمدا عندهم . وحكي عن أحمد رواية أن هذه التكبيرات من فروض الصلاة ، لا تسقط الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا . وحكي عنه رواية أخرى : أنها فرض في حق غير المأموم ، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو . وروي عن ابن سيرين وحماد ، أنه من أدرك الإمام راكعا وكبر تكبيرة واحدة للإحرام لم يجزئه حتى يكبر معها تكبيرة الركوع . وقال ابن القاسم - صاحب مالك - : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام ، فإن لم يسجد بطلت صلاته ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد للسهو - أيضا - فإن لم يفعل فلا شيء عليه . وروي عنه ، أن التكبيرة الواحدة لا سجود على من سها عنها . قال ابن عبد البر : هذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه . وأكثر أصحاب مالك على أن هذه التكبيرات تسمى سننا ، كما يقوله أصحاب الشافعي وغيرهم ، وأن الصلاة لا تبطل بتركها عمدا ولا سهوا ، وحكي رواية عن أحمد . وقال سعيد بن جبير في التكبير : كلما خفض ورفع ، إنما هو شيء يزين به الرجل الصلاة . وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : من نسي شيئا من تكبيرات الصلاة ، أو سمع الله لمن حمده فإنه يقضيه حين يذكره . وهذا مذهب غريب ، وجمهور العلماء على أنه يفوت بفوات محله ، فلا يعاد في غير محله . واستدل من أوجب ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : صلوا كما رأيتموني أصلي . وكان يصلي بهذا التكبير ، وقال في الإمام : إذا كبر فكبروا . وهذا يعم كل تكبير في الصلاة . وقال - في حديث أبي موسى - : فإذا كبر الإمام وركع فاركعوا . وكذا قال في السجود . خرجه مسلم . وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصلاة : إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ، فدل على أن الصلاة لا تخلو من التكبير ، كما لا تخلو من قراءة القرآن ، وكذلك التسبيح . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته التكبير للركوع والسجود ، من حديث رفاعة بن رافع ، وأخبره أنه لا تتم صلاته بدون ذلك . خرجه أبو داود وغيره . واستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نسي التشهد الأول ، فأتم صلاته ، وسجد للسهو . وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له ، فدل على أنها تسقط بالسهو ، ويجبر بالسجود له . واستدل - أيضا - على سقوطه بالسهو بحديث : كان لا يتم التكبير ، فكأنه حمله على حالة السهو .
الحديث الثاني : 785 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يصلي بهم ، فيكبر كلما خفض ورفع ، فإذا انصرف قال : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع ، فقلنا : يا أبا هريرة ، فما هذا التكبير ؟ قال : إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه مسلم . وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه متعددة ، وسيأتي بعضها فيما بعد - إن شاء الله . وقد استدل به بعضهم على أن التكبير لغير الإحرام غير واجب في الصلاة ، لأن هذا كان يستنكره الناس على أبي هريرة ، كما استنكره عكرمة على من صلى خلفه بمكة ، وكما دل حديث عمران بن حصين وأبي موسى على ترك الناس له . وخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه ، من حديث سعيد بن سمعان ، قال : دخل علينا أبو هريرة المسجد ، فقال : ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن ، تركهن الناس : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يده مدا ، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله ، وكان يكبر في الصلاة كلما ركع وسجد . ولو كان ذلك من واجبات الصلاة لما أقرت الصحابة على تركه . وقد أجاب بعضهم بأنهم إنما تركوا الجهر به فقط ، وقد سبق عن الإمام أحمد أن نقص التكبير الذي أحدثوه إنما هو ترك التكبير للسجدة الأولى والثانية ، وأن إسحاق قال : إنما تركوا التكبير للسجدة الثانية فقط . فلعل بني أمية كانوا يرون أن المأمومين يشاهدون الإمام في سجوده فلا يحتاج إلى إسماعهم التكبير في هذه الحال ، بخلاف رفعه ، فإنهم لا يشاهدونه ، فيحتاج إلى إسماعهم التكبير فيه . وفي هذا نظر . والله أعلم . وقد سبق ما يدل على أنهم تركوا تكبيرتي الركوع والسجود خاصة ، وأن عليا - رضي الله عنه - أحيا ما تركوه من ذلك وأماتوه . وروى مسعر ، عن يزيد الفقير ، قال : كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة . قال مسعر : إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر ، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر . خرجه ابن أبي شيبة . فتفسير مسعر لنقص التكبير يدل على أن نقصه هو ترك التكبير للسجدتين معا ، كما فسره الإمام أحمد . وهذه الرواية عن ابن عمر تخالف رواية مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه كان يكبر كلما خفض ورفع . كذا رواه مالك في الموطأ . ورواه أشهب ، عن مالك ، فزاد فيه : يخفض بذلك صوته . وهذه الرواية يجمع بها بين الروايتين بأن يكون سالم سمع أباه يكبر ويخفض صوته ، ويزيد الفقير لم يسمعه لخفض صوته ، أو لبعده عنه . وروى - أيضا - عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يتم التكبير . ونافع وسالم أعرف بابن عمر من غيرهما .
57 - باب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ بحذائهِ سواءً إذا كَاناَ اثْنَيْنِ مراده بهذا التبويب : أَنَّهُ إذا اجتمع فِي الصلاة إمام ومأموم فإن المأموم يقوم عَن يمين الإمام بحذائه سواء ، أي : مساوياً لَهُ فِي الموقف ، من غير تقدم ولا تأخر . 697 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب ، ثنا شعبة ، عَن الحكم ، قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : بت فِي بيت خالتي ميمونة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ، ثُمَّ جَاءَ فصلى أربع ركعات ، ثُمَّ نام ، ثُمَّ قام ، فجئت فقمت عَن يساره ، فجعلني عَن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثُمَّ صلى ركعتين ، ثُمَّ نام حَتَّى سَمِعْت غطيطه - أو قَالَ : خطيطه - ثُمَّ خرج إلى الصلاة . ( الغطيط ) : صوت تردد النفس ، ومنه : غطيط البكر ، و ( الخطيط ) : نحوه ، والغين والخاء متقاربا المخرج . والمقصود من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب : أن الإمام إذا لَمْ يأتم بِهِ غير واحد ، فإنه يقيمه عَن يمينه بحذائه ، ولو كَانَ صبياً لَمْ يبلغ الحلم . وهذا كالإجماع من أهل العلم . وقد حكاه الترمذي فِي ( جامعه ) عَن أهل العلم من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم ، قالوا : إذا كَانَ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلُ يقوم عَن يمين الإمام . وحكاه ابن المنذر عَن أكثر أهل العلم ، وسمى منهم : عُمَر بن الخَطَّاب وابن عُمَر وجابر بن زيد وعروة ومالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ، قَالَ : وبه نقول . قُلتُ : وَهُوَ - أَيْضاً - قَوْلِ الشَّعْبِيّ وأحمد وإسحاق . قَالَ ابن المنذر : وفيه قولان آخران : أحدهما عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، أَنَّهُ قَالَ : يقيمه عَن يساره . قُلتُ : وروي - أَيْضاً - عَن النخعي ، أَنَّهُ يقوم من خلفه مَا بينه وبين أن يركع ، فإن جَاءَ أحد وإلا قام عَن يمينه . انتهى . وروى أبو نعيم : ثنا سُفْيَان ، عَن الْحَسَن بن عُبَيْدِ الله ، عَن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : كُنْتُ أقوم خلف علقمة حَتَّى ينزل المؤذن قائماً ، كَانَ يقوم خلفه إذا علم أَنَّهُ يلحق غيره قريباً . وروى وكيع فِي ( كتابه ) عَن الْحَسَن ، قَالَ : إذا صلى الرَّجُلُ ومعه رَجُل واحد ونساء ؛ أقام الرَّجُلُ خلفه وأقام النِّسَاء خلف الرَّجُلُ . وقد روي فِي حَدِيْث ابن عَبَّاس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عَن يساره ، وروي أَنَّهُ قام خلفه ، وكلاهما لا يصح . أما الأول : فمن رِوَايَة كثير بن زيد ، عَن يزيد بن أَبِي زياد ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس ، فذكر الحَدِيْث ، وفيه : قَالَ : فقمت عَن يمينه ، فأخذني فجعلني عَن يساره . قَالَ مُسْلِم فِي كِتَاب ( التمييز ) : هَذَا غلط غير محفوظ ؛ لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات عَلَى خلاف ذَلِكَ ، أن ابن عَبَّاس إنما قام عَلَى يسار النبي صلى الله عليه وسلم فحوله حَتَّى أقامه عَن يمينه . ثُمَّ خرجه من طرق متعددة ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس كذلك ، ومن طريق سَعِيد بن جبير وعطاء وأبي نضرة والشعبي وطاوس وعكرمة ، كلهم عَن ابن عَبَّاس كذلك . وأما الثاني : فخرجه أبو نعيم فِي ( الحلية ) من رِوَايَة أَبِي يزيد الخراز ، ثنا النضر بن شميل ، ثنا يونس ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، حَدَّثَنِي عَبْد المؤمن الأنصاري ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس ، كُنْتُ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام إلى سقاء فتوضأ وشرب قائماً ، فقمت فتوضأت وشربت قائماً ، ثُمَّ صففت خلفه ، فأشار إلي لأوازي بِهِ أقوم عَن يمينه ، فأبيت ، فلما قضى صلاته قَالَ : ( مَا منعك أن لا تكون وازيت بي ؟ ) قُلتُ : يَا رسول الله ، أنت أجل فِي عيني وأعز من أن أوازي بك ، فَقَالَ : ( اللهم ، آته الحكمة ) . إسناد مجهول ؛ فلا تعارض بِهِ الروايات الصحيحة الثابتة . وقد روي من وجه أصح من هَذَا ، أَنَّهُ وقف خلفه فقدمه إلى يمينه . خرجه أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن شريك ، ثنا عَكْرِمَة بن خَالِد ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : بت عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي بيت ميمونة - وهي خالته فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل يصلي قمت خلفه ، فأهوى بيده فأخذ برأسي ، فأقامني عَن يمينه إلى جنبه . مُحَمَّد بن شريك هَذَا مكي ، وثقه الإمام أحمد . وقد دل حَدِيْث ابن عَبَّاس هَذَا عَلَى انعقاد الجماعة بالصبي فِي النفل ، وهذا متفق عَلِيهِ ، فأما فِي الفرض ففيه روايتان عَن أحمد ، والأكثرون عَلَى انعقاده بالصبي - أَيْضاً وَهُوَ قَوْلِ أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن الصبي يصح نفله ، والجماعة تنعقد بالمتنفل ، وإن كَانَ الإمام مفترضا ؛ بدليل قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يتصدق عَلَى هَذَا فيصلي مَعَهُ ؟ ) .
4 – باب إذا ركع دون الصف 783 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همام ، عن الأعلم - وهو : زياد - عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : زادك الله حرصًا ولا تعد . في إسناد هذا الحديث شيئان : أحدهما : أنه اختلف فيه على الحسن : فرواه زياد الأعلم وهشام ، عن الحسن ، عن أبي بكرة . وفي رواية : عن زياد ، عن الحسن ، أن أبا بكرة حدثه - فذكره . خرجه أبو داود . ورواه يونس وقتادة ، واختلف عنهما : فقيل : عنهما كذلك . وقيل : عنهما ، عن الحسن - مرسلًا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكرة . وكذا روي عن حماد بن سلمة ، عن زياد الأعلم أيضًا . خرجه من طريقه أبو داود . الثاني : أنه اختلف في سماع الحسن من أبي بكرة ، فأثبته ابن المديني والبخاري وغيرهما ، وكذلك خرج حديثه هذا ، ونفاه يحيى بن معين ، نقله عنه ابن أبي خيثمة . ويؤيده : أنه روي عن الحسن مرسلًا ، وأن الحسن روى عن الأحنف ، عن أبي بكرة حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما . وهذا مما يستدل به على عدم سماعه منه ، حيث أدخل بينه وبينه في حديث آخر واسطةً . وقد روى هشام بن حسان ، عن الحسن ، أنه دخل مع أنس بن مالك على أبي بكرة وهو مريض . وروى مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : أخبرني أبو بكرة - فذكر حديث صلاة الكسوف . إلا أن مبارك بن فضالة ليس بالحافظ المتقن . وقال الشافعي في حديث أبي بكرة هذا : إسناده حسن . وقد استدل بهذا الحديث على مسألتين . المسألة الأولى : من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، وإن فاته معه القيام وقراءة الفاتحة . وهذا قول جمهور العلماء ، وقد حكاه إسحاق بن راهويه وغيره إجماعا من العلماء . وذكر الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام ، هذا مع كثرة اطلاعه وشدة ورعه في العلم وتحريه . وقد روي هذا عن علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة - في رواية عنه رواها عبد الرحمن بن إسحاق المديني ، عن المقبري ، عنه . وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه عن أبي هريرة ، أنه قال : من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة . وهو قول عامة علماء الأمصار . ثم من رأى أن القراءة لا تجب على المأموم استدل به على أن القراءة غير لازمة للمأموم بالكلية ، ومن رأى لزوم القراءة له كالشافعي قال : إنها تسقط هاهنا للضرورة وعدم التمكين منها . وجعله إسحاق دليلًا على أن القراءة لا تجب إلا في ثلاث ركعات من الصلاة . ولازم هذا : أنه لو أدرك الركوع في ركعة من الصبح أنه لا يعتد بها ؛ لأنه فاتته القراءة في نصف الصلاة . وهذا التفصيل محدث مخالف للإجماع . وقد روي أن الصلاة التي ركع فيها أبو بكرة هي صلاة الصبح ، وسيأتي إن شاء الله . وذهبت طائفة إلى أنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام ، لأنه فاته مع الإمام القيام وقراءة الفاتحة ، وإلى هذا المذهب ذهب البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام ، وذكر فيه عن شيخه علي بن المديني أن الذين قالوا بإدراك الركعة بإدراك الركوع من الصحابة كانوا ممن لا يوجب القراءة خلف الإمام ، فأما من رأى وجوب القراءة خلف الإمام ، فإنه قال : لا يدرك الركعة بذلك ، كأبي هريرة ؛ فإنه قال للمأموم : اقرأ بها في نفسك . وقال : لا تدرك الركعة بإدراك الركوع . وخرج البخاري في كتاب القراءة من طريق ابن إسحاق : أخبرني الأعرج ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن تركع . ثم ذكر أنه رأى ابن المديني يحتج بحديث ابن إسحاق ، ثم أخذ يضعف عبد الرحمن بن إسحاق المديني الذي روى عن المقبري ، عن أبي هريرة خلاف رواية ابن إسحاق ، ووهن أمره جدًا . وقد وافقه على قوله هذا ، وأن من أدرك الركوع لا يدرك به الركعة ، قليل من المتأخرين من أهل الحديث ، منهم : ابن خزيمة وغيره من الظاهرية وغيرهم ، وصنف فيه أبو بكر الصبغي من أصحاب ابن خزيمة مصنفًا . وهذا شذوذ عن أهل العلم ومخالفة لجماعتهم . وقد روي عن زيد بن وهب ، أنه أدرك الركوع وقضى تلك الركعة ، وهذا يحتمل أنه شك في إدراكها إدراكًا يعتد به ، فلا ينسب به إليه مذهب . وقد روي عن ابن عمر ، أنه إذا امترى : هل ركع قبل رفع إمامه أم لا ، لم يعتد بتلك الركعة ، وهو قول جمهور العلماء . وأيضا ؛ فقد قال زيد بن وهب : إنه كان هو وابن مسعود ، وأنهما ركعا دون الصف ، قال : فلما فرغ الإمام قمت أقضي ، وأنا أرى أني لم أدرك . فقال ابن مسعود : قد أدركته . فتمام الرواية يدل على أن ما فعله قد أنكره عليه ابن مسعود ، ولم يكن أحد من التابعين يصر على فعله مع إنكار الصحابة عليه . والمروي عن أبي هريرة قد اختلف عنه فيه ، وليس عبد الرحمن بن إسحاق المديني عند العلماء بدون ابن إسحاق ، بل الأمر بالعكس ؛ ولهذا ضعف ابن عبد البر وغيره رواية ابن إسحاق ، ولم يثبتوها ، وجعلوا رواية عبد الرحمن مقدمة على روايته . قال ابن عبد البر في المروي عن أبي هريرة : في إسناده نظر . قال : ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به . وقد روي معناه عن أشهب . وعبد الرحمن بن إسحاق هذا يقال له : عباد . وثقه ابن معين . وقال أحمد : صالح الحديث . وقال ابن المديني : هو عندنا صالح وسط . نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة ، وأنه قال في محمد بن إسحاق كذلك : إنه صالح وسط . وهذا تصريح منه بالتسوية بينهما . ونقل الميموني ، عن يحيى بن معين ، أنه قال في محمد بن إسحاق : ضعيف . وفي عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروي عن الزهري : ليس به بأس . فصرح بتقديمه على ابن إسحاق . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو داود : محمد بن إسحاق قدري معتزلي ، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري ، إلا أنه ثقة . وهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق ، فإنه وثقه دون ابن إسحاق ، ونسبه إلى القدر فقط ، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال . وعامة ما أنكر عليه هو القدر ، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أخر كالتشيع والاعتزال ؛ ولهذا خرج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن إسحاق ولم يخرج لمحمد بن إسحاق إلا متابعة . وأيضًا ؛ فأبو هريرة لم يقل : إن من أدرك الركوع فاتته الركعة ؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقوله هؤلاء ، إنما قال : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع ، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام . وهذا يقتضي أنه لو كبر قبل أن يركع الإمام ، ولم يتمكن من القراءة فركع معه كان مدركًا للركعة ، وهذا لا يقوله هؤلاء ، فتبين أن قول هؤلاء محدث لا سلف لهم به . وقد روي عن أبي سعيد وعائشة : لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن . هذا - إن صح - محمول على من قدر على ذلك وتمكن منه . وقد أجاب البخاري في كتاب القراءة عن حديث أبي بكرة بجوابين : أحدهما : أنه ليس فيه تصريح بأنه اعتد بتلك الركعة . والثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن العود إلى ما فعله . فأما الأول ، فظاهر البطلان ، ولم يكن حرص أبي بكرة على الركوع دون الصف إلا لإدراك الركعة ، وكذلك كل من أمر بالركوع دون الصف من الصحابة ومن بعدهم إنما أمر به لإدراك الركعة ، ولو لم تكن الركعة تدرك به لم يكن فيه فائدة بالكلية ، ولذلك لم يقل منهم أحد : إن من أدركه ساجدًا فإنه يسجد حيث أدركته السجدة ، ثم يمشي بعد قيام الإمام حتى يدخل الصف ، ولو كان الركوع دون الصف للمسارعة إلى متابعة الإمام فيما لا يعتد به من الصلاة ، لم يكن فرق بين الركوع والسجود في ذلك . وهذا أمر يفهمه كل أحد من هذه الأحاديث والآثار الواردة في الركوع خلف الصف ، فقول القائل : لم يصرحوا بالاعتداد بتلك الركعة هو من التعنت والتشكيك في الواضحات ، ومثل هذا إنما يحمل عليه الشذوذ عن جماعة العلماء ، والانفراد عنهم بالمقالات المنكرة عندهم . فقد أنكر ابن مسعود على من خالف في ذلك ، واتفق الصحابة على موافقته ، ولم يخالف منهم أحد ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، وقد روي عنه من وجه أصح منه أنه يعتد بتلك الركعة . وأما الثاني ، فإنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن الإسراع إلى الصلاة ، كما قال : لا تأتوها وأنتم تسعون ، كذلك قاله الشافعي وغيره من الأئمة ، وسيأتي الكلام على ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وكأن الحامل للبخاري على ما فعله شدة إنكاره على فقهاء الكوفيين أن سورة الفاتحة تصح الصلاة بدونها في حق كل أحد ، فبالغ في الرد عليهم ومخالفتهم ، حتى التزم ما التزمه مما شذ فيه عن العلماء ، واتبع فيه شيخه ابن المديني ، ولم يكن ابن المديني من فقهاء أهل الحديث ، وإنما كان بارعا في العلل والأسانيد . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ، من حديث أبي هريرة ، وله طرق متعددة عنه . ومن حديث معاذ وعبد الرحمن بن الأزهر وغيرهم . وقد ذكرناها مستوفاة في كتاب شرح الترمذي . وأكثر العلماء على أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه ، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه . ولأصحابنا وجه باشتراط ذلك . ومن العلماء من قال : إذا كبر قبل أن يرفع إمامه فقد أدرك الركعة ، وإن لم يركع قبل رفعه ، منهم : ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر ، وجعلوه بمنزلة من تخلف عن إمامه بنوم ونحوه . ولكن الجمهور إنما قالوا بالمتخلف بالنوم ونحوه أنه يركع ثم يلحقه ؛ لأنه كان متابعًا له قبل الركوع فيغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء . وروي عن هؤلاء الثلاثة أيضًا . وعن الحسن بن زياد - أيضًا - : أنه إذا كبر بعد رفع إمامه رأسه من الركوع قبل أن يسجد اعتد له بالركعة . وقد تقدم عن الشعبي ، أنه قال : إذا انتهيت إلى الصف المؤخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام رأسه ، فركعت معهم ، فقد أدركت ، لأن بعضهم أئمة لبعض . المسألة الثانية : أن من صلى خلف الصف وحده ، فإنه يعتد بصلاته ، ولا إعادة عليه ، فإن أبا بكرة ركع خلف الصف وحده ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاته . وقد استدل بذلك الشافعي وغيره من الأئمة . وممن روي عنه الركوع دون الصف والمشي راكعًا : ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن الزبير ، وكان يعلم الناس ذلك على المنبر . وروي عنه أنه قال : هو السنة . وورد - أيضًا - أنه فعله ، ولم يصححه الإمام أحمد عنه ، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه . وروي - أيضًا - فعله عن أبي بكر الصديق . خرجه البيهقي بإسناد منقطع . وهو قول سعيد بن جبير وعطاء ، وقالا : يركع وإن لم يصل إلى صف النساء ، ثم يمشي . قال عطاء : ويرفع مع إمامه ، ويسجد حين تدركه السجدة ، فإن تشهد إمامه عقب ذلك تشهد معه ، ثم قام إذا قام إلى الثالثة ، فدخل في الصف حينئذ . وممن رأى الركوع دون الصف والمشي راكعًا : زيد بن ثابت وعروة ومجاهد وأبو سلمة وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن جريج ومعمر . وقاله القاسم والحسن ، بشرط أن يظن أنه يدرك الصف . ووجه هذا : أن المشي في الصلاة عمل فيها ، فيغتفر فيه اليسير دون الكثير ؛ فإنه مناف الصلاة فيبطلها ، وهذا مخالف لقول سعيد بن جبير وعطاء : إِنَّهُ يَرْكَعُ مِنْ حِين دخوله المسجد خلف صفوف النساء . وحكى ابن عبد البر عن مالك والليث : لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ، ويمشي إلى الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق . وذكر عن القاضي إسماعيل ، أن ابن القاسم روى عن مالك : أنه لا يركع دون الصف ، إلا أن يطمع أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه . قال : وقال غيره : له أن يركع خلف الصف ، ويتم ركعته ، كما له أن يصلي خلف الصف وحده . قال : وهو قول مالك وأصل مذهبه قبل أن يرفعوا رءوسهم . وقال الزهري والأوزاعي : إن كان قريبًا من الصفوف فعل ، وإلا لم يفعل . وكذلك قاله الإمام أحمد ، نقله عنه ابن منصور . وقالت طائفة : لا يركع حتى يقوم في الصف . رواه محمد بن عجلان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف . وروي مرفوعًا ، ووقفه أصح . وروي - أيضًا - النهي عن ذلك عن الحسن والنخعي . وهو رواية عن أحمد ، نقلها عنه أبو طالب والحسن بن ثواب والأثرم وغيرهم . وقالت طائفة : إن كان منفردًا لم يركع حتى يدخل الصف ، وإن كان مع غيره ركعوا دون الصف ، وهو قول إسحاق وأبي بكر بن أبي شيبة ، ونقله إسحاق بن هانئ ، عن أحمد ، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة . ومن العجائب : أن البخاري ذكر في كتاب القراءة خلف الإمام أن المروي عن زيد بن ثابت لا يقول به من خالفه في هذه المسألة ، فإنه قال : روى الأعرج ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : رأيت زيد بن ثابت ركع وهو بالبلاط لغير القبلة ، حتى دخل في الصف . ثم قال : وقال هؤلاء : إذا ركع لغير القبلة لم يجزئه . انتهى . وهذه رواية منكرة لا تصح ، وإنما ركع زيد للقبلة ؛ كذلك رواه الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع ، فاستقبل فكبر ، ثم ركع ، ثم دب راكعًا حتى وصل الصف . خرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . ورواه ابن وهب ، عن يونس وابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب : أخبرني أبو أمامة بن سهل ، أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع . فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل الصف وهو راكع كبر ، فركع ، ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف . وهذه الرواية تدل - أيضًا - على أنه كبر مستقبل القبلة ، ولا يمكن غير ذلك البتة . فأما من قال : تصح صلاة المنفرد خلف الصف وحده و[ ] حديث أبي بكرة على ذلك . والقول بصحة الصلاة فذا خلف الصف : قول مالك وأبي حنيفة والثوري - في أشهر الروايتين عنه - والشافعي وابن المبارك والليث بن سعد . وروي عن أبي جعفر محمد بن علي . وأما القائلون بأنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف : الحسن بن صالح والأوزاعي - فيما حكاه ابن عبد البر ، وخرجه حرب بإسناده ، عنه - وقول أحمد وإسحاق ووكيع ويحيى بن معين وابن المنذر ، وأكثر أهل الظاهر ، ورواية عن الثوري ، رواها عصام ، عنه . وروي - أيضا - عن النخعي وحماد والحكم وابن أبي ليلى . وقيل : إنه لم يصح عن النخعي ، وأنه إنما قال : يعتد بها ، فصحفها من قرأها فقال : يعيدها . وروي ذلك عن شريك ، أنه قاله . فهؤلاء لهم في الجواب عن حديث أبي بكرة طريقان : أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك ، فلا تصح الصلاة بعد النهي عنه ، وتصح إذا لم يعلم النهي . قال أحمد ، في رواية أبي طالب في الرجل يركع دون الصف ، وهو جاهل : أجزأه . وقيل له : لا يعيد ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة : لا تعد فأجاز له صلاته لما لم يعلم ، ونهاه أن يصلي بعد ذلك ، فقال : زادك الله حرصا ولا تعد . قيل له : فإن كان لا يعلم ، يقول : صلى فلان وصلى فلان ؟ قال : لا تجزئه صلاته ، يعيد الصلاة ، قال أبو هريرة : لا يركع أحدكم حتى يأخذ مقامه من الصف . ففرق بين الجاهل والمتأول ، فأمر المتأول بالإعادة دون الجاهل . وهذه الرواية اختيار الخرقي وابن أبي موسى وجماعة من متقدمي الأصحاب . وقال بعض الأصحاب : إن هذا مطرد فيمن لم يتم الركعة وهو فذ ، منهم : القاضي في شرح المذهب . ومنهم من قال : بل يطرد ، ولو أتم الركعة فذا . ولم يذكر أكثرهم أنه مطرد فيما لو صلى - فذا - الصلاة كلها جاهلا بالنهي . فظاهر كلام أحمد وتعليله يدل على أنه مطرد فيه - أيضا - وقد حكاه بعضهم رواية عن أحمد . وقد حكى أبو حفص وغيره من أصحابنا فيمن فعل كفعل أبي بكرة - مع العلم بالنهي - هل تبطل صلاته ؟ روايتين عن أحمد . فأدخلوا في ذلك من كبر ثم دخل في الصف قبل رفع الإمام . وفي هذا الطريق نظر ؛ فإن الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة في حديث وابصة بن معبد ، الظاهر أنه لم يكن عالما بالنهي ولم يسأله : هل علم النهي أم لا . والطريق الثاني : أن أبا بكرة دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه . وقد خرج حديثه أبو داود ، وقال فيه : ثم مشى حتى دخل في الصف . وخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من وجه آخر ، عن الحسن ، عن أبي بكرة . وحينئذ ، فقد زالت فذوذيته قبل أن تفوته الركعة ، فيعتد له بذلك . وعلى هذا يحمل ما روي عن الصحابة في ذلك - أيضا . وقد أشار أحمد إلى هذا - أيضا - في رواية أبي الحارث ، وسأله عن رجل كبر قبل أن يدخل في الصف وركع دون الصف ؟ فقال : قد كبر أبو بكرة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : زادك الله حرصا ، ولا تعد ولم يأمره أن يعيد - أيضا . وقد روي عن ابن مسعود وزيد ، أنهما ركعا دون الصف . وهذه الرواية تخالف ما رواه الأثرم وغيره ، أنه قال : لا يعجبني فعل زيد وابن مسعود ، ورده بحديث أبي بكرة . ولكن هذه الرواية توافق رواية ابن منصور المتقدمة بجواز الركوع خلف الصف ، إذا ظن أنه يصل إليه قبل رفع الإمام . وقد استدل طائفة من أصحابنا ، منهم : أبو حفص البرمكي لهذه الرواية بحديث أبي بكرة ، وحملوا قوله : ولا تعد على شدة السعي إلى الصلاة ، كما قاله الشافعي . وذكر ابن عبد البر أن معنى قوله : ولا تعد عند العلماء : لا تعد إلى الإبطاء عن الصلاة حتى يفوتك منها شيء . وهذا بعيد جدا ، ولا يعرف هذا عن أحد من العلماء من المتقدمين . وقد روى الإمام أحمد من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحضر ؛ يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا . قال : زادك الله حرصا ، ولا تعد . وفي رواية عبد العزيز : بشار الخياط ، وهو غير معروف . وخرجه ابن عبد البر من رواية بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن جده ، أنه دخل المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس - وهم ركوع - فسعى إلى الصف ، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من الساعي ؟ قال أبو بكرة : أنا يا رسول الله . قال : زادك الله حرصا ، ولا تعد . وبكار ، فيه ضعف . وخرجه البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام بإسناد ضعيف ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح ، فسمع نفسا شديدا - أو بهرا - من خلفه ، فلما قضى الصلاة قال لأبي بكرة : أنت صاحب هذا النفس ؟ قال : نعم يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي . فقال له : زادك الله حرصا ، ولا تعد ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقت . وفي إسناده : عبد الله بن عيسى الخزاز ، ضعفوه . وفي هاتين الروايتين : ما يدل على اعتداده بتلك الركعة ، وهذا أمر غير مشكوك فيه ، وإنما يحتاج إليه لتعنت من يتعنت . ومن أغرب ما روي في حديث أبي بكرة : ما خرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : التفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : زادك الله حرصا ، ولا تعد قال : فثبت مكانه . وهذا يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في الصلاة ، وأنه لم يدخل الصف ، فيستدل به على أن كلام الإمام لمصلحة الصلاة عمدا غير مبطل ، ويستدل به - أيضا - على صحة صلاة الفذ وحده ، ولكنها مرسلة ، في إسنادها مجهول ، وابن جريج كان يدلس عن الضعفاء ومن لا يعتمد عليه كثيرا . وعلى هذه الطريقة : فهل يختص جواز الركوع دون الصف بمن أدرك الركوع في الصف ، أو لا يختص بذلك ؟ ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنه يختص بمن أدرك الركوع في الصف ؛ لأنه إنما أجاز الركوع خلفه لمن ظن أنه يدركه ، فإنه إذا زالت فذوذيته في حال الركوع ، فلم يصل ركعة فذا ، والمنهي عنه أن يصلي فذا ركعة فأكثر ، وأما إذا زالت فذوذيته قبل أن يرفع من الركوع فقد أدرك الركعة في الصف ، فلا يكون بذلك فذا ؛ ولهذا لو قام خلف الإمام اثنان فأحرم أحدهما قبل إحرام الآخر ، لم يكن في تلك الحالة فذا بالاتفاق . وقد حكي عن جماعة من أصحابنا الاتفاق على تكبيرة الإحرام فذا ، لكن منهم من قال : كان القياس بطلانها ، وإنما ترك لحديث أبي بكرة . وحكى ابن حامد - من أصحابنا - أنه تبطل تكبيرة الفذ خلف الإمام كالركوع . وهذا إذا لم يكن لغرض إدراك الركعة ، فأما إن كان لغرض إدراك الركعة ، فهي المسألة التي سبق ذكرها . وقد نص أحمد على التفريق بين أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه وبعده . وفي رواية حرب ، قال : لا بأس أن يركع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعا . قلت : فإن رفع الإمام رأسه قبل أن يصل هو إلى الصف ، فكأنه أحب أن لا يعتد بهذه الركعة . ومن الأصحاب من حكى فيما إذا زالت فذوذيته بعد الركوع وقبل السجود ، فهل تصح صلاته ؟ على روايتين . كذلك حكى ابن أبي موسى في كتابه ، وحكاه - أيضا - جماعة بعده . وحكاها - أيضا - من المتقدمين أبو حفص ، وقال : روى أبو داود ، عن أحمد - فيمن ركع دون الصف ، ثم مشى حتى دخل الصف ، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف - : تجزئه ركعة ، فإن صلى خلف الصف وحده ، أعاد الصلاة . وظاهر هذه الرواية أنه يجزئه ، ولو دخل في الصف بعد رفع إمامه ، ما لم يصل ركعة كاملة وحده ، وليس في حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم ووجه ذلك : أنه أدرك معظم الركعة في الصف ، وهو السجدتان ، فاكتفى بذلك في المصافة . وقد قال بعض التابعين : إنه يكتفى بذلك في إدراك الركعة - أيضا . وإنما أبطل أحمد ومن وافقه صلاة الفذ خلف الصف ؛ لحديث وابصة ، وله طرق ، من أجودها : رواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال بن يساف ، عن عمرو بن راشد ، عن وابصة بن معبد ، أن رجلا صلى خلف الصف وحده ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الصلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه . وخرجه ابن حبان - أيضا - من طريق زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد . وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حصين ، عن هلال بن يساف ، عن زياد بن أبي الجعد ، عن وابصة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحسنه الترمذي . ورواه - أيضا - منصور ، عن هلال بن يساف . كذلك خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه . وأشار إلى ترجيح رواية حصين بمتابعة منصور له . ورجح أحمد وأبو حاتم الرازي رواية عمرو بن مرة . ورجح عبد الله الدارمي والترمذي رواية حصين ؛ لأن الحديث معروف عن زياد بن أبي الجعد ، عن وابصة من غير طريق هلال بن يساف ، فإنه رواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن عبيد بن أبي الجعد ، عن وابصة . وقد خرجه من هذه الطريق ابن حبان في صحيحه - أيضا - وذكر أن هلال بن يساف سمعه من زياد بن أبي الجعد ، ومن عمرو بن راشد ، كلاهما عن وابصة من غير واسطة بينهما . ورجح الترمذي صحة ذلك ، وأن هلالا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد . وقد روي من وجوه متعددة ما يدل لذلك . وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطرابا في الحديث يوجب التوقف ، وإلى ذلك يميل الشافعي في الجديد ، وحكاه عن بعض أهل الحديث ، بعد أن قال في القديم : لو صح قلت به . فتوقف في صحته . وممن رجح ذلك : البزار وابن عبد البر . وأنكر الإمام أحمد على من قال ذلك ، وقال : إنما اختلف عمرو بن مرة وحصين . وقال : عمرو بن راشد معروف . وكذلك يحيى بن معين أخذ بهذا الحديث ، وعمل به ، حكاه عنه عباس الدوري ، وهو دليل على ثبوته عنده . وقد روي هذا الحديث عن وابصة من وجوه أخر . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر ، من أجودها : رواية ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان ، عن أبيه علي بن شيبان ، قال : خرجنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعناه وصلينا خلفه . قال : ثم صلينا وراءه صلاة أخرى ، فقضى الصلاة ، فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف وحده ، فوقف عليه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انصرف ، قال : استقبل صلاتك ، لا صلاة للذي خلف الصف . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وهذا لفظه . وفي رواية للإمام أحمد : فلا صلاة لفرد خلف الصف . وكذلك خرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال الإمام أحمد : حديث ملازم في هذا - أيضا - حسن . ورواته كلهم ثقات من أهل اليمامة ، فإن عبد الله بن بدر ثقة مشهور ، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي وغيرهم . وملازم ، قال الإمام أحمد : كان يحيى القطان يختاره على عكرمة بن عمار ، ويقول : هو أثبت حديثا . وقال ابن معين : هو ثبت ، وهو من أثبت أهل اليمامة . وعبد الرحمن بن علي بن شيبان مشهور ، وروى عنه جماعة من أهل اليمامة ، وذكره ابن حبان في الثقات . وقد قال الإمام أحمد : لا أعرف لحديث وابصة مخالفا . يعني : لا يعرف له حديثا يخالفه ، فإن حديث أبي بكرة يمكن الجمع بينه وبينه بما تقدم ، والجمع بين الأحاديث والعمل بها أولى من معارضة بعضها ببعض ، واطرادها واطراحها بعضها ، إذا كان العمل بها كلها لا يؤدي إلى مخالفة ما عليه السلف الأول . وقد تأول بعضهم قوله : لا صلاة لفذ خلف الصف على نفي الكمال دون الصحة ، ويرد هذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالإعادة . واختلف أصحابنا : هل تقع صلاة الفذ باطلة غير منعقدة ، أو تنقلب نفلا ؟ لهم فيه وجهان . واختار ابن حماد وغيره أنها تنقلب نفلا ، وظاهر كلام الخرقي أنها تبطل بالكلية . وتظهر فائدتها لو صلى ركعة فذا خلف الصف ، ثم جاء آخر فصف معه في الركعة الثانية ، فإن قلنا : صلاته باطلة ، فالثاني فذ - أيضا - وإن قلنا : هو متنفل صحت مصافته . ولأصحابنا وجه آخر : أن جماعته تبطل وتصح صلاته منفردا . وهو مروي عن النخعي ، قال : صلاته تامة وليس له تضعيف . خرجه البيهقي . وعلى هذا ، فيكون أمره بالإعادة في الجماعة ليحصل ثوابها ومضاعفتها ، وليس ذلك في الحديث . وقد يستدل به على أن من صلى منفردا فعليه الإعادة ، كما يقوله من يجعل الجماعة شرطا لصحة الصلاة . وهذا الوجه - أعني : بطلان جماعته وصحة صلاته منفردا - جزم به ابن عقيل من أصحابنا في موضع من كتابه الأصول . وحكى في موضع آخر منه وجهين : أحدهما كذلك ، وعلله بأن البطلان يختص بالجماعة ، فيصح فرضه ويكون منفردا . والثاني : يبطل فرضه وتصير صلاته نفلا . الوجهان مطردان في كل صلاة وجد فيها خلل يعود إلى الجماعة خاصة ؛ كمن صلى فذا قدام الإمام ، أو انتقل من الجماعة إلى الانفراد لغير عذر ، أو عكسه ، أو ائتم بمن لا يجوز الائتمام به . ومن أصحابنا من قال : إن لم يعلم امتناع ذلك انقلبت الصلاة نفلا ، وإن علم ففي البطلان وانقلابها نفلا وجهان ، والأظهر الأول . وإن صلى الفذ خلف الصف لا يسقط فرضه ، وعليه إعادتها كما نص عليه أحمد وأكثر أصحابه . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤكد أمر الصفوف وتعديلها وتسويتها ، وهي من خصائص هذه الأمة كما سبق ذكره ، فالمصلي في جماعة من غير مخل بما يلزم من القيام في الصف ، فعليه الإعادة إذا تركه عمدا ، وهو عالم بالنهي ، قادر على الصلاة في الصف . فأما إن كان جاهلا ففيه خلاف سبق ذكره . وإن كان عاجزا ففيه خلاف يأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وقد عارض بعضهم حديث وابصة بحديث ابن عباس ، لما صلى عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - فأداره من ورائه إلى يمينه ، قال : فهو في حال إدارته فذ . وهذا ليس بشيء ، فإن المصلي في صف إذا زال اصطفافه ثم عاد سريعا على وجه أكمل من الأول لم يضره ذلك ، كما أن الإمام في صلاة الخوف تفارقه طائفة ، ويبقى منتظرا لطائفة أخرى ، ولا يضره ذلك . والله أعلم . ونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : إن صلى الصلاة كلها خلف الصف أعاد صلاته ، فإن صلى ركعة فذا ، ثم جاء آخر فقام إلى جنبه ، فإنه يعيد تلك الركعة ، فلم تبطل سوى ركعته التي كان فيها فذا ، وأمره أن يبني على تكبيرة الإحرام . ومذهب أحمد : أنه إذا صلى ركعة تامة في أول صلاته فذا أنه يعيد صلاته كلها . واختلفت الرواية عنه : إذا صلى ركعة في الصف ثم صار فذا . ونقل مهنا عن أحمد في رجل صلى يوم الجمعة ركعة وسجدتين في الصف ، ثم زحموه ، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده : يعيد تلك الركعة التي صلاها وحده . ونقل عنه بعض أصحابه : أنه يعيد الصلاة كلها في هذه المسألة ، منهم : ابناه صالح وعبد الله والأثرم وغيرهم . وحمل القاضي أبو يعلى في خلافه الكبير رواية حنبل على أحد وجهين : أحدهما : ما أومأ إليه أبو بكر : أن الصلاة في هذه الحال انعقدت في الصف ، وإنما صار فذا في أثنائها ، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء في الاستدامة ، كالعدة والردة والإحرام في عقد النكاح . والثاني : أنه في هذه الحال صار فذا بغير اختياره ، فهي حال ضرورة . هكذا حكى القاضي أبو يعلى وأصحابه مذهب أحمد . وحكى أبو حفص الخلاف عن أحمد فيمن صلى ركعة فذا : هل تبطل ركعته فقط ، أم صلاته كلها ؟ وحكى في ذلك روايتين ، وسوى بين الركعة الأولى وغيرها ، ولم يفرق بين حال ضرورة وغيرها . وذكر أن الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ روى عن أحمد ، قال : إذا ركع ركعة سجد ، ثم دخل في الصف ، يعيد التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلها . قال أبو حفص : والأصح عندي أنه يعيد ما صلى دون الصف حسب ، فيعيد الركعة أو الركعتين ، ولا يعيد ما صلى مع غيره ، قال : لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد ؛ لأنه لا يختلف قوله أنه إذا كبر وحده أنها صحيحة . فصرح أبو حفص بأنه لو صلى ركعتين فذا ، ثم دخل في الصف ، أو وقف مع غيره أنه يعيد ما صلى فذا وحده . ورد القاضي أبو يعلى قوله - فيما قرأته بخطه - بأن القياس يقتضي بطلان الصلاة فذا في تكبيره والركوع ، لأن ما أبطل جميع الصلاة يفسد بعضها ، كالحدث . قال : وإنما أجاز ذلك القدر لحديث أبي بكرة . يعني : أن أحمد أجاز صلاة الفذ إذا لم يتم الركعة فذا ؛ لحديث أبي بكرة . فإن دخل في الصف ، أو قام معه آخر قبل رفع الإمام ، فمن الأصحاب من قال : يصح له ركعة بغير خلاف ، لإدراكه الركعة في الصف ، ومنهم من حكى فيه روايتين أيضا . وإن كان ذلك بعد أن رفع وقبل السجود ففيه روايتان : أصحهما : أنه لا يعتد بتلك الركعة ، لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة . والثانية : تصح ؛ لأنه أدرك في الصف السجدتين ، وهما معظم الركعة . وفي بطلان صلاته من أصلها وبنائه على تكبيرته روايتان - أيضا - على ما حكاه أبو حفص . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فقالوا : تبطل صلاته رواية واحدة . وأكثر النصوص عن أحمد تدل على البطلان . والله أعلم .
58 - باب إذا قَامَ عَنْ يَسَار الإمَامِ فَحوَّلهُ الإمَامُ إلى يَمِيِنهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ 698 - حَدَّثَنَا أحمد ، ثنا ابن وهب ، ثنا عَمْرِو ، عَن عَبْد ربه بن سَعِيد ، عَن مخرمة بن سُلَيْمَان ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : نمت عِنْدَ ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها تلك الليلة ، فتوضأ ، ثُمَّ قام يصلي ، فقمت عَن يساره ، فأخذني فجعلني عَن يمينه ، فصلى ثلاث عشرة ركعة ، ثُمَّ نام حَتَّى نفخ - وكان إذا نام نفخ - حَتَّى أتاه المؤذن ، فخرج فصلى ولم يتوضأ . قَالَ عَمْرو : فحدثت بِهِ بكيراً ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي كريب بذلك . ( أحمد ) هَذَا غير منسوب ، قَدْ رَوَى عَنْهُ البخاري فِي مواضع عَن عَبْد الله بن وهب ، وقد اختلف فِيهِ : فَقِيلَ : هُوَ أحمد بن عَبْد الرحمن بن وهب ابن أخي عَبْد الله بن وهب ، قاله أبو أحمد الحَاكِم وغيره . وأنكر آخرون أن يكون البخاري رَوَى عَن ابن أخي ابن وهب فِي ( صحيحه ) ؛ لما اشتهر من الطعن عَلِيهِ ، لا سيما فِي آخر عمره . وقالوا : إنه أحمد بن صالح ، أو أحمد بن عيسى التستري ؛ فإنهما يرويان عَن ابن وهب ، وقد رَوَى البخاري عنهما فِي ( كتابه ) من غير شك . ومن قَالَ : إن أحمد هَذَا ، هُوَ : ابن حَنْبل ، فَقَدْ أخطأ ؛ فإن الإمام أحمد لا يروي عَن ابن وهب ، بل عَن أصحابه . والأظهر : أَنَّهُ أحمد بن صالح ؛ وبذلك جزم أبو عَبْد الله بن منده ، قَالَ : لَمْ يخرج البخاري عَن أحمد بن عَبْد الرحمن فِي ( صحيحه ) شيئاً ، وكلما قَالَ فِي ( الصحيح ) : ( حَدَّثَنَا أحمد : ثنا ابن وهب ) فهو ابن صالح المصري ، وإذا رَوَى عَن أحمد بن عيسى نسبه . والله أعلم . وقد استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن من قام عَن يسار الإمام ، فحوله إلى يمينه لَمْ تفسد صلاته - وفي بعض النسخ : صلاتهما أما صلاة الإمام فلا تفسد بمده لَهُ بيده وتحويله من جانب إلى جانب . وقد خرج البخاري هَذَا الحَدِيْث فيما بعد ، وفيه : أَنَّهُ أخذ برأسه من ورائه ، فجعله عَلَى يمينه . وإنما حوله النبي صلى الله عليه وسلم من وراء ظهره لئلا يكون ماراً فِي قبلته . وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَطَاء ، عَن ابن عَبَّاس ، وفي حديثه : قَالَ : فقمت إلى شقه الأيسر ، فأخذني من وراء ظهره ، فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن . وفي رِوَايَة لَهُ - أَيْضاً - فتناولني من خلف ظهره ، فجعلني عَلَى يمينه . وقيل فِيهِ معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ لَوْ أداره من بَيْن يديه لتقدم المأموم عَلَى إمامه فِي الموقف ، وأما صلاة المأموم فلا تفسد بمشية من أحد جانبي الإمام إلى جانبه الآخر ؛ لأن هَذَا عمل يسير فِي الصلاة فلا تفسد بِهِ الصلاة . وقد اختلف النَّاس فِي حد العمل اليسير الَّذِي يعفى عَنْهُ فِي الصلاة فلا يبطلها . فالصحيح عِنْدَ أصحابنا أَنَّهُ يرجع فِيهِ إلى عرف النَّاس من غير تقدير لَهُ بمرة أو مرتين . ومنهم من قدره بالمرة والمرتين ، وجعل الثلاث فِي حد الكثرة ، وكلام أحمد مخالف لهذا مَعَ مخالفته للسنن والآثار الكثيرة . وللشافعية فِي الخطوتين والضربتين وجهان . ومن الحنفية من قَالَ : الكثير ، مَا لَمْ يمكن إقامته إلا باليدين كالإرضاع ، واليسير : مَا يمكن بإحداهما . ومنهم من قَالَ : الكثير : مَا لَوْ رآه الناظر لاستيقن أَنَّهُ ليس فِي صلاة . واليسير : بخلافه . ومنهم من قدر المشي المبطل بما جاوز محل السجود . والرجوع فِيهِ إلى العرف أظهر ؛ لأنه ليس لَهُ حد فِي الشرع . وقد وردت السنة بالعفو عما لا يعد كثيراً عرفاً ، كتأخيره وتأخير الصفوف خلفه فِي صلاة الكسوف ، ومشيه حَتَّى فتح الباب لعائشة ، وقد تأخر أبو بَكْر بحضرته من مقام الإمام حَتَّى قام فِي صف المأمومين ، ورفع يديه وحمد الله . وأذن فِي قتل الحية والعقرب فِي الصلاة ، وكل هذه الأفعال تزيد عَلَى المرتين والثلاث . وقد سبق القول فِي حمله صلى الله عليه وسلم أمامة فِي الصلاة ، وأنه كَانَ يحملها إذا قام ويضعها إذا ركع . واستدل بحديث ابن عَبَّاس المخرج فِي هَذَا الباب الشَّافِعِيّ ومن وافقه عَلَى أن من أساء الموقف وصلى عَن يسار الإمام ، فإن صلاته صحيحة مَعَ الكراهة ، وألحقوا بِهِ من صلى خلف الصف وحده . ووجه استدلالهم بِهِ : أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يبطل تحريمته وأقره عَلَى البناء عَلَيْهَا . وأما الإمام أحمد ، فعنده لا تصح صلاة من وقف عَلَى يسار الإمام إذا لَمْ يكن عَن يمينه أحد . وإنما يبطل عنده إذا استمر فِي موقفه حَتَّى ركع الإمام ورفع ، فأما إن كبر عَلَى يسار الإمام ، ثُمَّ تحول إلى يمينه ، أو وقف عَن يمين الإمام آخر قَبْلَ الركوع ، فإن الصلاة عنده صحيحة . وكذا لَوْ جَاءَ آخر إلى خلف الإمام ، فتأخر القائم عَن يساره إلى القائم خلفه ، فاصطفا جميعاً قَبْلَ الركوع . وحكى القاضي فِي ( شرح المذهب ) عَن ابن حامد ، أَنَّهُ حكى رِوَايَة عَن أحمد ، أَنَّهُ يصح الوقوف عَن يسار الإمام فِي النافلة خاصة ، كما كبر ابن عَبَّاس عَن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فِي النافلة . والصحيح عَن أحمد : الأول . فإن قيلَ : فَقَدْ صلى النبي صلى الله عليه وسلم بجابر عَن يمينه ، ثُمَّ جَاءَ آخر فقام عَن يساره ، فأخرهما النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) . ولم يدل ذَلِكَ عَلَى أن صلاة الاثنين عَن جانبي الإمام لا تصح . قيل : إنما صح قيام الاثنين عَن جانبي الإمام ؛ لأن ابن مَسْعُود فعله ، ورواه عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فِي القيام عَن يسار الإمام نَصَّ يدل عَلَى صحة صلاة من أتم صلاته عَن يساره . والله أعلم . وأيضاً ؛ فالوقوف عَن جانبي الإمام مشروع فِي حق العراة وحق النِّسَاء ، وأما القيام عَن يساره خاصة ، فليس بمشروع بحال .
113 - باب جهر المأموم بالتأمين 782 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) . تابعه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ونعيم المجمر ، عن أبي هريرة . حديث محمد بن عمرو الذي أشار إليه خرجه البيهقي ، ولفظه : ( إذا قال القارئ وَلا الضَّالِّينَ فقال من خلفه : آمين ، فوافق ذلك قول أهل السماء آمين ؛ غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وحديث نعيم المجمر ، عن أبي هريرة خرجه النسائي ، ولفظه : عن نعيم ، قال : صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ثم قرأ بأم القرآن ، حتى بلغ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقال : آمين ، فقال الناس : آمين ، ويقول كلما سجد : الله أكبر ، وإذا قام من الجلوس من الاثنتين : الله أكبر ، وإذا سلم قال : والذي نفسي بيده ، إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . وحديث أبي صالح الذي خرجه البخاري ، وحديث محمد بن عمرو الذي أشار إليه استدل بهما من يقول : إن الإمام لا يؤمن ولا يجهر بالتأمين ؛ فإنه أمر المأموم أن يؤمن عقيب فراغ الإمام من قراءة : وَلا الضَّالِّينَ وأجاب عنه من قال : يؤمن جهراً ، بأنه إشارة إلى أن تأمينه يكون مع تأمين الإمام لا بعده ؛ فإنه قد سبق في رواية بأن الإمام يقول : آمين ، والملائكة تقول : آمين . وأجاب بعضهم - كالخطابي - بأنه يحتمل أن يكون هذا محمولا على من بعد عن الإمام ولم يسمع تأمينه ، وسمع قراءته ؛ فإن جهر الإمام بالتأمين دون جهره بالقراءة فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه . وأما حديث نعيم ، عن أبي هريرة ، فلا حجة فيه ؛ فإن أبا هريرة أمن على قراءة نفسه حيث كان إماماً ، وقال : إني أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي استدلال البخاري بقوله : ( فقولوا : آمين ) على جهر المأموم بالتأمين نظر ، إلا أن يقال : قد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين قول الإمام : وَلا الضَّالِّينَ وقول المأموم : آمين ، وسماهما قولا ، وجعل قول المأموم كالمجاوبة للإمام ، وقول المأموم إنما يكون جهراً ؛ لأن هذا الخطاب مختص بالصلاة الجهرية بالاتفاق ، فيكون مجاوبته بالتأمين جهراً أيضا .
59 - باب إذا لَمْ ينوِ الإمامُ أنْ يؤمٌ ، ثُمَّ جَاءَ قوْمٌ فَأَمَّهُمْ 699 - حَدَّثَنَا مسدد ، قَالَ : ثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيْم ، عَن أيوب ، عَن عَبْد الله بن سَعِيد بن جبير ، عَن أَبِيه ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : بت عِنْدَ خالتي ميمونة ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، فقمت أصلي مَعَهُ ، فقمت عَن يساره ، فأخذ برأسي وأقامني عَن يمينه . استدل البخاري بهذا عَلَى أن من أحرم بالصلاة منفرداً ، ثُمَّ حضر فِي أثناء الصلاة من ائتم بِهِ ، فإنه ينوي الإمامة ، وتصح صلاته وصلاة من ائتم بِهِ عَلَى هذه الحال . فتضمن ذَلِكَ مسألتين مختلفاً فيهما : إحداهما : أن من لَمْ ينو الإمامة فِي ابتداء صلاته : هَلْ يصح أن يأتم بِهِ غيره ، أم لا ؟ وفي المسألة أقوال : أحدها : يجوز ذَلِكَ ، فلا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة ، بل لَوْ نوى المأموم الاقتداء بمنفرد جاز ، هَذَا قَوْلِ مَالِك والشافعي والثوري - فِي رِوَايَة - وزفر ، وحكي رِوَايَة عَن أحمد . والقول الثاني : لا يجوز بحال ، وَهُوَ ظاهر مذهب أحمد ، وقول الثوري فِي رِوَايَة إِسْحَاق . واستدل لهم بأن الجماعة قربة وعبادة ، فلا تنعقد إلا بإمام ومأموم ، وفضلها مشترك بَيْنَهُمَا ، فلا يحصل لهما ذَلِكَ بدون النية ، عملاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ مَا نوى ) . وأجاب بعض أصحابنا عَن حَدِيْث ابن عَبَّاس ، بأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام الخلق عَلَى كل حال ، فلا يحتاج إلى نية الإمامة ، فلا يلحق بِهِ غيره . والقول الثالث : يصح ذَلِكَ فِي الفرض دون النفل ، وَهُوَ رِوَايَة منصوصة عَن أحمد ، استدلالاً بحديث ابن عَبَّاس هَذَا . والقول الرابع : إن أم رَجُل رجلاً لَمْ يحتج أن ينوي الإمامة ، وإن أم امرأة احتاج إلى نية الإمامة ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وصاحبيه . المسألة الثانية : إذا أحرم منفرداً ، ثُمَّ نوى الإمامة ، وفي - أَيْضاً - أقوال : أحدها : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابنا ، بناء عَلَى أصلهم فِي أن الإمام يشترط أن ينوي الإمامة عَلَى مَا سبق ، فيصير ذَلِكَ من ابتداء صلاته . والثاني : يجوز ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك والشافعي ، بناء عَلَى أصولهم فِي أن نية الإمام للإمامة ليست شرطاً ، عَلَى مَا سبق . ووافقهم بعض أصحابنا لمعنى آخر ، وَهُوَ : أن طرفي الصلاة يجوز أن يكون فِي أولها إماماً وفي الآخر منفرداً ، وَهُوَ المسبوق إذا استخلفه الإمام ، فكذا بالعكس . والثالث : أَنَّهُ يجوز فِي الفرض دون النفل ، وَهُوَ المنصوص عَن أحمد ؛ لحديث ابن عَبَّاس هَذَا . والظاهر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نوى إمامته حينئذ ؛ لأنه أداره إلى يمينه ، وأوقفه موقف المأموم . وفي معناه : حَدِيْث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فِي رمضان فِي حجرته ، واقتداء النَّاس بِهِ فِي المسجد ، وسيذكره البخاري فيما بعد .
112 - باب فضل التأمين 781 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وخرج مسلم من رواية أبي يونس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال أحدكم في الصلاة : آمين ، والملائكة في السماء : آمين ، فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ) . ومن رواية سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال القارئ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقال من خلفه : آمين ، فوافق قوله قول أهل السماء ، غفر له ما تقدم من ذنبه ) . وروى إسحاق بن راهويه ، حدثنا جرير ، ثنا ليث ، عن كعب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الإمام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقال : آمين ، فوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء ، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ، ومثل من لا يقول : آمين ، كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا ، فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه ، فقال : لم لم يخرج سهمي ؟ فقيل : إنك لم تقل آمين ) . قال أبو هريرة : وكان الإمام إذا قال : وَلا الضَّالِّينَ جهر بآمين . كعب هذا ، قال أحمد : لا أدري من هو ، وقال أبو حاتم : مجهول لا يعرف . وقد ذكرنا - فيما تقدم - أن الحديث على ظاهره ، وأن الملائكة في السماء تؤمن على قراءة المصلين في الأرض للفاتحة . وفي ( صحيح مسلم ) من رواية العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله : حمدني عبدي ، فإذا قال : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال : مجدني عبدي - وقال مرة : فوض إلي عبدي فإذا قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قالَ : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل ) . فهذا الحديث يدل على أن الله يستمع لقراءة المصلي حيث كان مناجيا له ، ويرد عليه جواب ما يناجيه به كلمة كلمة ، فأول الفاتحة حمد ، ثم ثناء ، وهو تثنية الحمد وتكريره ، ثم تمجيد ، والثناء على الله بأوصاف المجد والكبرياء والعظمة ، ثم ينتقل العبد من الحمد والثناء والتمجيد إلى خطاب الحضور ، كأنه صلح حينئذ للتقريب من الحضرة ، فخاطب خطاب الحاضرين ، فقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذه الكلمة قد قيل : إنها تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها ؛ لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة ، كما قالَ : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك ، فالعبادة حق الله على عباده ، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم ، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده ؛ لأن العبادة حق الله على عبده ، والإعانة من الله فضل من الله على عبده . وبعد ذلك الدعاء بهداية الصراط المستقيم ؛ صراط المنعم عليهم ، وهم الأنبياء وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين ، كما ذكر ذلك في سورة النساء . فمن استقام على هذا الصراط حصل له سعادة الدنيا والآخرة ، واستقام سيره على الصراط يوم القيامة ، ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه ، وهو من يعرف طريق الهدى ولا يتبعه كاليهود ، أو ضال عن طريق الهدى كالنصارى ونحوهم من المشركين . فإذا ختم القارئ في الصلاة قراءة الفاتحة ، أجاب الله دعاءه فقال : ( هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) وحينئذ تؤمن الملائكة على دعاء المصلي ، فيشرع للمصلين موافقتهم في التأمين معهم ، فالتأمين مما يستجاب به الدعاء . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، يجبكم الله ) . ولما كان المأموم مأموراً بالإنصات لقراءة الإمام ، مأموراً بالتأمين على دعائه عند فراغ الفاتحة ؛ لم يكن عليهِ قراءة ؛ لأنه قد أنصت للقراءة ، وأمن على الدعاء ، فكأنه دعا ، كما قال كثير من السلف في قول الله تعالى لموسى وهارون : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا قالوا : كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما داعيين .
60 - باب إذا طَوَّلَ الإمامُ وَكَانَ للرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرجَ وَلمْ يُصَلِّ 700 - حَدَّثَنَا مُسْلِم بن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو ، عَن جابر بن عَبْد الله ، أن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه . 701 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن بشار ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو ، سَمِعْت جابر بن عَبْد الله قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه ، فيصلي العشاء ، فقرأ بالبقرة فانصرف رَجُل ، فكأن معاذاً تناول مِنْهُ ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( فتان ) - ثلاث مرار - أو قَالَ : ( فاتن ) - ثلاث مرار وأمره بسورتين من أوسط المفصل . قَالَ عَمْرو : لا أحفظهما . خرجه عالياً مختصراً ، ثُمَّ خرجه بتمامه نازلاً ، وفي سياقه موضع الاستدلال بِهِ عَلَى مَا بوب عَلِيهِ ، وَهُوَ انصراف الرَّجُلُ لما قرأ معاذ بسورة البقرة . وفيه : دليل عَلَى أن الصَّحَابَة لَمْ يكن من عادتهم قراءة بعض سورة فِي الفرض ؛ فإن معاذاً لما افتتح سورة البقرة علم الرَّجُلُ أَنَّهُ يكملها فِي صلاته ، فلذلك انصرف . وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث سُفْيَان - هُوَ : ابن عُيَيْنَة عَن عَمْرِو ، عَن جابر ، وَقَالَ فِي حديثه : فافتتح بسورة البقرة ، فانحرف رَجُل فسلم ، ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، فقالوا لَهُ : أنافقت يَا فلان ؟ قَالَ : لا ، والله ، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فَقَالَ : يَا رسول الله ، إنا أصْحَاب نواضح ، نعمل بالنهار ، وإن معاذاً صلى معك العشاء ، ثُمَّ أتى فافتتح بسورة البقرة ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى معاذ ، فَقَالَ : ( يَا معاذ ، أفتان أنت ؟ ) وذكر الحَدِيْث . ففي هذه الرواية : أَنَّهُ انصرف بمجرد افتتاح معاذ للبقرة . وفيها : أَنَّهُ سلم ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، ولم ينكر عَلِيهِ النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ . وذكر البيهقي فِي ( كِتَاب المعرفة ) : أن هذه الزيادة - يعني : سلام الرَّجُلُ - تفرد بِهَا مُحَمَّد بن عباد ، عَن سُفْيَان ، قَالَ : لا أدري هَلْ حفظها عَن سُفْيَان ، أم لا ؛ لكثرة من رواه عَن سُفْيَان بدونها ؟ وقد خرجه النسائي من طريق سُفْيَان - أَيْضاً - وزاد فِيهِ بعد قوله : ( فاستفتح بسورة البقرة ) : ( فلما سَمِعْت ذَلِكَ تأخرت فصليت ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق الأعمش ، عَن محارب بن دثار وأبي صالح ، عَن جابر ، وفي حديثه : أن معاذاً ذكر أمر الرَّجُلُ للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( مَا حملك عَلَى الَّذِي صنعت ؟ ) فَقَالَ : يَا رسول الله ، عملت عَلَى ناضح من النهار ، فجئت وقد أقيمت الصلاة ، فدخلت المسجد فدخلت مَعَهُ فِي الصلاة ، وقرأ سورة كذا وكذا وطول ، فانصرفت فصليت فِي ناحية المسجد ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفتان يَا معاذ ؟ ) . فيستدل بهذا : عَلَى أن الإمام إذا طول عَلَى المأموم وشق عَلِيهِ إتمام الصلاة مَعَهُ ؛ لتعبه أو غلبة النعاس عَلِيهِ أن لَهُ أن يقطع صلاته مَعَهُ ، ويكون ذَلِكَ عذراً فِي قطع الصلاة المفروضة ، وفي سقوط الجماعة فِي هذه الحال ، وأنه يجوز أن يصلي لنفسه منفرداً فِي المسجد ثُمَّ يذهب ، وإن كان الإمام يصلي فِيهِ بالناس . قَالَ سُفْيَان : إذا خشي عَلَى غنمه الذئب ، أو عَلَى دابته أن تؤخذ ، أو عَلَى صبيه أن يأكله الذئب ، فلا بأس أن يقطع صلاته ويذهب إليه . وَقَالَ الْحَسَن وقتادة ، فِي رَجُل كَانَ يصلي فأشفق أن تذهب دابته ، أو أغار عَلَيْهَا السبع ؟ قَالا : ينصرف ، قيلَ لقتادة : يرى سارقاً يريد أن يأخذ نعليه ؟ قَالَ : ينصرف . ولو طول الإمام تطويلاً فاحشاً ، أو حدث للمأموم عذر ، مثل حدوث مرض ، أو سماع حريق وقع فِي داره ، أو خاف فساد طعام لَهُ عَلَى النار ، أو ذهاب دابة لَهُ عَلَى بَاب المسجد ونحو ذَلِكَ ، فنوى مفارقة إمامه ، وأتم صلاته منفرداً وانصرف ، جاز ذَلِكَ عِنْدَ أصحابنا - أَيْضاً وحكوه عَن الشَّافِعِيّ وأبي يوسف ومحمد . وعن مَالِك وأبي حنيفة : تبطل صلاته بذلك . واستدل أصحابنا بما رَوَى الإمام أحمد فِي ( مسنده ) : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل - هُوَ : ابن علية ثنا عَبْد العزيز بن صهيب ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يؤم قومه ، فدخل حرام وَهُوَ يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد مَعَ القوم ، فلما رأى معاذاً طول تجوز فِي صلاته ولحق بنخله يسقيه ، فلما قضى معاذ الصلاة قيلَ لَهُ : إن حراماً دَخَلَ المسجد ، فلما رآك طولت تجوز فِي صلاته ولحق نخله يسقيه ، قَالَ : إنه لمنافق ، أيعجل عَن الصلاة من أجل سقي نخله ؟ قَالَ : فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده ، فَقَالَ : يَا نبي الله ؛ إني أردت أن أسقي نخلاً لِي ، فدخلت المسجد لأصلي مَعَ القوم ، فلما طول تجوزت فِي صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أني منافق ، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى معاذ ، فَقَالَ : ( أفتان أنت ؟ لا تطول بهم ، اقرأ بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ونحوهما ) . وخرج - أَيْضاً - من طريق حسين بن واقد ، عَن عَبْد الله بن بريدة ، عَن أَبِيه ، أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء ، فقرأ فيها اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فقام رَجُل من قَبْلَ أن يفرغ ، فصلى وذهب ، فَقَالَ لَهُ معاذ قولاً شديداً ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه ، وَقَالَ : إني كُنْتُ أعمل فِي نخل ، وخفت عَلَى الماء ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لمعاذ - : ( صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور ) . وروى مُحَمَّد بن عجلان ، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم ، عَن جابر ، هذه القصة بطولها ، وفيها : فصلى خلفه فتى من قومه ، فلما طال عَلَى الفتى صلى وخرج ، وفي هَذَا الحَدِيْث : أن معاذاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع الفتى ، فَقَالَ : يَا رسول الله ، يطيل المكث عندك ، ثُمَّ يرجع فيطول علينا ، فَقَالَ : ( أفتان أنت يَا معاذ ؟ ) وذكر الحَدِيْث . خرجه أبو داود مختصراً لَمْ يتمه . وَقَالَ أصحابنا : هذه قصة أخرى غير قصة الَّذِي سلم من صلاته وصلى لنفسه وانصرف . وقد روي أن الرَّجُل صلى قَبْلَ أن يجيء معاذ ، وانصرف لما أبطأ معاذ ، وأن اسمه : سليم . وهذا يدل عَلَى أن هذه قصة أخرى غير قصة حرام . فروى أسامة بن زيد : سَمِعْت معاذ بن عَبْد الله بن خبيب ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله ، قَالَ : كَانَ معاذ يتخلف عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا جَاءَ أم بقومه ، وكان رَجُل من بني سَلَمَة - يقال لَهُ : سليم - يصلي مَعَ معاذ ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة ، فصلى سليم ثُمَّ انصرف ، وذكر الحَدِيْث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليماً : كَيْفَ صلى ؟ فَقَالَ : قرأت بفاتحة الكتاب وسورة ، ثُمَّ قعدت وتشهدت ، وسألت الجنة وتعوذت من النار ، وصليت عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ انصرفت ، وليس أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ : ( هَلْ أدندن أنا أو معاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار ؟ ) ثُمَّ أرسل إلى معاذ : ( لا تكن فتاناً تفتن النَّاس ، ارجع إليهم فصل بهم قَبْلَ أن يناموا ) . خرجه البزار . وقد روي أن اسم الرَّجُلُ حزم بن أَبِي كعب . وقد خرج أبو داود حديثه مختصراً . وهذا يستدل بِهِ عَلَى أنها وقائع متعددة . ولم نقف فِي شيء من الروايات عَلَى أن الرجل قطع صلاته وخرج من المسجد ولم يصل ، كما بوب عَلِيهِ البخاري ، وفي بعض النسخ : ( فخرج فصلى ) ، وَهُوَ أصح . ولو فارق المأموم لغير عذر ، لَمْ يجز فِي أصح الروايتين عَن أحمد ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك ، والثانية : يجوز ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف ومحمد . وللشافعي قولان . واستدلوا عَلَى أَنَّهُ لا يجوز ، وأن الصلاة تبطل بِهِ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فلا تختلفوا عَلِيهِ ) ، ومفارقته من غير عذر من الاختلاف عَلِيهِ . وأيضاً ؛ فَقَدْ سبق الاستدلال عَلَى وجوب الجماعة ، والواجب إذا مَا شرع فِيهِ لَمْ يجز إبطاله وقطعه لغير عذر ، كأصل الصلاة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
111 - باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء : آمين دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ، وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تسبقني بآمين . وقال نافع : كان ابن عمر لا يدعه ، ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خبراً . قال عبد الرزاق : أنا ابن جريج ، قلت لعطاء : كان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، حتى إن للمسجد للجة ، قال : إنما آمين دعاء ، قال : وكان أبو هريرة يدخل المسجد ، وقد قام الإمام فيه ، فيقول : لا تسبقني بآمين . وروى يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين ، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين . وروى عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : قالَ بلال : يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين . وهذا مرسل . وخرجه أبو داود ، وعنده : عن أبي عثمان ، عن بلال . وهو خطأ ، قاله أبو حاتم الرازي ، قال : وهو مرسل . وقيل : إن أبا عثمان لم يسمع من بلال بالكلية ؛ لأنه قدم المدينة في خلافة عمر ، وقد كان بلال انتقل إلى الشام قبل ذلك . وقد رواه هشام بن لاحق ، عن عاصم ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، عن بلال ، فوصله . وهشام ، تركه الإمام أحمد وغيره . وقول عطاء في آمين : إنها دعاء ، يريد به - والله أعلم - أن معنى آمين : اللهم استجب ، ونحو هذا من الدعاء . وفي ( سنن أبي داود ) عن أبي زهير النميري - وكان من الصحابة - أنه كان يقول : إذا دعا أحدكم بدعاء فليختمه بآمين ؛ فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة ، وذكر أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، قال : فأتينا على رجل قد ألح في المسألة ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يسمع منه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوجب إن ختم بآمين ) . وخرج ابن عدي بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة - مرفوعاً - : ( آمين قوة الدعاء ) . وفي ( آمين ) لغتان : المد ، والقصر ، والميم مخففة ، وحكي عن بعضهم تشديدها ، وقالوا : معناها قاصدين نحوك ، وزعم بعضهم أن آمين اسم من أسماء الله ، وفيه أقوال أخر لا تكاد تصلح . و ( اللجة ) - بفتح اللام وتشديد الجيم - : اختلاط الأصوات والضجات . و ( الرجة ) - بالراء - مثلها . وقول أبي هريرة : ( لا تسبقني بآمين ) يدل على فضل شهود المأموم مع إمامه آمين . وروي عن أبي الدرداء ، أنه سمع إقامة الصلاة ، فقالَ : أسرعوا بنا ندرك آمين . وقد قال وكيع : من أدرك آمين مع إمامه فقد أدرك معه فضيلة تكبيرة الإحرام . وأنكر الإمام أحمد ذلك ، وقال : لا تدرك فضيلة تكبيرة الإحرام إلا بإدراكها مع الإمام .
قال البخاري : 780 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، أنهما أخبراه ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه ) . وقال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( آمين ) . قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( آمين ) ، هوَ مما أرسله الزهري في آخر الحديث ، وقد روي عن الزبيدي ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته ، فقالَ : ( آمين ) . خرجه الدارقطني . وقال : إسناده حسن . كذا قال ، ووصله وهم ، إنما هو مدرج من قول الزهري ، كما رواه مالك . وروى ابن وهب هذا الحديث ، عن مالك ويونس ، عن الزهري ، وزاد فيه بعد قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) : ( فإن الملائكة تؤمن ) ، وذكر باقي الحديث . خرجه البيهقي . وخرجه ابن ماجه بهذه الزيادة - أيضاً - من رواية سفيان ، عن الزهري . دل هذا الحديث على أن الإمام والمأمومين يؤمنون جميعاً ، وهذا قول جمهور أهل العلم . روي عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأبي هريرة . وقال عطاء : لقد كنت أسمع الأئمة يقولون على إثر أم القرآن : آمين ، هم أنفسهم ومن وراءهم ، حتى إن للمسجد للجة . وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد . وهو رواية المدنيين عن مالك واختيارهم . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن الإمام لا يؤمن ، إنما يؤمن من خلفه ، وهو اختيار المصريين من أصحابه . وحملوا قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) على أن المراد بتأمين الإمام دعاؤه بقراءة آخر الفاتحة ، بدليل رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قال الإمام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ) وسيأتي فيما بعد إن شاء الله . وليس فيه ما يدل على أن الإمام لا يؤمن ، بل فيه دليل على اقتران تأمين المأمومين بتأمين الإمام . وقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، فإن الملائكة تقول : آمين ، وإن الإمام يقول : آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) . واختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال : أحدها : يجهر بها الإمام ومن خلفه ، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة ، وعامة أهل الحديث . واستدل بعضهم بقوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) فدل على سماعهم لتأمينه . وروي عن عطاء ، قال : أدركت مائتين من أصحاب محمد ، إذا قال الإمام : وَلا الضَّالِّينَ سمعت لهم ضجة بـ ( آمين ) . خرجه حرب . والثاني : يخفيها الإمام ومن خلفه ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابه . والثالث : يخفيها المأموم كما يخفي سائر الأذكار ، ويجهر بها الإمام ، وهو قول للشافعي . ومن أصحابه من حمله على حال على قلة المأمومين أو صغر المسجد بحيث يبلغهم تأمين الإمام ، فإن لم يكن كذلك جهر المأمومون قولا واحداً . وفي الجهر بالتأمين للإمام أحاديث مرفوعة يطول ذكرها . وقال الإمام أحمد - في رواية أبي داود - : يجهر الإمام حتى يسمع كل من في المسجد ، قال أبو داود : وكان مسجده صغيراً . وقال حرب : سمعت أحمد يجهر بآمين جهراً خفيفاً رقيقاً ، وربما لم أسمعه يجهر بها ، قال : وسمعت إسحاق قال : يجهر بها حتى يسمع الصف الذي يليه ، قال : ويجهر بها كل صف حتى يسمع الصف الذي يليهم ، حتى يؤمن أهل المسجد كلهم . ويكون تأمين المأمومين مع تأمين الإمام ، لا قبله ولا بعده ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي ، وقالوا : لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا ، فإن الكل يؤمنون على دعاء الفاتحة ، والملائكة يؤمنون أيضاً على هذا الدعاء ، فيشرع المقارنة بالتأمين للإمام والمأموم ، ليقارن ذلك تأمين الملائكة في السماء ؛ بدليل قوله في رواية معمر : ( فإن الملائكة تقول : آمين ، والإمام يقول : آمين ) ، فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة ، ويكون معنى قوله : ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) أي : إذا شرع في التأمين ، أو أراده . وورد أثر يدل على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام ، من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن عتاب العدوي ، قال : صليت مع أبي بكر وعمر والأئمة بعدهما ، فكان إذا فرغ الإمام من قراءة فاتحة الكتاب فقال : وَلا الضَّالِّينَ قال : آمين ، ورفع بها صوته ، ثم أنصت ، وقال من خلفه : آمين ، حتى يرجع الناس بها ، ثم يستفتح القراءة . إسناده ضعيف . وتأمين الملائكة هو على دعاء القارئ ، هذا هو الصحيح الذي يفهم من الحديث . وقد ذكر ابن عبد البر وغيره فيهِ أقوالاً أخر ، مرغوباً عن ذكرها ؛ لبعدها وتعسفها من غير دليل . وقد قال عكرمة : إذا أقيمت الصلاة فصف أهل الأرض صف أهل السماء ، فإذا قال أهل الأرض : وَلا الضَّالِّينَ قالت الملائكة : آمين ، فوافق آمين أهل الأرض آمين لأهل السماء ؛ غفر لأهل الأرض ما تقدم من ذنوبهم . وروى العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قرأ الإمام بأم القرآن فاقرأ بها واسبقه ؛ فإنه إذا قال : وَلا الضَّالِّينَ قالت الملائكة : آمين ، فمن وافق ذلك قمن أن يستجاب لهم . ولا يستحب أن يصل آمين بذكر آخر ، مثل أن يقول : آمين رب العالمين ؛ لأنه لم تأت به السنة ، هذا قول أصحابنا . وقال الشافعي : هو حسن . ولا يستحب أن يقدم على التأمين دعاء ؛ لأن التأمين على دعاء الفاتحة ، وهو هداية الصراط المستقيم ، وهو أهم الأدعية وأجلها . ومن السلف من استحب ذلك للمأموم ، منهم : الربيع بن خثيم والثوري . وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) حدثنا أبو مالك النخعي ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا قال الإمام : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فسل موجبة ، ثم قل : آمين . أبو مالك هذا ضعيف . وروى أبو بكر النهشلي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الله اليحصبي ، عن وائل بن حجر ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال : ( رب اغفر لي ، آمين ) . خرجه البيهقي وغيره . وهذا الإسناد لا يحتج به . وروى أبو حمزة ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يستحبون ذلك . وأبو حمزة هو ميمون الأعور ، ضعيف . وظاهر الأحاديث يدل على أن يوصل التأمين بالفاتحة من غير سكوت . وروى ابن المبارك ، ثنا عاصم الأحول ، عن حفصة بنت سيرين ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إذا قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ووصل بآمين ، فوافق تأمينه تأمين الملائكة استجيبت الدعوة . حفصة لم تسمع من ابن مسعود . واستحب الشافعية أن يسكت بين الفاتحة والتأمين سكتة لطيفة ؛ ليفصل القرآن عما ليس منه . والتأمين سنة في الصلاة ، وليس بواجب عند جمهور العلماء . وروى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ ، عن أحمد ، قال : آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا أمن القارئ فأمنوا ) فهذا أمر منه ، والأمر أوكد من الفعل .
61 - باب تَخْفيفِ الإمامِ فِي القيَامِ وإتْمامِ الرُّكُوعَ والسُّجُوِد 702 - حَدَّثَنَا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا إِسْمَاعِيل ، سَمِعْت قيساً قَالَ : أخبرني أبو مَسْعُود ، أن رجلاً قَالَ : والله يَا رسول الله ، إني لأتأخر عَن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا ، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي موعظة أشد غضباً مِنْهُ يومئذ ، ثُمَّ قَالَ : ( إن منكم منفرين ، فأيكم مَا صلى بالناس فليتجوز ؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ) . فِي هَذَا الحَدِيْث : أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه ؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة . وهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس . قَالَ حَنْبل بن إِسْحَاق : قال أبو عَبْد الله - يعني : أحمد - : إذا كَانَ المسجد عَلَى قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي ، فإن كَانَ مسجداً يعتزل أهله ويرضون بذلك فلا بأس ، وأرجو إن شاء الله . وقالت طائفة : عَلَى الإمام أن يخفف بكل حال . ورجحه ابن عَبْد البر ، قَالَ : لأنه وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري مَا يحدث بهم من آفات بني آدم ، وذكر أن تطويل الإمام غير جائز ، وأنه يلزمه التخفيف . وَقَالَ عَبْد الله بن أحمد : سألت أَبِي عَن الحَدِيْث الَّذِي جَاءَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم فِي صلاته ، قَالَ : ( وكان قيامه وركوعه وسجوده وقعوده بَيْن السجدتين قريباً من السواء ) : مَا تفسير ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أحب إلي أن يخفف ، ولا يشق عَلَى من خلفه ، وقد روي عَن النبي صلى الله عليه وسلم فِي التخفيف أحاديث . قَالَ أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر من أصحابنا : قَدْ يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ذَلِكَ فِي نفسه إذا كَانَ مصلياً ، وقد أمر أئمته بالتخفيف ، فيتوجه الحديثان عَلَى معنيين . كذا قَالَ ، وفيه نظر ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يخفف ويوجز ويتم الصلاة ، فَلَمْ يكن يفعل خلاف مَا أمر بِهِ الأئمة . وليس فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الَّذِي خرجه هاهنا مَا يدل عَلَى مَا بوب عَلِيهِ من تخفيف القيام وإتمام الركوع والسجود ، وقد خرج فيما بعد حَدِيْث أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يوجز ويتم . وقد رويت أحاديث فِي التخفيف مَعَ إتمام الركوع والسجود ، وهي مطابقة لترجمة هَذَا الباب ، لكن ليست عَلَى شرط هَذَا ( الكتاب ) . فخرج الإمام أحمد من حَدِيْث مَالِك بن عَبْد الله الخثعمي ، قَالَ : غزوت مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ أصل خلف إمام كَانَ أوجز مِنْهُ صلاة فِي تمام الركوع والسجود . ومن حَدِيْث عدي بن حاتم ، قَالَ : من أمنا فليتم الركوع والسجود ؛ فإن فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر السبيل وذا الحاجة ، هكذا كنا نصلي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرجه الطبراني ، ولفظه : أن عدي بن حاتم خرج إلى مجلسهم ، فأقيمت الصلاة فتقدم إمامهم ، فأطال الصلاة والجلوس ، فلما انصرف قَالَ : من أَمنا منكم فليتم الركوع والسجود ؛ فإن خلفه الصغير والكبير والمريض وابن السبيل وذا الحاجة ، فلما حضرت الصلاة تقدم عدي فأتم الركوع والسجود ، وتجوز فِي الصلاة ، فلما انصرف قَالَ : هكذا كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الطبراني وغيره من حَدِيْث نَافِع بن خَالِد الخزاعي ، حَدَّثَنِي أَبِي - وكان من أصْحَاب الشجرة - أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى والناس ينظرون صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود . فَقَدْ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى بالناس فإنه يخفف عنهم ، وإذا صلى لنفسه يطول . وفي ( مسند الإمام أحمد ) عَن أَبِي واقد الليثي ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم أخف النَّاس صلاة بالناس ، وأطول النَّاس صلاة لنفسه . فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بالناس هِيَ التخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره ، وإنما أنكر عَلَى من طول تطويلاً زائداً عَلَى ذَلِكَ ، فإن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة صلاة العشاء ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخرها كثيراً ، كما سبق ذكره فِي ( المواقيت ) ، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم ، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة ، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ . ويشهد لهذا : حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف ، وإن كَانَ ليؤمنا بالصافات . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة فِي ( صحيحه ) . والمراد : أن التخفيف المأمور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يفعله ، ومن كَانَ يفهم أَنَّهُ كَانَ يفعل خلاف مَا أمر بِهِ - كما أشعر بِهِ تبويب النسائي - فَقَدْ وهم . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن سماك ، قَالَ : سألت جابر بن سمرة عَن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : كَانَ يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء ، قَالَ : وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يقرأ فِي الفجر بـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ونحوها من السور . وخرجه الحَاكِم ، ولفظه : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي نحواً من صلاتكم ، ولكنه كان يخفف الصلاة ، كَانَ يقرأ فِي الفجر بالواقعة ونحوها من السور . فصرح بأن تخفيفه هُوَ قراءته بهذه السورة . وروى عَبْد الجبار بن العباس ، عَن عمار الدهني ، عَن الأعمش ، عَن إبراهيم التيمي ، قَالَ : كَانَ أَبِي ترك الصلاة مَعَنَا ، قَالَ : إنكم تخففون . قُلتُ : فأين قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن فيكم الكبير والضعيف وذا الحاجة ؟ ) فَقَالَ : قَدْ سَمِعْت عَبْد الله بن مَسْعُود يَقُول ذَلِكَ ، ثُمَّ صلى ثَلاَثَة أضعاف مَا تصلون . خرجه ابن خزيمة فِي ( صحيحه ) والطبراني . وروى مَالِك بن مغول ، عَن الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم التيمي ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ كَانَ يتخلف عَن الصلاة ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : إنكم تخففون ، فَقِيلَ : أليس قَدْ كَانَ يؤمر بذلك ؟ قَالَ : إن الَّذِي كَانَ عليهم خفيفاً عليكم ثقيل . واعلم ؛ أن التخفيف أمر نسبي ، فَقَدْ تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى مَا هُوَ أخف مِنْهَا ، فالتخفيف المأمور بِهِ الأئمة هُوَ الَّذِي كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفعله إذا أم ، فالنقص مِنْهُ ليس بتخفيف مشروع ، والزيادة عَلِيهِ إن كَانَ مِمَّا فعله الخُلَفَاء الراشدون كتطويل القراءة فِي صلاة الصبح ، عَلَى مَا كَانَ يفعله - أحيانا - أبو بَكْر وعمر فليس بمكروه ، نَصَّ عَلِيهِ الإمام أحمد وغيره ، وسيأتي ذَلِكَ فِي موضعه إن شاء الله تعالى . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي ( الأم ) : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم - ثلاثاً ويقول كل مَا حكيت عَن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يقوله - يعني : حَدِيْث عَلِيّ - قَالَ : وكل مَا قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عَنْهُ ، إماماً كَانَ أو منفرداً ، وَهُوَ تخفيف لا تثقيل . انتهى كلامه . فَقَدْ كَانَ حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من تخفيف الصلاة من الأئمة تخفيفاً ، وقد حكي ذَلِكَ عَن أهل الكوفة ، وحدث من يطيل الصلاة عَلَى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إطالة زائدة ، وكان ذَلِكَ فِي أهل الشام وأهل المدينة - أَيْضاً وكان السلف ينكرون عَلَى الطائفتين ، وقد ذكرنا إنكار يزيد التيمي - وكان من أعيان التابعين - عَلَى من خفف الصلاة من أئمة الكوفة ، وكان ابن عُمَر وغيره ينكرون عَلَى من أطال الصلاة إطالة زائدةً عَلَى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . ففي ( مسند الإمام أحمد ) عَن عطية ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجدات من سجود النبي صلى الله عليه وسلم . وعن حيان البارقي ، قَالَ : قيل لابن عُمَر : إن إماما يطيل الصلاة . فَقَالَ : ركعتين من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف - أو مثل ركعة - من صلاة هَذَا . وروى ابن أَبِي عاصم فِي ( كِتَاب السنة ) من رِوَايَة سَالِم بن حذلم ، قَالَ : رآني ابن عمر أصلي ، فلما انصرفت قَالَ لِي : ممن أنت ؟ قُلتُ : من أهل الشام ، قَالَ : إنكم أهل الشام تصلون الصلاة وتكثرون من الدعاء ، وإني لَمْ أصل خلف أحد أخف صلاة فِي تمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي ( المسند ) عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : رأيت أَبَا هُرَيْرَةَ صلى صلاة تجوز فيها ، فَقُلْت لَهُ : هكذا كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وأوجز . وفي رِوَايَة : ( أو أوجز ) . وفي رِوَايَة - أَيْضاً - : قَالَ : وكان قيامه قدر مَا ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف . وفي بعض الروايات لهذا الحَدِيْث : أن أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يؤم النَّاس بالمدينة فيخفف . وفي ( المسند ) - أَيْضاً - : عَن أَنَس بن مَالِك ، قَالَ : لَقَدْ كنا نصلي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لَوْ صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عَلِيهِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُل : ألا تذكر ذَلِكَ لأميرنا - والأمير يومئذ عُمَر بن عَبْد العزيز - ؟ فَقَالَ : قَدْ فعلت . وفي رِوَايَة فِي غير ( المسند ) بعد قوله : ( لعبتموها عَلِيهِ ) : ( يعني : فِي التخفيف ) . وروي عَن عُمَر بن الخَطَّاب ، قَالَ : أيها النَّاس ، لا تبغضوا الله إلى عباده ، فَقَالَ قائل منهم : وكيف ذَلِكَ ؟ قَالَ : يكون الرَّجُلُ إماماً للناس ، يصلي بهم ، فلا يزال يطول عليهم حَتَّى يبغض إليهم مَا هم فِيهِ . خرجه ابن عَبْد البر .
110 - باب يطول في الركعة الأولى 779 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في الركعة الأولى من صلاة الظهر ، ويقصر في الثانية ، ويفعل ذلك في صلاة الصبح . في هذه الرواية التطويل في الركعة الأولى من صلاة الظهر والصبح . وقد سبق من حديث همام ، عن يحيى بن أبي كثير ذكر التطويل في الأولى من العصر أيضاً . وكذا في بعض النسخ من رواية شيبان ، عن يحيى . وقد خرجها في ( باب : القراءة في الظهر ) . وقد سبق الكلام على التطويل في الأولى من الصلوات في ( باب : القراءة في الظهر ) فلا حاجة إلى إعادته هاهنا .
62 - باب إذا صَلَّى لنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ 703 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول مَا شاء ) . معنى قوله : ( إذا صلى أحدكم لنفسه ) ، أي : منفرداً ، بحيث لا يأتم بِهِ أحد . وقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة المغيرة الحزامي ، عَن أَبِي الزناد ، وَقَالَ فِيهِ : ( وإذا صلى وحده فليصل كَيْفَ شاء ) . وخرجه - أَيْضاً - من رِوَايَة همام بن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا مَا قام أحدكم للناس فليخفف فِي الصلاة ؛ فإن فيهم الكبير والضعيف ، وإذا قام وحده فليطل صلاته مَا شاء ) . وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث عُثْمَان بن أَبِي العاص ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أم قومك ، فمن أم قوماً فليخفف ؛ فإن فيهم الكبير ، وإن فيهم المريض ، وإن فيهم الضعيف ، وإن فيهم ذا الحاجة ، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كَيْفَ شاء ) . ويدخل فِي ذَلِكَ : صلاة الفرائض والنوافل - إذا صلاها وحده - فإنه لا يكره لَهُ إطالتها . وقد اختلف النَّاس فِي النفل : هَلْ الأفضل إطالة القيام ، أم كثرة الركوع والسجود ، أم يفرق بَيْن صلاة الليل والنهار ؟ وربما يأتي ذَلِكَ فِي موضع آخر إن شاء الله تعالى . قَالَ بعض أصحابنا : هَذَا فيما لَمْ ينقل عَن النبي صلى الله عليه وسلم إطالته أو تخفيفه ، فأما مَا نقل عَنْهُ إطالته أو تخفيفه فاتباعه فِيهِ أفضل ، فالأفضل فِي ركعتي الفجر والركعتين المفتتح بهما صلاة الليل تخفيفهما ، وكذلك الركعتان للداخل - والإمام يخطب - يوم الجمعة . وقد سبق ذكر الاختلاف فيمن فاته قراءة حزبه من الليل : هَلْ يقرأ بِهِ فِي ركعتي الفجر ، أم لا ؟ وروى وكيع فِي ( كتابه ) عَن موسى بن عبيدة ، عَن نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر إذا صلى لنفسه طول فِي أربعتين ، يعني : فِي الركعات الأربع فِي الفريضة . وموسى بن عبيدة ضَعِيف جداً من قَبْلَ حفظه ، وكان شيخاً صالحاً ، رحمه الله . وكان من الصَّحَابَة من يخفف الصلاة ، ويعلل بخشية وسوسة الشيطان . قَالَ وكيع : ثنا ابن أَبِي عروبة ، عَن أَبِي رجاء العطاردي ، قَالَ : قُلتُ للزبير بن العَوَّامِ : مَا لكم أصْحَاب مُحَمَّد من أخف النَّاس صلاة ؟ قَالَ : إنما نبادر الوسواس . حَدَّثَنَا سُفْيَان ، عَن نسير بن ذعلوق ، عَن خليد الثوري ، قَالَ : سَمِعْت عمار بن ياسر يَقُول : احذفوا هذه الصلاة قَبْلَ وسوسة الشيطان .
109 - باب إذا أسمع الإمام الآية 778 - حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير ، حدثني عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها ، في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر ، ويسمعنا الآية أحياناً ، وكان يطيل في الركعة الأولى . قوله : ( كان يسمعنا الآية أحياناً ) ظاهره : أنه كان يقصد ذلك ، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر ، فإنه حصل لبعضهم شك في ذلك كما تقدم . وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة ، كما روي ذلك عن أنس وغيره ؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار ، وأن الصلاة لا تبطل به . وقالت طائفة من العلماء : لم يكن إسماعهم الآية أحياناً عن قصد ، إنما كان يقع اتفاقاً عن غير قصد ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ لنفسه سراً ، فربما استغرق في تدبر ما يقرأه ، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة ، فيقع سماع قراءته للآية أحياناً لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم ، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو ، وفي هذا نظر . قال الشافعي : لا نرى بأسا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنه يقرأ ، قال : وهم يكرهون هذا ، ويوجبون السهو على من فعله ، يشير إلى أهل الكوفة . واختلف كلام الإمام أحمد في ذلك : فنقل عنه حنبل في قراءة النهار : ترى للرجل أن يسمع من يليه ؟ قال : الحرف ونحو ذلك ، ولا يغلط صاحبه ؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم الآية أحياناً ، وقال : صلاة النهار عجماء لا يجهر فيها . ونقل عنه إسماعيل بن سعيد الشالنجي في الإمام يسمع من يليه ، فكره ذلك في صلاة النهار ، وقال : لا أرى عليه سهوا في ذلك ، أي : سجود سهو . وروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه سمع قراءة في الظهر والعصر . قال الشافعي : وهذا عندنا لا يوجب سهواً ، يعني : سجوداً . وروى وكيع في ( كتابه ) عن سيف المكي ، عن مجاهد ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ كهيعص . وروى الجوزجاني بإسناده ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : سمعت من ابن عمر نغمة من ق في صلاة الظهر . وروى حماد بن سلمة ، عن حميد وثابت وقتادة والتيمي ، أن أنساً صلى بهم الظهر والعصر ، وكان يسمعهم النغمة أحياناً . وروي عنه مرفوعاً . ووقفه أصح ، قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما . وروي عن خباب بن الأرت ، أنه قرأ بهم في الظهر بـ : إذا زلزلت فسمع قراءته حتى تعلمها من خلفه . وعنه : قرأ بهم في العصر إذا زلزلت فجهر بها . وقال علقمة : صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود بالنهار ، فلم أدر أي شيء قرأ ، حتى سمعته يقول : رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا فظننته يقرأ طه . وقال النخعي : كان بعضهم يسمعهم الآية في الظهر والعصر . وخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الظهر ، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات . واختلفوا فيمن جهر فيما يخافت فيه : هل يسجد للسهو ، أم لا ؟ فقالت طائفة : لا يسجد ، روي عن أنس وعلقمة والأسود ، أنهم فعلوه ولم يسجدوا . وهو قول الأوزاعي والشافعي . وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة : يسجد لذلك . وعن أحمد فيه روايتان . وقال مالك : إن تطاول ذلك سجد للسهو ، ولا أرى عليه في السر سهوا . واستدل أحمد بأنه لا يجب السجود لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع منه نغمة في صلاة الظهر ، وبأن أنساً جهر فلم يسجد . قلت : المروي عن الصحابة قد تقدم أنه كان عمداً منهم فعلوه ؛ لتعليم من وراءهم سنة القراءة ، والعمد لا يسجد له . وفيه رد على من قال : تبطل صلاته بتعمد الجهر فيما يسر فيه ، كما تقدم . فقد حكي عن ابن أبي ليلى ، أنه تبطل الصلاة بتركه عمداً ونسياناً ، وهو بعيد جداً .
الحَدِيْث الثالث : 706 - حَدَّثَنَا أبو معمر ، ثنا عَبْد الوارث ، ثنا عَبْد العزيز ، عَن أَنَس بن مَالِك ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها . الإيجاز : هُوَ التخفيف والاختصار . والإكمال : هُوَ إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بَيْنَهُمَا . وإدخال هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب ، فائدته : أَنَّهُ بَيْن بِهِ قدر التخفيف المأمور بِهِ ، وأنه إنما يشكى الإمام إذا زاد عَلِيهِ زيادة فاحشة ، فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها ، فليس بتطويل منهي عَنْهُ .
الحَدِيْث الثاني : 705 - حَدَّثَنَا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا محارب بن دثار ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله الأنصاري قَالَ : أقبل رَجُل بناضحين ، وقد جنح الليل ، فوافق معاذاً يصلي ، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ ، فقرأ بسورة البقرة - أو النِّسَاء فانطلق الرَّجُلُ ، وبلغه أن معاذاً نال مِنْهُ ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذاً ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يَا معاذ ، أفتان أنت - أو فاتن - ؟ ثلاث مرات ، فلولا صليت بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة ) أحسب هَذَا فِي الحَدِيْث . وتابعه : سَعِيد بن مسروق ومسعر والشيباني . قَالَ عَمْرِو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر بن عَبْد الله : قرأ معاذ فِي العشاء بالبقرة . وتابعه : الأعمش ، عَن محارب . قَالَ الخطابي : جنح الليل : أقبل بظلمته ، وقد جنح جنوحاً ، ومنه جنح الليل : إقبال ظلمته . والناضح : البعير يسقى عَلِيهِ . والفتنة عَلَى وجوه ، ومعناها هاهنا : صرف النَّاس عَن الدين ، وحملهم عَلَى الضلال ، قَالَ تعالى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ أي : مضلين . وقوله : ( فلولا صليت بسبح ) يريد : هلا قرأت ، كقوله : فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ معناه : فهلاً . وفيه : أَنَّهُ جعل الحاجة عذراً فِي تخفيفها . انتهى . وتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد ، والأظهر : أن المراد بالفتنة هاهنا : الشغل عَن الصلاة ؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته ، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته ، ويلهيه عَنْهَا ، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها ، وَقَالَ : ( كادت تفتنني ) وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير ، وَقَالَ : ( لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي ) . ومنه : تخفيفه صلى الله عليه وسلم الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه . ومنه : قَوْلِ أَبِي طلحة ، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته : لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة . وقد سبق ذكر ذَلِكَ كله ، سوى حَدِيْث بكاء الصبي ؛ فإنه سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى . وسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى . والفتنة فِي هذه المواضع كلها ، هُوَ : الاشتغال عَن الصلاة ، والالتهاء عَنْهَا . ويجوز أن يكون مِنْهُ قَوْلِ الله تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وأن يكون المراد : أنها تشغل عَن عُبَادَة الله وذكره . ويدل عَلِيهِ : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كَانَ يخطب ورأى الْحَسَن والحسين قَدْ أقبلا ، نَزَلَ فحملهما ، ثُمَّ قَالَ : ( صدق الله إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، فَلَمْ أصبر ) . وأما مَا ذكره البخاري من المتابعات والرواية المعلقة ، فمضمونه : أن جماعة رووا هَذَا الحَدِيْث عَن محارب بن دثار كما رواه عَنْهُ شعبة ، وقالوا فِي قراءة معاذ : ( البقرة أو النِّسَاء ) بالشك ، منهم : سَعِيد بن مسروق الثوري - والد سُفْيَان ومنهم : مِسْعَر وأبو إِسْحَاق الشيباني . والشك فِي هَذَا من محارب ، كذا فِي رِوَايَة غندر عَن شعبة . خرجه الإسماعيلي . وفيه - أَيْضاً - : قَالَ : أحسب محارباً الَّذِي شك فِي ( الضعيف ) - يعني : شك : هَلْ قَالَ : ( الضعيف ) أو ( ذا الحاجة ) ؟ وفي حَدِيْث معاذ بن معاذ ، عَن شعبة : أن معاذاً كَانَ يصلي بالناس المغرب . ورواه عَلِيّ بن الجعد ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِيهِ : قُلتُ لمحارب : أي صلاة كَانَتْ ؟ قَالَ : المغرب . فهذه الرواية تبين أن ذكر المغرب إنما هُوَ ظن من محارب . وخرج أبو داود الحَدِيْث بذكر المغرب من وجه آخر فِيهِ انقطاع . وذكر البخاري : أَنَّهُ رواه الأعمش ، عَن محارب ، فَقَالَ فِيهِ : ( قرأ بالبقرة ) من غير شك . وكذا رواه عَمْرِو بن دينار وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر ، وقالوا فِي حديثهم : ( قرأ البقرة ) من غير شك . وقد خرج البخاري حَدِيْث عَمْرِو بن دينار فيما تقدم بهذا اللفظ . وقد تقدم أن النسائي خرجه من حَدِيْث الأعمش ، عَن محارب ، ولم يسم السورة ، بل قَالَ : ( سورة كذا وكذا ) .
63 - باب مَنْ شَكَا إمَامَهُ إذا طَوَّلَ وَقَالَ أبو أسيد : طولت بنا يَا بني قَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين فِي ( كِتَاب الصلاة ) : حَدَّثَنَا ابن الغسيل ، عَن حَمْزَة بن أَبِي أسيد : كَانَ يؤمنا ، فإذا طول عليهم قَالَ لَهُ أبو أسيد - وَهُوَ خلفه - : يرحمك الله ، طولت علينا . وحدثنا ابن الغسيل ، عَن الزُّبَيْر بن المنذر بن أَبِي أسيد ، عَن أَبِي أسيد ، مثله . خرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الأول : 704 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف ، ثنا سُفْيَان ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حازم ، عن أَبِي مَسْعُود ، قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رسول الله ، إني لأتأخر عَن الصلاة فِي الفجر مِمَّا يطيل بنا فلان فيها ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مَا رأيته فِي موعظة كَانَ أشد غضباً مِنْهُ يومئذ ، ثُمَّ قَالَ : ( يا أيها النَّاس ، إن منكم منفرين ، فمن أم النَّاس فليخفف ؟ فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة ) . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث - قريباً - من رِوَايَة زهير ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد . ومقصوده بتخريجه هاهنا : جواز شكوى من يطيل الصلاة إطالة زائدةً عَلَى الحد المشروع ؛ فإن هَذَا الإمام لولا أَنَّهُ زاد عَلَى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم زيادة كثيرة لما شكي ، ولا تخلف من تخلف عَن الصلاة خلفه ، فلما شكي ذَلِكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً ، ووعظ النَّاس موعظة عامة ، وأمر الأئمة بالتخفيف ، وحذر من تنفير النَّاس عَن شهود صلاة الجماعات بالتطويل . وروى وكيع : ثنا هِشَام الدستوائي ، عَن قتادة ، عَن عَبَّاس الجشمي ، قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من الأئمة طرادين ) . وهذا مرسل .
108 - باب من خافت القراءة في الظهر والعصر 777 - حدثنا قتيبة ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر ، قال : قلنا لخباب : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ؟ قال : نعم ، قلنا : من أين علمت ؟ قال : باضطراب لحيته . قد تقدم هذا الحديث من طرق عن الأعمش . ومقصوده بهذا الباب : أن قراءة الظهر والعصر تكون سراً ، وهذا مما لا اختلاف فيه بين المسلمين علماً وعملاً ، متداولا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الآن . والمخافتة سنة كالجهر ، وأوجب ذلك ابن أبي ليلى وقليل من الناس ، وهو وجه للمالكية . ولأصحابنا : أنه تبطل الصلاة بتركه عمداً . وخرج الطبراني وابن عدي من طريق أبي الرحال البصري ، عن النضر بن أنس ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر بالهاجرة ، فرفع صوته ، فقرأ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فقال أبي بن كعب : يا رسول الله ، أمرت في هذه الصلاة بشيء ؟ قال : ( لا ، ولكني أردت أن أوقت لكم صلاتكم ) . أبو الرحال ، اسمه : خالد بن محمد ، قال البخاري : منكر الحديث ، وأخرجه العقيلي من طريقه . وقال : لا يتابع عليه ، قال : والصحيح من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يجهر في صلاة النهار بالقراءة إلا في الجمعة . وخرجه النسائي من رواية عبد الله بن عبيد ، قال : سمعت أبا بكر بن النضر يقول : كنا عند أنس ، فصلى بهم الظهر ، فلما فرغ قال : إني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وخرجه أبو بكر بن أبي داود في ( كتاب الصلاة ) ، وعنده : أن أنسا أسمعهم قراءته في الركعتين الأوليين ، فلما قضى صلاته أقبل عليهم ، وقال : عمداً أسمعتكم قراءة هاتين السورتين ، إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقرأ بهاتين السورتين . وخرج الطبراني من حديث قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك الأشعري ، أنه صلى بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، يسمع من يليه ، وذكر الحديث . وشهر بن حوشب ، مختلف فيه . وقد رواه عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، وذكر في حديثه : أنه أسر القراءة . خرجه الإمام أحمد من طريقه ، وهو أصح ، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره . ولو صح شيء من ذلك لحمل على أنه جهر لإرادة تعليم القراءة وقدرها . وروي هذا المعنى عن أنس وخباب بن الأرت . ولهذا المعنى روي عن عمر الجهر بالاستفتاح ، وعن ابن عباس الجهر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة . وأما الجهر بالتطوع في النهار ؛ فإن كانَ في صلاة جماعة ويطول فيهِ القراءة كصلاة الكسوف ، فإنه يجهر فيهِ بالقراءة ، وستأتي المسألة في مواضع آخر - إن شاء الله تعالى وكذا لو صلى الكسوف وحده جهر فيها ، نص عليه أحمد . وأما غير ذلك من التطوع ، فالأكثرون على أنه لا يجهر فيها بالقراءة . قالَ أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود : قراءة النهار عجماء . وقال الحسن : صلاة النهار عجماء . أي : لا تسمع فيها قراءة . وكثير من العلماء جعله حديثاً مرفوعاً ، منهم : ابن عبد البر وابن الجوزي ، ولا أصل لذلك . وحكي عن أبي حامد الإسفراييني ، أنه سأل الدارقطني عنه ، فقال : لا أعرفه صحيحاً ولا فاسداً . وروى أبو عبيد في كتابه ( غريب الحديث ) : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة يقرأ في المسجد ، يجهر بالقراءة في صلاة النهار ، فقال : ( يا ابن حذافة سمع الله ولا تسمعنا ) . وقد رواه بعضهم فجعله : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، موصولا ، وإرساله أصح ، قاله الدارقطني وغيره . وروى وكيع ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : قالوا : يا رسول الله ، إن هاهنا قوم يجهرون بالقرآن بالنهار ؟ فقال : ( ارموهم بالبعر ) . مراسيل يحيى بن أبي كثير ضعيفة . وقد رواه يوسف بن يزيد الدمشقي ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن بريدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوصله . وهو خطأ لا أصل له ، قاله صالح بن محمد الحافظ وغيره . ويوسف هذا ضعيف . وروي موصولا من وجوه أخر ، لا تصح . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، أنه سمع رجلا يجهر بالقراءة نهاراً ، فدعاه فقال : إن صلاة النهار لا يجهر فيها فأسر قراءتك . ورخصت طائفة في الجهر في التطوع بالنهار إذا لم يؤذ أحداً ، وهو قول النخعي والثوري وإسحاق ، وروي أيضاً عن خالد بن معدان وسعيد بن جبير . وقال بشر بن حرب : رأيت ابن عمر يصلي بالنهار ، فكان يسمعنا قراءته . وبشر بن حرب تكلموا فيه . ولأصحابنا وجه : أنه لا بأس به .
107 - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب 776 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا همام ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين ، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ، ويسمعنا الآية ، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية ، وهكذا في العصر ، وهكذا في الصبح . قد خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان وهشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، وليس في حديثهما : ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب . وخرجه هاهنا من طريق همام ، عن يحيى بهذه الزيادة . وخرجها مسلم في ( صحيحه ) من راوية همام وأبان العطار ، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير . وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة : أثبت هي ؟ قال : رواها عدة ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي ، فقال له الأثرم : هشام لا يقولها ؟ قال : نعم ، هشام لا يقولها . وقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك ، وأنه لا يزيد في الركعتين الأخريين والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب . وروي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وجابر وأبي الدرداء . وعن ابن سيرين ، قال : لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب . وقد دل على ذلك أيضاً حديث سعد في الحذف في الأخريين ، وقد تقدم في مواضع من الكتاب . وروى مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعا ، في كل ركعة بأم القرآن وسورة . وذهب الشافعي - في أحد قوليه - أنه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها . ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد ، وأكثر أصحابنا قالوا : لا يستحب ، رواية واحدة . وفي كراهته عنه روايتان . وقد تقدم عن أبي بكر الصديق ، أنه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وقد استحب أحمد ذلك في رواية . قال القاضي أبو يعلى : يحتمل أنه استحبه ؛ لأنه دعاء ، فإنه قال في رواية الأثرم : إن شاء قاله ، قال : ولا ندري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء . وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين . وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله أحياناً لبيان الجواز ، فيدل على أنه غير مكروه ، خلافا لمن كرهه . والله أعلم .
106 - باب الجمع بين السورتين في الركعة ، والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة ، وبأول سورة ويذكر ، عن عبد الله بن السائب : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى - أخذته سعلة فركع . هذا الحديث خرجه مسلم من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول : أخبرني أبو سلمة بن سفيان ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن المسيب العابدي ، عن عبد الله بن السائب ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ، فاستفتح بسورة المؤمنين ، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى ، محمد بن عباد يشك ، أو اختلفوا عليه - أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع ، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك . وخرجه أيضاً من طريق حجاج ، عن ابن جريج ، وقال فيه : وعبد الله بن عمرو بن العاص ، في أحد الرواة الثلاثة عن ابن السائب . وقيل : إنه وهم ؛ فإن عبد الله بن عمرو هذا ليس بابن العاص . وكذا رواه أبو عاصم ، عن ابن جريج ، كما رواه عنه عبد الرزاق وحجاج . ورواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج ، فقال مرة : عن أبي سفيان ، عن عبد الله بن السائب . ورواه ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن السائب . وقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ من ابن عيينة . و ( السعلة ) : من السعال ، قيده كثير من الناس بفتح السين ، وقيل : إنه وهم ، وإن الصواب بضمها . والله أعلم . وهذا الحديث قد يستدل به على قراءة السورة في ركعتين ، وقد سبق ذكر ذلك ، إلا أنه ليس فيه تصريح بأنه أتمها في الركعة الثانية ، فإنما يستدل به على جواز قراءة أول السور في ركعة . وأكثر العلماء على أنه لا يكره قراءة أوائل السور وأوساطها وخواتيمها في الصلاة . وقد روي عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتيم السور . وعن أحمد : يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها . وعنه : أنه يكره قراءة أواخر السور . كذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد ، ومنهم من حملها على كراهة المداومة على ذلك دون فعله أحياناً ؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة ، فيكره مخالفتهم في أفعالهم .
قال البخاري : وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال ، وفي الثانية بسورة من المفصل . هذا الأثر رواه وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : أمنا عبد الله في العشاء ، فقرأ الأنفال ، فلما بلغ رأس الأربعين وَنِعْمَ النَّصِيرُ ركع ، ثم قام ، فقرأ في الثانية بسورة من المفصل . وهذا فيه قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين كما تقدم عن عمر .
قال البخاري : 774 م - وقال عبيد الله بن عمر ، عن ثابت عن أنس بن مالك : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه ، فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى ، فقال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ، وكان يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : ( يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ ) قال : إني أحبها ، قال : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) . هذا الحديث خرجه الترمذي في ( جامعه ) عن البخاري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله بن عمر ، فذكره ، وقال : حسن غريب من هذا الوجه . وإنما لم يخرجه البخاري - هاهنا - مسنداً ؛ لأن حماد بن سلمة رواه عن ثابت ، عن حبيب بن سبيعة ، عن الحارث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني : هو أشبه بالصواب . وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت ، وأعرفهم به . والحارث هذا اختلف : هل هو صحابي ، أو لا ؟ فقال أبو حاتم الرازي : له صحبة ، وقال الدارقطني : حديثه مرسل . وخرجا في ( الصحيحين ) معنى هذا الحديث من رواية أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم ، فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( سلوه لأي شيء يصنع ذلك ) ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن أقرأها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبروه أن الله يحبه ) . وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك . ويدل على أنه ليس هو الأفضل ؛ لأن أصحابه استنكروا فعله ، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم ؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ ) . فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسناً ، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة . وأكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة ، وروي فعله عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلقمة ، وهو قول قتادة والنخعي ومالك ، وعن أحمد في كراهته روايتان ، وكرهه أصحاب أبي حنيفة .
قال البخاري : وقرأ الأحنف الكهف في الأولى ، وفي الثانية بيوسف أو يونس ، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما . هذا يدل على أنه لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف ، فيقرأ في الركعة الأولى سورة ، وفي الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصحف . وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر ، وعن أنس : روى وكيع بإسناده ، عن عمرو بن ميمون ، قال : أمنا عمر في المغرب فقرأ بالتين في الركعة الأولى ، ثم قرأ وَطُورِ سِينِينَ ثم قرأ في الثانية : ألم تر و لِإِيلَافِ . وفي هذا جمع بين سورتين في ركعة أيضاً . وروي عن أنس ، أنه قرأ في صلاة المغرب في أول الركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقد روي مثل هذا من حديث ابن عمر مرفوعاً . خرجه حرب الكرماني . ولا يصح إسناده . والأكثرون على أن ذلك غير مكروه ، وعن أحمد رواية أنه يكره تعمد ذلك ؛ لمخالفته ترتيب المصحف . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في قيامه من الليل سورة البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران . وترتيب سور المصحف على هذا الترتيب ليس توقيفاً على الصحيح ، بل هو أمر اجتهد فيه عثمان مع الصحابة ، وحديث سؤال ابن عباس لعثمان المشار إليه فيما سبق يدل عليه .
قال البخاري : 775 - حدثنا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود ، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، قال : هذا كهذ الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل ، سورتين في كل ركعة . ( الهذ ) : متابعة القراءة في سرعة ، وكرهه ابن مسعود لما فيه من قلة التدبر لما يقرأوه . و ( النظائر ) : قيل : إنها سميت بذلك ؛ لأنها متشابهة في الطول ، فتكون جمع نظيرة ، وقيل : لفظ لما فيكون جمع نظورة ، وهي الخيار ، يقال : نظائر الجيش بمعنى أفاضلهم وأماثلهم . وسمي المفصل مفصلاً لكثرة الفصول بين سوره . وأول المفصل سورة ق ، وروي ذلك في حديث مرفوع ، وقيل : أوله سورة القتال ، وكان ابن مسعود أول مفصله الرحمن ، لكن ترتيب سوره على غير هذا الترتيب . وقد روي تفسير هذه السور التي ذكرها ابن مسعود في روايات أخر عنه . وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : ثمان عشرة من المفصل ، وسورتين من آل حم . وفي رواية لأبي داود من طريق أبي إسحاق ، عن الأسود وعلقمة ، عن عبد الله : تفسير ذلك ، فقال : الرَّحْمَنُ، وَالنَّجْمِ في ركعة ، و اقْتَرَبَت ِو الْحَاقَّةُ في ركعة ، وَالطُّورِ و وَالذَّارِيَات ِفي ركعة ، و إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ و ن في ركعة ، و سَأَلَ سَائِلٌ ، وَالنَّازِعَاتِ في ركعة ، و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ و عبس في ركعة ، و ( المدثر ) و ( المزمل ) في ركعة ، و هَلْ أَتَى و لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ في ركعة ، و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَالْمُرْسَلَاتِ في ركعة ، و ( الدخان ) و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ في ركعة . قال أبو داود : هذا تأليف من ابن مسعود . وليس في هذه الرواية من آل حم سوى سورة الدخان ، وهذا يخالف رواية مسلم المتقدمة : وسورتين من آل حم . وخرج الإمام أحمد من رواية إبراهيم ، عن نهيك بن سنان السلمي ، أنه أتى ابن مسعود فقال : إني قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : هذا مثل هذ الشعر ، أو نثرا كنثر الدقل ، إنما فصل لتفصلوا ، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن : عشرين سورة : الرحمن ، والنجم على تأليف ابن مسعود ، كل سورتين في ركعة ، وذكر ( الدخان ) و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ في ركعة . وخرجه يعقوب بن شيبة في ( مسنده ) ، وقال : هو حسن الإسناد . وفي هذه الرواية اقتران الدخان بـ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وهي تخالف رواية أبي داود السابقة في اقتران الدخان بـ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وخرج الطبراني من رواية محمد بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي وائل ، قالَ : قالَ عبد الله : لقد علمت النظائر التي كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بهن : ( الذاريات ) ، وَالطُّورِ ، وَالنَّجْمِ ، و اقْتَرَبَتِ ، و الرَّحْمَنُ و ( الواقعة ) ، و ن و الْحَاقَّةُ ، و سَأَلَ سَائِلٌ و ( المزمل ) و لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ و هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ، وَالْمُرْسَلَاتِ ، و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَالنَّازِعَاتِ ، و عَبَسَ و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وهذه الرواية تخالف ما تقدم ، وتلك الرواية أصح ، ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه ، وتابعه عليه أخوه يحيى ، وهو أضعف منه . وخرج أبو داود من رواية عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السور ؟ قالت : من المفصل . والظاهر : أن حديث ابن مسعود وعائشة إنما هو في صلاة الليل . وخرج مسلم من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة ، ثم مضى ، فقلت : يصلي بها في ركعة ، فمضى ، فقلت : يركع بها ، ثم افتتح سورة النساء فقرأها ، ثم افتتح آل عمران فقرأها ، وذكر الحديث . وهذا كله يدل على جواز الجمع بين السور في صلاة التطوع . وروى أبو العالية ، قال : أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لكل سورة حظها من الركوع والسجود ) . وخرجه الإمام أحمد . وقد حمل هذا - على تقدير صحته - على الصلاة المفروضة . وروى وكيع ، عن عيسى الخياط ، عن الشعبي ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما أحب أني قرنت سورتين في ركعة ، وأن لي حمر النعم . عيسى هذا فيه ضعف .
ثم قال البخاري : وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي الثانية بسورة من المثاني . هذا يدل على قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين ، وقد سبق ذكر حكم ذلك ، وأنه غير مكروه . والقرآن : ينقسم إلى ( السبع الطوال ) ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس ، كذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما ، وإلى ( المئين ) ، وهي ما كان من السور وعدد آياته مائة آية ، أو يزيد ، أو ينقص شيئا ، وإلى ( المفصل ) وأوله الحجرات على الأشهر ، و ( المثاني ) ، وهو ما عدا ذلك . وقد سأل ابن عباس عثمان ، فقال : ما حملكم على أن عمدتم إلى ( براءة ) - وهي من المئين - وإلى الأنفال - وهي من المثاني - فجعلتموها في السبع الطوال ، وذكر الحديث . خرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه . وفي ( المسند ) عن واثلة بن الأسقع مرفوعا : ( أعطيت مكان التوراة السبع الطول ، وأعطيت مكان الزبور المئين ، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني ، وفضلت بالمفصل ) . وروى الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، أبنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن أبزى ، قال : صليت خلف عمر ، فقرأ بسورة يوسف حتى إذا بلغ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ وقع عليه البكاء فركع ، ثم قرأ سورة النجم ، فسجد فيها ، ثم قام ، فقرأ : إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ وهذا فيه - أيضاً - جمع قراءة سورتين في ركعة وبعض سورة في أخرى .
قال البخاري : وقال قتادة فيمن يقرأ سورة واحدة في الركعتين ، أو يردد سورة واحدة في ركعتين : كل كتاب الله عز وجل . أما قراءة سورة يقسمها في ركعتين فغير مكروه ، وقد فعله أبو بكر وعمر وغيرهما ، وقد سبق ذكره ، وكذلك ترداد السورة في الركعتين كلتيهما ، وقد سبق حديث الرجل الجهيني أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ في الركعتين كلتيهما ، قال : فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم قرأ ذلك عمداً ؟ خرجه أبو داود . ونص أحمد على أنه جائز في الفرض من غير كراهة .
الحَدِيْث الثاني : 708 - حَدَّثَنَا خَالِد بن مخلد ، ثنا سُلَيْمَان بن بلال ، ثنا شريك بن عَبْد الله ، قَالَ : سَمِعْت أَنَس بن مَالِك يَقُول : مَا صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كَانَ ليسمع بكاء الصبي فيخفف ، مخافة أن تفتن أمه . ( شريك ) هَذَا ، هُوَ : ابن أَبِي نمر المدني . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث عَنْهُ أبو ضمرة أَنَس بن عياض أَيْضاً . ورواه جماعة عَنْهُ ، ولم يذكروا آخره . وكذلك خرجه مُسْلِم بدون آخره من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ، عَن شريك . وقد ذكرنا - فيما تقدم - معنى الافتتان هاهنا .
الحَدِيْث الثالث : 709 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بن عَبْد الله ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا سَعِيد ، قَالَ : ثنا قتادة ، أن أَنَس بن مَالِك حدث ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إني لأدخل فِي الصلاة ، وأنا أريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز فِي صلاتي ، مِمَّا أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ) . 710 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار ، ثنا ابن أَبِي عدي ، عَن سَعِيد ، عَن قتادة ، عَن أَنَس بن مَالِك ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إني لأدخل فِي الصلاة ، فأريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ) . وَقَالَ موسى : ثنا أبان ، ثنا قتادة ، ثنا أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا بمعنى حَدِيْث أَبِي قتادة المتقدم . وقد ساقه عَن سَعِيد بن أَبِي عروبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، من طريقين ، ليس فيهما تصريح قتادة بالسماع لَهُ من أَنَس ، وكان قتادة مدلساً ، فلذلك ذكر أن موسى - وَهُوَ : ابن إِسْمَاعِيل - رواه عَن أبان - وَهُوَ : العطار عَن قتادة ، فصرح بسماعه من أَنَس . وخرجه الإسماعيلي فِي ( صحيحه ) من طرق ، عَن سَعِيد ، عَن قتادة ، وفي سياق حديثه : أن أَنَس بن مَالِك حدثه ، ولم يبين لفظ من هُوَ من الرواة ، ويبعد أن يكون لفظ جميعهم . والتخفيف الَّذِي كَانَ يفعله ، تارة كَانَ يأتي بِهِ فِي الصلاة كلها ، وتارة فِي بعض ركعاتها ، بحسب مَا يسمع بكاء الصبي . فالأول ، دل عَلِيهِ مَا خرجه أبو بَكْر بن أَبِي داود فِي ( كِتَاب الصلاة ) : حَدَّثَنَا أحمد بن يَحْيَى بن مَالِك ، ثنا عَبْد الوهاب ، عَن شعبة ، عَن عدي بن ثابت ، عَن البراء بن عازب ، قَالَ : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، فقرأ بأقصر سورتين فِي القرآن ، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه ، وَقَالَ : ( إنما عجلت لتفرغ أم الصبي إلى صبيها ) . وهذا إسناد غريب جداً . وقد روي معناه من حَدِيْث أنس وأبي سَعِيد بأسانيد ضعيفة . وأما الثاني ، فروى أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) ، عَن سُفْيَان ، عَن أَبِي السوداء النهدي ، عَن ابن سابط ، قَالَ : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم فِي الفجر فِي أول ركعة بستين آية ، فلما قام فِي الثانية سَمِعَ صوت صبي ، فقرأ ثلاث آيات . وهذا مرسل .
65 - باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ فِيهِ ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 707 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى - هُوَ الفراء ثنا الوليد ، ثنا الأوزاعي ، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة ، عَن أَبِيه ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إني لأقوم فِي الصلاة أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فِي صلاتي ، كراهية أن أشق عَلَى أمه ) . تابعه : بشر بن بَكْر وبقية وابن المبارك ، عَن الأوزاعي . قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من طريق بشر . وخرجه أبو داود وابن ماجه من رِوَايَة بشر بن بَكْر وعمر بن عَبْد الواحد . وخرجه النسائي من رِوَايَة ابن المبارك ، كلهم عَن الأوزاعي ، بِهِ . وخرجه الإسماعيلي فِي ( صحيحه ) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَبْد الله بن سماعة ، عَن الأوزاعي . وكذا رواه عَن الأوزاعي : عقبة بن علقمة وأيوب بن سويد . ورواه أبو المغيرة ، عَن الأوزاعي ، عَن يَحْيَى ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة مرسلاً . خرجه ابن جوصا فِي ( مسند الأوزاعي من جمعه ) من هذه الطرق . وإنما ذكر البخاري متابعة الوليد بن مُسْلِم عَلَى وصله ، ليبين أن الصحيح وصله ؛ لكثرة من وصله عَن الأوزاعي ، ولا يضر إرسال من أرسله . ولعل مسلماً ترك تخريجه للاختلاف فِي وصله وإرساله . والله أعلم . وفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن من دَخَلَ الصلاة بنية إطالتها فله تخفيفها لمصلحة ، وأنه لا تلزم الإطالة بمجرد النية . واستدل بِهِ بعضهم عَلَى أن من دَخَلَ فِي تطوع ينوي أن يصلي أربعاً ، فله أن يقتصر عَلَى ركعتين ، قَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثوري ، مَعَ قوله بلزوم النوافل بالشروع ، فلا إشكال عنده فِي جواز ذَلِكَ . وكذلك لأصحاب مَالِك قولان فيمن افتتح الصلاة النافلة قائماً ، فهل يجلس فِي أثنائها ، أم لا ؟ فاستدل بعض من قَالَ : لَهُ أن يجلس ، بهذا الحَدِيْث . وقد يستدل بِهِ عَلَى أن من نذر أن يصلي صلاة ، ونوى فِي نفسه أكثر من ركعتين ، فهل يلزمه مَا نوى ، أم لا ؟ وقد نَصَّ أحمد عَلَى أَنَّهُ يلزمه مَا نوى ، ورجحه طائفة من أصحابنا ، بناء عَلَى أن من أصل أحمد الرجوع فِي الأيمان والنذور إلى المقاصد والنيات . وقد نَصَّ أحمد فيمن نذر الصدقة بمال ، ونوى فِي نفسه ألفاً ، أَنَّهُ يخرج مَا شاء مِمَّا يسمى مالاً ، ولا يلزمه الألف ، نقله عَنْهُ أبو داود . وهذا يخالف نصه فِي الصوم والصلاة ، أَنَّهُ يلزمه مَا نواه . فتخرج المسألتان عَلَى روايتين . ووجه شبه هذه المسائل بنية الإطالة للصلاة المكتوبة عِنْدَ الدخول فيها : أن الصلاة المكتوبة إنما يلزم فيها قدر الإجزاء ، والزائد عَلَى ذَلِكَ إذا فعل ، فهل يوصف بالوجوب ، أو بالنفل ؟ فِيهِ قولان معروفان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء . وقد تبين بهذا الحَدِيْث : أن ذَلِكَ لا يلزم بمجرد النية ، سواء وصف بالوجوب ، أو لا . وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( أريد أن أطول فيها ) ، فالمعنى : أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد ، وليس المراد : الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة . واستدل الخطابي وغيره بهذا الحَدِيْث عَلَى جواز انتظار الإمام للداخل فِي الركوع قدراً لا يشق عَلَى بقية المأمومين ؛ لأنه مراعاة لحال أحد المأمومين . وفيه نظر ؛ فإن الداخل لَمْ يدخل بعد فِي الائتمام بالإمام ، وفي الانتظار تطويل عَلَى المأمومين لمراعاة من ليس بمؤتم ، فهذا لا يشبه تخفيف الصلاة لأجل أم الصبي ، بل هُوَ عكسه فِي المعنى .
105 - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر وقالت أم سلمة : طفت وراء الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي يقرأ بالطور . حديث أم سلمة ، قد ذكرناه في الباب الماضي . فيهِ حديثان : الأول : 773 - حدثنا مسدد ، ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر - هوَ : جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قالَ : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة - عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا لهُ ، فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ، فأنزل الله على نبيه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وإنما أوحي إليه قول الجن . هذه القصة كانت في أول البعثة . وهذا الحديث مما أرسله ابن عباس ، ولم يسم من حدثه به من الصحابة ، ويحتمل أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن نفسه ، والله أعلم . وسوق عكاظ نحو نخلة ، كانَ يجتمع فيهِ العرب ، ولهم فيهِ سوق ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليهم ، فيدعوهم إلى الله عز وجل ، وقد كانت الشهب يرمى بها في الجاهلية ، وإنما كثرت عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قالَ السدي وغيره : إن السماء لم تحرس إلا حيث كانَ في الأرض نبي أو دين لله ظاهر . والمقصود من هذا الحديث هاهنا : أن الشياطين لما مروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح ، وقفوا واستمعوا القرآن ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح ، فلما سمعوا عرفوا أنه هوَ الذي حال بينهم وبين خبر السماء . وظاهر هذا السياق يقتضي أن الشياطين آمنوا بالقرآن ، وكذا قالَ السدي وغيره . وقد اختلف في الجن والشياطين : هل هم جنس واحد ، أو لا ؟ فقالت طائفة : الجن كلهم ولد إبليس ، كما أن الإنس كلهم ولد آدم . روي هذا عن ابن عباس من وجه فيهِ نظر ، وأنهم لا يدخلون الجنة . وروي أيضاً عن الحسن ، وأنه قالَ : مؤمنهم ولي لله لهُ الثواب ، ومشركهم شيطان لهُ العقاب . وقالت طائفة : بل الشياطين ولد إبليس ، وهم كفار ، ولا يموتون إلا مع إبليس ، والجن ولد الجان ، وليسوا شياطين ، وهم يموتون ، وفيهم المؤمن والكافر . روي هذا عن ابن عباس بإسناد فيهِ نظر أيضاً . وقوله : ( وإنما أوحي إليه قول الجن ) يشير ابن عباس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير الجن ، ولا قرأ عليهم ، وإنما أوحي إليه استماعهم القرآن منه وإيمانهم به . وقد روي ذَلِكَ صريحاً عنه ، أنه قالَ في أول هذا الحديث : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، ثم ذكر هذا الحديث .
الحديث الثاني : 774 - حدثنا مسدد ، ثنا إسماعيل : ثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر ، وسكت فيما أمر ، وما كانَ ربك نسيا ، ولقد كانَ لكم في رسول الله أسوة حسنة . وخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قالَ : لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر ، قالَ : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر أن يقرأ فيهِ ، وسكت فيما أمر أن يسكت فيهِ ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وما كان ربك نسيا . وهذا يرد قول من تأول كلام ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر القراءة في بعض صلاته ، ويجهر في بعضها ، كما نقله الإسماعيلي والخطابي وغيرهما . وقد روي ذلك صريحاً عن ابن عباس من وجوه أخر ، قد ذكرنا بعضها فيما سبق في ( باب : القراءة في الظهر ) ، وذكرنا اختلاف الروايات عن ابن عباس في ذلك . والمراد من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر ، ويجهر بالقراءة فيها ؛ فإن ابن عباس أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيما يجهر فيه . ولا خلاف بين أحد من المسلمين كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر كلها . فيستفاد من حديث ابن عباس هذا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر جهراً ، وهو المقصود في هذا الباب . والله أعلم .
الحديث الثاني : قالَ : 772 - حدثنا مسدد ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا ابن جريج ، أخبرني عطاء ، أنه سمع أبا هريرة يقول : في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى علينا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهوَ خير . هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في جميع الصلوات ما جهر فيهِ وما خافت ، فيجهر في الجهريات فيسمعه من خلفه ، ويخفي في غيرها . وهذا شبيه بحديث خباب المتقدم ، وكان الأولى تخريجه في ( أبواب : القراءة في الظهر والعصر ) ؛ فإن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السر خفيت على ابن عباس وغيره ، وأما قراءته في صلوات الجهر فلم تخف على أحد . فأكثر ما يستفاد من هذا الحديث في هذا الباب : أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في صلاة الصبح ويجهر بالقراءة ، وليس فيهِ ذكر ما كانَ يقرأ به ، ولا تقديره ، فأول الحديث وآخره موقوف على أبي هريرة . وقد وقع أوله مرفوعاً : خرجه مسلم من رواية حبيب بن الشهيد : سمعت عطاء يحدث ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : ( لا صلاة إلا بقراءة ) ، قالَ أبو هريرة : فما أعلن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنا لكم ، وما أخفاه أخفيناه لكم . وذكر الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وغيرهما أن رفعه وهم ، وإنما هوَ موقوف . وقد رفعه أيضاً ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قالَ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا صلاة إلا بقراءة ) قالَ أبو هريرة : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيجهر ويخافت ، فجهرنا فيما جهر ، وخافتنا فيما خافت . خرجه الحارث بن أبي أسامة . وابن أبي ليلى سيئ الحفظ جداً ، ورفعه وهم . والله أعلم .
104 - باب القراءة في الفجر وقالت أم سلمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالطور . حديث أم سلمة هذا قد خرجه البخاري فيما سبق في ( أبواب : المسجد ) في ( باب : إدخال البعير المسجد لعلة ) وخرجه أيضاً في ( كتاب : الحج ) ، ولفظه : عن أم سلمة ، قالت : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، فقالَ : ( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ) فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت ، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور . وخرجه مسلم أيضاً ، وفي رواية لهُ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها : ( إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ) قالت : ففعلت . وهذا يرد ما قاله ابن عبد البر : أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذه كانت تطوعاً ، ثم تردد : هل كانت ليلاً ، أو نهارا ؟ وقال : فيهِ دليل على الجهر في تطوع النهار . وهذا كله ليس بشيء . فيهِ حديثان : أحدهما : قالَ : 771 - حدثنا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا سيار بن سلامة - هوَ : أبو المنهال قالَ : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ، فسألناه عن وقت الصلاة ، فقالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر حين تزول الشمس ، والعصر ويرجع الرجل إلى أقصى المدينة ، والشمس حية ، ونسيت ما قالَ في المغرب ، ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ، ولا يحب النوم قبلها ، ولا الحديث بعدها ، ويصلي الصبح فينصرف ، فيعرف الرجل جليسه ، وكان يقرأ في الركعتين - أو إحداهما - ما بين الستين إلى المائة . قد سبق هذا الحديث في ( أبواب : المواقيت ) في مواضع متعددة ، وفيها : أنه كانَ يقرأ فيها - يعني : صلاة الصبح - ما بين الستين إلى المائة . وكذا خرجه مسلم . وأما هذه الرواية التي فيها التردد بين القراءة في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة ، فتفرد بها البخاري ، وهذا الشك من سيار . وخرجه الإمام أحمد ، عن حجاج ، عن شعبة ، وفي حديثه : وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة ، قالَ سيار : لا أدري أفي إحدى الركعتين أو كلتيهما . والظاهر - والله أعلم - : أنه كانَ يقرأ بالستين إلى المائة في الركعتين كلتيهما ؛ فإنه كانَ ينصرف حين يعرف الرجل جليسه ، ولو كانَ يقرأ في كل ركعة بمائة آية لم ينصرف حتى يقارب طلوع الشمس . يدل على ذَلِكَ ما رواه الزهري وقتادة ، عن أنس ، أن أبا بكر صلى بالناس الصبح ، فقرأ سورة البقرة ، فقالَ لهُ عمر : كادت الشمس أن تطلع ، فقالَ : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وروي عن قتادة في هذا الحديث : أنه قرأ بآل عمران . ورواه مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، أن أبا بكر صلى الصبح ، فقرأ فيها سورة البقرة في الركعتين كلتيهما . وروى مالك أيضاً عن هشام ، عن أبيه ، أنه سمع عبد الله بن عامر قالَ : صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح ، فقرأ فيها سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة ، قالَ هشام : فقلت لهُ : إذا لقد كانَ يقوم حين يطلع الفجر ، قالَ : أجل . وقد رواه وكيع وأبو أسامة ، عن هشام ، أنه سمع عبد الله بن عامر . وزعم مسلم : أن قولهم أصح ، وأن مالكاً وهم في زيادته في إسناده : ( عن أبيه ) . قالَ ابن عبد البر : والقول عندي قول مالك ؛ لأنه أقعد بهشام . وقد كانَ عمر هوَ الذي مد في صلاة الفجر ، كما روى ثابت ، عن أنس ، قالَ : ما صليت خلف أحد أوجز من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام ، كانت صلاته متقاربة ، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة ، فلما كانَ عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر . خرجه مسلم . ورواه حميد عن أنس ، قالَ : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة ، وصلاة أبي بكر وعمر ، حتى مد عمر في صلاة الفجر . خرجه الإمام أحمد . فهذا يدل على أن زيادة النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة صلاة الفجر على سائر الصلوات لم يكن كثيراً جداً ، وأن صلواته كلها لم يكن بينها تفاوت كثير في القراءة ، وأن هذا هوَ الغالب على صلاته ، وقد يطيل أحياناً ويقصر أحياناً ؛ لعارض يعرض لهُ ، فيحمل حديث أبي برزة على أنه كانَ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة ، أحيانا ، لا غالباً . وقد سبق حديث عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يطيل القراءة في الفجر . والمراد : أنه يقرأ في الفجر أطول مما يقرأ في غيرها من الصلوات ، وإنما كانت قراءة أبي بكر بالبقرة مرة واحدة ، وكان عمر يقرأ في الفجر ببني إسرائيل والكهف ويونس وهود ونحو ذَلِكَ من السور . وكان عثمان يكرر قراءة سورة يوسف في صلاة الفجر كثيراً ، وكذلك كانَ ابن مسعود يقرأ فيها ببني إسرائيل في ركعة و طسم في ركعة . وكان ابن الزبير يقرأ في الصبح بيوسف وذواتها . وكان عليّ يخفف ، فكان يقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ونحو ذَلِكَ من السور . والظاهر أنه كانَ يسفر بالفجر ، وكان من قبله يغلس بها . وقد روي أن عمر لما قتل أسفر بها عثمان . خرجه ابن ماجه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف في الفجر أيضاً ، وقد تقدم أنه قرأ بالطور . وفي ( صحيح مسلم ) عن قطبة بن مالك ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ وفي رواية لهُ : أنه قرأ في أول ركعة ق . وفيه أيضاً : عن عمرو بن حريث ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وفيه أيضاً : عن جابر بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأ في الفجر بـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ونحوها . وفي رواية : وكانت صلاته بعد تخفيفاً . والظاهر : أنه أراد أن صلاته بعد الفجر كانت أخف من صلاة الفجر . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بسورة الروم ، وبسورة يس و حم و الم السجدة ، و هَلْ أَتَى . وفي ( سنن أبي داود ) أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا في الركعتين كلتيهما . يعني أنه أعادها في الركعة الثانية ، ولعل ذَلِكَ كانَ سفراً . وروى عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر في السفر بالمعوذتين ، وقد سبق ذكره . وأكثر العلماء على أن المستحب أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل ، كما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري ، ودل عليهِ حديث أبي هريرة وأنس ، وقد سبق . وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق . وروي عن أحمد ما يدل على أن الركعة الأولى يقرأ فيها بطوال المفصل ، والثانية يقرأ فيها من متوسطه . وروي عن الزهري ، أنه كانَ يقرأ في الأولى من طوال المفصل ، وفي الثانية من قصاره . وهذا مبني على القول باستحباب تطويل الأولى على الثانية كما سبق . وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الصبح في السفر بالعشر السور الأول من المفصل ، في كل ركعة بسورة . وظاهر هذا يدل على أنه كانَ يرى القراءة في الصبح بطوال المفصل مختصاً بالسفر . وقد نص أحمد على أنه يكره قراءة السورة القصيرة في صلاة الفجر ؛ مثل قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و أَرَأَيْتَ إلا في السفر ، وأنه لا تكره القراءة فيها بمريم ، و طه وأشباهها من السور . وقال : قد قرأ أبو بكر بالبقرة ، وكأنه استحب موافقة من خلفه . يعني : مراعاة أحوالهم من ضعفهم وقوتهم وما يؤثرونه من التخفيف والإطالة .
103 - باب يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين 770 - حدثنا سليمان ، ثنا شعبة ، عن أبي عون ، قالَ : سمعت جابر بن سمرة ، قالَ : قالَ عمر لسعد : قد شكوك في كل شيء حتى الصلاة ؟ قالَ : أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : صدقت ، ذَلِكَ الظن بك - أو ظني بك معنى ( لا آلو ) : لا أقصر ولا أدع جهداً في الاقتداء بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روي حديث سعد هذا بثلاثة ألفاظ : أحدها : هذا ، وهو ذكر الصلاة مطلقاً . والثاني : ذكر صلاة العشي ، والمراد : صلاة الظهر والعصر . والثالث : ذكر صلاة العشاء ، فإن كانَ محفوظاً كانَ الأنسب ذكره في هذا الباب . وإنما خرجه البخاري في صلاة الظهر والعصر ، وخرج هاهنا الرواية المطلقة التي تدخل فيها كل صلاة رباعية ، لقوله : أمد في الأوليين وأحذف في الأخريين . ومراد البخاري الاستدلال بحديث سعد هاهنا على تطويل الأوليين من صلاة العشاء ، فيكون ذَلِكَ مخالفاً لحديث البراء بن عازب الذي خرجه في الباب الماضي . وقد ذكرنا عن النخعي وإسحاق ما يدل على أنه يشرع تطويل القراءة في العشاء ، وأن الجمهور على أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل ، كما دل عليهِ حديث جابر في قصة معاذ بن جبل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
66 - باب إذا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْماً 711 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب وأبو النُّعْمَان ، قالا : حَدَّثَنَا حماد بن زيد ، عَن أيوب ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر بن عَبْد الله ، قَالَ : كَانَ معاذ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ يأتي قومه فيصلي بهم . مراده بهذا : أن اقتداء المفترض بالمتنفل صحيح ، استدلالا بهذا الحَدِيْث . وقد ذهب إلى هَذَا طائفة من العلماء ، منهم : طاوس وعطاء ، وَقَالَ : لَمْ نَزَلَ نسمع بذلك . وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والشافعي وأحمد - فِي رِوَايَة - وإسحاق وأبي خيثمة وأبي بَكْر بن أَبِي شيبة وسليمان بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبي ثور وداود والجوزجاني وابن المنذر . وقد روي عَن أَبِي الدرداء والحكم بن عَمْرِو الغفاري وغيرهما من الصَّحَابَة مَا يشهد لَهُ . وذكر الشَّافِعِيّ أَنَّهُ روي عَن عُمَر ورجل من الأنصار وابن عَبَّاس قريب مِنْهُ ، وعن أَبِي رجاء العطاردي والحسن ووهب بن منبه . كذا قَالَ ، والمعروف عنهما خلاف ذَلِكَ ، كما سنذكر ذَلِكَ . وحكاه - أَيْضاً - عَن مُسْلِم بن خَالِد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سَعِيد القطان . وَقَالَ إِسْحَاق : هُوَ سَنَة مسنونة ، وَهُوَ عَلَى مَا سن النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الخوف . ونقل إِسْمَاعِيل بن سَعِيد ، عَن أحمد ، قَالَ : لا بأس بِهِ . قَالَ : ومما يقوي حَدِيْث معاذ : حَدِيْث النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صلى صلاة الخوف بطائفتين ، بكل طائفة ركعتين ، ولا أعلم شيئاً يدفع هَذَا . وحديث صلاة الخوف قَدْ خرجه البخاري من حَدِيْث جابر ، وسيأتي فِي موضعه إن شاء الله تعالى . وذهب آخرون إلى المنع من ذَلِكَ ، وأن المفترض إذا اقتدى بمتنفل لَمْ تصح صلاته ، حكاه ابن المنذر عَن الزُّهْرِيّ وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك وأبي حنيفة . قَالَ : وروي معناه عَن الْحَسَن وأبي قلابة . قُلتُ : وقد روي - أَيْضاً - معناه عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ووهب بن منبه وابن سيرين والنخعي ، ذكره عَبْد الرزاق فِي ( كتابه ) عنهم . وَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بن حي والليث بن سعد . وَهُوَ المشهور عَن أحمد ، ونقل عَنْهُ أَنَّهُ رجع عَن القول بخلافه ، وعلى هَذَا أبو بَكْر عَبْد العزيز وغيره من أصحابنا ، وأن أحمد رجع عَن القول بجواز ذَلِكَ . قَالَ - فِي رِوَايَة المروذي - : كُنْتُ أذهب إليه - يعني : حَدِيْث معاذ - ثُمَّ ضعف عندي . واعتل الإمام أحمد عَلَى حَدِيْث معاذ بأشياء : أحدها : أن حَدِيْث معاذ رواه جماعة لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ذكروا أَنَّهُ كَانَ يصلي بقومه ويطيل بهم ، منهم : عَبْد العزيز بن صهيب ، عَن أَنَس ، وأبو الزُّبَيْر عَن جابر ، ومنهم : محارب بن دثار وأبو صالح عَن جابر . الثاني : أن الذين ذكروا : أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يرجع فيؤم قومه ، لَمْ يذكر أحد منهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك ، إلا ابن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر . فَقَالَ أحمد : مَا أرى ذَلِكَ محفوظاً ، وَقَالَ - مرة - : ليس عندي ثبتاً ؛ رواه منصور بن زاذان وشعبة وأيوب ، عَن عَمْرِو بن دينار ، ولم يقولوا مَا قَالَ ابن عُيَيْنَة . كذا قَالَ ، وقد رواه - أَيْضاً - ابن عجلان ، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم ، عَن جابر ، مثل رِوَايَة ابن عُيَيْنَة عَن عَمْرِو . وهذا أقوى الوجوه ، وَهُوَ أن من رَوَى صلاة معاذ خلف النبي صلى الله عليه وسلم ورجوعه إلى قومه لَمْ يذكر أحد منهم قصة التطويل والشكوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير ابن عُيَيْنَة ، وقد تابعه ابن عجلان عَن ابن مقسم ، وليس ابن عجلان بذاك القوي . ومن ذكر شكوى معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الثقات الحفاظ لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يرجع إلى قومه فيؤمهم . ولم يفهم كثير من أصحابنا هَذَا الَّذِي أراده الإمام أحمد عَلَى وجهه . الثالث : قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبل : هَذَا عَلى جهة التعليم من معاذ لقومه . يعني : لَمْ يكن يصلي بهم إلا ليعلمهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما علم مَالِك بن الحويرث قومه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد الصلاة ، وقد سبق حديثه . ولكن الفرق بينه وبين حَدِيْث معاذ : أن مَالِك بن الحويرث علم قومه الصلاة فِي غير وقت صلاة ، فكانوا كلهم متنفلين بالصلاة ، ومعاذ كَانَ يصلي المكتوبة ، ثُمَّ يرجع إلى قومه ، وهم ينتظرونه حَتَّى يؤمهم فيها ، فكانوا مفترضين . الرابع : قَالَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم الحربي : إن صح ، فله معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم . وقد قيل : إن هَذَا المعنى الَّذِي أشار إليه الإمام أحمد ، هُوَ أَنَّهُ كَانَ فِي أول الإسلام ، وكان من يقرأ القرآن قليلاً ، فكان يرخص لهم فِي ذَلِكَ توسعة عليهم ، فلما كثر القراء انتسخ ذَلِكَ ، وقد سبق نحو ذَلِكَ فِي إمامة الصبي أَيْضاً . وكذا رَوَى عَبَّاس الدوري ، عَن يَحْيَى بن معين ، أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيْث معاذ ، أَنَّهُ كَانَ يصلي بأصحابه ، وقد صلى قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ يَحْيَى : لا أرى هَذَا . قَالَ عَبَّاس : معنى هَذَا - عندنا - : أن يَحْيَى كَانَ يَقُول : هَذَا فِي بدو الإسلام ، ومن يقرأ القرآن قليل ، فلا أرى هَذَا ، هَذَا قَوْلُ يَحْيَى عندنا . وقد ذكر ابن شاهين ، عَن أَبِي بَكْر النجاد ، أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيْم الحربي وسئل عمن صلى فريضة خلف متطوع ؟ فَقَالَ : لا يجوز ، فَقِيلَ لَهُ : فحديث معاذ ؟ قَالَ : حَدِيْث معاذ أعيا القرون الأولى . وأجابت طائفة عَن حَدِيْث معاذ بجواب آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ يجوز أن يكون معاذ يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم تطوعاً ، ثُمَّ يصلي الفريضة بقومه . ورد ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وأحمد . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَمْ يكن معاذ يفوت نفسه فضل الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فِي مسجده . وخرج الدارقطني والبيهقي من رِوَايَة أَبِي عاصم ، عَن ابن جُرَيْج ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر ، أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ ينصرف إلى قومه فيصلي بهم ، هِيَ لَهُ تطوع ولهم فريضة . ومن طريق عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج نحوه ، إلا أنه قَالَ : فيصلي بهم تلك الصلاة ، هِيَ له نافلة ولهم فريضة . ولعل هَذَا مدرج من قَوْلِ ابن جُرَيْج . والله أعلم . وقد ظن بعض فقهاء أصحابنا أن هذه الزيادة هِيَ الَّتِيْ أنكرها أحمد عَلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وهذا وهم فاحش ، فإن هذه الزيادة تفرد بِهَا ابن جُرَيْج لا ابن عُيَيْنَة . وأجاب الإمام أحمد عَن حَدِيْث جابر فِي صلاة الخوف بأن هَذَا جائز فِي صلاة الخوف دون غيرها ؛ لأنه يغتفر فِي صلاة الخوف مَا لا يغتفر فِي غيرها من الأعمال ، وكذلك النيات . واستدلوا عَلَى منع ذَلِكَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فلا تختلفوا عَلِيهِ ) وقالوا : مخالفته فِي النية اخْتِلاَف عَلِيهِ . لكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض ، ولم يجعلوه اختلافاً عَلِيهِ . واعلم أن جمهور العلماء فِي هذه المسألة عَلَى المنع ، منهم : مَالِك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والليث وأهل مصر ، وَهُوَ قَوْلِ جمهور التابعين من أهل المدينة والعراق . ولكن قَدْ قَالَ بالجواز خلق كثير من العلماء . وحديث معاذ ، قَدْ صح أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بِهِ وأقر عَلِيهِ ، وقد توبع سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَلَى ذَلِكَ ، كما أشرنا إليه ، ولم يظهر عَنْهُ جواب قوي . فالأقوى : جواز المفترض بالمتنفل ، وقد رجح ذَلِكَ صاحب ( المغني ) وغيره من أصحابنا . والله أعلم . وقد عارض بعضهم حديث معاذ بما روى معاذ بن رفاعة الأنصاري ، عن سليم الأنصاري - من بني سلمة - أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله ، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ، ونكون في أعمالنا في النهار ، فينادى بالصلاة ، فنخرج إليه ، فيطول علينا ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ، لا تكن فتانا ، إما أن تصلي معي ، وإما أن تخفف على قومك ) . خرجه الإمام أحمد . وهو مرسل ؛ فإن سليما هذا قتل في يوم أحد ، وقد ذكر ذَلِكَ في تمام هذا الحديث . وقال ابن عبد البر : هوَ منكر لا يصح . قلت : لو صح فيحتمل أن يكون المراد : إما أن تقتصر على صلاتك معي فتقيم لقومك من يصلي بهم غيرك ، وإما أن تذهب إليهم فتصلي بهم وإن صليت معي لكن تخفف عليهم ولا تطيل بهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
102 - باب القراءة في العشاء 769 - حدثنا خلاد بن يحيى ، ثنا مسعر ، ثنا عدي بن ثابت ، سمع البراء ، قالَ : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء بالتين والزيتون ، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه - أو قراءة هذا الحديث ، رواه عن عدي بن ثابت ، مسعر ، ومن طريقه خرجه البخاري هاهنا . وشعبة ، وقد خرجه من حديثه فيما سبق . ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وقد خرجه من طريقه الترمذي وابن ماجه . وفي أحاديثهم : أن ذَلِكَ كانَ في العشاء . وخرجه الإمام أحمد ، عن أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، وقال في حديثه : ( المغرب ) ، بدل : ( العشاء ) . رواه كذلك عبد الوهاب ، عن شعبة . خرجه من طريقه ابن أبي داود في ( كتاب الصلاة ) . وروي ذَلِكَ عن مسعر أيضاً . خرجه الإسماعيلي في ( جمعه حديث مسعر ) . وفي رواية خرجها الإسماعيلي أيضاً ، عن البراء ، قالَ : مشيت إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ، فذكر الحديث ، وزاد في آخره : وكان في قراءته ترسيل ، أو ترتيل . وذكر المشي إلى المسجد غريب لا يثبت ، وهو يوهم أنه كانَ بالمدينة ، وترده رواية شعبة المتفق عليها في ( الصحيحين ) : أن ذَلِكَ كانَ في سفر . وهذا الحديث يدل على القراءة في صلاة العشاء بقصار المفصل . وقد بوب عليهِ أكثر من صنف في العلم ، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه : ( القراءة في العشاء ) . وظاهر كلامهم يدل على أنه يستحب القراءة في العشاء بقصار المفصل ، ولا يعلم قائل من الفقهاء يقول باستحباب ذَلِكَ مطلقاً . وبوب عليهِ أبو داود : ( قصر القراءة في السفر ) ، فحمله على الصلاة في السفر خاصة . وروى عمرو بن ميمون ، أنه سمع عمر يقرأ بمكة في العشاء بالتين والزيتون ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ وهذا أيضاً كانَ في سفر . وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر . وقال أصحابنا : لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر . وقال إبراهيم النخعي : كانَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأون في السفر بالسور القصار . خرجه ابن أبي شيبة . وخرج - أيضاً - بإسناده ، عن عمرو بن ميمون ، قالَ : صلى بنا عمر الفجر بذي الحليفة فقرأ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وبإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه صلى بأصحابه الفجر في سفر ، فقرأ بآخر بني إسرائيل : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ثم ركع . وروى حرب بإسناده ، عن المعرور بن سويد ، قالَ : حججت مع عمر ، فقرأ بنا في صلاة الصبح بمكة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ و لإِيلافِ قُرَيْشٍ ويروى عن أنس أنه كانَ يقرأ في السفر في الفجر بالعاديات وأشباهها . وروي عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به الفجر في سفر ، فقرأ بالمعوذتين . خرجه وكيع في ( كتابه ) بإسناد منقطع . وخرجه الإمام أحمد بإسناد متصل ، ولم يذكر السفر ، لكن ذكر أنه كانَ يقود بالنبي صلى الله عليه وسلم راحلته ، ثم ذكر صلاته عقب ذَلِكَ ، وهو دليل على السفر . وخرجه أبو داود والنسائي مختصراً . وكان الأولى أن يخرج في هذا الباب حديث جابر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وقد خرجه البخاري فيما تقدم في ( أبواب : الإمامة ) . وفي رواية لهُ - أيضاً - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقرأ سورتين من وسط المفصل . وعلى هذا جمهور العلماء : أن المستحب أن يقرأ في صلاة العشاء سورتين من أواسط المفصل ، وهو قول الشافعي وأحمد . وقد سبق من حديث أبي هريرة وأنس ما يدل على ذَلِكَ أيضاً . وروى ابن لهيعة ، عن ابن أبي جعفر ، عن خلاد بن السائب ، عن أبي قتادة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( لا يقرأ في الصبح دون عشرين آية ، ولا في العشاء دون عشر آيات ) . خرجه أبو الشيخ الأصبهاني . وهو غريب . وقد روي عن عمر ، أنه كتب إلى أبي موسى أن يقرأ في الفجر بوسط المفصل . ذكره الترمذي تعليقاً . وذكر عن عثمان أنه كانَ يقرأ في العشاء بأوساط المفصل ؛ مثل سورة المنافقين ونحوها . وقد تقدم عن أبي هريرة ، أنه قرأ فيها بـ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وروي مثله عن عمر ، وعن ابن مسعود أنه قرأ في الركعة الأولى من العشاء من أول الأنفال إلى رأس الأربعين وَنِعْمَ النَّصِيرُ ثم ركع ، ثم قام فقرأ بسورة من المفصل . وقال النخعي وإسحاق : كانوا يعدلون الظهر في القراءة بالعشاء . ومن قولهما : إن الظهر يقرأ فيها بنحو ثلاثين آية . وقد سبق حديث في قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة العشاء ، وأن من أهل الحديث من كانَ يعمل به حضراً وسفراً . وروى حرب بإسناده ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قالَ : كانوا يستحبون أن يقرأوا ليلة الجمعة سورة الجمعة ، كي يعلم الناس أن الليلة ليلة الجمعة . قالَ حرب : قلت لأحمد : فنقرأ ليلة الجمعة في العتمة بسورة الجمعة و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ؟ قالَ : لا ، لم يبلغني في هذا شيء ، وكأنه كره ذَلِكَ . وروى الخلال من طريق الحسن بن حسان ، قالَ : قلت لأحمد : فنقرأ في ليلة الجمعة بسورة الجمعة ؟ قالَ : لا بأس ، ما سمعنا بهذا شيئاً أعلمه ، ولكن لا يدمن ، ولا يجعله حتماً .
67 - باب مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمامِ 712 - حدثنا مسدد ، ثنا عبد الله بن داود ، ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيهِ أتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، قالَ : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، قلت : إن أبا بكر رجل أسيف ، إن يقم مقامك يبك ، فلا يقدر على القراءة ، فقالَ : ( مروا أبا بكر فليصل ) ، فقلت مثله ، فقالَ في الثالثة - أو الرابعة - : ( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل ) ، فصلى ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يهادى بين رجلين ، كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض ، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر ، فأشار إليه أن صل ، فتأخر أبو بكر وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، وأبو بكر يسمع الناس التكبير . تابعه : محاضر ، عن الأعمش . قد سبق ذكر حديث عائشة بألفاظه وطرقه . وما ذكر فيهِ في هذه الرواية من تأخر أبي بكر فمنكر مخالف لسائر الروايات . وإنما المقصود منه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم يسمع الناس تكبير النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا يدل على شيئين : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم في صحته لم يكن من عادته أن يبلغ أحد وراءه التكبير ، بل كانَ هوَ يسمع أهل المسجد تكبيره ، فلا يحتاج إلى من يبلغ عنه . وقد خرج البخاري - فيما بعد - حديث سعيد بن الحارث ، قالَ : صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع قامته من السجود ، وحين سجد ، وحين قام من الركعتين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : فجهر بالتكبير حين افتتح الصلاة ، وحين ركع ، وحين قالَ : سمع الله لمن حمده ، وحين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد ، وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذَلِكَ ، وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي . وخرجه البيهقي ، وعنده : وبعد أن قالَ : سمع الله لمن حمده . وهذا إشارة إلى تكبير السجود ، بدليل أنه قالَ بعده : وحين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد . وزاد البيهقي في روايته : وحين رفع . والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض ضعف صوته عن إسماع أهل المسجد ، وكان أبو بكر حينئذ يسمع الناس تكبيره ، ويبلغ عنه . وقد روي عنه ، أنه فعل ذَلِكَ - أيضا - في مرض آخر عرض لهُ في حياته . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره ، وذكر في الحديث : أنه أشار إليهم أن اجلسوا . وقد سبق بتمامه . وفي رواية لمسلم - أيضا - : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر وأبو بكر خلفه ، فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا . فمتى كانَ الإمام صوته ضعيفا لمرض أو غيره ، ولم يبلغ المأمومين صوته ، وكان المسجد كبيرا لا يبلغه صوت الإمام ، شرع لبعض المأمومين أن يبلغ الباقين التكبير جهرا ، ويكون الجهر على قدر الحاجة إليه ، من غير زيادة على ذَلِكَ . وروى وكيع : ثنا المغيرة بن زياد ، قالَ : رأيت عطاء بن أبي رباح صلى في السقيفة التي في المسجد الحرام في نفر ، وهم متفرقون عن الصفوف ، فقلت لهُ ، فقالَ : إني شيخ كبير ومكة دونه ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصابهم مطر ، فصلى بالناس في رحالهم ، وبلال يسمع الناس التكبير . وروى بكر بن محمد ، عن الحكم ، عن أبيه ، أنه سأل أحمد عن الرجل يكبر يوم الجمعة يسمع الناس ؟ قالَ : صلاته تامة ، هذا منفعة للناس ؛ قد كانَ عمر يسمع صوته بالبلاط ، قيل لهُ : فيأخذ على هذا أجرا في تكبيره يسمع الناس ؟ قالَ : لا أدري . قالَ أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ، قوله : ( لا أدري ) كأنه - والله أعلم - يكرهه . قالَ : وإن أخذ من بيت المال جاز ؛ لأن حقه فيهِ - يعني : أن حق المؤذنين في بيت المال - وإن أخذ من غيره فهوَ مكروه . انتهى . والأخذ من الوقف كالأخذ من بيت المال في هذا . ومتى بلغ المأموم زيادة على قدر الحاجة ، أو بلغ من غير حاجة إليه كانَ مكروها . وظاهر الحديث : يدل على أن المأموم إذا اقتدى بالإمام بسماع التكبير من غيره صح اقتداؤه به ، وعلى هذا أكثر الفقهاء . واختلف فيهِ أصحاب مالك ، فمنهم من أجازه ، ومنهم من منعه ، وعلل بأنه اقتدى بغير الإمام ، ومنهم من قالَ : إن كانَ الإمام أذن للمبلغ في التبليغ صح الاقتداء به . واختلفوا - أيضا - فيمن سمع التكبير ، ولم ير الإمام ، ولا من خلفه ، هل يصح اقتداؤه بالإمام في هذه الحالة ، أم لا يصح ؟ يفرق بين أن يكون في المسجد فيصح ، وبين أن يكون خارج المسجد فلا يصح . وقد حكي في ذَلِكَ روايات متعددة عن الإمام أحمد ، وربما نذكر المسألة في موضع آخر إن شاء الله تعالى . وقال أحمد - في رواية مهنا - فيمن صلى الجمعة ، فلم يسمع تكبير الإمام ، ولا غير الإمام : ليس عليهِ إعادة ، وقال : كل الناس يسمعون التكبير ؟ إنما ينظر بعضهم إلى بعض . وقال سفيان الثوري في القوم لا يرون الإمام عندَ الركوع والسجود : أجزأهم أن يتبعوا من قدامهم من الصفوف ؛ الناس أئمة بعضهم لبعض .
101 - باب القراءة في العشاء بالسجدة 768 - حدثنا مسدد ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا التيمي ، عن بكر ، عن أبي رافع ، قالَ : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فسجد ، فقلت : ما هذه ؟ قالَ : سجدت بها خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه . قد ذكرنا أن هذا الحديث إنما فيهِ التصريح بالسجود في صلاة العشاء عن أبي هريرة ، وليس فيهِ تصريح برفع ذَلِكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيأتي في موضع آخر - إن شاء الله تعالى - قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في فجر يوم الجمعة بـ الم تَنْـزِيلُ السجدة . والظاهر : أنه كانَ يسجد فيها ، ولو لم يكن يسجد فيها لنقل إخلاله بالسجود فيها ، فإنه يكون مخالفا لسنته المعروفة في السجود فيها ، ولم يكن يهمل نقل ذَلِكَ ، فإن هذه السورة تسمى سورة السجدة ، وهذا يدل على أن السجود فيها مما استقر عليهِ العمل به عندَ الأمة . وجمهور العلماء على أن الإمام لا يكره لهُ قراءة سجدة في صلاة الجهر ، ولا السجود لها فيها ، وروي ذَلِكَ عن ابن عمر وأبي هريرة ، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما . واختلف فيهِ عن مالك ، فروي عنه كراهته ، وروي عنه أنه قالَ : لا بأس به إذا لم يخف أن يغلط على من خلفه صلاته . وكأنه يشير إلى أنه إذا كثر الجمع وأدى السجود إلى تغليط من بعد عن الإمام ؛ لظنّه أنه يكبر للركوع فركع . وأما قراءة الإمام في صلاة السر سورة فيها سجدة ، فاختلفوا في ذَلِكَ : فكرهه كثير من العلماء ، منهم : مالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد . وعللوا الكراهة بتغليط المأمومين ، وأنه ربما اعتقدوا أنه سها في صلاته فيتخلف بعضهم عن متابعته وتختبط صلاتهم . ثم اختلفوا فيما إذا قرأها : هل يسجد ، أم لا ؟ فقالَ أكثرهم : يسجد ، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة . والسجود عندَ مالك مستحب ، وعندهما واجب ؛ بناء على أصلهما في وجوب سجود التلاوة . وقالوا : متى سجد لزم المأمومين متابعته في السجود . وقال أحمد وأصحابه : يكره أن يسجد ، فإن فعل لم يلزم المأموم متابعته ، بل يخير في ذَلِكَ ؛ لأن إمامه فعل مكروها لا يبطل صلاته ، فخير في متابعته وترك متابعته . وكذا قالَ الثوري في إمامٍ سجد ، يظن أنه قرأ سجدة فسجد فيها : لا يتبعه من خلفه . وقالت طائفة : لا يكره قراءة السجدة في صلاة السر ولا السجود لها ، وعلى المأموم متابعته ، وهو قول الشافعي وإسحاق . ومن الشافعية من قالَ : يستحب تأخير السجود لها حتى يفرغ من الصلاة ، فيسجد حينئذ للتلاوة . واستدلوا بما روى سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر ، فرأى أصحابه أنه قرأ تَنْـزِيلُ السجدة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . ولم يسمعه التيمي عن أبي مجلز . قالَ الدارقطني : وقيل : عنه ، عن أبي أمية ، عن أبي مجلز ، قالَ : ويشبه أن يكون : عبد الكريم أبو أمية ، وكذا قاله إبراهيم بن عرعرة . وقال في موضع آخر : أمية مجهول . وذكر البيهقي أنه قيل فيهِ : ( مية ) - أيضاً - بغير ألف . وروي بهذا الإسناد عن أبي مجلز مرسلا . قالَ الإمام أحمد في هذا الحديث : ليس لهُ إسناد ، وقال أيضاً : لم يسمعه سليمان من أبي مجلز ، وبعضهم لا يقول فيهِ : عن ابن عمر ، يعني : جعله مرسلا . وخرج أبو يعلى الموصلي في ( مسنده ) من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قالَ : سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر ، فظننا أنه قرأ تَنْـزِيلُ السجدة . ويحيى هذا ضعيف جداً .
5 - باب فضل الصلاة لوقتها 527 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك : ثنا شعبة ، قال : الوليد بن العيزار أخبرني ، قال : سمعت أبا عمرو الشيباني يقول : ثنا صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار عبد الله قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) . قال : ثم أي ؟ قال : ( ثم بر الوالدين ) . قال : ثم أي ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) . قال : حدثني بهن ، ولو استزدته لزادني . وخرجه بهذا الإسناد بعينه في كتاب البر والصلة . وخرجه أول الجهاد من طريق مالك بن مغول ، عن الوليد ، به ، ولفظه : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أفضل ؟ قال : قال : ( الصلاة على ميقاتها ) - وذكر باقيه بمعناه . وفي رواية لمسلم من حديث أبي يعفور ، عن الوليد - بهذا الإسناد قلت : يا نبي الله ، أي الأعمال أقرب إلى الجنة ؟ قال : ( الصلاة على مواقيتها ) - وذكر باقيه . وهذه الألفاظ متقاربة المعنى أو متحدة ؛ لأن ما كان من الأعمال أحب إلى الله فهو أفضل الأعمال ، وهو أقرب إلى الجنة من غيره ؛ فإن ما كان أحب إلى الله فعامله أقرب إلى الله من غيره ، كما في حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه ، قال : ( ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) - وذكر الحديث . خرجه البخاري في الرقاق من كتابه هذا . وقال عمر بن الخطاب : أفضل الأعمال أداء ما فرض الله . وكذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته . فدل حديث ابن مسعود هذا على أن أفضل الأعمال وأقربها إلى الله وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها المؤقتة لها . وقد روي في هذا الحديث زيادة ، وهي : ( الصلاة في أول وقتها ) ، وقد خرجها ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم والدارقطني من طرق متعددة . ورويت من حديث عثمان بن عمر ، عن مالك بن مغول ، [و] من حديث علي بن حفص المدائني ، عن شعبة ، ورويت عن شعبة من وجه آخر ، وفيه نظر ، ورويت من وجوه أخر . واستدل بذلك على أن الصلاة في أول الوقت أفضل ، كما استدل لحديث أم فروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : ( الصلاة لأول وقتها ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي . وفي إسناده اضطراب - : قاله الترمذي والعقيلي . وقد روي نحوه من حديث ابن عمر ، إلا أن إسناده وهم ، وإنما هو حديث أم فروة - : قاله الدارقطني في العلل . وروي نحوه من حديث الشفاء بنت عبد الله . وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( الصلاة على وقتها - أو على مواقيتها ) : دليل - أيضا - على فضل أول الوقت للصلاة ؛ لأن على للظرفية ، كقولهم : ( كان كذا على عهد فلان ) ، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها ، بل تقع في جزء منها ، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقت كله ظرفا لها حكما . ولهذا سمي المصلي مصليا في حال صلاته وبعدها إما حقيقة أو مجازا على اختلاف في ذلك ، وأما قبل الفعل في الوقت فليس بمصل حقيقة ولا حكما ، وإنما هو مصل بمعنى استباحة الصلاة فقط ، فإذا صلى في أول الوقت فإنه لم يسم مصليا إلا في آخر الوقت . وقوله : ( ثم بر الوالدين ) لما كان ابن مسعود له أم احتاج إلى ذكر بر والديه بعد الصلاة ؛ لأن الصلاة حق الله وحق الوالدين متعقب لحق الله عز وجل ، كما قال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ وقوله : ( ثم الجهاد في سبيل الله ) ؛ لأن الجهاد فرض كفاية ، والدخول فيه بعد قيام من سقط به حق فرض الكفاية تطوع إذا لم يتعين بحضور العدو ، ولهذا تقدم بر الوالدين على الجهاد إذا لم يتعين ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أراد أن يجاهد معه : ( ألك والدان ؟ ) قال : نعم . [قال] : ( ففيهما فجاهد ) - وفي رواية : ( فأمره أن يرجع إليهما ) . فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود أن أفضل الأعمال القيام بحقوق الله التي فرضها على عباده فرض ، وأفضلها : الصلاة لوقتها ، ثم القيام بحقوق عباده ، وآكده بر الوالدين ، ثم التطوع بأعمال البر ، وأفضلها الجهاد في سبيل الله . وهذا مما يستدل به الإمام أحمد ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوع الجهاد . فإن قيل : فقد روي خلاف ما يفهم منه ما دل عليه حديث ابن مسعود هذا ؛ ففي الصحيحين ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ورسوله ) . قيل : ثم أي ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) . قيل : ثم أي ؟ قال : ( حج مبرور ) . وفيهما - أيضا - عن أبي ذر ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( الإيمان بالله ، والجهاد في سبيله ) . ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة ولا بر الوالدين ، وروي نصوص أخر بأن الجهاد أفضل الأعمال مطلقا ، وروي ما يدل على أن أفضل الأعمال ذكر الله عز وجل ، وجاء ذلك صريحا عن جماعة كثيرة من الصحابة - رضي الله عنهم قيل : هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس ، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية . فمنهم من قال : أراد بقوله : أفضل الأعمال كذا أي : أن ذلك من أفضل الأعمال ، لا أنه أفضلها مطلقا . وهذا في غاية البعد . ومنهم من قال : أجاب كل سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما خص ابن مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه ، ولم يذكر ذلك لغيره . لكن أبو هريرة كانت له أم - أيضا . وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فنقول : لا ريب أن أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده ، كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث ، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلها الإيمان بالله ورسوله ، تصديقا بالقلب ، ونطقا باللسان ، وهو النطق بالشهادتين ، وبذلك بعث النبي - صلى الله عليه وسلم وأمر بالقتال عليه ، وقد سبق ذلك مبسوطا في كتاب الإيمان . ثم بعد ذلك : الإتيان ببقية مباني الإسلام الخمس التي بني عليها ، وهي : الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولا إلى الشهادتين ، ثم إلى الصلاة ، ثم إلى الصيام ، ثم إلى الزكاة ، كما أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن ، وكان يعلم من يسأله عن الإسلام مبانيه الخمس ، كما في حديث سؤال جبريل عليه السلام له عن الإسلام ، وكما في حديث طلحة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم الأعرابي الذي سأله عن الإسلام المباني . فإذا تقرر هذا ، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة لما سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ورسوله ) فهذا وجه ظاهر ، لا إشكال فيه ؛ فإن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقا ، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملا ، لما في ذلك من عمل القلب واللسان . وقد قرر البخاري ذلك في كتاب الإيمان وسبق الكلام عليه في موضعه . وقوله في حديث أبي هريرة : ( ثم الجهاد في سبيل الله ) ، وفي حديث أبي ذر : والجهاد - بالواو - يشهد له أن الله قرن بين الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله في مواضع ، كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وقوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ الآية . فالإيمان بالله ورسوله : التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان . والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان ، بعد دعائهم بالحجة والبيان ، ولهذا يشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال . وقد قيل : إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلهم ، لا يسع أحدا التخلف عنه ، كما قال تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا ثم بعد ذلك رخص لأهل الأعذار ، ونزل قوله : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً روي ذلك عن ابن عباس وغيره ، وحينئذ فيحتمل جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين : أحدهما : أن يقال : إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين ، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان ، وقرينا له ، فلما نزلت الرخصة وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان . وقد اختلف ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عد الجهاد من فرائض الإسلام ، فعده عبد الله بن عمرو منها بعد الحج ، وأنكر ذلك ابن عمر عليه ، وقال : فرائضه تنتهي إلى الحج . وقد روى اختلافهما في ذلك أبو عبيد في كتاب الناسخ والمنسوخ وغيره . وعد حذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس ، وجعلها ثمانية سهام ، وكأنه جعل الشهادتين سهمين . والثاني - وهو أشبه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سئل عن أفضل الأعمال ، فتارة يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمى الأعمال ، كما سبق تقريره ، وتارة يذكر أعمال الجوارح ؛ لأن المتبادي إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمال الجوارح ، دون عمل القلب واللسان ، فكان إذا تبين له أن ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له ، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا ؛ فإن الصلاة أفضل أعمال الجوارح ، وحيث أجاب بذكر الإيمان أو بذكر الصلاة ، فإنما مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام ، ومراده المباني بجملتها ؛ فإن المباني الخمس كالشيء الواحد ، وكل من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين أو بالصلاة - على رأي من يرى فعلها إسلاما فإنه يؤمر ببقية المباني ، ويلزم بذلك ، ويقاتل على تركه . وفي حديث خرجه الإمام أحمد . أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أربع فرضهن الله في الإسلام ، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا : الصلاة ، والزكاة ، وصيام رمضان ، [وحج البيت] ) . وفي حديث آخر : ( الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئا دون شيء ) - فذكر مباني الإسلام الخمس ، وأن من أتى ببعضها دون بعض لم يقبل منه . ونفي القبول لها بمعنى نفي الرضا بذلك واستكمال الثواب عليه ، وحينئذ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - تارة يكتفي في جواب من سأله عن أفضل الأعمال بالشهادتين ، وتارة بالصلاة ، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني ، لكنه خص بالذكر أشرفها ، فكأنه قال : الشهادتان وتوابعهما ، والصلاة وتوابعها ولوازمها ، وهو بقية المباني الخمس . ويشهد لهذا : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ) . فتوهم طائفة من الصحابة أن مراده أن مجرد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقفوا في قتال من منع الزكاة ، حتى بين لهم أبو بكر - ورجع الصحابة إلى قوله - : أن المراد : الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما ، وهو الإتيان ببقية مباني الإسلام . وقد تبين صحة قولهم بروايات أخر تصرح بإضافة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قال : لا إله إلا الله لم تمسه النار - أو دخل الجنة ) . إنما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما ، وهو الإتيان ببقية أركان الإسلام ومبانيه . وفي حديث ابن مسعود قدم بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أن حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد . وحديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما اقتران الجهاد بالإيمان ، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان ، وجعل بعده الحج المبرور ، فيحتمل أن يقال : كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين ، فكان مقدما على الحج ، ويحتمل أن يقال : قد فهم دخول الحج من ذكر الإيمان بالله ورسوله ؛ لأن ذلك يتبعه بقية مباني الإسلام ، ومنها الحج ، لا سيما وقد تقرر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل ويكون المراد به جهاد المتطوع . وهذا أشبه بقواعد الشريعة ؛ فإن من معه مال ، وعليه زكاة أو حج ، وأراد التطوع بالجهاد ، فإنه لا خلاف أنه يقدم الزكاة والحج على التطوع بالجهاد ، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص : حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات ، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات . وروي - مرفوعا - من وجوه في أسانيدها مقال . فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما ، وهي بقية مباني الإسلام ، أو الصلاة مع توابعها - أيضا - من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله عز وجل ، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان ، كبر الوالدين ، ثم بعد ذلك [أعمال] التطوع المقربة إلى الله ، وأفضلها الجهاد . وفي حديث أبي هريرة تأخير الحج عن الجهاد ، ولعله إنما ذكره بعد الجهاد حيث كان الحج تطوعا ، فإن الصحيح أن فرضه تأخر إلى عام الوفود . وقد يقال : حديث أبي هريرة دل على أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج ، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين ، كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد ، وإلا فالجهاد أفضل منه . فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه ، كما في حديث معاذ : ( فرأسه الشهادتان ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ) . والجهاد أفضل ما تطوع به من الأعمال ، على ما دلت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة ، وهو مذهب الإمام أحمد . وفي الصحيحين عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل الناس مؤمن آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره ) . فهذا نص في أن المجاهد أفضل من المتخلي لنوافل العبادات من الصلاة والذكر وغير ذلك ، فأما النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال ، وأن الذاكرين لله أفضل الناس عند الله مطلقا ؛ فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات . وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال ، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال ، فمن عمل عملا صالحا ، وكان أكثر لله ذكرا فيه من غيره فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه . وقد ورد في نصوص متعددة أن أفضل المصلين والمتصدقين والمجاهدين والحاج وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكرا . وقد خرجه الإمام أحمد متصلا ، وخرجه ابن المبارك وغيره مرسلا . فهؤلاء أفضل الناس عند الله ، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيرا وليس لهم نوافل من غير الذكر كالجهاد وغيره ، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان ، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيرا ، المفضلون على المجاهدين ، ويليهم قوم يقومون بالفرائض وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم . وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عما يعدل الجهاد : ( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ، وتقوم ولا تفتر ؟ ) . قال : لا . قال : ( فذلك الذي يعدل الجهاد ) ؛ لأنه سأله عن عمل ينشئه عند خروج المجاهد يعادل فضل جهاده . وأما الذاكرون لله كثيرا ، فإنما فضلوا على المجاهدين بغير ذكر ؛ لأن لهم عملا مستمرا دائما قبل جهاد المجاهدين ، ومعه وبعده ، فبذلك فضلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير . وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك . وأما حديث : ( خير الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام ) فقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب ، وأنه ليس المراد به تفضيل هاتين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرهما ، بل المراد أن أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج ، من قام بعد ذلك بإطعام الطعام وإفشاء السلام . فإن قيل : فيكون التطوع بذلك أفضل من التطوع بالجهاد والحج . قيل : فيه تفصيل : فإن كان إطعام الطعام فرض عين كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب فلا ريب أنه أفضل من التطوع بالنفقة في الجهاد والحج ، فإن كان تطوعا ، فإن كان صلة رحم فهو أفضل من الجهاد والحج ، نص عليه أحمد وكذا إن كان في عام مجاعة ونحوها ، فهو أفضل من الحج عند الإمام أحمد ، وقد يقال في الجهاد كذلك إذا لم يتعين . وهذا الكلام كله في تفضيل بعض الأعمال على بعض لذاتها ، فأما تفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها أو مكانها فإنه قد يقترن بالعمل المفضول من زمان أو مكان ما يصير به فاضلا ، فهذا فيه كلام آخر نذكره في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
6 - باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها 528 - حدثني إبراهيم بن حمزة : ثنا ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه ؟ ) قالوا : لا يبقي من درنه شيئا . قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بها الخطايا ) . هذا مثل ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمحو الخطايا بالصلوات الخمس ، فجعل مثل ذلك مثل من ببابه نهر يغتسل فيه كل يوم خمس مرار ، كما أن درنه ووسخه ينقى بذلك حتى لا يبقى منه شيء ، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء . واستدل بذلك بعض من يقول : إن الصلاة تكفر الكبائر والصغائر ، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفرها مجرد الصلاة بدون توبة ، يقولون : هذا العموم خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر ) . وفيه - أيضا - : عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله ) . وخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده ، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ، ثم قيل له : ادخل بسلام ) . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه - أيضا . وقال ابن مسعود : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر . وروي عنه مرفوعا . والموقوف أصح . وقال سلمان : حافظوا على هذه الصلوات الخمس ؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة . وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك ، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس ، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة . وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر ، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئا من الصغائر ، وحكاه ابن عطية في تفسيره عن جمهور أهل السنة ؛ لظاهر قوله : ( ما اجتنبت الكبائر ) . والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء ، ورجحه ابن عطية ، وحكاه عن الحذاق : أن ذلك ليس بشرط ، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقا إذا لم يصر عليها ، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر . وحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب وغيره من الأحاديث يدل على ذلك ، وقد ذكر البخاري في تبويبه عليه أن صلاتهن في وقتهن شرط لتكفير الخطايا ، وأخذ ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يغتسل فيه كل يوم خمسا ) ، وهذا يدل على تفريق الصلوات خمس مرار في كل يوم وليلة ، ومن جمع بينهما في وقت واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عذر لم يحصل منه هذا التفريق ولا تكرير الاغتسال ، وهو بمنزلة من اغتسل مرة أو مرتين أو ثلاثا . وحديث عثمان الذي خرجه مسلم يدل على أن كل صلاة تكفر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة ، وقد ورد مصرحا بذلك في أحاديث كثيرة . وحينئذ ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر وجمع بينهما فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معا ، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع . وتمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن ؛ فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر ، بخلاف الماء الراكد ؛ فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء ، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان ؛ ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كما سبق ذكره في الطهارة . وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ) . قال : قال الحسن : وما يبقي ذلك من الدرن . وقد روي عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . قال أبو حاتم : كذلك أرسله الحفاظ ، وهو أشبه . وروي تشبيه الصلوات بخمسة أنهار . خرجه ابن جرير الطبري والطبراني والبزار من طريق يحيى بن أيوب : وحدثني عبد الله بن قريط ، أن عطاء بن يسار حدثه ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( الصلوات الخمس كفارة ما بينهما ) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل ، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار ، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله ، فأصابه الوسخ والعرق ، فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك مبقيا من درنه ، فكذلك الصلوات ، كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله ، ثم صلى صلاة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها ) . وخرج البزار نحوه - أيضا - من طريق عمر بن صهبان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذه متابعة لابن قريط ، ولكن ابن صهبان فيه ضعف شديد . وأما استنباط البخاري : أن هذا التكفير لا يشترط له أن تكون الصلاة في جماعة ، فإنه أخذه من قوله ( بباب أحدكم ) ، ومن صلى في بيته فهو كمن صلى في باب منزله . ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ذلك لجعل النهر في المنزل ، فلما جعله ببابه دل على أنه خارج من بيته ، ففيه إشارة إلى الصلاة في المساجد ، وإن قربت من المنازل . وحديث أبي سعيد صريح في أن النهر بين المنزل وبين المعتمل ، وهو المكان الذي يعمل فيه المرء عمله وينتشر فيه لمصالح اكتسابه ونحو ذلك . وهذا مما يدل على أن المراد بالدرن الصغائر التي تصيب الإنسان في كسبه ومعاشه ومخالطته للناس المخالطة المباحة .
3 - باب البيعة على إقام الصلاة 524 - حدثنا محمد بن المثنى : نا يحيى : نا إسماعيل : نا قيس ، عن جرير بن عبد الله ، قال : بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في آخر كتاب : الإيمان ، عن مسدد ، عن يحيى - هو : ابن سعيد بمثله . والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان بايع الناس على الإسلام ، وأركان الإسلام خمس : الشهادتان ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام رمضان . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع - أحيانا - عليهن كلهن ، كما في مسند الإمام أحمد عن بشير بن الخصاصية ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبايعه ، فاشترط علي : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن أقيم الصلاة ، وأن أؤدي الزكاة ، وأن أحج حجة الإسلام ، وأن أصوم رمضان ، وأن أجاهد في سبيل الله ، فقلت : يا رسول الله ، أما اثنتين ، فوالله ما أطيقهما : الجهاد ، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله ، فأخاف إن حضرت ذلك جشعت نفسي ، وكرهت الموت . والصدقة ، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود ، هن رسل أهلي وحمولتهم . قال : فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ، ثم حرك يده ، ثم قال : ( فلا جهاد ولا صدقة ، فبم تدخل الجنة إذا ؟ ) قلت : يا رسول الله ، أبايعك ، فبايعته عليهن كلهن . وتارة كان يبايع على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين ، كما بايع جرير بن عبد الله ؛ فإن الصلاة والزكاة أفضل خصال الإسلام العملية . وتارة يكتفي بالبيعة على الشهادتين ؛ لأن باقي الخصال حقوق لها ولوازم . وتارة كان يقتصر في المبايعة على الشهادتين فقط ، لأنهما رأس الإسلام ، وسائر الأعمال تبع لهما . وقد كان أحيانا يتآلف على الإسلام من يريد أن يسامح بترك بعض حقوق الإسلام ، فيقبل منهم الإسلام ، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام فقاموا بحقوقه وواجباته كلها . كما روى عبد الله بن فضالة الليثي ، عن أبيه ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان فيما علمني : ( وحافظ على الصلوات الخمس ) . قال : قلت : إن هذه ساعات لي فيها أشغال ، فمرني بأمر جامع ، إذا أنا فعلته أجزأ عني . قال : ( حافظ على العصرين ) - وما كانت من لغتنا - قلت : وما العصران ؟ قال : ( صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها ) . خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم . وظن أن فضالة هو ابن عبيد ، ووهم في ذلك ، فليس هذا فضالة بن عبيد - : قاله ابن معين وغيره . وفي المسند من حديث قتادة ، عن نصر بن عاصم الليثي ، عن رجل منهم ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم على أن يصلي صلاتين ، فقبل منه . وفي رواية : على أن لا يصلي إلا صلاتين ، فقبل منه . وفيه - أيضا - عن جابر ، أن ثقيفا إذ بايعت اشترطت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا صدقة عليها ولا جهاد . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) . قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه ، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس ، وذكر حديث قتادة عن نصر بن عاصم الذي تقدم .
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين 9 كتاب مواقيت الصلاة 1 - باب مواقيت الصلاة وفضلها وقول الله عز وجل : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا موقتا ، وقته عليهم . أما الكتاب فالمراد به : الفرض ، ولم يذكر في القرآن لفظ الكتاب وما تصرف منه إلا فيما هو لازم : إما شرعا ، مثل قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وقوله : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وإما قدرا ، نحو قوله : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وقوله : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ وأما قوله : مَوْقُوتًا ففيه قولان . أحدهما : أنه بمعنى المؤقت في أوقات معلومة ، وهو قول ابن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم ، وهو الذي ذكره البخاري هنا ، ورجحه ابن قتيبة وغير واحد . قال قتادة في تفسير هذه الآية : قال ابن مسعود : إن للصلاة وقتا كوقت الحج . وقال زيد بن أسلم : منجما ، كلما مضى نجم جاء نجم ، يقول : كلما مضى وقت جاء وقت . وقالت طائفة : معنى مَوْقُوتًا : مفروضا أو واجبا - : قاله مجاهد والحسن وغيرهما . وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : يعني : مفروضا . وتأول بعضهم الفرض هنا على التقدير ، فرجع المعنى حينئذ إلي تقدير أعدادها ومواقيتها . والله أعلم . وقال الشافعي : الموقوت - والله أعلم - : الوقت الذي تصلى فيه وعددها . قال البخاري - رحمه الله - : 521 - نا عبد الله بن مسلمة ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل عليه السلام نزل فصلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( بهذا أمرت ) . فقال عمر لعروة : اعلم ما تحدث به ، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة ؟ قال عروة : كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه . 522 - قال عروة : ولقد حدثتني عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، قبل أن تظهر . هذا الحديث يدل على أن مواقيت الصلوات الخمس بينها جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله ، فكان ينزل فيصلي به كل صلاة في وقتها إلى أن بين له مواقيتها كلها ، وكان ذلك في أول ما افترضت الصلوات الخمس . وقد روي في ذلك أحاديث متعددة ، ولم يخرج في ( الصحيحين ) منها غير حديث أبي مسعود هذا ، وقد خرجه البخاري - أيضا - في ( المغازي ) من رواية شعيب ، عن الزهري - مختصرا . وخرجه من طريق مالك والليث بن سعد ، عن الزهري ، ولفظ حديث الليث عنده : أن عروة قال لعمر : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( نزل جبريل عليه السلام ، فأمني ، فصليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ) ، ويحسب بأصابعه خمس صلوات . ورواه ابن أبي ذئب في ( موطئه ) ، عن ابن شهاب ، ولفظ حديثه : إن أبا مسعود قال للمغيرة : ألم تعلم أن جبريل نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ( فصلى ، وصلى ، وصلى ، وصلى ، وصلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم صلى ، ثم قال : ( هكذا أمرت ) . وفي هذا تكرار صلاة جبريل ، وليس فيه ذكر بيان شيء من الأوقات . قال أبو داود : يروي هذا الحديث عن الزهري : معمر ومالك وابن عيينة وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم ، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ، لم يفسروه . وكذلك - أيضا - رواه هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق ، عن عروة نحو رواية معمر وأصحابه ، إلا أن حبيبا لم يذكر ( بشيرا ) . وخرجه أبو داود بسياق فيه تفسير المواقيت من رواية أسامة بن زيد الليثي ، أن ابن شهاب أخبره ، أن عروة قال لعمر بن عبد العزيز : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول : سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( نزل جبريل عليه السلام فأخبرني بمواقيت الصلاة ، فصليت معه ، ثم صليت معه ، ثم صليت [معه] ، ثم صليت معه ، ثم صليت معه ) ، يحسب بأصابعه خمس صلوات ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين تزول الشمس ، وربما أخرها حين يشتد الحر ، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة ، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس ، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ، ويصلي العشاء حين يسود الأفق ، وربما أخرها حتى يجتمع الناس ، وصلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه . وقال الخطابي : هو صحيح الإسناد . وقال ابن خزيمة : هذه الزيادة لم يقلها أحد غير أسامة بن زيد . وقال الدارقطني : خالفه يونس وابن أخي الزهري ، فروياه عن الزهري ، قال : بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم وذكر مواقيت الصلاة بغير إسناد فوق الزهري ، وحديثهما أولى بالصواب . وقال أبو بكر الخطيب : وهم أسامة بن زيد إذ ساق الحديث كله بهذا الإسناد ؛ لأن قصة المواقيت ليست من حديث أبي مسعود ، وإنما كان الزهري يقول فيها : وبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر حين تزول الشمس - إلى آخره ، بين ذلك يونس في روايته عن ابن شهاب ، وفصل حديث أبي مسعود المسند من حديث المواقيت المرسل ، وأورد كل واحد منهما منفردا . وقد روي بيان المواقيت في حديث أبي مسعود من وجه آخر ، من رواية أيوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، أن عروة بن الزبير حدث عمر بن عبد العزيز ، قال : حدثني أبو مسعود الأنصاري - أو بشير بن أبي مسعود ، قال : كلاهما قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دلكت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي الظهر فصلى . قال : ثم جاء حين صار ظل كل شيء مثله ، فقال : يا محمد صلي العصر . قال : فصلى ، ثم أتاه حين غربت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي المغرب . قال : فصلى ، ثم جاءه حين غاب الشفق ، فقال : يا محمد ، صلي العشاء . قال : فصلى ، ثم أتاه حين انشق الفجر ، فقال : يا محمد ، صلي الصبح . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثله من الغد ، فقال : يا محمد ، صلي الظهر . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين صار ظل كل شيء مثليه ، فقال : يا محمد ، صلي العصر . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين غربت الشمس ، فقال : يا محمد ، صلي المغرب . قال : فصلى ، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل ، قال : يا محمد ، صلي العشاء . قال : فصلى . قال : ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر ، قال : يا محمد ، صلي الصبح . قال : فصلى . ثم قال : ( ما بين هذين وقت ) - يعني : أمس واليوم . أيوب بن عتبة اليمامي ، ضعفه أحمد ، وقال مرة : ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير . وقال البخاري : هو عندهم لين . وقال الدارقطني : يترك ، وقال مرة : يعتبر به ، هو شيخ . وقال ابن عدي : هو مع ضعفه يكتب حديثه . وضعف أبو حاتم حديثه من حفظه ، وقال : كتابه صحيح . وقد شك في إسناد هذا الحديث : هل هو عن أبي مسعود ، أو عن بشير ابنه ؟ وعلى تقدير أن يكون عن بشير ابنه فيكون مرسلا ، وقوله : ( وكلاهما صحب النبي صلى الله عليه وسلم ) وهم ، ونسب الدارقطني الوهم إلى أبي بكر بن حزم - : ذكره في العلل . وخرجه في سننه مختصرا من طريق أيوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عروة ، عن ابن أبي مسعود ، عن أبيه - إن شاء الله . وهذا يدل على أنه اضطرب في إسناده . وقد خالفه الثقات في هذا ، فرووا هذا الحديث مرسلا : رواه معمر ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن أبيه مرسلا . ورواه الثوري وابن عيينة ، عن عبد الله بن أبي بكر ويحيى بن سعيد - كلاهما عن أبي بكر بن حزم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، وكذا رواه أبو ضمرة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن حزم مرسلا . لكن رواه سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبي مسعود الأنصاري ، من غير ذكر ( عروة ) . خرجه بقي بن مخلد في مسنده عن ابن كاسب ، عن إسماعيل بن عبد الله - هو : ابن أبي أويس عن سليمان ، به - فذكر حديث المواقيت بطوله . وخرجه البيهقي في المعرفة من طريق أحمد بن عبيد الصفار : حدثنا الأسفاطي : نا إسماعيل - فذكره . [وخرجه] أبو بكر الباغندي في ( مسند عمر بن عبد العزيز ) ، عن إسحاق ابن إبراهيم بن سويد الرملي ، عن أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن حزم ، عن أبي مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث بطوله . ورواه البخاري في تاريخه ، عن أيوب بن سليمان ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، قال : قال صالح بن كيسان : سمعت أبا بكر بن حزم ، أنه بلغه أن أبا مسعود [قال] : نزل [ جبريل ] على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة - فذكر الحديث بطوله ، وقال في آخره : قال صالح بن كيسان : وكان عطاء يحدث عن جابر في وقت الصلاة بنحو ما كان أبو مسعود يحدث . قال صالح : وكان عمرو بن دينار وأبو الزبير المكي يحدثان مثل [ ذلك ، عن ] جابر بن عبد الله . قال الدارقطني في العلل : ورواه زفر بن الهذيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن [محمد] بن عمرو بن حزم ، عن أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم فذكر حديث المواقيت بطوله . ورواه زفر - أيضا عن أبي حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم - بمثله ، مرسلا . وزفر : قال الدارقطني : ثقة . وقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية : ابن عباس ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وابن عمر ، وأنس ، ولم يخرج شيء منها في الصحيح . وحكى الترمذي في كتابه عن البخاري ، أنه قال : أصح شيء في المواقيت حديث جابر . وحديث جابر المشار إليه خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في كتابه الكبير ، ولفظه : قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين مالت الشمس ، فقال : قم يا محمد ، فصل [الظهر] حين مالت الشمس ، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر ، فقال : قم يا محمد ، فصل العصر ، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه ، فقال : قم ، فصل المغرب ، فقام فصلاها حين غابت الشمس . سواء ، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال : قم ، فصل العشاء ، فقام فصلاها ، ثم جاءه جبريل حين سطع الفجر بالصبح ، فقال : يا محمد ، قم فصل ، فقام فصلى الصبح ، ثم جاءه من الغد ، فقال : قم يا محمد فصل ، فقام فصلى الظهر ، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثليه ، فقال : قم يا محمد ، فصل العصر ، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه ، فقال : قم ، فصل المغرب ، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول ، فقال : قم ، فصل العشاء ، ثم جاءه للصبح حين أسفر جدا ، فقال : قم فصل الصبح ، ثم قال : ( ما بين هذين وقت كله ) . وذكر أبو داود في كتابه بعضه - تعليقا . وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم ، وقال : صحيح مشهور من حديث ابن المبارك ، عن حسين بن علي بن حسين ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر . قال : والشيخان لم يخرجاه لقلة حديث الحسين بن علي الأصغر . وحسين هذا : وثقة النسائي وغيره . وقال عبد الله بن الإمام أحمد : سألت أبي عن هذا الحديث : ما ترى فيه ، وكيف حال الحسين ؟ فقال أبي : أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي ، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بالمنكر ؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره . وإنما قال الإمام أحمد : ( ليس بالمنكر ؛ لأنه قد وافقه على بعضه غيره ) ، لأن قاعدته : أن ما انفرد به ثقة ، فإنه يتوقف فيه حتى يتابع عليه ، فإن توبع عليه زالت نكارته ، خصوصا إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان ، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما . وقال الترمذي : حديث جابر قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم نحو حديث وهب بن كيسان ، عن جابر . انتهى . ورواه - أيضا - بشير بن سلام الأنصاري المدني عن جابر - أيضا . وقد ذكرت أحاديث هذا الباب كلها بطرقها وعللها في كتاب شرح الترمذي . وقد دل القرآن في غير موضع على مواقيت الصلوات الخمس ، وجاءت السنة مفسرة لذلك ومبينة له : فمن ذلك : قول الله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وقد ذكر غير واحد من الأئمة كمالك والشافعي : أن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس ، وروي معناه عن طائفة من السلف . فقال ابن عمر : دلوك الشمس : ميلها - يشير إلى صلاة الظهر حينئذ . وعن ابن عباس ، قال : دلوك الشمس : إذا جاء الليل . وغسق الليل : اجتماع الليل وظلمته . وقال قتادة : دلوك الشمس : إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر . وغسق الليل : بدء الليل صلاة المغرب . وقد قيل : إن الله تعالى ذكر ثلاثة أوقات ، لأن أصل الأوقات ثلاثة ، ولهذا تكون في حالة جواز الجمع بين الصلاتين ثلاثة فقط ، فدلوك الشمس : وقت لصلاة الظهر والعصر في الجملة ، وغسق الليل : وقت لصلاة المغرب والعشاء في الجملة ، ثم ذكر وقت الفجر بقوله : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ) ، ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وكذلك قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ فقوله : طَرَفَيِ النَّهَارِ يدخل فيه صلاة الفجر وصلاة العصر . وقد قيل : إنه يدخل فيه صلاة الظهر والعصر ، لأنهما في الطرف الأخير ، وزلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء . وكذا قال قتادة : إن زلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء ، وإن طرفي النهار يدخل فيه الفجر والعصر . وروي عن الحسن ، أنه قال في قوله : طَرَفَيِ النَّهَارِ قال : صلاة الفجر ، والطرف الآخر الظهر والعصر وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ المغرب والعشاء . وكذلك قوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وفي الحديث الصحيح عن جرير البجلي - حديث الرؤية - : ( فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) ، ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وقد أدرج أكثر الرواة القراءة في الحديث ، وبين بعضهم : أن جريرا هو الذي قرأ ذلك ، فبين أن صلاة الصبح وصلاة العصر يدخل في التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وأما التسبيح من آناء الليل فيدخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء . وقوله : وَأَطْرَافَ النَّهَارِ يدخل في صلاة الفجر وصلاة العصر ، وربما دخلت فيه صلاة الظهر ؛ لأنها في أول طرف النهار الآخر. وقال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وقد قال ابن عباس وأبو صالح : إن التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب : الصبح وصلاة العصر . وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال مجاهد : الليل كله . وهذا يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء ، ويدخل فيه التهجد المتنفل به - أيضا . وقال خصيف : المراد بتسبيحه من الليل : صلاة الفجر المكتوبة ، وفيه بعد . وأما أَدْبَارَ السُّجُودِ ، فقال أكثر الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، والحسن بن علي ، وأبو هريرة ، وأبو أمامة وغيرهم : إنهما ركعتان بعد المغرب ، وهو رواية عن ابن عباس ، وروي عنه مرفوعا ، خرجه الترمذي بإسناد فيه ضعف . فاشتملت الآية على الصلوات الخمس مع ذكر بعض التطوع . وقال تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ فقوله : حِينَ تَقُومُ قد فسر بإرادة القيام إلى الصلاة ، وهو قول زيد بن أسلم والضحاك ، وفسر بالقيام من النوم ، وهو قول أبي الجود ، وفسر بالقيام من المجالس . وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال مجاهد : من الليل كله ، يدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل المتطوع بها . وفسره خصيف بصلاة الفجر ، وفيه نظر . وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ركعتا الفجر ، كذا قاله علي وابن عباس في رواية ، وروي عن ابن عباس مرفوعا . خرجه الترمذي وفيه ضعف . وقال تعالى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ قال الإمام أحمد : نا ابن مهدي : نا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي رزين ، قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس ، فقال : الصلوات الخمس في القرآن ؟ فقال : نعم ، فقرأ : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ قال : صلاة المغرب وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الفجر وَعَشِيًّا صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الظهر ، وقرأ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، قال : جاء نافع - ولم يذكر : أبا رزين . وروى آدم - أيضا - : نا شريك ، عن ليث بن أبي سليم ، عن الحكم بن عتيبة ، عن أبي البختري ، عن ابن عباس ، قال : جمعت هذه الآية الصلوات كلها - فذكره بمعناه ، ولم يذكر فيه : صلاة العشاء . روي عن الحسن وقتادة في قوله تعالى فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ قال : صلاة المغرب والعشاء ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الغداة ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا قال : العصر ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ قال : الظهر . خرجه البيهقي وغيره . وأما تأخير المغيرة بن شعبة وعمر بن عبد العزيز الصلاة يوما ، فإنما كان تأخيرهما كذلك عن وقت صلاتهما المعتادة ولم يؤخراها حتى خرج الوقت . وقد روى الليث هذا الحديث ، عن الزهري ، وفيه : ( أن عمر أخر العصر شيئا ) . ولهذا ذكر عروة حديث عائشة في تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العصر ، ولم يكن عمر بن عبد العزيز يؤخر الصلاة كتأخير سائر بني أمية ، إنما أخر العصر يوما . وفي حديث أسامة بن زيد ، عن الزهري ، أن عمر كان قاعدا على المنبر ، فأخر العصر شيئا . وكان هذا في أيام ولايته للمدينة نيابة عن الوليد ، ولم يكن - رحمة الله عليه - يظن أن توقيت الصلوات في هذه الأوقات الخمس كان بوحي من الله عز وجل مع جبريل عليه السلام ، بل كان يظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سن ذلك لأمته ، وربما لم يكن بلغه ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التوقيت ، فكان يجري على العادة التي اعتادها الناس ، حيث لم يكن في القرآن تصريح بمواقيت الخمس ، ولم يبلغه ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بتعليم جبريل إياه ، فلما بلغه ذلك اجتهد حينئذ على المحافظة على مواقيت الصلاة ، وكان في أيام خلافته يوصي عماله بذلك ، وكان يعتب على الحجاج وغيره من ولاة السوء تأخيرهم الصلاة عن مواقيتها . وفي رواية معمر ، عن الزهري لهذا الحديث ، قال : فما زال عمر يعلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا . وفي رواية حبيب بن أبي مرزوق ، عن عروة لهذا الحديث ، قال : فبحث عمر عن ذلك حتى وجد ثبته ، فما زال عمر عنده علامات الساعات ينظر فيها حتى قبض رحمه الله . وقد كان عمر بن عبد العزيز - أحيانا - قبل سماعه لهذا الحديث يؤخر الصلوات إلى آخر الوقت على ما جرت به عادة بني أمية . وفي الصحيحين عن أبي أمامة بن سهل ، قال : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي العصر فقلت : يا عم ، ما هذه الصلاة التي صليت ؟ قال : العصر ، وهذه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه . وخرج مسلم من حديث عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها - أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ ) قال : قلت : فما تأمرني ؟ قال : ( صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصل ، فإنها لك نافلة ) . وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من روايات متعددة . وقد كان الصحابة يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهور تأخير بني أمية للصلاة عن أوقاتها ، وكذلك أعيان التابعين ومن بعدهم من أئمة العلماء : قال [ أحمد ] وإسحاق : إنما يصلي في بيته ثم يأتي المسجد إذا صلى الأئمة في غير الوقت - : نقله عنهما ابن منصور . ومرادهما : إذا صلوا بعد خروج الوقت ، فإن تأخير الصلاة عن وقتها عمدا في غير حال يجوز فيها الجمع لا يجوز إلا في صور قليلة مختلف فيها ، فأما إن أخروا الصلاة عن أوائل وقتها الفاضلة ، فإنه يصلي معهم ويقتصر على ذلك . وقد روى الشافعي بإسناده ، عن ابن عمر ، أنه أنكر على الحجاج إسفاره بالفجر ، وصلى معه يومئذ . وقد قال النخعي : كان ابن مسعود يصلي مع الأمراء في زمن عثمان وهم يؤخرون بعض التأخير ، ويرى أنهم يتحملون ذلك . وإنما كان يفعل ذلك في أيام إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة في زمن عثمان ، فإنه كان أحيانا يؤخر الصلاة عن أول وقتها . وفي مسند الإمام أحمد أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة ، فقام ابن مسعود فتقرب ، فصلى بالناس ، وقال : أبى الله ورسوله علينا أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك . وفي سنن أبي داود : عن صالح بن عبيد ، عن قبيصة بن وقاص ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يكون عليكم أمراء من بعدي ، يؤخرون الصلاة ، فهي لكم وعليهم ، فصلوا معهم ما صلوا القبلة ) . وهذا الحديث معلول من وجهين : أحدهما : أن قبيصة بن وقاص وإن عده بعضهم في الصحابة ، فقد أنكر ذلك آخرون . والثاني : أن صالح بن عبيد ، قال بعضهم : إنه لا يعرف حاله ، منهم : الأثرم وغيره . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عطاف بن خالد ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن رجل من جهينة ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه . وفي هذا الإسناد ضعف . وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعاصم ، ضعيف . وإن صحت هذه الأحاديث ، فهي محمولة على من أخر الصلاة عن أول وقتها الأفضل إلى آخر الوقت ، وحديث أبي ذر وما في معناه محمول على من أخرها عن الوقت حتى خرج الوقت ، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه ، كتأخير العصر إلى أن تصفر الشمس ، وقد روي ذلك عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا . وعلى هذا يدل كلام أحمد وإسحاق كما سبق ذكره ، وأن الإمام إذا صلى في آخر الوقت فإنه يصلي معه ولا يصلي قبله في البيت ، كما إذا أخرها عن الوقت . واستدل الإمام أحمد بقول ابن مسعود في الذين يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى ، فأمرهم أن يصلوا للوقت ، ثم يصلوا معهم . وقد خرجه مسلم في صحيحه . وروي عن عطاء ، أنه يكتفي بالصلاة معهم ولا يصلي في بيته ما لم يؤخروا حتى تغرب الشمس . ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : إذا أخر الإمام الصلاة عن أول الوقت فإن وجد جماعة غيره في أول الوقت صلى مع الجماعة ، وإلا انتظر الإمام حتى يصلي ؛ لأن الجماعة عندنا فرض . وكذلك مذهب مالك وأصحابه : أن تأخير الصلاة لانتظار الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت منفردا . ونص الإمام أحمد في رجل أمره أبوه أن يصلي به ، وكان أبوه يؤخر الظهر إلى العصر ، أنه يصلي به . فإن كان يؤخر الصبح حتى تطلع الشمس لم يفعل . وللشافعي في ذلك قولان : أحدهما : ينتظر الإمام إذا أخرها عن أول الوقت . والثاني : يصلي في أول الوقت منفردا ، وهو أفضل من التأخير للجماعة . وقالت طائفة من أصحابه : الأفضل أن يجمع بين الأمرين ، فيصلي في أول الوقت منفردا ، ثم يصلي مع الجماعة في أثناء الوقت ، وإن أراد الاقتصار على صلاة واحدة فالتأخير للجماعة أفضل . ومنهم من ذكر احتمالا : إن فحش التأخير فالانفراد أول الوقت أفضل ، وإن خف فالانتظار أفضل . واستدل صاحب شرح المهذب لتفضيل الجمع بينهما ، بأن في صحيح مسلم ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه سيجيء قوم يؤخرون الصلاة عن أول وقتها - وذكر الحديث المتقدم . وليس في صحيح مسلم ذكر أول الوقت ولا وجدناه في غيره - أيضا بل في الأحاديث ما يدل على خلاف ذلك ، وأنهم يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها . كذلك في حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وقد استدل الإمام أحمد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في الوقت عند تأخير الأمراء على أن الجمع بين الصلاتين لغير عذر غير جائز . وسيأتي زيادة بيان لذلك في موضع آخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وأما تقديم الصلاة على وقتها في غير جمع فلا يجوز - أيضا فلو صلى الظهر قبل الزوال ، والصبح قبل طلوع الفجر ، والمغرب قبل غروب الشمس فعليه الإعادة ، وسواء تعمد ذلك أو لم يتعمده ، هذا قول جمهور العلماء . قال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت ، فروينا عن عمر وأبي موسى الأشعري ، أنهما أعادا الفجر لأنهما كان صلياها قبل الوقت ، وبه قال الزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، وقد روينا عن ابن عباس ، أنه قال في رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس ، قال : يجزئه . وقال الحسن : مضت صلاته . وبنحو ذلك قال الشافعي . وعن مالك فيمن صلى العشاء في السفر قبل غيبوبة الشفق جاهلا وساهيا يعيد ما كان في وقت ، فإذا ذهب الوقت قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادة عليه . انتهى . وقال ابن عبد البر : لا خلاف بين العلماء أن وقت الصلاة من فرائضها ، وأنها لا تجزئ قبل وقتها ، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين ، أجمع العلماء على خلافه ، فلم أر لذكره وجها ؛ لأنه لا يصح عنهم ، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما وافق الجماعة ، فصار اتفاقا صحيحا . قلت : ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عمدا ، إنما الاختلاف فيمن اجتهد وصلى ثم تبينت صلاته قبل الوقت ، وقد مضى الوقت ، فهذا في وجوب الإعادة فيه قولان للشافعي ، والاختلاف المروي عن السلف يرجع إلى هذين القولين ، وقد حكي رواية عن أحمد أنه لا يلزمه القضاء . قال القاضي أبو يعلى الصغير في تعليقه : قد تأولها أصحابنا . وما حكاه ابن المنذر عن مالك قد روى صالح بن أحمد وأبو الحارث ، عن أحمد في المسافر إذا صلى العشاء قبل مغيب الشفق : أرجو . وتأوله بعض أصحابه عن الشفق الأبيض ، وهو بعيد . وقد نقل ابن منصور ، عن أحمد ، أنه إذا صلى العشاء في السفر بعد غيبوبة الشفق الأحمر وقبل غيبوبة البياض ، فإنه يجوز ، وعلل بأنه إما أن يكون مصليا في الوقت عند من يرى أن الشفق الحمرة ، وإما أن يكون جامعا بين الصلاتين في السفر ، وهو جائز . وهذا يدل على جواز الجمع في السفر في وقت الأولى مع التفريق بين الصلاتين ، وعلى أن نية الجمع لا تشترط . وروى حرب ، عن أحمد فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق ، قال : لا أدري . وفيمن صلى العصر قبل مصير ظل الشيء مثله : إنه يعيد ، ولم يقيد هذا بالسفر . ولو كان معللا بجواز الجمع كما نقله عنه ابن منصور ، لم يكن فرق بين العشاء والعصر ، لأن كلتا الصلاتين تجمع إلى ما قبلها . والظاهر : أنه أراد بالشفق الحمرة ؛ فإن أحمد متوقف في صلاة العشاء قبل مغيب البياض ، على ما سيأتي ذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
2 - باب مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . فأمره بإقامة وجهه ، وهو إخلاص قصده وعزمه وهمه للدين الحنيف ، وهو الدين القيم ، وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها ، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له ، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من علمهم الخروج عنه . ولما كان الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - لم تدخل فيه أمته معه ، قال بعد ذلك : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ فجعل ذلك حالا له ولأمته ، وهو إنابتهم إليه ، ويعني به : رجوعهم إليه ، وأمرهم بتقواه ، والتقوى تتضمن فعل جميع الطاعات وترك المعاصي والمخالفات . وخص من ذلك إقام الصلاة ، فلم يذكر من أعمال الجوارح باسمه الخاص سواها ، والمراد بإقامتها : الإتيان بها قائمة على وجهها التام ، وفي ذلك دليل على شرف الصلاة وفضلها ، وأنها أهم أعمال الجوارح . ومن جملة إقامتها المأمور به : المحافظة على مواقيتها ، فمن صلى الصلاة لغير مواقيتها التي وقتها الله فلم يقم الصلاة ، بل ضيعها وفرط فيها وسها عنها . قال ابن عباس في قوله تعالى : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال : يقيمون الصلاة بفرضها . وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها وسجودها . وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم فهذا إقامتها . خرجه كله ابن أبي حاتم . ولهذا مدح سبحانه وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ و الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ وقد فسره ابن مسعود وغيره بالمحافظة على مواقيتها ، وفسره بذلك مسروق والنخعي وغيرهما . وقيل لابن مسعود : إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ و وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ؟ قال : ذاك على مواقيتها . قيل له : ما كنا نرى ذلك إلا على تركها ، قال : تركها الكفر . خرجه ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما . وكذلك فسر سعد بن أبي وقاص ومسروق وغيرهما السهو عن الصلاة بالسهو عن مواقيتها . وروي عن سعد مرفوعا ، والموقوف أصح . قال البخاري - رحمه الله - : 523 - نا قتيبة بن سعيد : نا عباد - هو : ابن عباد عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، قال : قدم وفد عبد القيس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا هذا الحي من ربيعة ، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام ، فمرنا بشيء نأخذه عنك ، وندعو إليه من وراءنا . فقال : ( آمركم بأربع ، وأنهاكم عن أربع : الإيمان بالله ) ، ثم فسرها لهم : ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا إلي خمس ما غنمتم ، وأنهى عن الدباء والحنتم والنقير والمقير ) . قد تقدم هذا الحديث في كتاب : الإيمان و كتاب : العلم خرجه البخاري فيهما من حديث شعبة ، عن أبي جمرة ، وذكرنا شرحه في الموضعين المذكورين . والمقصود منه هاهنا : أمره لهم بإقام الصلاة ، وقد ذكرنا هاهنا تفسير إقام الصلاة ، وأن من جملته المحافظة على مواقيتها . وخرج أبو داود من حديث عبادة بن الصامت ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( خمس صلوات افترضهن الله ، من أحسن وضوءهن ، وصلاهن لوقتهن ، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ) . وخرج ابن ماجه من حديث [أبي] قتادة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال الله تعالى : افترضت على أمتك خمس صلوات ، وعهدت عندي عهدا : أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة ، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ) . وخرج الإمام أحمد من حديث كعب بن عجرة : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قال ربكم : من صلى الصلاة لوقتها ، وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافا بحقها ، فله علي عهد أن أدخله الجنة ، ومن لم يصلها لوقتها ، ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافا بحقها ، فلا عهد له ، إن شئت عذبته ، وإن شئت غفرت له ) . ومن حديث حنظلة الكاتب ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن ، وعلم أنهن حق من عند الله عز وجل دخل الجنة ) - أو قال : ( وجبت له الجنة ) وفي رواية قال : ( حرم على النار ) . وروى محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح عن ابن سيرين ، قال : نبئت أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا يعلمان الناس الإسلام : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة التي افترض الله لمواقيتها ، فإن في تفريطها الهلكة .
4 - باب الصلاة كفارة فيه حديثان : الأول : كفارة الصلاة : قال : 525 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن الأعمش : حدثني شقيق : حدثني حذيفة ، قال : كنا جلوسا عند عمر ، فقال : أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت : أنا كما قاله . قال : إنك عليه - أو عليها - لجريء . قلت : فتنة الرجل في أهله وماله ، ولده وجاره ، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي . قال : ليس هذا أريد ، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر . قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا . قال : يكسر أم يفتح ؟ قال : يكسر . قال : إذن لا يغلق أبدا . قلنا : أكان عمر يعلم الباب ؟ قال : نعم ، كما أن دون غد الليلة ، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأل حذيفة ، فأمرنا مسروقا فسأله ، فقال : الباب عمر . أصل الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار ، ويكون تارة بما يسوء ، وتارة بما يسر ، كما قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وقال : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وغلب في العرف استعمال الفتنة في الوقوع فيما يسوء . والفتنة نوعان : أحدهما : خاصة ، تختص بالرجل في نفسه . والثاني : عامة ، تعم الناس . فالفتنة الخاصة : ابتلاء الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره ، وقد قال [تعالى] : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ؛ فإن ذلك غالبا يلهي عن طلب الآخرة والاستعداد لها ، ويشغل عن ذلك . ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر ، ورأى الحسن والحسين يمشيان ويعثران وهما صغيران ، نزل فحملهما ، ثم قال : ( صدق الله ورسوله ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر ) . وقد ذم الله تعالى من ألهاه ماله وولده عن ذكره ، فقال : لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ فظهر بهذا : أن الإنسان يبتلى بماله وولده وأهله وبجاره المجاور له ، ويفتتن بذلك ، فتارة يلهيه الاشتغال به عما ينفعه في آخرته ، وتارة تحمله محبته على أن يفعل لأجله بعض ما لا يحبه الله ، وتارة يقصر في حقه الواجب عليه ، وتارة يظلمه ويأتي إليه ما يكرهه الله من قول أو فعل ، فيسأل عنه ويطالب به . فإذا حصل للإنسان شيء من هذه الفتن الخاصة ، ثم صلى أو صام أو تصدق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر كان ذلك كفارة له ، وإذا كان الإنسان تسوؤه سيئته ، ويعمل لأجلها عملا صالحا كان ذلك دليلا على إيمانه . وفي مسند بقي بن مخلد ، عن رجل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما الإيمان يا رسول الله ؟ قال : ( أن تؤمن بالله ورسوله ) ، فأعادها ثلاثا ، فقال له في الثالثة : ( أتحب أن أخبرك ما صريح الإيمان ؟ ) فقال : ذلك الذي أردت . فقال : ( إن صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت أحدا : عبدك أو أمتك ، أو واحدا من الناس ، صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشرت ) . وأما الفتن العامة : فهي التي تموج موج البحر ، وتضطرب ، ويتبع بعضها بعضا كأمواج البحر ، فكان أولهما فتنة قتل عثمان - رضي الله عنه - وما نشأ منها من افتراق قلوب المسلمين ، وتشعب أهوائهم وتكفير بعضهم بعضا ، وسفك بعضهم دماء بعض ، وكان الباب المغلق الذي بين الناس وبين الفتن عمر - رضي الله عنه وكان قتل عمر كسرا لذلك الباب ، فلذلك لم يغلق ذلك الباب بعده أبدا . وكان حذيفة أكثر الناس سؤالا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفتن ، وأكثر الناس علما بها ، فكان عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بالفتن العامة والخاصة ، وهو حدث عمر تفاصيل الفتن العامة ، وبالباب الذي بين الناس وبينها ، وأنه هو عمر ، ولهذا قال : إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، والأغاليط : جمع أغلوطة ، وهي التي يغالط بها ، واحدها : أغلوطة ومغلطة ، والمعنى : أنه حدثه حديثا حقا ، ليس فيه مرية ، ولا إيهام . وهذا مما يستدل به على أن رواية مثل حذيفة يحصل بها لمن سمعها العلم اليقيني الذي لا شك فيه ؛ فإن حذيفة ذكر أن عمر علم ذلك وتيقنه كما تيقن أن دون غد الليلة لما حدثه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق . وقد كانت الصحابة تعرف في زمان عمر أن بقاء عمر أمان للناس من الفتن . وفي مسند الإمام أحمد أن خالد بن الوليد لما عزله عمر ، قال له رجل : اصبر أيها الأمير ، فإن الفتن قد ظهرت . فقال خالد : وابن الخطاب حي ! إنما يكون بعده - رضي الله عنهما وقد روي من حديث عثمان بن مظعون ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى عمر : غلق الفتنة ، وقال : ( لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم ) . خرجه البزار . وروي نحوه من حديث أبي ذر . وروى كعب ، أنه قال لعمر : أجدك مصراع الفتنة ، فإذا فتح لم يغلق أبدا .
الحديث الثاني : 526 - حدثنا قتيبة : ثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود ، أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فأنزل الله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ قال الرجل : يا رسول الله ، ألي هذا ؟ قال : ( لجميع أمتي كلهم ) . هذا الذنب الذي أصابه ذلك الرجل وسأل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية بسببه كان من الصغائر ، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الصلاة إنما تكفر الصغائر دون الكبائر . وكذلك الوضوء ، غير أن الصلاة تكفر أكثر مما يكفر الوضوء ، كما قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - : الوضوء يكفر الجراحات الصغار ، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر ، والصلاة تكفر أكثر من ذلك . خرجه محمد بن نصر المروزي وغيره . وقد سبق في حديث حذيفة : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ؛ وذلك لأن أكثر ما يصيب الإنسان في هذه الأشياء تكون من الصغائر دون الكبائر . وقد ذكرنا في كتاب الوضوء الاختلاف في أن الوضوء : هل يكفر الصغائر خاصة ، أم يعم الذنوب كلها ؟ والأكثرون على أنه لا يكفر سوى الصغائر ، وقد ذهب قوم إلى أنه يكفر الكبائر - أيضا وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .
8 - باب المصلي يناجي ربه عز وجل 531 - حدثنا مسلم بن إبراهيم : نا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه ، فلا يتفلن عن يمينه ، ولكن تحت قدمه اليسرى ) . وقال سعيد ، عن قتادة : ( لا يتفل قدامه أو بين يديه . ولكن عن يساره أو تحت قدمه ) . وقال شعبة : ( لا يبزق بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ) . وقال حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يبزق في القبلة ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، أو تحت قدمه ) . 532 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا يزيد بن إبراهيم : ثنا قتادة ، عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اعتدلوا في السجود ، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب ، وإذا بزق فلا يبزق بين يديه ، ولا عن يمينه ؛ فإنه يناجي ربه عز وجل ) . عامة ألفاظ حديث أنس التي علقها هاهنا قد خرجها في أبواب القبلة والبزاق في المسجد . وخرج هناك مناجاة المصلي لربه عز وجل من حديث أبي هريرة ، ومعناه من حديث ابن عمر ، وذكرنا نحن هناك أحاديث متعددة في هذا المعنى ، وتكلمنا [على ذلك] بما فيه كفاية . والنجاء : الحديث الخفي . والنداء : عكسه . وإنما خرج البخاري هذه الأحاديث في هذا الباب ليبين بذلك فضل الصلاة ، وأن المصلي مناج لربه في صلاته ، وإذا كان المصلي مناجيا لربه وكان ربه قد أوجب عليه أن يناجيه كل يوم وليلة خمس مرات في خمسة أوقات ، واستدعاه لمناجاته بدخول الوقت والأذان فيه ؛ فإن الأذان يشرع في أول الوقت ، فأفضل المناجين له أسرعهم إجابة لداعيه ، وقياما إلى مناجاته ، ومبادرة إليها في أول الوقت . ولهذا المعنى - والله أعلم - خرجه في أبواب مواقيت الصلاة . ويستدل لذلك بأن الله تعالى لما استدعى موسى عليه السلام لمناجاته وكلامه أسرع إليه ، فقال له ربه : وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى فدل على أن المسارعة إلى مناجاة الله توجب رضاه . وهذا دليل حسن على فضل الصلاة في أول أوقاتها . والله سبحانه وتعالى أعلم .
41 - باب السمر مع الأهل والضيف 602 - ثنا أبو النعمان : ثنا المعتمر بن سليمان : ثنا أبي : ثنا أبو عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، وإن أربعة فخامس أو سادس ) وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة . قال : فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال : وامرأتي - وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر ، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله . قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو قال : ضيفك - ؟ قال : أوما عشيتيهم ؟ قالت : أبوا حتى تجيء ، قد عرضوا فأبوا . قال : فذهبت أنا فاختبأت ، قال : يا غنثر ، فجدع وسب ، وقال : كلوا لا هنيئا . فقال : والله ، لا أطعمه أبدا ، وايم الله ، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، حتى شبعوا ، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر . قال لامرأته : يا أخت بني فراس ، ما هذا ؟ قالت : لا وقرة عيني ، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر ، وقال : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني : يمينه - ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصبحت عنده ، وكان بيننا وبين قوم عقد ، فمضى الأجل ، فعرفنا اثني عشر رجلا ، مع كل رجل منهم أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل ، فأكلوا منها أجمعون - أو كما قال . في هذا الحديث فوائد كثيرة : منها : استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه ، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس - أو سادس - وهذا شك من الراوي . ولفظ مسلم في هذا الحديث : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ، بسادس ) أو كما قال . وهذا يدل على أن الراوي شك . وفي ( الصحيحين ) ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( طعام الاثنين كافي الثلاثة ، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ) . وفي ( صحيح مسلم ) ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) . وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام . وفي ( سنن ابن ماجه ) بإسناد ضعيف ، عن عمر - مرفوعا - : ( كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة ) . وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي ، أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : يا رسول الله ، إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال : ( فلعلكم تتفرقون ؟ ) قالوا : نعم . قال : ( فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ) . ومعنى : ( يكفي ) : أنه يكتفي به ، وإن لم يشبعه . وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم ، ويقول : لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته . فهذا مأخوذ من هذا الحديث . والله أعلم . ومجيء أبي بكر بثلاثة ، إن كان هو وامرأته وابنه فقط ، فقد أتى بنظير عدتهم ، وإن كانوا خمسة - على رواية الشك - فقد صاروا ثمانية ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية . وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة على قدر قوته على الإيثار ، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار . ومنها : أنه إذا أتى الإنسان بضيوف إلى منزله ، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده ، ولا يحضر معهم في الأكل ؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من أهله وولده بالقيام بحقهم . ومنها : اختصاص أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في عشائه عنده ، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل . وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الماضي . وأما سب أبي بكر ولده ؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه ، ولم يقم به كما ينبغي . ومعنى ( جدع ) - أي : قطعه بالقول الغليظ . وأما قوله : ( يا غنثر ) ، فروي بوجهين - ذكرهما الخطابي : أحدهما : ( عنتر ) بالعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهما مفتوحتان . قال الخطابي : إن كانت هذه محفوظة ، فالعنتر : الذباب - : قاله ثعلب . سمي به لصوته ؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب . والثاني : ( غنثر ) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة - فهو مأخوذ من الغثارة ، وهي : الجهل ، يقال : رجل أغثر وغنثر . والنون زائدة . ومنها : إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم . وهو قول عامة أهل السنة ، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة ، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية ، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ . والتحقيق : أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال ، وفي كل زمان ؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه ، فإنما هو من بركة اتِّباعهم للأنبياء ، وحسن اقتدائهم بهم ، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم . ومنها : جواز الإهداء إلى الإخوان الطعام بالليل ، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا ، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم . واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد . ومعنى : ( عرفنا اثني عشر رجلا ) - أي : جعلناهم عرفا . وروي : ( ففرقنا ) . ومنها : من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فإنه يأتي الذي هو خير ، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه ، وهذا قول جمهور العلماء . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر ، وكان في نفسه يفعل ذلك . وقد قيل : إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريما ترفعه الكفارة . والصحيح : خلافه ؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق ، ولو كان محرما لوجب تحليله بالكفارة قبله ، كالظهار . وفي ( سنن أبي داود ) هذا الحديث ، قال : ( ولم يبلغني كفارة ) وهذا من قول بعض الرواة . وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه ، بل الظاهر - أو المجزوم به - أنه كفرها . وقد ثبت من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث ، حتى نزلت آية الكفارة ، فقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وكفرت يميني . كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم ، عن هشام . وخرجه البخاري في ( صحيحه هذا ) من رواية النضر بن شميل ، عن هشام . وخالفهم الطفاوي ، فرواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . ورفعه وهم منه ، والصحيح : كان أبو بكر - : كذا قاله البخاري والدارقطني . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، قال : أعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله ، فوجد الصبية قد ناموا ، فأتاه أهله بطعام ، فحلف لا يأكل ؛ من أجل صبيته ، ثم بدا له فأكل ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك [له] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها ، وليكفر [عن] يمينه ) . ولعل هذا الرجل هو أبو بكر الصديق ، وتكون الإشارة إلى هذه القصة ، إلا أن حديث عبد الرحمن يدل على أنه لم يكن لأبي بكر صبية . وقد ذهب قوم إلى أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أنه يأتي الذي هو خير ، ويكون ذلك كفارة يمينه ، ولا يحتاج إلى كفارة بمال أو صوم . وهذا معروف عن ابن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة ، وزاد عليه ، فجعل من حلف بطلاق على معصية ، أنه لا يفعل ما حلف عليه ، ولا طلاق عليه . وهذا شذوذ . وروي أصل هذا عن ابن عباس . وروي عنه مرفوعا . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) . ولا يصح رفعه . وروى مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليأتها ؛ فإنها كفارتها ، إلا طلاقا أو عتاقا ) . خرجه ابن عدي . وقال : هو غير محفوظ ؛ تفرد به يحيى ، عن أبيه . ويحيى هذا ، ضعفه ابن معين وغيره . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، أنها كفارتها أن يأتي الذي هو خير ، وفي أسانيدها كلها مقال . والأحاديث الصحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينه ، قال ذلك أبو داود ومسلم في ( كتاب التمييز ) وغيرهما . وكانت يمين أبي بكر ألا يأكل هذا الطعام في غضب ، ولهذا قال : إنما ذلك من الشيطان - يعني : يمينه . وفيه : دليل على انعقاد يمين الغضبان ، كما حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في غضبه ألا يحمل النفر من الأشعريين ، ثم حملهم ، وقال : ( لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) . وفي الحديث : جواز الحلف بقرة العين ؛ فإن امرأة أبي بكر حلفت بذلك ، ولم ينكره عليها . وقرة عين المؤمن : هو ربه وكلامه وذكره وطاعته . ومقصود البخاري من هذا الحديث : جواز السمر عند الأهل والضيف ؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه . والظاهر - أيضا - : أنه سمر عند النبي صلى الله عليه وسلم . وفي السمر عند الأهل : حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء ، ثم دخل بيته ، فتحدث مع أهله ساعة . وقد خرجه [ البخاري ] في موضع آخر . وقد روي عن عائشة ، أنها رأت قوما يسمرون ، فقالت : انصرفوا إلى أهليكم ، فإن لهم فيكم نصيبا . وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤانسة لهم ، وهو من حسن العشرة . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة ، وهو من نوع السمر مع الضيف . فخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن جده أوس بن حذيفة ، قال : كنت في وفد ثقيف ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتينا كل ليلة بعد العشاء ، فيحدثنا قائما على رجليه ، حتى يتراوح بين رجليه ، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش - وذكر الحديث . وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث ، فقال : حديث أبي برزة أصح منه . يعني : حديثه : كان يكره الحديث بعدها . وروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر [ ] خاصة . خرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة ، عن رجل من قومه من قريش ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا سمر بعد الصلاة ) - يعني : العشاء الآخرة - ( إلا لمصل أو مسافر ) . قال ابن المديني : في إسناده انقطاع ؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله ، أو لا ؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله ، منهم : سويد بن غفلة ، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم . وقال الأثرم : هو حديث غير قوي ؛ لأن في إسناده رجلا لم يسم . وقد أخذ به الإمام أحمد ، فكره السمر في حديث الدنيا ، ورخص فيه للمسافر . وروي من وجه آخر بزيادة ، من رواية ابن وهب ، عن معاوية ، عن أبي عبد الله الأنصاري ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا سمر إلا لثلاثة : مصل ، أو مسافر ، أو عروس ) . خرجه سمويه الأصبهاني الحافظ : نا عبد الله بن الزبير : نا ابن وهب - فذكره . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) : ثنا ابن مقلاص : ثنا ابن وهب : أخبرني معاوية ، عن أبي حمزة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما قبل العشاء ، ولا لاغيا بعدها ، إما ذاكرا فيغنم ، أو نائما فيسلم . قال معاوية : وحدثني أبو عبد الله الأنصاري ، عن زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : السمر لثلاثة : لعروس ، أو لمسافر ، أو لمتهجد بالليل . وهذا موقوف على عائشة . وأبو عبد الله وأبو حمزة ، مجهولان . وروى الحسين بن إسحاق التستري ، عن أحمد ، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخرة ؟ قال : لا ، إلا لمسافر أو مصل ، فأما الفقه فأرجو أن لا يكون به بأس . ونقل عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، أنه سئل عن الحديث [الذي] نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام : هل يحرج ؟ قال : ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها . وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل - أيضا . وقال سفيان الثوري : كان يقال : لا سمر بعد العشاء ، إلا لمصل ، أو مسافر . قال : ولا بأس أن يكتب الشيء ، أو يعمل بعد العشاء . وهذا يدل على أن سهر الإنسان في عمل يعمله وحده ، من غير مسامرة لغيره ، أنه لا كراهة فيه ، بخلاف المسامرة والمحادثة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحديث الثالث : قال : 536 - ثنا علي بن عبد الله المديني : ثنا سفيان ، قال : حفظناه من الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . 537 ( واشتكت النار إلى ربها ، فقالت : ربي ، أكل بعضي بعضا . فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف ، فهو أشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) . قول سفيان بن عيينة : ( حفظناه من الزهري عن سعيد ) يشير إلى أنه إنما حفظه عن الزهري ، عن ابن المسيب ، لم يحفظه عنه عن أبي سلمة . وقد روي عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد أو أبي سلمة - بالشك . ذكره الدارقطني . وروي عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده ، عن أبي هريرة - : قاله عنه شعيب بن أبي حمزة . وقد خرج البخاري في بدء الخلق من طريقه بهذا الإسناد حديث : ( اشتكت النار إلى ربها ) . ورواه جماعة ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة - معا عن أبي هريرة . وقد خرج مسلم حديث : الإبراد من رواية الليث ويونس وعمرو بن الحارث ، عن الزهري ، عنهما . وخرج حديث : ( اشتكت النار ) من حديث يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وحده . وروى حديث [الإبراد] عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة - معا - : يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر وابن جريج وابن أبي ذئب ومعمر وغيرهم . قال الدارقطني : القولان محفوظان عن الزهري . يعني : عن سعيد وأبي سلمة .
الحديث الثاني : 535 - حدثنا محمد بن بشار : ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عن المهاجر أبي الحسن : سمع زيد بن وهب ، عن أبي ذر : أذن مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقال : ( أبرد ، أبرد ) - أو قال - ( انتظر ، انتظر ) - وقال : ( شدة الحر من فيح جهنم ؛ فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ) . حتى رأينا فيء التلول . قال ابن خراش في تاريخه : زيد بن وهب ، كوفي ثقة ، دخل الشام ، وروايته عن أبي ذر صحيحة . والمهاجر أبو الحسن صدوق كوفي . وهذا الحديث لم يروه إلا شعبة : ( أبردوا بالظهر ) .
9 - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر خرج فيه أربعة أحاديث : الحديث الأول : قال : 533 534 - ثنا أيوب بن سليمان بن بلال : ثنا أبو بكر ، عن سليمان ، قال صالح بن كيسان : حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره ، عن أبي هريرة - ونافع مولى عبد الله بن عمر ، عن عبد الله بن عمر أنهما حدثاه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . أبو بكر ، هو : ابن أبي أويس . وسليمان ، هو : ابن بلال . وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب ، عن أبي بكر ، عن سليمان . والبخاري يخرج منها كثيرا ، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي ؛ لأنها مناولة ، فإنه قال : قال ابن أبي أويس : أخذت أنا وأيوب بن سليمان بن بلال من أخي ألفا ومائتي ورقة مناولة ، فعارضنا بها . قال أبو حاتم : فزهدت فيها من أجل ذلك ، فلم أسمعها من واحد منهما . ولكن الرواية بالمناولة جائزة عند الأكثرين . وقد ذكر الطبراني أن هذا الحديث تفرد به أيوب بهذا الإسناد . ولكن قد روي حديث الأعرج ، عن أبي هريرة من غير هذا الوجه . خرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عنه . وهو في الموطأ كذلك . وكذلك حديث نافع ، خرجه ابن ماجه - أيضا - من طريق الثقفي ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أبردوا بالظهر ) .
الحديث الرابع : 538 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبردوا بالظهر ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . تابعه : سفيان ويحيى وأبو عوانة ، عن الأعمش . يعني : كلهم رووه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري . وقد خرجه البخاري في بدء الخلق عن الفريابي ، عن سفيان كذلك ، ولفظه : ( أبردوا بالصلاة ) . إلا أن رواية حفص فيها تصريح الأعمش بسماعه له من أبي صالح ، فأمن بذلك تدليسه له عنه . وإنما ذكر البخاري المتابعة لحفص على قوله ؛ لأن عبد الرزاق والأشجعي روياه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله . وخرجه كذلك في مسنده في مسند أبي هريرة ، ثم أتبعه بحديث أبي سعيد أنه هو الصواب . وكذلك حدث به عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني - ويلقب : رسته عن ابن مهدي ، عن سفيان ، أملاه عليهم - قال أبي : من حفظه فأنكره عليه أبو زرعة ، وقال : هو غلط ؛ الناس يروونه عن أبي سعيد ، فلما رجع رسته إلى بلده نظر في أصله فإذا هو عن أبي سعيد ، فرجع عما أملاه ، وكتب إلى أبي زرعة يعتذر عما وقع منه . وعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها : ( أبردوا بالصلاة ) أو ( عن الصلاة ) ، وليس في شيء منها في الصحيح ذكر الظهر ، إلا في رواية أبي سعيد التي خرجها البخاري هاهنا . وفي أحاديث الباب كله ؛ الأمر بالإبراد بالصلاة في اشتداد الحر . قال الخطابي : قوله : ( أبردوا بالصلاة ) أي : تأخروا عنها مبردين ، أي : داخلين في وقت البرد . قال : والمراد : كسر شدة [حر] الظهيرة ؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد ، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار ، وهو برد العشي ؛ إذ فيه الخروج من قول الأمة . قال : وفيح جهنم شدة استعارها ، وأصله السعة والانتشار ، وكانت العرب تقول في غاراتها : فيحي فياح . وقال غيره : الفيح سطوع الحر ، يقال : فاحت القدر تفوح إذا غلت . وأما قول صاحب الغريبين : أبردوا بالظهر : صلوها في أول وقتها . وبرد النهار أوله . فهو خطأ ، وتغيير للمعنى ، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبرادا ، بل هو ضده ، بخلاف أول النهار ، كما في الحديث : ( من صلى البردين دخل الجنة ) . وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث : ( الإبراد بالظهر في شدة الحر ) فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال ، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها ، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده . وهذا قول كثير من أهل العلم ، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك ، وذكر صاحب المغني من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي ، ورجحه ، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وحكاه الخطابي عن أحمد ورجحه ابن المنذر ، وحكاه عن أهل الرأي ، وحكاه الترمذي في جامعه عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق ، ورجحه . ولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث ، ومال إليه ، والمنصوص عن الشافعي : أنه لا يستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد ، كذا نص عليه في الأم ، وعليه جمهور أصحابه . ولهم وجه : أنه لا يشترط البلاد الحارة ، وحكوا قولا للشافعي : أنه لا يشترط بعد المسجد ، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه . واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد : أن تكون الصلاة في مسجد ، قالوا : وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا ، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة . ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط . وكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردا . وذكر القاضي إسماعيل ، عن ابن أبي أويس ، عن مالك ، قال : بلغني أن عمر قال لأبي محذورة : إنك بأرض حارة ، فأبرد ، ثم أبرد ، ثم ناد ، فكأنني عندك . واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد . فمنهم من قال : هو حصول الخشوع في الصلاة ؛ فإن الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه ، وكصلاة من يدافع الأخبثين ، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة ، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة . ومنهم من قال : هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر ، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة . ومنهم من قال : هو وقت تنفس جهنم . وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ) . وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، قال : ( فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس ؛ فإن حينئذ تسعر جهنم ، وشدة الحر من فيح جهنم ، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ) . وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : فإذا كانت - يعني : الشمس - على رأسك كالرمح فدع الصلاة ؛ فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم ، وتفتح فيها أبوابها ، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن ، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة . وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها ، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال ، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها ؛ فإنه إثر وقت غضب ، والمصلي يناجي ربه ، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة ، ويجتنب أوقات السخط والعذاب ، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضا . والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب ، لا أمر حتم وإيجاب ، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء . فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريا على عادتهم ، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين ، كان محجوبا بالإجماع قبله ، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين ، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة ، ولم يفرق بين فرض ونفل . وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة ، وأن تركه سنة ، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل ، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي . والأحاديث الصحيحة ترده . وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج . وأما حد الإبراد ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل . وقال الشافعية : حقيقة الإبراد : أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة ، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت . وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء ، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط ، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط . ولعله يريد : أنه يكره ذلك ، لا أنه يحرم . وأما صلاة الظهر في غير شدة الحر ، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها ، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله . واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء ، فلم يشكنا ، وقد ذكرناه في باب : السجود على الثوب ، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره : أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس . وقد أجيب عنه بوجهين : أحدهما : أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت ، فلم يجبهم إليه . والثاني : أنه منسوخ بالأمر بالإبراد ، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم . واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالهاجرة ، فقال لنا : ( أبردوا بالصلاة ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . خرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وابن ماجه . وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب : أنهم شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر ، وسألوه أن يدعو لهم ، فلم يجبهم . وهذا بعيد ، وألفاظ الحديث ترده ، وقد سبق ذكره . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اشتكت النار إلى ربها ) ، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقا حقيقيا كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة ، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا . ويشهد لذلك : ما خرجه الإمام أحمد والترمذي - وصححه من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( يخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر ، وبالمصورين ) . وقد روي عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد - أيضا . وقيل : إن هذا الإسناد هو المحفوظ . وخرجه البزار بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ( يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق ، لها عينان تبصر بهما ، ولها لسان تتكلم به ) - وذكر الحديث . وقوله : ( فأشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) - بمعنى : أنه من تنفس جهنم . وقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد . قال ابن عبد البر : أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث : ما روي عن الحسن البصري - رحمه الله قال : اشتكت النار إلى ربها ، قالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فخفف عني . قال : فخفف عنها ، وجعل لها كل عام نفسين ، فما كان من برد يهلك شيئا فهو من زمهريرها ، وما كان من سموم يهلك شيئا فهو من حرها . وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكرا بحر جهنم وبردها ، ودليلا عليها ، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك . كما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد - أو عن ابن حجيرة الأكبر ، عن أبي هريرة ، أو أحدهما - حدثه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم حار ، فإذا قال الرجل : لا إله إلا الله ، ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرني من حر جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبيدي استجارني من حرك ، وأنا أشهدك أني قد أجرته ، وإذا كان يوم شديد البرد ، فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرني من زمهرير جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك ، فإني أشهدك أني قد أجرته ) . قالوا : وما زمهرير جهنم ؟ قال : ( بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها ) .
40 - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء فيه حديثان : الأول : قال : 600 - نا عبد الله بن صباح : نا أبو علي الحنفي : نا قرة بن خالد : انتظرنا الحسن وراث علينا حتى قربنا من وقت قيامه ، فجاء ، قال : دعانا جيراننا هؤلاء ، ثم قال : قال أنس : نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، حتى كان شطر الليل يبلغه ، فجاء فصلى لنا ، ثم خطبنا ، فقال : ( ألا إن الناس قد صلوا ، ثم رقدوا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال الحسن : وإن القوم لن يزالوا في خير ما انتظروا الخير . قال قرة : وهو من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم معنى ( راث ) : أبطأ .
الثاني : 601 - ثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني سالم بن عبد الله بن عمر وأبو بكر بن أبي حثمة ، أن عبد الله بن عمر قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على وجه الأرض أحد ) . فوهل الناس في مقالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة ، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض ) - يريد بذلك : أنها تخرم ذلك القرن . ( وهل ) - بفتح الهاء - قال الخطابي : معناه : غلطوا وتوهموا ، والوهل : الوهم ، يقال : وهل إذا ذهب وهله إلى الشيء . انتهى . وضبطه بعضهم ( وهل ) بكسر الهاء ، وقال : معناه فزع ونسي ، والوهل - بالفتح - : الفزع . وقيل : معناه : وقع في وهله . والأول أصوب ، والله أعلم . ومراد ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن من كان موجودا في وقت قوله ذلك لا يبقى منهم أحد على رأس مائة سنة ، فينخرم ذلك القرن ، فظن بعضهم : أن مراده : أن الساعة تقوم بدون مائة سنة ، وهو وهم ممن ظن ذلك ، ولذلك أنكره علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على من توهمه . ومقصود البخاري بهذين الحديثين : الاستدلال على جواز الموعظة وذكر العلم بعد العشاء ، وأنه ليس من السمر المنهي عنه . وقد كان ابن شبرمة وغيره من فقهاء الكوفة يسمرون في الفقه إلى أذان [الفجر] . ونص الإمام أحمد على أنه لا يكره السمر في العلم . وروى قتادة ، عن أبي حسان ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح ، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة . خرجه أبو داود . وكذا رواه هشام الدستوائي وعمرو بن الحارث وسعيد بن بشير . وخالفهم : أبو هلال ، فرواه عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن عمران بن حصين . والقول : قول هشام ومن تابعه - : قاله الإمام أحمد وأبو حاتم وأبو بكر الأثرم . وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث علقمة ، عن عمر بن الخطاب ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين ، وأنا معهم . قال الترمذي : حسن . وقد قيل : إن علقمة لم يسمعه من عمر ، وبينهما رجل - : قاله البخاري والأثرم . ورجح الدارقطني : أنه ليس بينهما أحد . وفيه دليل على جواز السمر في مصالح المسلمين ، وما يعود بنفعهم . وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنه كان يسمر مع علي بن أبي طالب حتى يذهب ليل طويل . وكان ابن عباس يسمر عند معاوية . وخرج ابن مسعود وأبو موسى من عند الوليد ، وقد تحدثوا ليلا طويلا ، فجاءوا إلى سدة المسجد ، فتحدثوا حتى طلع الفجر . وقد ذكر البخاري في أواخر ( كتاب العلم ) : ( باب : السمر بالعلم ) ، وقد سبق في موضعه ، وذكرنا فيه زيادة هاهنا . والله أعلم .
39 - باب ما يكره من السمر بعد العشاء ( السامر ) : من السمر ، والجمع : السمار ، والسامر هاهنا في موضع الجمع . ( السمر ) : هو التحدث بالليل ، وقوله تعالى : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا هو من السمر ، ومعناه هنا : الجمع - أي : سمارا . فسمار جمع ، وسامر يكون مفردا ، وقد يراد به الجمع كما في الآية . 599 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا عوف : ثنا أبو المنهال ، قال : انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال له : حدثنا ، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة ؟ قال : كان يصلي الهجير - وهي التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشمس ، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب . قال : وكان يستحب أن يؤخر العشاء . قال : وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه ، ويقرأ من الستين إلى المائة . قد سبق هذا في مواضع ، وشرح ما فيه من مواقيت الصلاة ، وذكر النوم قبل العشاء ، ولم يبق من أحكامه غير ذكر الحديث بعد العشاء ، وهو السمر . وفي هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكرهه ، وقد ذكرنا فيما سبق حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نام قبل العشاء ولا سمر بعدها . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء . ومعنى ( جدبه ) : عابه وذمه - : قاله أبو عبيد وغيره . ووهم من قال : أباحه لهم ، كالطحاوي ، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة . وهذا الحديث وهم عطاء بن السائب في إسناده ؛ فقد رواه الأعمش ومنصور وأبو حصين ، عن أبي وائل ، عن سلمان بن ربيعة ، قال : جدب لنا عمر السمر . وخالفهم عطاء بن السائب وعاصم ، فقالا : عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، ثم اختلفا ، فرفعه عطاء ، ووقفه عاصم ، ووهما في ذلك . والصحيح : قول منصور والأعمش - : قاله أبو بكر الأثرم . وذكر مسلم نحوه في ( كتاب التمييز ) ، وزاد : أن المغيرة رواه عن أبي وائل ، عن حذيفة - من قوله . قال : ولم يرفعه إلا عطاء بن السائب . وأشار إلى أن رواية الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وأبي حصين ، عن أبي وائل ، عن سلمان ، عن عمر هي الصحيحة ؛ لأنهم أحفظ وأولى بحسن الضبط للحديث . وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم . ثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل ، روي ذلك عن عمر . ومنهم من علل بأن الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال ، فيستحب النوم عقيبها ، حتى ينام على ذكر ، ولا ينام على لغو . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يسمر ما لم يوتر ، فجعل الختم بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة . وكانت عائشة تقول لمن يسمر : أريحوا كتابكم . تعني : الملائكة الكاتبين . ومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنه مكروه بغير شك . وفي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث شداد بن أوس - مرفوعا - : ( من قرض بيت شعر بعد عشاء الآخرة لم يقبل له صلاة تلك الليلة ) .
38 - باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى 598 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا هشام : ثنا يحيى - هو : ابن أبي كثير - عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : جعل عمر [يوم الخندق] يسب كفارهم ، فقال : ما كدت أصلي العصر حتى غربت الشمس . قال : فنزلنا بطحان ، فصلى بعدما غربت الشمس ، ثم صلى المغرب . إنما في هذا الحديث ترتيب الفائتة مع الحاضرة ، وأنه يقدم الفائتة على الحاضرة ، ثم يصلي الحاضرة ، وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه . وفي الباب : أحاديث في قضاء الفوائت وترتيبها ، ليست على شرط البخاري ، وكأنه أشار بالتبويب إليها ، ولكنه اقتصر على حديث جابر ؛ لما لم يكن في الباب على شرطه غيره . وقد روي عن جابر من وجه ضعيف ، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فوائت ورتبها . فروى حماد بن سلمة ، عن عبد الكريم أبي أمية ، عن مجاهد ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى الظهر ، ثم أمره فأذن وأقام وصلى العصر ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب ، ثم أمره [فأذن] وأقام وصلى العشاء ، وقال : ( ما [على] وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم ) . خرجه البزار في ( مسنده ) . وقال : لا نعلم رواه بهذا الإسناد ، إلا مؤمل - يعني : عن حماد - وقد رواه بعضهم ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله . انتهى . وعبد الكريم أبو أمية ، متروك الحديث ، مع أن البخاري حسن الرأي فيه . وقد روى أبو الزبير ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، قال : قال عبد الله : إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالا ، فأذن وأقام ، فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء . خرجه الإمام أحمد من طريق هشيم ، عن أبي الزبير . وقال الترمذي : ليس بإسناده بأس ، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله . وخرجه النسائي من طريق هشام الدستوائي ، عن أبي الزبير ، ولم يذكر فيه : الأذان ، وإنما ذكر الإقامة لكل صلاة ، وزاد في آخره : قال : ثم طاف علينا ، فقال : ( ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم ) . وكذا رواه الأوزاعي عن أبي الزبير ، وفي حديث : حتى إذا كان قريبا من نصف الليل فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدأ بالظهر فصلاها ، ثم العصر ، ثم المغرب ، ثم العشاء بإقامة إقامة . وخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق يحيى بن أبي أنيسة - وهو ضعيف جدا - عن زبيد الأيامي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر في حديثه : الأذان والإقامة لكل صلاة . وروى سعيد المقبري ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، قال : حبسنا يوم الخندق عن الصلاة ، حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل ، حتى كفينا ، وذلك قول الله عز وجل : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا قال : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا ، فأقام صلاة الظهر ، فصلاها وأحسن صلاتها ، كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام العصر ، فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام المغرب ، فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء ، فصلاها كذلك . قال : وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف : فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا خرجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) . وقد دلت هذه الأحاديث على أن من فاتته صلوات ، فإنه يبدأ بالأولى فالأولى ، هذا هو المشروع في قضائها بالاتفاق . واختلف في الأذان والإقامة ، ففي بعضها : أنه صلى كل صلاة بإقامة إقامة ، من غير ذكر أذان . وفي بعضها : أنه أذن للأولى ، وأقام لكل صلاة . وفي بعضها : أنه أذن وأقام لكل صلاة . واختلف العلماء في ذلك ، وقد سبق ذكر الاختلاف في الأذان للفائتة إذا كانت واحدة . وأما مع تعدد الفوائت : فمنهم من قال : يقيم لكل صلاة ، ولا يؤذن ، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك والشافعي في قول ، وحكي رواية عن أحمد . ومنهم من قال : يؤذن للأولى ، ويقيم لكل صلاة ، وهو قول أحمد وأبي ثور وداود وأحد أقوال الشافعي . وله قول ثالث : إن أمل اجتماع الناس بالأذان أذن ، وإلا اقتصر على الإقامة لكل صلاة . وقال الثوري : ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة . وأما الترتيب ، فقد ذكرنا أنه مستحب بالاتفاق . واختلفوا : هل هو شرط لصحة الصلاة ، أم لا ؟ فمذهب أحمد : أنه شرط ، قلت الفوائت أو كثرت ، وهو قول زفر . ومذهب مالك وأبي حنيفة : يجب الترتيب فيها إن كانت خمسا فما دون ، ولا يجب فيما زاد . ومذهب الشافعي : أنه لا يجب الترتيب بحال ، وهو قول أبي ثور وداود ، ورواية عن الأوزاعي . وروي عن سمرة بن جندب ما يدل عليه . وهؤلاء جعلوا ترتيب الصلوات في الأداء من ضرورة الوقت ، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيب ، كمن عليه ديون منجمة ، إذا أخرت إلى آخرها نجما فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر ، حتى لو قضى آخرها نجما قبل الكل لجاز ، وكصوم رمضان إذا فات ، فإنه لا يشترط لقضائه ترتيب ولا موالاة ، بل يجوز تفريقه وتتابعه . واستدل بعض من أوجب الترتيب بما روى ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن يزيد ، أن عبد الله بن عوف حدثه ، عن أبي جمعة حبيب بن سباع - وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الأحزاب صلى المغرب ، فلما فرغ قال : ( هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ ) فقالوا : يا رسول الله ، ما صليتها ، فأمر المؤذن فأقام ، وصلى العصر ، ثم أعاد المغرب . خرجه الإمام أحمد . واستدل به بعض من يقول : لا يسقط الترتيب بالنسيان . وحمله بعض من خالفه على أنه كان تذكر العصر في صلاة المغرب قبل أن يفرغ منها . وهذا حديث ضعيف الإسناد ، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به . قال ابن عبد البر : هذا حديث لا يعرف إلا عن ابن لهيعة ، عن مجهولين ، لا تقوم به حجة . قلت : أما عبد الله بن عوف ، فإنه الكناني ، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين ، مشهور ، روى عنه الزهري وجماعة . وأما محمد بن يزيد ، فالظاهر أنه ابن أبي زياد الفلسطيني ، صاحب حديث الصور الطويل ، وقد ضعفوه . وروى مالك في ( الموطأ ) ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان يقول : من نسي [صلاة] فلم يذكرها إلا وراء الإمام ، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي ، ثم يصلي بعدها الأخرى . وقد روى عثمان بن سعيد الحمصي ، عن مالك مرفوعا . ورفعه باطل ، ذكره ابن عدي . كذا روي عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مرفوعا . خرجه أبو يعلى الموصلي والطبراني والدارقطني . وذكر عن موسى بن هارون الحافظ ، أن رفعه وهم ، وإنما هو موقوف . وكذا قال أبو زرعة الرازي . وأنكر يحيى بن معين المرفوع إنكارا شديدا : ذكره ابن أبي حاتم . وقد اختلف من اشترط الترتيب للقضاء فيمن ذكر فائتة وهو يصلي حاضرة . فقيل : يسقط عنه الترتيب في هذه الحال ؛ لأن الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها ؛ لتضايق وقت الحاضرة . وحكي عن الحسن وطاوس ، وهو قول أبي يوسف ، واختاره بعض أصحابنا ؛ لأن الجماعة عندنا فرض . وقيل : لا يسقط ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد . وعلى هذا ؛ فهل يبطل الحاضرة ، أم يقطعها ؟ على قولين . أحدهما : أنه يقطعها - وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد - إلا أن يكون مأموما فيتمها كما قاله ابن عمر . والثاني : يتمها نفلا ، وهو قول الليث والثوري وأحمد في رواية . فعلى هذا ؛ إن قلنا : يصح ائتمام المفترض بالمتنفل صح ائتمام المأمومين به ، وإلا فلا . وذكر ابن عبد البر : أن مذهب مالك : أن المأموم يتم صلاته ، ثم يصلي الفائتة ، ثم يعيد الحاضرة ، كما قاله ابن عمر . قال : وعند مالك وأصحابه : لا يجب الترتيب في الفوائت بعد صلاة الوقت ، إلا بالذكر ، وجوب استحسان ، بدليل إجماعهم على أن من ذكر فائتة في وقت حاضرة ، أو صلوات يسيرة ، أنه إن قدم العصر على الفائتة ، أنه لا إعادة عليه للعصر التي صلاها ، وهو ذاكر فيها للفائتة ، إلا أن يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس . قال : وهذا يدل على أن قولهم : من ذكر صلاة في صلاة فإنها تنهدم أو تفسد عليه ، ليس على ظاهره ، ولو كان على ظاهره لوجبت الإعادة عليه للعصر بعد غروب الشمس ؛ لأن ما يفسد ويهدم حقيقة يعاد أبدا ، وما يعاد في الوقت فإنه استحباب ، فقضت على هذا الأصل . قال : وقال أبو حنيفة : من ذكر فائتة ، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس ، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه ، ثم صلى التي عليه ، وإن كان أقل من ذلك ، قطع ما هو فيه ، وصلى التي ذكر ، إلا أن يضيق وقتها ، فيتمها ، ثم يصلي الفائتة . انتهى .
قال البخاري - رحمه الله - : 597 - ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل ، قالا : ثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ، [لا كفارة] لها إلا ذلك ؛ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . قال موسى : قال همام : سمعته يقول بعد : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وقال حبان : ثنا همام : ثنا قتادة : ثنا أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . هذا الحديث قد رواه جماعة عن همام ، وجماعة عن قتادة . وقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثني ، كلهم عن قتادة ، عن أنس ، وليس في رواية أحد منهم : التصريح بقول قتادة : ( ثنا أنس ) ، كما ذكر البخاري أن حبانا رواه عن همام . وإنما احتاج إلى ذلك ؛ لما عرف من تدليس قتادة . ولفظ رواية سعيد ، عن قتادة التي خرجها مسلم : ( من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) . ولفظ حديث المثني ، عن قتادة ، عنده : ( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها ، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) . وقد دل الحديث على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ ، والناسي إذا ذكر ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد . وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم روى عن محمد بن الحسن ، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه ، إلحاقا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء ، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده ، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد ، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر . وأخذ الجمهور بعموم الحديث . وقوله : ( فليصل إذا ذكر ) استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور ؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك . وأحمد يوجبه بكل حال ، قلَّت الصلوات أو كثرت . واستدلوا - أيضا - : بقوله : ( لا كفارة لها إلا ذلك ) . وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي ، كقضاء صيام رمضان ، وليس الصوم كالصلاة عندهم ، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك . واستدلوا - أيضا - : بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة حتى خرج من الوادي . وفيه نظر ؛ فإن ذاك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة ، وهو التباعد عن موضع يكره الصلاة فيه . وقد روي عن سمرة بن جندب ، فيمن عليه صلوات فائتة ، أنه يصلي مع كل صلاة صلاة . وقد روي عنه - مرفوعا . خرجه البزار بإسناد ضعيف . ولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوات بغير عذر في وجوب القضاء على الفور وجهان . وحمل الخطابي قوله : ( لا كفارة لها إلا ذلك ) على وجهين : أحدهما : أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل ، ولا يكفرها غير قضائها . والثاني : أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة . قال : إنما عليه أن يصلي ما فاته . وقد روي عن أبي هريرة - مرفوعا - : ( من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها ) . خرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف . واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة . وحفص هذا ، قال البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث . وقال يحيى بن يحيى : كذاب . فلا يلتفت إلى ما تفرد به . وأما تلاوته قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . وقد رواه قتادة - مرة - ؛ فقال : ( للذكرى ) ، ومرة قال : ( لذكري ) ، كما هي القراءة المتواترة . وكان الزهري - أيضا - يقرؤها : ( للذكرى ) . وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور ؟ لأن المعنى : أَدِّ الصلاة حين الذكرى ، والمعنى : أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها . وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي . وقال مجاهد : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي تذكرني . قال : فإذا صلى عبد ذكر ربه . ومعنى قوله : أن قوله : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي : لأجل ذكري بها . والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها ، كما في حديث عائشة المرفوع : ( إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) . خرجه الترمذي وأبو داود . فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة ، فمن ترك شيئا من ذكر الله الواجب عليه سهوا فليعد إليه إذا ذكره ، كما قال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك ، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه ، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه . وأما ترك الصلاة متعمدا ، فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له ، ومنهم من يحكيه إجماعا . واستدل بعضهم بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اقضوا الله الذي له ، فالله أحق بالقضاء ) . واستدل بعضهم : بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان بالقضاء ، فغير المعذور أولى . وفي هذا الاستدلال نظر ؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له ، والعامد ليس القضاء كفارة له ؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق . ولهذا قال الأكثرون : لا كفارة على قاتل العمد ، ولا على من حلف يمينا متعمدا فيها الكذب ؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا . وأيضا ؛ فإذا قيل : إن القضاء إنما يجب بأمر جديد ، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم ، فلا دليل على إلزام العامد بالقضاء ؛ فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء ، كالنائم والناسي . واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المجامع في رمضان عمدا بالقضاء . كما خرجه أبو داود . وهو حديث في إسناده مقال ؛ تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه . وأيضا ؛ فيفرق بين من ترك الصلاة والصيام ، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما . فالثاني عليه القضاء ، كمن أفسد حجه ، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج ، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك ؛ لأن الحج فريضة العمر . ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم : أنه لا قضاء على المتعمد . وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق ، وعن ابن بنت الشافعي . وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدا ، أنه لا يجزئه قضاؤهما . ذكره في عقيدته في آخر ( مسنده ) . ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين ، منهم : الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة . قال ابن بطة : اعلم أن للصلاة أوقاتا ، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره ، ومن أخرها عن وقتها مختارا لذلك من غير عذر ، فلا فرض له . فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر ، كالصلاة قبل الوقت ، وقال في كل منهما : ( إنه ليس بفرض ) - يريد : أنها تقع نفلا في الحالين . وقال البربهاري : الصلوات لا يقبل الله منها شيئا إلا أن تكون لوقتها ، إلا أن يكون نسيانا ؛ فإنه معذور ، يأتي بها إذا ذكرها ، فيجمع بين الصلاتين إن شاء . وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله ، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة . وروي عن طائفة من السلف ، منهم : الحسن . وحكى الخلاف في ذلك : إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي . قال محمد بن نصر في ( كتاب الصلاة ) : إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها ، لا نعلم في ذلك خلافا ، إلا ما روي عن الحسن ، فمن أكفره بتركها استتابه ، وجعل توبته وقضاءها رجوعا منه إلى الإسلام ، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية ، وأوجب عليه قضاءها . وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة ، ويرى عليه القضاء إذا تاب ، وقال : أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن ابن المبارك ، أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياما ، ثم ندم ؟ قال : ليقض ما ترك من الصلاة . قال : ثم أقبل ابن المبارك علي ، فقال : هذا لا يستقيم على الحديث . قال إسحاق : يقول : القياس على الأصل أن لا يقضي ، وربما بنى على الأصل ، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء ، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر ، فيجعله كالمشرك ، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار ، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد ، فأخذنا بالاحتياط ، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا ، وكان يكفره إذا تركها عمدا حتى يذهب وقتها . قال إسحاق : وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها ، والاحتياط في ذلك ، فأما من مال إلى ما قال الحسن : إذا ترك صلاة متعمدا لا يقضيها ، فهو كما قال ابن المبارك : الإعادة لا تستقيم على الحديث ، ثم ترك القياس في ذلك ، فاحتاط في القضاء . قال إسحاق : ولقد قال بعض أهل العلم : إذا ارتد عن الإسلام ، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته ، وحجته : أن ارتداده معصية ، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق . قلت : قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنه يكون مرتدا ، ولا قضاء عليه ، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطا . وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . ومذهب الشافعي وغيره : الوجوب . وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمدا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه ، ولم يعتبر أن يستتاب ، ولا أن يدعى إليها ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة - أيضا وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي ، وأبي بكر ، وابن أبي موسى . ثم قال محمد بن نصر : فأما المروي عن الحسن ، فإن إسحاق ثنا ، قال : ثنا النضر ، عن الأشعث ، عن الحسن ، قال : إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا ، فإنه لا يقضيها . قال محمد بن نصر : قول الحسن هذا يحتمل معنيين : أحدهما : أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا ، فلذلك لم ير عليه القضاء ؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره . والمعنى الثاني : أنه إن لم يكن يكفره بتركها ، فإنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم ، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية ؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه ، فإذا أتى به بعد ذلك ، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه ، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به ، عن المأمور به . قال : وهذا قول غير مستنكر في النظر ، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه . قال : ومن ذهب إلى هذا ، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها ، وفي النائم - أيضا - : إنه لو لم يأت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) ، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضا . انتهى ما ذكره ملخصا . وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمدا ، فإنه إن كان كافرا بالترك متعمدا ، فالقياس أن لا قضاء على الكافر ، وإن كان مرتدا . وإن لم يكن كافرا بالترك ، فالقياس أنه لا قضاء بعد الوقت ؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ، وليس فيه أمر جديد ، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له ، وهو المعذور ، والعامد لم يأت نص بأن القضاء كفارة له ، بل ولا يدل عليه النظر ؛ لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة ، كقاتل العمد ، وحالف اليمين الغموس . وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن ، مع عظمته وجلالته ، وفضله وسعة علمه ، وزهده وورعه ؟ ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء ، بل ولم أجد صريحا عن التابعين - أيضا - فيه شيئا ، إلا عن النخعي . وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمدا ، أنه لا تقبل منه صلاة ، كما روي عن الصديق - رضي الله عنه - أنه قال لعمر في وصيته له : إن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار ، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل . يشير إلى صلوات الليل والنهار . وفي حديث مرفوع : ( ثلاثة لا يقبل لهم صلاة ) ، ذكر منهم : ( الذي لا يأتي الصلاة إلا دبارا ) - يعني : [بعد] فوات الوقت . خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعا . وفي إسناده ضعف . ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل ، كصلاة السكران في مدة الأربعين ، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط . فإن قيل : فقد قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها . وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة : أي المحافظة على مواقيتها ، وأن تركها كفر . ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها . وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلف من أخبر أنه يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها ، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة . وقد سئل عن الأمراء وقتالهم ؟ قال : ( لا ، ما صلوا ، وكانت على هذا الوجه ) ، فدل على إجزائها . قيل : السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم تعمد التأخير عن الوقت الحاضر ؛ فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت - أحيانا - عن غير تعمد لذلك ، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة ، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء ، وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين . وهذه الصلاة كلها مجزئة ، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالاتفاق . وقد سئل سعيد بن جبير ، عن قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ فدخل المسجد ، فرأى قوما قد أخروا الصلاة ، لا يتمون ركوعا ولا سجودا ، فقال : الذي سألتني عنهم هم هؤلاء . وهذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة المنافقين ) . وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلفهم نافلة ، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس ، وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت ، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار ، وكغيرهم عند طائفة من العلماء . فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة ؛ فإن التارك هو المؤخر عمدا إلى وقت مجمع على أنه غير جائز ، كتأخير صلاة الليل إلى النهار ، وصلاة النهار إلى الليل عمدا ، وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمدا . وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة . فروى أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة ، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، وإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب تبارك وتعالى : انظروا ، هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وهذا لفظه ، وقال : حسن غريب - وابن ماجه . وله طرق عن أبي هريرة ، أشهرها : رواية الحسن ، وقد اختلفوا عليه في إسناده إلى أبي هريرة : فقيل : عن الحسن ، عن أنس بن حكيم ، عن أبي هريرة . وقيل : عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة . وقيل غير ذلك . ورواه حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه النسائي . وقيل - بهذا الإسناد - : عن يحيى بن يعمر ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد . وهذا إسناد جيد . وروي عن أبي هريرة من وجه آخر . وروى حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن زرارة بن أوفى ، عن تميم الداري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعنى حديث أبي هريرة . خرجه أبو داود وابن ماجه . وزرارة ، قال الإمام أحمد : ما أحسبه لقي تميما . وقد روي حديث أبي هريرة وتميم موقوفا عليهما . وقد خرج الإمام أحمد هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الأشعث بن سليم ، عن أبيه ، عن رجل من بني يربوع ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وخرج - أيضا - من طريق ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج : سمعت رجلا من كندة يقول : حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا ينتقص أحدكم من صلاته شيئا إلا أتمها الله من سبحته ) . وخرجه أبو القاسم البغوي بنحو هذا اللفظ من حديث عائذ بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد روي هذا المعنى - أيضا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر وابن عباس ، وفي إسنادهما ضعف . واختلف الناس في معنى تكميل الفرائض من النوافل يوم القيامة : فقالت طائفة : معنى ذلك أن من سها في صلاته عن شيء من فرائضها أو مندوباتها كمل ذلك من نوافله يوم القيامة ، وأما من ترك شيئا من فرائضها أو سننها عمدا ، فإنه لا يكمل له من النوافل ؛ لأن نية النفل لا تنوب عن نية الفرض . هذا قول عبد الملك بن حبيب المالكي وغيره . وقالت طائفة : بل الحديث على ظاهره في ترك الفرائض والسنن عمدا وغير عمد . وإليه ذهب الحارث المحاسبي وغيره . وهو قول طائفة من أصحابنا وابن عبد البر ، إلا أنهم خصوه بغير العامد . وحمله آخرون على العامد وغيره ، وهو الأظهر - إن شاء الله تعالى . وقولهم : ( نية الفرض لا ينوب عنها نية النفل ) إنما هو بالنسبة إلى أحكام تكليف العباد في الدنيا ، فأما بالنسبة إلى فضل الله في الآخرة فلا ؛ لأن فضله واسع لا حجر عليه ، بل هو تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد . مع أن في تأدية الفرائض بنية التطوع اختلافا مشهورا بين العلماء في الحج والصيام والزكاة ، وكذا في الصلاة . وأيضا ؛ فقد حكينا فيما سبق في ( كتاب الإيمان ) عن سفيان ، أن من نسي صلاة فدخل مع قوم يصلونها ، وهو ينوي أنها تطوع ، أنها تقع عن الفرض الذي عليه . وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي الفريابي : صل ركعتي الفجر في البيت ، فإن مت قبل الفريضة أجزأتك من الفريضة . وروي عن بعض الصحابة ، أنه دخل المسجد ولم يكن صلى الظهر ، وإن الإمام يصلي العصر ، فصلى معه وهو يظن أنها الظهر ، فاعتد بها عن العصر ، ثم صلى الظهر . خرجه الجوزجاني . واستدل الأولون بالأحاديث التي فيها : أن من ضيع بعض حدود الصلاة ، أنه لا عهد له عند الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . ولا حجة في ذلك ؛ لأن الله إذا شاء أن يغفر لعبد أكمل فرائضه من نوافله ، وذلك فضل من عنده يفعله مع من يشاء أن يرحمه ولا يعذبه . واستدلوا - أيضا - بما روى موسى بن عبيدة ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل المصلي مثل التاجر ، لا يخلص له ربحه حتى يأخذ رأس ماله ، فكذلك المصلي لا يقبل له صلاة نافلة حتى يؤدي الفريضة ) . خرجه البزار والهيثم بن كليب في ( مسنديهما ) والإسماعيلي . وموسى بن عبيدة ، ضعيف جدا من قبل حفظه ، وقد تفرد بهذا . وخرج أبو الشيخ الأصبهاني من طريق أبي أمية ، عن الحسن ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : ( من صلى المكتوبة فلم يتم ركوعها ولا سجودها ، ثم يكثر من التطوع ، فمثله كمثل من لا شف له حتى يؤدي رأس ماله ) . وأبو أمية ، هو : عبد الكريم ، متروك الحديث . و ( الشف ) : من أسماء الأضداد ، يكون بمعنى الزيادة ، وبمعنى النقص . وخرجه إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) ، عن كلثوم بن محمد بن أبي سدرة ، عن عطاء الخراساني ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا صلى الرجل الصلاة المكتوبة ، فلم يتم ركوعها ولا سجودها وتكبيرها والتضرع فيها ، كان كمثل التاجر لا شف له ، حتى يفي رأس ماله ) . وكلثوم ، ضعفه ابن عدي وغيره . وعطاء ، لم يسمع من أبي هريرة . ومعنى هذه الأحاديث - إن صح منها شيء - : أن النوافل يكمل بها نقص الفرائض ، فلا يسلم له شيء من النوافل حتى يكمل نقص الفرائض ؛ ولهذا شبهه بالتاجر الذي [لا] يخلص له ربح حتى يستوفي رأس ماله ، ويظهر هذا في المضارب بمال غيره ، ولهذا يقول الفقهاء : إن ربحه وقاية لرأس المال . ومن هنا ؛ قال طائفة من السلف - منهم ابن عباس وأبو أمامة - : إنما النافلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة . يعنون : أن غيره تكمل فرائضه بنوافله ، فلا يخلص له نافلة ، فنوافله جبرانات لفرائضه . وروى إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) : ثنا عبد الله بن واقد : ثنا حيوة بن شريح ، عن أبي الأسود ، عن ابن رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عليه من رمضان شيء ، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه ، ومن صلى تطوعا وعليه مكتوبة ، لم يتقبل منه ) . عبد الله بن واقد ، هو : أبو قتادة الحراني ، تكلموا فيه . وهذا غريب من حديث حيوة ، وإنما هو مشهور من حديث ابن لهيعة . وقد خرجه الإمام أحمد عن حسن الأشيب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه ، فإنه لا يتقبل منه ) . ولم يذكر في حديثه : ( الصلاة ) . وقد روي مرفوعا . وقال أبو زرعة : الصحيح المرفوع . ونفي القبول لا يستلزم [نفي] الصحة بالكلية ، وقد سبق ذكر ذلك غير مرة . ويدل على ذلك : أن في تمام الحديث الذي خرجه الإمام أحمد : ( من أدرك رمضان ، وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه ) ، ومعلوم أنه يلزمه قضاؤه بعد رمضان مع الإطعام . ولا يعلم في لزوم القضاء خلاف ، إلا عن ابن عمر من وجه فيه ضعف ، والخلاف مشهور في وجوب الإطعام مع القضاء . وقد نقل إبراهيم الحربي ، عن أحمد ، أنه سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة لمن عليه صلاة؟ ) قال : لا أعرف هذا اللفظ . قال الحربي : ولا سمعت بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن الحديث الذي خرجه إسحاق لا أصل له . وقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان : هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء ، أم لا ؟ فيه قولان معروفان ، هما روايتان عن أحمد . وأكثر العلماء على جوازه ، وروي عن طائفة من السلف المنع منه . وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : مثل الذي يتطوع بالصوم وعليه قضاء رمضان ، كمثل الذي يسبح وهو يخاف أن تفوته المكتوبة . وكذلك لو كان عليه صلاة فائتة ، فتطوع قبل قضائها ، فإن كان التطوع بسنتها الراتبة ، فهو جائز ، بل يستحب عند جمهور العلماء ، خلافا لمالك ، وقد سبق ذلك ، وإن كان تطوعا مطلقا ، فقال أصحابنا : لا يجوز ؛ لأن القضاء عندهم على الفور ، بخلاف قضاء رمضان ؛ فإنه على التراخي حتى يتضايق وقته في شعبان . وفي انعقاده - لو فعل - وجهان ، وحكي روايتان . ورجح بعضهم عدم الانعقاد ، وحمل حديث تكميل الفرائض بالنوافل على السنن الرواتب ، أو على من تطوع ونسي أن عليه فائتة . والذين لا يرون على العامد القضاء بالكلية ، لا يتصور هذه المسألة عندهم ، لأنهم يقولون : ليس يلزمه قضاء بالكلية .
37 - باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة وقال إبراهيم : من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة . يدخل تحت تبويب البخاري - رحمه الله - هاهنا مسألتان : إحداهما : أن من نسي صلاة ، ثم ذكرها ، فإنه يعيدها مرة واحدة ، ولا يعيدها مرة ثانية . وهذا قول جمهور أهل العلم . وروي عن سمرة بن جندب ، أنه يعيدها إذا ذكرها ، ثم يعيدها من الغد لوقتها . وقد سبق عنه في النوم كذلك . وروي مرفوعا : فخرج أبو داود من حديث أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم لما قضى الصلاة التي نام عنها : ( إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حين يذكرها ، ومن الغد للوقت ) . وخرج الإمام أحمد من طريق حماد ، عن بشر بن حرب ، قال : سمعت سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها ، ومن الغد للوقت ) . خرجه الإمام أحمد . وخرجه - أيضا - من طريق همام ، عن بشر ، عن سمرة ، قال : أحسبه مرفوعا - فذكره . قال أحمد في رواية أبي طالب : هو موقوف . يعني : أن رفعه وهم . وبشر بن حرب ، ضعفه غير واحد . وخرجه البزار في ( مسنده ) من طريق أولاد سمرة ، به ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها التي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة . وفي إسناده يوسف السمتي ، وهو ضعيف جدا . وفيه : دليل على أنه لا يجب قضاؤها على الفور . المسألة الثانية : إذا نسي صلاة ، ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن ، فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها . وهذا هو معنى ما حكاه عن النخعي . وهذا يبنى على أصل ، وهو : أن ترتيب القضاء ، هل هو واجب ، أم لا ؟ وفيه اختلاف ، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى . ومذهب الشافعي : أنه مستحب غير واجب ، وحكي رواية عن أحمد ، وجزم بها بعض الأصحاب . ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه - : أنه واجب . ثم اختلفوا : فقال أبو حنيفة ومالك : يجب الترتيب فيما دون ست صلوات ، ولا يجب في ست صلوات فصاعدا . وقال أحمد : يجب بكل حال . وحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه . فمن قال : إنه غير واجب ، قال : لا يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء ، ولا بين الفائت والحاضر . ومن قال : إنه واجب ، فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة ، أم لا يسقط بالنسيان ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه يسقط بالنسيان ، وهو قول النخعي ، كما ذكره البخاري عنه ، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة والحسن بن حي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق . والثاني : لا يسقط بالنسيان - أيضا - فيعيد الفائتة وما صلى بعدها . وحكي رواية عن أحمد ، حكاها بعض المتأخرين عنه ، والله أعلم بصحتها عنه . وأما مالك ، فعنده : إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة ، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعدا أعادهما ، وإن بقي دون ذلك ، أو كان الوقت قد ذهب بالكلية أجزأه . وأما إن صلى الحاضرة ، وعليه فائتة ، وهو ذاكر لها : فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة . ومن لم يوجب الترتيب ، لم يوجب سوى قضاء الفائتة . ويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري ، ولكن روي عنه صريحا خلافه . فروى مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا ترك صلاة متعمدا عاد ، وعاد كل صلاة صلاها بعدها . فيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولا على حال النسيان ، أو يكون عن النخعي روايتان . وكان الإمام أحمد لشدة ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط ، وإلا فإيجاب سنين عديدة فيها صلاة واحدة فائتة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي . والذي صح عن ابن عمر في ذلك ، إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لهما ، فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك . وبهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل . ولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها باق خاصة ، فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم ، تأباه قواعد الحنيفية السمحة . وقد أخبرني بعض أعيان علماء شيوخنا الحنبليين ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه ، وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد في هذه المسائل : أيهما أرجح ؟ قال : ففهمت منه - صلى الله عليه وسلم - أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي - رحمه الله . ومما يدل على صحة ذلك : حديث عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم ) . فهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها .
10 - باب الإبراد بالظهر في السفر 539 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله ، قال : سمعت زيد بن وهب ، [عن أبي ذر] الغفاري ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة . وقال ابن عباس : يَتَفَيَّأُ يتميل . مقصود البخاري بهذا الباب : أن الإبراد بالظهر مشروع في الحضر والسفر ، وسواء كان جماعة المصلين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين . وقد استدل الترمذي في جامعه بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختص بالمصلي في مسجد ينتابه الناس من البعد ، كما يقوله الشافعي ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو وأصحابه مجتمعين في السفر ، وقد أبرد بالظهر . وقوله : حتى رأينا فيء التلول - يعني : حتى مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء ، حتى ظهر للتلول فيء . والفيء هو الظل العائد بعد زواله ، فإن الشمس إذا طلعت كان للتلول ونحوها ظل مستطيل ، ثم يقصر حتى يتناهى قصره وقت قيام الشمس بالظهيرة ، ثم إذا زالت الشمس عاد الظل وأخذ في الطول ، فما كان قبل الزوال يسمى ظلا ، وما كان بعده يسمى فيئا ؛ لرجوع الظل بعد ذهابه ، ومنه سمي الفيء فيئا ، كأنه عاد إلى المسلمين ما كانوا أحق به ممن كان في يده . وقد حكى البخاري عن ابن عباس أنه فسر قوله : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ يتميل . وفي حديث أبي ذر دليل على أن حد الإبراد إلى [أن] يظهر فيء التلول ونحوها . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود ، قال : كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام . وقد روي موقوفا على ابن مسعود ، وأنه قال في الصيف : ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام . قال بعض أصحابنا : وهذا يدل على أنه إلى الطرف الأول أقرب ، وهذا يشبه قول الشافعية : أنه لا يؤخر إلى النصف الآخر من الوقت ، وهو الصحيح . وقد تقدم عن سفيان ، أنه حكى عن بعض العلماء ، أنه عد التأخير إلى النصف الثاني تفريطا ، فظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على أنه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة ، فلا يؤذن إلا في وقت يصلَّى فيه ، فإذا أخرت الصلاة أخر الأذان معها ، وإن عجلت عجل الأذان . وقد وقع في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن من أخر الصلاة في السفر إلى آخر وقتها وهو سائر ، أنه يؤذن إذا نزل وأراد الصلاة ، وحملوا فعل ابن مسعود بالمزدلفة على ذلك ، إذا دخل وقت الثانية أذن لها . ويشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة جمع لما غربت له الشمس بعرفة ، ودفع ، لم ينقل عنه أنه أذن للصلاة ، فلما قدم جمعا أذن وأقام وصلى . وهذا يدل على أن الصلاتين المجموعتين في وقت الثانية لا يؤذن لهما إلا عند صلاتهما في وقت الثانية ، فيكون الأذان للوقت الذي يصلي فيه لا للوقت الذي يجمع فيه . ولكن قد روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث في مسنده ، عن شعبة - وخرجه من طريقه الترمذي ولفظه : قال أبو ذر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ومعه بلال ، فأراد أن يقيم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يقيم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد في الظهر . قال : حتى رأينا فيء التلول ، ثم أقام فصلى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فأبردوا عن الصلاة . ففي هذه الرواية التصريح بأن الإبراد إنما كان بالإقامة ، والإقامة تسمى أذانا ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : بين كل أذانين صلاة ، ومراده : بين الأذان والإقامة . وقد خرجه البخاري في الباب الماضي ، ولفظه : أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقال : أبرد ، أبرد - أو قال : انتظر ، انتظر . وهذا - أيضا - يدل على أنه إنما أخره بالإبراد والانتظار بعد أن أذن ، وهو دليل على أنه يؤذن في أول وقت الصلاة بكل حال ، سواء أبرد أو لم يبرد . ولكن إن أراد تأخيرها عن وقتها بالكلية حتى يصليها في وقت الثانية جمعا ، فإنه يؤخر الأذان إلى وقت الثانية . ويدل على هذا : ما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام حين يراه . وفي الأذان للمجموعتين في وقت الثانية خلاف يذكر في موضع آخر . ومتى فرق بين المجموعتين في وقت الثانية تفريقا كثيرا ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : تحتاج الثانية إلى أذان آخر . وقد روي عن ابن مسعود في جمعه بالمزدلفة ما يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم .
36 - باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت. 596 - ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش ، فقال : يا رسول الله ، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والله ما صليتها ) ، فقمنا إلى بطحان ، فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها [فصلى العصر] بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر حتى غربت الشمس يوم الخندق لم يكن عن نوم بغير خلاف ، وإنما اختلف . وقد أشار البخاري في ( أبواب الخوف ) إلى أنه كان اشتغالا بالعدو . ويعضده : حديث علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ) - الحديث . وسيأتي ذلك مبسوطا في موضعه - إن شاء الله . وفي حديث جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب . ولم يصرح فيه بأنه صلى بهم جماعة ، لكن قوله : ( فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها ) مما يدل على أنه صلاها جماعة . وقد خرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) ، ولفظه : ( فصلى بنا العصر ) - وذكر باقيه . وهذا تصريح بالجماعة . [و] في حديث نومهم عن صلاة الفجر ، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر بأصحابه جماعة . وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت . فمن قال : إن صلاة الجماعة سنة ، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة . ومن قال : صلاة الجماعة فرض - كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد - فاختلف أصحابنا : هل الجماعة واجبة ، أو لا ؟ على وجهين . وممن قال بأن الجماعة مشروعة للفوائت : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم . وحكي عن الليث بن سعد : أن قضاء الفائتة فرادى أفضل . وترده هذه الأحاديث الصحيحة . وفي الحديث : دليل على اتساع وقت المغرب ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قاموا بعد غروب الشمس ، فنزلوا إلى بطحان ، فتوضئوا ، ثم صلوا العصر قبل المغرب ، ثم صلوا المغرب ، فلو كان وقت المغرب مضيقا لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب ، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب ، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها . ويرجع الكلام في ذلك إلى من كان عليه صلاة فائتة ، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين ، فأكثر العلماء على أنه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها ، ثم يقضي الفائتة بعدها ؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين ، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك . وهؤلاء أوجبوا الترتيب ، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة . وكذلك قال الشافعي ، فإنه لا يوجب الترتيب ، إنما يستحبه ، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه ، وقال : يلزمه أن يبدأ بالحاضرة ، ويأثم بتركه . وقالت طائفة : بل يبدأ بالفائتة ، ولا يسقط الترتيب بذلك ، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي . وهو رواية عن أحمد ، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر . وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى ، وذكر أن أحمد رجع عنها .
الحديث الثالث : قال : 542 - حدثنا محمد بن مقاتل : ثنا عبد الله : أبنا خالد بن عبد الرحمن : حدثني غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر . قد سبق هذا الحديث في باب : السجود على الثياب . وفيه : دليل على أن صلاة الظهر كانت تصلى في حال شدة حر الحصى الذي يسجد عليه . ويشهد لهذا المعنى : حديث خباب : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء ، فلم يشكنا ، وكله يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبرد بالظهر إبرادا يسيرا حتى تنكسر شدة الحر ، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها حتى يبرد الحصى . وقد روي بمثل هذا الإسناد الذي خرجه البخاري هاهنا عن بكر ، عن أنس ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصى في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه . ذكره البيهقي في كتاب المعرفة تعليقا . والمعروف في هذا حديث جابر ، قال : كنت أصلي الظهر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي ، أضعها لجبهتي ، أسجد عليها ؛ لشدة الحر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم . وليس هذا مما ينهى عنه من مس الحصى في الصلاة ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - فإن ذلك المنهي عنه مسه عبثا ، وهذا لمصلحة المصلي . وقال مالك : يكره أن ينقل التراب والحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ليسجد عليه .
11 - باب وقت الظهر عند الزوال وقال جابر : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة . حديث جابر هذا خرجه في باب : وقت المغرب ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله . وقد سبق حديث أبي جحيفة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالبطحاء بالهاجرة . وقد ذكرنا - أيضا - حديث جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث زيد بن ثابت ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن [يصلي] صلاة أشد على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، فنزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وخرج الإمام أحمد والنسائي نحوه من حديث أسامة بن زيد ، أن رسول الله كان يصلي الظهر بالهجير ، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس في قائلتهم وتجارتهم ، فأنزل الله : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى والحديثان إسنادهما واحد ، مختلف فيه ، وفيه نظر .
الحديث الثاني : قال : 541 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا شعبة ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه ، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة ، ويصلي الظهر إذا زالت الشمس ، والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ، ثم يرجع والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل - ثم قال : إلى شطر الليل . وقال معاذ : قال شعبة : ثم لقيته مرة ، فقال : أو ثلث الليل . الكلام على هذا الحديث يأتي مفرقا في أبوابه ، حيث أعاد البخاري تخريجه فيها . والغرض منه هاهنا صلاة الظهر ، وأنه كان يصليها إذا زالت الشمس ، وهذا يدل على مداومته على ذلك ، أو على كثرته وتكراره ، وهذا هو الأغلب في استعمال : كان فلان يفعل . وإنما يقع ذلك لغير التكرار نادرا . وهذا لا ينافي ما قدمنا أنه يتأهب لها بعد دخول الوقت ، وبعد الأذان فيه ، وصلاة ركعتين أو أربع . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس ومعلوم أنه كان يخطب قبل صلاته خطبتين ، ثم يصلي ، وهذا كله لا يمنع أن يقال : كان يصلي الظهر أو الجمعة إذا زالت الشمس . وفي رواية لحديث أبي برزة - وقد خرجها البخاري فيما بعد - : كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى إذا دحضت الشمس . وفي هذه الرواية : أن لصلاة الظهر اسمين آخرين : أحدهما : الهجير ؛ لأنها تصلى بالهاجرة . والثاني : الأولى . وقيل : سميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت ، في أول ما فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء .
خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : قال : 540 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج حين زاغت الشمس ، فصلى الظهر ، فقام على المنبر ، فذكر الساعة ؛ فذكر أن فيها أمورا عظاما ، ثم قال : من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل ، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي ، فأكثر الناس في البكاء ، وأكثر أن يقول : سلوا ، فقام عبد الله بن حذافة السهمي ، فقال : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، ثم أكثر أن يقول : سلوني فبرك عمر على ركبتيه ، فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا . فسكت . ثم قال : عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، فلم أر كالخير والشر . زيغ الشمس : ميلها ، وهو عبارة عن زوالها . والحديث يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر في ذلك اليوم حين زالت الشمس من غير مهلة ، لكن هل كانت تلك عادته في صلاة الظهر ، أم عجلها ذلك اليوم لأمر حدث حتى يخبرهم به ، ولذلك خطبهم وذكر الساعة ؟ هذا محتمل ، والثاني أظهر ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخر صلاة الظهر في شدة الحر ، كما تقدم ، وأما في غير ذلك فكان يعجلها ، لكن هل كانت عادته أن يدخل في صلاة الظهر حين تزول الشمس في غير وقت شدة الحر دائما ؟ هذا فيه نظر ، بل الأظهر خلافه . وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي إذا زالت الشمس أربع ركعات ، ويقول : إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ، ويستجاب الدعاء . خرجه الترمذي وغيره . وقد كان يصلي قبل الظهر ركعتين ، وروي عنه أنه كان يصلي أربعا . وهذا كله يدل على أنه لم يكن يحرم الصلاة عقيب الزوال من غير مهلة بينهما . وقد ذكرنا في الباب الماضي حديث ابن مسعود في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة - يعني : قدر الظل . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه أمر بلالا أن يجعل بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الآكل من أكله ، والشارب من شربه ، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته . خرجه الترمذي من حديث جابر ، وقال : إسناده مجهول . وخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب . وخرجه الدارقطني وغيره من حديث علي . وروي - أيضا - من حديث أبي هريرة وسلمان . وأسانيده كلها ضعيفة . والصحيح عند أصحابنا : أنه يستحب أن تكون الصلاة بعد مضي قدر الطهارة وغيرها من شرائط الصلاة ، وكذلك هو الصحيح عند أصحاب الشافعي ، وقالوا : لا يضر الشغل الخفيف كأكل لقم وكلام قصير ، ولا يكلف خلاف العادة . ولهم وجه آخر : أنه لا يحصل فضيلة أول الوقت حتى يقدم ذلك كله قبل الوقت حتى تنطبق الصلاة على أول الوقت . قال بعضهم : وهذا غلط صريح مخالف للسنة المستفيضة ، وقد جعله مالك قول الخوارج وأهل الأهواء . وللشافعية وجه آخر : لا تفوت فضيلة أول نصف الوقت ، ولا يستحب عندهم أن ينتظر بها مصير الفيء مثل الشراك . وحكى الساجي ، عن الشافعي ، أنه يستحب ذلك ، وحكى عن غيره أنه لا يجوز فعلها قبل ذلك ؛ فإن جبريل عليه السلام صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول يوم الظهر والفيء مثل الشراك . وهذا ليس بشيء ، وهو مخالف للإجماع ، وقد حمل حديث جبريل على أن الشمس يومئذ زالت على قدر الشراك من الفيء . ونقل ابن القاسم ، عن مالك ، أنه كان يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا صلاة الظهر بعد الزوال حين يكون الفيء ذراعا ، صيفا وشتاء ، عملا بما رواه في الموطأ عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله بذلك . وقال سفيان الثوري : كان يستحب أن يمهل المؤذن بين أذانه وإقامته في الصيف مقدار أربعين آية ، وفي الشتاء على النصف منها ، ويمهل في العصر أربعين آية ، وفي الشتاء على النصف منها ، وفي المغرب إذا وجبت الشمس أذن ، ثم قعد قعدة ، ثم قام وأقام الصلاة . قال : ويمهل في العشاء الآخرة قدر ستين آية . وفي الفجر إذا طلع الفجر أذن ، ثم صلى ركعتين ، ثم سبح الله وذكره . وهذا يدل على استحبابه الإبراد بالعصر في الصيف . وحكي مثله عن أشهب من المالكية . وقد استحب كثير من السلف المشي إلى المساجد قبل الأذان ، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر ، والآثار في فضل المبادرة بالخروج إلى المساجد كثيرة . وبقية الحديث ، قد سبق الكلام عليه ، بعضه في كتاب العلم ، وبعضه في الصلاة على التنور والنار . وعرض الحائط - بضم العين - : جانبه .
35 - باب الأذان بعد ذهاب الوقت ذكر البخاري أربعة أبواب - هذا أولها - في قضاء الصلوات الفوائت ، وأول الأبواب : ذكر الأذان للصلاة الفائتة إذا قضاها بعد ذهاب وقتها . وقال : 595 - حدثنا عمران بن ميسرة : ثنا محمد بن فضيل : ثنا حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : سرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله . قال : ( أخاف أن تناوموا عن الصلاة ) . قال بلال : [إني] أوقظكم ، فاضطجعوا ، وأسند بلال ظهره إلى راحلته ، فغلبته عيناه ، فنام ، فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد طلع حاجب الشمس ، فقال : ( يا بلال ، أين ما قلت ؟ ) قال : ما ألقيت علي نومة مثلها قط . قال : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ، يا بلال ، قم فأذن بالناس بالصلاة ) ، فتوضأ ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . ( التعريس ) : النزول للنوم . وقيل : يختص بآخر الليل ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه . وفي الحديث : دليل على أن من نام قرب وقت الصلاة وخشي من أن يستغرق نومه الوقت حتى تفوته الصلاة ، فوكل من يوقظه ، أنه يجوز له أن ينام حينئذ ، وقد ذكرنا ذلك في ( باب : النوم قبل العشاء ) . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام قرب طلوع الفجر ينام على حالة لا يستثقل معها في نومه ، لتكون أقرب إلى استيقاظه . وقد روى الإمام أحمد حديث أبي قتادة هذا بسياق مطول ، وفيه : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه ، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى ، وأقام ساعده . وقد خرجه مسلم من طريق الإمام أحمد بدون هذه الزيادة . وظن جماعة ، أنها في سياق حديث مسلم ، فعزوها إليه ، ومنهم : الحميدي وأبو مسعود الدمشقي ، حتى إنه عزاها بانفرادها إلى مسلم ، ولعلهم وجدوها في بعض نسخ ( الصحيح ) . والله أعلم . وقوله : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ) يدل على أن النائم تقبض روحه . وهذا مطابق لقول الله عز وجل : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فدلت الآية على أن النوم وفاة ، ودل الحديث على أن النوم قبض ، ودلا على أن النفس المتوفاة هي الروح المقبوضة . وفي حديث أبي جحيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومهم عن الصلاة ، أنه قال لهم : ( إنكم كنتم أمواتا ، فرد الله إليكم أرواحكم ) . خرجه أبو يعلى الموصلي والأثرم وغيرهما . ويشهد لهذا : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند استيقاظه من منامه : ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ) . وفي حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن هذه الأرواح جارية في أجساد العباد ، فيقبضها إذا شاء ، ويرسلها إذا شاء ) . خرجه البزار . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما استيقظوا : ( أي بلال ) ، فقال بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله بنفسك . وفيه : دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس ؛ فإنه أقر بلالا على قوله : إن الله أخذ بأنفسهم ، مع قوله : ( إن الله قبض أرواحنا ) . وقد قيل : إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة ، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها فهي روح ، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس . وقد تسمى في الحالة الأولى نفسا - أيضا - إما مع قيد ، كقوله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ وقوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وإما مع الإطلاق ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يمينه : ( والذي نفسي بيده ) . وفي الآية والحديث : دليل على أن قبض الأرواح من الأبدان لا يشترط له مفارقتها للبدن بالكلية ، بل قد تقبض ويبقى لها به منه نوع اتصال كالنائم . ويستدل بذلك على أن اتصال الأرواح بالأجساد بعد الموت لإدراك البدن النعيم والعذاب ، أو للسؤال عند نزول القبر لا يسمى حياة تامة ، ولا مفارقتها للجسد بعد ذلك موتا تاما ، وإلا لكان الميت يحيى ويموت في البرزخ مرارا كثيرة . وهذا يرد قول من أنكر إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال والنعيم أو العذاب . وبسط القول في هذا يتسع ، وقد ذكر في موضع آخر . وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الله في قضائه عليهم بالنوم عن الصلاة : وفي حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الله عز وجل لو شاء ألا تناموا عنها لم تناموا ، [ولكن] أراد أن يكون لمن بعدكم ، فهذا لمن نام أو نسي ) . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه قال عقب روايته لهذا الحديث : ما يسرني به الدنيا وما فيها - يعني : للرخصة . وفي إسناده مقال . وقد روي عن مسروق مرسلا ، وأن هذا الكلام في آخره من قول مسروق ، وهو أصح - : قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . ويشبه هذا الحديث : [ما] ذكره مالك في ( الموطأ ) ، أنه بلغه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنما أنسى لأسن ) . وقد قيل : إن هذا لم يعرف له إسناد بالكلية . ولكن في ( تاريخ المفضل بن غسان الغلابي ) : حدثنا سعيد بن عامر ، قال : سمعت عبد الله بن المبارك قال : قالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنسى - أو أسهو - لأسن ) . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا بلال ، قم فأذن للناس بالصلاة ) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها ، وهو مقصود البخاري بهذا . وقد خرج البخاري في ( أبواب التيمم ) حديث النوم عن الصلاة من حديث عمران بن حصين ، بسياق مطول ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : ( لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا ) ، فارتحلوا ، فسار غير بعيد ، ثم نزل فدعا بالوضوء ، فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، بسياق مطول ، وفيه : فكان أول من استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشمس في ظهره . قال : فقمنا فزعين ، ثم قال : ( اركبوا ) ، فركبنا ، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ، ثم دعا بميضأة ، فتوضأ وضوءا دون وضوء ، ثم أذن بلال بالصلاة ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم صلى الغداة ، فصنع كما كان يصنع كل يوم - وذكر بقية الحديث - وفي آخره - : أن عمران بن حصين صدق عبد الله بن رباح ، لما سمعه يحدث به عن أبي قتادة . وخرجه الإمام أحمد من حديث قتادة ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، وقال في حديثه : وأمر بلالا فأذن ، فصلى ركعتين ، ثم تحول من مكانه ، فأمره فأقام الصلاة ، فصلى صلاة الصبح . وخرج مسلم - أيضا - من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - فذكر هذه القصة ، وقال في آخر الحديث : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اقتادوا ) ، فاقتادوا رواحلهم شيئا ، ثم توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بهم الصبح . وقد اختلف على الزهري في وصله بذكر أبي هريرة ، وإرساله عن سعيد بن المسيب . وصحح أبو زرعة ومسلم وصله ، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله . وذكر الاختلاف في ذلك أبو داود ، وخرجه من طريق معمر موصولا ، وذكر في حديثه ، قال : فأمر بلالا فأذن ، وأقام وصلى . وذكر أبو داود : أن مالكا وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم لم يذكروا في حديثهم : الأذان . وخرجه مسلم من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صلى سجدتين ، وأقيمت الصلاة فصلى الغداة . وقد خرجه النسائي من حديث عطاء بن السائب ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر - فذكر الحديث ، وقال في آخره : فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى بالناس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود ذكر الأذان والإقامة وصلاة ركعتي الفجر بينهما في هذه القصة ، من حديث الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم والحسن ، لم يسمع من عمران عند الأكثرين . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - أيضا - كذلك من حديث عمرو بن أمية الضمري . ومن حديث ذي مخبر الحبشي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج الإمام أحمد ذكر الأذان والإقامة من حديث ابن مسعود - أيضا - في هذه القصة . وقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة وقضاها بعد وقتها : هل يشرع له أن يؤذن لها ويقيم ، أم يقيم ولا يؤذن ؟ وفي ذلك أقوال : أحدها : أنه يؤذن ويقيم ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وأبي ثور وداود . والثاني : يقيم ولا يؤذن ، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك ، والشافعي في قول له ، وحكي رواية عن أحمد . لأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات ، والإقامة للدخول في الصلاة وهو موجود . والثالث : إن أمل اجتماع الناس بالأذان ، وإلا فلا ، وهو قول للشافعي . لأن الأذان إنما يشرع لجمع الناس . والرابع : إن كانوا جماعة أذن وأقام ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فاته وحده أقام ولم يؤذن ، وهو قول إسحاق . والخامس : إن كان في سفر أذن وأقام ، وإن كان في حضر أجزأته الإقامة - : نقله حرب ، عن أحمد . ومأخذ الاختلاف بين العلماء : هل الأذان حق للوقت ، أو حق لإقامة الصلاة المفروضة ، أم حق للجماعة - وعلى هذا ؛ فهو يشرع للجماعة بكل حال - أم إذا كانوا متفرقين وكان الأذان يجمعهم ؟ وعلى رواية حرب عن أحمد ، فيكتفي بأذان أهل المصر عن الأذان للفائتة . قال أصحابنا والشافعية : ويشرع للفائتة رفع الصوت بالأذان ، إلا أن يكون في مصر ويخشى التلبيس على الناس ، فيسر به ، وإنما كان أذان بلال في فلاة ، ولم يكن معهم غيرهم . وقوله في حديث أبي قتادة الذي خرجه البخاري : ( فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس ) - إلى قوله - : ( فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى ) . وهذا قد يوهم أنه أخر الصلاة قصدا حتى زال وقت النهي . وقد خرجه البخاري في آخر ( صحيحه ) بلفظ آخر ، وهو : ( فقضوا حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت ، فقام فصلى ) . وهذا يشعر بأنه لم يكن التأخير قصدا ، بل وقع اتفاقا حتى كمل الناس قضاء حوائجهم - وهو كناية عن التخلي - ووضوئهم . وفي رواية مسلم لحديث أبي قتادة ، أنه - صلى الله عليه وسلم - سار حتى ارتفعت الشمس ، ثم نزل فصلى . وخرج النسائي من حديث حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : أدلج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عرس ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس - أو بعضها - فلم يصل حتى ارتفعت الشمس ، فصلى ، وهي صلاة الوسطى . حبيب هذا ، خرج له مسلم . وقال أحمد : لا أعلم به بأسا . وقال يحيى القطان : لم يكن في الحديث بذاك . وقد اختلف الناس في قضاء الفوائت في أوقات النهي عن الصلاة الضيقة والمتسعة : فقالت طائفة : لا يقضي الصلاة في وقت نهي ضيق خاصة ، وهو وقت الطلوع والغروب والاستواء . هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان الثوري . وتعلقوا بظاهر حديث أبي قتادة وابن عباس . ولذلك قالوا : إن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته ، كما سبق كذلك . وروي عن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي بكرة ما يدل على مثل ذلك . وحكي عن بعض المتأخرين من أصحابنا ، ورواية عن أحمد ، أنه لا يقضي الفائتة في وقت نهي . وهذا لا يصح عن أحمد . وجمهور العلماء : على أن الفوائت تقضى في كل وقت ، سواء كان وقت نهي أو غيره . وروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأبي ذر . وهو مذهب النخعي والثوري والأوزاعي والثوري في رواية ، ومالك والشافعي وأحمد . وكل هؤلاء رأوا أن النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة إنما توجه إلى النفل دون الفرض ، بدليل أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس أن يصلي معها أخرى ، وقد تمت صلاته ، وقد سبق ذكره . واستدلوا - أيضا - بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أدركها ) . وهذا يعم كل وقت ذكر فيه ، سواء كان في أوقات النهي أو غيرها . فإن قيل : فقد عارض ذلك عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي ، فإنه لم يخص مفروضة من نافلة . قيل : نحمله على النافلة ونخص الفرض من عمومه ؛ بدليل فرض الوقت ؛ فإنه يجوز فعله في وقت النهي ، كما يصلى العصر في وقت غروب الشمس ، وهذا مجمع عليه ، وليس فيه خلاف ، إلا عن سمرة ، وبدليل لمن طلعت عليه الشمس وهو يصلي الفجر أن يتمها ؛ ولأن العمومين إذا تعارضا وكان أحدهما موجبا ملزما ، والآخر مانعا حاظرا ، فإنه يقدم الواجب الملزم ، فإنه أحوط . ويدل عليه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي ، فلم يجبه حتى سلم أنكر عليه تأخره للإجابة ، وقال له : ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ وهذا يدل على أن عموم النص الموجب الملزم مقدم على عموم النص الحاظر المانع ، وهو النهي عن الكلام في الصلاة . وهذا بخلاف النصوص العامة المبيحة ، أو النادبة ، فإنها لا تقدم على المانعة الحاظرة ؛ ولهذا كان المرجح أنه لا يصلي في أوقات النهي . فأما صلاة الركعتين والإمام يخطب ، كما دلت عليه السنة ، فإنه لم يعارض نص الأمر للداخل إلى المسجد بالصلاة نص آخر يمنع الصلاة والإمام يخطب . وفي حديث أبي قتادة الذي خرجه مسلم ، أنه صنع كما يصنع كل يوم . وهذا يدل على أنه صلى الصبح كما كان يصليها كل يوم من غير زيادة ولا نقص . وفي حديث ذي مخبر الحبشي ، أنه قال : فصلى غير عجل . وهذا يرد الحديث المروي عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الصبح ذلك اليوم ، فقرأ بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم قال : ( صليت بكم بثلث القرآن ، وربع القرآن ) ، وقال : ( إذا نسيت صلاة الفجر إلى صلاة العشاء فذكرتها ، [فابدأ] ، فإنها كفارتها ) . خرجه ابن عدي من رواية جعفر بن أبي جعفر الأشجعي ، عن أبيه ، عن أبن عمر . وجعفر هذا ، قال البخاري فيه : منكر الحديث . وروى أبو داود في ( المراسيل ) : ثنا يوسف بن موسى : ثنا جرير ، عن علي بن عمرو الثقفي ، قال : لما نام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الغداة استيقظ ، فقال : ( لنغيظن الشيطان كما أغاظنا ) ، فقرأ يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر . وهذا غريب جدا . وظاهر الأحاديث يدل على أنه جهر في صلاته تلك بالقراءة ؛ فإنه صلى كما كان يصلي كل يوم ، وقد تقدم في كثير من الروايات أنه صلى ركعتي الفجر ، ولم يذكر ذلك في بعض الروايات . وقد اختلف العلماء في قضاء ركعتي الفجر لمن نام عنها حتى تطلع الشمس : فذهب الأكثرون إلى أنها تقضى قبل الصلاة المفروضة ، منهم : أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود ، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك . وسئل أحمد : هل قال أحد : لا يصلي ركعتي الفجر ؟ قال : لا . وقال مالك : لا يركع ركعتي الفجر ، ويبدأ بالمفروضة . قال : ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعهما . ومالك إنما قال بحسب ما بلغه من الروايات في هذا الباب ، وقد صح عند غيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ركعهما . وقد روي في بعض طرق حديث أبي قتادة في هذا الباب زيادة أخرى ، وهي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوتر فقضاه . قال أبو بكر الأثرم : ثنا عبد الحميد بن أبان الواسطي : ثنا خالد بن عمرو ، عن شعبة ، عن ثابت البناني ، عن أنس - وعن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام ، فلم يستيقظ حتى ارتفعت الشمس ، ثم استيقظ فقام ، فأوتر ، فصلى الركعتين ، ثم صلى بأصحابه . وذكر : ( أنس ) في إسناده ليس بمحفوظ . وخالد بن عمرو ، هو : القرشي الأموي الكوفي ، ضعيف الحديث جدا . وذكر محمد بن يحيى الهمداني في ( صحيحه ) ، قال : روى قتيبة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ثابت ، عن بكر ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أيقظهم حر الشمس أمرهم أن يوتروا . كذا ذكره تعليقا ، ولم يسنده . وقد قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئا من التطوع ، إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر . وهذا يدل على أنه لم يثبت عنده قضاء الوتر ؛ ولهذا نص في رواية غير واحد من أصحابه على أنه تقضى السنن الرواتب دون الوتر . وروي عنه رواية أخرى ، أنه يقضي الوتر . وعلى قوله بقضاء الوتر ، فهل يقضى ركعة واحدة ، أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين عنه . مأخذهما : أن الوتر ، هل هو الثلاث ، أو الركعة الواحدة ، وما قبلها تطوع مطلق ؟ وفي الأمر بقضاء الوتر بعد طلوع الفجر أحاديث متعددة يطول ذكرها . وممن أمر بقضاء الوتر من النهار : علي وابن عمر ، وهو قول الأوزاعي ومالك وأبي ثور . وعن الأوزاعي ، قال : يقضيه نهارا ، ولا يقضيه ليلا بعد العشاء إذا دخل وقت وتر الليل ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة . وعن سعيد بن جبير ، قال : يقضيه في الليلة التالية . وقالت طائفة : من فاته الوتر وحده لم يقضه ، ومن فاته الوتر مع صلاة الفجر قضاه قبلها . وهذا قول إسحاق - : نقله عنه حرب . ويتخرج رواية عن أحمد مثله ؛ لأنه يرى الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الغداة . وهل هو قضاء ، أو أداء ؟ حكي عنه فيه روايتان . والقول بأنه أداء يحكى عن مالك وإسحاق ، وهو قول كثير من السلف ؛ فإنه قد روي في وقت الوتر أنه من بعد صلاة الصبح ، فمن لم يصل الصبح فوقت الوتر باق في حقه ، ولو طلع الفجر فكذا إذا لم يصل الغداة حتى تطلع الشمس . وروي من حديث ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يومئذ وصلى بعدها الضحى . خرجه الهيثم بن كليب في ( مسنده ) . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدما صلى بهم : ( ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها ) . ومن حديث خالد بن سمير ، [عن عبد الله بن أبي قتادة ] ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها ) . وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب ، وأن من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها ، وصلاها لمثلها من الغد . وأنكر ذلك عمران بن حصين ، وأخذ بقوله جمهور العلماء . وقد قيل : إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم - : قاله البخاري والبيهقي وغيرهما . وقيل : معنى قوله : ( فليصلها من الغد عند وقتها ) ، أنه يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها لئلا يظن أن وقتها تغير بصلاتها في غير وقتها . ولكن [ ] خالد بن سمير فهم منه غير هذا ، فرواه بما فهمه . وروى الحسن ، عن عمران بن حصين ، أنهم قالوا : يا رسول الله ، ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ قال : ( أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم ؟ ) . خرجه الإمام أحمد . وأما ما روي من ارتحال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكان نومه ، وأمره بالارتحال ، فقد روي التعليل بذلك بأنه منزل حضرهم فيه الشيطان . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( ليأخذ كل رجل برأس راحلته ؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ) قال : ففعلنا . وخرج أبو داود من رواية معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) . وقد استحب الانتقال لمن نام في موضع حتى فاته الوقت عن موضعه ذلك جماعة من العلماء ، منهم : الشافعي وأحمد ؛ لهذه الأحاديث . وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم أوجبوا ذلك ، وعن قوم أنهم أوجبوه في ذلك الوادي الذي نام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة . وقال قوم : لا يستحب ذلك ؛ لأنه لا يطلع على حضور الشيطان في مكان إلا بوحي . وهذا قول محمد بن مسلمة ومطرف ، وابن الماجشون من المالكية ، وأبي بكر الأثرم . وهو ضعيف ؛ فإن كل نوم استغرق وقت الصلاة حتى فات به الوقت فهو من الشيطان ؛ فإنه هو الذي ينوم عن قيام الليل ، ويقول للنائم : ارقد ، عليك نوم طويل ، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم وقال في الذي نام حتى أصبح : ( بال الشيطان في أذنه ) . وأماكن الشياطين ينبغي تجنب الصلاة فيها ، كالحمام والحش وأعطان الإبل . وأيضا ؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) يدل على أن كل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه ، سواء كان بنوم أو غيره . والله أعلم . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وركع ركعتين في معرسه ، ثم سار ساعة ، ثم صلى الصبح . قال ابن جريج : قلت لعطاء : أي سفر هو ؟ قال : لا أدري . وهذا المرسل مما يستدل به على صحة الصلاة في موضع النوم ، وأن التباعد عنه على طريق الندب . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، وقال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعدما جاوز الوادي ، ثم أمر بلالا فأذن وأقام ، ثم صلى الفريضة . وروي ، عن عطاء بن يسار ، أنها كانت في غزوة تبوك ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا فأذن في مضجعه ذلك ، ثم مشوا قليلا ، ثم أقام فصلوا . وكذا قال يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة : أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بتبوك أمر بلالا أن يحرسهم لصلاة الصبح ، فرقدوا حتى طلعت الشمس ، فتنحى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكانه ذلك ، ثم صلى الصبح . وضعف ابن عبد البر هذا القول ؛ فإن في ( صحيح مسلم ) من حديث ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من غزوة خيبر ، سار ليلا حتى أدركه الكرى عرس - وذكر الحديث بطوله . كذا في رواية مسلم . وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) بلفظين : هذا أحدهما . والآخر : فيه غزوة حنين . ثم قال : إن صح ذكر ( خيبر ) في الخبر ، فقد سمعه أبو هريرة عن صحابي آخر فأرسله ، وإن كان ( حنين ) ، فقد شهدها أبو هريرة . قال : والنفس إلى أنها حنين أميل . قلت : الصحيح : أن أبا هريرة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد فتحها . وقد خرج البخاري ذلك في ( صحيحه ) في ( المغازي ) من حديث أبي هريرة . وخرجه الإمام أحمد بإسناد آخر عن أبي هريرة . وفي ( الصحيحين ) عن سالم مولى ابن مطيع ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة - الحديث . ومن زعم : أن ذكر خيبر وهم ، وإنما هو حنين فقد وهم ، وسيأتي بسط ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى . وفي ( المسند ) و ( سنن أبي داود ) ، عن ابن مسعود ، قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ( يكلؤنا ؟ ) فقال بلال : أنا - فذكر الحديث بطوله في نومهم وصلاتهم . وعن ذي مخبر الحبشي ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة . وهذا يدل على أنها ليلة أخرى غير ليلة بلال . وفي ( مسند البزار ) ، عن أنس ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة ، ولكن إسناده ضعيف . وروي من حديث ابن مسعود ، أنه قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال القوم : عرس بنا . فقال : ( من يوقظنا ؟ ) قلت : أنا أحرسكم فأوقظكم ، فنمت وناموا - وذكر الحديث . والله سبحانه وتعالى أعلم .
34 - باب التبكير بالصلاة في يوم غيم 594 - حدثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى - هو : ابن أبي كثير - عن أبي قلابة ، أن أبا المليح حدثه ، قال : كنا مع بريدة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بالصلاة ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) . قد سبق هذا الحديث في ( باب : ترك صلاة العصر ) ، وذكرنا فيه : مناقشة الإسماعيلي للبخاري في تبويبه عليه : ( التبكير بالصلاة في يوم غيم ) ، وحكم التبكير في الغيم بما فيه كفاية .
33 - باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها وقال كريب ، عن أم سلمة : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر ركعتين ، وقال : ( شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر ) . هذا الحديث أسنده في أواخر ( كتاب الصلاة ) في ( الإشارة باليد في الصلاة ) ، وفي ( المغازي ) في ( باب : وفد عبد القيس ) من طريق عمرو بن الحارث ، عن بكير ، أن كريبا مولى ابن عباس حدثه ، أن ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوا إلى عائشة ، فقالوا : اقْرَأ عليها السلام منا جميعا ، وسلها عن الركعتين بعد العصر ؛ فإنا أخبرنا أنك تصليها ، وقد بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها . قال ابن عباس : وكنت أضرب مع عمر الناس عنهما . قال كريب : فدخلت عليها ، وبلغتها ما أرسلوني ، [فقالت : سل أم سلمة ، فأخبرتهم ، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني إلى عائشة ] ، فقالت أم سلمة : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عنهما ، وإنه صلى العصر ثم دخل علي ، وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار ، فصلاهما ، فأرسلت إليه الخادم ، فقلت : قومي إلى جنبه ، فقولي : تقول أم سلمة : يا رسول الله ، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين ؟ فأراك تصليها ، فإن أشار بيده فاستأخري ، ففعلت الخادم ، فأشار بيده فاستأخرت عنه ، فلما انصرف قال : ( يا بنت أبي أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم ، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان ) . وخرجه مسلم - أيضا . قال الدارقطني في ( العلل ) : هو أثبت هذه الأحاديث وأصحها . يشير إلى الأحاديث التي فيها ذكر عائشة وأم سلمة . وقد روي عن أم سلمة من وجه آخر ، أنها لم تر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها غير تلك المرة . خرجه الإمام أحمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر قط إلا مرة ، جاءه ناس بعد الظهر ، فشغلوه في شيء ، فلم يصل بعد الظهر شيئا حتى صلى العصر . قالت : فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى ركعتين . وخرجه النسائي - بمعناه . وهذا - أيضا - إسناد صحيح . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) من رواية ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، قال : قدم معاوية المدينة ، فأرسل إلى عائشة . فسألها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد العصر ؟ فقالت : ما أدري ، سلوا أم سلمة ، فسألوا أم سلمة - فذكرت الحديث . وهذه الرواية تدل على أن عائشة لم يكن عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء . ورواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي لبيد ، به ، وفي حديثه : أن عائشة قالت : لا علم لي ، ولكن اذهب إلى أم سلمة . وكذا رواه الشافعي - أيضا - عن سفيان . وخرجه النسائي - أيضا - من حديث أبي مجلز ، عن أم سلمة ، وفيه : قالت : فركعهما حتى غابت الشمس ، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد . وقد سبق بتمامه . وهذا يدل على أنه صلاهما بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب ، وحينئذ فلا يبقى إشكال في ذلك . وخرج الإمام أحمد من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أنه كان عند مروان ، فأرسل إلى عائشة : ما ركعتان يذكرهما ابن الزبير عنك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما بعد العصر ؟ فأرسلت إليه : أخبرتني أم سلمة ، فأرسل إلى أم سلمة ، فقالت : يغفر الله لعائشة ، لقد وضعت أمري على غير موضعه ، ثم ذكرت قصة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما ، وقالت أم سلمة : وما رأيته صلاهما قبلها ولا بعدها . وقد روي عن أم [سلمة ] ، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : ( لا ) . وسيأتي فيما بعد ، إن شاء الله تعالى . وقد روي عن أم سلمة ما يخالف هذا ، إلا أن إسناده لا يصح : من رواية محمد بن حميد الرازي ، عن هارون بن المغيرة ، عن ابن سعيد ، عن عمار الدهني ، عن عبد الملك بن عبيدة بن ربيعة ، عن جدته أم سلمة ، أنها أمرت بالركعتين بعد العصر ، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصليهما إذا صلى مع الناس وهو جالس ، مخافة شهرتها ، وإذا صلاها في بيته صلاها قائما . قال محمد بن حميد : كتب عني أحمد بن حنبل هذا الحديث . محمد بن حميد ، كثير المناكير ، وقد اتهم بالكذب ، فلا يلتفت إلى تفرده بما يخالف الثقات .
الوجه الثالث : قال : 592 - حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا عبد الواحد : ثنا الشيباني : ثنا عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ركعتان لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعهما سرا ولا علانية : ركعتان قبل صلاة الصبح ، وركعتان بعد العصر . وخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر ، عن الشيباني ، به ، ولفظه : قالت : صلاتان ما تركهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي قط سرا ولا علانية : ركعتين قبل الفجر ، وركعتين بعد العصر . وذكر البيت مع قولها : ( سرا وعلانية ) فيه إشكال ؛ فإن لم يكن ذكر البيت محفوظا كان المعنى : أنه لم يكن يتركهما في المسجد وفي البيت ، وهذا يخالف حديث أنس عنها .
الوجه الرابع : قال : 593 - حدثنا محمد بن عرعرة : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : رأيت الأسود ومسروقا شهدا على عائشة ، قالت : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين . وخرجه مسلم من طريق غندر ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق - وهو : السبيعي ، به بمعناه . وخرجه البخاري في موضع آخر من حديث ابن الزبير ، عن عائشة . وخرجه مسلم من طريق آخر ، من رواية محمد بن أبي حرملة : أخبرني أبو سلمة ، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما بعد العصر ؟ فقالت : كان يصليهما قبل العصر ، ثم إنه شغل عنهما - أو نسيهما - فصلاهما بعد العصر ، ثم أثبتهما ، وكان إذا صلى صلاة أثبتها . قال إسماعيل : تعني : داوم عليها . وخرجه من وجه آخر ، من طريق طاوس ، عن عائشة ، قالت : لم يدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر . فقالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك ) . ففي هذه الرواية : إشارة من عائشة إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي في وقت نهى عن الصلاة فيه ؛ لأنه إنما نهى عن تحري الطلوع والغروب ، وكان يصلي قبل ذلك . وعلى هذا ؛ فلا إشكال في جواز المداومة عليها لمحبته المداومة على أعماله ، كما في الرواية التي قبلها ؛ لأن ذلك الوقت ليس بوقت نهي عن الصلاة بالكلية . وقد روي عن عائشة ، أنه لم يداوم عليها . خرجه الطبراني من رواية كامل أبي العلاء ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن عائشة ، قالت : فاتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان قبل العصر ، فلما انصرف صلاهما ، ثم لم يصلهما بعد . وروى بقي بن مخلد في ( مسنده ) : حدثنا محمد بن مصفى : ثنا بقية : حدثني محمد بن زياد : سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول : سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركعهما قبل الهاجرة ، فنهى عنهما ، فركعهما بعد العصر ، فلم يركعهما قبلها ولا بعدها . وهذا إسناد جيد . وخرجه الإمام أحمد عن غندر : حدثنا شعبة ، عن يزيد بن خمير ، قال : سمعت عبد الله بن [أبي] موسى ، قال : دخلت على عائشة ، فسألتها عن الوصال في الصوم ، وسألتها عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا على الصدقة ، فجاءته عند الظهر ، فصلى الظهر ، وشغل في قسمته حتى صلى العصر ، ثم صلاها ، وقالت : عليكم بقيام الليل ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه . قال أحمد : يزيد بن خمير صالح الحديث . قال : وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ ، أخطأ فيه شعبة ، هو : عبد الله بن أبي قيس . انتهى . والأمر كما قاله . وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة من وجه آخر ، وهو شامي حمصي ، خرج له مسلم . وإنما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنهما ويفعلهما ، وحديث عائشة هذا يدل على أنه إنما فعلهما في هذه المرة ؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما ، وإنما عدلت إلى أمره بقيام الليل ، مع أنه [لم] يسأل عنه ، وأخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه ، وهذا يشعر بأن الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك . وخرج الإمام أحمد - أيضا - من رواية معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد الظهر ، فشغل عنهما حتى صلى العصر ، فلما فرغ ركعهما في بيتي ، فما تركهما حتى مات . قال عبد الله بن أبي قيس : فسألت أبا هريرة عنه ؟ فقال : قد كنا نفعله ، ثم تركناه . فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خمير ، وقولهما أولى . وقد روي عن عائشة ، أنها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك ، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني - وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن عائشة قالت : أخبرتني أم سلمة ، وحديث أبي سلمة ، عن عائشة وأم سلمة . وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : دخلت أنا وابن عباس على معاوية ، فذكر الركعتين بعد العصر ، فجاء ابن الزبير ، فقال : حدثتني عائشة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى عائشة ، فقالت : ذاك ما أخبرته أم سلمة ، فدخلنا على أم سلمة ، فأخبرناها ما قالت عائشة ، فقالت : يرحمها الله ، أو لم أخبرها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنهما ؟ وفي رواية بهذا الإسناد : أن عائشة قالت : لم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن حدثتني أم سلمة ، فسألناها ، فذكرت القصة ، ثم قالت : ولقد حدثتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهما . ورواه حنظلة السدوسي ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : صلى بنا معاوية العصر ، فأرسل إلى ميمونة رجلا ، ثم أتبعه رجلا آخر ، فقالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهز بعثا ، ولم يكن عنده ظهر ، فجاءه ظهر من ظهر الصدقة ، فجعل يقسمه بينهم ، فحبسوه حتى أرهق العصر ، وكان يصلي قبل العصر ركعتين ، أو ما شاء الله ، فصلى العصر ثم رجع ، فصلى ما كان يصلي قبلها ، وكان إذا صلى صلاة ، أو فعل شيئا يحب أن يداوم عليه . خرجه الإمام أحمد . وفي رواية له بهذا الإسناد : أن معاوية أرسل إلى عائشة ، فأجابته بذلك . وكلاهما وهم . والله أعلم . ورواية يزيد بن أبي زياد له ، عن عبد الله بن الحارث ، عن [أم] سلمة أصح . وحنظلة هذا ، قال الإمام أحمد : منكر الحديث . وضعفه ابن معين والنسائي . وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي بعد العصر شيئا . ففي ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تطوعه ؟ فقالت : كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، وكان يصلي بالناس المغرب ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، ويصلي بالناس العشاء ، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ، وكان يصلي بالليل تسع ركعات فيهن الوتر ، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين . فهذا يدل على أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئا في بيتها ؛ لأنه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء . وقد خرجه الإمام أحمد ، وزاد فيه : ( وركعتين قبل العصر ) . ولم يذكر بعدها شيئا . وروى سعد بن أوس : حدثني مصدع أبو يحيى ، قال : حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا اتبعها ركعتين ، غير الغداة وصلاة العصر ؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما . خرجه بقي بن مخلد . فقد تبين بهذا كله أن حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب ، وقد رده بذلك جماعة ، منهم : الترمذي والأثرم وغيرهما . ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه . وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث ، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك : المسلك الأول : أن حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها ، إذا فات شيء منه فإنه يجوز قضاؤه بعد العصر . وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس ، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم . ورجح أكثرهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على ذلك ، كما في حديث أم سلمة ، وقد تبين أن عائشة رجعت إليها في ذلك . وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه ، ويقضي ما فاته منها ، كما روي عنه أنه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان - حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي ؛ فلما صلى يوما ركعتين بعد العصر قضاء لما فاته من النوافل كان ذلك سببا مجوزا لمداومته على مثل ذلك . وفي هذا نظر ؛ فإنه لما فاته صلاة الصبح بالنوم ، وقضاها نهارا لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم ، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق . واختلف الشافعية فيمن قضى شيئا من التطور في وقت النهي : هل له المداومة ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : أنه لا يجوز المداومة . ورجح الأكثرون : أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على هذه الصلاة . كما روى ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، قال : سمعت قبيصة بن ذؤيب ، أن عائشة أخبرت آل الزبير ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها ركعتين بعد العصر ، فكانوا يصلونها . قال قبيصة : فقال زيد بن ثابت : يغفر الله لعائشة ، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة ، إنما كان كذلك لأن أناسا من الأعراب أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهجير ، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر ، ولم يصل ركعتين ، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر ، فانصرف إلى بيته ، فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئا ، فصلاهما بعد العصر ، يغفر الله لعائشة ، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر . وروى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إنما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر ؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر ، فصلاهما بعد العصر ، ثم لم يعد لهما . خرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن ، وابن حبان في ( صحيحه ) . والمسلك الثاني : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصا بإباحة الصلاة بعد العصر ، أو في أوقات النهي مطلقا ، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة ، ومن الشافعية وغيرهم . وروى إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : أخبرتني عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي ، قال : فأتيت عائشة ، فسألتها ، فقالت : صدق ، فقلت لها : فأشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ) ، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما أمر ، ونحن نفعل ما أمرنا . أبو هارون ، ضعيف الحديث . ولهذا المعنى قال طائفة من العلماء : إنه إذا تعارض نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله أخذنا بنهيه ؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصا به ، كما في نهيه عن نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم ، إن ثبت ذلك ، وكما كان يواصل في صيامه ، ونهى عن الوصال . ويعضد هذا : ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل : أنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : ( لا ) . فروى حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن ذكوان ، عن أم سلمة ، قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر ، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين ، فقلت : يا رسول الله ، صليت صلاة لم تكن تصليها ؟ فقال : ( قدم علي مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر ، فصليتهما الآن ) . فقلت : يا رسول الله ، أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال ( لا ) . خرجه الإمام أحمد وابن حبان في ( صحيحه ) . وإسناده جيد . قال الدارقطني : وروي عن ذكوان ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وعن ذكوان ، عن عائشة ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد ضعفه البيهقي بغير حجة في ( كتاب المعرفة ) . وخرجه في ( كتاب السنن ) من رواية ذكوان ، عن عائشة ، قالت : حدثتني أم سلمة - فذكرت الحديث . ورجح الأثرم والبيهقي : من رواه عن حماد ، عن الأزرق ، عن ذكوان ، عن عائشة ، عن أم سلمة . وهذا مما يستدل به على أن عائشة إنما تلقت هذا الحديث عن أم سلمة . وخرج أبو داود من رواية ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان مولى عائشة ، أنها حدثته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر ، وينهى عنها . وهذا يدل على أن عائشة روت اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصلاة . وروي عنها من وجه آخر ، من رواية عبيدة بن معتب ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها بعد العصر فصلى ركعتين . فقلت : يا رسول الله ، أحدث الناس ؟ قال : لا ، إن بلالا عجل الإقامة فلم نصل الركعتين قبل العصر ، فأنا أقضيهما الآن . قلت : يا رسول الله ، أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا . قال الدارقطني في العلل : لا أعلم أتى بهذا اللفظ غير عبيدة بن معتب ، وهو ضعيف . قلت : رواية ذكوان تعضده وتشهد له . وقد روي عن أم سلمة من وجه آخر : خرجه ابن بطة في مصنف له في مسألة الصلاة أوقات النهي ، من حديث ابن فضيل ، عن أبيه : حدثنا ابن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم سلمة ، أنه سمعها ذكرت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركعتين ، بينهما ركعتين بعد العصر ، لم تره صلى قبلها ولا بعدها مثلها ، وأنه أعلمها أنها ركعتان كان يصليهما قبل العصر ، فصلاهما بعد العصر . قال : فقلت له : أفنصليهما إذا فاتتا ؟ قال : لا . المسلك الثالث : النسخ ، وأهل هذا المسلك فرقتان : منهم : من يدعي أن أحاديث النهي ناسخة للرخصة ؛ لأن النهي إنما يكون عن شيء تقدم فعله ، ولا يكون عن شيء لم يفعل بعد ، وهذا سلكه ابن بطة من أصحابنا وغيره ، وفيه بعد . ومنهم : من يدعي أن أحاديث الرخصة ناسخة للنهي ، وهذا محكي عن داود . وفي حديث أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر بعد نهيه عن ذلك [ ] . ومن الناس من يحكي عن داود أن النهي عن الصلاة في جميع الأوقات انتسخ بالصلاة بعد العصر . وهذا بعيد على أصول داود . ومنهم من حكى عنه أنه خص النسخ بالنهي عن الصلاة بعد العصر . وهذا أشبه ، وقد حكي مثله رواية عن أحمد . وأكثر العلماء على أنه ليس في ذلك ناسخ ولا منسوخ ، وهو الصحيح . وقد روى جماعة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئا . فروى أبو إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين ، إلا الفجر والعصر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه . وعاصم ، وثقه جماعة من الأئمة . وروى زهير بن محمد ، عن يزيد بن خصيفة ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : كنت أسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح قط . خرجه الإمام أحمد . وذكره الترمذي في ( علله ) ، وقال : سألت عنه محمدا - يعني : البخاري - فقال : لا أعرف ليزيد بن خصيفة سماعا من سلمة بن الأكوع . قال : ولم نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه . كذا قال . وقد خرجه من طريق سعيد بن أبي الربيع : حدثنا سعيد بن سلمة : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن ابن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه سلمة - فذكره - فأدخل بينهما : ( ابن سلمة ) ، لكنه لم يسمه . وقد خرج البخاري فيما سبق حديث معاوية ، أنه قال : إنكم لتصلون صلاة ، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها ، ولقد نهى عنها - يعني : الركعتين بعد العصر . وقد ذكرنا فيما سبق عن عائشة حديثا في هذا المعنى - أيضا - وأنها قالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا أتبعها ركعتين ، غير الغداة وصلاة العصر ؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما . يستأنس لدعوى النسخ : بقول أبي هريرة : قد كنا نفعله - يعني : الصلاة بعد العصر - ثم تركناه . خرجه الإمام أحمد من طريق معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، أنه سأل عائشة عن الركعتين بعد العصر - فذكر حديثها . قال عبد الله بن أبي قيس : وسألت أبا هريرة عنه ؟ فقال : قد كنا نفعله ، ثم تركناه . ويحتمل عندي : أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه آخر غير ما تقدم ، وهو : مسلك رابع : لم نجد أحدا سبق إليه ، وهو محتمل : فنقول : يمكن أن تكون عائشة - رضي الله عنها - لما بلغها عن عمر وغيره من الصحابة النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ظنت أنهم ينهون عن الصلاة بمجرد دخول وقت العصر ، كما قال ذلك كثير من العلماء أو أكثرهم في النهي عن الصلاة بعد الفجر ، أن النهي يدخل بطلوع الفجر كما سبق ذكره . وكانت عائشة عندها علم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها ، وكان عندها رواية عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر ، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر . فإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول : لا أدري ، وتحيل على أم سلمة ؛ لأن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر لم تره عائشة ، إنما أخبرتها به أم سلمة ، وإنما رأت عائشة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها ؛ وذلك بعد دخول وقت العصر وقبل صلاة العصر ، مع أنها كانت - أحيانا - تروي حديث أم سلمة وترسله ، ولا تسمي من حدثها به . وهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب ، إلا أنه يشكل عليه أحاديث : منها : رواية يحيى بن قيس : أخبرني عطاء : أخبرتني عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل عليها بعد صلاة العصر إلا صلى ركعتين . خرجه الإمام أحمد عن محمد بن بكر البرساني ، عن يحيى ، به . ورواه أحمد بن المقدام وغيره ، عن محمد بن بكر ، ولم يذكروا لفظة : ( صلاة ) . ولعل هذه اللفظة رواها محمد بن بكر بما فهمه من المعنى ، فكان تارة يذكرها ، وتارة لا يذكرها ، فإن المتبادر عند إطلاق الصلاة بعد العصر الصلاة بعد صلاة العصر ، لا بعد وقت العصر ، مع احتمال إرادة المعنى الثاني . وقد روي عن عائشة - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع ركعتين بعد الصبح . وقد خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ . والمراد : بعد وقت الصبح ، لا بعد صلاته ، بغير إشكال . ومنها : ما روى خلاد بن يحيى : ثنا عبد الواحد بن أيمن : حدثني أبي ، قال : دخلت على عائشة ، فسألتها عن ركعتين بعد العصر ؟ فقالت : والذي ذهب بنفسه ، ما تركهما حتى لقي الله . فقال : يا أم المؤمنين ، فإن عمر كان ينهى عنها ويشدد فيها ؟ قالت : صدقت ، كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس العصر ، فإذا فرغ دخل بيوت نسائه فصلاهما ؛ لئلا يروه فيجعلوها سنة ، وكان يحب ما خف على أمته . وهذا تصريح بأنه كان يصليهما بعد صلاة العصر . ويعضده - أيضا - : رواية الأسود ومسروق ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين . وقد خرجه البخاري فيما سبق . وقد روي - أيضا - بنحو هذا اللفظ ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر إلا صلى ركعتين عندي . وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل على عائشة بعد صلاة العصر ، كما في حديث هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من العصر ودخل على نسائه فيدنو من إحداهن - وذكرت قصة حفصة والعسل . وقد خرجه البخاري في ( النكاح ) . ويجاب عن ذلك كله : بأن رواية خلاد بن يحيى قد خالفه فيها أبو نعيم ، ولم يذكر ما ذكره خلاد . وقد خرج البخاري حديث أبي نعيم كما سبق دون حديث خلاد . وقد دل على أنه غير محفوظ : أن فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل بيوت نسائه فيصليها . وقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنها قالت : لم أره صلاها إلا يوما واحدا ، وذكرت سبب ذلك . وأما دخوله - صلى الله عليه وسلم - على نسائه بعد العصر ، فذاك كان يفعله دائما أو غالبا ، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها . يدل على ذلك : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ومسروق ، قالا : نشهد على عائشة أنها قالت : ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي - تعني : الركعتين بعد العصر . فتبين بهذا أنها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها ، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين ، ثم يخرج للصلاة ، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك . فدل هذا : على أن مرادها : أنه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر ، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر ، وكانت تظن أن هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر ، وإنما كان مراد عمر وغيره من الصحابة : النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر . ولاشتباه الأمر في هذا على كثير من الناس كان كثير من الرواة يروي حديث عائشة بالمعنى الذي يفهمه منه ، ولا يفرق بين وقت العصر وفعل العصر ، فوقع في ذلك اضطراب في ألفاظ الروايات . وقد ظهر بهذا أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر ، إلا يوم صلاهما في بيت أم سلمة ، وكانت عائشة ترويه عنها - أحيانا - كما في حديث ذكوان عنها ، وأحيانا ترسله ، كما في حديث أم سلمة عنها . وفي رواية ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، أن عائشة لما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك ، قالت : ( لا علم لي ) - تشير إلى أنها ليس عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء سمعته منه أو رأته يفعله - ( ولكن سلوا أم سلمة ) - تشير إلى أنها هي التي أخبرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها رأته يفعل ذلك . وفي رواية محمد بن أبي حرملة ، عن عائشة ، أنها حدثت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث أم سلمة ، فإن كان هذا محفوظا فقد أرسلت الحديثين عنها ، ويحتمل أن تكون أخبرت عما رأته ، وأن يكون مرادها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل وقت العصر - تعني : بعد الظهر - فشغل عنهما أو نسيهما ، ثم صلاهما بعد العصر - تعني : بعد وقت العصر ، قبل صلاة العصر ثم أثبتهما من حينئذ ، فداوم عليهما قبل صلاة العصر وبعد دخول وقت صلاة العصر . ورواية ابن أبي لبيد أشبه من رواية ابن أبي حرملة ، وكل منهما ثقة مخرج له في ( الصحيحين ) . وقال البيهقي في حديث ابن أبي لبيد : إنه حديث صحيح . وإنما رجح ابن عبد البر رواية ابن أبي حرملة على رواية ابن أبي لبيد لموافقته في الظاهر لما فهمه من سائر الرواة عن عائشة في الصلاة بعد العصر ، وقد بينا الفرق بينهما . فإن قيل : فقد فرقت عائشة بين ركعتي الفجر والعصر ، فقالت : ( لم يكن يدع ركعتين قبل الفجر ، وركعتين بعد العصر ) ، كما في حديث الأسود وغيره ، عنها كما سبق ، ولو أرادت الوقت دون الفعل لسوت بينهما ، وقالت : بعد الفجر وبعد العصر . فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : أنه روي عنها أنها قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع ركعتين بعد الصبح . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية ابن المنتشر ، عنها . فهذا كقولنا : لا يدع ركعتين بعد العصر سواء . والثاني : أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة ، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعا ، ولا نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلذلك كانت أحيانا تقول : كان يصلي قبل الفجر ، وأحيانا تقول : بعد الصبح ؛ لأن المعنى مفهوم . وأما الركعتان بعد العصر ، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة ، وكان كثير منهم يصليهما ، وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر ، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما ، ويعاقب عليهما ، وكانت عائشة تخالفه في ذلك ، وكانت تروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها بعد العصر ؛ لترد على من قال : لا يصلى بعد العصر . ولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم ؛ لأنهم إنما نهوا عن الصلاة بعد صلاة العصر ، وهي كان عندها علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر . ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر ، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر ، وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوِّي بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة . فتبين بهذا كله : أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر ، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها . فإن قيل : فقد سبق عن زيد بن خالد وتميم الداري ، أنهما رويا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [أنه] صلاهما . قيل : ليس إسناد واحد منهما مما يحتج به ؛ لأن حديث تميم منقطع الإسناد ، وحديث زيد بن خالد فيه مجهولان ، ولعل مرادهما : الصلاة بعد وقت العصر ، قبل صلاة العصر - أيضا . ولعل كثيرا ممن نقل عنه من الصحابة الصلاة بعد العصر أرادوا ذلك - أيضا ومع هذا فلا يقطع عليهم أنهم أرادوا الصلاة بعد صلاة العصر . وقد رويت الصلاة بعد العصر عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي دارس النصري : حدثنا أبو بكر بن أبي موسى ، عن أبيه ، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين ، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر في منزل عائشة . خرجه بقي بن مخلد . وخرجه الإمام أحمد مختصرا ، ولفظه : عن أبي موسى ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد العصر . وهذا - أيضا - يحتمل أنه رآه يصلي بعد دخول وقت العصر . وأبو دارس ، اسمه : إسماعيل بن دارس ، قال ابن المديني : هو مجهول لا أعرفه . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال مرة : ما به بأس إنما روى حديثا واحدا . وقال أبو حاتم : ليس بالمعروف . ويقال فيه - أيضا - : أبو دراس ، وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم ، وهو واحد . وله طريق آخر من رواية يحيى بن عاصم صاحب أبي عاصم : حدثنا محمد بن حمران بن عبد الله : حدثني شعيب بن سالم ، عن جعفر بن أبي موسى ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر ركعتين ، وكان أبو موسى يصليهما . خرجه الطبراني في ( الأوسط ) . وهذا الإسناد مجهول لا يعرف . وروى محمد بن عبيد الله الكوفي ، عن [ أبي] إسحاق ، عن البراء ، قال : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة غزوة ، فما رأيته تاركا ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعد العصر . غريب منكر ، والكوفي ، لعله : العرزمي ، وهو متروك ، وإلا فهو مجهول . فهذه أحاديث الصلاة بعد العصر وما فيها . ويمكن أن نسلك في حديث عائشة مسلكا آخر ، وهو : أن صلاة الركعتين للداخل إلى منزله حسن مندوب إليه ، وقد ورد في فضله أحاديث في أسانيدها نظر . فخرج البزار في الأمر به ، وأنه يمنع مدخل السوء - حديثا عن أبي هريرة مرفوعا ، في إسناده ضعف . وروى الأوزاعي ، عن عثمان بن أبي سودة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( صلاة الأوابين - أو قال : صلاة الأبرار - ركعتان إذا دخلت بيتك ، وركعتان إذا خرجت منه ) . وهذا مرسل . ويروى عن هشام بن عروة ، عن عائشة ، قالت : ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي قط إلا صلى ركعتين . قال أبو بكر الأثرم : هو خطأ . كأنه يشير إلى أنه مختصر من حديث الصلاة بعد العصر . وممن روي عنه أنه كان يصلي إذا دخل بيته وإذا خرج منه : عبد الله بن رواحة ، وثابت البناني . وإذا كانت هذه صلاة مستحبة فلا يبعد أن تلتحق بذوات الأسباب فيها ، كتحية المسجد ونحوها ، وفي هذا نظر . والله أعلم . ومقصود البخاري بهذا الباب : أنه يجوز قضاء الفوائت من النوافل الراتبة فيما بعد العصر ، كما يقوله الشافعي . وقد احتج الشافعي - أيضا - لذلك : بما روى سعد بن سعيد الأنصاري ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن قيس بن عمرو ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة الصبح ركعتان ) ، فقال : إني لم [أكن] صليت الركعتين اللتين قبلها ، فصليتهما الآن ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم . وقال الترمذي : إسناده ليس بمتصل ؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس . ورواه بعضهم عن سعد ، عن محمد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيسا . وذكر أبو داود أن يحيى بن سعيد وأخاه عبد ربه روياه - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيسا يصلي . وقيس جدهما - هو أخوهما . وقد روى الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبيه ، عن جده ، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي - فذكره . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والدارقطني والحاكم . وزعم أنه صحيح ، وليس كذلك . قال ابن أبي خيثمة : ذكر عن أبيه ، أنه قال : يقال : إن سعيدا لم يسمع من أبيه قيس شيئا . فهو - أيضا - مرسل . وقد ضعف أحمد هذا الحديث ، وقال : ليس بصحيح . وقد رواه عبد الملك بن أبي سليمان ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل . وذكر أبو داود والترمذي : أن ابن عيينة قال : سمع هذا الحديث عطاء من سعد بن سعيد . فعاد الحديث إلى حديث سعيد المتقدم . وقد رواه الضعفاء ، فأسندوه عن عطاء ، وإسناده ووصله وهم . فرواه أيوب بن سويد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن قيس . وأيوب ضعيف ، وهم في إسناده له عن قيس . ورواه سعيد بن راشد السماك ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وسعيد هذا ضعيف . ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ومحمد بن سليمان ، يقال له : البومة ، ضعيف . والصحيح عن عطاء : المرسل - : قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما . وممن ذهب إلى هذا الحديث ورخص في صلاة ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس : عطاء وطاوس وابن جريج ، والشافعي - فيما نقله عنه المزني . وهو رواية عن أحمد ، واختارها صاحب ( المغني ) ، وقصر الجواز على قضاء ركعتي الفجر بعدها ، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر ، وقضاء الوتر بعد طلوع الفجر ، لورود النص بذلك . وقد نص أحمد في رواية ابن منصور على جواز قضاء السنن الفائتة بعد العصر ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم وفي رواية المروذي على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر . واختلفت الرواية عنه في قضاء سنة الفجر بعد الصلاة . والمشهور عند أكثر أصحابنا : أن الحكم يتعدى إلى قضاء جميع السنن والرواتب في جميع أوقات النهي ، وفعل جميع ذوات الأسباب فيها ، كصلاة الكسوف وتحية المسجد ، وحكوا في جواز ذلك كله روايتين عن أحمد في جميع أوقات النهي . ولو قيل : إن الخلاف مختص بالوقتين الطويلين دون الأوقات الثلاثة الضيقة لكان أقرب . ولا يعرف لأحمد نص بجواز شيء من ذلك في الأوقات الضيقة . هذا ، والتفريق هو قول إسحاق بن راهويه ، وهو متوجه . والمشهور عن أحمد : أن ذلك لا يفعل في أوقات النهي ، وأن سنة الفجر إنما تقضى بعد طلوع الشمس . حتى نقل عبد الله بن أحمد ، أنه سأل أباه ، فقال له : حكي عنك أنك تقول : يصليهما إذا فرغ من الصلاة ؟ فقال : ما قلت هذا قط . ولابن بطة في ذلك مصنف مفرد في منع ذلك ، وهو اختيار الخرقي وأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى . وحكي جوازه عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، ورجحه طائفة من المتأخرين منهم . وقال ابن أبي موسى : الأظهر عنه أنه لا يفعل شيئا من ذلك في وقت النهي ، لكنه استثنى من ذلك قضاء قيام الليل والوتر بعد طلوع الفجر . وروى نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا فاتته ركعتا الفجر قضاهما من الضحى . وروى عنه عطية ، أنه قضاها بعد الصلاة . ورواية نافع أصح عند أحمد وغيره . وممن قال : يقضيها بعد طلوع الشمس : القاسم بن محمد والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور ، ونقله البويطي عن الشافعي . وروى عمرو بن عاصم ، عن همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس ) . خرجه الترمذي وابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم . وقال : صحيح على شرطهما . وروى مروان بن معاوية ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس . قال أبو حاتم الرازي : هذا اللفظ اختصره من حديث نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الفجر ، وأنه استيقظ بعد أن طلعت الشمس ، فصلى ركعتي الفجر ، ثم صلى الفجر ، فقد قضى السنة والفريضة معها بعد طلوع الشمس . ويدل على ذلك : أن ابن ماجه خرج الحديث ، ولفظه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن ركعتي الفجر ، فقضاهما بعدما طلعت [الشمس ] . وخرج ابن بطة من رواية أبي عامر الخزاز ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : صليت الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقمت أصلي الركعتين ، فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقال : ( أتصلي الفجر أربعا ؟ ) . واستدل به على منع القضاء بعد الصلاة . وقد خرجه الإمام أحمد وابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم ، وعندهم : أنه قام ليصلي الركعتين بعد إقامة الصلاة . وهو الصحيح . ومما يدل على منع قضاء السنن بعد صلاة الفجر والعصر : أن هاتين الصلاتين يعقبهما وقت نهي عن الصلاة ، فلذلك لم تشرع بعدهما صلاة لهما كالظهر والمغرب والعشاء ، فإذا منع من الصلاة بعدهما في وقتهما لأجلهما ، ولم يكن لهما سنة راتبة بعدهما كذلك ، فلأن يمنع من صلاة سنة غيرهما بعدهما في وقت النهي مع فوات وقت الصلاة أولى وأحرى . وهذا بخلاف قضاء الفرائض في هذه الأوقات ، فإنه لما جاز فعل الفرض الحاضر فيهما ولو في وقت الكراهة جاز قضاء غيرهما من الفرائض - أيضا . فتبين بهذا : أن القضاء تابع للأداء ، فحيث جاز أداء الفرض جاز قضاؤه ، وحيث منع أداء النفل منع من قضائه ، بل القضاء أولى بالمنع من الأداء . ولهذا كان ما بعد طلوع الفجر إلى صلاة الوقت وقتا لأداء سنتها الراتبة ، وليس وقتا لقضاء شيء من النوافل كما عند كثير من العلماء . ومنهم من رخص في قضاء الوتر وقيام الليل فيه - كما سبق - إلحاقا للقضاء بالأداء .
ثم أسند حديث عائشة في هذا الباب من أربعة أوجه : الأول : قال : 590 - حدثنا أبو نعيم : ثنا عبد الواحد بن أيمن : حدثني أبي ، أنه سمع عائشة قالت : والذي ذهب به ، ما تركهما حتى لقي الله ، وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة ، وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا - تعني : الركعتين بعد العصر - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ، ولا يصليهما في المسجد ، مخافة أن يثقل على أمته ، وكان يحب ما يخفف عنهم . هذا انفرد به البخاري عن مسلم . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) : ( المستخرج على صحيح البخاري ) ، وزاد في روايته : فقال لها أيمن : وإن عمر كان ينهى عنها ، يضرب فيها ؟ قالت : صدقت ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها ، وكان لا يصليها في المسجد مخافة أن يشق على أمته ، وكان يخفف ما خفف عنهم . وهذا يشبه اعتذارها عن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الضحى ؛ فإنها قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسبح سبحة الضحى قط ، وإني لأسبحها ، وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم . خرجه مسلم . وخرج البخاري أوله .
الوجه الثاني : قال : 591 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا هشام : أخبرني أبي ، قال : قالت عائشة : ابن أختي ، ما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - السجدتين بعد العصر عندي قط . وخرجه مسلم من طريق جرير وابن نمير ، كلاهما عن هشام بن عروة ، به .
32 - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر رواه عمر ، وابن عمر ، وأبو سعيد ، وأبو هريرة . معنى هذا الباب أنه لا تكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر ، فلا تكره في وقت قيام الشمس في وسط النهار قبل الزوال . وقوله : رواه عمر وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة - يعني : أنهم رووا النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر ، سوى ابن عمر ؛ فإنه لم تصح عنه الرواية إلا في النهي عن الصلاة في وقت الطلوع والغروب خاصة . ومراده : أن أحدا منهم لم يرو النهي عن الصلاة في وقت آخر غير هذه الأوقات .
ثم قال : 589 - حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدا يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها . ووجه استدلاله بهذا على مراده : أن ابن عمر أخبر أنه لا ينهى أحدا يصلي في ساعة من ليل أو نهار ، غير أنه لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها ، وأنه يصلي كما رأى أصحابه يصلون ، وهذا يشعر بأنه رأى أصحابه ، وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ( يصلون في كل وقت من ليل أو نهار ، سوى وقت الطلوع والغروب . وهذا عجيب من ابن عمر - رضي الله عنه - ؛ فإنه يعلم أن أباه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر ويضرب على ذلك . وقد روي عن عمر من وجوه ، أنه نهى عن سجود التلاوة وصلاة الجنازة بعد الصبح قبل طلوع الشمس . وقد روي مثل قول ابن عمر مرفوعا : رويناه في كتاب ( وصايا العلماء ) لابن زبر من طريق مروان بن جعفر ، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب ، عن جعفر بن سعد ، عن خبيب بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ، عن سمرة ، قال : هذه وصية سمرة إلى بنيه ، فذكر فيها : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نصلي أي ساعة شئنا من الليل أو النهار ، غير أنه أمرنا أن نجتنب طلوع الشمس وغروبها ، وقال : ( إن الشيطان يغيب معها حين تغيب ، ويطلع معها حين تطلع ) . وهذه نسخة ، خرج منها أبو داود في ( سننه ) أحاديث . وخرجه البزار في ( مسنده ) عن خالد بن يوسف السمتي ، عن أبيه ، عن جعفر بن سعد . ويوسف بن خالد السمتي ، ضعيف جدا . وقد اختلف العلماء في وقت قيام الشمس في نصف النهار قبل زوالها : هل هو وقت نهي عن الصلاة ، أم لا ؟ فقالت طائفة : ليس هو وقت نهي ، كما أشار إليه البخاري ، وهو قول مالك ، وذكر أنه لا يعرف النهي عنه ، قال : وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار . وروي عنه ، أنه قال : لا أكرهه ولا أحبه . هذا مع أنه روى في ( الموطأ ) حديث الصنابحي في النهي عنه ، ولكنه تركه لما رآه من عمل أهل المدينة . وممن رخص في الصلاة فيه : الحسن ، وطاوس ، والأوزاعي في رواية عنه ، وهو ظاهر كلام الخرقي من أصحابنا . وقال آخرون : هو وقت نهي لا يصلي فيه ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والحسن بن حي ، وابن المبارك ، وأحمد ، وابن المنذر . وقال : ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه . ونهى عنه عمر بن الخطاب . وقال ابن مسعود : كنا ننهى عنه . وقال سعيد المقبري : أدركت الناس وهم يتقون ذلك . وقد خرج مسلم في ( صحيحه ) حديثين في النهي عن الصلاة في هذا الوقت : أحدهما : حديث أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ قال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ؛ فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) . والثاني : حديث موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه : سمعت عقبة بن عامر يقول : ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازعة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . وفي المعنى أحاديث أخر : منها : حديث الصنابحي ، وقد ذكرناه فيما تقدم . ومنها : حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه : ( ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ، ثم لا صلاة حتى تزول الشمس ) . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضا - من حديث ليث ، عن ابن سابط ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا عند طلوع الشمس ؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ، ويسجد لها كل كافر ، ولا نصف النهار ، فإنها عند سجر جهنم ) . وليث ، هو : ابن أبي سليم . وعبد الرحمن بن سابط ، لم يسمع من أبي أمامة - : قاله ابن معين وغيره . والصحيح : أن أبا أمامة إنما سمعه من عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم . وقد روي ، عن ليث ، عن ابن سابط ، عن أخي أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى ابن وهب ، أخبرني عياض بن عبد الله ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمن ساعات الليل والنهار ساعة تأمرني أن لا أصلي فيها ؟ - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : ( فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس ؛ فإنه حينئذ تسعر جهنم ، وشدة الحر من فيح جهنم . فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ) - وذكر الحديث . خرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) . وخرجه ابن ماجه وابن حبان في ( صحيحه ) من طريق ابن أبي فديك ، عن الضحاك بن عثمان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، أن صفوان بن المعطل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره بنحوه . وخرجه عبد الله بن الإمام أحمد والحاكم من رواية حميد بن الأسود ، عن الضحاك ، عن المقبري ، عن صفوان بن المعطل - لم يذكر في إسناده : أبا هريرة . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . ورواه الليث بن سعد ، عن سعيد المقبري ، عن عون بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود ، أن عمرو بن عبسة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . خرجه الهيثم بن كليب في ( مسنده ) . وهو منقطع ؛ عون لم يسمع من ابن مسعود . قال الدارقطني : قول الليث أصح - يعني : من قول الضحاك ويزيد بن عياض . قال : وروي عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن ابن المسيب ، عن عمرو بن عبسة ، وهو وهم على الليث ؛ إنما روى الليث في آخر الحديث ألفاظا عن ابن عجلان عن سعيد المقبري - مرسلا . قلت : ورواه ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن المقبري ، عن عون بن عبد الله ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة نصف النهار . خرجه الطبراني . وابن لهيعة سيئ الحفظ . وروى الطبراني - أيضا - : أخبرنا أبو زرعة الدمشقي : ثنا يحيى بن صالح الوحاظي : ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن يونس بن عبيد ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات : عند طلوع الشمس حتى تطلع ، ونصف النهار ، وعند غروب الشمس . وهذا غريب جدا ، وكأنه غير محفوظ . وروى عاصم عن زر ، عن ابن مسعود ، قال : إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فما ترتفع قصمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار ، فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها ، فكنا ننهى عن الصلاة عن طلوع الشمس ، وعند غروبها ، وعند نصف النهار . خرجه يعقوب بن شيبة السدوسي في ( مسنده ) . وخرجه البزار ، ولفظه : عن ابن مسعود ، قال : نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وبعد الفجر - أو قال : بعد صلاة الصبح - حتى تطلع الشمس ، ونصف النهار . قال : في شدة الحر . القصمة - بالفتح - : الدرجة ، سميت لأنها كسرة من القصم : الكسر . وروى الإسماعيلي من حديث أيوب بن جابر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا قبل طلوع الشمس حتى تطلع ، ولا عند غروبها حتى تغرب ، ولا نصف النهار حتى تزول ) . أيوب بن جابر ، ضعيف الحديث . وقالت طائفة : تكره الصلاة وسط النهار ، إلا يوم الجمعة ، وهو قول مكحول والأوزاعي في رواية ، وسعيد بن عبد العزيز وأبي يوسف والشافعي وإسحاق . وروى الشافعي فيه حديثا بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة . وروى مالك ، عن ابن شهاب ، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج ، فإذا خرج عمر جلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا . وخرج أبو داود من حديث ليث ، عن مجاهد ، عن أبي الخليل ، عن أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ، وقال : ( إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة ) . وقال : هو مرسل ؛ أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة . وقال الأثرم : له علل ، ومنها : أنه من حديث ليث ، ومنها : أن أبا الخليل لم يلق أبا قتادة . انتهى . وأبو الخليل ، هو : صالح بن أبي مريم ، ومن زعم أنه عبد الله بن الخليل صاحب علي فقد وهم . وقال طاوس : يوم الجمعة صلاة كله . وذكر قوله للإمام أحمد ، فأنكره ، وقال : فيصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس ؟ وقالت طائفة أخرى : يكره ذلك في الصيف لشدة الحر فيه ، دون الشتاء ، وحكي عن عطاء . وفي بعض روايات حديث ابن مسعود المتقدم ما يشهد له . وقال ابن سيرين : يكره نصف النهار في شدة الحر ، ولا يحرم . والمعنى في كراهة الصلاة وقت استواء الشمس : أن جهنم تسعر فيها ، فيكون ساعة غضب الرب سبحانه ، فهي كساعة سجود الكفار للشمس ، والصلاة صلة بين العبد وربه ؛ لأن المصلي يناجي ربه ، فتجتنب مناجاته في حال غضبه حتى يزول المقتضي لذلك . والله أعلم .
12 - باب تأخير الظهر إلى العصر 543 - حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد بن زيد ، عن عمرو - وهو : ابن دينار - عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء . فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى . وخرجه مسلم من طريق حماد - أيضا ولم يذكر فيه قول أيوب . وخرجه من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، ولفظ حديثه : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانيا جميعا وسبعا جميعا . قلت : يا أبا الشعثاء ، أظنه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : وأنا أظن ذلك . وخرجه البخاري - أيضا - في أبواب : صلاة التطوع . وخرجه النسائي عن قتيبة ، عن سفيان ، وأدرج تفسيره في الحديث . قال ابن عبد البر : الصحيح : أن هذا ليس من الحديث ، إنما هو من ظن أبي الشعثاء وعمرو بن دينار . ورواه محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، وزاد في حديثه : من غير مرض ولا علة . خرجه من طريقه الطبراني . ومحمد بن مسلم ، ليس بذاك الحافظ . وخرج النسائي من طريق حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ، ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء ، ليس بينهما شيء ، [فعل ذلك من شغل ، وزعم ابن عباس ، أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ، ليس بينهما شيء] . وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه أخر ، بألفاظ مختلفة ، روي عنه من رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا بالمدينة ، في غير خوف ولا سفر . خرجه مسلم . وخرجه أبو داود ، وزاد : قال مالك : أرى ذلك كان في مطر . وخرجه مسلم - أيضا - من طريق زهير ، عن أبي الزبير - بمثله ، وزاد : قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته . وخرجه - أيضا - من طريق قرة ، عن أبي الزبير ، وذكر فيه : أن ذلك كان في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، وذكر فيه قول ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته . وخرج - أيضا - من طريق الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، في غير خوف ولا مطر . قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كيلا يحرج أمته . وقد اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث ، وفي لفظه - أيضا - : فقال كثير من أصحاب الأعمش ، عنه فيه : من غير خوف ولا مطر . ومنهم من قال عنه : من غير خوف ولا ضرر . ومنهم من قال : ولا عذر . وذكر البزار ، أن لفظة المطر تفرد بها حبيب ، وغيره لا يذكرها . قال : على أن عبد الكريم قد قال نحو ذلك . وكذلك تكلم فيها ابن عبد البر . وروينا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي : حدثنا المعافى بن سليمان الجزري : ثنا محمد بن سلمة : ثنا أبو عبد الرحيم ، عن زيد بن [أبي أنيسة ، عن] أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير مطر ولا قر الظهر والعصر جمعا . قلت له : لم فعل ذلك ؟ قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته . وعن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس - مثله . ولكن ؛ عبد الحميد هذا ، قال فيه الحافظ عبد العزيز النخشبي : عنده مناكير . وأما رواية عبد الله بن شقيق ، فمن طريق الزبير بن الخريت ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة . قال : فجاءه رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة . فقال ابن عباس : أتعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة ، فسألته فصدق مقالته . خرجه مسلم . وخرجه - أيضا - من رواية عمران بن حدير ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : لا أم لك ، تعلمنا الصلاة ؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأما رواية عكرمة ، فمن طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيما غير مسافر سبعا وثمانيا . خرجه الإمام أحمد . وفي رواية أشعث بن سوار - وفيه ضعف عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ، أراد التخفيف عن أمته . وأما رواية عطاء بن يسار ، فمن رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، من غير مرض ولا مطر . فقيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : التوسعة على أمته . خرجه حرب الكرماني ، عن يحيى الحماني ، عن عبد الرحمن ، به . وعبد الرحمن ، فيه ضعف . وأما رواية صالح مولى التوأمة ، فذكرها أبو داود تعليقا . وفيها : من غير مطر . وخرجها الإمام أحمد من طريق داود بن قيس ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، في غير مطر ولا سفر . قالوا : يا ابن عباس ، ما أراد بذلك ؟ قال : التوسع على الأمة . وصالح ، مختلف في أمره ، وفي سماعه من ابن عباس - أيضا . وفي الباب أحاديث أخر ، في أسانيدها مقال . وخرج النسائي من رواية يحيى بن هانئ المرادي : حدثنا أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد بن أبي بشير ، عن عبد الرحمن بن علقمة ، قال : قدم وفد ثقيف على النبي - صلى الله عليه وسلم فأهدوا له هدية ، وقعد معهم يسألهم ويسألونه ، حتى صلى الظهر مع العصر . قال الدارقطني : عبد الملك وأبو حذيفة مجهولان . وعبد الرحمن بن علقمة لا تصح صحبته ولا يعرف . وقد اختلفت مسالك العلماء في حديث ابن عباس هذا ، في الجمع من غير خوف ولا سفر ، ولهم فيه مسالك متعددة : المسلك الأول : أنه منسوخ بالإجماع على خلافه ، وقد حكى الترمذي في آخر كتابه أنه لم يقل به أحد من العلماء . وهؤلاء لا يقولون : إن الإجماع ينسخ ، كما يحكى عن بعضهم ، وإنما يقولون : هو يدل على وجود نص ناسخ . المسلك الثاني : معارضته بما يخالفه ، وقد عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت ، وقوله : الوقت ما بين هذين ، وبحديث أبي ذر في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وأمره بالصلاة في الوقت ، ولو كان الجمع جائزا من غير عذر لم يحتج إلى ذلك ، فإن أولئك الأمراء كانوا يجمعون لغير عذر ، ولم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ، ولا صلاة الليل إلى النهار . وكذلك في حديث أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ناموا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس : ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى . خرجه مسلم . وخرجه أبو داود ، وعنده : إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى . وقد عارض بعضهم حديث ابن عباس هذا بحديث آخر يروى عنه ، وقد أشار إلى هذه المعارضة الترمذي وابن شاهين ، وهو من رواية حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر . خرجه الترمذي . وقال : حنش هذا هو أبو علي الرحبي ، وهو حسين بن قيس ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه أحمد وغيره ، والعمل على هذا عند أهل العلم . يعني : على حديث حنش مع ضعفه . وخرجه الحاكم وصححه ، ووثق حنشا ، وقال : هو قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر . ولم يوافق على تصحيحه . وقال العقيلي : ليس لهذا الحديث أصل . ورواه بعضهم ، وشك في رفعه ووقفه . كذلك خرجه الحارث بن أبي أسامة . ولعله من قول ابن عباس . وقد روي مثله عن عمر وأبي موسى : وروى وكيع ، عن سفيان ، عن هشام ، عن رجل ، عن أبي العالية ، عن عمر بن الخطاب ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر . وعن أبي هلال الراسبي ، عن حنظلة السدوسي ، عن أبي موسى ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر . المسلك الثالث : حمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الظهر إلى آخر وقتها ، فوقعت في آخر جزء من الوقت ، وقدم العصر في أول وقتها ، فصلاها في أول جزء من الوقت ، فوقعت الصلاتان مجموعتين في الصورة ، وفي المعنى كل صلاة وقعت في وقتها ، وفعل هذا ليبين جواز تأخير الصلاة [إلى] آخر وقتها . وقد روي من حديث معاذ بن جبل ، أن جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بتبوك كان على هذا الوجه - أيضا . خرجه الطبراني في أوسطه بإسناد في ضعف . وقد سبق عن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء ، أنهما حملا الحديث على هذا الوجه ، كما خرجه مسلم ، وأشار إليه الإمام أحمد وغيره . وعلى مثل ذلك حمل الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة من لا يرى الجمع في السفر ، منهم : سفيان الثوري وغيره من الكوفيين . والمسلك الرابع : أن ذلك كان جمعا بين الصلاتين لمطر ، وهذا هو الذي حمله عليه أيوب السختياني كما في رواية البخاري ، وهو الذي حمله عليه مالك - أيضا . ومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى : من غير خوف ولا مطر كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما . ومن حمل الحديث على هذا فإنه يلزم من قوله جواز الجمع في الحضر للمطر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقد اختلف في ذلك : فأما الجمع بين العشاءين للمطر ، فقد روي عن ابن عمر . روى مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يجمع في الليلة المطيرة . وقد رويناه من طريق سفيان بن بشير ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا ولا يصح رفعه . وفيه حديث آخر مرفوع من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن سعد القرظ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر . خرجه الطبراني . وإسناده ضعيف . قال يحيى في أولاد سعد القرظ : كلهم ليسوا بشيء . وممن رأى الجمع للمطر : مالك في المشهور عنه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، عن فقهاء المدينة السبعة . وعن مالك رواية : لا يجوز الجمع للمطر إلا في المدينة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لفضله ، ولأنه ينتاب من بعد ، فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ، وليس بالمدينة غيره . والمشهور عنه الأول . وأصل هذا : أن الأمراء بالمدينة كانوا يجمعون في الليلة المطيرة ، فيؤخرون المغرب ويجمعون بينها وبين العشاء قبل مغيب الشفق ، وكان ابن عمر يجمع معهم ، وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة ، فلو كان ذلك محدثا لم يوافقهم عليه البتة . وقد نص على أن جمع المطر يكون على هذا الوجه المذكور قبل مغيب الشفق : مالك وأحمد وإسحاق . وقيل لأحمد : فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ؟ قال : لا ، إلا قبل ، كما فعل ابن عمر . وقال : يجمع إذا اختلط الظلام . وأما الجمع بين الظهر والعصر في المطر ، فالأكثرون على أنه غير جائز : وقال أحمد : ما سمعت فيه شيئا . وأجازه الشافعي إذا كان المطر نازلا ، وبه قال أبو ثور ، هو رواية عن أحمد . والعجب من مالك - رحمه الله - كيف حمل حديث ابن عباس على الجمع للمطر ، ولم يقل به في الظهر والعصر ، والحديث صريح في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؟! المسلك الخامس : أن الذي نقله ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في السفر لا في الحضر ، كما في رواية قرة ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وقد خرجه مسلم كما تقدم . وكذلك روى عبد الكريم ، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ، أخبروه عن ابن عباس ، أنه أخبرهم ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء ، ولا يطلبه عدو ، ولا يخاف شيئا . ولكن عبد الكريم هذا ، هو : أبو أمية ، وهو ضعيف جدا . وأكثر رواة حديث ابن عباس ذكروا أن جمعه كان بالمدينة ، وهم أكثر وأحفظ . والمسلك السادس : أن جمعه ذلك كان لمرض . وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال : هذا عندي رخصة للمريض والمرضع . وقد اختلف في جمع المريض بين الصلاتين : فرخص فيه طائفة ، منهم : عطاء والنخعي والليث وأحمد وإسحاق . وكذلك جوزه مالك للمضطر في [رمضة] ، فإن جمع لغير ضرورة أعاد في الوقت عنده ، وعند أبي حنيفة . والشافعي لا يبيح من المرض الجمع بين الصلاتين بحال . واستدل من أباح الجمع للمريض ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد ؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة ، وذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس ، وفي أسانيدها بعض شيء . وأمر به : علي وابن عباس ، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق . والمسلك السابع : أن جمعه كان لشغل ، وفي رواية حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه جمع من شغل ، كما خرجه النسائي وقد سبق . وكذلك في حديث عبد الرحمن بن علقمة ، أن وفد ثقيف شغلوا النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج النسائي من رواية سالم ، عن ابن عمر ، أنه لما استصرخ على امرأته صفية أسرع السير ، وجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا حضر أحدكم أمرا يخشى فوته فيصلي هذه الصلاة . وخرجه النسائي ، وفي رواية له : إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فواته ، فليصل هذه الصلاة . وقد نص أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للشغل . قال القاضي وغيره من أصحابنا : مراده : الشغل الذي يباح معه ترك الجمعة والجماعة . وفي ذلك نظر . وعن ابن سيرين : لا بأس بالجمع بين الصلاتين للحاجة والشيء ما لم يتخذ عادة . المسلك الثامن : حمل الحديث على ظاهره ، وأنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر بالكلية ، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين ، وعن أشهب صاحب مالك . وروى ابن وهب وغيره ، عن مالك أن آخر وقت الظهر والعصر غروب الشمس . قال ابن عبد البر : وهذا محمول عند أصحابه على أهل الضرورات كحائض تطهرت ، ومغمى عليه يفيق . وحكى - أيضا - عن طاوس : امتداد الظهر والعصر إلى غروب الشمس . وعن عطاء : امتدادهما إلى أن تصفر الشمس . وكذلك روي عن عطاء وطاوس أن وقت المغرب والعشاء لا يفوت حتى يطلع الفجر . وحكي معنى ذلك عن ربيعة ، وأن الوقتين مشتركان ، وأن وقت الصلاتين يمتد إلى غروب الشمس . وحكي عن أهل الحجاز جملة . وعده الأوزاعي مما يجتنب من أقوالهم ، فروى الحاكم ، عن الأصم : أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي : ثنا أبو عبد الله بن بحر ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : يجتنب من قول أهل العراق : شرب المسكر ، والأكل عند الفجر في رمضان ، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار ، وتأخير صلاة العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله ، والفرار يوم الزحف . ومن قول أهل الحجاز : استماع الملاهي ، والجمع بين الصلاتين من غير عذر ، والمتعة بالنساء ، والدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ، وإتيان النساء في أدبارهن . قال الأثرم في كتاب العلل : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد - أي شيء تقول في حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، من غير خوف ولا سفر ؟ فقال : ابن عباس كما ترى قد أثبت هذا - أو صححه وغيره يقول - ابن عمر ومعاذ وغير واحد يقولون : إنه في السفر . فقلت : أيفعله الإنسان ؟ فقال : إنما فعله لئلا يحرج أمته . وذكر الأثرم نحوه في كتاب مسائله لأحمد ، وزاد : قال أحمد : أليس قال ابن عباس : أن لا يحرج أمته ، إن قدم رجل أو أخر - نحو هذا . وهذا الذي زاده في كتاب المسائل يبين أن أحمد حمله على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، كما حمله على ذلك أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وغيرهما كما سبق . والله أعلم . وقول ابن عباس : من غير خوف ولا سفر ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والسفر ، فأما الجمع للسفر فيأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى وأما الجمع للخوف للحضر فظاهر حديث ابن عباس جوازه . وقد اختلف العلماء في جواز تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية ، وإن لم تكن مما تجمع ، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، والعصر حتى تغرب الشمس ، إذا اشتد الخوف . وفيه عن أحمد روايتان . فتأخير الصلاتين المجموعتين إلى وقت الثانية وتقديمها في أول وقت الأولى إذا احتيج إلى ذلك في الخوف أولى بالجواز ، بل لا ينبغي أن يكون في جوازه خلاف عند من يبيح الجمع للسفر والمرض والمطر ، ونحو ذلك من الأعذار الخفيفة . وعن أحمد روايتان في جواز الفطر في الحضر للقتال ، ومن أصحابنا من طردهما في قصر الصلاة أيضا . وقد حكى أبو عبيد في غريبه عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جواز قصر الصلاة في الحضر للخوف . فالجمع أولى بالجواز . والله أعلم .
الحديث الثالث : قال : 587 - حدثنا محمد بن أبان : ثنا غندر : ثنا شعبة ، عن أبي التياح ، قال : سمعت حمران بن أبان يحدث ، عن معاوية ، قال : إنكم لتصلون صلاة ، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها ، ولقد نهى عنها - يعني : الركعتين بعد العصر . قال الإسماعيلي : قد رواه عثمان بن عمر ، عن شعبة ، عن أبي التياح ، عن معبد الجهني ، عن معاوية . جعل بدل حمران : معبدا . قلت : غندر مقدم في أصحاب شعبة على عثمان بن عمر وغيره . قال أحمد : ما في أصحاب شعبة أقل خطأ من غندر . وقد توبع عليه ؛ فخرجه الإمام أحمد في ( مسنده ) عن غندر وحجاج ، عن شعبة ، عن أبي التياح ، عن حمران . وكذا رواه شبابة بن سوار وقراد أبو نوح ، عن شعبة . ورواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، قال : أخبرني أبو التياح ، عن معبد الجهني ، قال : خطب معاوية ، فقال : ألا ما بال أقوام يصلون صلاة ، قد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها ، وقد سمعناه نهى عنها - يعني : الركعتين بعد العصر . وهذه متابعة لعثمان بن عمر . قال البيهقي : كأن أبا التياح سمعه منهما . والله أعلم .
الحديث الرابع : قال : 588 - حدثنا محمد بن سلام : ثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاتين : بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب . وهذا الحديث سبق في الباب الماضي بأتم من هذا السياق . ومقصود البخاري بهذا : ذكر الوقتين الضيقين المنهي عن الصلاة فيهما ، وهما : عند غروب الشمس ، وعند طلوعها . ومقصوده بالباب الذي قبله : ذكر الوقتين المتسعين ، وهما : بعد الفجر ، وبعد العصر . فهذه أربعة أوقات : الوقت الأول : أوله : طلوع الفجر عند جمهور العلماء ، ومنهم من قال : الانصراف من صلاة الفجر . وقد سبق ذكر هذا الاختلاف في الباب الماضي . وآخره : أخذ الشمس في الطلوع . والوقت الثاني : أوله : أخذ الشمس في الطلوع ، وهو بدو حاجبها ، كما في حديث ابن عمر . وآخره : أن ترتفع الشمس ، كما في حديث ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما . وجاء من حديث ابن مسعود - مرفوعا - : ( حتى ترتفع وتبيض ) . خرجه الهيثم بن كليب بإسناد فيه انقطاع . وجاء في حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى ترتفع قيد رمح أو رمحين ) . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده اختلاف . وخرجه الإسماعيلي من حديث عمر بن الخطاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد حديثه الذي خرجه البخاري هاهنا ، ولكن متنه بهذا الإسناد منكر غير معروف . وفي ( مسند الإمام أحمد ) عن سعيد بن نافع ، قال : رآني أبو بشير الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي صلاة الضحى حين طلعت الشمس ، فعاب ذلك علي ، ونهاني ، وقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا حتى ترتفع الشمس ؛ فإنها تطلع في قرني الشيطان ) . وسعيد بن نافع ، روى عن جماعة من الصحابة ، وذكره ابن حبان في ( ثقاته ) . وخرج النسائي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل من ساعة أقرب من الله ؟ قال : ( نعم ؛ جوف الليل الآخر ، فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح ، ثم انته حتى تطلع الشمس ، فما دامت كأنها جحفة حتى تنتشر ، ثم صل ما بدا لك ) - وذكر الحديث . وخرجه - أيضا - من حديث أبي أمامة الباهلي ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : قال : ( فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح ، ويذهب شعاعها ) . وخرجه أبو داود ، وعنده : ( ثم أقصر حتى تطلع الشمس قيد رمح - أو رمحين ) . وقال سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين : تحرم الصلاة إذا طلعت الشمس حتى تكون قيد نخلة ، وتحرم إذا تغيرت حتى تغرب . والوقت الثالث : أوله : إذا فرغ المصلي من صلاة العصر . وآخره : دخول الوقت الرابع . والوقت الرابع : آخره : تكامل غروب الشمس بغير خلاف . ولم يرد ما يخالف هذا إلا حديث : ( لا صلاة بعدها - يعني : العصر - حتى يطلع الشاهد ) ، وهو النجم . وقد سبق ذكره ، وأن من الفقهاء من تعلق به في قوله بكراهة التنفل قبل صلاة المغرب ، وهو قول أبي حنيفة وغيره . وقال إسحاق : صلاة الركعتين قبل المغرب رخصة ، فلا يزاد حينئذ على ركعتين وليست بسنة ، نقله عنه ابن منصور . ويكون عنده ما بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب ، كما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح ، لا يزاد فيه على ركعتين . وأما أوله : ففيه قولان : أحدهما : أنه أخذ الشمس في الغروب حتى تتكامل ؛ لحديث ابن عمر : ( إذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ) . وهذا قول الحنفية ، وأكثر أصحابنا وغيرهم . والثاني : أوله : إذا اصفرت الشمس ، وقد تقدم عن ابن سيرين ، وحكي عن مالك والشافعي وإسحاق ، وحكاه ابن المنذر عن أهل الرأي ، ورجحه بعض أصحابنا ، ومنهم من حكاهما روايتين عن أحمد . ورأى شريح رجلا يصلي حين اصفارت الشمس ، فقال : انهوه أن يصلي ؛ فإن هذه ساعة لا تحل فيها الصلاة . وتبويب البخاري هاهنا يشهد لهذا القول ، ولكنه لم يستشهد له إلا بالنهي عن الصلاة بعد العصر ، وفيه نظر ؛ فإنه يجعل الوقتين وقتا واحدا . وإنما يستدل له بحديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة حين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . خرجه مسلم . ومعنى : تضيف للغروب : تميل إليه . وفي رواية للإمام أحمد من حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال بعد زوال الشمس : ( ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قيد رمح - أو رمحين - ولا صلاة حتى تغرب الشمس ) . وخرج - أيضا - من حديث عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا تدلت الشمس للغروب فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس ) . وسنذكره بتمامه فيما بعد إن شاء الله تعالى . فأما الوقتان الضيقان عند طلوع الشمس وغروبها ، فجمهور العلماء على النهي عن التنفل بالصلاة فيهما ، وقد حكاه غير واحد إجماعا ، ولكن روي عن ابن الزبير ، أنه كان يصلي عند غروب الشمس . فخرج النسائي من طريق عمران بن حدير ، قال : سألت أبا مجلز عن الركعتين عند غروب الشمس ؟ فقال : كان عبد الله بن الزبير يصليهما ، فأرسل إليه معاوية : ما هاتان الركعتان عند غروب الشمس ، فاضطر الحديث إلى أم سلمة ، فقالت أم سلمة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل العصر ، فشغل عنهما فركعهما حين غابت الشمس ، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد . وروى محمد بن حيي بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت يعلى بن أمية صلى قبل أن تطلع الشمس ، فقيل له : أنت رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصلي قبل أن تطلع الشمس ؟ قال يعلى : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فلأن تطلع وأنت في أمر الله خير من أن تطلع وأنت لاه ) . خرجه الإمام أحمد . ومحمد بن حيي بن يعلى بن أمية ، قال ابن المديني : هو مجهول . قال : وأبوه معروف ، قد روي عنه . مع أن يعلى إنما كانت صلاته قبل طلوع الشمس ، لكن تعليله يقتضي عدم كراهة الصلاة عند طلوعها . وأما الوقتان المتسعان ، وهما : بعد الفجر ، وبعد العصر ، فاختلف العلماء : فمنهم من قال : لا بأس بالصلاة فيهما ، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة : منهم : ابن عمر . وقد خرج البخاري قوله في الباب الآتي . ومنهم : عائشة . ففي ( صحيح مسلم ) عن طاوس ، قال : قالت عائشة : وهم عمر ، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها . ومعنى قولها : وهم عمر - أي : فيما روى من النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر . وفي ( صحيح ابن حبان ) من رواية شعبة ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، قال : سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر ، فقالت : صل ؛ إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة إذا طلعت الشمس ، وإذا غربت الشمس . ومنهم : بلال . روى قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن بلال ، قال : لم يكن ينهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني الشيطان . وخرجه الإمام أحمد . وخرجه ابن أبي شيبة ، وعنده : ( عند غروب الشمس ) . والظاهر : استواء الطلوع والغروب ، ولا يعلم عن أحد التفريق بينهما . واختار ابن المنذر أن أوقات النهي ثلاثة : وقت الطلوع ، ووقت الغروب ، ووقت الزوال خاصة . وممن رخص في الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة : علي بن أبي طالب ، والزبير ، وتميم الداري ، وأبو أيوب ، وأبو موسى ، وزيد بن خالد الجهني ، وابن الزبير ، والنعمان بن بشير ، وأم سلمة - رضي الله عنهم . ومن التابعين : الأسود ، ومسروق ، وشريح ، وعمرو بن ميمون ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وعبيدة ، والأحنف بن قيس ، وطاوس . وحكاه ابن عبد البر ، عن عطاء ، وابن جريج ، وعمرو بن دينار . قال : وروي عن ابن مسعود نحوه . ولم يعلم عن أحد منهم الرخصة بعد صلاة الصبح . وهو قول داود ، فيما حكاه ابن عبد البر . وحكي رواية عن أحمد : قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد : هل ترى بأسا أن يصلي الرجل تطوعا بعد العصر والشمس بيضاء مرتفعة ؟ قال : لا نفعله ، ولا نعيب فاعله . قال : وبه قال أبو حنيفة . وهذا لا يدل على أن أحمد رأى جوازه ، بل رأى أن من فعله متأولا ، أو مقلدا لمن تأوله لا ينكر عليه ، ولا يعاب قوله ؛ لأن ذلك من موارد الاجتهاد السائغ . ومما استدل به من ذهب إلى ذلك : ما رواه هلال بن يساف ، عن وهب بن الأجدع ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا بعد العصر ، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . والنسائي ، وعنده : ( إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة ) . وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) . وثبته ابن المنذر . ووهب بن الأجدع ، قال محمد بن يحيى الذهلي : ليس بمجهول ؛ قد روى عنه الشعبي - أيضا . واحتجوا - أيضا - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر . وقد خرجه البخاري فيما بعد . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة ) - يعني : جوف الليل - ( فكن ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس ؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان ) - وذكر الحديث ، وقال فيه : ( ثم الصلاة مشهودة ) - يعني : بعد أن يفيء الفيء ( حتى تغيب الشمس ؛ فإنها تغيب بين قرني شيطان ) . وخرجه الإمام أحمد بنحوه من حديث سليم بن عامر ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقال فيه - في ذكر جوف الليل - : ( فصل حتى تطلع الشمس ) ، وقال فيه : ( فإذا فاء الفيء فصل ، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلى الشمس للغروب ، فإذا تدلت فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس ) . وهذا كله تصريح بجواز الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ؛ ولكن في هذه الروايات ؛ فإن مسلما خرج حديث عمرو بن عبسة من طريق أبي أمامة عنه ، وذكر فيه : أنه أمره أن يقصر عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد صلاة العصر حتى تغرب . وكذا في أكثر الروايات . وهذه زيادة صحيحة ، سقطت في تلك الروايات . وذهب أكثر العلماء إلى النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب ، وكان يضرب من صلى بعد العصر ، وكذلك روي عن خالد بن الوليد - أيضا - وهو قول ابن عباس ومعاوية ، وروي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة . وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور . وفي ( صحيح مسلم ) عن المختار بن فلفل ، قال : سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر ، فقال : كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر . وروى الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كره عمر الصلاة بعد العصر ، وأنا أكره ما كره عمر . وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب كما سبق ذلك من حديث عمر وغيره من الصحابة ، الذي رواه عنهم ابن عباس ، ومن حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ، ومعاوية . وخرج مسلم من حديث عمرو بن عبسة ، ومن حديث أبي بصرة في الصلاة بعد العصر كحديث معاوية . وأكثر من جعل ما بعد الفجر والعصر وقت نهي حرم الصلاة فيه إلى طلوع الشمس وغروبها في الجملة ، وإن أجاز بعضهم في الوقتين الطويلين للتنزيه ، روي ذلك صريحا عن ابن سيرين . وسبب هذا : أن المقصود بالنهي بالأصالة هو وقت الطلوع والغروب ؛ لما في السجود حينئذ من مشابهة سجود الكفار في الصورة ، وإنما نهى عن الصلاة قبل ذلك سدا للذريعة ؛ لئلا يتدرج بالصلاة فيه إلى الصلاة في وقت الطلوع والغروب . وقد جاء ذلك صريحا عن غير واحد من الصحابة والتابعين . وروى ابن جريج : سمعت أبا سعد الأعمى يخبر ، عن رجل ، يقال له : السائب مولى الفارسيين ، عن زيد بن خالد ، أن عمر رآه يركع بعد العصر ركعتين ، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي ، فلما انصرف قال : دعها يا أمير المؤمنين ، فوالله لا أدعها أبدا بعد إذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما ، فجلس إليه عمر ، فقال : يا زيد ، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل ، لم أضرب فيهما . وخرجه الإمام أحمد . وفي إسناده رجلان غير معروفين . وروى الليث بن سعد ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، أنه قال : أخبرني تميم الداري - أو أخبرت - أن تميما الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر ، فأتاه عمر ، فضربه بالدرة ، فأشار إليه تميم أن اجلس ، وهو في صلاته ، فجلس عمر حتى فرغ تميم من صلاته ، فقال لعمر : لم ضربتني ؟ قال : لأنك ركعت هاتين الركعتين ، وقد نهيت عنهما . قال : فإني قد صليتهما مع من هو خير منك ؛ رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال عمر : إنه ليس بي أيها الرهط ، ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلوا فيها ، كما وصلوا ما بين الظهر والعصر . خرجه الطبراني . وخرجه الإمام أحمد - مختصرا - عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : خرج عمر على الناس يضربهم على السجدتين بعد العصر ، حتى مر بتميم الداري ، فقال : لا أدعهما ؛ صليتهما مع خير منك ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال عمر : لو أن الناس كانوا كهيئتك لم أبال . ورواية عروة عن عمر مرسلة . وخرج الحاكم من رواية هشام بن حجير ، قال : كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر ، فقال له ابن عباس : اتركهما ، فقال : إنما نهي عنهما أن تتخذ سلما أن يوصل ذلك إلى غروب الشمس . قال ابن عباس : فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن صلاة بعد العصر ، وما ندري أتعذب عليه أم تؤجر ؛ لأن الله يقول : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ وقول من قال : إن النهي عنها كان سدا لذريعة الصلاة في وقت الكراهة الأصلي ، فلا يكون محرما - غير صحيح ؛ فإنه إذا ثبت نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها كان نهيه للتحريم ، وإن كان معللا بسد الذريعة ، كما نهى عن ربا الفضل معللا بسد الذريعة لربا النسيئة ، وكل منهما محرم ، وكما نهى عن شرب قليل ما أسكر كثيرة ، لأنه ذريعة إلى السكر ، وكلاهما محرم ، ونظائر ذلك . والذين حرموا الصلاة بعد الفجر والعصر اتفقوا على تحريم التنفل الذي لا سبب له ، وأما ما له سبب كتحية المسجد ونحوها فلهم فيه قولان مشهوران : أجازه الشافعي ، ومنعه أبو حنيفة ومالك ، وعن أحمد فيه روايتان . ولذلك اختلفت الرواية عن مالك فيمن صلى ركعتي الفجر في بيته ، ثم دخل المسجد : هل يصلي ركعتين ، أم لا ؟ وأجاز سجود التلاوة في هذا الوقت ، وأما بعد صلاة الفجر فلا يفعل عنده شيء من ذلك في المشهور عنه . وعنه رواية أخرى : يفعل سجود التلاوة ، وصلاة الكسوف خاصة . وفي ( سنن أبي داود ) بإسناد فيه نظر ، عن ابن عمر ، أنه نهى عن سجود التلاوة بعد الصبح ، وقال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان ، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس . وأما قضاء الفرائض الفائتة ، فأجازه الأكثرون ، منهم : مالك والشافعي وأحمد استدلالا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلى ركعة من الصبح ثم طلعت عليه الشمس أن يتم صلاته . ومنع ذلك أبو حنيفة ، وقد سبق ذكره ، ويأتي فيما بعد إن شاء الله . فأما فروض الكفاية كصلاة الجنازة ، فيجوز فعلها في الوقتين المتسعين عند الجمهور ، ومنهم من حكاه إجماعا كابن المنذر وغيره . وفي فعلها في الوقتين الضيقين قولان ، هما روايتان عن مالك وأحمد ، ومنع أحمد - في رواية عنه - من فعلها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع ، اتباعا لما روي في ذلك عن ابن عمر . وكذا روى ابن القاسم عن مالك ، أنه لا يصلي على الجنائز إذا اصفرت الشمس حتى تغرب ، وإذا أسفر الضوء حتى ترتفع الشمس . وهذا يرجع إلى أن وقت الاختيار يخرج بالإسفار ويدخل وقت الكراهة . وعلى مثل هذا ينبغي حمل المروي عن أحمد - أيضا . وينبغي على هذا القول أن يكون أول وقت النهي عن الصلاة إسفار الوقت جدا . وعن الليث ، قال : لا يصلي على الجنازة في الساعة التي تكره فيها الصلاة . ومنع الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة من الصلاة على الجنازة في الوقتين الضيقين دون الواسعين . وأجازه الشافعي في جميع الأوقات ؛ لأنه يرى أن النهي يختص بالتطوع المطلق الذي ليس له سبب .
31 - باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس فيه أربعة أحاديث : الأول : 585 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ، ولا عند غروبها ) . هكذا في رواية البخاري : ( لا يتحرى ) ، على أنه خبر أريد به النهي . وفي رواية لمسلم : ( لا يتحر ) ، على أنه نهي . وهذا الحديث موافق لرواية عروة ، عن ابن عمر ، كما تقدم . وقد روى هذا الحديث - أيضا - عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلى مع طلوع الشمس ، أو مع غروبها . خرجه النسائي من طريق خالد ، عنه . ورواه يحيى بن سليم وعبد الرحيم بن سليمان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس . وهو حديث منكر : قاله أبو حاتم الرازي وغيره . وذكر الدارقطني أنهما وهما في إسناده على عبيد الله بن عمر ؛ فإن عبيد الله إنما روى هذا المتن عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة كما سبق . وروى - أيضا - ابن أبي ذئب ، عن مسلم الخياط ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ولا بعد الصبح حتى ترتفع الشمس وتضحى ) . مسلم ، وثقه ابن معين وغيره . وهذا غريب عن ابن عمر ، بل منكر ؛ فإنه لا يصح عنه رواية في النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر ؛ فقد صح عنه أنه رخص في ذلك ، كما خرجه البخاري ، وسيأتي - إن شاء الله تعالى .
الحديث الثاني : 586 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : ثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عطاء بن يزيد الجندعي ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغيب الشمس ) . وقد روي هذا عن أبي سعيد من وجوه متعددة : وخرجه البخاري في ( الصيام ) من طريق عبد الملك بن عمير ، عن قزعة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ) . ومن حديث عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صلاة بعد الصبح والعصر .
وقال : 544 - نا إبراهيم بن المنذر ، قال : نا أنس بن عياض ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها. 545 - ثنا قتيبة : ثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر والشمس في حجرتها ، لم يظهر الفيء من حجرتها . 546 - ثنا أبو نعيم : نا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتي ، لم يظهر الفيء بعد . قال أبو عبد الله : وقال مالك ، ويحيى بن سعيد ، وشعيب ، وابن أبي حفصة : والشمس قبل أن تظهر . حديث مالك هذا الذي أشار إليه ، قد خرجه في أول كتاب : المواقيت في ضمن حديث أبي مسعود الأنصاري ، من طريق مالك ، عن الزهري ، ولفظه : قال عروة : ولقد حدثتني عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، قبل أن تظهر . وكان مقصود عروة : الاحتجاج على عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - حيث أخر العصر يوما شيئا ، فأخبره عروة بهذا الحديث ، مستدلا به على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجل العصر في أول وقتها . ووجهة الدلالة من الحديث على تعجيل العصر : أن الحجرة الضيقة القصيرة الجدران يسرع ارتفاع الشمس منها ، ولا تكون الشمس فيها موجودة ، إلا والشمس مرتفعة في الأفق جدا . وفسر الهروي وغيره : ظهور الشمس من الحجرة بعلوها على السطح ، فيكون الظهور العلو ، ومنه : قوله تعالى : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وقوله تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . وقد ذكر ابن عبد البر في معنى ظهور الشمس من الحجرة في هذا الحديث قولين : أحدهما : العلو كما تقدم . والثاني : أن معناه خروج الشمس من قاعة الحجرة . قال : وكل شيء خرج فقد ظهر . قلت : ورواية أبي ضمرة أنس بن عياض ، عن هشام التي خرجها البخاري هاهنا تدل على هذه ؛ لأنه قال في روايته : والشمس لم تخرج من حجرتها ، وفي رواية الليث وغيره : لم يظهر الفيء من حجرتها . والفيء : هو الظل بعد الزوال بذهاب الشمس منه ، والمعنى : أن الفيء لم يعم جميع حجرتها ، بل الشمس باقية في بعضها . وعلى هذه الرواية ، فيكون معنى ظهور الفيء من الحجرة : وجوده وبيانه ووضوحه . وفسر - أيضا - ظهوره : بعلوه لجدر الحجرة . وفسر محمد بن يحيى الهمداني في صحيحه ظهور الفيء بغلبته على الشمس . قال : والمعنى : لم يكن الفيء أكثر من الشمس حين صلى العصر ، كما يقال : ظهر فلان على فلان إذا غلب عليه . وفي بعض روايات ابن عيينة لهذا الحديث زيادة : بيضاء نقية . وأما رواية أبي أسامة ، عن هشام التي ذكرها البخاري - تعليقا - : والشمس في قعر حجرتها ، فهذه الرواية تدل على أن الشمس كانت موجودة في وسط الحجرة وأرضها ، لم تظهر على جدران الحجرة . وهذه الرواية تدل على شدة تعجيل العصر أكثر من غيرها من الروايات ، فإن بقية الروايات إنما تدل على بقاء الشمس في الحجرة لم تخرج منها ، فيحتمل أن تكون موجودة على حيطان الحجرة قد قاربت الخروج . ورواية أبي أسامة تدل على أن الشمس كانت موجودة في أرض الحجرة . وقد خرجه الإسماعيلي في صحيحه والبيهقي من حديث أبي أسامة ، عن هشام ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في قعر حجرتي . وخرجه البيهقي - أيضا - من طريق أبي معاوية : نا هشام - فذكره ، وقال : والشمس بيضاء في قعر حجرتي طالعة . وحكَى عن الشافعي ، أنه قال : هذا من أبين ما روي في أول الوقت ؛ لأن حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في موضع منخفض من المدينة ، وليست بالواسعة ، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر .
13 - باب وقت العصر خرج فيه عن عائشة ، وأبي برزة ، وأنس : فحديث عائشة : خرجه من طرق مسندات تعليقا ، فقال : وقال أبو أسامة ، عن هشام : في قعر حجرتها . وفي بعض النسخ ذكر هذا بعد أن أسنده من حديث أبي ضمرة ، وهو أحسن .
[الحديث الثالث] : 550 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : حدثني أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي ، فيأتيهم والشمس مرتفعة . وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه . 551 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة . إنما خرجه من هذين الوجهين ، ليبين مخالفته لأصحاب الزهري في هذا الحديث . وقد خالفهم فيه من وجهين : أحدهما : أنه لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم وذكره أصحاب الزهري ، كما خرجه البخاري هنا من رواية شعيب . وخرجه في أواخر " كتابه " من رواية صالح بن كيسان ، ثم قال : زاد الليث ، عن يونس : " وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة " . وخرجه مسلم من رواية الليث وعمرو بن الحارث - كلاهما عن الزهري ، به . ورواه أبو صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن الزهري . وما ذكره البخاري في رواية شعيب من قوله : " وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه " ، فهو من قول الزهري ، أدرج في الحديث . قال البيهقي : وقد بين ذلك معمر ، عنه . ثم خرجه من طريق معمر عنه ، وقال في آخر حديثه : قال الزهري : والعوالي من المدينة على ميلين وثلاثة - أو حسبه قال : وأربعة . والوجه الثاني : أن مالكا قال في روايته : " ثم يذهب الذاهب إلى قباء " ، كذا رواه أصحابه عنه ، وكذا هو في " الموطأ " . وخالفه سائر أصحاب الزهري ، فقالوا : " إلى العوالي " . وقد رواه خالد بن مخلد ، عن مالك ، فقال فيه : " العوالي " ، وليس هو بمحفوظ عن مالك . قال النسائي : لم يتابع مالكا أحد على قوله في هذا الحديث : " إلى قباء " والمعروف : " إلى العوالي " . وقال ابن عبد البر : رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا : " إلى العوالي " ، وهو الصواب عند أهل الحديث . قال : وقول مالك : " إلى قباء " وهم لا شك فيه عندهم ، ولم يتابعه أحد عليه . وكذا ذكر أبو بكر الخطيب وغيره . قلت : قد رواه الشافعي في القديم : أنا [أبو] صفوان بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة . ورواه عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، وقال : " إلى العوالي " . وكذا رواه الواقدي ، عن معمر ، عن الزهري . وهذا لا يلتفت إليه . قال ابن عبد البر : إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت ؛ لأن العوالي مختلفة المسافة ، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة ، وقباء من بني عمرو بن عوف ، وقد نص على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس ] هذا إسحاق بن أبي طلحة . يشير إلى حديثه المتقدم ، وخرجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقال فيه : " والعوالي من المدينة على عشرة أميال " ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعد ما بين العوالي والمدينة ، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقرب ما بينها وبين المدينة . وفي الباب حديث آخر : خرجه البخاري في " القسمة " ، فقال : نا محمد بن يوسف : نا الأوزاعي : نا أبو النجاشي ، قال : سمعت رافع بن خديج [قال] : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فننحر جزورا ، فتقسم عشر قسم ، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس . قال الدارقطني : أبو النجاشي اسمه عطاء بن صهيب ، ثقة مشهور ، صحب رافع بن خديج ست سنين . والكلام هاهنا في مسألتين : إحداهما : في حد وقت العصر : أوله وآخره : فأما أوله : فحكى ابن المنذر فيه أقوالا ، فقال : اختلفوا في أول وقت العصر : فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون : وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله . واختلفوا بعد ، فقال بعضهم : آخر وقت الظهر أول وقت العصر ، فلو أن رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها ، قال بهذا إسحاق ، وذكر ذلك عن ابن المبارك . وأما الشافعي فكان يقول : أول وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثله ما كان ، وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر . قلت : هذا هو المعروف في مذهب أحمد وأصحابه ، وحكى بعض المتأخرين رواية عنه كقول ابن المبارك وإسحاق ، وهي غير معروفة . قال ابن المنذر : وحُكي عن ربيعة قول ثالث ، وهو : أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس . وفيه قول رابع ، وهو : أن وقت العصر أن يصير الظل قائمتين بعد الزوال ، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه ، وهذا قول النعمان - يعني : أبا حنيفة . وحكى ابن عبد البر ، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق ، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي ، وعن أبي حنيفة : آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه . قال : فخالف القياس في ذلك ، وخالفه أصحابه فيه . وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، كقول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصلح لأحدهما . قال : وهذا لم يتابع عليه - أيضا . وحكى ابن عبد البر ، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومن تابعه ، بالاشتراك بين الوقتين إذا صار ظل كل شيء مثليه بقدر أربع ركعات ، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديا لها . وحكي عن عطاء وطاوس : أن ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معا ، قال طاوس : إلى غروب الشمس ، وقال عطاء : إلى اصفرارها ، وقد سبق ذكر قولهما ، وأنه حُكي رواية عن مالك . وقد نص الشافعي على أن وقت العصر لا يدخل حتى يزيد ظل الشيء على مثله ، وكذلك قاله الخرقي من أصحابنا . واختلف أصحاب الشافعي في معنى قوله : " بالزيادة " . فمنهم من قال : هي لبيان انتهاء الظل إلى المثل ، وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر . ومنهم من قال : إنها من وقت الظهر ، وإنما يدخل العصر عقبها ، وقيل : إنه ظاهر كلام الشافعي والعراقيين من أصحابه . ومنهم من قال : ليست الزيادة من وقت الظهر ولا من وقت العصر ، بل هي فاصل بين الوقتين . وهو أضعف الأقوال لهم . وأما المنقول عن السلف ، فأكثرهم حدده بقدر سير الراكب فرسخا أو فرسخين قبل غروب الشمس . فروى مالك ، عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله : صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا ، إلا أن يكون ظل أحدكم مثله ، والعصر والشمس بيضاء نقية ، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة ، قبل غروب الشمس . ورواه غيره : عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : نا سعد بن أوس ، عن بلال العبسي ، أن عمر كتب إلى سعد : صل العصر وأنت تسير لها ميلين أو ثلاثة . نا يزيد بن مردانبه ، قال : سألت أنس بن مالك عن وقت العصر ، فقال : إذا صليت العصر ثم سرت ستة أميال حتى إلى غروب الشمس فذلك وقتها . نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيد بن جبير ، قال : تصلي العصر قدر ما تسير البعير المحملة فرسخين . نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : فرسخ . وأما آخر وقت العصر ، ففيه أقوال : أحدها : أنه غروب الشمس ، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي . والثاني : إلى مصير ظل كل شيء مثليه ، روي عن أبي هريرة ، وهو قول الشافعي ، وأحمد في رواية . والثالث : حتى تصفر الشمس ، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو قول الأوزاعي ، وأحمد في رواية ، وأبي يوسف ، ومحمد . وفيه حديث ، عن عبد الله بن عمرو ، اختلف في رفعه ووقفه ، وقد خرجه مسلم في " صحيحه " مرفوعا . وأكثر من قال بهذا القول والذي قبله ، قالوا : لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه ، إنما يخرج وقت الاختيار ، ويبقى ما بعده وقت ضرورة . وهل يكون التأخير إليه لغير ذوي الأعذار محرما ، أو مكروها كراهة تنزيه ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وقال الإصطخري من الشافعية : يخرج وقت العصر بالكلية حتى يصير ظل الشيء مثليه ، ويصير بعد ذلك قضاء ، ولم يوافقه على ذلك أحد . والمشهور عند الشافعية : أنه بعد مصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير إليه بلا كراهة ، ولكن يفوت وقت الفضيلة والاختيار ، وقالوا : يفوت وقت الفضيلة بمصير ظل الشيء مثله ونصف مثله ، ووقت الاختيار بمصير ظل الشيء مثليه ، ووقت الجواز يمتد إلى اصفرار الشمس ، ومن وقت الاصفرار إلى أن تغرب الشمس وقت كراهة لغير ذوي الأعذار . وحكى ابن عبد البر عن مالك وغيره من العلماء : أن من صلى العصر قبل اصفرار الشمس فقد صلاها في وقتها المختار ، وحكاه إجماعا ، وحكاه عن الثوري وغيره . قال : وهذا يدل على أن اعتبار المثلين إنما هو للاستحباب فقط . وحكى عن أبي حنيفة : أن وقت الاختيار يمتد إلى اصفرار الشمس . وحكى عن إسحاق وداود : آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب ، وسواء المعذور وغيره . وسيأتي القول في ذلك فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكى الترمذي في " جامعه " عن أبي بكرة أنه نام عن صلاة العصر ، فاستيقط عند الغروب ، فلم يصل حتى غربت الشمس . وهذا قد ينبني على أن وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس ، فتصير قضاء ، والفوائت لا تقضي في أوقات النهي عند قوم من أهل العلم . ونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر أن يطول فيما يقضيه منها ، خشية أن تدركه صفرة الشمس قبل أن يفرغ من صلاته . والمسألة الثانية : هل الأفضل تعجيل العصر في أول وقتها ، أو تأخيرها ؟ فيه قولان : أحدهما - وهو قول الحجازيين وفقهاء الحديث - : أن تعجيلها في أول وقتها أفضل ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقول أهل المدينة : مالك وغيره . ولكن مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد دخول وقتها قليلا ؛ ليتلاحق الناس إلى الجماعة . وقد تقدم إنكار عروة على عمر بن عبد العزيز تأخيره العصر شيئا ، وإنكار أبي مسعود الأنصاري على المغيرة تأخيره العصر شيئا . والأحاديث التي خرجها البخاري في هذا الباب كلها تدل على استحباب تعجيل العصر وتقديمها في أول وقتها . والقول الثاني : أن تأخيرها إلى آخر وقتها ما لم تصفر الشمس أفضل ، وهو قول أهل العراق ، منهم : النخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة . قال النخعي : كان من قبلكم أشد تأخيرا للعصر منكم ، وكان إبراهيم يعصر العصر - أي : يضيقها إلى آخر وقتها . وقال أبو قلابة وابن شبرمة : إنما سميت العصر لتعصر . وقد روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود وغيرهما ، وفيه أحاديث مرفوعة ، كلها غير قوية . قال العقيلي : الرواية في تأخير العصر فيها لين . وذكر الدارقطني أنه لا يصح منها شيء يقاوم أحاديث التعجيل ؛ فإنها أحاديث كثيرة ، وأسانيدها صحيحة من أصح الأسانيد وأثبتها . وقال : أحاديث تأخير العصر لم تثبت ، وإنما وجهها - إن كانت محفوظة - : أن يكون ذلك على غير تعمد ، ولكن للعذر والأمر يكون .
وحديث أنس : خرج له ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 548 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي العصر ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف ، فنجدهم يصلون العصر . وكذا خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، به . وكذا هو في الموطأ . ورواه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب ، عن مالك ، عن إسحاق ، عن أنس ، قال : كنا نصلي العصر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا الحديث ، وصرحا برفعه . والرواية المشهورة عن مالك في معنى المرفوع ؛ لأن أنسا إنما أخرجه في مخرج الاستدلال به على تعجيل العصر . وبنو عمرو بن عوف على ثلثي فرسخ من المدينة ، وروي ذلك في حديث عن عروة بن الزبير . وفي الحديث : دليل على جواز تأخير العصر ، ما لم يدخل وقت الكراهة ؛ فإن الصحابة فيهم من كان يؤخرها عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده ، والظاهر : أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك ، ويقر عليه . وروى ربعي بن حراش ، عن أبي الأبيض ، عن أنس ، قال : كنت أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر والشمس بيضاء محلقة ، ثم آتي عشيرتي وهم جلوس ، فأقول : ما مجلسكم ؟ صلوا ؛ فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد . وخرج النسائي إلى قوله : محلقة . وخرجه الدارقطني بتمامه ، وزاد فيه : وهم في ناحية المدينة . وأبو الأبيض هذا ، قال الإمام أحمد : لا أعرفه ، ولا أعلم روى عنه إلا ربعي بن حراش .
وحديث أبي برزة : قال : 547 - حدثنا محمد بن مقاتل : أبنا عبد الله : أبنا عوف ، عن سيار بن سلامة ، قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ، فقال له أبي : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة ؟ فقال : كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ، ويصلي العصر ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية - ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة ، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ بالستين إلى المائة . المقصود من هذا الحديث في هذا الباب : قول أبي برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية . وقد سبق الحديث من رواية شعبة ، عن أبي المنهال ، وفيه : ويصلي العصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ، ثم يرجع والشمس حية ، وذكر في حديثه : زيادة الرجوع . وقوله : والشمس حية فسر خيثمة حياتها بأن تجد حرها . خرجه البيهقي . وقيل : حياتها : بقاء لونها . وقيل : بقاء حرها ولونها - : قاله الخطابي وغيره .
الحديث الثاني : 549 - حدثنا ابن مقاتل : أبنا عبد الله : أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي العصر ، فقلت : يا عم ، ما هذه الصلاة التي صليت ؟ قال : العصر ، وهذه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه . أبو أمامة هو ابن سهل بن حنيف . وصلاة عمر بن عبد العزيز هذه كانت بالمدينة ، حيث كان أميرا من قبل الوليد ، وقد تقدم أنه حينئذ لم يكن عنده علم من مواقيت الصلاة المسنونة ، فكان يجري على عادة أهل بيته وعموم الناس معهم في تأخير الصلاة أحيانا ، فلما بلغته السنة اجتهد حينئذ على العمل بها ، ولكنه لم يعمل القيام بها على وجهها إلا في أيام خلافته ، فإنه بالغ حينئذ في إقامة الحق على وجهه ، ولم يترخص في شيء مما يقدر عليه ، ولا أخذته في الله لومة لائم ، رضي الله عنه .
وحديث أبي هريرة : قال البخاري : 584 - حدثنا عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين ، وعن لبستين ، وعن صلاتين : نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، وعن اشتمال الصماء ، وعن الاحتباء في ثوب واحد ، يفضي فرجه إلى السماء ، وعن المنابذة والملامسة . النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء سبق الكلام عليه . والنهي عن المنابذة والملامسة موضعه البيع . وأما النهي عن الصلاتين ، فهو موافق لحديث عمر المتقدم .
وحديث ابن عمر : قال البخاري : 582 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى بن سعيد ، عن هشام ، قال : أخبرني أبي ، قال : أخبرني ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ) . 583 - قال : وحدثني ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة ، حتى تغيب ) . تابعه : عبدة . وحديث عبدة الذي أشار إلى متابعته : قد خرجه في ( كتاب بدء الخلق ) : أخبرنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز ، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ، لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ) أو ( الشيطان ) ، لا أدري أي ذلك قال هشام ؟ وخرجه مسلم من رواية وكيع وابن نمير ومحمد بن بشر ، كلهم عن هشام - بنحوه . وفي رواية له : ( فإنها تطلع بقرني الشيطان ) . وإنما احتاج البخاري إلى ذكر المتابعة في هذا الإسناد ؛ لأن عروة قد اختلف عليه فيه : وهما حديثان : حديث ( لا تحروا بصلاتكم ) ، وحديث ( إذا طلع حاجب الشمس ) . وقد روى ابن إسحاق ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : حديث : ( إذا طلع حاجب الشمس ) - الحديث ، ووهم في قوله : ( عن عائشة ) . ورواهما عن مالك وعروة ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا . وروى مسلمة بن قعنب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر - أو : ابن عمرو - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : حديث : ( لا تحروا ) . والصحيح : قول القطان ومن تابعه : [رواه] الدارقطني . وذكر ابن عبد البر أن أيوب بن صالح رواه ، عن مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . قال : وأيوب هذا ليس ممن يحتج به ، وليس بالمشهور بحمل العلم . وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب . خرجه الإمام أحمد . وروى ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة - موقوفا - : إذا طلع حاجب الشمس . والصواب : حديث عروة ، عن ابن عمر . ومن قال : ( عن عائشة ) فقد وهم : ذكره الدارقطني وغيره . فإن عروة عن عائشة سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لا يضبط ووهمه ، بخلاف : عروة ، عن ابن عمر ، فإنه غريب ، لا يقوله إلا حافظ متقن . ورواه الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن سالم ، عن أبيه . ووهم في قوله : ( عن سالم ) ، ولم يتابع عليه . قاله الدارقطني أيضا . واختلف في معنى قوله : ( تطلع بين قرني الشيطان ) على قولين : أحدهما : أنه على ظاهره وحقيقته . وفي حديث الصنابحي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، فإذا كانت في وسط السماء قارنها فإذا دلكت - أو قال : زالت - فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها ، فلا تصلوا هذه الساعات الثلاث ) . خرجه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه . وروى أبو بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن الشمس إذا طلعت أتاها ملك عن الله يأمرها بالطلوع ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع ، فتطلع بين قرنيه ، فيحرقه الله فيها ، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الغروب ، فتغرب بين قرنيه ، فيحرقه الله تحتها ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما طلعت إلا بين قرني شيطان ، ولا غربت إلا بين قرني شيطان ) . خرجه ابن عبد البر . والهذلي ، متروك الحديث . وأهل هذا القول ، منهم من حمل القرن على ظاهره ، وقال : يمكن أن يكون للشيطان قرن يظهره عند طلوع الشمس وغروبها . ومنهم من قال : المراد بقرنيه جانبي رأسه ، وإليه ميل ابن قتيبة . والقول الثاني : أن المراد بطلوعها وغروبها بين قرني الشيطان : من يسجد لها من المشركين ، كما في حديث عمرو بن عبسة المتقدم ، ( إنها تطلع بين قرني الشيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) . والقرن : الأمة . ونسبه إلى الشيطان ؛ لطاعتهم إياه ، كما قال : أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ومنه : قول خباب في القصاص للإنكار عليهم : هذا قرن [قد] طلع . ورجح هذا القول كثير من المتأخرين أو أكثرهم ، وفيه نظر ؛ فإن حديث عمرو بن عبسة يدل على أن طلوعها بين قرني الشيطان غير سجود الكفار لها ؛ ولأن الساجدين للشمس لا ينحصرون في أمتين فقط . وقالت طائفة : معنى ( بين قرني الشيطان ) أن الشيطان يتحرك عند طلوعها ويتسلط : قاله إبراهيم الحربي ، ورجحه بعضهم بأنه يقال : أنا مقرن لهذا الأمر ، أي : مطيق له . وهذا بعيد جدا . والله أعلم .
30 - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس فيه حديث عن عمر ، وابن عمر ، وأبي هريرة : فحديث عمر ، قال فيه : 581 - حدثنا حفص بن عمر : ثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب . حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس ، قال : حدثني ناس بهذا . إنما أعاده من طريق شعبة لتصريح قتادة فيه بالسماع من أبي العالية . وقد قال شعبة : لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء : هذا الحديث ، وحديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ) ، وحديث علي : ( القضاة ثلاثة ) . ذكره أبو داود والترمذي في ( كتابيهما ) عن شعبة ، تعليقا . وقد خرج في ( الصحيحين ) لقتادة عن أبي العالية ، حديث ابن عباس في ( دعاء الكرب ) ، وحديثه : في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء الأنبياءَ . وقد روي هذا الحديث من حديث الحسن ، عن أبي العالية ، وليس بمحفوظ: ذكره العقيلي . وقول ابن عباس : شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، معناه : أخبرني بذلك وحدثني به ، ولم يرد أنهم أخبروه به بلفظ الشهادة عنده . وهذا ما استدل به من يسوي بين لفظ الإخبار والشهادة ، وقد نص عليه أحمد في الشهادة بالجنة للصحابة الذين روي أنهم في الجنة ؛ فإن من الناس من قال : يقال : إنهم في الجنة ، ولا نشهد ، فقال أحمد : إذا قال فقد شهد . وسوى بين القول والشهادة في ذلك . وأما في أداء الشهادة عند الحاكم ، فاعتبر أكثر أصحابنا لفظ الشهادة ، وذكر القاضي أبو يعلى في موضع احتمالا آخر ، بأنه لا يشترط ذلك . وكان ابن عباس يروي - أحيانا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شهده وسمعه منه ، ويقول : أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال ذلك في روايته لخطبة العيد ، وقد سبق حديثه بهذا في ( كتاب العلم ) في ( باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن ) . وقوله : ( نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ) ، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر ، وهو المراد بقوله في هذه الرواية : ( بعد الصبح ) ؛ فإن الصبح هو الفجر ، كما قال تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ وقال : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس . وهذا قول جمهور العلماء : أن أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر . وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة . وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك . وكرهه سعيد بن المسيب ، قال : هو خلاف السنة . وعطاء والحسن - [قال] : وما سمعت فيه بشيء - والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن . وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه . وذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية : أنه ظاهر مذهب الشافعي . وحكى الترمذي في ( جامعه ) أن أهل العلم أجمعوا عليه ، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين ) . وله طرق متعددة عن ابن عمر . وخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وله عنه طرق . وروي عن ابن المسيب مرسلا ، وهو أصح . ومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل . وفي ( صحيح مسلم ) ، عن حفصة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين . وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الساعات أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر فلا صلاة ، إلا الركعتين حتى تصلي الفجر ) . وخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني ، عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وقال فيه : ( فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح ، ثم انتهِ حتى تطلع الشمس ) . وخرجه النسائي ، وعنده : ( حتى تصلي الصبح ) . فقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة . ومما يدل على أن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بلالا يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ) . وقد خرجاه في ( الصحيحين ) من حديث ابن مسعود . فإن معنى : ( يرجع قائمكم ) أن المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها . وقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الفجر ، كالوتر وصلاة الليل . روي عن عمر وعائشة في صلاة الليل . وإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل . وروي عن عطاء . ونص أحمد عليه في الوتر ، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب ، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب ، كتحية المسجد وغيرها . وقال آخرون : لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر . ورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس . والمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه : الرخصة في ذلك ، حتى يصلي الفجر . وحكي رواية عن أحمد . وفي ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن عبسة ، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ فقال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) - وذكر الحديث . وهذا إنما يدل بمفهومه ، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى ، فيقدم المنطوق عليه . وقوله : ( حتى تشرق الشمس ) هكذا الرواية : ( تشرق ) بضم التاء وكسر الراء ، من قولهم : أشرقت الشمس . وزعم بعضهم : أن الصواب : ( تشرق ) بفتح التاء ، وضم الراء ، من قولهم : شرقت الشمس ، إذا طلعت . قال : ومعنى أشرقت : أضاءت وصفت . قال : والمناسب هنا ذكر طلوعها ، لا ذكر إضاءتها وصفائها . وهذا ليس بشيء ، والصواب : ( تشرق ) ، والمعنى : حتى ترتفع الشمس ، كما بوب عليه البخاري . والنهي يمتد إلى أن ترتفع وتضيء ويصفو لونها ، كما في حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ) . وسيأتي إن شاء الله . مع أن كلا الحديثين قد روي فيه : ( حتى تطلع الشمس ) ، وهو من رواية بعض رواته بالمعنى الذي فهمه منه . والله أعلم .
29 - باب من أدرك من الصلاة ركعة 580 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) . روى بعضهم هذا الحديث عن مالك ، وقال فيه : ( من أدرك ركعة من العصر ) ، وهو وهم على مالك ، وإنما حديث مالك : ( من أدرك ركعة من الصلاة ) . وخرجه مسلم ، عن عبد بن حميد : ثنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث مالك ، عن زيد بن أسلم . يعني : الحديث الذي خرجه البخاري في الباب الماضي . وذكر الدارقطني في ( العلل ) أنه ليس بمحفوظ عنه - يعني : عن معمر . وذكر أن عبد الرزاق رواه بخلاف ذلك . قال : وروي - أيضا - عن محمد بن أبي حفصة وسفيان بن حسين ، عن الزهري - يعني : بذكر العصر والفجر . والمحفوظ : عن الزهري في حديث : ( من أدرك ركعة من الصلاة ) . وقد اختلف في معنى ذلك : فقالت طائفة : معناه : إدراك وقت الصلاة ، كما في حديث عطاء بن يسار وبسر بن سعيد والأعرج ، عن أبي هريرة الذي سبق في الباب الماضي . وقد روى هذا الحديث المذكور في هذا الباب عمار بن مطر ، عن مالك ، وقال فيه : ( فقد أدرك الصلاة ووقتها ) . قال ابن عبد البر : لم يقله عن مالك غير عمار ، وهو مجهول لا يحتج به . وقالت طائفة معناه : إدراك الجماعة . ويشهد له ما خرجه مسلم من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، ولفظه : ( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة ) . وهؤلاء لهم في تفسير إدراك الجماعة قولان : أحدهما : أن المراد إدراك فضل الجماعة وتضعيفها . وروى نوح بن أبي مريم هذا الحديث ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك الإمام جالسا قبل أن يسلم فقد أدرك الجماعة وفضلها ) . خرجه الدارقطني . وقال : نوح متروك . وقد وهم في لفظه ، وخالف جميع أصحاب الزهري ، ووهم - أيضا - في إسناده ، فإنه عن أبي سلمة لا عن سعيد بن المسيب . مع أنه قد روي عن مالك والأوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد ، وليس بمحفوظ . وروى أبو الحسن بن جوصا في ( مسند الأوزاعي ) : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة : ثنا أبي : عن أبيه يحيى بن حمزة : حدثني الأوزاعي ، أنه سأل الزهري عن رجل أدرك من صلاة الجمعة ركعة ؟ فقال : حدثني أبو سلمة ، أن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أدرك من صلاة ركعة فقد أدرك فضيلة الجماعة ) . وهذا اللفظ - أيضا - غير محفوظ . وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة ، ضعفوه ؛ ذكره الحاكم أبو أحمد في ( كتاب الكنى ) . وروى أبو علي الحنفي - واسمه : عبيد الله بن عبد المجيد - هذا الحديث ، عن مالك ، وقال في حديثه : ( فقد أدرك الفضل ) . قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من الرواة قاله عن مالك غيره . قال : ورواه نافع بن يزيد ، عن يزيد بن الهاد ، عن عبد الوهاب بن أبي بكر ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها ) . قال : وهذا اللفظ - أيضا - لم يقله أحد عن ابن شهاب غير عبد الوهاب هذا ، وليس ممن يحتج به على أصحاب ابن شهاب . قال : وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد ، عن ابن الهادي ، عن ابن شهاب ، فلم يذكر في الإسناد : ( عبد الوهاب ) ، ولا جاء بهذه اللفظة . وقد اختلف العلماء في ما يدرك به فضل الجماعة مع الإمام : فقالت طائفة : لا يدرك بدون إدراك ركعة تامة ؛ لظاهر الحديث . وقد رواه قرة بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وزاد فيه : ( قبل أن يقيم الإمام صلبه ) . خرج حديثه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والدارقطني . وليس هذا اللفظ بمحفوظ عن الزهري - أيضا وقرة هذا مختلف في أمره ، وتفرد بهذا الحديث عنه يحيى بن حميد بهذه الزيادة ، وقد أنكرها عليه البخاري والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم . وحكي هذا القول عن مالك : أنه لا يدرك الجماعة بدون ركعة . وذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهبا لأحمد ، ولم يحك فيه خلافا . وهو قول عطاء ، حتى قال : إذا سلم إمامه ، فإن شاء تكلم ، فلم يكن في صلاة ، قد فاتته الركعة . خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عنه . وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ) . وخرجه الحاكم وصححه . وفي إسناده من ضعف . وخرجه الطبراني وغيره من رواية عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وإسناده جيد . قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي : لا أعلم له علة . وقالت طائفة : تدرك فضيلة الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام ، وهو قول أبي وائل . وقال قتادة : إن ابن مسعود أدرك قوما جلوسا في آخر صلاتهم ، فقال : قد أدركتم إن شاء الله . وهو مذهب الشافعي ، والمشهور عن أحمد عند القاضي أبي يعلى وأتباعه ، حتى قال بعض أصحابنا : هو إجماع من العلماء ، لا نعلم فيه خلافا ؛ ولكن ليس بإجماع كما تقدم . وروى ابن عدي من طريق محمد بن جابر ، عن أبان بن طارق ، عن كثير بن شنظير ، عن عطاء ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة ، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة ) . قال : وكنا نتحدث أن من أدرك قبل أن يتفرقوا فقد أدرك فضل الجماعة . وليس هذا بمحفوظ ، وأبان بن طارق ومحمد بن جابر ضعيفان . وقد رواه ابن علية ، عن كثير بن شنظير ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : إذا انتهى إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم فقد دخل في التضعيف ، وإذا انتهى إليهم وقد سلم الإمام ، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف . قال عطاء : وكان يقال : إذا خرج من بيته وهو ينويهم ، فأدركهم أو لم يدركهم فقد دخل في التضعيف . وهذا الموقوف أصح . وكذا قال أبو سلمة : من خرج من بيته قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك . ومعنى هذا كله : أنه يكتب له ثواب الجماعة ؛ لما نواها وسعى إليها ، وإن كانت قد فاتته ، كمن نوى قيام الليل ثم نام عنه ، ومن كان له عمل فعجز عنه بمرض أو سفر ، فإنه يكتب له أجره . ويشهد لهذا : ما خرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم راح فوجد الناس قد صلوا ، أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا ) . وخرج أبو داود من حديث سعيد بن المسيب ، عن رجل من الأنصار ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له ، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك ، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك ) . وخرج النسائي في هذا الباب من حديث عثمان : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة ، فصلاها مع الناس ، أو مع الجماعة ، أو في المسجد غفر له ذنبه ) . ولا خلاف عن الشافعي وأحمد أن الجمعة لا تدرك بدون إدراك ركعة تامة ؛ لأن الجماعة شرط لها ، وهذا مما يقوي القول بأن الجماعة لا تدرك بدون إدراك ركعة . والقول الثاني : أن المراد بإدراك الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام الجماعة ، من الفضل ، وسجود السهو ، وحكم الإتمام ، وهذا مذهب مالك . فعلى هذا ؛ إذا أدرك المسافر المقيم في التشهد الآخر لم يلزمه الإتمام ، وإن أدرك معه ركعة تامة فأكثر لزمه الإتمام ، وإذا خرج من بلده مسافرا وقد بقي عليه من وقت الصلاة قدر ركعة قصر الصلاة ، وإن كان أقل من قدر ركعة أتمها ، وإذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة لزمه أن يسجد معه لسهوه ، سواء أدركه في ذلك السهو أو لم يدركه ، وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجود له . هذا كله مذهب مالك . ووافقه الليث والأوزاعي في مسألة سجود السهو . ووافقه أحمد - في رواية عنه - في المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أقل من ركعة فدخل معه أن له أن يقصر . والمشهور عنه أنه يلزمه الإتمام كقول الشافعي وأبي حنيفة . وكذا قال طائفة من أصحابنا في ائتمام المفترض بالمتنفل ، ومن يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر ، أنه إن أدرك معه دون ركعة جاز ائتمامه به ؛ لأنه لم يدرك معه ما يعتد به من صلاة ، وإن أدرك معه ركعة فصاعدا لم يجز ائتمامه به . وقالت طائفة أخرى : قوله : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) يدخل في عمومه إدراك الوقت بالنسبة إلى أداء الصلاة ، وإدراك الجماعة كما تقدم . ويدخل فيه - أيضا - إدراك قدر ركعة من وقت الوجوب إذا زال عذر المعذور في آخر وقت الصلاة . فلو طهرت من حيضها في آخر الوقت وقد بقي منه قدر ركعة لزمها القضاء ، وإن لم يبق منه قدر ركعة فلا قضاء عليها . وهذا قول مالك والليث ، وأحد قولي الشافعي ، ورواية عن أحمد ، حكاها أبو الفتح الحلواني وغيره . والمشهور عن الشافعي وأحمد : أنه يعتبر إدراك قدر تكبيرة الإحرام من الوقت إذا زال العذر . وهو قول أبي حنيفة ، وحكي عن الأوزاعي والثوري . وكذا المشهور عند أصحاب أحمد من مذهب أحمد فيما إذا طرأ العذر بعد دخول الوقت في أوله . وقالت طائفة من أصحابنا كابن بطة وابن أبي موسى : يعتبر في أول الوقت ذهاب وقت يمكن فيه أداء الصلاة كلها ، وهو قول الشافعي وإسحاق . والقولان للشافعي في اعتبار ركعة وقدر تكبيرة فيما إذا زال العذر في آخر الوقت كالحائض تطهر . فإن طرأ العذر في أوله كالطاهر تحيض ، فلأصحابنا طريقان : أحدهما : أنه على الخلاف في زواله في آخر الوقت . والثاني ، وهو الصحيح المشهور عندهم : يعتبر ذهاب قدر الصلاة بكمالها . فإن طرأ العذر قبل ذلك فلا قضاء ، كما قاله ابن بطة وابن أبي موسى من أصحابنا . وفرقوا بين أول الوقت وآخره ، فإن أول الوقت إذا لم يمض قدر التمكن من الفعل كان الإلزام بالفعل تكليفا بما لا يطاق ، وأما في آخر الوقت فيمكن فعل ما أدركه في الوقت ، ويكمله بعد الوقت ، ويكون كله أداء على ما سبق تقريره . وأما من سوى بين الصورتين في الوجوب - وهو المشهور عند أصحابنا - فقالوا : ليس ذلك تكليفا لما لا يطاق ، فإنا لا نكلف من طرأ عليه العذر بالفعل في الوقت الذي لا يتمكن فيه ، بل يلزمه في ذمته ويجب عليه القضاء . وخرج ابن سريج قولا آخر : أنه لا يجب القضاء حتى يدرك جميع الوقت خاليا من العذر من نص الشافعي على المسافر إذا سافر في أثناء الوقت فله القصر . وفرق أكثر أصحابه بينهما ، بأن المسافر والمقيم كلاهما تجب عليه الصلاة ، لكن المسافر له القصر إذا صلى في السفر ، وإن لزمته الصلاة قبل ذلك في الحضر ؛ اعتبارا في صفة الصلاة بحال أدائها في وقتها ، كما لو كان في أول الوقت قادرا على القيام أو الطهارة بالماء ثم عجز عن ذلك في آخره ، فإنه يصلي قاعدا وبالتيمم . ومذهب الحسن وابن سيرين وحماد ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة في المشهور عنه : أنه لا قضاء ، وإن وجد المانع في آخر الوقت . ورواه ابن وهب ، عن مالك : نقله ابن عبد البر ، ولم يذكر عنه خلافه . وفي ( تهذيب المدونة ) أن مذهب مالك : لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت عن الفعل ، ويبقى منه قدر ركعة ، ثم يوجد بعد ذلك ، لأن تركها قبل ذلك جائز . وهو رواية زفر ، عن أبي حنيفة . وهذا الاختلاف عنهم فيما إذا تجدد المانع من الصلاة في أثناء الوقت - مبني على أصلين : أحدهما : أن الصلاة : هل تجب بأول الوقت وجوبا موسعا ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : تجب بأوله ، وهو المحكي عن مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وبعض أصحاب أبي حنيفة . وقال أكثر أصحابه : تجب بآخره إذا بقي من الوقت قدر ما يتسع لتلك الصلاة ، لأن ما قبله يجوز تركها فيه ، فلا يوصف فيه بالوجوب . ومنهم من قال : لا تجب حتى يبقى من الوقت قدر تكبيرة واحدة . ومن الناس من يحكي هذه الأقوال الثلاثة ثلاث روايات عن أبي حنيفة . ومن أصحابنا من قال : تجب في جزء منه غير معين ، وهو ما يقع فيه فعل الصلاة ، فتكون أجزاء الوقت كخصال الكفارة . والثاني : هل يستقر الوجوب في الذمة بما يجب به الصلاة ، وهو أول جزء من الوقت عند من يرى ذلك ، أم لا يستقر الوجوب حتى يمضي من الوقت مقدار ما يفعل فيه ، أم لا يستقر حتى يبقى من الوقت مقدار ما يتسع لفعل الصلاة ، أم لا يستقر حتى يخرج آخر الوقت سالما من الموانع ؟ فهذه أربعة أقوال . والأول : هو المشهور عند أصحابنا ، وذكروا أنه المنصوص عن أحمد ، وقد نص أحمد على أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت قليلا فعليها القضاء ، وهو - أيضا - قول بعض الشافعية ، وحكي عن الثوري وطائفة من السلف . والثاني : قول الشافعي وإسحاق وابن بطة وابن أبي موسى . والثالث : قول مالك ، ورواية زفر عن أبي حنيفة . والرابع : قول أبي حنيفة ومن وافقه كالأوزاعي وابن سريج من الشافعية . وأما إذا زال العذر في آخر الوقت ، فالأكثرون على أنه لو زال قبل خروج الوقت ولو بقدر تكبيرة وجبت تلك الصلاة به ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي في أشهر قوليه ، وأحمد في ظاهر مذهبه . وقال طائفة : يعتبر أن يدرك من الوقت قدر ركعة ، وهو قول مالك ، والليث ، والشافعي في قوله الآخر ، وحكي رواية عن أحمد ؛ لمفهوم الحديث المخرج في هذا الباب . وحكي عن بعضهم ، أنه اعتبرها هنا للوجوب إدراك قدر الصلاة بكمالها من الوقت . وهذه طريقة ضعيفة في مذهب الشافعي وأحمد ، وحكي عن زفر . والمروي عن الصحابة يدل على القول الأول ؛ فإنه روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبي هريرة ، في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر : تصلي المغرب والعشاء . زاد عبد الرحمن وابن عباس : وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر . ولم يفرقوا بين قليل من الوقت وكثير .
28 - باب من أدرك من الفجر ركعة 579 - حدثنا عبد الله بن مسلمة : عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد ، وعن الأعرج ، يحدثونه عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ) . هذا الحديث نص في أن من صلى الفجر قبل طلوع الشمس فإنه مدرك لوقتها ؛ فإنه إذا كان مدركا لها بإدراكه منها ركعة قبل طلوع الشمس ، فكيف إذا أدركها كلها قبل الطلوع ؟ فإن قال قائل : نحمله على أهل الأعذار والضرورات ، كما حملتم قوله : ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ) على حال الضرورة . قلنا : في العصر قد دل دليل على كراهة التأخير إلى اصفرار الشمس ، ولم يدل دليل على كراهة تأخير الفجر إلى الإسفار . وقد ذكرنا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فقد أدركها ) في ( باب : من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب ) . وقد فسره الإمام أحمد بإدراك وقتها . وجمهور العلماء على أن تأخير صلاة الفجر حتى يبقى منها مقدار ركعة قبل طلوع الشمس لغير ضرورة غير جائز ، وقد نص عليه الإمام أحمد ، وحكي جوازه عن إسحاق وداود . وتقدم مثله في صلاة العصر . وقد سبق الحديث في ( باب : من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب ) من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أدرك أحدكم سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) . وقد روى الدراوردي عن زيد بن أسلم حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري هاهنا بالإسناد الذي رواه عنه مالك ، ولفظ حديثه : ( من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعدما تطلع فقد أدركها ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وثلاثا بعدما تغرب فقد أدركها ) . ورواه - أيضا - مسلم بن خالد ، عن زيد بن أسلم ، عن الأعرج وعطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح بمعنى رواية الدراوردي . ورواه أبو غسان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم تفته العصر ، ومن صلى سجدة من الصبح قبل طلوع الشمس ، ثم صلى ما بقي بعد طلوع الشمس فلم تفته الصبح ) . وروى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أدركت ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فصل إليها أخرى ) . خرجه الإمام أحمد . ورواه همام عن قتادة - بنحوه ، وصرح فيه بسماع قتادة من خلاس . ورواه هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن عزرة بن تميم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليصل إليها أخرى ) . وفي هذه النصوص كلها : دليل صريح على أن من صلى ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس ثم طلعت الشمس أنه يتم صلاته وتجزئه ، وكذلك كل من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر فإنه يتم صلاته وتجزئه ، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وروى الشافعي : أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، أن أبا بكر صلى بالناس الصبح ، فقرأ سورة البقرة ، فقال له عمر : كادت الشمس أن تطلع ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وروى عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : صليت مع عمر بن الخطاب الفجر ، فلما سلم ظن الرجال ذوو العقول أن الشمس طلعت ، فلما سلم قالوا : يا أمير المؤمنين ، كادت الشمس تطلع ، فتكلم بشيء لم أفهمه ، فقلت : أي شيء قال ؟ فقالوا : قال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وروى الأوزاعي : حدثني يحيى بن سعيد ، عن سعيد المقبري ، قال : كان أبو هريرة يقول : من نام أو غفل عن صلاة الصبح فصلى ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس والأخرى بعد طلوعها فقد أدركها . وقال في العصر كذلك . وممن ذهب إلى ذلك من العلماء : مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وكذلك قال الثوري ، إلا أنه قال : يستحب أن يعيدها . وقال أبو حنيفة وأصحابه : تبطل صلاته ؛ لأنه دخل في وقت نهي عن الصلاة فيه . فبطلت صلاته ، بناء على أصلين لهم : أحدهما : أن ما وقع منها بعد طلوع الشمس يكون قضاء . والثاني : أن الفوائت لا تقضى في أوقات النهي . وأما الجمهور فخالفوا في الأصلين . وقد تقدم ذكر الاختلاف فيما يقع من الصلاة خارج الوقت إذا وقع أولها في الوقت : هل هو قضاء ، أو لا ؟ وأن ظاهر مذهب الشافعي وأحمد لا يكون قضاء ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فقد أدركها ) . وأما قضاء الفوائت في أوقات النهي ، فخالف فيه جمهور العلماء ، وأجازوه عملا بعموم قوله : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) . وقالوا : إنما النهي عن النفل ، لا عن الفرض ، ولهذا يجوز أن يصلي بعد اصفرار الشمس ودخول وقت النهي صلاة العصر الحاضرة ، وقد وافق عليه أبو حنيفة وأصحابه ، وإنما خالف فيه بعض الصحابة . وعلى تقدير تسليم منع القضاء في أوقات النهي ، فإنما ذاك في القضاء المبتدأ به في وقت النهي ، فأما المستدام فلا يدخل في النهي ؛ فإن القواعد تشهد بأنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء . وعلى هذا ؛ فنقول في النفل كذلك ، وأن من كان في نافلة فدخل عليه وقت نهي عن الصلاة لم تبطل صلاته ويتمها ، وهو ظاهر كلام الخرقي من أصحابنا ، وصرح به ابن عقيل منهم . وقد روى محمد بن سنان العوقي : حدثنا همام : ثنا قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى ركعة من الصبح ثم طلعت الشمس فليصل الصبح ) . قال البيهقي في ( خلافياته ) : هذا ليس بمحفوظ ، إنما المحفوظ : عن قتادة - بغير هذا الإسناد - : ( فليتم صلاته ) - كما تقدم ، وإنما المحفوظ بهذا الإسناد : حديث : ( من لم يصل ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس فليصلها ) . انتهى . وقد خرج الترمذي في ( جامعه ) حديث همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : ( من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس ) . ثم قال : لم يروه عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلابي ، والمعروف من حديث قتادة : عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ) . انتهى . وإذا كان هذا معروفا بهذا الإسناد عن قتادة ، فلم يهم فيه محمد بن سنان ، وإنما غير بعض لفظه حيث قال : ( فليصل الصبح ) ، وهو رواية بالمعنى الذي فهمه من قوله : ( فليتم صلاته ) ، ومراده : فليتم صلاة الصبح ، وليستمر فيها . والحديث الذي أشار إليه الترمذي خرجه الإمام أحمد : حدثنا بهز ، قال : ثنا همام : ثنا قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة - قال همام : وجدت في كتابي : عن بشير بن نهيك ، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صلى - يعني : ركعتي الصبح ثم طلعت الشمس ، فليتم صلاته ) . ورواه - أيضا - عن عبد الصمد ، عن همام : ثنا قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس فليصل إليها أخرى ) . هكذا روى همام ، عن قتادة هذا الحديث ، وقد تقدم أن سعيد بن أبي عروبة وهشاما الدستوائي رويا أصل الحديث عن قتادة ، واختلفا في إسناده . قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن اختلافهم على قتادة ؟ فقال أبي : أحسب الثلاثة كلها صحاحا ، وقتادة كان واسع الحديث ، وأحفظهم سعيد قبل أن يختلط ، ثم هشام ، ثم همام .
الحديث الثاني : قال : 577 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان ، عن أبي حازم ، أنه سمع سهل بن سعد يقول : كنت أتسحر في أهلي ، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم رواه عن أبي حازم : سليمان بن بلال وعبد الله بن عامر . وفيه : دلالة على تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الفجر - أيضا كحديث زيد بن ثابت الذي قبله .
الحديث الثالث : 578 - حدثنا يحيى بن بكير : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته ، قالت : كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغلس . ( المروط ) : الأكسية ، وقد سبق تفسيرها . و ( التلفع ) : تغطية الرأس . وروي عن مالك : ( متلففات ) - بفائين والمشهور عنه : ( متلفعات ) أيضا - بالعين ، كرواية الأكثرين . والحديث عند مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة . وقد خرجه من طريقه البخاري في موضع آخر من ( كتابه ) ومسلم - أيضا . وخرجه البخاري - أيضا - من رواية فليح ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة - بنحوه . والحديث : يدل على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفجر ، فإنه كان يطيل فيها القراءة ، ومع هذا فكان ينصرف منها بغلس . فإن قيل : ففي حديث أبي برزة ، أنه كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، وهذا يخالف حديث عائشة . قيل : لا اختلاف بينهما ، فإن معرفة الرجل رجلا يجالسه في ظلمة الغلس ، لا يلزم منه معرفته في ذلك الوقت امرأة منصرفة متلفعة بمرطها ، متباعدة عنه . وروى الشافعي حديث أبي برزة في كتاب ( اختلاف علي وعبد الله ) ، عن ابن علية ، عن عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصبح ، ثم ننصرف وما يعرف الرجل منا جليسه . قال البيهقي : هذا الكتاب لم يقرأ على الشافعي ، فيحتمل أن يكون قوله : ( وما يعرف الرجل منا جليسه ) وهما من الكاتب ؛ ففي سائر الروايات : ( حتى يعرف الرجل منا جليسه ) . انتهى . والظاهر : أن أبا برزة أراد أن الرجل إنما كان يعرف جليسه إذا تأمل وردد فيه نظره . ويدل عليه : أحاديث أخر ، منها : حديث قيلة بنت مخرمة ، أنها قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة ، وقد أقيمت حين انشق الفجر ، والنجوم شابكة في السماء ، والرجال لا تكاد تتعارف مع ظلمة الليل . خرجه الإمام أحمد . وهو إخبار عن حال الصلاة دون الانصراف منها . وروى أبو داود الطيالسي وغيره من رواية حرملة العنبري ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصليت معه الغداة ، فلما قضى الصلاة نظرت في وجوه القوم ، ما أكاد أعرفهم . وخرج البزار والإسماعيلي من رواية حرب بن سريج ، عن محمد بن علي بن حسين ، عن محمد ابن الحنفية ، عن علي بن أبي طالب ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح ، وما يعرف بعضنا وجه بعض . حرب بن سريج ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين . قال أبو حاتم : ليس بقوي ؛ منكر عن الثقات . وفي الباب أحاديث أخر . والكلام هاهنا في مسألتين : المسألة الأولى : في وقت الفجر : أما أول وقتها : فطلوع الفجر الثاني ، هذا مما لا اختلاف فيه . وقد أعاد أبو موسى وابن عمر صلاة الفجر لما تبين لهما أنهما صليا قبل طلوع الفجر . وروى ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : الفجر فجران : فجر يطلع بليل ، يحل فيه الطعام والشراب ولا يحل فيه الصلاة . وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام والشراب ، وهو الذي ينتشر على رءوس الجبال . ورواه أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، فرفعه . خرجه من طريقه ابن خزيمة وغيره . والموقوف أصح ، قاله البيهقي وغيره . وروى ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( الفجر فجران ، فإن الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة فيه ولا يحرم الطعام ) . وروي عن ابن أبي ذئب - بهذا الإسناد - مرسلا من غير ذكر : جابر . قال البيهقي : هو أصح . وأما آخر وقت الفجر : فطلوع الشمس ، هذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف ، ولا يعرف فيه خلاف ، إلا عن الإصطخري من الشافعية ، فإنه قال : إذا أسفر الوقت جدا خرج وقتها وصارت قضاء . ويرد قوله : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ) . وفي ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس ) . وفي رواية له - أيضا - : ( وقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ) . المسألة الثانية : في أن الأفضل : هل هو التغليس بها في أول وقتها ، أم الإسفار بها ؟ وفيه قولان : أحدهما : أن التغليس بها أفضل ، وروي التغليس بها عن أبي بكر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي موسى ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، ومعاوية ، وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود . وقد ذكرنا في هذا الباب عامة أحاديث التغليس بالفجر . وذهب آخرون إلى أن الإسفار بها أفضل ، وروي الإسفار بها عن عثمان ، وعلي وابن مسعود . روى الأوزاعي : حدثني نهيك بن يريم الأوزاعي : حدثني مغيث بن سمي ، قال : صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس ، فلما سلم أقبلت على ابن عمر ، فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه صلاتنا ، كانت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان . خرجه ابن ماجه . وذكر الترمذي في ( علله ) عن البخاري ، أنه قال : هو حديث حسن . وقال يزيد الأودي : كنت أصلي مع علي صلاة الغداة ، فتخيل إليّ أنه يستطلع الشمس . وقال علي بن ربيعة : سمعت عليا يقول : يا ابن التياح ، أسفر أسفر بالفجر . وقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه كان يسفر بصلاة الغداة . وقال نافع بن جبير : كتب عمر إلى أبي موسى أن صل الفجر إذا نور النور . وممن كان يرى التنوير بها : الربيع بن خثيم وسعيد بن جبير ، وكان النخعي يسفر بها . ذكر ذلك كله أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) بأسانيده . وقال : رأينا سفيان يسفر بها . وممن رأى الإسفار بها : طاوس وفقهاء الكوفيين ، مثل : سفيان والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر . وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن أبي الدرداء ، قال : أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم . واستدل من رأى الإسفار : بما روى عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( أسفروا بالفجر ؛ فإنه أعظم للأجر ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) . وقال العقيلي : إسناده جيد . قال الأثرم : ليس في أحاديث هذا الباب أثبت منه . يشير إلى أن في الباب أحاديث وهذا أثبتها ، وهو كما قال . وأجاب من يرى التغليس أفضل عن هذا بأجوبة : منها : تضعيفه ، وسلك ذلك بعض أصحابنا الفقهاء ، وسلكه ابن عبد البر ، وقال : مدار الحديث على عاصم بن عمر بن قتادة ، وليس بالقوي . كذا قال ؛ وعاصم هذا مخرج حديثه في ( الصحيحين ) ، وقال ابن معين وأبو زرعة : ثقة . وقد يعلل هذا بالاختلاف في إسناده على عاصم بن عمر بن قتادة : فرواه ابن إسحاق وابن عجلان ، عن عاصم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع كما تقدم . ورواه زيد بن أسلم ، عن عاصم بن عمر ، واختلف عنه : فرواه أبو غسان ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من قوم من الأنصار ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما أسفرتم بالصبح ، فإنه أعظم للأجر ) . وخرجه من طريقه النسائي كذلك . ورواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن رجال من قومه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر : محمود بن لبيد . ورواه هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من الصحابة - ولم يذكر : عاصما . ورواه وكيع ، عن هشام ، عن زيد - مرسلا . ورواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن محمود بن لبيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرجه من طريقه الإمام أحمد . وروي عن شعبة ، عن أبي داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع . قال البزار : أبو داود هذا هو الجزري ، لم يسند عنه شعبة إلا هذا . وقال أبو حاتم الرازي : شيخ واسطي مجهول . ورواه بقية ، عن شعبة ، عن داود البصري ، عن زيد . وزعم بعضهم : أنه داود بن أبي هند ، وهو بعيد . وزيد بن أسلم لم يسمع من محمود بن لبيد . ورواه يزيد بن عبد الملك ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهو وهم . قاله الدارقطني وغيره . ورواه إسحاق الحنيني ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن بجيد الحارثي ، عن جدته حواء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولم يتابع عليه الحنيني ، وهو وهم منه ، قاله الدارقطني ، وأشار إليه الأثرم وغيره . ورواه فليح بن سليمان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال البزار : لا نعلم أحدا تابع فليحا على هذا الإسناد . والصواب من الخلاف على زيد بن أسلم ، عن عاصم ، عن محمود ، عن رافع - : قاله الدارقطني . قلت : أما ابن إسحاق وابن عجلان فروياه عن عاصم بهذا الإسناد ، وأما زيد فاختلف عنه كما ترى ، ولا نعلم أحدا قال عنه مثل قول ابن إسحاق وابن عجلان ، فكيف يكون هو الصواب عن زيد ؟ فرجع الأمر إلى ما رواه ابن إسحاق وابن عجلان ، عن عاصم وليسا بالمبرزين في الحفظ . ومنها : تأويله ، واختلف المتأولون له : فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم : المراد بالإسفار : أن يتبين الفجر ويتضح ، فيكون نهيا عن الصلاة قبل الوقت ، وقبل تيقن دخول الوقت . وذكر الشافعي : أنه يحتمل أن بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني ، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه . ورد ذلك بعضهم بأن قوله : ( هو أعظم للأجر ) يدل على أن في ترك هذا الإسفار أجرا ، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها إلا بمعنى أنها تصير نافلة . ومنهم من قال : أمروا أن لا يدخلوا في صلاة الفجر حتى يتيقنوا طلوع الفجر ، وقيل لهم : هو أفضل من الصلاة بغلبة الظن بدخوله . وهذا جواب من يقول بجواز الدخول في الصلاة إذا غلب على الظن دخول وقتها من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره ، وأكثر أصحاب الشافعي ، وحملوا حديث ابن مسعود في تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم النحر بالمزدلفة على أنه صلاها يومئذ بغلبة ظن دخول الوقت . وكلام أحمد يدل على أنه لا يدخل في الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها كما سبق . ومن أصحابنا من حمل حديث ابن مسعود في الصلاة بالمزدلفة على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد تيقن طلوع الفجر تأخير الصلاة بقدر الطهارة والسعي إلى المسجد ، ولم يؤخر هذا القدر بالمزدلفة . وهذا أشبه . واستدل بعض من فسر الإسفار المأمور به بتبين الفجر : بأن العرب تقول : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته وأبانت عنه فدل على أن الإسفار هو التبيين والظهور . وفي هذا نظر ؛ فإنه لا يعرف في اللغة أسفرت المرأة عن وجهها ، إنما يقال : سفرت ، وأما الإسفار فإنما يقال في الفجر والصبح ، يقال : سفر ، وأسفر ؛ قال تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ومعناه أضاء وأنار ، ويقال : أسفر وجهه من السرور ، إذا أنار ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه كأنه فلقة قمر . ومنه قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ فليس معنى قوله : ( أسفروا بالفجر ) إلا أنيروا به . لكن : هل المراد إنارة الأفق بطلوع الفجر فيه ابتداء ، أم إنارة الأرض بظهور النور على وجهها ؟ هذا محل نظر . وحمله على الأول أقرب ؛ لأنه موافق فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين . وعلى هذا المعنى يحمل كلام أحمد ، بل هو ظاهره أو صريحه ، وهو حسن . ويدل عليه : ما روى مسلم الملائي ، عن مجاهد ، عن قيس بن السائب ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح إذا يغشى النور السماء . وذكر الحديث . خرجه الطبراني . وقال آخرون : بل الإسفار يكون باستدامته الصلاة ، لا بالدخول فيها ، فيدخل فيها بغلس ، ويطيلها حتى يخرج منها وقد أسفر الوقت . وقد روي هذا المعنى عن عطاء ، وقاله - أيضا - من أصحابنا : أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلى في ( خلافه الكبير ) ، ورجحه الطحاوي . ويعضد هذا : حديث أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الفجر حتى يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة . وقد رد هذا القول على من قاله كثير من العلماء ، منهم : الشافعي وابن عبد البر والبيهقي ، وقال : أكثر الأحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل فيها بغلس ، ويخرج منها بغلس ؛ لحديث عائشة وغيره ، وكذلك أكثر أصحابنا ، وإن كان منهم من كان يخرج منها بإسفار ويطيل القراءة ، كما روي عن الصديق لما قرأ بالبقرة ، وعن عمر - أيضا . وقد روي أن عمر هو الذي مد القراءة في الفجر ، وروي عن عثمان أنه تبعه على ذلك . وروي عن علي ، أنه كان يقصر فيها القراءة ، ولعله لما كان يسفر بها . ومن الناس من ادعى أن في هذه الأحاديث ناسخا ومنسوخا ، وهم فرقتان . فرقة منهم ادعت أن الأحاديث في الإسفار منسوخة . واستدلوا بما في حديث أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن بشير بن أبي مسعود ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث المواقيت بطوله ، وقال في آخره : وصلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، لم يعد إلى أن يسفر . خرجه أبو داود . وقد تقدم أن أسامة تفرد به بهذا الإسناد ، وإنما أصله : عن الزهري - مرسلا . وفرقة ادعت أن أحاديث التغليس منسوخة بالإسفار ، منهم : الطحاوي . وزعم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغلس بالفجر قبل أن تتم الصلوات لما قدم المدينة ، ثم لما أتمت الصلوات أربعا أربعا أطال في قراءة الفجر ، وغلس بها حينئذ . وأخذه من حديث عائشة الذي ذكرناه في أول ( الصلاة ) : أن الصلوات أتمت بالمدينة أربعا ، وأقرت الفجر لطول القراءة . وهذا في غاية البعد ، ولم ترد عائشة أنه حينئذ شرعت طول القراءة فيها عوضا عن الإتمام ، وإنما أخبرت أنها تركت على حالها لما فيها من طول القراءة ، ولم ينقل أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخفف القراءة في الفجر ثم أطالها ، ولا أنه لما كان يخففها كان يسفر بها ، وكل هذه ظنون لا يصح منها شيء . واختلف القائلون باستحباب التغليس بها إذا كان جيران المسجد يشق عليهم التغليس ، ولا يجتمعون في المسجد إلا عند الإسفار : هل الأفضل حينئذ التغليس ، أم الإسفار ؟ فقالت طائفة : التغليس أفضل بكل حال وهو قول مالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفة : الإسفار حينئذ أفضل ، وهو منصوص أحمد في رواية غير واحد من أصحابه . وجعله القاضي أبو يعلى في ( خلافة الكبير ) [و] في ( جامعه الكبير ) مذهب أحمد رواية واحدة ، ولم يحك عنه في ذلك خلافا في هذين الكتابين ، وهما من آخر كتبه . واستدلوا بحديث جابر في مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حال المأمومين في العشاء الآخرة ، وقد سبق . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن ، فأمره أن يغلس بالفجر في الشتاء ؛ لطول الليل واستيقاظ الناس في أول الوقت ، وأن يؤخر في الصيف ، لأن الناس ينامون لقصر الليل فيه . وحمل بعض أصحابنا أحاديث الأمر بالإسفار على حالة تأخير المأمومين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعجل الصبح تارة ، ويؤخرها تارة ، وعن جماعة من السلف . فروى الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري : ثنا أبو شعبة الطحان جار الأعمش ، عن أبي الربيع ، قال : قلت لابن عمر : إني أصلي معك الصبح ، ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي ، ثم أحيانا تسفر ؟ قال : كذلك رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها . وهذا إسناد ضعيف . نقل البرقاني ، عن الدارقطني ، قال : أبو شعبة متروك ، وأبو الربيع : مجهول . وروينا من طريق أبي خالد الواسطي ، عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر فيغلس ويسفر ، ويقول : ( ما بين هذين وقت ، لئلا يختلف المؤمنون ) . قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ، فقال : أبو خالد الواسطي هو عمرو بن خالد ، ضعيف الحديث جدا . وروى بيان الرقاشي ، قال : قلت لأنس : حدثني عن وقت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة - فذكر حديث المواقيت ، وقال : كان يصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر ، كل ذلك وقت . بيان هذا هو ابن جندب ، يكنى أبا سعيد . وقال أبو داود : لا أعلم له إلا حديث المواقيت . وقال ابن معين : هو مجهول . وله شاهد من وجه آخر أقوى منه . خرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق شعبة ، عن أبي صدقة ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر إلى أن ينفسح البصر . وأبو صدقة مولى أنس ، أثنى عليه شعبة خيرا ، ووثقه النسائي . وممن روي عنه التغليس والإسفار : عمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم . قال أبو نعيم : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن خرشة بن الحر ، قال : كان عمر يغلس بالفجر وينور . وحدثنا سيف بن هارون ، عن عبد الملك بن سلع ، عن عبد خير ، قال : كان علي ينور بها أحيانا ، ويغلس بها أحيانا . وفعل هؤلاء يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون ذلك على حسب مراعاة حال المأمومين في تقديمهم وتأخيرهم ، وقد روي هذا صريحا عن عمر . والثاني : أن يكون التقديم والتأخير عندهم سواء في الفضل . قال ابن عبد البر : ذهب طائفة إلى أن أول الوقت وآخره سواء في الفضل ؛ لقوله : ( ما بين هذين وقت ) . قال : ومال إلى ذلك بعض أصحاب مالك ، وذهب إليه أهل الظاهر ، وخالفهم جمهور العلماء . هذا ؛ مع أنه حكى عن داود أن التغليس بالفجر أفضل ، وحكى الاتفاق من المسلمين على أن التعجيل بالمغرب أفضل ، من يقول : لها وقت ، ومن يقول : إن وقتها متسع إلى العشاء . واختلف - أيضا - من يقول بأن التغليس أفضل من الإسفار : هل حكمه كله واحد ، أو مختلف ؟ فقال أصحاب الشافعي : آخر وقت الاختيار إذا أسفر - أي أضاء ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس . وقال الإصطخري منهم : يخرج الوقت بالإسفار جدا ، فتكون الصلاة معه قضاء ، وقد سبق حكاية قوله والرد عليه . وقال بعض الشافعية : يكره تأخير الصبح بغير عذر إلى طلوع الحمرة - يعني : الحمرة التي قبيل طلوع الشمس . واختلف أصحابنا في ذلك : فمنهم من قال : وقتها كله مختار إلى طلوع الشمس ؛ لأن أبا موسى روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه سأله سائل عن وقت الصلاة ، فصلى بهم في يومين ، فقدم في الأول ، [وأخر في الثاني] ، وأخر في اليوم الثاني الصبح حتى انصرف منها ، والقائل يقول : طلعت الشمس أو كادت . خرجه مسلم . وقد سبق عن علي بن أبي طالب نحو ذلك . ومنهم من قال : يذهب وقت الاختيار بالإسفار ، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشمس ، وهو قول القاضي أبي يعلى في ( كتابه المجرد ) . وقد روي عن أحمد ما يدل على كراهة التأخير إلى الإسفار الفاحش . قال إسحاق بن هانئ في ( مسائله ) : خرجت مع أبي عبد الله من المسجد في صلاة الفجر ، وكان محمد بن محرز يقيم الصلاة ، فقلت لأبي عبد الله : هذه الصلاة على مثل حديث رافع بن خديج في الإسفار ؟ فقال : لا ، هذه صلاة مفرط ؛ إنما حديث رافع في الإسفار أن يرى ضوء الفجر على الحيطان . قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : الحديث في التغليس أقوى . يشير أحمد إلى أنه مع تعارض الأحاديث يعمل بالأقوى منها ، وأحاديث التغليس أقوى إسنادا وأكثر . وكذلك الشافعي أشار إلى ترجيح أحاديث التغليس بهذا ، وعضده موافقة ظاهر القرآن من الأمر بالمحافظة على الصلوات . وقد حمل أحمد حديث رافع في الإسفار في هذه الرواية على ظاهره ، لكنه فسر الإسفار برؤية الضوء على الحيطان ، وجعل التأخير بعده تفريطا ، وهذا خلاف ما يقول أصحابنا . وروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن آخر وقتها الإسفار . وكذلك روى ابن عبد الحكم عنه ، أن آخر وقتها الإسفار الأعلى . وهذا يشبه قول الإصطخري ، إلا أن يكون مراده آخر وقت الاختيار . وأما من يرى أن الإسفار أفضل فلا كراهة عندهم في التأخير إلى قريب طلوع الشمس ، وهو أفضل عندهم ، وهو قول الثوري والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه . واستدل من كره التأخير إلى شدة الإسفار بما روى الحارث بن وهب ، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تزال أمتي في مسكة ما لم يعملوا بثلاث : ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود ، وما لم يؤخروا الفجر إمحاق النجوم مضاهاة النصارى ، وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها ) . خرجه الإمام أحمد ، وهو مرسل . وإن ثبت حمل على اجتماع الأمة على ذلك ؛ فإنه يخشى أن يظن أن ما قبل ذلك ليس بوقت . والحارث بن وهب ، قال البخاري : روايته عن الصنابحي مرسلة . يعني : لم يسمع منه .
27 - باب وقت الفجر صلاة الفجر تسمى صلاة الفجر ؛ قال تعالى : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وقال : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وتسمى صلاة الصبح ، والأحاديث بذلك كثيرة . قال الشافعي : ولا أحب أن تسمى صلاة الغداة ، وكرهه بعض أصحابه ، ولا دليل لقوله ، والأحاديث تدل على خلافه ، وقد سبق حديث جابر : ( والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس ) ، وحديث أبي برزة ، ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة ) ، وهذا يدل على شدة التغليس بها . وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 575 - حدثنا عمرو بن عاصم : ثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن زيد بن ثابت حدثه ، أنهم تسحروا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قاموا إلى الصلاة . قلت : كم كان بينهما ؟ قال : قدر خمسين أو ستين - يعني : آية . 576 - حدثنا الحسن بن الصباح : سمع روح بن عبادة : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت تسحرا ، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فصليا . قلت لأنس : كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال : قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية . مقصود البخاري : تبيين الاختلاف في إسناد هذا الحديث على قتادة ، فهمام جعله عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت ، وسعيد بن أبي عروبة جعله عن قتادة عن أنس من مسنده . وقد خرجه البخاري في ( الصيام ) من حديث هشام الدستوائي ، عن قتادة ومسلم من رواية هشام وهمام وعمر بن عامر ، كلهم عن قتادة ، عن أنس ، عن زيد . وفي رواية البخاري : ( كم بين الأذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية ) . وقال عفان وبهز بن أسد ، عن همام في حديثه : قلت لزيد : كم بين ذلك ؟ فصرح بأن المسئول زيد . وقد خرجه عنهما الإمام أحمد . وكذا رواه خالد بن الحارث ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس عن زيد ، وقال في حديثه : ( أنس القائل : كم كان بينهما ) . فخالف خالد سائر أصحاب سعيد في ذكره زيدا في الإسناد . وقد خرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) ، وقال : يحتمل أن يكون أنس سأل زيدا فأخبره ، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنسا فأرسل له قدر ما كان بينهما ، كما أرسل أصل الخبر ، ولم يقل : عن زيد . وهذا يدل على أن الصواب عنده : أن الحديث عن أنس ، عن زيد ، فهو من مسند زيد ، لا من مسند أنس . ورواه معمر ، عن قتادة كما رواه سعيد ، جعله من مسند أنس . خرجه النسائي من طريقه . ولفظ حديثه : عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك عند السحر - : ( يا أنس ، إني أريد الصيام ، أطعمني شيئا ) ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء ، وذلك بعدما أذن بلال . قال : ( يا أنس ، انظر رجلا يأكل معي ) ، فدعوت زيد بن ثابت ، فجاءه ، فقال : ( إني شربت شربة من سويق ، وأنا أريد الصيام . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنا أريد الصيام ) ، فتسحر معه ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصلاة . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : الاستدلال به على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الفجر ؛ فإنه تسحر ثم قام إلى الصلاة ، ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية . وأكثر الروايات تدل على أن ذلك قدر ما بين السحور والصلاة . وفي رواية البخاري المخرجة في ( الصيام ) : أن ذلك قدر ما بين [الأذان و] السحور . وهذه صريحة بأن السحور كان بعد أذان بلال بمدة قراءة خمسين آية . وفي رواية معمر : أنه لم يكن بين سحوره وصلاة الفجر سوى ركعتي الفجر ، والخروج إلى المسجد . وهذا مما يستدل به على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى يومئذ الصبح حين بزغ الفجر . وقد روى حذيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث زيد ، لكنه استدل به على تأخير السحور ، وأنه كان بعد الفجر . فروى عاصم ، عن زر بن حبيش ، قال : تسحرت ، ثم انطلقت إلى المسجد ، فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان ، فدخلت عليه ، فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت ، ثم قال : ادن فكل . فقلت : إني أريد الصوم . فقال : وأنا أريد الصوم ، فأكلنا وشربنا ، وأتينا المسجد ، فأقيمت الصلاة ، فقال حذيفة : هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم قلت : أبعد الصبح ؟ قال : نعم ، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس . خرجه الإمام أحمد . وخرج منه النسائي وابن ماجه : أن حذيفة قال : تسحرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع . وقد روي من غير وجه ، عن حذيفة . قال الجوزجاني : هو حديث أعيا أهل العلم معرفته . وقد حمل طائفة من الكوفيين ، منهم : النخعي وغيره هذا الحديث على جواز السحور بعد طلوع الفجر في السماء ، حتى ينتشر الضوء على وجه الأرض . وروي عن ابن عباس وغيره : حتى ينتشر الضوء على رءوس الجبال . ومن حكى عنهم ، أنهم استباحوا الأكل حتى تطلع الشمس فقد أخطأ . وادعى طائفة : أن حديث حذيفة كان في أول الإسلام ونسخ . ومن المتأخرين من حمل حديث حذيفة على أنه يجوز الأكل في نهار الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر ، ولا يكتفي بغلبة الظن بطلوعه . وقد نص على ذلك أحمد وغيره ؛ فإن تحريم الأكل معلق بتبين الفجر ، وقد قال علي بعد صلاته للفجر : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . وأنه يجوز الدخول في صلاة الفجر بغلبة ظن طلوع الفجر كما هو قول أكثر العلماء على ما سبق ذكره . وعلى هذا ، فيجوز السحور في وقت تجوز فيه صلاة الفجر ، إذا غلب على الظن طلوع الفجر ، ولم يتيقن ذلك . وإذا حملنا حديث حذيفة على هذا ، وأنهم أكلوا مع عدم تيقن طلوع الفجر ، فيكون دخولهم في الصلاة عند تيقن طلوعه والله أعلم . ونقل حنبل عن أحمد ، قال : إذا نور الفجر وتبين طلوعه حلت الصلاة ، وحرم الطعام والشراب على الصائم . وهذا يدل على تلازمهما ، ولعله يرجع إلى أنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بعد تيقن دخول الوقت . وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف تلازم وقت صلاة الفجر وتحريم الطعام على الصائم . وروي في حديث ابن عباس المرفوع ، أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول حين حرم الطعام على الصائم . وقد خرج البخاري في ( الحج ) حديث ابن مسعود ، أنه قال بالمزدلفة حين طلع الفجر : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم . وفي رواية له : أنه صلى الفجر حين طلع الفجر ، قائل يقول : قد طلع الفجر ، وقائل يقول : لم يطلع الفجر ، ثم قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا ، وصلاة الفجر هذه الساعة ) . وهذا كله يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر ، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر . والله أعلم .
الحديث الثاني : 574 - حدثنا هدبة بن خالد : ثنا همام : حدثني أبو جمرة ، عن أبي بكر ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صلى البردين دخل الجنة ) . وقال ابن رجاء : حدثنا همام ، عن أبي جمرة ، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره بهذا . حدثنا إسحاق : ثنا حبان : ثنا همام : ثنا أبو جمرة ، عن أبي بكر بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله . ( أبو جمرة ) ، هو : نصر بن عمران الضبعي ، وهو بالجيم والراء المهملة . وقد خرج هذا الحديث مسلم عن هداب بن خالد ، وهو هدبة الذي خرجه عنه البخاري ، ونسب فيه أبا جمرة ، فقال : حدثني أبو جمرة الضبعي . وأما أبو بكر ، فقد أشار البخاري إلى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ، واستشهد له بشيئين : أحدهما : رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقا عنه ، عن همام ، عن أبي جمرة ، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره . والثاني : أنه أسنده من رواية حبان بن موسى ، عن همام : ثنا أبو جمرة ، عن أبي بكر بن عبد الله - وهو : ابن أبي موسى عبد الله بن قيس . وخرجه مسلم من طريق بشر بن السري وعمرو بن عاصم ، قالا : ثنا همام - بهذا الإسناد ، ونسبا أبا بكر ، فقالا : ابن أبي موسى . وإنما احتيج إلى هذا ؛ لاختلاف وقع بين الحفاظ في نسبة أبي بكر هذا : فمنهم من قال : هو أبو بكر بن أبي موسى ، وتصرف الشيخين في ( صحيحيهما ) يدل على ذلك . ومنهم من قال : هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة . واستدلوا بما خرجه مسلم من رواية وكيع ، عن ابن أبي خالد ومسعر والبختري بن المختار ، سمعوا من أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) - يعني : الفجر والعصر . وعنده رجل من أهل البصرة ، فقال له : أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم . قال الرجل : وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم سمعته أذناي ، ووعاه قلبي . وخرجه - أيضا - من حديث ابن عمارة بن رؤيبة ، عن أبيه والرجل البصري . وزاد البصري : قال : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمكان الذي سمعته منه . فمن هنا قال بعضهم : أبو بكر الذي روى عنه أبو جمرة هو ابن عمارة بن رؤيبة ، عن أبيه عمارة بن رؤيبة ، لأن معنى الحديثين متقارب . قال ابن أبي خيثمة في ( كتابه ) : سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي روى حديث ( البردين ) : من أبوه ؟ قال : يرون أنه أبو بكر بن أبي موسى ؛ فلذلك استغربوه . قال : فقال له أبي : يشبه أن يكون : أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة ؛ لأنه يروي عن أبيه عمارة : ( من صلى قبل الغداة وقبل غروب الشمس ) . وقال صالح بن محمد ، عن علي بن المديني : هو عندي أبو بكر بن عمارة ؛ لأن معنى الحديثين واحد . قيل له : إن أبا داود الطيالسي وهدبة نسباه ، فقالا : عن أبي بكر بن أبي موسى ؟ فقال : ليسا ممن يضبط هذا ؛ حدثاه بهز وحبان ولم ينسباه . قال أبو بكر الخطيب : قد نسبه جماعة عن همام ، منهم : بشر بن السري ، وعبد الله بن رجاء ، وعمرو بن عاصم ، وللناسب فضل تعرف وبيان على من لم ينسبه . قال : وكان عفان ينسبه كذلك حتى قال له بلبل وعلي بن المديني : إنه أبو بكر بن عمارة ، فترك نسبته ، وقال : عن أبي بكر ، عن أبيه . ونقل البرقاني عن الدارقطني ، أنه كان يقول : هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة ، وعن الإسماعيلي عن مطين مثله . وقال أبو الحسن [ العقيلي ] : اختلف فيه ، فالأقوى أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيه . ويقال : هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة ، عن أبيه . وكذلك قال مطين ، وإليه كان يميل شيخنا أبو الحسن - يعني : الدارقطني رحمه الله . و ( البردان ) : صلاة الصبح والعصر ؛ لأنهما يصليان في برد النهار من أوله وآخره . وأما الظهر فتسمى الهجير كما في حديث أبي برزة ؛ لأنها تصلَّى بالهاجرة . ويقال للعصر والفجر : العصران ؛ كذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث فضالة الليثي ، وأنه وصاه بالمحافظة عليهما . وصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة الله ، كما في حديث جندب بن سفيان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فلا تخفروا الله في ذمته ) خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - زيادة : ( فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ) . وقد روي مثله في صلاة العصر - أيضا . خرجه نعيم بن حماد في ( كتاب الفتن ) عن عبد العزيز الدراوردي ، عن زيد بن أسلم ، عمن حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صلى الصبح كان في جوار الله حتى يمسي ، ومن صلى العصر كان في جوار الله حتى يصبح ، فلا تخفروا الله في جواره ؟ فإنه من أخفر الله في جواره طلبه الله ، ثم أدركه ، ثم كبه على منخره ) - أي : في جهنم .
26 - باب فضل صلاة الفجر وفيه حديثان : الأول : 573 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن إسماعيل : ثنا قيس ، قال لي جرير بن عبد الله : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : ( أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون - أو لا تضاهون - في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) . ثم قال : فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها . قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في ( باب : فضل صلاة العصر ) ، وليس في هذه الرواية زيادة على ما في الرواية السابقة ، إلا الشك في ( تضامون أو تضاهون ) ، وقد سبق تفسير : تضامون . وأما ( تضاهون ) : فإن كانت محفوظة ، فالمعنى - والله أعلم - : أنكم لا تشبهون به عند رؤيته شيئا من خلقه ؛ فإنه سبحانه وتعالى لا مثل له ولا عدل ولا كفء . ويشهد لهذا : ما روى علي بن زيد بن جدعان ، عن عمارة القرشي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( يجمع الله الأمم في صعيد واحد يوم القيامة ، ثم يأتينا ربنا ونحن على مكان مرتفع فيقول : من أنتم ؟ فنقول : نحن المسلمون . فيقول : ما تنتظرون . فنقول : ننتظر ربنا عز وجل ، فيقول : وهل تعرفونه إن رأيتموه ؟ فنقول : نعم ؛ إنه لا عدل له ، فيتجلى لنا ضاحكا ، فيقول : أبشروا معاشر المسلمين ؛ فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهوديا أو نصرانيا مكانه ) . خرجه الإمام أحمد . وخرجه أبو بكر الآجري في كتاب ( التصديق بالنظر ) ، ولفظه : ( فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا لم نره . قال : وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقال لهم : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبه له ، فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إلى الله عز وجل ، فيخرون له سجدا ) - وذكر الحديث . وروى أبو حمة محمد بن يوسف : حدثنا أبو قرة الزبيدي ، عن مالك بن أنس ، عن زياد بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ، ودعي كل أناس بإمامهم ) - فذكر الحديث بطوله ، إلى أن قال : ( حتى يبقى المسلمون ، فيقف عليهم ، فيقول : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المسلمون . قال : خير اسم وخير داعية . فيقول : من نبيكم ؟ فيقولون : محمد ، فيقول : ما كتابكم ؟ فيقولون : القرآن ، فيقول : ما تعبدون ؟ فيقولون : نعبد الله وحده ، لا شريك له . قال : سينفعكم ذلك إن صدقتم . قالوا : هذا يومنا الذي وعدنا . فيقول : أتعرفون الله إن رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقول : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ فيقولون : نعلم أنه لا عدل له . قال : فيتجلى لهم تبارك وتعالى ، فيقولون : أنت ربنا تباركت أسماؤك ، ويخرون له سجدا ، ثم يمضي النور بأهله ) . خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في ( كتاب الفاروق ) . وروى شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد حديث جرير بن عبد الله ، وقال في روايته : ( لا تضارون في رؤيته ) . وكذا في رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وقد خرج حديثهما البخاري في آخر ( كتابه ) . ورويت : ( تضارون ) بتشديد الراء وتخفيفها . فمن رواه بالتشديد ، فالمعنى : لا يخالف بعضكم بعضا فيكذبه ، كما يفعل الناس في رؤية الأشياء الخفية عليهم كالأهلة . يقال : ضاررته مضارة إذا خالفته ، ومنه سميت الضرة لمخالفتها الأخرى . وقيل : المعنى : لا تضايقون ، والمضارة : المضايقة . ذكره الهروي . ومن رواه بتخفيف الراء ، فهي من الضير ، والضير : الضر ، يقال : ضاره يضيره ويضوره ، إذا ضره . وهي قريبة من المعنى إلى الأولى . وفي رواية أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ ) قالوا : لا . قال : ( فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ ) قالوا : لا . قال : ( فإنكم ترونه كذلك ) . وفسر قوله : ( هل تمارون ) بأن المعنى : هل تشكون ، والمرية : الشك . ويحتمل أن يكون المراد : هل يحصل لكم تمار واختلاف في رؤيتهما ؟ فكما لا يحصل لكم في رؤيتهما تمار واختصام ، فكذلك رؤية الله عز وجل . والتماري والتنازع إنما يقع من الشك وعدم اليقين ، كما يقع في رؤية الأهلة . وقوله في هذه الرواية : ثم قال : فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا هكذا في هذه الرواية ، وهذا إشارة إلى آية سورة ( طه ) ، وتلك إنما هي بالواو ( وسبح ) ، وفي الرواية السابقة فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وهو إشارة إلى آية سورة ( ق ) وهي بالفاء كما في الرواية .
قال البخاري : 572 - حدثنا عبد الرحيم المحاربي : ثنا زائدة ، عن حميد الطويل ، عن أنس ، قال : أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء إلى نصف الليل ، ثم صلى ، ثم قال : ( قد صلى الناس وناموا ، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها ) . وزاد ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : حدثني حميد : سمع أنسا : كأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ . هذا الحديث صريح في تأخير العشاء إلى نصف الليل . وعبد الرحيم المحاربي ، هو : ابن عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، وكان أفضل من أبيه . وإنما ذكر حديث يحيى بن أيوب ، عنه تعليقا ؛ لأنه ذكر فيه سماع حميد له من أنس ، فزال ما كان يتوهم من تدليسه ؛ فإنه قد قيل : إن أكثر رواياته عن أنس مدلسة . وقد تقدم عن الإسماعيلي ، أنه قال في المصريين : إنهم يتسامحون في لفظة الإخبار بخلاف أهل العراق . ولفظة السماع قريب من ذلك . وقد خرج البخاري هذا الحديث في ( اللباس ) من رواية يزيد بن زريع ، عن حميد ، قال : سئل أنس : هل اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتما فذكره . ورواه يزيد بن هارون ، عن حميد ، عن أنس ، وزاد فيه : فجعل الناس يصلون ، فخرج وقد بقيت عصابة ، فصلى بهم ، فلما سلم أقبل عليهم بوجهه - وذكر باقي الحديث . خرجه أحمد بن منيع في ( مسنده ) ، عن يزيد كذلك . وخرجه البخاري في ( باب : يستقبل الإمام الناس ) . وكذا مسلم - مختصرا . وقد روي هذا الحديث عن أنس من وجوه أخر : وخرجه البخاري في أواخر ( المواقيت ) من حديث الحسن ، عن أنس ، قال : نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، حتى كان شطر الليل يبلغه ، فجاء فصلى لنا ، ثم خطبنا ، فقال : ( ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . وخرج مسلم من حديث قتادة ، عن أنس ، قال : نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة حتى كان قريب من نصف الليل ، ثم جاء فصلى ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة . ومن حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، أنهم سألوا أنسا عن خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل ، أو كاد يذهب شطر الليل ، ثم جاء فقال : ( إن الناس قد صلوا وناموا ، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال أنس : كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة ، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر . وفي تأخير العشاء إلى نصف الليل أحاديث أخر ، لم تخرج في ( الصحيح ) . وروى داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العتمة ، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل ، فقال : ( خذوا مقاعدكم ) ، فأخذنا مقاعدنا ، فقال : ( إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ، ولولا ضعف الضعيف ، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل ) . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه وابن خزيمة في ( صحيحه ) . وإسناده على شرط مسلم ، إلا أن أبا معاوية رواه عن داود ، فقال : عن أبي نضرة ، عن جابر . والصواب : قول سائر أصحاب داود في قولهم : عن أبي سعيد - : قاله أبو زرعة ، وابن أبي حاتم ، والدارقطني وغيرهم . وقد سبق في حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا ) . وهذا مما استدل به من قال : إن تعجيل العشاء أفضل ؛ لأنه لم يأمرهم بالتأخير ، بل أخبر أنه لولا أنه يشق عليهم لأمرهم . وما كان ليؤثر ما يشق على أمته ، فلذلك لم يأمرهم . وكذلك قوله : ( لولا ضعف الضعيف ، وسقم السقيم لأخرت ) ، فإنه يدل على أنه لم يؤخر ، وإذا كان الأمر بذلك مستلزما للمشقة فهو لا يأمر بما يشق عليهم . وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي حال المأمومين في تأخير العشاء وتقديمها ، فإن اجتمعوا عجل ، وإن أبطئوا أخر . وقد أجاب عن ذلك من قال باستحباب التأخير : أن المنتفي هو أمر الإيجاب ، دون أمر الاستحباب ، كما في السواك . وقد خرج النسائي الحديث ، وقال فيه : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا ) . ويدل على ذلك أن ( لولا ) تقتضي جملتين : اسمية ، ثم فعلية ، فيربط امتناع الثانية فيهما بوجود الأولى ، والأولى هنا : خوف المشقة ، وهو موجود ، فالثانية منتفية ، وهو الأمر . وليس الأمر للإيجاب ؛ لأنه ندب إلى تأخيرها ، والمندوب مأمور به ؛ ولأن في حديث معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( أعتموا بهذه الصلاة ) . خرجه أبو داود . وهذا أمر . وهاهنا مسألتان يحتاج إلى ذكرهما : المسألة الأولى : هل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل ؟ أم تعجيلها أفضل ؟ أم الأفضل مراعاة حال المأمومين ؟ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن تعجيلها أفضل ، وهو أحد قولي الشافعي ، بل أشهرهما ، وقول مالك . وفي ( المدونة ) عنه : أنه قال : أُحِبُّ للقبائل تأخيرها قليلا بعد مغيب الشفق ، وكذلك في الحرس ، ولا تؤخر إلى ثلث الليل . وقال ابن عبد البر : المشهور عن مالك أنه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها ، إذا كان ذلك غير مضر بالناس ، وتأخيرها قليلا عنده أفضل . وروي عنه : أن أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر . ورجح الجوزجاني القول باستحباب تعجيل العشاء ، وادعى أن التأخير منسوخ ، واستدل بما روى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء الآخرة تسع ليال وفي رواية : ثمان ليال فقال أبو بكر الصديق : لو عجلت يا رسول الله كان أمثل لقيامنا بالليل ، فكان بعد ذلك يعجل . خرجه الإمام أحمد . وعلي بن زيد بن جدعان ، ليس بالقوي . وروى سويد بن غفلة ، قال : قال عمر : عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل . وقال مكحول : كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلوا العشاء . خرجهما أبو نعيم . وهذا منقطع . والقول الثاني : أن تأخيرها أفضل ، وحكاه الترمذي في ( جامعه ) عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين . قال عبد الرحمن بن يزيد : كنت أشهد مع عبد الله - يعني : ابن مسعود - الجماعة ، فكان يؤخر العشاء . وكان ابن عباس يستحب تأخير العشاء ، ويقرأ : زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ . وممن رأى تأخير العشاء : أبو حنفية وأصحابه ، والشافعي في أحد قوليه - وقيل : إنه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة وأحمد وإسحاق . وعلى هذا ؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي : يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل . والمنصوص عن أحمد : أن تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض ؛ لأنه يكون بذلك مصليا بعد مغيب الشفق المتفق عليه . وهذا يدل على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقا ، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران - : كما نقله عنه الأثرم . قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : قدر كم تأخير العشاء الآخرة ؟ قال : ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران . فقد نص في رواية غير واحد على أنه يستحب للحاضر تأخير العشاء حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة ، ونص على أنه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران ، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض . ويدل على صحة هذا ، وأن التأخير لا يكون على الدوام إلى نصف الليل ولا إلى ثلثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر على الدوام العشاء إلى آخر وقتها ، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليالي يسيرة ، وشق ذلك على أصحابه فأخبرهم أنه وقتها لولا أن يشق عليهم ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشق عليهم ، بل كان يراعي التخفيف . ولهذا صح عنه ، أنه كان أحيانا وأحيانا : إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطئوا أخر . وحديث أبي بكر المتقدم يدل على مثل ذلك - أيضا . وخرج ابن خزيمة في ( صحيحه ) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر مواقيت الصلاة ، وقال : ويصلي العشاء حين يسود الأفق ، وربما أخرها حتى يجتمع الناس . ومما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخرها دائما قليلا ، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها : ما خرجه مسلم من رواية سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم ، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا ، وكان يخف . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث النعمان بن بشير ، قال : أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة - يعني العشاء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها لسقوط القمر لثالثة . وفي رواية الإمام أحمد : كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة من أول الشهر . وفي رواية له : كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة ثالثة - أو ليلة رابعة . وهذا الشك من شعبة ، ولم يذكر الرابعة غيره . قال أحمد : وهم فيه - يعني : في ذكر الرابعة . ومما يدل على اعتبار حال المأمومين ، وأنه لا يشق عليهم : ما روى أسامة بن زيد ، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان معاذ يتخلف عند النبي - صلى الله عليه وسلم فإذا جاء أم قومه ، فاحتبس عنهم معاذ ليلة فصلى سليم وحده وانصرف ، فأخبر معاذ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى سليم ، فسأله عن ذلك ، فقال : إني رجل أعمل نهاري ، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعسا ، فيأتينا معاذ وقد أبطأ علينا ، فلما أبطأ علي أمسيت ، ثم انقلبت إلى أهلي . قال : فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ : ( لا تكن فاتنا تفتن الناس ، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا ) . خرجه البزار . وخرجه الخرائطي من حديث عثمان بن أبي العاص ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( ما بال رجال ينفرون عن هذا الدين ، يمسون بعشاء الآخرة ) . وإسناده ضعيف . وقال سويد بن غفلة : قال عمر : عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل ، وينام المريض . فقد تبين بهذا أن هذا القول الثالث ، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير ، هو الأرجح في هذه المسألة . وقد عقد له البخاري بابا منفردا ، سبق ذكره والكلام عليه . المسألة الثانية : في آخر وقت العشاء الآخرة ، وفيه أقوال : أحدها : ربع الليل ، حكاه ابن المنذر عن النخعي ، ونقله ابن منصور ، عن إسحاق . والقول الثاني : إلى ثلث الليل ، روي ذلك عن عمر ، وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز ، وهو المشهور عن مالك ، وأحد قولي الشافعي ، بل هو أشهرهما ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي ثور وغيره . والقول الثالث : إلى نصف الليل ، وروي عن عمر بن الخطاب - أيضا وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنفية ، والشافعي في قوله الآخر ، وأحمد في الرواية الأخرى ، وإسحاق ، وحكي عن أبي ثور - أيضا . وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه . وحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل ، وآخر انتهائها نصفه ، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك ، ولم يوافق على ما قاله في هذا . والقول الرابع : ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر . رواه ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، وعن أبي هريرة ، قال : إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر . وهو قول داود . ورواه ابن وهب ، عن مالك ، إلا أن أصحابه حملوه على حال أهل الأعذار ؛ فإن قول من قال : آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه ، إنما أراد وقت الاختيار . وقالوا : يبقى وقت الضرورة ممتدا إلى طلوع الفجر ، فلو استيقظ نائم ، أو أفاق مغمى عليه ، أو طهرت حائض ، أو بلغ صبي ، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء ، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء . وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف : أن المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء ، وعن ابن عباس - أيضا - وحكي مثله عن الفقهاء السبعة ، وهو قول أحمد . وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك : يلزمهم العشاء دون المغرب . وللشافعي قولان ، أصحهما : لزوم الصلاتين . واختلفوا في تأخير العشاء اختيارا إلى بعد نصف الليل : فكرهه الأكثرون ، منهم : مالك وأبو حنيفة . ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه . وقال عامة أصحاب الشافعي : هو وقت جواز . واستدل من لم يحرمه بما في ( صحيح مسلم ) من حديث ابن جريج : أخبرني المغيرة بن حكيم ، عن أم كلثوم بنت أبي بكر ، أنها أخبرته ، عن عائشة ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل ، ونام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى ، فقال : ( إنه لوقتها ، لولا أن أشق على أمتي ) . وهذا إن كان محفوظا دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني ، ولا قائل بذلك ، ولا يعرف له شاهد . وإنما يتعلق بهذا من يقول : يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر ، كما روي عن ابن عباس ، وهو قول داود وغيره ، إلا أنهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني ، هذا مما لا يعرف به قائل ، والأحاديث كلها تدل على خلاف ذلك ، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند مغيب الشفق في اليوم الأول ، وفي الثاني إلى ثلث الليل ، وقوله : ( الوقت ما بين هذين ) . ومثل حديث بريدة الذي فيه أن سائلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وقت العشاء ، فأمره أن يشهد معه الصلاة ، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق ، وفي الثانية إلى ثلث الليل ، وقال : ( ما بين هذين وقت ) . وقد خرجه مسلم . وخرج نحوه من حديث أبي موسى . وخرج - أيضا - من حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( وقت العشاء إلى نصف الليل ) . وهذا كله يدل على أن ما بعد ذلك ليس بوقت ، والمراد : أنه ليس بوقت اختيار ، بل وقت ضرورة . وذهب الإصطخري من أصحاب الشافعي إلى أن الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء . وقد قال الشافعي : إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتة . وحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة . والله أعلم .
25 - باب وقت العشاء إلى نصف الليل وقال أبو برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب تأخيرها . حديث أبي برزة ، قد خرجه فيما تقدم بألفاظ مختلفة . ففي رواية عوف ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة . وفي رواية شعبة ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل . ثم قال : إلى شطر الليل . وفي رواية : قال شعبة : ثم لقيته مرة ، فقال : أو ثلث الليل . فقد روى شعبة أن أبا المنهال شك : هل كان تأخيره للعشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ؟ وكذا خرجه مسلم من حديث شعبة . وخرجه من حديث حماد بن سلمة ، عن أبي المنهال ، وقال في حديثه : كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل . وقد تقدم - أيضا - حديث أبي موسى في تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء حتى ابهارَّ الليل - أي : توسط وانتصف .
14 - باب إثم من فاتته العصر 552 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) . قال أبو عبد الله : يَتِرَكُمْ وترت الرجل ، إذا قتلت له قتيلا ، وأخذت ماله . فوات صلاة العصر : أريد به : فواتها في وقتها كله ، كذا فسره ابن عبد البر وغيره . وقد فسره الأوزاعي : بفوات وقت الاختيار ، بعد أن روى هذا الحديث عن نافع ، قال الأوزاعي : وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس مصفرا . خرجه أبو داود في سننه ومحمد بن يحيى الهمداني في صحيحه . وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث : قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه الوليد ، عن الأوزاعي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من فاتته صلاة العصر - وفواتها : أن تدخل الشمس صفرة - فكأنما وتر أهله وماله ) ؟ فقال أبي : التفسير من قول نافع . انتهى . وقد تبين أنه من قول الأوزاعي كما سبق . وقد رويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي ، عن الزهري ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى هذا الحديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم خرجه من طريقه مسلم . ورواه حفص بن غيلان ، عن سالم ، وزاد فيه : في جماعة . وهذه - أيضا - مدرجة ، وكأنها في تفسير بعض الرواة ، فسر فواتها المراد في الحديث بفوات الجماعة لها ، وإن صلاها في وقتها ، وفي هذا نظر . وعلى تفسير الأوزاعي يكون المراد : تأخيرها إلى وقت الكراهة ، وإن صلاها في وقتها المكروه . وعلى مثل ذلك يحمل ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته ، ولما فاته من وقتها أعظم - أو أفضل - من أهله وماله . وقد رواه الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن يعلى بن مسلم ، عن طلق بن حبيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . ورواه جعفر بن عون ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن يعلى ، عن طلق ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ورواه حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن طلق بن حبيب ، قال : كان يقال ، فذكره ، ولم يذكر : النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه محمد بن نصر المروزي من هذه الوجوه كلها . وقد روي موصولا من وجوه أخر : فروى وكيع في كتابه عن شعبة عن سعد بن إبراهيم ، عن الزهري ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الرجل ليدرك الصلاة ، وما فاته من وقتها خير له من أهله وماله . ورواه نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن شعبة ، به . والزهري لم يسمع من ابن عمر عند جماعة ، وقيل : سمع منه حديثا أو حديثين . ورواه هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن القرشي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه . خرجه محمد بن نصر المروزي . والوليد هذا ، لا أعرفه ، إلا أن يكون الجرشي الحمصي ، فإنه ثقة معروف . وروى إبراهيم بن الفضل المدني ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها ، وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله ) . خرجه الدارقطني . وإبراهيم هذا ، ضعيف جدا . ورواه - أيضا - يعقوب بن الوليد المدني ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . ويعقوب هذا ، منسوب إلى الكذب . قال ابن عبد البر في الاستذكار : وقد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة . وزعم في التمهيد أن حديث أبي هريرة هذا حسن ، وليس كما قال . قال ابن عبد البر : كان مالك - فيما حكى عنه ابن القاسم - لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا - يعني : الذي حكاه عنه في الموطأ . وذكر ابن عبد البر أن سبب كراهة مالك لذلك - والله أعلم - أن وقت الصلاة كله يجوز الصلاة فيه ، كما قال : ما بين هذين وقت ، ولم يقل : أوله أفضل . والذي يصح عندي في ذلك : أن مالكا إنما أنكر قول يحيى بن سعيد ؛ لأنه إنما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك فيمن فاتته العصر بالكلية حتى غربت الشمس ، فكأن مالكا لم ير أن بين أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ ذهاب الأهل والمال ؛ لأن ذلك إنما هو في ذهاب الوقت كله . وفي هذا الحديث : أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كله ، وهذا لا يقوله أحد من العلماء ، لا من فضل أول الوقت على آخره ، ولا من سوى بينهما ؛ لأن فوت بعض الوقت مباح ، وفوت الوقت كله لا يجوز ، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك ، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره ، وإن كان من صلى في [أول] وقته أفضل منه . انتهى . وقد تقدم أن الأوزاعي حمله على من فوت وقت الاختيار ، وصلى في وقت الضرورة ، وهو يدل على أنه يرى أن التأخير إليه محرم ، كما هو أحد الوجهين لأصحابنا ، وهو قول ابن وهب وغيره . ومنهم من حمله على من فوتها حتى غربت الشمس بالكلية . وظاهر تبويب البخاري يدل على أن الحديث محمول على من فوت العصر عمدا لتبويبه عليه : باب : إثم من فاتته العصر . فأما من نام عنها أو نسيها فإن كفارته أن يصليها إذا ذكرها ، وإذا كان ذلك كفارة له فكأنه قد أدرك بذلك فضلها في وقتها . وفي هذا نظر ، ولا يلزم من الإتيان بالكفارة إدراك فضل ما فاته من العمل ، وفي الحديث : من ترك الجمعة فليتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، ولا يلزم من ذلك أن يلحق فضل من شهد الجمعة . ولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرهما فيمن صلى في الوقت صلاة فيها بعض نقص : إنها تعاد في الوقت ، ولا تعاد بعده ؛ لأن نقص فوات الوقت أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده ، فلا يقوم الإتيان به خارج الوقت مقام الإتيان به في الوقت ، بل الإتيان في الوقت بالصلاة على وجه فيه نقص أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت . ويدل على ما قاله البخاري : ما خرجه الإمام أحمد من رواية حجاج بن أرطاة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : الذي تفوته صلاة العصر متعمدا حتى تغرب الشمس فكأنما وتر أهله وماله . ويدل عليه - أيضا - حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته . خرجه الإمام أحمد من رواية يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ورواه أبو غسان وهشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . وقد روي ما يدل على أن الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم : فروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري - فذكر قصة نومهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وفيه : قال : فقلت : يا رسول الله ، هلكنا ، فاتتنا الصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة ، وإنما تفوت اليقظان ولا تفوت النائم ) - وذكر الحديث . وقد حمل بعض السلف هذا الحديث على من فاتته العصر بكل حال ، وإن كان ناسيا . فروى زهير بن معاوية : نا أسيد بن شبرمة الحارثي ، قال : سمعت سالما يحدث عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) قال : فقلت : وإن نسي ؟ قال : وإن نسي ، فصلاة ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله . خرجه الدارقطني في أول كتابه المختلف والمؤتلف . وذكر أن أسيد بن شبرمة ، يقال : فيه أسيد - أيضا - بالضم ، قال : ولا أعرف له غير هذا الحديث ، وحديث آخر رواه عن الزهري . وقوله : وتر أهله وماله . قيل : معناه : حرب أهله وماله وسلبهما ، من وترت فلانا إذا قتلت حميمه ، والوتر : الحقد ، بكسر الواو ، ولا يجوز فتحها ، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه ، لأن الموتور يهم بذهاب ما ذهب منه ويطلب ثأره حتى يأخذ به . وقيل : معناه : أفرد عن أهله وماله ، من الوتر - بكسر الواو وفتحها وهو الفرد - أي : صار هو فردا عن أهله وماله . وعلى هذا والذي قبله ، فالمعنى : ذهاب جميع أهله وماله . وقيل : معناه : قلل ونقص ، ومنه : قوله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ و ( أهله وماله ) : روايتهما بنصب اللام ، على أنه مفعول ثان لـ وتر ؛ لأن ( وتر ) و ( نقص ) يتعديان إلى مفعولين ، ولو روي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لحنا ، غير أن المحفوظ في الرواية الأول : قاله الحافظ أبو موسى المديني . وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كشف المشكل : في إعراب الأهل والمال ، قولان : أحدهما : نصبهما ، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره ، ويكون المعنى : فكأنما وتر في أهله وماله ، فلما حذف الخافض انتصب . والثاني : رفعهما على من لم يسم فاعله ، والمعنى : نقصا . وكأنه يشير إلى أن النصب والرفع يبنى على الاختلاف في معنى وتر : هل هو بمعنى : سلب ، أو بمعنى : نقص ؟ والله أعلم . وفي الحديث : دليل على تعظيم قدر صلاة العصر عند الله عز وجل وموقعها من الدين ، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه وبما ذهب منه ، كما يفجع من ذهب أهله وماله . وهذا مما يستدل به على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خصوصا بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عموما . وقد زعم بعض العلماء : أن هذا لا يختص بفوات العصر ، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في ذلك ، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه فأجيب ، ورجحه ابن عبد البر ، وفيه نظر . وقد يستدل له بما خرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها ، فسلبها . واستدل من قال : إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما روى ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن نوفل بن معاوية الديلي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله . قال : وهذا يعم جميع الصلوات ، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما في قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وهذا ليس بمتعين ؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد ، كما في قوله تعالى تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ على تأويل من فسرها بصلاة العصر . وحديث نوفل بن معاوية قد اختلف في إسناده ومتنه ، وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين في ضمن حديث آخر تبعا لغيره مخرجا من حديث صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن ابن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم الحديث . وعن الزهري : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود ، عن نوفل بن معاوية ، مثل حديث أبي هريرة ، إلا أن أبا بكر يزيد : من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله . كذا خرجه البخاري في علامات النبوة من صحيحه ، وخرجه مسلم في كتاب الفتن . وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري بهذا الإسناد لحديث نوفل . ورواه ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، فأسقط من إسناده : عبد الرحمن بن مطيع . وكذلك روي عن معن ، عن مالك ، عن الزهري . قال النسائي : أخاف أن لا يكون محفوظا ، عن مالك ، ولعله : معن ، عن ابن أبي ذئب . وقد روي ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن نوفل ، وهو وهم على ابن أبي ذئب . وأما الاختلاف في متن الحديث ، فقد روي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث : من فاتته الصلاة كما تقدم ، وروي عنه أنه قال في حديثه : من فاتته صلاة وروي عنه في حديثه : من فاتته صلاة العصر . وفي رواية له : من فاتته الصلاة وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر : ما هذه الصلاة ؟ قال : هي العصر ؛ سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته صلاة العصر - الحديث . وفي رواية : قال أبو بكر : لا أدري . وقد خرجه الإمام أحمد بالوجهين ، وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنها تدل على أن الزهري سمعه من أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم كما سمعه من سالم ، عن أبيه . وقد أشار الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله إلى أن الصحيح حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه كما سبق . ويدل على صحة ما ذكره : أن البيهقي خرج حديث ابن أبي ذئب ، ولفظه : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله ، وزاد : قال ابن شهاب : فقلت : يا أبا بكر ، أتدري أنت [أية] صلاة هي ؟ قال ابن شهاب : بلغني أن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . قال : ورواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، وقال في آخره : قال الزهري : فذكرت ذلك لسالم ، فقال : حدثني أبي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر . وأما رواية صالح بن كيسان ، عن الزهري المخرجة في الصحيحين ، فقد سبق لفظها ، وهو : إن في الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله . ولحديث نوفل طريق آخر : من رواية جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن نوفل بن معاوية ، أنه حدثه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله . قال عراك : فأخبرني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . خرجه النسائي . وخرجه - أيضا - من طريق الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك ، أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من الصلاة ، صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله ؛ قال ابن عمر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : هي صلاة العصر . وخرجه - أيضا - من طريق ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك ، قال : سمعت نوفل بن معاوية يقول : صلاة ، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله ؛ قال ابن عمر : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هي صلاة العصر . ففي رواية ابن إسحاق وجعفر بن ربيعة : أن عراكا سمعه من نوفل ، وفي حديث الليث : أن عراكا بلغه عن نوفل . قال أبو بكر الخطيب : الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت اتصاله للحديث ؛ لثقته وحفظه . قال : ورواية الليث ليست تكذيبا ؛ لأنه يجوز أن يكون عراك بلغه الحديث عن نوفل ثم سمعه منه ، فرواه على الوجهين جميعا . انتهى . وخرج الطحاوي حديث ابن إسحاق بزيادة حسنة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك بن مالك ، قال : سمعت نوفل بن معاوية وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله فقال ابن عمر : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هي العصر . وهذه الرواية إن كانت محفوظة دلت على سماع عراك للحديث من نوفل وابن عمر . وقال البيهقي : الحديث محفوظ عنهما جميعا ؛ رواه عراك عنهما ، إما بلاغا أو سماعا . وهذا يدل على توقفه في سماع عراك له منهما .
الحديث الثاني : قال : 570 - حدثنا محمود : ثنا عبد الرزاق : أبنا ابن جريج : أخبرني نافع : ثنا عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شغل عنها ليلة ، فأخرها حتى رقدنا في المسجد ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم ) . وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها ، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها ، وقد كان يرقد قبلها . 571 - قال ابن جريج : قلت لعطاء ، فقال : سمعت ابن عباس يقول : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا واستيقظوا ، فقام عمر بن الخطاب ، فقال : الصلاة . قال عطاء : قال ابن عباس : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء ، واضعا يده على رأسه ، فقال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) . فاستثبت عطاء : كيف وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس ؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئا من تبديد ، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس ، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية اللحية ، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك ، وقال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك ) . في حديث ابن عمر أن تأخيرها ليلتئذ كان لشغل شغل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ، ولم يكن عمدا . وفي رواية لمسلم عنه ، قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده قليلا ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ؟ - وذكر بقية الحديث . وخرجه الإمام أحمد من رواية فليح ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر ليلة العشاء حتى رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، وإنما حبسنا لوفد جاءه ، ثم خرج - فذكر الحديث . وخرج - أيضا - من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا ليلة حتى ذهب نصف الليل أو بلغ ذلك ، ثم خرج ، فقال : ( قد صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة ، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ) . وقوله : ( حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ثم استيقظنا ) . إدخال البخاري له في هذا الباب يدل على أنه يرى أن رقود من رقد إنما كان عن غلبة لم يكن تعمدا ، وقد كان الصحابة ينامون عن غلبة في انتظار الصلوات . وقد خرج البخاري فيما بعد حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم . وفي ( صحيح مسلم ) عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : أقيمت صلاة العشاء فقال رجل : لي حاجة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم ثم صلوا . فحاصل ما ذهب إليه البخاري ، وبوب عليه : أنه يكره النوم قبل العشاء إلا لمن غلب ، وهو قريب من قول من قال : يكره النوم قبلها مطلقا كما سبق ؛ فإن النوم المغلوب عليه لا يوصف بالكراهة . وفي حديث عائشة المتقدم ما يدل على ذلك ، وأنه إنما نام النساء والصبيان لضعفهم وقلة ضبط نفوسهم عن النوم دون الرجال . وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز تعمد النوم قبلها ، كما في رواية البخاري ، أن ابن عمر كان يرقد قبلها . وروى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه . وروى زفر بن الحارث أنه نام عند عائشة - يعني : قبل العشاء - فذهب بعض أهلها يوقظه ، فقالت : دعوه ؛ فإنه في وقت ما بينه وبين نصف الليل . وقال أبو حصين ، عن أصحاب ابن مسعود : إنهم كانوا ينامون قبل العشاء . وقال : وكان الأسود ينام بين المغرب والعشاء في رمضان . وقال حجاج : قلت لعطاء : إن أناسا يقولون : من نام قبل العشاء ، فلا نامت عينه ؟ فقال : بئس ما قالوا . وروي - أيضا - عن علي وخباب وأبي وائل وعروة وسعيد بن جبير ، وابن سيرين وغيرهم . وقال الحاكم : كانوا يفعلون ذلك . وروى الإمام أحمد في ( المسند ) : ثنا يحيى بن سعيد الأموي ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن ابن الأصبهاني ، عن جدة له - وكانت سرية لعلي قالت : قال علي : كنت رجلا نئوما ، وكنت إذا صليت المغرب وعلي ثيابي نمت ثم قال يحيى بن سعيد : فأنام فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فرخص لي . وروي موقوفا ، وهو أشبه . رواه أبو بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جده ، عن علي ، أنه كان يتعشى ثم يلتف في ثيابه ، فينام قبل أن يصلي العشاء . ذكره ابن أبي حاتم ، وقال : سألت أبي عنه ؟ فقال : هو عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن جدته أسيلة ، عن علي ، وغلط من قال : عن جده . وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا إسرائيل ، عن حجاج ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جدته - وكانت تحت رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام قبل العشاء ، فإذا قام كان أنشط له . وروي - مرفوعا - من وجه آخر ، رويناه من طريق سوار بن مصعب ، عن المنهال ، عن أبي عبد الله - أو عبد الله عن علي ، قال : قلت : يا رسول الله إني رجل نئوم ، وقد نهيت عن النوم قبل العشاء ، وعن السمر بعدها ؟ فقال : ( إن يوقظك فلا بأس ) . سوار ، متروك الحديث ، ورفعه لا يثبت . ونص أحمد على جواز النوم قبل العشاء - : نقله عنه حنبل . وقال عبد الله : سألت أبي عن الحديث الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء الآخرة ؟ فقال : كان ابن عمر ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه من نومه . وهذا هو المذهب عند القاضي أبي يعلى وأصحابه . وحكى الترمذي في ( جامعه ) عن بعضهم ، أنه رخص في النوم قبل العشاء في رمضان خاصة . وهذا مأخوذ مما روى إبراهيم ، عن الأسود ، أنه كان ينام في رمضان ما بين المغرب والعشاء ، ولعل من خص ذلك برمضان رأى أن قيام ليله يستحب من أول الليل بخلاف سائر الشهور ؛ فإن المستحب فيها التهجد بعد هجعة بعد صلاة العشاء . وذكر عبد الرزاق بإسناده ، عن الحسن ، قال : كان الناس يقومون في رمضان ، فيصلون العشاء إذا ذهب ربع الليل ، وينصرفون وعليهم ربع . وهذا يدل على أنهم كانوا يؤخرون العشاء إلى آخر وقتها المختار ثم يقومون عقيب ذلك . ومن فعل هذا فإنه يحتاج أن ينام قبل صلاة العشاء لينشط للقيام . واستدل من لم يكره النوم قبل العشاء إذا كان له من يوقظه بأن الذي يُخْشَى من النوم قبل العشاء هو خوف فوات وقتها المختار ، أو فوات الصلاة مع الجماعة ، وهذا يزول إذا كان له من يوقظه للوقت أو للجماعة . ويدل على ذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرس من آخر الليل وأراد النوم وخشي أن تفوته الصلاة قال : ( من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح ؟ ) قال بلال : أنا ، فنام هو وبقية أصحابه وجلس بلال يرقب لهم الصبح ، حتى غلبته عيناه ، فدل على أن النوم قبل الصلاة وإن قرب وقتها إذا وكل من يوقظه غير مكروه . وفي ذلك دليل على جواز إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة ، ولا سيما إذا ضاق وقتها ، وقد تقدم أن ابن عمر كان ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه ، وأن أحمد استدل به . وهذا يدل على أن أحمد يرى إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة مطلقا ، وصرح به بعض أصحابنا ، وهو قول الشافعية وغيرهم . وقال الشافعية : إنه يستحب ، لا سيما إن ضاق الوقت . واستدلوا بقوله تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقظ عائشة لتوتر . وبما روى أبو داود من حديث أبي بكرة ، قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الصبح ، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة ، أو حركه برجله . ويدل عليه - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطرق عليا وفاطمة بالليل ، ويوقظهما للصلاة . وورد الحث على إيقاظ أحد الزوجين الآخر بالليل للصلاة . فإذا استحب إيقاظ النائم لصلاة التطوع ، فالفرض أولى . وكان عمر وعلي - رضي الله عنهما - إذا خرجا لصلاة الصبح أيقظا الناس للصلاة . وقد روي ذلك في خبر مقتل عمر وعلي - رضي الله عنهما . وقد خرج البخاري في ( التيمم ) حديث عمران بن حصين في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بطوله ، وفيه : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه - وذكر الحديث . وهذا يفهم منه أنهم كان يوقظ بعضهم بعضا للصلاة ؛ فإن هذا المعنى غير موجود في حق أحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم وقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى أنه لا يوقظ النائم للصلاة إلا عند تضايق الوقت ، وبعضهم إلى أنه لا يوقظه بحال لأنه غير مكلف ، ويلزمه أن لا يذكر الناسي بالصلاة ؛ فإنه معفو عنه - أيضا . ومن أصحابنا من حكى هذا الاختلاف في لزوم إيقاظه وعدم لزومه ، وهذا أشبه . وكان سفيان الثوري ينهى عن إيقاظ أحد من أعوان الظلمة للصلاة ، لما يخشى من تسلطه على الناس بالظلم . وهذا يدل على أنه يرى إيقاظ من لا يخشى منه الأذى للصلاة . والله أعلم . وحمل ابن خزيمة حديث النهي عن النوم قبل الصلاة على ما إذا عجلت الصلاة في أول وقتها ، والجواز على ما إذا أخرت إلى آخر وقتها وطال تأخيرها ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إليهم ليلة تأخيرها وقد ناموا لم ينكر عليهم النوم حينئذ . ويشبه هذا قول الليث بن سعد ، قال : إنما معنى قول عمر ( فلا نامت عينه ) من نام قبل ثلث الليل . وفي حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري هاهنا زيادة خرجها مسلم ، وهي : قال ابن جريج : قلت لعطاء : كم ذكر لك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها ليلتئذ ؟ قال : لا أدري . وفيه - أيضا - قول عطاء : في وقت استحباب صلاة العشاء . وقد ذكرنا مذهبه في ذلك فيما مضى .
24 - باب النوم قبل العشاء لمن غلب خرج فيه حديثين : الأول : قال : 569 - حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال : حدثني أبو بكر ، عن سليمان - هو ابن بلال - : ثنا صالح بن كيسان ، قال : أخبرني ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء حتى ناداه عمر : الصلاة ، نام النساء والصبيان . فخرج فقال : ( ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم ) . قال : ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ، قال : وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول . ( أبو بكر ) هو عبد الحميد بن أبي أويس ، وهذا الحديث من جملة نسخة تروى بهذا الإسناد ، قد سبق بعضها . وقوله : ( قال : ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ) قال : ( وكانوا يصلون ) - إلى آخره . الظاهر أنه مدرج من قول الزهري . وقد خرج هذا الحديث مسلم بدون هذا الكلام في آخره من رواية يونس وعقيل ، عن ابن شهاب ، وزاد فيه : وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس . وقد خرجه البخاري قبل هذا من حديث عقيل كذلك . وخرجه فيما يأتي في أواخر الصلاة في ( باب : وضوء الصبيان ) : حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري . ثم قال : وقال عياش : ثنا عبد الأعلى : ثنا معمر ، عن الزهري - فذكر هذا الحديث بمعناه . وفيه : قال : ( إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم ) . ولم يكن يومئذ يصلي غير أهل المدينة . ثم خرجه في الباب الذي يليه : ( باب : خروج النساء إلى المساجد ) عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وقال في حديثه : ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة ، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل . وخرجه النسائي من طريق شعيب ، عن الزهري . ومن طريق محمد بن حمير ، عن ابن أبي عبلة ، عن الزهري ، به ، وزاد فيه : ( ولم يكن يصلى يومئذ إلا بالمدينة ) . ثم قال : ( صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل ) . قال : ولفظه لمحمد بن حمير . فجعله من قول النبي - صلى الله عليه وسلم وهذا غير محفوظ ؛ والظاهر أنه مدرج من قول الزهري . والله أعلم . وقد خرجه الطبراني في ( مسند إبراهيم بن [أبي] عبلة ) من غير وجه ، عن محمد بن حمير ، وفيه : ( وكانوا يصلونها ) ، وهذا يبين أنه مدرج . وعند مسلم فيه زيادة أخرى مرسلة . قال ابن شهاب : وذكر لي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما كان لكم أن تنزروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة ) . وذلك حين صاح عمر بن الخطاب . وهذا يدل على أن في هذا الحديث ألفاظا أرسلها الزهري ، وكانت تلك عادته أنه يدرج في أحاديثه كلمات يرسلها أو يقولها من عنده . وفي هذا ما يستدل به على وقت العشاء ، وأنه من مغيب الشفق إلى ثلث الليل ، وهذا القدر متفق على أنه وقت للعشاء ، وأن المصلي فيه مصل للعشاء في وقتها ، إلا ما حكاه ابن المنذر عن النخعي : أن وقت العشاء إلى ربع الليل ، ونقله ابن منصور عن إسحاق . واختلفوا : فيمن صلى بعد ذهاب ثلث الليل ، وفيمن صلى قبل الشفق ؟ فأما من صلى بعد ثلث الليل فسيأتي الكلام عليه في موضعه من الكتاب - إن شاء الله . وأما تقديم صلاة العشاء على مغيب الشفق : فحكى طائفة من العلماء الإجماع على أن من صلى العشاء قبل مغيب الشفق فعليه الإعادة ؛ لأنه مصل في غير الوقت ، وحكي فيه خلاف شاذ . وقد تقدم عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، أنه قال : لأن أصلي صلاة العشاء وحدي قبل أن يغيب الشفق أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام . خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) له . وعبد الكريم ، هو أبو أمية ، ضعيف جدا ، مع أن البخاري حسن الرأي فيه . وقال حرب : سئل أحمد عن الرجل يصلي المغرب قبل أن يغيب الشفق ؟ قال : لا أدري . وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الله بن الحارث المخزومي : ثنا ثور بن يزيد ، عن سليمان بن موسى ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث صلاة جبريل به في اليومين ، وقال في الأول : ( ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ) . قال البيهقي : هذا مخالف لسائر الروايات . وقد خرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد ، عن المخزومي به ، وقال في الأول : ( والعشاء حين غاب الشفق ) . وقد يحمل الشفق في هذا الحديث - على تقدير كونه محفوظا وفي كلام مجاهد وأحمد على البياض ، أو يكون مجاهد يرى أن وقت العشاء يدخل بدخول وقت المغرب . وقد اختلف العلماء في الشفق الذي يدخل به وقت العشاء : هل هو البياض ، أو الحمرة ؟ فقال طائفة : هو الحمرة ، وهو قول ابن عمر ، وأبي هريرة ، وابن عباس . وروي عن عمر وعلي وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وقول كثير من التابعين ، ومذهب الثوري والأوزاعي والحسن بن حي ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور . ورواه عتيق بن يعقوب ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا . خرجه الدارقطني وغيره . ورفعه وهم . وقال البيهقي في ( كتاب المعرفة ) : لا يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء . وفي ( صحيح ابن خزيمة ) في حديث عبد الله بن عمرو المرفوع : ( ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق ) . وقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة . وقال طائفة : الشفق البياض الباقي بعد الحمرة . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول أبي حنيفة ، وزفر ، والمزني ، وروي - أيضا - عن الثوري والأوزاعي . وأما الإمام أحمد فالمشهور عند القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابه أن مذهبه أن الشفق الحمرة حضرا وسفرا . وقد نص أحمد في رواية الأثرم فيمن صلى العشاء في الحضر قبل مغيب البياض : يجزئه ، ولكن أحب إلي أن لا يصلي في الحضر حتى يغيب البياض . ونقل عنه جمهور أصحابه : أن الشفق في الحضر البياض ، وفي السفر الحمرة وهو الذي ذكره الخرقي في ( كتابه ) ، قال : لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فيواريها الجدران ، فيظن أنها قد غابت ، فإذا غاب البياض فقد تيقن . وحمل القاضي ومن بعده هذا على مجرد الاحتياط والاستحباب دون الوجوب . ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى عن أحمد : أن الشفق البياض في السفر والحضر ، ولا يكاد يثبت عنه . وقال ابن أبي موسى : لم يختلف قول أحمد : أن الشفق الحمرة في السفر ، واختلف قوله في الحضر على روايتين . ونقل ابن منصور في ( مسائله ) ، قال : قلت لأحمد : ما الشفق ؟ قال : في الحضر البياض ، وفي السفر أرجو أن يكون الحمرة ؛ لأن في السفر يجمع بين الصلاتين جد به السير أو لم يجد ، فإذا جمع بينهما فلا يبالي متى صلاها . وهذا تعليل آخر بجواز الجمع بين الصلاتين ، وهو يدل على جواز جمع التقديم مع التفريق بين الصلاتين ، وعلى أنه لا يشترط للجمع نية الجمع ، وقد سبق التنبيه على ذلك . ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن من نام قبل صلاة العشاء مغلوبا على ذلك من غير تعمد له فإنه لا يدخل في النهي ، لأن النهي إنما هو عن تعمد ذلك ، فأما من لم يتعمده فلا يتوجه إليه النهي .
15 - باب من ترك العصر 553 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام : أبنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في كتاب الإيمان ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك ، وإمرار الأحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها ، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الإيمان وإنما يراد به أعمال الجوارح ، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج ؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل] ، وخلدوا بها في النار ، وهذا قول باطل . وأما المتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه ، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه ، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف . فمنهم من قال : ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم . ومنهم من قال : إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها ، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر . وهو من أضعف الأقوال ، وليس في الإخبار به فائدة : ومنهم من حمل هذا الحديث على أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرا مرتدا ، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر . وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر ، فإن سائر الصلوات عنده كذلك . وقد روي تقييد تركها بالتعمد : فروى عباد بن راشد ، عن الحسن وأبي قلابة ؛ أنهما كانا جالسين ، فقال أبو قلابة : قال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك صلاة العصر متعمدا حتى تفوته فقد حبط عمله . خرجه الإمام أحمد . وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء . ورواه أبان بن أبي عياش - وهو متروك عن أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وروى راشد أبو محمد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا ، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة . خرجه ابن ماجه . وخرجه البزار ، ولفظه : فقد كفر . وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمدا ؛ فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة . وروى إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن معاذ بن جبل ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه ، وقال : فقد برئت منه ذمة الله عز وجل . خرجه الإمام أحمد . ورواه - أيضا - عمرو بن واقد - وهو ضعيف عن يونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن معاذ . خرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي . وخرجه المروزي - أيضا - من طريق سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر ، عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة . وقال البخاري في تاريخه : لا يعرف إسناده . وروى مكحول عن أم أيمن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتركي الصلاة متعمدا ؛ فإنه من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله . خرجه الإمام أحمد . وهو منقطع ؛ مكحول لم يلق أم أيمن . ورواه غير واحد ؛ عن مكحول ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . ورواه عبد الرزاق ، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، عن رجل ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال عبد الرزاق : وأبنا شيخ من أهل الشام ، عن مكحول ، قال : ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر . ورواه أبو فروة الرهاوي - وفيه ضعف عن أبي يحيى الكلاعي ، عن جبير بن نفير ، عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . خرجه محمد بن نصر المروزي . وذكر عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : هذه هي أم أيمن ، فقال أبو فروة : أميمة - يعني : أنه أخطأ في تسميتها . فأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية . وأما حديث بريدة فصحيح ، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير : هشام الدستوائي والأوزاعي ، فأما هشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه ، وأما الأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه . أما إسناده : فقيل فيه : عن الأوزاعي : حدثني يحيى ، وثني أبو قلابة : حدثني أبو المهاجر ، عن بريدة . وخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجه . وقال الإمام أحمد في رواية مهنا : هو خطأ من الأوزاعي ، والصحيح حديث هشام الدستوائي . وذكر - أيضا - أن أبا المهاجر لا أصل له ، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ ، فإنه ليس من روايته ، إنما هو من رواية أبي المليح ، وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، كما رواه هشام ، عن يحيى . وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في صحيحه . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن ابن بريدة . وقيل : عن الثوري ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن بريدة ، بغير واسطة بينهما . وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه ، وعدم ضبطه . وأما متنه ، فقال الأوزاعي فيه : إن بريدة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فقال : بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله . كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم . فخالف هشاما في ذلك ؛ فإن هشاما قال في روايته : إن أبا المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . فلم يرفع منه غير هذا القدر ، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم ، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة ، وهو الصحيح . واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظا لكان دليلا على تأخير العصر في غير يوم الغيم ، ولكنه وهم . وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه : باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم ، ثم خرج فيه حديث بريدة ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، فذكره كما خرجه هاهنا ، غير أنه لم يذكر : في غزوة ، وقال فيه : عن بريدة : بكروا بالصلاة ، ولم يقل : صلاة العصر . قال الإسماعيلي : جعل الترجمة لقول بريدة ، لا لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بتعجيل العصر في اليوم الغيم . ثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه ، ثم قال : فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى . وإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم : بكروا بالصلاة ، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة ، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر ، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء ، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة ، ولا يقتضي القياس ذلك ، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت ، وهو محذور ، والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها . فإن غلب على ظنه ، فهل يجوز له الصلاة حينئذ ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه جائز ، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا . والثاني : لا يجوز حتى يتيقن ، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي . واستدل الأولون : بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت ، فأعادوا ، منهم : ابن عمر وأبو موسى ، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد ، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين . وقال الحسن : شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس ، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة . خرجه ابن أبي شيبة . وقال أبو داود : باب : المسافر يصلي ويشك في الوقت ، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى ، أن أنسا حدثه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فقلنا : زالت الشمس ، أو لم تزل ، صلى الظهر ثم ارتحل . والمنصوص عن أحمد : أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر ، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح ؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها . ولكن وقع في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا ، ولعل هذا منه . والله اعلم . وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم : فقال الشافعي : ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت . وقال إسحاق نحوه . ولا يستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت ، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر ونحوه . وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي ، وحكاه - أيضا - رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم . وقالت طائفة : يؤخر الظهر ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم ، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد ، وحكي - أيضا - عن الحسن والأوزاعي ، ونقله ابن منصور عن إسحاق . وقال النخعي : كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ، ويؤخر المغرب في يوم الغيم . قال ابن المنذر : روينا عن عمر ، أنه قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر . قال أصحابنا : يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت . واختلفوا في تعليل ذلك : فمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت ، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير . ومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر ، ويكون فيه ريح وبرد غالبا ، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين ، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجا واحدا ، فكان ذلك أرفق به ، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه . واختلفوا : هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة ، أو تعم الرخصة من يصلي وحده ؟ وفيه وجهان : ومن المتأخرين من قال : المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية : أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز ، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع ، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار ، والاشتباه في الوقت نوع عذر ؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية ، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقوع الصلاة في الوقت المشترك فكان أولى . وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضا - يؤخر الظهر ويعجل العصر ؛ لهذا المعنى ، وهو يدل على أن التفريق بين المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول أبواب المواقيت . ويدل - أيضا - على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين ، وإن لم يتيقن دخول وقتها ، ويستحب تأخير الأولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم ، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد . ومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة ؛ فإن وقتها مضيق عند كثير من العلماء ، والمنصوص عن أحمد خلافه . وروي عن ابن مسعود ، قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر ، وأخروا المغرب والإفطار . وعن عبد العزيز بن رفيع ، قال : عجلوا صلاة العصر ؛ فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : عجلوا الصلاة - يعني : صلاة في اليوم الغيم . وفي رواية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عجلوا الصلاة في يوم غيم ، وأخروا المغرب . وكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه : أغسق ، أغسق - يعني : أخر حتى يظلم الوقت . وروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه : فخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا قال : أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان - فذكر منها - : ابتدار الصلاة في اليوم الدجن . وخرج ابن وهب في مسنده بإسناد ضعيف - أيضا عن أبي الدرداء - مرفوعا قال : تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان ، وعد منها : تعجيل الصلاة في يوم الغيم . وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان ، فذكر منها : التبكير بالصلاة في اليوم الغيم .
7 - باب في تضييع الصلاة عن وقتها 529 - حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا مهدي ، عن غيلان ، عن أنس ، قال : ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل : الصلاة ؟ قال : أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها ؟ 530 - حدثنا عمرو بن زرارة : ثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد ، عن عثمان بن أبي رواد أخي عبد العزيز ، قال : سمعت الزهري يقول : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضيعت . وقال بكر بن خلف : حدثنا محمد بن بكر البرساني : أبنا عثمان بن أبي رواد نحوه . إنما كان يبكي أنس بن مالك من تضييع الصلاة إضاعة مواقيتها ، وقد جاء ذلك مفسرا عنه ، وروى سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، قال : قال أنس : ما أعرف فيكم اليوم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ليس قولكم : لا إله إلا الله . قلت : يا أبا حمزة ، الصلاة ؟ قال : قد صليتم حين تغرب الشمس ، فكانت تلك صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! . خرجه الإمام أحمد . ورواه حماد بن سلمة ، أن ثابتا أخبره ، قال : قال أنس : ما شيء شهدته على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد أنكرته اليوم ، إلا شهادتكم هذه . فقيل : ولا الصلاة ؟ فقال : إنكم تصلون الظهر مع المغرب ، أهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ؟ ! وهذا استفهام إنكار من أنس ، يعني : أن هذه لم تكن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم وخرج الإمام أحمد من حديث عثمان بن سعد ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما أعرف شيئا مما عهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم . قيل له : ولا الصلاة ؟ قال : أوليس قد علمت ما صنع الحجاج في الصلاة ؟ ويقال : إن الحجاج هو أول من أخر الصلاة عن وقتها بالكلية ، فكان يصلي الظهر والعصر مع غروب الشمس ، وربما كان يصلي الجمعة عند غروب الشمس ، فتفوت الناس صلاة العصر ، فكان بعض التابعين يومئ في المسجد الظهر والعصر خوفا من الحجاج . وقد روي هذا الحديث عن أنس من وجوه متعددة . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي عمران الجوني ، عن أنس ، قال : ما أعرف شيئا مما كنا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم قلت : أين الصلاة ؟ قال : أو لم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم ؟ وغيلان - الذي خرجه البخاري من طريقه أولا ، عن أنس - هو : ابن جرير ، رواه عنه مهدي بن ميمون . وعثمان بن أبي رواد هو أخو عبد العزيز بن أبي رواد ، يكنى : أبا عبد الله . قال ابن معين : كان ثقة . وقد روى عنه شعبة وغيره ، وقد بين البخاري أنه روى عنه هذا الحديث : أبو عبيدة الحداد ومحمد بن بكر البرساني . وبكر بن خلف الذي علق البخاري عنه الحديث ، يقال له : ختن المقرئ ، يكنى أبا بشر ، ثقة ، روى عنه أبو داود وابن ماجه . ولهم شيخ آخر ، يقال له : عثمان بن جبلة بن أبي رواد المروزي والد عبدان عبد الله بن عثمان ، وهو ابن أخي عثمان هذا ، يروي عن شعبة وطبقته ، وروى عنه عمه عثمان بن أبي رواد ، وهو ثقة - أيضا وقد خرج البخاري عن أبيه عبدان ، عنه .
16 - باب فضل صلاة العصر فيه حديثان : أحدهما : قال : 554 - حدثنا الحميدي : ثنا مروان بن معاوية : ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم . هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، كما دل على ذلك قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ومفهوم قوله في حق الكفار : كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال الشافعي وغيره : لما حجب أعداءه في السخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا . والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد ، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم . وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة وشبهات باطلة ، يخيلها لهم الشيطان ، فيسرعون إلى قبولها منه ، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلا ، ويسميه تشبيها أو تجسيما ، فينفرون منه ، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب ، وأنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفى ، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام ، وقاسه لهم على ملوك بني آدم ، فاستجابوا لذلك ، وقبلوه منه . وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله ، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى ، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل . وقوله : كما ترون هذا القمر شبه الرؤية بالرؤية ، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى . وإنما شبه الرؤية برؤية البدر ؛ لمعنيين : أحدهما : أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى . والثاني : يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة . وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله ، أن هذا الحديث يرد ؛ لما يتضمن من التشبيه ، فضل وأضل . واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق . قال يزيد بن هارون : من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله . وقال وكيع : من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية . وكان حسين الجعفي إذا حدث بهذا الحديث قال : زعم المريسي . وقوله : لا تضامون في رؤيته . قال الخطابي : لا تضامون ، روي على وجهين : مفتوحة التاء ، مشددة الميم . وأصله تتضامون ، أي : لا يضام بعضكم بعضا ، أي : لا يزاحم ، من الضم ، كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي ، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه ، لا ينازعه فيه أحد . والآخر : مخفف : تضامون - بضم التاء - من الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا فيه . انتهى . وذكر ابن السمعاني فيه رواية ثالثة : تضامون - بضم التاء ، وتشديد الميم قال : ومعناها : لا تزاحمون ، قال : ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها : لا تزاحمون . وقوله : كما ترون القمر ليلة البدر يقوي المعنى الأول . وجاء التصريح به في رواية أبي رزين العقيلي ، أنه قال : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه يوم القيامة ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به ؟ قال : بلى ، قال : فالله أعظم . خرجه الإمام أحمد . وخرجه ابنه عبد الله في المسند بسياق مطول جدا ، وفيه ذكر البعث والنشور ، وفيه : فتخرجون من الأصواء - أو من مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم . قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : أنبئك بمثل ذلك ، الشمس والقمر ، آية منه صغيرة ، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم ، لا تضارون في رؤيتهما - وذكر بقية الحديث . وخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . وقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين أنه استحسنه . وقوله : فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا . أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين ، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين ، وأنهما أشرف الصلوات الخمس ، ولهذا قيل في كل منهما : إنها الصلاة الوسطى ، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه . وقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية : أن أعلى ما في الجنة رؤية الله عز وجل ، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال - هاتان الصلاتان ، فالمحافظة عليهما يرجى بها دخول الجنة ورؤية الله عز وجل فيها . كما في الحديث الآخر : من صلى البردين دخل الجنة ، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه . وقيل : هو إشارة إلى أن دخول الجنة إنما يحصل بالصلاة مع الإيمان ، فمن لا يصلي فليس بمسلم ، ولا يدخل الجنة بل هو من أهل النار ، ولهذا قال أهل النار لما قيل لهم : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ويظهر وجه آخر في ذلك ، وهو : أن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر في وجه الله عز وجل مرتين بكرة وعشيا ، وعموم أهل الجنة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد ، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى الله عز وجل في الجنة في هذين الوقتين . ويدل على هذا ما روى ثوير بن أبي فاختة ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا لفظه . وخرجه - أيضا - موقوفا على ابن عمر . وثوير فيه ضعف . وقد روي هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا - أيضا وفي إسناده ضعف . وقاله غير واحد من السلف ، منهم : عبد الله بن بريدة وغيره . فالمحافظة على هاتين الصلاتين تكون سببا لرؤية الله في الجنة في مثل هذين الوقتين ، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في الجنة ، كما قال ابن مسعود : سارعوا إلى الجمعات ؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في الدنو على قدر تبكيرهم إلى الجمعات . وروي عنه مرفوعا . خرجه ابن ماجه . وروي عن ابن عباس ، قال : من دخل الجنة من أهل القرى لم ينظر إلى وجه الله ؛ لأنهم لا يشهدون الجمعة . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد ضعيف . وقد روي من حديث أنس - مرفوعا - : إن النساء يرين ربهن في الجنة في يومي العيدين . والمعنى في ذلك : أنهن كن يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجمع . وقوله : ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الظاهر أن القارئ لذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم وقد روي من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن جرير البجلي في هذا الحديث : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ الآية . خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب الفاروق . وقد قيل : إن هذه الكلمة مدرجة ، وإنما القارئ هو جرير بن عبد الله البجلي . وقد خرجه مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة ، عن مروان بن معاوية - فذكر الحديث ، وقال في آخره : ثم قرأ جرير : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وكذا رواه عمرو بن زرارة وغيره ، عن مروان بن معاوية ، وأدرجه عنه آخرون .
الحديث الثاني : 555 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين كانوا فيكم ، فيسألهم - وهو أعلم بهم - : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون . قوله : يتعاقبون فيكم ملائكة جمع فيه الفعل مع إسناده إلى ظاهر ، وهو مخرج على اللغة المعروفة بلغة أكلوني البراغيث ، وقد عرفها بعض متأخري النحاة بهذا الحديث ، فقال : هي لغة يتعاقبون فيكم ملائكة . والتعاقب : التناوب والتداول ، والمعنى : أن كل ملائكة تأتي تعقب الأخرى . وقد دل الحديث على أن ملائكة الليل غير ملائكة النهار . وقد خرجا في الصحيحين من حديث الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : تجتمع ملائكة الليل ، وملائكة النهار في صلاة الفجر . ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ففي هذه الرواية : ذكر اجتماعهم في صلاة الفجر ، واستشهد أبو هريرة بقول الله عز وجل : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وقد روي في حديث من رواية أبي الدرداء - مرفوعا - : أنه يشهده الله وملائكته . وفي رواية : ملائكة الليل وملائكة النهار . خرجه الطبراني وابن منده وغيرهما . فقد يكون تخصيص صلاة الفجر لهذا ، وصلاة العصر يجتمع - أيضا - فيها ملائكة الليل والنهار ، كما دل عليه حديث الأعرج ، عن أبي هريرة . وقد روي نحوه من حديث حميد الطويل ، عن بكر المزني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . وهؤلاء الملائكة ، يحتمل أنهم المعقبات ، وهم الحفظة ، ويحتمل أنهم كتبة الأعمال . وروى أبو عبيدة ، عن أبيه عبد الله بن مسعود ، في قوله : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا قال : يعني صلاة الصبح ، يتدارك فيه الحرسان ملائكة الليل وملائكة النهار . وقال إبراهيم ، عن الأسود بن يزيد : يلتقي الحارسان من ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح ، فيسلم بعضهم على بعض ، ويحيى بعضهم بعضا ، فتصعد ملائكة الليل وتبسط ملائكة النهار . قال ابن المبارك : وكل بابن آدم خمسة أملاك : ملكا الليل ، وملكا النهار ، يجيئان ويذهبان ، والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا . وممن قال : إن ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع في صلاة الفجر ، وفسر بذلك قول الله عز وجل : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا مجاهد ومسروق وغيرهما . قال ابن عبد البر : والأظهر أن ذلك في الجماعات . قال : وقد يحتمل الجماعات وغيرها . قلت : يشهد للأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أمن الإمام فأمنوا ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكل الثوم أن يشهد المسجد ، وتعليله : أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم . وقد بوب البخاري على اختصاصه بالجماعات في أبواب صلاة الجماعة ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . ويشهد للثاني : أن المصلي ينهى عن أن يبصق في صلاته عن يمينه ؛ لأن عن يمينه ملكا ، ولا يفرق في هذا بين مصلي جماعة وفرادى .
23 - باب ما يكره من النوم قبل العشاء 568 - حدثنا محمد بن سلام : ثنا عبد الوهاب الثقفي : ثنا خالد الحذاء ، عن أبي المنهال ، عن أبي برزة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها . قد أخذ بظاهر هذا الحديث طائفة من العلماء ، وكرهوا النوم قبل العشاء بكل حال . قال ابن المبارك : أكثر الأحاديث على ذلك . ورويت الكراهة عن عمر ، وابن عمر وابن عباس ، وأبي هريرة ، وعن مجاهد ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والنخعي ، وهو قول أصحاب الشافعي ، وحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي - : حكاه ابن عبد البر . وذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهبا لنا ، وهو قول الثوري . وروي عن ابن عمر كراهة النوم قبل العشاء وإن وكل به من يوقظه من رواية الفقير وغيره ، عنه . وعن مجاهد : لأن أصلي صلاة العشاء قبل أن يغيب الشفق وحدي أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام . كذا رواه عبد الكريم البصري ، عنه . وروى عنه - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء ) . وعبد الكريم هذا ، ضعيف . وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل العشاء الآخرة ولا سمر بعدها . خرجه ابن ماجه . وعبد الله هذا ، قال ابن معين : صويلح . وقال البخاري : مقارب الحديث . وقال الدارقطني : يعتبر به . وقال النسائي : ليس بالقوي . وروى يحيى بن سليم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما قبل العشاء ولا متحدثا بعدها . ذكره الأثرم ، وضعفه من أجل يحيى بن سليم ، وقال : لم يروه غيره . كذا قاله . وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) من طريق جعفر بن سليمان ، عن هشام . وخرجه البزار من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير - وهو متروك عن ابن أبي مليكة ، عن عروة ، عن عائشة - وزاد فيه ، في أوله : عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( من نام قبل العشاء فلا أنام الله عينه ) . وهذا لا يثبت مرفوعا ، وإنما روي عن عمر من قوله . وروى ابن وهب في ( مسنده ) ، قال : أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم قالت : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي ؟ قال : ( لا نامت عينه ) ثلاث مرات . وخرجه بقي بن مخلد من طريقه . وهو منقطع بين بكير بن الأشج وعائشة . وخرجه بقي من وجه آخر ضعيف ، عن عائشة ، مرفوعا - بمعناه .
الحديث الثاني : 567 - حدثنا محمد بن العلاء : ثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فكان يتناوب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم ، فوافقنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا وأصحابي ، وله بعض الشغل في بعض أمره ، فأعتم بالصلاة ، حتى ابهارَّ الليل ، ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم ، فلما قضى صلاته قال لمن حضره : ( على رسلكم ، أبشروا ، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم ) - أو قال : ( ما صلى هذه الساعة أحد غيركم ) ، لا أدري أي الكلمتين قال - قال أبو موسى : فرجعنا فرحى ، وفرحنا بما سمعنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم البقيع - في اللغة - : المكان الذي فيه شجر من ضروب شتى . وبطحان : أحد أودية المدينة المشهورة ، وهي ثلاثة : بطحان ، والعقيق ، وقناة . وبطحان : يقوله أهل الحديث بضم أوله ، وسكون ثانيه ، وقيل : بفتح أوله ، وأهل اللغة يقولونه بفتح أوله وكسر ثانيه ، وقالوا : لا يجوز فيه غير ذلك - : ذكره صاحب ( معجم البلدان ) . وقوله : ( أعتم بالصلاة ) أي أخرها ، ومنه قيل : ( قرى عاتم ) إذا لم يقدم العجالة للضيف ، وأبطأ عليه بالطعام . ومعنى ( ابهارَّ الليل ) : انتصف . قاله الأصمعي وغيره . وقالوا : بهرة كل شيء وسطه . وقيل : معناه : استنار الليل [باستهام] طلوع نجومه بعد أن تذهب فحمة الليل وظلمته بساعة ، وهذا بعيد . وقوله : ( ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم ) - أو ( ما صلى هذه الساعة أحد غيركم ) - يحتمل أنه أراد به أهل الأديان ، كما تقدم وأنه أراد به المسلمين - أيضا . وفي هذا الحديث والذي قبله : دليل على استحباب تأخير العشاء . وفي حديث أبي موسى : دلالة على جواز تأخيرها إلى انتصاف الليل ، وسيأتي القول في ذلك مبسوطا - إن شاء الله تعالى .
22 - باب فضل العشاء فيه حديثان : الأول : 566 - حدثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، أن عائشة أخبرته ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، وذلك قبل أن يفشو الإسلام ، فلم يخرج حتى قال عمر : نام النساء والصبيان ، فخرج ، فقال لأهل المسجد : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) . قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ) ، قد فهمت منه عائشة - رضي الله عنها - أن الصلاة لم يكن يجتمع لها بغير المدينة . وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وفيه : قال : ( ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ) ، ولعل هذا مدرج من قول الزهري أو عروة ، وقد كان يصلى بالمدينة في غير مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار . وقد روي ما يدل على أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه لا يصليها أحد من أهل الأديان غير المسلمين . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث منصور ، عن الحكم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة عشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ؟ فقال حين خرج : ( إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ) ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى . وخرج الإمام أحمد من رواية عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود ، قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : ( أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم ) ، قال : وأنزلت هؤلاء الآيات : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ . وخرجه يعقوب بن شيبة في ( مسنده ) ، وقال : صالح الإسناد . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية عاصم بن حميد السكوني ، أنه سمع معاذ بن جبل قال : رقبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة ، فتأخر حتى خرج ، فقال : ( أعتموا بهذه الصلاة ؛ فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ، ولم تصلها أمة قبلكم ) . وعاصم هذا ؛ وثقه ابن حبان والدارقطني ، وهو من أصحاب معاذ . وخرج أبو مسلم الكجي في ( سننه ) من حديث الشعبي ، قال : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، ثم جاء ، فقال : ( هذه الصلاة لم يعطها أحد من الأمم قبلكم - أو غيركم - ؛ فمن كان طالبا إلى الله عز وجل حاجة لآخرة أو دنيا فليطلبها في هذه الصلاة ) . وقد دلت هذه الأحاديث على فضل ذكر الله تعالى في الأوقات التي يغفل عموم الناس فيها ، ولهذا فضل التهجد في وسط الليل على غيره من الأوقات ؛ لقلة من يذكر الله في تلك الحال . وفي ( المسند ) عن أبي ذر ، قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي قيام الليل أفضل ؟ قال : ( جوف الليل الغابر - أو نصف الليل - وقليل فاعله ) . وفي الترمذي عن عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) . قال بعض السلف : ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة ، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس هلك الناس . ورويناه مرفوعا بإسناد ضعيف ، عن ابن عمر - مرفوعا - : ( ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين ، وذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصريد ) - والصريد : البرد الشديد - ( والذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس ، وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده من الجنة ) .
الحديث الثاني : قال : 557 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أنه أخبره ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أوتي أهل التوراة التوراة ، فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل ، فعملوا إلى صلاة العصر ، ثم عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتينا القرآن ، فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا قيراطين قيراطين . فقال أهل الكتابين : أي ربنا ، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين ، وأعطيتنا قيراطا قيراطا ، ونحن أكثر عملا ؟ قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ؟ قالوا : لا . قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء . قوله صلى الله عليه وسلم : إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم إنما أراد به - والله أعلم - أتباع موسى وعيسى عليهما السلام ، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أمما ، فقال : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا ؛ ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بعمل أهل التوارة بها إلى انتصاف النهار ، وعمل أهل الإنجيل به إلى العصر ، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس . ويدل على ذلك - أيضا - : حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري بعد هذا ، ولفظه : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له إلى الليل - وذكر الحديث ، كما سيأتي - إن شاء الله . وإنما قلنا : إن هذا هو المراد من الحديث ؛ لأن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغ قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس بالنسبة إلى ما مضى من النهار ، بل هو أقل من ذلك بكثير . ويدل عليه صريحا : ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة العصر يوما بنهار ، ثم قام خطيبا ، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به - فذكر الحديث بطوله ، وقال في آخره : قال : وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إلا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه . وقال الترمذي : حديث حسن . وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر ، قال : كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - والشمس على قعيقعان بعد العصر ، فقال : ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى منه . ومن حديث ابن عمر ، أنه كان واقفا بعرفات ينظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب ، فبكى ، وقال : ذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بمكاني هذا ، فقال : أيها الناس ، لم يبق من دنياكم فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه . ويشهد لذلك من الأحاديث الصحيحة : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى . خرجاه في الصحيحين من حديث أنس ، وخرجاه - أيضا - بمعناه من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد . وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر . وخرج الترمذي من حديث المستورد بن شداد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : بعثت في نفس الساعة ، فسبقتها كما سبقت هذه هذه - لأصبعيه : السبابة والوسطى . وفي مسند الإمام أحمد عن بريدة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : بعثت أنا والساعة جميعا ، إن كادت لتسبقني . وروى الإمام أحمد - أيضا : ثنا أبو ضمرة : حدثني أبو حازم ، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : مثلي ومثل الساعة كهاتين - وفرق كذا بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ، ثم قال : مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان ، ثم قال : مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة ، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم . ثم يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا ذاك . وكل هذه النصوص تدل على شدة اقتراب الساعة ، كما دل عليه قوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وقوله تعالى : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وقد فسر قوله صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة ، كقرب السبابة من الوسطى ، وبأن زمن بعثته تعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة ، كما قال في الحديث الصحيح : أنا الحاشر ، يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب . فالحاشر : الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه . يعني : أن بعثهم وحشرهم يكون عقيب رسالته ، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم . والعاقب : الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم ، وليس بعده نبي ، فكان إرساله من علامات الساعة . وفي المسند ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له . وفسر قتادة وغيره قوله : كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى ، بأن المراد : كفضل إحداهما على الأخرى - يعني : كفضل الوسطى على السبابة . وقد ذكر ابن جرير الطبري : أن فضل ما بين السبابة والوسطى نحو نصف سبع ، وكذلك قدر ما بين صلاة العصر في أوسط نهارها بالإضافة إلى باقي النهار نصف سبع اليوم تقريبا ، فإن كانت الدنيا سبعة آلاف سنة ، فنصف يوم خمسمائة سنة . وقد روي في ذلك حديث ابن زمل ، مرفوعا : أن الدنيا سبعة آلاف سنة ، وأنه صلى الله عليه وسلم في آخرها ألفا . وإسناده لا يصح . ويشهد لهذا الذي ذكره ابن جرير : ما خرجه أبو داود من حديث أبي ثعلبة الخشني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم . وروي موقوفا ، ووقفه أصح عند البخاري وغيره . وخرج أبو داود - أيضا - بإسناد منقطع عن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : إني لأرجو أن لا يعجز أمتي عند ربهم أن يؤخرهم نصف يوم . قيل لسعد : كم نصف يوم ؟ قال : خمسمائة سنة . وإن صح هذا ، فإنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم رجا لأمته تأخير نصف يوم ، فأعطاه الله رجاءه وزاده عليه ، فإنا الآن في قريب رأس الثمانمائة من الهجرة ، وما ذكره ابن جرير من تقدير ذلك بنصف سبع يوم على التحديد لا يصلح ، وقد ذكر غيره أن المسبحة ستة أسباع الوسطى طولا ، فيكون بينهما من الفضل سبع كامل ، وذلك ألف سنة ، على تقدير أن تكون الدنيا سبعة آلاف سنة ، وأن بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخرها ألفا ، وهذا - أيضا - لا يصح ، ولا يبلغ الفضل بينهما سبعا كاملا . وقيل : إن قدر الفضل بينهما نحو من ثمن ، كما سنذكره ، إن شاء الله . وفي صحيح مسلم عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بعثت أنا والساعة كهاتين . قال : وضم السبابة والوسطى . وقد سبق في رواية الإمام أحمد ، أنه فرق بينهما ، وقد ذكر بعضهم على تقدير صحة رواية التفريق أن فرج ما بين الأصابع الخمس ستة أمثال فرجة ما بين السبابة والوسطى ، وحجم الأصابع الخمس ضعف ما بين المسبحة والوسطى ، فيكون حجم الأصابع الخمس مع الفرج الأربع الواقعة بينهن ثمانية أجزاء فرجة ما بين السبابة والوسطى جزء منها . ويئول المعنى إلى أن ما بينه صلى الله عليه وسلم وبين الساعة قدر ثمن الدنيا ، وهو ثمانمائة وخمس وسبعون سنة على تقدير ما تقدم ذكره . قال : ويعتضد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب ) ، فإن ما بين العصر والمغرب قريب من ثمن زمان دورة الفلك التامة مرة واحدة ، وهي أربعة وعشرون ساعة . انتهى ما ذكره . وأخذ بقاء ما بقي من الدنيا على التحديد من هذه النصوص لا يصح ؛ فإن الله استأثر بعلم الساعة ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، وهو من مفاتح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) . وإنما خرج هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التقريب للساعة من غير تحديد لوقتها . وقد قدمنا أن المراد بهذا الحديث مدة أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع مدة أمة موسى وعيسى عليهم السلام ، فمدة هذه الأمم الثلاث كيوم تام ، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة هذا اليوم ؛ فإن الليل سابق للنهار ، وقد خلق قبله على أصح القولين ، وتلك الليلة السابقة كان فيها نجوم تضيء ويهتدى بها ، وهم الأنبياء المبعوثون فيها ، وقد كان - أيضا - فيهم قمر منير ، وهو إبراهيم الخليل عليه السلام ، إمام الحنفاء ووالد الأنبياء ، وكان بين آدم ونوح ألف سنة ، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ، وبين إبراهيم وموسى عليه السلام ألف سنة . قال ذلك غير واحد من المتقدمين ، حكاه عنهم الواقدي . وذكر بعض علماء أهل الكتاب أن من آدم إلى إبراهيم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثمان وعشرون سنة ، ومن إبراهيم إلى خروج موسى من مصر خمسمائة وسبع وستون سنة ، وذكر أن من آدم إلى مولد المسيح خمسة آلاف وخمسمائة سنة ، ومن مولد المسيح إلى هجرة محمد صلى الله عليه وسلم ستمائة وأربع عشرة سنة ، ومن آدم إلى الهجرة ستة آلاف سنة ومائة وأربع عشرة سنة ، ومن خروج بني إسرائيل إلى الهجرة ألفان ومائتان وتسع وسبعون سنة ، ولكن إنما يؤرخون بالسنة الشمسية لا القمرية . وأما ابتداء رسالة موسى عليه السلام فكانت كابتداء النهار ، فإن موسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليهم وسلم هم أصحاب الشرائع والكتب المتبعة والأمم العظيمة . وقد أقسم الله بمواضع رسالاتهم في قوله : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ وفي التوراة : ( جاء الله من طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران ) . ولهذا سمَّى محمدا صلى الله عليه وسلم سراجا منيرا ؛ لأن نوره للدنيا كنور الشمس وأتم وأعظم وأنفع ، فكانت مدة عمل بني إسرائيل إلى ظهور عيسى كنصف النهار الأول ، ومدة عمل أمة عيسى كما بين الظهر والعصر ، ومدة عمل المسلمين كما بين العصر إلى غروب الشمس ، وهذا أفضل أوقات النهار . ولهذا كانت الصلاة الوسطى هي العصر على الصحيح ؛ وأفضل ساعات يوم الجمعة ويوم عرفة من العصر إلى غروب الشمس ، فلهذا كان خير قرون بني آدم القرن الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم . وقد خرج البخاري ذلك من حديث أبي هريرة مرفوعا . وقد أعطى الله تعالى من عمل بالتوراة والإنجيل قيراطا قيراطا ، وأعطى هذه الأمة لعملهم قيراطين . فقال الخطابي : كان كل من الأمم الثلاثة قد استؤجر ليعمل تمام النهار بقيراطين ، فلما عجز كل واحد من الأمتين قبلها ، وانقطع عن عمله في وسط المدة أعطى قيراطا واحدا ، وهذه الأمة أتمت مدة عملها فكمل لها أجرها . وقد جاء في رواية أخرى من حديث ابن عمر ، أن كل طائفة منهم استؤجرت لتعمل إلى مدة انتهاء عملها على ما حصل لها من الأجر . فقال الخطابي : لفظه مختصر ، وإنما أخبر الراوي بما آل إليه الأمر فقط . وفيما قاله نظر ، وسيأتي الكلام عليه في الحديث الثالث - إن شاء الله . وعجز اليهود والنصارى عن إتمام المدة هو بما حصل لهم مما لا ينفع معه عمل ، مع البقاء على ما هم عليه من النسخ والتبديل ، مع تمكنهم من إتمام العمل بالإيمان بالكتاب الذي أنزل بعد كتابهم . وقولهم : ( نحن أكثر عملا وأقل أجرا ) . أما كثرة عمل اليهود فظاهر ؛ فإنهم عملوا إلى انتصاف النهار ، وأما النصارى فإنهم عملوا من الظهر إلى العصر ، وهو نظير مدة عمل المسلمين . فاستدل بذلك من قال : إن أول وقت العصر مصير كل شيء مثليه ، وهم أصحاب أبي حنفية ، قالوا : لأنه لو كان أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثله لكان مدة عملهم ومدة عمل المسلمين سواء . وأجاب عن ذلك من قال : إن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثله من أصحابنا والشافعية وغيرهم بوجوه : منها : أن أحاديث المواقيت مصرحة بأن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثله ، وهذا الحديث إنما ساقه النبي - صلى الله عليه وسلم - مساق ضرب الأمثال ، والأمثال مظنة التوسع فيها ، فكان الأخذ بأحاديث توقيت العصر المسوقة لبيان الوقت أولى . ومنها : أن المراد بقولهم : ( أكثر عملا ) ، أن عمل مجموع الفريقين أكثر . فإن قيل : فقد قالوا : ( وأقل أجرا ) ومجموع الفريقين لهم قيراطان كأجر هذه الأمة . قيل : لكنِ القيراطان في مقابلة عمل كثير ، فإنهما عملا ثلاثة أرباع النهار بقيراطين ، وعمل المسلمون ربع النهار بقيراطين ، فلذلك كان أولئك أقل أجرا . ومنها : أن وقت العصر إذا سقط من أوله مدة التأهب للصلاة بالأذان والإقامة والطهارة والستارة وصلاة أربع ركعات والمشي إلى المساجد ، صار الباقي منه إلى غروب الشمس أقل مما بين الظهر والعصر . وحقيقة هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أن أمته عملت من زمن فعل صلاة العصر المعتاد لا من أول دخول وقتها . ومنها : أن كثرة العمل لا يلزم منه طول المدة ، فقد يعمل الإنسان في مدة قصيرة أكثر مما يعمل غيره في مدة طويلة . وقد ضعف هذا ؛ بأن ظاهر الحديث يرده ، ويدل على اعتبار طول المدة وقصرها ، إلا أن يقال : كنى عن كثرة العمل وقلته بطول المدة وقصرها ، وفيه بعد . وقد روى هشام بن الكلبي ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة ، ولم يكن بينهما فترة ، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم ، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء ، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربع وثمانون سنة . هذا إسناد ضعيف ، لا يعتمد عليه . وإنما يصح ذلك على تقدير أن يكون بين عيسى ومحمد أنبياء ، والحديث الصحيح يدل على أنه ليس بينهما نبي ، ففي ( صحيح البخاري ) عن سلمان ، أن مدة الفترة كانت ستمائة سنة . وقد ذكر قوم : أن من لدن خلق آدم إلى وقت هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة آلاف سنة ، تنقص ثمان سنين . وقال آخرون : بينهما أربعة آلاف وستمائة واثنان وأربعون سنة وأشهر . واختلفوا في مدة بقاء الدنيا جميعها : فروي عن ابن عباس ، أنها جمعة من جمع الآخرة ، سبعة آلاف سنة . وعن كعب ووهب ، أنها ستة آلاف سنة . وعن مجاهد وعكرمة ، قالا : مقدار الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة ، ولا يعلم ما مضى منه وما بقي إلا الله عز وجل ، وأن ذلك هو اليوم الذي قال الله فيه : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خرجه ابن أبي حاتم في ( تفسيره ) . وقد قدمنا : أن حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري هاهنا يدل على أن مدة الدنيا كلها كيوم وليلة ، وأن مدة الأمم الثلاث أصحاب الشرائع المتبعة قريب من نصف ذلك ، وهو قدر يوم تام ، وأن مدة اليهود منه إلى ظهور عيسى حيث كانت أعمالهم صالحة تنفعهم عند الله كما بين صلاة الصبح إلى صلاة الظهر ، ومدة النصارى إلى ظهور محمد صلى الله عليه وسلم حيث كانت أعمالهم صالحة مقبولة كما بين صلاة الظهر والعصر ، ومدة المسلمين منه من صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وذلك في الزمان المعتدل قدر ربع النهار ، وهو قدر ثمن الليل والنهار كما سبق ذكره وتقديره . لكن مدة الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومدة الباقي منها إلى يوم القيامة ، لا يعلمه على الحقيقة إلا الله عز وجل ، وما يذكر في ذلك فإنما هو ظنون لا تفيد علما . وكان مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس ؛ لأنه جعل عمل المسلمين مستمرا من وقت العصر إلى غروب الشمس ، وإنما ضرب المثل لهم بوقت صلاة العصر ، واستمرار العمل إلى آخر النهار لاستمرار مدة وقت العصر إلى غروب الشمس ، وأن ذلك كله وقت لعملهم ، وهو صلاة العصر ، فكما أن مدة صلاتهم تستمر إلى غروب الشمس ، فكذلك مدة عملهم بالقرآن في الدنيا مستمر من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم حتى تقوم عليهم الساعة ويأتي أمر الله وهم على ذلك .
الحديث الثالث : قال : 558 - حدثنا أبو كريب : ثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل ، فعملوا إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك ، فاستأجر آخرين ، فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا ، فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين ) . ظاهر هذه الرواية : يدل على أن كلا من الفريقين اليهود والنصارى أبطلوا عملهم ولم يسقطوا أجرهم فلم يستحقوا شيئا ، وهذا بخلاف ما في حديث ابن عمر الماضي أنهم أعطوا قيراطا قيراطا . وقد يحمل حديث ابن عمر على من مات قبل نسخ دينه وتبديله ، وكان عمله على دين حق ، وحديث أبي موسى هذا على من أدركه التبديل والنسخ ، فاستمر على عمله ، فإنه قد أحبط عمله وأبطل أجره ، فلم يستحق شيئا من الأجر . فإن قيل : فمن مات قبل التبديل والنسخ مؤمن ، له أجره عند الله ، كما قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قيل : هو كذلك ، وإنما لهم أجر واحد على عملهم ؛ لأنه شرط لهم ذلك ، كما جاء في رواية أخرى صريحة من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وهذه الأمة شرط لها على إتمام عمل بقية اليوم أجران . وقوله : ( فاستكملوا أجر الفريقين ) ؛ لأنه لما بطل عملهما وسقط أجرهما ، وعمل المسلمون بقية النهار على قيراطين ، فكأنهم أخذوا القيراطين منهما واستحقوا ما كان لهما على عملهما وحازوه دونهما ، ولهذا قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ؛ ولهذا اعترف أهل الكتاب أنهم لم يظلموا من أجرهم شيئا . وفي حديث أيوب : ( أن اليهود استؤجرت لتعمل إلى الظهر على قيراط ، والنصارى إلى العصر على قيراط ) ، وهذا صحيح ؛ فإن كلا من الطائفتين أشعر بنسخ دينه وتأقيته ، وأنه يعمل عليه إلى أن يأتي نبي آخر بكتاب آخر مصدق له ، وإن لم يذكر لهم ذلك الوقت معينا . وقد تنازع أهل الأصول فيمن أمر أن يعمل عملا إلى وقت غير معين ، ثم أمر بترك ذلك العمل ، والعمل بغيره : هل هو نسخ في حقه ، أم لا ؟ مثل قوله تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وفي الجملة ، فاستحقاق اليهود والنصارى قيراطا واحدا على عملهم وإحباط أجرهم وإبطاله هو بالنسبة إلى طائفتين منهم ، لا إلى طائفة واحدة . وقد استدل أصحابنا بحديث أبي موسى هذا على أن من استؤجر لعمل في مدة معينة ، فعمل بعضه في بعض المدة ، ثم ترك العمل في باقي المدة باختياره من غير عذر ، أنه قد أسقط حقه من الأجرة ، ولا يستحق منها شيئا . ومقصود البخاري بهذا الحديث - أيضا - : أن ضرب المثل لعمل المسلمين من وقت صلاة العصر إلى غروب الشمس يؤخذ منه بقاء وقت صلاة العصر وامتداده إلى غروب الشمس ، كما سبق .
17 - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 556 - حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته . وقد خرجه فيما بعد من وجه آخر عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ولفظه : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس ؛ ولهذا جعله مدركا لها بإدراك ركعة منها قبل غروب الشمس ، فإدراكها كلها قبل الغروب أولى أن يكون مدركا لها . وقد سبق قول من قال : إن وقت العصر إلى غروب الشمس ، منهم : ابن عباس وعكرمة ، وهو رواية عن مالك والثوري وهو قول إسحاق . قال إسحاق : آخر وقتها للمفرط ، وصاحب عذر هو قدر ما يبقى إلى غروب الشمس ركعة - : نقله عنه ابن منصور . وحكي مثله عن داود . وروي عن أبي جعفر محمد بن علي ما يشبهه . وهو وجه ضعيف للشافعية مبني على قولهم : إن الصلاة كلها تقع أداء كما سيأتي . والصحيح عندهم : أنه لا يجوز التأخير حتى يبقى من الوقت ركعة . وإن قيل : إنها أداء - كمذهبنا ومذهب الأكثرين ، وأكثر العلماء - على أن تأخيرها إلى أن يبقى قدر ركعة قبل الغروب لا يجوز لغير أهل الأعذار ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور وحكاه عن العلماء . وقد دل على ذلك ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : وقت العصر ما لم تصفر الشمس . ومن حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا . وخرجه أبو داود - بمعناه ، وزاد : حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان - أو على قرني الشيطان - وذكر باقيه . فهذا يدل على [أن] تأخيرها إلى بعد اصفرار الشمس وتضيقها للمغرب غير جائز لمن لا عذر له . وأجمع العلماء على أن من صلى بعض العصر ثم غربت الشمس أنه يتم صلاته ، ولا إعادة عليه . وأجمعوا على أن عليه إتمام ما بقي منها ، وهو يدل على أن المراد بإدراكها إدراك وقتها . واختلفوا في الواقع منها بعد غروب الشمس : هل هو أداء ، أو قضاء ؟ وفيه وجهان لأصحابنا والشافعية : أحدهما : أنه قضاء ، وهو قول الحنفية ؛ لوقوعه خارج الوقت . والثاني : أنه أداء ، وهو أصح عند أصحابنا والشافعية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : فقد أدركها . وللشافعية وجه آخر : أنها كلها تكون قضاء ، وهو ضعيف . هذا كله إذا أدرك في الوقت ركعة فصاعدا ، فإن أدرك دون ركعة ، ففيه للشافعية طريقان : أحدهما : أنه على هذا الخلاف - أيضا . والثاني : أن الجميع قضاء ، وبه قطع أكثرهم . وأما مذهب أصحابنا : فقال أكثرهم : لا فرق بين أن يدرك في الوقت ركعة أو ما دونها ، حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام كان كإدراك ركعة . واستدلوا بحديث من أدرك سجدة ، وقالوا : المراد به قدر سجدة . وفيه نظر ؛ فإن السجدة يراد بها الركعة ، وهو المراد من هذا الحديث ، والله أعلم . وحكى بعضهم رواية عن أحمد ، أنه لا يكون مدركا لها في الوقت بدون إدراك ركعة كاملة ، وبذلك جزم ابن أبي موسى في إرشاده ، وجعله مذهب أحمد ولم يحك عنه فيه خلافا ، فعلى هذا ينبغي أن يكون الجميع قضاء إذا لم يدرك في الوقت ركعة ، وهو ظاهر قول الأوزاعي .
21 - باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا 565 - حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن محمد بن عمرو - وهو : ابن الحسن بن علي قال : سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم فقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة ، والعصر والشمس حية ، والمغرب إذا وجبت ، والعشاء إذا كثر الناس عجل ، وإذا قلوا أخر ، والصبح بغلس . هذا الحديث : دليل على أن الأفضل في صلاة الإمام العشاء الآخرة مراعاة حال المأمومين المصلين في المسجد ، فإن اجتمعوا في أول الوقت فالأفضل أن يصلي بهم في أول الوقت ، وإن تأخروا فالأفضل أن يؤخر الصلاة حتى يجتمعوا ؛ لما في ذلك من حصول فضل كثرة الجماعة ، ولئلا يفوت صلاة الجماعة لكثير من المصلين . وتبويب البخاري : يدل على استحباب ذلك ، وهو - أيضا - قول عطاء وأبي حنيفة ، وأحمد ، نص عليه في رواية الأثرم ، قال : يؤخرها ما قدر بعد أن لا يشق على الناس ، وهو المذهب عند القاضي أبي يعلى في ( كتاب الجامع الكبير ) من غير خلاف . ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى عن أحمد : أن تأخيرها أفضل بكل حال . والصحيح : ما قاله القاضي ، وأن المذهب أن تأخيرها أفضل ، إلا أن يشق على المأمومين ، أو يشق على من كان يصلي وحده . وقال عطاء : الأفضل تأخيرها ، إماما كان أو منفردا ، إلا أن يشق عليه أو على الجماعة فيصليها وسطا لا معجلة ولا مؤخرة . خرجه مسلم بإسناده عنه في ( صحيحه ) . وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى كتابا ، وقال فيه : صلي العشاء ما لم تخف رقاد الناس . خرجه البيهقي . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنه لوقتها ، لولا أن أشق على أمتي ) يدل على أنه كان يراعي حالهم إذا شق عليهم التأخير إلى وقتها الأفضل . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه وصى معاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن : ( أن تعجل العشاء في الصيف ، وتؤخرها في الشتاء ) ، وذلك مراعاة لحال المأمومين . وقد قال ابن أبي هريرة - من أعيان الشافعية - : إن قولي الشافعي في استحباب تأخير العشاء وتقديمها ليسا على قولين ، بل على حالين : فإن علم من نفسه أنه إذا أخرها لا يغلبه نوم ولا كسل استحب تأخيرها ، وإلا فتعجيلها ، وجمع بين الأحاديث بهذا . وضعف الشاشي قوله في ذلك ، ورد عليه صاحب ( شرح المهذب ) ، ورجح ما قاله ابن أبي هريرة ، وقال : هو ظاهر ، أو الأرجح . والله أعلم .
وأما الحديث الذي أسنده في هذا الباب : فقال : 564 - حدثنا عبدان : أبنا عبد الله : ثنا يونس ، عن الزهري : قال سالم : أخبرني عبد الله ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة ثم انصرف فأقبل علينا ، فقال : ( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) . في هذا الحديث : أن صلاة العشاء يدعوها الناس العتمة ، وكذا في حديث عائشة وأبي برزة ، وهذا كله يدل على اشتهار اسمها بين الناس بالعتمة ، وهو الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر وغيره يكرهونه أن يغلب عليها اسم العتمة حتى لا تسمى بالعشاء إلا نادرا . وأما إذا غلب عليها اسم العشاء ، ثم سميت - أحيانا - بالعتمة بحيث لا يزول بذلك غلبة اسم العشاء عليها ، فهذا غير منهي عنه ، وإن كان تسميتها بالعشاء - كما سماها الله بذلك في كتابه - أفضل . وأما ما قاله صلى الله عليه وسلم من أنه : ( لا يبقى على رأس مائة سنة من تلك الليلة أحد ) ، فمراده بذلك : انخرام قرنه وموت أهله كلهم الموجودين منهم في تلك الليلة على الأرض ، وبذلك فسره أكابر الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهما . ومن ظن أنه أراد بذلك قيام الساعة الكبرى فقد وهم ، وإنما أراد قيام ساعة الأحياء حينئذ وموتهم كلهم ، وهذه الساعة الوسطى ، والساعة الصغرى موت كل إنسان في نفسه ، فمن مات فقد قامت ساعته الصغرى ، كذا قاله المغيرة بن شعبة وغيره .
ثم قال البخاري : وقال جابر : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء . حديث جابر قد خرجه البخاري في الباب الذي بعد هذا ، وقد خرجه فيما مضى - أيضا .
ثم قال البخاري : وقال ابن عمر وأبو أيوب : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء . وحديثهما في جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وقد خرجه البخاري في ( كتاب الحج ) . وخرجه مسلم أيضا .
20 - باب ذكر العشاء والعتمة ، ومن رآه واسعا مراده : أن العشاء الآخرة تسمى العشاء ، وتسمى العتمة ، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة ، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل ؛ اتباعا لقول الله عز وجل : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ وهذا قول كثير من العلماء ، أو أكثرهم ، وهو ظاهر كلام أحمد ، وقول أكثر أصحابه ، وكذا قال الشافعي في ( الأم ) : أحب إلي أن لا تسمى العشاء الآخرة عتمة ، وهو قول كثير من أصحابه ، أو أكثرهم . ومنهم من قال : يكره أن تسمى عتمة ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا . وقد روي عن طائفة من السلف ، منهم : ابن عمر وكان يكرهه كراهة شديدة ، ويقول : أول من سماها بذلك الشيطان . وكرهه - أيضا - ابنه سالم وابن سيرين . وخرج مسلم من حديث عبد الله بن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء ، وهم يعتمون بالإبل ) . وفي رواية له - أيضا - : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء ، فإنها في كتاب الله العشاء ، وإنها تعتم بحلاب الإبل ) . كذا رواه ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة . وابن أبي لبيد كان يتهم بالقدر . وقال العقيلي : كان يخالف في بعض حديثه . وتابعه عليه ابن أبي ليلى ، عن أبي سلمة ، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ . ورواه عبد الرحمن بن حرملة ، عن أبي سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . وقيل : عن ابن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وخرجه ابن ماجه . وليس بمحفوظ . وفيه - أيضا - : عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وفي إسناده جهالة . وقد حمله بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة ، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب . وتسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره ، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر ، ولا يكره تسميتها صلاة الصبح . خرج البخاري في هذا الباب حديثا مسندا ، وذكر فيه أحاديث كثيرة تعليقا ، وقد خرج عامتها في مواضع أخر من كتابه ، فقال : وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر ) . وقال : ( لو يعلمون ما في العتمة والفجر ) . حديث أبي هريرة قد أسنده في ( باب : فضل صلاة العشاء في جماعة ) ، وخرج قبله في ( باب : فضل التهجير إلى الظهر ) من حديث أبي هريرة - مرفوعا - : ( لو يعلمون ما في العتمة والصبح ) . وخرجه أيضا - في ( باب : الاستهام على الأذان ) .
ثم قال البخاري : فالاختيار أن يقول : العشاء ؛ لقول الله : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ قال : ويذكر عن أبي موسى : كنا نتناوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء ، فأعتم بها . حديث أبي موسى هذا قد خرجه بعد هذا قريبا في ( باب : فضل العشاء ) ، وخرجه في مواضع أخر ، وقد علقه هنا بقوله : ( ويذكر ) ، فدل على أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفا فيما علقه بها ، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف ، إلا أن أغلب ما يعلق بها ما ليس على شرطه .
ثم قال : وقال ابن عباس وعائشة : أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء . وقال بعضهم : عن عائشة أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة . حديث عائشة خرجه في ( باب : فضل العشاء ) ، ولفظه : ( أعتم بالعشاء ) . وحديث ابن عباس خرجه في ( باب : النوم قبل العشاء ) ، بلفظ حديث عائشة . وخرج مسلم حديث عائشة ، ولفظه : ( أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بصلاة العشاء ، وهي التي تدعى العتمة ) . وخرج النسائي حديث عائشة وابن عباس ، وعنده فيهما : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة . وخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العتمة . ومن حديث معاذ بن جبل ، قال : أبقينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة .
ثم قال : وقال أنس : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة . حديث أنس هذا خرجه النسائي ، وخرجه البخاري في مواضع ، ولفظه : ( أخر العشاء ) . وخرج مسلم من حديث ابن عمر ، قال : مكثنا ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة .
قال : وقال أبو برزة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤخر العشاء . حديث أبي برزة هذا خرجه فيما مضى في ( باب : وقت العصر ) ولفظه : ( وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة ) .
19 - باب من كره أن يقال للمغرب : العشاء 563 - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو : ثنا عبد الوارث ، عن الحسين : ثنا عبد الله بن بريدة : حدثني عبد الله المزني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ) . قال : وتقول الأعراب : هي العشاء . عبد الله المزني ، هو : ابن مغفل - رضي الله عنه . وقد استدل بهذا الحديث من كره تسمية المغرب العشاء ، وهو قول أصحاب الشافعي وغيرهم . وقال أصحابنا : لا يكره ذلك ، واستدلوا بأن العشاء تسمى العشاء الآخرة ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ) . خرجه مسلم . وسيأتي بعض الأحاديث المصرحة بذلك ، فدل على أن المغرب العشاء الأولى . وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة لأنها آخر الصلوات ، لا لأن قبلها عشاء أخرى . وقد حكي عن الأصمعي ، أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة ، ولا يلتفت إلى ذلك . وفي ( صحيح مسلم ) عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر يوم الأحزاب بين العشاءين : المغرب والعشاء . قال أصحابنا : وحديث ابن مغفل يدل على أن تسميتها بالمغرب أفضل ، ونحن نقول بذلك . ومن متأخريهم من قال : حديث ابن مغفل إنما يدل على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب حتى يهجر اسم المغرب ، أو يقل تسميتها بذلك ، كما هي عادة الأعراب ، فأما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجه النهي حينئذ إليه . وقد تقدم أنها تسمى صلاة البصر - أيضا فإذا سميت بذلك من غير أن يهجر تسميتها بالمغرب ، ويغلب تسميتها بذلك ؛ جاز .
الحديث الثالث : قال : 561 - حدثنا المكي بن إبراهيم : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت بالحجاب . هذا [أحد] ثلاثيات البخاري ، والضمير يعود إلى غير مذكور ، وهو الشمس ، وقرينة صلاة المغرب تدل عليه ، وهو كقوله تعالى في قصة سليمان : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فحذف ذكر الشمس لدلالة العشي عليها ، والمعني بتواريها بالحجاب : تواري قرصها عن أعين الناظرين ، بما حجبها عنها من الأرض . وخرج مسلم حديث سلمة ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب . وخرجه أبو داود ، ولفظه : كان يصلي ساعة تغرب الشمس ، إذا غاب حاجبها . وهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب ، كما يفطر الصائم بذلك ، وهذا إجماع من أهل العلم ، حكاه ابن المنذر وغيره . قال أصحابنا والشافعية وغيرهم : ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار . ومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة ، وبه قال الماوردي من الشافعية . ولا يصح ذلك . وأما إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلا بد من ذهابه . وحكى الطحاوي عن قوم ، أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم ، ولم يسمهم . والظاهر : أنه قول طائفة من أهل البدع كالروافض ونحوهم ، ولم يقل ذلك أحد من العلماء المعتد بهم . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن طارق ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كتب عمر إلى أمراء الأمصار : لا تصلوا المغرب حتى تشتبك النجوم . وهذا إنما يدل على استحباب ذلك ، وقد روي عن عمر خلاف ذلك موافقة لجمهور الصحابة . والأحاديث والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جدا : ومن أجودها : ما روى ابن إسحاق : ثنا يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله ، قال : قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر ، فأخر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب ، فقال له : ما هذه الصلاة يا عقبة ؟ قال : شغلنا . قال : أما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا تزال أمتي بخير - أو قال : على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم ) ؟ خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه . وقد خولف ابن إسحاق في إسناده ، فرواه حيوة بن شريح ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران ، عن أبي أيوب ، قال : كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس . ورواه ابن لهيعة ، عن يزيد ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو زرعة : حديث حيوة أصح . وخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطلب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه أخر ليلة المغرب حتى طلع نجمان ، فأعتق رقبتين كفارة لتأخيره . فأما الحديث الذي خرجه مسلم من حديث أبي بصرة الغفاري ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فقال : ( إن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها ، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ) ، والشاهد النجم . فقد اختلف العلماء في تأويله : فمنهم من حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تصلى ، وهو قول من كره ذلك من العلماء ، وقال : قوله : ( لا صلاة بعدها ) إنما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتى تصلى المغرب ، فإذا فرغ منها حينئذ جاز التنفل ، وحينئذ تطلع النجوم غالبا . ومنهم من قال : إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس ، وإنما علقه بطلوع الشاهد لأنه مظنة له ، والحكم يتعلق بالغروب نفسه . ومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس ، فرؤيته علامة لغروبها . وزعم بعضهم : أن المراد بالشاهد الليل ، وفيه بعد . وقد أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل ، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر ، إلا ما روي عن عمر كما تقدم ، وروي عنه خلافه من وجوه . فأما في الغيم ففيه اختلاف سبق ذكره ، وأما في السفر فيستحب تأخيرها ليلة النحر بالمزدلفة من دفع من عرفة حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وفي صحة صلاتها في طريقه قبل وصوله إلى المزدلفة اختلاف يذكر في موضع آخر - إن شاء الله . وأما في غير تلك الليلة في السفر فيجوز تأخيرها للجمع بينها وبين العشاء . وقال مالك : يصلي المقيم المغرب إذا غربت الشمس ، والمسافر لا بأس أن يمد ميلا ثم ينزل فيصلي . وقد روي ذلك عن ابن عمر . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا . وكذلك رخص الثوري في تأخيرها في السفر دون الحضر ، وقال : كانوا يكرهون تأخيرها [في الحضر دون السفر] . وهل يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة ؟ فيه قولان : أحدهما : يستحب ، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائما ؛ لأن مبناها على التعجيل ، والقائم أقرب إليه ، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده . والقول الثاني : لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره ؛ لأن وقتها مضيق ، وهو قول مالك . وقال أحمد : الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأذان والإقامة للمغرب . كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وعند الشافعي وأصحابه : يفصل بينهما فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت ونحوهما .
الحديث الثاني : 560 - ثنا محمد بن بشار : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي ، قال : قدم الحجاج ، فسألنا جابر بن عبد الله ، فقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة ، والعصر والشمس نقية ، والمغرب إذا وجبت ، والعشاء أحيانا وأحيانا ، إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطئوا أخر ، والصبح كانوا - أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس . مقصوده من هذا الحديث في هذا الباب : صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا وجبت - يعني : الشمس ووجوبها : سقوطها ، كقوله تعالى : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا والمعنى : إذا سقط قرص الشمس وذهب في الأرض وغاب عن أعين الناس .
وخرج في هذا الباب أربعة أحاديث : الحديث الأول : قال : 559 - حدثنا محمد بن مهران : ثنا الوليد : ثنا الأوزاعي : حدثني أبو النجاشي مولى رافع - هو : عطاء بن صهيب قال : سمعت رافع بن خديج قال : كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله . وقد روي هذا المعنى عن غير واحد من الصحابة في صلاتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ولم يخرج في ( الصحيحين ) من غير هذه الطريق . وقد روى شعبة ، عن أبي بشر ، عن حسان بن بلال ، عن رجال من أسلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ أنهم كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم ثم يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة يرمون ، يبصرون مواقع سهامهم . خرجه النسائي . وخرجه الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن أبي بشر ، عن علي بن بلال الليثي ، عن ناس من الأنصار ، قالوا : كنا نصلي مع رسول الله المغرب ، ثم ننصرف فنترامى حتى نأتي ديارنا ، فيما يخفى علينا مواقع سهامنا . وخرجه - أيضا - من رواية أبي عوانة ، عن أبي بشر - بنحوه . وهو أشبه من رواية شعبة - : قاله البخاري في ( تاريخه ) . وروى الزهري ، عن رجل من أبناء النقباء ، عن أبيه ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ثم ننصرف فننظر إلى مواقع النبل ، وبينهم نحو من ميل . يعني : قباء . وفي رواية : ثم نخرج إلى منازلنا ، وإن أحدنا لينظر إلى موقع نبله ، قيل للزهري : كم كان منازلهم ؟ قال : ثلثا ميل . وخرج الإمام أحمد وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث جابر ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ثم نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل . وخرجه الإمام أحمد من رواية ابن عقيل ، عن جابر - بنحوه ، إلا أنه قال : ثم نرجع إلى منازلنا وهي [على قدر] ميل وأنا أبصر موقع النبل . وهذا كله يدل على شدة تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة المغرب ، ولهذا كانت تسمى صلاة البصر . كما خرجه الإمام أحمد من رواية أبي طريف الهذلي ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين جاء خبر أهل الطائف ، فكان يصلي بنا صلاة البصر ، حتى لو أن رجلا رمى لرأى موقع نبله . قال الإمام أحمد : صلاة البصر : هي صلاة المغرب .
الحديث الرابع : قال : 562 - ثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن زيد ، عن عبد الله بن عباس ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعا جميعا ، وثمانيا جميعا . قد سبق هذا الحديث في ( باب : تأخير الظهر إلى العصر ) والكلام عليه مستوفى . ومقصود البخاري بتخريجه في هذا الباب : أن يستدل به على جواز تأخير المغرب إلى آخر وقتها قبل غروب الشفق ، وأن وقتها ممتد إلى غروب الشفق ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها مع العشاء جميعا في الحضر من علة ، وقد حمله طائفة من العلماء على أنه أخر المغرب إلى آخر وقتها ، وقدم العشاء في أول وقتها ، كذلك حمله عليه أبو الشعثاء وعمرو بن دينار ، وأحمد في رواية عنه ، وتبويب البخاري هنا يدل عليه . وعلى هذا التقدير ، فهو دليل ظاهر على امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق . ويدل على ذلك صريحا : ما في ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، فجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة . قال : فجاءه رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة ، فقال ابن عباس : أتعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة فسألته ، فصدق مقالته . وممن ذهب إلى أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق : الحسن بن حي والثوري وأبو حنيفة ومالك في ( الموطأ ) ، والشافعي في قول له رجحه طائفة من أصحابه ، وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وروي عن ابن عباس وغيره . وخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صليتم المغرب ، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق ) . وفي رواية له - أيضا - : ( وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ) . وفي رواية له - أيضا - : ( وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ) . وقد اختلف في رفعه ووقفه . وخرج مسلم - أيضا - من حديث بريدة ، أن سائلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مواقيت الصلاة - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أنه صلى في اليوم الأول المغرب حين وجبت الشمس ، وفي اليوم الثاني صلى قبل أن يقع الشفق ، وقال : ( ما بين ما رأيت وقت ) . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن للصلاة أولا وآخرا ) - فذكر الحديث ، وفيه : ( وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق ) . وله علة ، وهي أن جماعة رووه عن الأعمش ، عن مجاهد ، قال : كان يقال ذلك . وهذا هو الصحيح عند ابن معين والبخاري والترمذي وأبي حاتم والبزار والعقيلي والدارقطني وغيرهم . وذهب طائفة إلى أن للمغرب وقتا واحدا حين تغرب الشمس ، ويتوضأ ويصلي ثلاث ركعات ، وهو قول ابن المبارك ، ومالك في المشهور عنه ، والأوزاعي ، والشافعي في ظاهر مذهبه . واستدلوا : بأن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم المغرب في اليومين في وقت واحد ، وصلى به سائر الصلوات في وقتين . وزعم الأثرم أن هذه الأحاديث أثبت ، وبها يعمل . ومن قال : يمتد وقتها ، قال : قد صح حديث بريدة ، وكان ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل . وفي حديث عبد الله بن عمرو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك بقوله ، وهو أبلغ من بيانه بفعله . ويعضده : عموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة : ( إنما التفريط في اليقظة ، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى ) ، خرج من عموم ذلك الصبح بالنصوص والإجماع ، بقي ما عداها داخلا في العموم . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من حضره العشاء بتقديمه على الصلاة ، ولولا اتساع وقت المغرب لكان تقديم العشاء تفويتا للمغرب عن وقتها للأكل ، وهو غير جائز . ولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب للعذر بالاتفاق من القائلين : بأن وقتها واحد ، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلا مع امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصلاتين . ولعل البخاري إنما صدر الباب بقول عطاء : ( يجمع المريض بين المغرب والعشاء ) لهذا المعنى الذي أشرنا إليه . والله أعلم . ومتى غاب الشفق ، فات وقت المغرب بإجماع من سمينا ذكره . وروي عن عطاء وطاوس : لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر ، وحكي رواية عن مالك - أيضا والأحاديث المذكورة ترد ذلك . واختلفوا في الشفق الذي يفوت وقت المغرب بمغيبه : هل هو الحمرة ، أو البياض ؟ على قولين . ومذهب الثوري ومالك والشافعي : أنه الحمرة . ومذهب أبي حنيفة والمزني : أنه البياض . واختلف قول أحمد وأصحابه في ذلك ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
18 - باب وقت المغرب وقال عطاء : يجمع المريض بين المغرب والعشاء . قد سبق الكلام على جمع المريض مستوفى في الكلام على حديث ابن عباس في الجمع لغير عذر .
وخرج البخاري في هذا الباب حديث عمران بن حصين بطوله ، فقال : 344 - حدثنا مسدد بن مسرهد : ثنا يحيى بن سعيد : ثنا عوف : ثنا أبو رجاء ، عن عمران بن حصين ، قال : كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنا أسرينا ، حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حر الشمس ، فكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلا جليدا - فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : لا ضير - أو : لا يضير - ارتحلوا ، فارتحلوا فسار غير بعيد . ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة ، فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ قال : أصابتني جنابة ، ولا ماء ، قال : عليك بالصعيد ؛ فإنه يكفيك ، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشتكى الناس إليه من العطش ، فنزل فدعا فلانا - كان يسميه أبو رجاء ، نسيه عوف - ودعا عليا ، فقال : اذهبا فابتغيا الماء فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها ، فقالا لها : أين الماء ؟ قالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوفا ، فقالا لها : انطلقي إذا ، قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين ، فانطلقي ، فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وحدثاه الحديث ، قال : فاستنزلوها عن بعيرها ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ، ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما ، وأطلق العزالي ، ونودي في الناس : اسقوا واستقوا ، فسقى من سقى ، واستقى من شاء ، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، قال : اذهب فأفرغه عليك . وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها ، وايم الله ، لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أجمعوا لها ، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة ، حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب ، وحملوها على بعيرها ، ووضعوا الثوب بين يديها . قال لها : تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ، ولكن الله هو الذي أسقانا ، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم ، قالوا : ما حبسك يا فلانة ؟ قالت : العجب ! لقيني رجلان ، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له : الصابئ ، ففعل كذا وكذا ، فوالله ، إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء - تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقا ، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه ، فقالت يوما لقومها : ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا ، فهل لكم في الإسلام ؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام . قَالَ أبو عبد الله : صبأ : خرج من دين إلى غيره . وقال أبو العالية : الصابئون : فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور . فوائد هذا الحديث كثيرة جدا ، ونحن نشير إلى مهماتها إشارة لطيفة - إن شاء الله تعالى : فأما قوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فالمراد : أنه صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه في نومه كما يوحى إليه في يقظته ، ورؤيا الأنبياء وحي ، ولهذا كانت تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فكانوا يخشون أن يقطعوا عليه الوحي إليه بإيقاظه . ولا تنافي بين نومه حتى طلعت الشمس وبين يقظة قلبه ؛ فإن عينيه تنامان ، والشمس إنما تدرك بحاسة البصر لا بالقلب . وقد يكون الله عز وجل أنامه حتى يسن لأمته قضاء الصلاة بعد فوات وقتها بفعله ، فإن ذلك آكد من تعليمه له بالقول ، وقد ورد التصريح بهذا من حديث ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم الصبح ذلك اليوم بعد طلوع الشمس وانصرف قال : إن الله عز وجل لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم . خرجه الإمام أحمد وغيره . وهذا يشبه ما ذكره مالك في الموطأ أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إنما أنسى لأسن . وقوله : ما أيقظنا إلا حر الشمس ، يدل على أن الشمس كانت قد ارتفعت وزال وقت النهي عن الصلاة ، لأن حرها لا يكاد يوجد إلا بعد ذلك ، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة ، بل كان تباعدا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان ، كما جاء التصريح به في حديث آخر . ولكن في صحيح مسلم في هذا الحديث - أعني : حديث عمران بن حصين ، أنهم ناموا حتى بزغت الشمس وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال : ارتحلوا فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة . كذا خرجه من رواية سلم بن زرير ، عن أبي رجاء ، وفي سياقه بعض مخالفة لرواية عوف ، عن أبي رجاء التي خرجها البخاري ، وفيه : أنه كان أول من استيقظ أبو بكر - رضي الله عنه . وقوله : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء فتوضأ يدل على أن من معه ماء وكان في مفازة فإنه يتوضأ منه ، ولا يتيمم ويحبسه خشية أن يبتلى هو أو أحد من رفقته بعطش . ويدل على هذا : أن عمران ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم وسار شكا الناس إليه العطش . وفي رواية سلم المشار إليها : قال عمران : ثم عجلني في ركب بين يديه ، نطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدا - وذكر الحديث ، وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يخش على نفسه عطشا ، فإن من خاف على نفسه العطش ومعه ماء يسير فإنه يتيمم ويدعه لشربه . وقد روى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا كنت مسافرا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء فخفت إن توضأت أن تموت من العطش فلا توضأ ، واحبسه لنفسك . خرجه الأثرم . وخرج الدارقطني من طريق عطاء بن السائب ، عن زاذان ، عن علي ، في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش ، قال : يتيمم ولا يغتسل . قال الإمام أحمد : عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون . ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء ، أنه يسقيهم الماء ويتيمم . واختلف أصحابنا : هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب ؟ على وجهين ، أصحهما : أنه للوجوب ، وهو قول الشافعية . فهذا الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم لم يخف على نفسه عطشا ، ولم يجد قوما عطاشا في الحال ، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم . ويدل على أنه لا يحبس الماء لخوف عطش يحدث لرفقته . ولم ينص أحمد على حبس الماء خشية عطش يحدث لرفقته ، وإنما قاله أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا : هل حبس الماء لعطش غيره المتوقع واجب أو مستحب ؟ فيه وجهان ، قالوا : وظاهر كلام أحمد أنه مستحب غير واجب ؟ لأن حاجة الغير هنا متوقعة وحاجته للطهارة حاضرة ، وقد ترجحت بكونه مالكا ، ولهذا قدمنا نفقة الخادم على نفقة الوالدين ، وإن كانت حاجتهما إلى النفقة أشد من حاجة نفسه إلى الخدمة ، تقديما لنفسه على غيره . قلت : وحديث عمران يدل على أنه لا يستحب - أيضا - بل يقدم الوضوء على عطش الرفيق المتوقع ، فإنه لو كان ذلك أفضل من الوضوء لحبس النبي صلى الله عليه وسلم الماء وتيمم ، فإنه كان معه خلق من أصحابه ، وكان الماء معهم قليلا جدا ، ولهذا شكوا إليه العطش عقيب ذلك عند اشتداد حر الشمس وارتفاع النهار ، وكان الماء منهم بعيدا . وقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجويني من الشافعية ، وخالف أصحابه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رفقته المتوقع ، وهذا هو الذي دلت عليه هذه السنة الصحيحة ، والله أعلم . وفي الحديث : دليل على أن الفوائت يؤذن لها وتصلى جماعة . وقوله صلى الله عليه وسلم للذي لم يصل مع القوم : ما منعك أن تصلي مع القوم ؟ قَالَ : أصابتني جنابة ولا ماء . قَالَ : عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك فيه دليل على التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر ، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء . ولهذه الكلمة خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب ، وجعله دليلا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عند عدم الماء ، فيؤخذ من هذا أنه يصلى به كما يصلى بالماء ، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء . وفيه دليل على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم ، ولم يأمره بالطلب ، ولا بسؤال رفقته . وقد ذهب ابن حامد من أصحابنا إلى أنه لا يلزمه سؤال رفقته ، وإن قلنا : يلزمه الطلب ، وأنه إنما يلزمه طلبه في رحله وما قرب منه إذا احتمل وجود الماء ، والمنصوص عن أحمد : أن عليه أن يطلبه في رفقته . وفي رواية مسلم المشار إليها فيما تقدم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل : يا فلان ما منعك أن تصلي معنا ؟ قال : يا نبي الله ، أصابتني جنابة . فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتيمم بالصعيد ، فصلى . وفي الحديث - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الماء أعطاه ماء وأمره أن يغتسل به ، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذر : فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك ، وفيه رد على أبي سلمة في قوله : إنه لا غسل عليه ، كما سبق . وقول تلك المرأة : ونفرنا خلوف . قال الخطابي : النفر الرجال ، والخلوف الذين خرجوا للاستقاء ، وخلفوا النساء والأثقال ، يقال : أخلف الرجل واستخلف إذا استقى الماء . قال : ويقال لكل من خرج من دين إلى دين آخر : صابئ - بالهمز ، وأما : صبا يصبو بلا همز فمعناه : مال . قال : والعزالي جمع عزلاء ، وهي عروة المزادة ، يخرج منها الماء بسعة . وقال غيره : العزلاء : فم المزادة الأسفل ، وتجمع على عزالِي وعزالَى - بكسر اللام وفتحها - كالصحاري والعذاري . قال : والصرم : النفر النازلون على ماء ، وتجمع على أصرام ، فأما الصرمة - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين عددا . قال : وقوله : ما رزئناك ، أي : ما نقصناك ، ولا أخذنا منك شيئا . قلت : وفي الحديث معجزة عظيمة ، وعلم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بتكثير الماء القليل ببركته ، وإرواء العطاش منه ، واستعمالهم وأخذهم منه في قربهم ، من غير أن ينقص الماء المأخوذ منه شيئا ، ولذلك قال للمرأة : ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله عز وجل . وفي رواية مسلم المشار إليها في هذا الحديث : فأمر براويتها فأنيخت ، فمج في العزلاوين العلياوين ، ثم بعث براويتها فشربنا ، ونحن أربعون رجلا عطاش حتى روينا ، وملأنا كل قربة معنا وإداوة ، وغسلنا صاحبنا ، غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تنضرج من الماء - يعني : المزادتين - وذكر بقية الحديث . وإنما لم يستأذن المرأة أولا في الشرب من مائها والأخذ منه ، لأن انتفاعهم إنما كان بالماء الذي أمده الله بالبركة ، لم يكن من نفس مائها ، ولذلك قال : ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله . ونظير هذا : أن جابرا صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما يسيرا في عام الخندق ، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فساره بذلك ، وقال له : تعال أنت في نفر معك ، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم : يا أهل الخندق ، إن جابرا قد صنع لكم سورا ، فحيهلا بكم ، ثم جاء بهم جميعا ، فأكلوا حتى شبعوا ، والطعام بحاله . فإن أكل أهل الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان صلى الله عليه وسلم هو الداعي لأهل الخندق كلهم إلى الطعام في الحقيقة ، فلذلك لم يحتج في استئذان جابر في ذلك . وهذا بخلاف ما جرى لأبي شعيب اللحام لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وجلساءه ، فلما قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دعوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب المنزل : إنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا ، فإن أذنت له دخل فأذن له فدخل . وقد خرجاه في الصحيحين بمعناه من حديث أبي مسعود ، فإن ذلك اليوم لم يحصل فيه ما حصل في طعام جابر وماء المرأة المشركة - والله سبحانه وتعالى أعلم - فإن غالب ما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام والشراب في أوقات الحاجة العامة إليه . وفي حديث عمران - أيضا - دليل على جواز استعمال ماء المشركين الذين في قربهم ونحوها من أوعية الماء المعدة له ، وقد سبق الكلام على ذلك في كتاب : الوضوء .
6 - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم ، يكفيه من الماء وقال الحسن : يجزئه التيمم ما لم يحدث . وأم ابن عباس وهو متيمم . وقال يحيى بن سعيد : لا بأس بالصلاة على السبخة والتيمم بها أو عليها . ما بوب عليه البخاري من أن الصعيد الطيب وضوء المسلم : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن إسناده ليس على شرط البخاري ، وقد خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي من حديث أبي قلابة ، عن عمرو بن بجدان ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الصعيد الطيب وضوء المسلم - وفي رواية : طهور المسلم - وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير . وقال الترمذي : حسن صحيح . وخرجه ابن حبان في صحيحه ، والدارقطني ، وصححه ، والحاكم . وتكلم فيه بعضهم ؛ لاختلاف وقع في تسمية شيخ أبي قلابة ؛ ولأن عمرو بن بجدان غير معروف - : قاله الإمام أحمد وغيره . وقد روي هذا - أيضا - من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الطبراني والبزار . ولكن الصحيح عن ابن سيرين مرسلا - : قاله الدارقطني وغيره . وأما ما حكاه عن الحسن ، أنه يجزئه التيمم ما لم يحدث ، فهذا قول كثير من العلماء ، وحكاه ابن المنذر عن ابن المسيب ، والحسن ، والزهري ، والثوري ، وأصحاب الرأي ، ويزيد بن هارون . قال : وروي ذلك عن ابن عباس ، وأبي جعفر . وحكاه غير ابن المنذر - أيضا - عن عطاء ، والنخعي والحسن بن صالح ، والليث بن سعد ، وهو رواية عن أحمد ، وقول أهل الظاهر . واستدل لهذه المقالة بحديث : الصعيد الطيب طهور المسلم ، كما أشار إليه البخاري ، وأشار إليه الإمام أحمد - أيضا . والمخالفون يقولون : المراد أنه في حكم الوضوء والطهور في استباحة ما يستباح بالطهور بالماء لا في رفع الحدث ، بدليل قوله : فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك ، ولو كان الحدث قد ارتفع لم يقيد بوجود الماء . وقد طرد أبو سلمة بن عبد الرحمن قوله في أنه يرفع الحدث ، فقال : يصلي به ، وإن وجد الماء قبل الصلاة ، ولا ينتقض تيممه إلا بحدث جديد . وكذا قال في الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء : لا غسل عليه . وهذا شذوذ عن العلماء ، ويرده قوله : فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك ، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول : إن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة ، وهذا تناقض فاحش . وذهب أكثر العلماء إلى أنه يتيمم لكل صلاة ، روي ذلك عن علي وابن عمر واستدل أحمد بقولهما ، وعن عمرو بن العاص ، وابن عباس في رواية عنه . وروى الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ، ثم يتيمم للصلاة الأخرى . وهذا في حكم المرفوع ، إلا أن الحسن بن عمارة ضعيف جدا . وهو قول الشعبي ، وقتادة ، والنخعي ، ومكحول ، وشريك ، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، وحكي عن الليث - أيضا - وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور وغيرهم . وقال إسحاق : هذا هو السنة . وبناه ربيعة ويحيى بن سعيد ومالك وأحمد على وجوب طلب الماء لكل صلاة ، وقد سبقت الإشارة إلى هذه المسألة في كتاب : الوضوء . ثم اختلف القائلون بالتيمم لكل صلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يجب التيمم لكل صلاة مفروضة ، سواء فعلت كل مفروضة في وقتها أو جمع بين فريضتين في وقت واحد ، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق ، ورواية عن أحمد . والثاني : أنه يجب التيمم في وقت كل صلاة مفروضة ، ثم يصلي بذلك التيمم ما شاء ، ويقضي به فوائت ، ويجمع به فرائض ، ويصلي به حتى يخرج ذلك الوقت ، وهذا هو المشهور عن أحمد ، وقول أبي ثور والمزني . والثالث : أنه يتيمم لكل صلاة فرضًا كانت أو نفلا ، حكي عن شريك ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا . ومذهب مالك : لا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد مكتوبة ، قال : وإن صلى ركعتي الفجر بتيمم واحد أعاد التيمم لصلاة الفجر . وقد ذهب طائفة ممن يرى أن التيمم يصلى به ما لم يحدث إلى أنه يرفع الحدث رفعا مؤقتا بوجود الماء ، وهو قول طائفة من أصحابنا والحنفية والظاهرية ، ووافقهم طائفة ممن يرى أن لا يصلى به فريضتان من الشافعية كابن سريج ، ومن المالكية ، وقالوا : إنه ظاهر قول مالك في الموطأ . ولهذا قيل : إن النزاع في هذه المسألة عند هؤلاء لفظي لا معنوي ، وإنما يكون النزاع فيها معنويا مع أبي سلمة بن عبد الرحمن كما سبق حكاية قوله ، والله أعلم . وأما ما حكاه عن ابن عباس أنه أم وهو متيمم ، فالمراد : أنه أم المتوضئين وهو متيمم ، وقد حكاه الإمام أحمد عن ابن عباس أيضا ، واحتج به . وقد خرجه سعيد بن منصور : ثنا جرير بن عبد الحميد ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان ابن عباس في نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منهم : عمار بن ياسر ، وكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى بهم ذات يوم ، فأخبرهم أنه صلى بهم وهو جنب متيمم . ورخص في ذلك سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، والزهري ، وحماد ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وأبو ثور ، وهو رواية عن الأوزاعي . وكره ذلك آخرون : روى أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : لا يؤم المتيمم المتوضئ . وكرهه النخعي ، والحسن بن حي ، والأوزاعي في رواية ، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، ومحمد بن الحسن . وعن الأوزاعي رواية : أنه لا يؤمهم إلا أن يكون أميرا ، وإن كانوا متيممين فله أن يؤمهم ، كذلك قال الأوزاعي وربيعة ويحيى بن سعيد . وهذا لا أحسب فيه خلافا ، وكلام ابن المنذر يدل على أنه محل خلاف - أيضا -وفيه نظر . وفي المنع من إمامة المتيمم للمتوضئين حديثان مرفوعان من رواية عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ، وإسنادهما لا يصح . وفي الجواز حديث : صلاة عمرو بن العاص بأصحابه وهو جنب ، فتيمم من البرد وصلى بهم وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره البخاري فيما بعد - تعليقا - وسنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى . وذكر البخاري لهذه المسألة في هذا الباب قد يشعر بأن مأخذ جواز ذلك عنده أن التيمم يرفع الحدث . وقد قال الزهري : يؤم المتيمم المتوضئين ؛ لأن الله طهره . وقال الأوزاعي - في رواية أبي إسحاق الفزاري ، عنه - : يؤمهم ، ما زادته فريضة الله ورخصته إلا طهورا . وأكثر العلماء لم يبنوا جواز إمامته على رفع حدثه ، ولهذا أجاز ذلك كثير ممن يقول : إن التيمم لا يرفع الحدث كمالك والشافعي وأحمد ، لكن الإمام أحمد ذكر أن ما فعله ابن عباس يستدل به على أن طهارة التيمم كطهارة الماء يصلي بها ما لم يحدث . ولكن لا يختلف مذهبه في صحة ائتمام المتوضئ والمغتسل بالمتيمم ؛ فإن المتيمم يصلي بطهارة شرعية قائمة مقام الطهارة بالماء في الحكم ، فهو كائتمام الغاسل لرجليه بالماسح لخفيه ، بخلاف من لم يجد ماء ولا ترابا فإنه لا يأتم به متوضئ ولا متيمم ، ولا يأتم به إلا من هو مثله ؛ لأنه لم يأت بطهارة شرعية بالكلية . والمانعون من ائتمام المتوضئ بالمتيمم ألحقوه بائتمام القارئ بالأمي الذي لا يقرأ الفاتحة إذا صلى بتسبيح وذكر ، وبصلاة القائم خلف القاعد ؛ فإن كلا منهما أتى ببدل ، ولا يصح أن يأتم به إلا من هو مثله . ويجاب عن ذلك : بأن الأمي مخل بركن القيام الأعظم وهو القراءة ، والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة ؛ فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها ، وهو استباحة الصلاة بها ، والتيمم يبيح الصلاة كطهارة الماء . وأما ائتمام القائم بالقاعد فقد أجازه جماعة من العلماء ، وأجازه أحمد في صورة خاصة ، فإن القاعد قد أتى ببدل القيام وهو الجلوس ، وأتى بركن القيام الأعظم وهو القراءة . وأما ما حكاه عن يحيى بن سعيد ، أنه لا بأس بالتيمم بالسبخة والصلاة عليها : فالأرض السبخة هي المالحة التي لا تنبت ، وأكثر العلماء على جواز التيمم بها ، وقد تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالجدار خارج المدينة ، وأرض المدينة سبخة ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم . وقال إسحاق : لا تيمم بالسباخ لأنها لا تنبت ، وقد فسر ابن عباس الصعيد الطيب بأرض الحرث ، والسباخ ليست كذلك . واختلف قول الإمام أحمد فيه ، فقال - في رواية - : لا يعجبني التيمم بها . وقال - مرة - : إن لم يجد فلا بأس . وقال - مرة - : إن تيمم منها يجزئه ، وأرض الحرث أحب إلي . وقال - مرة - : إن اضطر إليها أجزأه ، وإن لم يضطر فلينظر الموضع الطيب - يعني : تراب الحرث - وقال - مرة - : من الناس من يتوقى ذلك ، وذلك أن السبخة تشبه الملح . واستدل بقول ابن عباس : أطيب الصعيد أرض الحرث . ولكن هذا يدل على أن غير أرض الحرث تسمى صعيدا - أيضا - لكن أرض الحرث أطيب منها . قال أبو بكر الخلال : السباخ ليس هي عند أبي عبد الله كأرض الحرث ، إلا أنه سهل بها إذا اضطر إليها ، وإنما سهل بها إذا كان لها غبار ، فأما إن كانت قحلة كالملح فلا يتيمم بها أصلا . وأما الصلاة في السباخ ، فقال أحمد - مرة - : تجزئه ، وقال - مرة - : ما سمعت فيها شيئًا . وقال حرب : قلت لأحمد : هل بلغك أن أحدا كره الصلاة في الأرض السبخة ؟ قال : لا . قال حرب : ثنا عبد الوهاب بن الضحاك : حدثني إسماعيل بن عياش ، قال : سمعت أناسا من أهل العلم يكرهون الصلاة في السباخ ، ورخص جماعة من أهل العلم في الصلاة في السباخ . عبد الوهاب هذا ، لا يعتمد عليه .
قال البخاري - رحمه الله - : 337 - ثنا يحيى بن بُكير : ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، قال : سمعت عُميرًا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو الجهيم : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ، فلقيه رجلٌ فسلم عليه ، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ، حتى أقبل على الجدار ، فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام . هذا الحديث ذكره مسلم في صحيحه تعليقًا عن الليث بهذا الإسناد ، وكذا رواه ابن إسحاق ، عن الأعرج . ورواه إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، عن الأعرج ، عن ابن الصمة ، وزاد : أنه مسح وجهه وذراعيه ، وأسقط من إسناده عُميرًا . ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد ، عنه ، وقال في حديثه - أيضا ً - : فمسح بوجهه وذراعيه . وأبو صالح تغير بأخرة ، وقد اختلف عليه في لفظه ، ورواية يحيى بن بُكير أصح . قال الخطابي : حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح . يعني : لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين . وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ، وقد تقدم ذكر هذا في كتاب : الوضوء في غير موضع منه ، وذكرنا أن عمر كان يتيمم في الحضر لذكر الله عز وجل ، وهو من رواية علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قَالَ : رأيت عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح به ، ثم قال : هذا للذكر والتسبيح حتى تلقى الماء . خرّجه ابن جرير الطبري . وهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء ، وذكرنا فيما تقدم أن من السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك ، وعن أبي العالية أنه تيمم لرد السلام . وفي المسند عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج فيهريق الماء ، فيتيمم بالتراب ، فأقول : يا رسول الله ، الماء منك قريب ، فيقول : ما يدريني ، لعلي لا أبلغه . وذكرنا - أيضًا - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني وصاحبه أبي حامد صرحوا بأن من تيمم في الحضر ، ثم قرأ القرآن وذكر الله كان جائزًا ، استدلالًا بهذا الحديث . ورد ذلك بعض متأخريهم ، وقال : لم يكن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، إنما كان ظاهرًا حيث لا يوجد الماء ، ولكن كان بقرب المدينة ، فإن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقبل من نحو بئر جمل ، وهي خارج المدينة . وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي الجهيم . خرجه أبو داود من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم أقبل في سكة من سكك المدينة ، فسلم عليه رجل ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد عليه السلام . خرجه أبو داود وغيره . ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ ، وإنما هو موقوف عندهم - : كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعقيلي والأثرم . وتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع . والعبدي ضعيف . وذكر الأثرم أبي الوليد ، أنه سأل محمد بن ثابت هذا : من الذي يقول النبي أو ابن عمر ؟ فقال : لا أدري . ففي هذا الحديث : أن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض سكك المدينة . وسيأتي في باب : الشعر في المسجد أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على جدار المسجد ، ثم دخل المسجد . وقال بعض أصحابنا : يجوز التيمم لرد السلام في الحضر ، إذا خشي فوته ؛ لأن الطهارة لرده مشروعة ندبا لا وجوبا ؛ فإنه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة ؛ لأنه على الفور . واستدل بعضهم بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوت صلاة الجنازة ، كما هو قول كثير من العلماء ، ومذهب أبي حنيفة ، وأحمد في رواية عنه ، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء : ابن عباس ومن بعده - وذكر الحسن والنخعي وجماعة . ومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخرى - ؛ فإنهم قد يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط ، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية الفوات ، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر ، فإنها ليست بشرط فخف أمرها . وقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية ، منهم : الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم . وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي . والعجب أن صاحب شرح المهذب حكى ذلك كله في موضعين من كتابه ، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي : لا نعرف أحدا وافقهما ، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة .
3 - باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة وبه قال عطاء . وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله : تيمم . وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فصلى ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ، فلم يعد . هذه الآثار الثلاثة التي علقها البخاري تشتمل على ثلاث مسائل : المسألة الأولى : أن من عدم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي ، وقد حكاه عن عطاء ، وهو قول جمهور العلماء . وقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة ، وأن السفر هل هو شرط لجواز التيمم أم كان ذكره في القرآن لأن السفر مظنة عدم الماء غالبا ؟ والأكثرون على الثاني ، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلى . واختلفوا : هل يعيد إذا وجد الماء أم لا ؟ فقال الليث وأبو حنيفة والشافعي : يعيد ، وهو وجه لأصحابنا . ومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد ، وبين أن تطول فلا يعيد ، والصحيح من المذهب : أنه لا يعيد ، وهو قول مالك والثوري وإسحاق والمزني وغيرهم . وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد اختارها الخلال والخرقي ، وحكي عن زفر وداود . ومن أصحابنا من قال : إن كان يرجو حصول الماء قريبا لم يصل حتى يجده ، وإن فات الوقت . المسألة الثانية : أن المريض إذا كان يجد الماء ، ولكن ليس عنده من يناوله إياه ، فإنه يتيمم ويصلي ، حكاه عن الحسن ، وهو - أيضا - قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأكثر العلماء . وعن الشافعي : يعيد ، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد ، وهو المشهور عند أصحابنا . ولأصحابنا وجه : أنه إن رجا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبا لم يصل بالتيمم ، وأخر حتى يجيء من يناوله . والصحيح : الأول ، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء بعده ، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رجا الوصول إلى الماء بعد الوقت عقيبه . وخرج ابن أبي حاتم من رواية قيس ، عن خصيف ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى قَالَ : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثالثة : أنه يجوز التيمم بقرب المصر إذا لم يجد الماء ، وإن كان يصل إلى المصر في الوقت ، هذا هو المروي عن ابن عمر رضي الله عنه وقد احتج به الإمام أحمد ، وقال : كان ابن عمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى بيوت المدينة . وهذا الأثر مشهور عن ابن عمر من رواية نافع عنه ، وقد رفعه بعضهم ، خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعا . قال البيهقي : وهو غير محفوظ . ولفظ المرفوع : أن ابن عمر قَالَ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم تيمم بموضع يقال له : مربد النعم ، وهو يرى بيوت المدينة . وخرج الأثرم من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه أقبل من أرضه التي بالجرف ، حتى إذا كان بمربد النعم حضرت الصلاة صلاة العصر ، فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة . وقد روى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصَّلاة . الجرف - بضم الجيم والراء - : موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال . و المربد : مكان بقرب المدينة . ورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على رأس ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر ، ثم قدم والشمس مرتفعة ، فلم يعد . خرجه حرب الكرماني . ورواه - أيضا - مالك ، عن نافع ، قَالَ : أقبلت مع ابن عمر من الجرف حتى إذا بلغ المربد تيمم ، ثم صلى . ورواه العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلى ثم دخل المدينة في وقت ، فلم يعد . ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قَالَ : أقبلنا من الغابة ، حتى إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة ، فتيمم ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة . وهذا المروي عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائل : منها : أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول الوقت للمسافر ، وإن علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عمر هذا . وحكي عن الشافعي قول : إنه لا يجوز . ومنها : أن المسافر سفرا قصيرا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل ، وهو قول جمهور العلماء - أيضا - وحكي فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي ، ومن أصحابه من لم يثبته عنه ، وقال : إنما حكاه الشافعي عن غيره ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا - أيضا . وقد تقدم : أن عدم الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين ، لكن منهم من أوجب الإعادة فيه ، فمن قال : يعيد إذا تيمم في الحضر ، وقال : لا يتيمم إلا في سفر طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه بالتيمم . وحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن عمر على أنه خاف فوت الوقت ، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان عادما للماء لم يتيمم ، إلا أن يخاف فوت الوقت . وسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة ؟ فذكر عن سعيد بن المسيب ، قَالَ : يتيمم ويصلي . وقال أبو داود : قلت لأحمد : الرجل يخرج على الميلين والثلاثة والأكثر ، فتحضره الصلاة ، أيتيمم ؟ قَالَ : إذا خاف يتيمم . قيل له : فيعيد ؟ قال : لا . قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فرجل من المدينة على فرسخ ، وليس في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس له ماء ، أيتيمم ويصلي ؟ قال : نعم . قلت : يعيد ؟ قال : لا ، وأنا أرى في الحضر التيمم . قَالَ : وسألته عن رجل في الصيد ، وليس هو في سفر ، فحضرت الصلاة ، ولم يكن معه ماء ، فتيمم وصلى ؟ قال : إن كان في معصية يعيد ، وإن كان للكسب على عياله لا يعيد . وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأ فلا يجد الماء ؟ قال : لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء . قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة ، فقال : سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له ، فقال : لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك . والمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه : لا يرخص لهم في ترك حمل ماء الوضوء ، وأنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون ، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه . وأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في آخر الوقت ، وأنهم لا يكلفون طلب الماء مع فوت الوقت مع بعد الماء في الحضر ، وأوجب القاضي في خلافه طلب الماء على الحاضر ، وإن أدركه بعد الوقت . وقال صاحب المغني : من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث ونحوه ، فحضرت الصلاة ، ولا ماء معه ، وإن رجع إليه فاته غرضه ؛ فإنه يتيمم ويصلي ، ولا إعادة عليه ، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل واحد ، ففي الإعادة وجهان . وقد سبق ذكر هذه المسألة في باب : التماس الماء إذا حانت الصَّلاة في كتاب : الوضوء . ومنها : أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادة عليه ، هذا قول جمهور العلماء ، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة . ولو وجده بعد الوقت ، فأجمعوا على أن لا إعادة عليه - : حكاه ابن المنذر وغيره . وفي المسند و سنن أبي داود والنسائي من رواية عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قَالَ : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدًا طيبًا وصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين . وقال أبو داود : ذكر أبي سعيد في إسناده وهم ليس بمحفوظ ، بل هو مرسل . واستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب . ونقله حرب ، عن أحمد . وقال القاضي أبو يعلى : يجوز ولا يستحب ، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد ؛ فإنه قَالَ في رواية صالح : إن أعاد لم يضره . وقال الخلال : العمل من قول أبي عبد الله على أنه لا يعيد . وقال الحسن : إن شاء أعاد ، وإن شاء لم يعد . وصرح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة . وهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة ؛ لقوله : لك الأجر مرتين . وقد يقال : إصابة السنة أفضل من ذَلكَ . وقد ذكرنا في كتاب : العلم في شرح حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره . ومنها : أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه ، وقد أخذ بذلك إسحاق ، واستنبطه من فعل ابن عمر هذا .
2 - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا خرج فيه : 336 - حديث : هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى آية التيمم . فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا . قد سبق : أن رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة لهذا الحديث تخالف رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ فإن عبد الرحمن ذكر في روايته : أن عقدا لعائشة انقطع ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام على التماسه ، وأنه نام حتّى أصبح على غير ماء ، فنزلت آية التيمم . وأما عروة ، فذكر في روايته : أن قلادة لأسماء استعارتها عائشة فهلكت - يعني : أنهم فقدوها - فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت آية التيمم . وفي حديث ابن القاسم ، عن أبيه : أنهم بعثوا البعير ، فوجدوا العقد تحته . وفي حديث ابن عروة ، عن أبيه : أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها . فزعم بعض الناس أن عائشة كان لها عقد انقطع وقلادة فقدت ، فأرسل في طلب القلادة وأقاموا على التماس العقد ، وفي هذا نظر . والله أعلم . ورجحت طائفة رواية مالك ، عن ابن القاسم ، عن أبيه على رواية هشام ، عن أبيه ، ومنهم : القاضي إسماعيل المالكي ، وقال : بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكر أشياء حدث بها هشام في آخر عمره لما ساء حفظه . وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام ، عن أبيه على أن من لم يجد ماء ولا ترابا أنه يصلي على حسب حاله ، فإنهم صلوا بغير وضوء ، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك ، وشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بإعادة الصَّلاة . وزعم بعضهم : أن رواية القاسم ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه ، وهذا في غاية الضعف . وقد قررنا فيما تقدم : أن آية سورة النساء التي فيها ذكر التيمم كان نزولها سابقا لهذه القصة ، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال له لا رخصة له في التيمم ، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك . والظاهر : أن الجميع صلوا بالتيمم ولكن حصل لهم شك في ذلك ، فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة . والله أعلم . واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماء ولا ترابا على أربعة أقوال : أحدها : أنه يصلي بحسب حاله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما ، وأبي ثور والمزني وغيرهم ، وحكي قولا قديما للشافعي . وعليه بوب البخاري ، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا ؛ فإنهم شكوا ذَلكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم ؛ ولأن الطهارة شرط ، فإذا عجز عنها سقطت عنه ، كاستقبال القبلة وستر العورة . والثاني : يصلي ويعيد ، وهو قول مالك في رواية ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه . والثالث : لا يصلي ويعيد صلاته ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي . واستدلوا : بقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور . ويجاب عنه : بأن ذلك مع القدرة ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ، ولا خلاف أنه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته . والرابع : أنه لا يصلى ولا إعادة عليه ، وهو رواية عن مالك ، وقول بعض الظاهرية ، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور . وهو أردأ الأقوال وأضعفها ، ويرده قول الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . وليس هذا كالحائض ؛ فإن الحائض ليست من أهل الطهارة ، ولا يصح منها لو فعلتها ، وهذا من أهلها وهو عاجز عنها . وأما قول أسيد بن حضير لعائشة - رضي الله عنها - : جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين خيرا . فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، وقد تقدم أن بعض أهل السير ذكر أن هذه القصة كانت هي وقصة الإفك في سفرة واحدة ، وهذا يشكل عليه قول أسيد بن حضير هذا ؛ فإن الفرج الذي حصل من قضية الإفك إنما وقع بعد قدومهم المدينة بمدة ، وظاهر سياق حديث عائشة يدل على أن أسيد بن حضير قَالَ ذَلكَ عقيب نزول آية التيمم . وقد زعم بعضهم : أن هذا قاله أسيد بن حضير بعد نزول الآيات في قصة الإفك ، وبعد نزول آية التيمم ، وهو مخالف لظاهر هذه الرواية . والله أعلم . وقد استحب الثوري وأحمد : حمل التراب للمسافر كما يستحب له حمل الماء للطهارة ، ومن المتأخرين من أنكره ، وقال : هو بدعة .
7 - باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم ويذكر : أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف . حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إني سمعت الله يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئا . وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه ، ولم يذكر التيمم . وفي هذه الرواية زيادة : أبي قيس في إسناده ، وظاهرها الإرسال . وخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، وليس كما قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل . وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم عمرو بن العاص ، فلما أقبلوا سألهم عنه ، فأثنوا خيرا ، إلا أنه صلى بنا جنبا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد ، وقد قال الله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا مرسل . وقد ذكره أبو داود في سننه تعليقا مختصرا ، وذكر فيه : أنه تيمم . وأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم ويصلي ، جنبا كان أو محدثا . واختلفوا : هل يعيد ، أم لا ؟ فمنهم من قال : لا إعادة عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية . ومنهم من قال : عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد . ومنهم من قال : إن كان مسافرا لم يعد ، وإن كان حاضرا أعاد ، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد . وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال . وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا : أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد ، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه . وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وإن مات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء . ونقل أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن سفيان نحو ذلك ، وأنه لا يتيمم لمجرد خوف البرد ، وإنما يتيمم لمرض مخوف ، أو لعدم الماء . وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت ، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض ضرر . وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن - أيضا - وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم ، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس أجمعوا على ذلك . وقد سبق الكلام في تفسير الآية ، وأن الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا ، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة . وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم ، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة لعدم الماء ، فإن وجد في المرض خشية الضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم ، وإلا فلا . وأما من قال من الظاهرية ونحوهم : إن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر ، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله ، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده . وقول البخاري : إذا خاف على نفسه المرض أو الموت يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض ، ولا يشترط خوف الموت خاصة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشافعي . والقول الثاني : لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف ، إما تلف النفس أو تلف عضو منه ، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر . والحنيفية السمحة أوسع من ذلك ، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف ، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم . ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو إن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان : إحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكر عبد العزيز . والثانية : يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات يوم الخندق . ولو احتاجت المرأة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها ، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء . وتوقف مرة في ذلك . وأما إذا خاف العطش على نفسه ، فإنه يحبس الماء ويتيمم ، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك ، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة . وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم ، وسمى منهم جماعة كثيرة . وقد سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته . وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ولم يردهم عن اعتقادهم .
خرج البخاري في هذا الباب حديث عمار من رواية أبي موسى الأشعري ، عنه ، فقال : 345 - ثنا بشر بن خالد : ثنا محمد - هو : غندر - عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم تجد الماء لا تصلي ؟ قال عبد الله : لو رخصت لهم في هذا ، كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني : تيمم - وصلى . قال : قلت : فأين قول عمار لعمر ؟ قال : إني لم أر عمر قنع بقول عمار . 346 - حدثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : سمعت شقيق بن سلمة قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له أبو موسى : أرأيت يا أبا عبد الرحمن ، إذا أجنب الرجل فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ فقال عبد الله : لا يصلي حتّى يجد الماء . فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم : كان يكفيك ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك ؟ فقال أبو موسى : دعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما يقول . فقال : لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم . فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا ؟ قال : نعم . كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان : إن التيمم إنما يجوز عن الحدث الأصغر ، وأما عن الجنابة فلا يجوز ، وقالا : لا يصلي الجنب حتى يجد الماء ولو عدمه شهرا . وروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابن مسعود وأتباعهم كالأسود وأبي عطية والنخعي . وقد روي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك ، ووافقا بقية الصحابة ، فإن عمر وكل الأمر في ذلك إلى عمار ، وقال له : نوليك ما توليت ، وابن مسعود رجع عن قوله في التيمم - : قاله الضحاك ، واتبعت الأمة في ذلك قول الصحابة دون عمر وابن مسعود . وقد خالفهما علي وعمار وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وابن عباس . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب إذا لم يجد الماء بأن يتيمم ويصلي ، في حديث عمران بن حصين المتقدم ، وحديث عمار ، وروي - أيضا - من حديث أبي ذر وغيره . وشبهة المانعين : أن الله تعالى قال : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وقال : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا - يعني به : الغسل - ثم ذكر التيمم عند فقد الماء بعد ذكره الأحداث الناقضة للوضوء ، فدل على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث ، وبقي الجنب مأمورا بالغسل بكل حال . وهذا مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أن آية الوضوء افتتحت بذكر الوضوء ، ثم بغسل الجنابة ، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء ، فعاد إلى الحدثين معا ، وإن قيل : إنه يعود إلى أحدهما ، فعوده إلى غسل الجنابة أولى ؛ لأنه أقربهما ، فأما عوده إلى أبعدهما وهو - وضوء الصلاة - فممتنع . وأما آية سورة النساء ، فليس فيها سوى ذكر الجنابة ، وليس للوضوء فيها ذكر ، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها ، ولا يعود إلى المذكور ؟ والثاني : أن كلتا الآيتين : أمر الله بالتيمم من جاء من الغائط ، ولمس النساء أو لم يجد الماء ، ولمس النساء إما أن يراد به الجماع خاصة ، كما قاله ابن عباس وغيره ، أو أنه يدخل فيه الجماع وما دونه من الملامسة لشهوة ، كما يقوله غيره ، فأما أن يخص به ما دون الجماع ففيه بعد . ولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تحير ولم يدر ما يقول ، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى . وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه صلى الله عليه وسلم فهم دخول الجنب في الآية ، وليس بعد هذا شيء . ورد ابن مسعود تيمم الجنب ؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه ؛ لأن النصوص لا ترد بسد الذرائع ، وأيضا ، فيقال : إن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق . وقد روى شعبة ، أن مخارقا حدثهم ، عن طارق ، أن رجلا أجنب فلم يصل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال له : أصبت . وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى ، فأتاه صلى الله عليه وسلم ، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني : أصبت . خرجه النسائي ، وهو مرسل . وقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم ، والآخر سأله بعد نزولها . وروى أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، أن عمارا قال لعمر : أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له ، فقال أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة ، وأما أنت يا عمار فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة ، إنما كان يجزيك وضر ب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض إلى التراب ، ثُمَّ قَالَ - : هكذا ، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان .
الحديث الثاني : 335 - من طريق : هشيم : أبنا سيارٌ : ثنا يزيد الفقير : أبنا جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . هشيم : مدلس ، وقد صرح هنا بالسماع من سيار ، وهو : أبو الحكم ، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير ، وصرح يزيد بالسماع من جابر ، فهذا إسناد جليل متصل . وهذه الخمس اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها ، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر ، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه صلى الله عليه وسلم خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس ، وسنشير إلى بعض ذلك - إن شاء الله تعالى . فأما الرعب : فهو ما يقذفه الله في قلوب أعدائه المشركين من الرعب ، كما قال تعالى : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وقال في قصة يوم بدر : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال عام غزوة تبوك : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي : أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا - وذكر بقية الحديث . وقوله : أعطيت الليلة خمسا لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة ، فإن عامتها كان موجودا قبل ذلك ، كنصره بالرعب ، وتيممه بالتراب ، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال ، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة . والله أعلم . وروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فضلت على الناس بخمس - ذكر منها - ونصرت بالرعب شهرا من أمامي وشهرا من خلفي . وأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا : فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد . وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء : جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا ، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه - وذكر الحديث . وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بأن الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم ، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها ، كما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، وفي المقبرة والحمام ، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى . وفي ذكره التيمم بالأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء ، وقد سبق في كتاب : الوضوء ذكر ذَلكَ . واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا من يقول : إن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما . واستدل من قَالَ : لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض - كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في صحيح مسلم عن حذيفة ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء ، وذكر خصلة أخرى . فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد ، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة ؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك . وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا ، وعنده : وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا . وهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة ، والطيبة : هي الأرض القابلة للإنبات ، كما في قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وروينا من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت وحٌميد ، عن أنس ، قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبة مسجدًا وطهورًا . ولكن قد دلت نصوص أخرُ على عموم كون الأرض مسجدًا ، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة . وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أُعطيتُ أربعًا لم يُعطهن أحد من أنبياء الله : أُعطيت مفاتيح الأرض ، وسُمّيتُ أحمد ، وجُعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم . وقد ظن بعضهم : أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وهو غلط ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، خلافًا لما حكي عن أبي ثور ، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم ، والتراب والتربة لقب ، واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له ، والأكثرون يأبون ذَلكَ . لكن أقوى ما استدل به : حديث حذيفة الذي خرجه مسلم ، فإنه جعل الأرض كلها مسجدًا وخص الطهورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له ، بل كان زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى ، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم . وقد خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، ولفظه : وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء . ومعنى قوله : طهورًا : أي مطهرًا ، كما قَالَ : الماء طهور لا ينجسه شيء . وفيه دليل لمن قَالَ : إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا ، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة ، بل اشتركت فيه الأمم كلها ، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب ، فالطهور هو المطهر . والتحقيق : أن طهورا ليس معدولا عن طاهر ، ولأن طاهرا لازم و طهورا متعد ، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به ، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك . وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة ، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : وأحلت لي الغنائم أكلها ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها . وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، قَالَ : غزا نبي من الأنبياء ؛ فجمع الغنائم ، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها ، فقال : إن فيكم غلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار فأكلتها ، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا . وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم ، كانت تنزل نار فتأكلها . وفي كتاب السيرة لسليمان التيمي : أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة . وفي صحة هذا نظر ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم ، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار . وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف . وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد قال طائفة من العلماء : إن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح ، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام كانت له هاجر أمة ، والإماء إنما يكتسبن من المغانم ، ذكر هذا ابن عقيل وغيره . وفي هذا نظر ؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة ، فوهبتها لإبراهيم ، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم . وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه ، ويختص بها دون غيره من المسلمين . وقال القاضي إسماعيل المالكي : إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم ، فأما الأرض فإنها فيء ، وكانت مباحة لمن قبلنا ، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون . وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا ، سواء أخذت بقتال أو غيره ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنه . ومن الناس من يقول : إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال . قالوا : وهاجر كانت فيئا لا غنيمة ؛ لأن الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره . وقد قَالَ طائفة من العلماء : إن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا . وزعم بعضهم : أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة ، كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين ، وهذا بعيد جدا . واستدلوا : بما خرجه البزار من رواية سالم أبي حماد ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي - فذكر الحديث ، وقال فيه : وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي . وسالم هذا : قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول . وأما الشفاعة التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضا - كما تواترت بذلك النصوص ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع : أحدها : شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم . والثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة . والثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار ، فقد قيل : إن هذه يختص هو بها . والرابع : كثرة من يشفع له من أمته ؛ فإنه وفر شفاعته وادخرها إلى يوم القيامة . وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث ، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي - فذكر الحديث ، إلى أن قَالَ : والخامسة هي ما هي : قيل لي سل ؛ فإن كل نبي قد سأل ، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله . وخرج - أيضا - من حديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي - فذكره ، وقال في آخره : وأعطيت الشفاعة ، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته ، وإني أخرت شفاعتي ، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا . وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر . وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : لكل نبي دعوة يدعو بها ، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفي صحيح مسلم عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته ، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفيه - أيضا - نحوه من حديث أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا ، وإن الله أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة . خرجه البزار وغيره . وفي المسند عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : إن الله أيقظني فقال : إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه ، فسل يا محمد تعط ؟ فقلت : مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، وما الشفاعة التي اختبأت عندك ؟ قال : أقول : يا رب ، شفاعتي التي اختبأت عندك ، فيقول الرب تبارك وتعالى : نعم ، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار ، فينبذهم في الجنة . والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم - : أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته ، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا ، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان عليه السلام ، واختص النبي صلى الله عليه وسلم بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة . وقد ذكر بعضهم : شفاعة خامسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين ، كما شفع لعمه أبي طالب ، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها صلى الله عليه وسلم . وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب . وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء الله تعالى . وأما بعثته إلى الناس عامة ، فهذا مما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء . وفي المسند من حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - فذكر منها - : وبعثت إلى كل أحمر وأسود . وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ، ولا أقولهن فخرا ، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود . وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها نبي - فذكر منها - : وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه ، وبعثت إلى الجن والإنس - وذكر الحديث . وقال : لفظ : الجن والإنس لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا الإسناد . قلت : وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد ، وأن أبا حاتم قَالَ : هو مجهول . ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره تعليقا ، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فقال : إن جبريل قال لي : اخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك ، وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود ، وأمرني أن أنذر الجن ، وآتاني كتابه وأنا أمي ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر ، وذكر اسمي في الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رءوسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس ، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ، وآتاني السلطان والملك ، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش ، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون . وقوله : إلى الخلق كافة يدخل فيه الجن بلا ريب . وفي صحيح ابن خزيمة عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بثلاث - فذكر الثالثة ، قَالَ : وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي . وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في صحيح مسلم ، بل فيهِ : وذكر خصلة أخرى كما تقدم . ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس ، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .
بسم الله الرحمن الرحيم 7 كتاب التيمم 1 - باب قول الله عز وجل : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ خرج فيه حديثين : الحديث الأول : قال : 334 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس معهم ماء . فجاء أبو بَكْر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام ، فَقَالَ : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس مَعَهُم ماء قَالَتْ عَائِشَة : فعاتبني أبو بَكْر ، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول ، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى فخذي ، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته . قيل : إن الرواية هنا : فقام حتَّى أصبح . ورواه في التفسير بلفظ : فنام حتَّى أصبح وهو لفظ مسلم ، وكذا في الموطأ . هذا السياق سياق عبد الرحمن بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه ، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا يضر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة أيضا . ومما خالف فيه : أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت آية التيمم . وفي رواية : أنهما صليا بغير وضوء . وهذا يمكن الجمع بينه وبين حديث القاسم عن عائشة : بأن القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي ، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه ، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء . وفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الأبواء . وفي رواية عنه : أن ذلك المكان كان يقال له : الصلصل . وروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد . وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فتيمم المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف . والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آية المائدة ؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من كتابه هَذَا من حَدِيْث ابن وهب ، عَن عَمْرِو ، عَن عَبْد الرحمن بْن الْقَاسِم ، وَقَالَ فِي حديثه : فَنَزَلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ هذه الآية . وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست ، وقيل : سنة خمس ، وهو الذي ذكره ابن سعد عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك . وقد ذكر الشافعي : أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق ، وقال : أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم . فإن قيل : فقد ذكر غير واحد ، منهم : ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين ، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن ، حتى قيل : إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع ، وآية النساء نزولها متقدم . وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير ، ففزر أنفه . وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر ، فخلط في قراءته ، فنزلت آية النساء . فقد تبين بهذا : أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر ، والخمر حرمت بعد غزوة أحد ، ويقال : إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير ، وآية النساء فيها ذكر التيمم ، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم ، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه . قيل : هذا لا يصح ؛ لوجوه : أحدها : أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها ، وهذا غير السبب الذي اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة ، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء ، وليس سوى آية المائدة . والثاني : أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقًا بل عند حضور الصلاة ، وهذا كان قبل أحد ، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير خلاف ، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية . وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته ؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير ، كما سبق تقريره في أول كتاب الضوء ، وإنما كان تمهيدًا للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم ، ولم تقل : آية الوضوء . والثالث : أنه قد ورد التصريح بذلك في صحيح البخاري كما ذكرناه . وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء ، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة ، لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة ، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع إمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء ، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء ، فلا يباح معه التيمم ، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال ، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء . ولا يستبعد هذا ، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الأسفار المباحة ، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد ، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الأسفار المباحة ، وهذا مما يستأنس به من يقول : إن الرخص لا تستباح في سفر المعصية . وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير ، وقد صح أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر . والله أعلم . وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد ، فقال فيهما : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ذكر شيئين مبيحين للتيمم : أحدهما : المرض ، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر . والثاني : السفر ، واختلفوا : هل هو شرط للتيمم مع عدم الماء ، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالبًا ، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر ، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن ، أنه إنما ذكر السفر لأنه مظنة عدم الكاتب ، وليس بشرط للرهن . والجمهور : على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء ، وأنه يجوز الرهن في الحضر ، والتيمم مع عدم الماء في الحضر . وقالت الظاهرية : السفر شرط في الرهن والتيمم . وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة ، وحكي رواية عن أبي حنيفة ، وعن طائفة من أصحاب مالك . وعلى هذا : فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم . وقوله : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قد قيل : إن أو هنا بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ؛ فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر مَا يستباح مِنْهُ الصَّلاة بالتيمم وَهُوَ الحدث ، فإن التيمم يبيح الصَّلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء ، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه ، ولهذا قالوا : يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث . وقالت طائفة : بل التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا بعدم القدرة على استعمال الماء ، وربما استدل بعضهم بهذه الآية ، وقالوا : إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث ، ولو كان التيمم واجبًا لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقوله من يقول : إن التيمم لا يرفع الحدث ، على اختلاف بينهم في ذلك - لما كان لذكر الحدث معنى . والأظهر - والله أعلم - : أن أو هاهنا ليست بمعنى الواو ، بل هي على بابها ، وأريد بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث ، واثنتان منهما مظنتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم ، وإلا فلا . ثم ذكر قسمًا ثالثًا ، وهو وجود الحقيقة نفسها ، فذكر أن من كان محدثًا ولم يجد ماءً فليتيمم ، وهذا يشمل المسافر وغيره ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء ، مسافرًا كان أو غير مسافر . واللهُ أعلم . وقد ذكر سبحانه حدثين : أحدهما : الحدث الأصغر ، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة والتخلي ، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذَلكَ . والثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المراد بها الجماع خاصة ، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر ، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة ، أو مطلق التقاء البشرتين ، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر . وقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً متعلق بمن أحدث ، سواءٌ كان على سفر أو لم يكن ، كما سبق تقريره ، دون المرض ، لأن المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء ، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا . وحكي عن عطاء والحسن : أن فقد الماء شرطٌ للتيمم مع المرض - أيضا - فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وإن خشي التلف . وهذا بعيد الصحة عنهما ، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له . وقوله : فَتَيَمَّمُوا أصل التيمم في اللغة القصد ، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة . وقوله : صَعِيدًا اختلفوا في المراد بالصعيد ، فمنهم : من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها ، ومنهم : من فسره بالتراب خاصة . وقوله : طَيِّبًا فسره من قال : الصعيد : ما تصاعد على وجه الأرض ، بالطاهر . ومن فسره بالتراب ، قال : المراد بالصعيد التراب المنبت ، كقوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه . وقال ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث . وقوله : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ كقوله في الوضوء وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وقد ذكرنا فيما سبق في أبواب الوضوء أن كثيرًا من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء ، وخالف فيه آخرون ، وأكثرهم وافقوا هاهنا ، وقالوا : يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم ، ومنهم من قال : يجزئ أكثرهما ، ومنهم من قال : يجزئ مسح بعضهما كالرأس - أيضا . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار : إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما . وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما في التيمم - إن شاء الله تعالى . وقوله تعالى : مِنْهُ يستدل به من قَالَ : لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد ، فإن قوله : منه يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد ، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به ، ومن خالف في ذلك جعل من هاهنا لأبعد الغاية ، لا للتبعيض وهو بعيد يأباه سياق الكلام . والله تعالى أعلم .
4 - باب هل ينفخ فيهما ؟ 338 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قَالَ : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، فقال : إني أجنبت ، فلم أجد الماء ؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت فصليت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . وقد خرجه فيما بعد من وجه آخر ، وفيه : ثم نفضها بدل نفخ فيهما . وفي رواية لمسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمار : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك . واستدل بهذا بعض من ذهب إلى أنه لا يشرط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة والثوري وغيرهم ؛ لأن نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتّى لا يبقى منه ما يعم الوجه والكفين غباره ، فلو كان المسح بالغبار شرطا لكان ترك النفخ أولى . وأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به ، كأصحاب الشافعي وأحمد : بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ ، وقد قال لعمار : إنما يكفيك هكذا ، فدل على أنه لا بد في التيمم من تراب يعلق باليد . وأجاب بعضهم : بأنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سنة ، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعك الذي فعله بالتراب ليس بسنة ، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يمسح به الوجه والكفان من غباره . وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم : فمنهم من استحبه ، ومنهم من كرهه . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى ، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ، ولا ينفض يديه من التراب . وكره النفض حماد وغيره ، واستحبه الحسن ويحيى بن أبي كثير . واختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ : فروي عنه أنه لم يذهب إلى النفخ . وروي عنه أنه قَالَ : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . ونقل عنه الميموني قَالَ : لا ينفخهما . ثم قَالَ : ومن الناس من ينفضهما ، ولست أنفضهما ، وكأني للنفخ أكره . ونقل عنه حنبل أنه ذكر حديث عمار هذا ، وقال : أذهب إليه . قيل له : ينفخ فيهما ؟ قَالَ : ينفخ فيهما ويمسحهما . قال الخلال : العمل من مذهبه : على أنه يجوز فعل ذلك كله : النفخ والنفض ، ويجوز تركه . وقال غيره من أصحابنا : إن كان التراب خفيفا كره النفخ ؛ لأنه ينقص به كمال التعميم بالطهور ، وإن كان كثيرا ففي كراهته روايتان ، والصحيح : لا يكره ؛ لأنه تخفيف لا يكره ابتداء ، فكذلك دواما . وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان : أحدهما : يستحب . والثاني : لا . وقيل : إن القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه . واختلف أصحابه في ذلك على طريقين : فمنهم من قال : له قولان مطلقا . ومنهم من قال : هما منزلان على حالين ، فإن كان التراب كثيرا نفخ ، وإلا لم ينفخ . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما ، وإن لم يلزق بهما تراب كثير أجزأه أن لا ينفخ . قال حرب : ووصف لنا إسحاق التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما ، ثم مسح ظهور الكفين : اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى . وروى بإسناده ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل . وقال عمار : هذا التيمم . وبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه ، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما . ورواية الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه . وذكر بعض المالكية : أن جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما ، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه ، أو شيء يؤذيه . وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما . واختلفوا في ذلك ، فكان الشعبي يقول : ينفضهما . وقال مالك : نفضا خفيفا . وقال الشافعي : لا بأس أن ينفض إذا بقي في يده غبار . وقال إسحاق نحوا من قول الشافعي . وقال أحمد : لا يضره فعل أو لم يفعل . وقال أصحاب الرأي : ينفضهما . وكان ابن عمر لا ينفض يديه . قال ابن المنذر : قول أحمد حسن .
5 - باب التيمم للوجه والكفين 339 - حدثنا حجاج : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار - بهذا . وضرب شعبة بيديه الأرض ، ثم أدناهما من فيه ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . وقال النضر : أبنا شعبة ، عن الحكم : سمعت ذرا ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى - قال الحكم : وقد سمعته من ابن عبد الرحمن - عن أبيه : قال عمار . 340 - حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، أنه شهد عمر ، وقال له عمار : كنا في سرية فأجنبنا . وقال : تفل فيهما . 341 - حدثنا محمد بن كثير : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قال : قال عمار لعمر : تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يكفيك الوجه والكفين . 342 - حدثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عبد الرحمن : شهدت عمر ، فقال له عمار - وساق الحديث . 343 - حدثنا محمد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار : فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض ، فمسح وجهه وكفيه . حديث عمار في التيمم ، خرجه البخاري في كتابه من طريقين : أحدهما : من طريق أبي وائل ، عن أبي موسى ، عن عمار ، وسيأتي . والآخر : من رواية عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار . ولم يخرجه من هذه الطريق إلا من رواية شعبة ، عن الحكم ، عن ذر الهمداني ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار . وقد ساق لفظه بتمامه في الباب الماضي ، وأحال في هذا الباب على ما قبله ، بقوله : قال عمار بهذا - يعني : بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي . ووصف شعبة التيمم المذكور في الحديث بفعله . وكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة ، وبعضها تعليق ؛ لما في ذلك من زيادة فائدة : ففي رواية سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ، عن شعبة : تصريح عبد الرحمن بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار ، ومخاطبته لعمر ، وهذه فائدة جليلة . وفي رواية سليمان بن حرب ، عن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل في يديه لما ضرب بهما الأرض ، والمراد بالتفل هنا : النفخ ، كما في سائر الروايات . وفي رواية النضر بن شميل : أن الحكم سمع الحديث من ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، وسمعه - أيضا - من ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، كما سمعه من ذر ، عنه . وذكر البيهقي وغيره : أن ابن أبزى هو سعيد - أيضا . وقد ذكر البخاري رواية النضر تعليقا ، وأسندها مسلم عن إسحاق بن منصور ، عنه . واتفقت رواياتهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح وجهه وكفيه . وفي رواية محمد بن كثير ، عن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : يكفيك الوجه والكفين . وخرجه مسلم من طريق يحيى القطان ، عن شعبة ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك . قال الحكم : وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه بمثل حديث ذر . قال : وحدثني سلمة ، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم . انتهى . وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر ، رواه عن سلمة بن كهيل ، عن ذر . كما خرجه مسلم من رواية القطان ، عن شعبة ، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين : أحدهما : أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل ؛ فخالفا شعبة في إسناده ، على اختلاف عليهما فيه . والثاني : أن سلمة شك : هل ذكر في الحديث مسح الكفين ، أو الذراعين ؟ وكان - أحيانا - يحدث سلمة به ، ويقول : إلى المرفقين ، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر ، فقال سلمة : لا أدري ، أذكر الذراعين ، أم لا ؟ خرج ذَلِكَ أبو داود والنسائي وغيرهما . ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة ، وسكت عن اللفظ ؛ فإنه مختلف . وقد خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في أحكام القرآن له عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن الحكم - بإسناده - وقال فيه : إنما كان يكفيك هكذا ، وضرب بيديه الأرض واحدة ، فمسح بهما كفيه ووجهه . وكذا خرجه أبو بكر الأثرم عن أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة ، ثم نفخهما ، ومسح بهما وجهه وكفيه . وقد خرجه النسائي من رواية خالد ، عن شعبة ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك ، وضرب شعبة بكفيه ضربة نفخ فيهما ، ثم دلك إحداهما بالأخرى ، ثم مسح بهما وجهه . وفي هذه الرواية تأخير مسح الوجه ، لكنه من تفسير شعبة ، والظاهر أن شعبة كان أحيانا يحدث بالحديث بلفظه ، وأحيانا يفسره بفعله . وقد أجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة ؛ فإن الله تعالى يقول : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك : فأما الوجه : فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء : أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب ، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه ، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة ، أم لا ، هذا هو الصحيح . وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه آخر : أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها ، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف ، وإن وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء . وعن أبي حنيفة روايات ، إحداها : كقول الشافعي وأحمد . والثانية : إن ترك قدر درهم يجزئه ، وإن ترك دونه أجزأه . والثالثة : إن ترك دون ربع الوجه أجزأه ، وإلا فلا . والرابعة : إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه ، وإلا فلا . وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر . وحكى ابن المنذر ، عن سليمان بن داود الهاشمي : أن مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض . وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك . قال الجوزجاني : ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم ؟ قال : يعيد الصلاة . فقلت له : فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم ؟ فقال : لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه . قَالَ الشالنجي : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه ؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس ؛ إذا ترك منه بعضا أجزأه . قال الجوزجاني : فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى - يعني : النيسابوري فقال : المسح في التيمم كما يمسح الرأس ، لا يتعمد لترك شيء من ذلك ، فإن بقي شيء منه لم يعد ، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء . قال الجوزجاني : لم نسمع أحدا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبعوا في الوضوء بالتخليل ، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى : أن لا يتعمد ترك شيء من ذلك ، فإن بقي شيء لم يعد . انتهى . وظاهر هذا : يدل على أن مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني : أنه إذا ترك شيئا من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه قال : تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك ، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية ، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ، ثم تضرب مرة أخرى بكفيك . ومراد إسحاق : أنه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه ، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم ، حتى نص الشافعي : أنه لو بقي من محل الفرض شيء لا يدركه الطرف لم يصح التيمم . واستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة ، وقال : الذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل . قال : وهذا شيء أظهر به ، ولم أرَ منه بدا . وحكى ابن عطية في تفسيره عن محمد بن مسلمة من المالكية : أنه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء ، وجعله كالخف وما بين الأصابع في اليدين - يعني : في التيمم . وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم : بالوجوب ، والاستحباب . وحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافا . وأما اليدان : فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين : ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى الكوعين ، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح . وحكى ابن عطية عن الشعبي : أنه يمسح الكفين فقط ؛ لحديث عمار ، وأنه لم يوجب إيصال التراب إلى الكوعين ، وهذا لا يصح . والله أعلم . وإنما المراد بحديث عمار ، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين : مسحهما إلى الكوعين ، وقد جاء ذلك مقيدا ، رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم : سمع ذر بن عبد الله ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يجزئك وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الأرض إلى التراب ، ثم قال : هكذا ، فنفخ فيهما ، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه الذراعان . وروى إبراهيم بن طهمان ، عن حصين ، عن أبي مالك ، عن عمار بن ياسر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين . خرجه الدارقطني ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبة وزائدة وغيرهما . يعني : أنهم رووه عن حصين ، عن أبي مالك ، عن عمار موقوفا ، والموقوف أصح : قاله أبو حاتم الرازي . وأبو مالك ، قال الدارقطني : في سماعه من عمار نظر ؛ فإن سلمة بن كهيل رواه عن أبي مالك ، عن ابن أبزى ، عن عمار . وقال أبو حاتم : يحتمل أنه سمع منه . وأبو مالك ، هو : الغفاري ، سأل أبو زرعة : ما اسمه ؟ فقال : لا يسمى . وقال البيهقي : اسمه حبيب بن صهبان . وفيما قاله نظر ؛ فإن حبيب بن صهبان هو : أبو مالك الكاهلي الأسدي ، وأما الغفاري فاسمه : غزوان - : قاله ابن معين . وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم ، ووقع في بعض نسخ البخاري ، غير أن البخاري متوقف غير جازم بأن حبيب بن صهبان يكنى : أبا حاتم ، ولا أن أبا مالك الغفاري اسمه : غزوان . وروي حديث عمار على وجه آخر : فروى الأعمش ، عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب إحداهما على الأخرى ، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين ، ضربة واحدة . خرجه أبو داود . وخرجه - أيضا - من طريق سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي مالك ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنت عند عمر ، فقال عمار : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا ، وضرب بيديه إلى الأرض ، ثم نفخهما ، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع . وخرجه النسائي من طريق سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنا عند عمر - فذكر الحديث ، وفيه : ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه . وقد رواه عن سلمة بن كهيل : شعبة ، وسفيان ، والأعمش ، واختلف عنهم في إسناده . وقد تقدم : أن في رواية شعبة أن سلمة شك : هل ذكر فيه الذراعين ، أو الكفين خاصة ، وهذا يدل على أن ذكر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمة ، إنما شك فيه ، لكنه حفظ الكفين وتيقنهما ، كما حفظه غيره . وعلى تقدير أن يكون ذكر بعض الذراعين محفوظا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين ، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التحجيل ، كما فعله أبو هريرة في الوضوء ، وقد صرح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضا . وقد روي عن قتادة ، قال : حدثني محدث عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار بن ياسر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إلى المرفقين . خرجه أبو داود . وهذا الإسناد مجهول لا يثبت . والصحيح : عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين . خرجه الترمذي وصححه . وخرجه أبو داود ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره في التيمم : ضربة واحدة للوجه والكفين . وقد روي عن عمار ، أنهم تيمموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط : من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن عمار ، قال : نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وقد اختلف في إسناده على الزهري : فقيل : عنه ، كما ذكرنا . وقيل : عنه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبيه ، عن عمار ، كذا رواه عنه : مالك وابن عيينة ، وصحح قولهما أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . وقيل : عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عمار مرسلا . وهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما . وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم أسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه ، أنه قال : لا أدري ما هو ؟! وروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه . وسئل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال أيضا : اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه . وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل الكفين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله ، وقوله : التيمم للوجه والكفين ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم ، ومنهم عمار راوي الحديث ؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين ، كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق . وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة . والثاني : ما قاله الشافعي ، وأنه إن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو منسوخ ؛ لأن عمارا أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له ، فهو له ناسخ . وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء . وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه . وروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يعجبنا هذا . قلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، وأخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم . وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين : هذا مروي عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما ، وروي - أيضا - عن سالم بن عبد الله ، والشعبي ، والحسن ، والنخعي ، وقتادة ، وسفيان ، وابن المبارك ، والليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابه . واستدل بعضهم : بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك ، ولا يثبت منها شيء ، كما سبق الإشارة إلى ذلك . واستدلوا - أيضا - : بأن الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين ، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين ، فينصرف إطلاقهما في التيمم إلى تقييدهما في الوضوء ، لا سيما وذلك في آية واحدة ، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين . وأجاب من خالفهم : بأن المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة ، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان ، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الآخر. ويدل على ذلك : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول آية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها ، بل تيمموا إلى المناكب والآباط ، وهم أعلم الناس بلغة العرب ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمم للوجه والكفين ، وهو - أيضا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها . وذهب آخرون : إلى أن التيمم يمسح فيه الكفان خاصة . وقد حكى ابن المنذر لأهل هذه المقالة قولين : أحدهما : يمسح الكفين إلى الرسغين ، وحكاه عن علي . والثاني : يمسح الكفين مطلقا . قال : وهو قول عطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . قال : وبهذا نقول للثابت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : التيمم ضربة للوجه والكفين . قلت : هذا يوهم أن من قال بسمح الوجه والكفين ، أنه لا ينتهي مسحهما إلى الكوعين ، وهذا كما حكاه ابن عطية عن الشعبي ، كما سبق عنه ، وليس هذا قول الأئمة المشهورين . وقد روى داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن التيمم ، فقال : إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وقال في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وقال : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فكانت السنة في القطع الكفين ، إنما هو : الوجه والكفين - يعني : التيمم . خرجه الترمذي ، وقال : حسن صحيح غريب . وروى الحكم بن أبان ، عن عكرمة هذا المعنى - أيضًا . وكذلك استدل بهذا الدليل مكحول وأحمد وغيرهما من الأئمة ، وقالوا : إن القطع يكون من الرسغ ، فكذلك التيمم . والرسغ : هو مفصل الكف ، وله طرفان ، هما عظمان ، فالذي يلي الإبهام كوع ، والذي يلي الخنصر كرسوع . ومضمون هذا الاستدلال : أن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ ، وإن قيدت بموضع تقيدت به ، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غسل الذراعين إلى المرفقين ، ولما أطلقت في التيمم وجب إيصال التراب إلى الرسغ ، كما تقطع يد السارق ويد المحارب منه . وكذا قال الأوزاعي : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوعين . وكذلك نص إسحاق على أن التيمم يبلغ إلى الرسغ ، وخطأ من قال : لا يجزئ ذلك . وقال : الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم المعروف المشهور الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة : أن النبي صلى الله عليه وسلم علم عمار بن ياسر التيمم للوجه والكفين . قال : وعلى ذلك كان علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، والشعبي ، وعطاء ، ومجاهد ، ومكحول وغيرهم ، فلا يجوز لأحد أن يدعي على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم . قال : ولو قالوا : الذراعين أحب إلينا اختيارا لكان أشبه . وروى حرب بإسناده ، عن زائدة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي مالك ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ، ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل . وبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتين : ضربة للوجه ، وضربة للكفين . قَالَ : وثنا أحمد بن حنبل : ثنا سليمان بن حيان : أبنا حجاج ، عن عطاء والحكم ، عن إبراهيم ، قَالَ : التيمم ضربتان للكفين والوجه . قال : وثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، عن حامد وسعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين . قال الوليد : وأبنا الأوزاعي ، عن عطاء أنه كان يقول في التيمم : مسحة واحدة للوجه ، ثم ضربة أخرى لكفيه . وبه يأخذ الأوزاعي . وروى حرب بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم قرن إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه . قال حرب : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ، يبدأ بوجهه ثم يمسح كفيه إحداهما بالأخرى . قيل له : صح حديث عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟ قال : نعم ، قد صح . والقول بأن الواجب في التيمم مسح الكفين فقط : رواية عن مالك ، وقول قديم للشافعي ، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في كتاب المعرفة - : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوجه والكفين ، ولو أعلمه ثابتًا لم أعده . قَالَ : فإنه ثبت عن عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم الوجه والكفين ، ولم يثبت إلى المرفقين ، فما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، وبهذا كان يفتي سعيد بن سالم . انتهى . ومن العلماء من قال : الواجب مسح اليدين إلى الكوعين ، ويستحب مسحهما إلى المرفقين ، ولعله مراد كثير من السلف - أيضا - ؛ فإن منهم من روي عنه : إلى الكوعين . وروي عنه : إلى المرفقين ، كالشعبي وغيره ، فدل على أن الكل عندهم جائز . وهو - أيضا - رواية عن مالك ، وقول وكيع ، وإسحاق ، وطائفة من أصحابنا ، وحكوه رواية عن أحمد ، والمنصوص عنه يدل على أن ذلك جائز ، لا أنه أفضل . وسيأتي ذكر الضربة الواحدة والضربتين فيما بعد - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري أفرد لذلك بابًا .
8 - باب التيمم ضربة 347 - حدثنا محمد بن سلام : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري ، فقال له أبو موسى : لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا ، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد . قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . قال عبد الله : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟ زاد يعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت مع عبد الله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني أنا وأنت ، فأجنبت فتمعكت بالصعيد ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال : إنما كان يكفيك هكذا ، ومسح وجهه وكفيه واحدة ؟ محمد بن سلام ، هو : البيكندي ، وقد اختلفوا في ضبط سلام : هل هو بالتخفيف أو بالتشديد ؟ والتخفيف أكثر فيه وأشهر ، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء مفرد . ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح ، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام ، أنه قال : أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام ، وقد أفردت لذلك جزءا ، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح ، وفي إسنادها متهم بالكذب . وقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم ، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن ، إلا أن لفظه : فقال : إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه . وخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، ولفظ حديثه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا ، وضرب بيديه إلى الأرض ، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه . وخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية ، عن ابن نمير ، عنه ، ولفظه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك ، ثم تمسح وجهك . وخرج حديث عبد الواحد بن زياد ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، عنه ، ولفظ حديثه : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا ، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة ، ثم مسح إحداهما بالأخرى ، ومسح وجهه . وأما رواية يعلى ، عن الأعمش التي علقها البخاري ، فخرجها الإمام أحمد في المسند عن يعلى - وهو : ابن عبيد الطنافسي - كذلك . وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان : ثنا عبد الواحد ، عن الأعمش بهذا الحديث ، وفيه : وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم مسح كفيه جميعا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة . قال عفان : وأنكره يحيى بن سعيد ، فسألت حفص بن غياث ، فقال : كان الأعمش يحدثنا به عن سلمة بن كهيل ، وذكر : أبا وائل . وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم : إن كان ما روى أبو معاوية حقا : روى عن الأعمش ، عن شقيق القصة . فقال - أيضا - : ضربة للوجه والكفين ، وتابعه عبد الواحد . قال أبو عبد الله - يعني : أحمد - : فهذان جميعا قد اتفقا عليه ، يقولان : ضربة للوجه والكفين . وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة ، وتوقف فيها الإمام أحمد لأن شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه : عن الأعمش ، ولم يذكروا الضربة الواحدة ، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق ، عن أبي موسى ، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي . ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة ، فزالت نكارة التفرد ، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا . وقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل ، عن ابن أبزى ، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده ، وذكر فيه : صفة التيمم بضربة واحدة ، ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في باب : التيمم للوجه والكفين ، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين ، وأنه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن ، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، وحمل عليه حديث أبي وائل ، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان ، إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق وحده للضربة الواحدة ، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش ، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه . وقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة ، عن عزرة ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار - أيضا - وقد تقدم ذكره - أيضا . وحديث شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في الصحيحين كما تقدم يدل عليه - أيضا . وقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار ، وتلقيه بالقبول . قال إسحاق بن هانئ : سئل أحمد عن التيمم ؟ قال : ضربة واحدة للوجه والكفين ، قيل له : ليس في قلبك شيء من حديث عمار ؟ قَالَ : لا . وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية : أحدهما : ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين ، فإنه قال : ثم مسح وجهه ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية ، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه . وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، ولفظ حديثه : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، على كفيه ووجهه . وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية ، ولفظه : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بيده على الأرض فنفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه . فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه ، وعطفه : هل هو بالواو ، أو بلفظ : ثم ؟ وقد قال الإمام أحمد في رواية أحمد بن عَبدةَ : رواية أبي معاوية ، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط . والثاني : أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود : إنما كرهتم هذا لهذا ، فقال ابن مسعود : نعم . وقد صرح بهذا في رواية أبي داود ، عن الأنباري المشار إليها ، وإنما روى أصحاب الأعمش ، منهم : حفص بن غياث ، ويعلى بن عبيد ، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش ، والمسئول هو شقيقٌ أبو وائل . وقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم ، وهل الممسوح الكفان خاصة ، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين ، أم إلى المناكب والآباط ؟ والكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به : فمن قَالَ : إنه يمسح الوجه والكفين ، قال أكثرهم : يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار ، وهذا هو المروي عن علي وعمار وابن عباس ، وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن أبي كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود - وهو قول عامة أهل الحديث - : قاله الخطابي وغيره . وقال ابن المنذر : بهذا نقول ؛ للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : التيمم ضربة للوجه والكفين . وحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة ، وكفيه إلى الرسغين بضربة أخرى . قال ابن المنذر : يروى هذا عن علي ، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما ، والشافعي في القديم . ونقل حرب ، عن إسحاق : أن هذا هو المستحب ، ويجزئ ضربة واحدة . وروى حرب بإسناده ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين . وبإسناده : عن عطاء والأوزاعي مثله . وأما من قال : إن التيمم يبلغ إلى المرفقين ، فأكثرهم قالوا : يتيمم بضربتين : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله ، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم . واختلفوا : هل ذلك على الوجوب ، أم على الاستحباب ؟ فقالت طائفة : هو على الوجوب ، لا يجزئ دونه ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي في ظاهر مذهبه ، ورواية عن مالك . وقالت طائفة : بل هو على الاستحباب ، ويجزئ ضربتان : إحداهما للوجه والأخرى للكفين ، وهو رواية عن مالك ، واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا ، غير أن المجزئ عنده ضربة واحدة للوجه والكفين ، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد . وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه . وقال الخلال : إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعله ، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جدا في الضربتين . وأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزًا ، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ . وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ . وقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي : الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين ، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين ، ولا يجب عنده تعدد الضرب ، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك . وروى داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قَالَ : التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين . خرجه حرب الكرماني . وروى ابن إسحاق ، عن نافع ، قال : رأيت ابن عمر يضرب بيده في الأرض ، فيمسح بها وجهه ، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه . وعن ابن عون ، قال : قلت للحسن : أرني كيف التيمم ؟ فضرب بيديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بكفيه الأرض ، ثم مسح بهما على ذراعيه . وعن داود ، عن الشعبي ، قال : التيمم ضربة للوجه والذراعين . خرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي . وكذلك وصف سفيان الثوري التيمم . وظاهر هذا يدل على أن الكفين لا يمسحان بانفرادهما ، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض ، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما . وقد قال عكرمة في المتيمم : يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه . وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وحكي عن ابن سيرين ، أنه تيمم بثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة للكفين ، وضربة للذراعين إلى المرفقين . وحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي ، أنه يتيمم بضربتين ، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين . قال ابن عبد البر : ما علمت أحدًا من أهل العلم قال ذلك غيرهما . وللشافعية وجه ضعيف ، أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين ، لكل يد ضربة ، ولهم وجه ضعيف - أيضا - أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء . وقال حرب : ثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عمرو الأوزاعي : صف التيمم ؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا ، ثم رفعهما ، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا ، ثم أمر بهما على وجهه ، ثم على كفيه . قال : وثنا المسيب بن واضح : ثنا أبو إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه . وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى ، ثم يمسح وجهه ، ثم يمسح كفيه . وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول ، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية ، عن الأعمش ؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده ، وهذا غريب جدا ، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك ؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى . وفي رواية مسلم : مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما . وفي رواية أبي داود والنسائي : أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى . والمنصوص عن أحمد ، وهو مذهب الشافعي وغيره ، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء ، فيمسح وجهه أولا ، ثم يمسح كفيه . ومن أصحابنا المتأخرين من قال : لا يجب الترتيب في التيمم خاصة ؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم : إنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه ، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع . قالوا : فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه ، وهذا يخل بالترتيب . وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد ، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما . قال المروذي : قلت لأبي عبد الله : أرني كيف التيمم ؟ فضرب بيده باطن كفيه ، ثم مسح وجهه وكفيه بعضها على بعض ضربة واحدة . وقال : هكذا . وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه ، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع ، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف : إن التيمم ضربة للوجه والكفين . وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل . وهذا ضعيف ؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان : أحدهما : أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء ؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثا ، وهذا لم يرفع الحدث على ظاهر المذهب . وعلى الوجه الثاني : أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل ، فالمستعمل هو ما علق بالوجه أو تناثر منه ، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما يبقى في الإناء بعد الاستعمال منه ، وليس بمستعمل ، ويجوز التيمم به ، صرح به طائفة من أصحابنا والشافعية . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه وصف لهم التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخها ، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، ولم يذكر أنه مسح بطون كفيه اكتفاء بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض ، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهر ، ولا يتأتى مثله في الضربة الواحدة ؛ لأنه يخل بالترتيب . وقد صرح العراقيون من أصحاب الشافعي : بأنه يسقط فرض الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب ، ثم أوردوا على ذلك أنه لو سقط فرضهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملا ، فكيف يجوز مسح الذراعين به ولا يجوز نقل الماء الذي غسل به إحدى اليدين إلى الأخرى ، إلا على وجه ضعيف لهم ؟ وأجابوا عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن اليدين كعضو واحد ، ولا يصير التراب والماء مستعملا إلا بانفصاله ، ولم ينفصل التراب ، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملا . والثاني : أن هذا يحتاج إليه في التيمم لضرورة ، حيث لم يمكن أن ييمم الذراع بكفها ، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه ، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسح إحدى الراحتين بالأخرى ، بل هو مستحب . ومن أصحابهم من حكى في وجوبه وجهين . وقال البغوي منهم : إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسح الراحتين حصل له ؛ وإلا فلا . وهذا يدل على أنه لا يحصل بضربهما بالأرض . ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولا لم يسم قائله ، ورجحه في التيمم بضربة واحدة : إنه يمسح بباطن يديه وجهه ، ثم يمسح بهما ظاهر كفيه خاصة . قال : لأن باطنهما يصيبه التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر الكفين ، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحهما ثلاث مرات ، وتكرار مسح التيمم غير مشروع بخلاف الوضوء ، وهو - أيضا - ينافي أن يكون التيمم بضربة واحدة . وهذا الذي قاله فيه نظر ؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تتعدد به الضربات كتكرار مسح الرأس بماء واحد ؛ فإنه لا يكون تكرارا ، وقد سبق ذلك في الوضوء ، وإنما لم يشرع تكرار التيمم إذا وقع الأول موقعه ، وما أصاب باطن الكفين من التراب قبل مسح الوجه غير معتد به عند من يوجب الترتيب ، فلا يكون ذلك تكرارا - أيضا . وقد تقدم أن حديث عمار يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بعد الضرب ظاهر كفيه وباطنهما . وإنما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر . فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي : أحدهما : أنه واجب - أيضا - ؛ لأن صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء ، وأيضا ؛ فإن البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد ، وفي التيمم عضوان متغايران ، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء . والثاني : لا يجب ؛ لأن التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه ، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية ، عن الأعمش التي خرجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علم عمارا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة . وقد حكى بعضهم عن الأعمش : أنه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقا ، فإن صح هذا عنه دل على أن ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش ، وأن أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه ، كما قاله الإمام أحمد . والله أعلم . ويحتمل أن الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه ، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي ، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش ؛ فإن كثيرا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ ثُمَّ وبالواو . والله تعالى أعلم .
9 - باب 348 - حدثنا عبدان : أبنا عبد الله : ثنا عوف ، عن أبي رجاء : ثنا عمران بن حصين الخزاعي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم ، فقال : يا فلان ، ما منعك أن تصلي في القوم ؟ قَالَ : أصابتني جنابة ، ولا ماء . قَالَ : عليك بالصعيد ؛ فإنه يكفيك . قد سبق هذا الحديث بطوله من رواية يحيى القطان ، عن عوف ، واختصره هنا من رواية ابن المبارك ، عن عوف ، وختم به كتاب التيمم ؛ فإن فيه دلالة على تيمم الجنب إذا لم يجد الماء ، وعلى أن من كان في مكان يقطع أو يغلب على الظن أنه لا ماء فيه ، أو مع رفقة يعلم أنه لا ماء معهم ؛ فإنه لا يجب عليه طلب الماء ، بل له أن يتيمم ويصلي من غير طلب ، وقد استوفينا شرح ذلك كله مع شرح جميع الحديث فيما سبق . والله أعلم . وقد روى هذا الحديث البخاري عن إسماعيل بن مسلم ، عن أبي رجاء ، عن عمران - فذكر الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل أن يتيمم ، فتيمم ، قال : ثم وجد الماء فلم يأمره بالإعادة . وإسماعيل بن مسلم ، ضعيف الحديث .
2 - باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله 295 - نا عبد الله بن يوسف ، نا مالك ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض . 296 - حدثنا إبراهيم بن موسى ، نا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم : أنا هشام ، عَن عروة ، أنهُ سئل : أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب ؟ فقالَ عروة : كل ذَلِكَ علي هين ، وكل ذَلِكَ تخدمني ، وليس على أحد في ذَلِكَ بأس ؛ أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ مجاور في المسجد ، يدني لها رأسه وهي في حجرتها ، فترجله وهي حائض . هَذا الحديث يدل على طهارة بدن الحائض ، وعلى جواز مباشرتها بيدها لرأس الرجل بالدهن والتسريح ، وَهوَ معنى ترجيل الرأس المذكور في هَذا الحديث . وقد روى تميم بن سلمة ، عَن عروة هَذا الحديث ، ولفظه ( فأغسله وأنا حائض ) . وكذلك روى لفظة ( الغسل ) إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة . ولو كانت يدها نجسة لمنعت من دهن رأس الرجل وغسله . وقد ألحق عروة الجنب بالحائض ، وَهوَ كَما قالَ ، بل الجنب أولى بالطهارة ؛ فإنه أخف حدثًا . وقد كانَ ابن عباس يكره ترجيل الحائض رأسه ، حتى نهته خالته ميمونة عَن ذَلِكَ . قالَ الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عَن منبوذ ، عَن أمه ، قالت : كنت عند ميمونة ، فأتاها ابن عباس ، فقالت : يا بني ، ما لك شعثًا رأسك ؟ قالَ : أم عمار مرجلتي حائض ! قالت : أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهي حائض ، فيضع رأسه في حجرها ، فيقرأ القرآن وهي حائض . ثم تقوم إحدانا بخمرته ، فتضعها في المسجد وهي حائض . أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ واستدل جماعة من الفقهاء بترجيل الحائض رأس الحي وغسله على جواز غسلها للميت ، منهُم أبو ثور ، وله في ذَلِكَ حكاية معروفة ، إذ سئل عَن هَذهِ المسألة جماعة من أهل الحديث ، فلم يهتدوا للجواب ، فأجاب أبو ثور بالجواز ، واستدل بهذا الحديث ، وبحديث ( إن حيضتك ليست في يدك ) . وحكي عَن أحمد أيضا نظير هَذهِ الحكاية بإسناد فيهِ بعض من لا يعرف . وممن رخص في تغسيل الحائض والجنب للميت عطاء والثوري . ورخص الحسن للجنب أن يغسل الميت ، وحكى الإمام أحمد عَنهُ أنهُ قالَ في الحائض : لا تغسل الميت ، وعن علقمة أنهُ قالَ : تغسله . وفي ( كِتابِ عبد الرزاق ) عَن علقمة أن الحائض لا تغسل الميت . واختلفت الرواية عَن أحمد فيهِ ، فروي عَنهُ أنهُ قالَ : لا بأس بذلك . وروي عَنهُ أنهُ رخص للجنب دونَ الحائض إلا للضرورة . وقد تقدم عَنهُ رواية أخرى بالرخصة للحائض مطلقًا ، وأن في إسنادها نظرًا . وكره علقمة والنخعي والثوري وأحمد أن يحضر الجنب والحائض عند الميت عند خروج روحه ؛ لما روي من امتناع الملائكة من دخول البيت الذِي فيهِ الجنب . وفي الجملة فبدن الحائض طاهر ، وعرقها وسؤرها كالجنب ، وحكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء . وسئل حماد : هل تغسل الحائض ثوبها من عرقها ؟ فقالَ : إنما يفعل ذَلِكَ المجوس . وحكى بعض الفقهاء عَن عبيدة السلماني أن الحائض لا تقرب الرجل ولا تمس منهُ شيئًا ، قالَ بعضهم : ولا أظنه يصح عَنهُ . وحكى بعضهم عَن أبي يوسف أن بدن الحائض نجس ، وأنها إذا أصابت ماء قليلًا نجسته ، وقال بعضهم أيضا : لا يصح هَذا عَن أبي يوسف . ولكن أبو حنيفة وأصحابه يقولون : على بدن الجنب وأعضاء المحدث نجاسة حكمية ، تنتقل إلى الماء الذِي يرتفع بهِ حدثه ، فيصير نجسًا . وهذا إنما يقولونه في الحائض إذا انقطع دمها وأصابها الماء ، فإنه ينجس ويرتفع حدثها بذلك ، وإن لَم تنو رفع الحدث بهِ ، على أصلهم المعروف أن النية لا تشترط للطهارة بالماء .
7 - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلاّ الطواف بالبيت وقال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الآية . ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه . وقالت أم عطية : كنا نؤمر أن يخرج الحيض ، فيكبرن بتكبيرهم ويدعون . قالَ ابن عباس : أخبرني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيهِ : بسم الله الرحمن الرحيم : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ الآية وقال عطاء ، عنِ جابر : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك غير الطواف بالبيت ، ولا تصلي . وقال الحكم : إني لأذبح وأنا جنب . وقال الله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ 305 - حدثنا أبو نعيم : نا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، [عَن القاسم] ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نذكر إلا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقالَ : ( ما يبكيك ؟ ) فقلت : لوددت والله أني لَم أحج العام ! قالَ : ( لعلك نفست ؟ ) قلت : نعم ، قالَ : ( فإن ذَلِكَ شيء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) . مقصود البخاري بهذا الباب أن الحيض لا يمنع شيئًا من مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه ، وأن ما عدا ذَلِكَ من المواقف والذكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئًا منهُ ، فتفعله الحائض كله . فدخل في ذَلِكَ الوقوف بعرفة ، والمزدلفة ، ورمي الجمار ، وذكر الله عز وجل ودعاؤه في هَذهِ المواطن . وكل هَذا متفق على جوازه . ولم يدخل في ذَلِكَ السعي بين الصفا والمروة ؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده ، ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها ، فلو كانت قَد طافت قبل حيضها لدخل فيهِ السعي أيضا . وهذا كله متفق عليهِ بيِن العلماء إلا خلافًا شاذًا في الذكر ، وقد ذكرناه فيما سبق في ( أبواب الوضوء ) . وإلا السعي بين الصفا والمروة ؛ فإن للعلماء فيهِ اختلافًا : هل يفعل معَ الحيض ؟ أم لا ؟ والجمهور على جوازه معَ الحيض ، ومنع منهُ طائفة من السلف . لكن منهُم من علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف ؛ فلو كانت طافت ، ثم حاضت - لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل ، وحكي المنع رواية عَن أحمد ، وحكي عَن ابن عمر . ومنع إسحاق الجنب من السعي دونَ الحائض ؛ لأن الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل بخلاف الحائض . وقد روى يحيى بن يحيى الأندلسي حديث عائشة الذِي خرجه البخاري هاهنا عَن مالك ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، وقال فيهِ : ( غير أن لا تطوفي بالبيت ، ولا بالصفا والمروة - حتى تطهري ) . وزيادة ( الصفا والمروة ) وهم على مالك ، لَم يذكره عَنهُ أحد غير يحيى ، قاله ابن عبد البر . وفي ( صحيح مسلم ) عَن أبي الزبير ، عَن جابر - وذكر قصة عائشة في حيضها في الحج ، وقال في آخره : فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتسلي ، ثم أهلي بالحج ) . ففعلت ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة . وخرج البخاري في ( الحج ) من حديث عطاء ، عن جابر ، قالَ : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها ، غير أنها لم تطف بالبيت . فلما طهرت طافت بالبيت . وهذا هوَ الذِي علقه البخاري هاهنا ، وزاد فيهِ : ( ولا تصلي ) . وهذه اللفظة خرجها الإمام أحمد من رواية أبي الزبير ، فذكر الحديث ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها : ( اغتسلي ، وأهلي بالحج ، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ) . قالت : ففعلت ذَلِكَ . فلما طهرت قالَ : ( طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ) . وأما طواف الحائض بالبيت فالجمهور على تحريمه ، ورخص فيهِ طائفة من المالكية إذا لَم تحتبس لها الرفقة أن تطوف للإفاضة حينئذ ، وسنذكر ذَلِكَ في موضعه من ( الحج ) إن شاء الله تعالى . وأما حديث أم عطية في إخراج الحيض في العيدين فقد خرجه البخاري في مواضع متعددة من ( كتابه ) مبسوطًا ، وفيه دليل على جواز الذكر والدعاء للحائض . وأما ما ذكره تعليقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يذكر الله على كل أحيانه فخرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث البهي ، عَن عروة ، عَن عائشة . وذكر الترمذي في ( علله ) أنهُ سأل البخاري عَنهُ ، فقالَ : هوَ حديث صحيح . وذكر ابن أبي حاتم ، عَن أبي زرعة ، أنهُ قالَ : لَم يرو إلا من هَذا الوجه ، وليس هوَ بذاك . وفيه دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة ، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب ؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن . واستدلاله بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب ؛ فإنهما غير ممنوعين من التذكية . قالَ ابن المنذر : لا أعلم أحدًا منع من ذَلِكَ . قالَ : وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا الله ويسبحانه . فلم يبق مما ذكره البخاري في هَذا الباب سوى قراءة القرآن ، وظاهر كلامه أن الحائض لا تمنع من القراءة . واستدل [بكتابة] النبي صلى الله عليه وسلم البسملة معَ آية من القرآن إلى هرقل . وذكر عن النخعي أن الحائض تقرأ الآية ، وعن ابن عباس أنه لم ير بالقرآن للجنب بأسًا . أما ابن عباس فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد . قالَ ابن المنذر : روينا عن ابن عباس أنه كانَ يقرأ وردهُ وهو جنب ، ورخّص عكرمة وابن المسيب في قراءته . وقال ابن المسيب : أليس في جوفه ؟ انتهى . وكذا قالَ نافع بن جبير بن مطعم في قراءة القرآن على غير طهارة : لا بأس به ، أليس القرآن في جوفه ؟ وممن رأى الرخصة في قراءة القرآن للجنب قسامة بن زهير ، والحكم ، وربيعة ، وداود . وروي أيضا عن معاذ بن جبل ، وأنه قالَ : ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذَلِكَ . خرجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح ، والظاهر أنه مما وضعه محمد بن سعيد المصلوب ، وأسقط اسمه من الإسناد ؛ فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد ، وهي من موضوعات المصلوب . وحكي جواز القراءة للجنب والحائض عن طائفة من أهل الحديث ، منهم ابن المنذر والطحاوي . وأما من رخص للجنب في قراءة الآية فقد حكاه البخاري عن النخعي في الحائض . وفي ( كتاب ابن أبي شيبة ) عن النخعي أن الحائض والجنب لا يتم الآية . وروى أبو حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم في الجنب : لا بأس أن يقرأ الآية . قال أبو حنيفة : والحائض مثله . وحكي رواية عن أحمد بجواز قراءة الآية ، وهي مخرجة من كلامه ، ليست منصوصة عنه ، وفي صحة تخريجها نظر . وروي عن طائفة الرخصة في قراءة الآية والآيتين ، روي عن سعيد بن جبير وعبد الله بن مغفل ، وعكرمة . وروي عن عكرمة : لا بأس للجنب أن يقرأ ، ما لم يقرأ السورة . ومنهم من رخص في قراءة ما دون الآية ، وهو مروي عن جابر بن زيد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، والثوري ، ورواية عن أحمد ، وإسحاق ، وحكي عن الطحاوي . ومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال ، قليلًا كانَ أو كثيرًا . وهذا مروي عن أكثر الصحابة ، روي عن عمر . وروي عنه أنه قالَ : لو أن جنبًا قرأ القرآن لضربته . وعن علي قالَ : لا يقرأ ولا حرفًا . وعن ابن مسعود ، وسلمان ، وابن عمر . وروي عن جابرٍ ، قالَ البيهقي : وليس بقوي . وروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح . وهو قول أكثر التابعين ، ومذهب الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق في إحدى الروايتين عنهما ، وأبي ثور وغيرهم . وهو قول مالكٍ في الجنب ، إلا أنه رخص لهُ في قراءة آيتين وثلاث عندَ المنام للتعوذ . ورخص الأوزاعي لهُ في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ تعوذًا لا قراءة . وهذا أصح الوجهين للشافعية أيضا . وقال سعيد بن عبد العزيز : رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول : سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا الآية ، و رَبِّ أَنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبَارَكًا الآية . وعن مالك في الحائض روايتان إحداهما : هي كالجنب ، والثانية أنها تقرأ . وهو قول محمد بن مسلمة ؛ لأن مدة الحيض تطول ، فيخشى عليها النسيان ، وهي غير قادرة على الغسل ، بخلاف الجنب . وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي ، وأنكره أصحاب الشافعي عنه . وعكس ذَلِكَ آخرون ، منهم عطاء ، قالَ : الحائض أشد شأنًا من الجنب ، الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن ، والجنب يقرأ الآية . خرجه ابن جرير بإسناده عنه . ووجه هذا أن حدثَ الحيض أشد من حدث الجنابة ؛ فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة ، وهي الوطء والصوم . وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب ، وهو غير ممنوع به . وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة ، إلا أن أسانيدها غير قوية . كذا قالَ الإمام أحمد في قراءة الحائض ، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب أقوى ، وهو كذلك . وأقوى ما في الجنب حديث عبد الله بن سلمة ، عن علي ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء ، فيقرئنا القرآن ، ويأكل معنا اللحم ، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيء ليس الجنابة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وخرجه الترمذي بمعناه ، وقال : حسن صحيح . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وتكلم فيهِ الشافعي وغيره ؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر ، قالَ شعبة عنه : كانَ يحدثنا ، فكنا نعرف وننكر . وقال البخاري : لا يتابع في حديثه . ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة ، ويعضده قول عائشة وميمونة في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في حجرهما في حال الحيض ؛ فإنه يدل على أن للحيض تأثيرًا في منع القراءة . وأما استدلال المجيزين بحديث عائشة ( اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ) - فلا دلالة لهم فيهِ ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام ، وإنما تدخل الأذكار والأدعية . وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل فلا دلالة فيهِ ؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ في شرح حديث هرقل في أول الكتاب . وقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن ، فرخص فيهِ الحسن وأبو حنيفة وغيرهما . ومنهم من منع منه ، وهو قول أبي عبيد وغيره . واختلف أصحابنا في ذَلِكَ ؛ فمنهم من منعه مطلقًا ، ومنهم من رخص فيهِ مطلقًا . ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار ، ومنعه إذا لم يرج ذَلِكَ . والمنقول عن أحمد أنه كرهه . وقال أصحاب الشافعي : إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها ، وإن رجي لهُ ذَلِكَ لم يمنع على أصح الوجهين .
5 - باب مباشرة الحائض خرج فيهِ عَن عائشة ، وميمونة . فأما حديث عائشة فمن طريقين : أحدهما : قالَ : 299 300 301 - نا قبيصة : نا سفيان ، عَن منصور ، عَن إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، كلانا جنب ، وكان يأمرني فأتزر ، فيباشرني وأنا حائض . وكان يخرج رأسه إلي وَهوَ معتكف ، فأغسله وأنا حائض . والثاني : قالَ : 302 - نا إسماعيل بن خليل : أنا علي بن مسهر : أنا أبو إسحاق هوَ الشيباني ، عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضاَ ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ، ثم يباشرها . قالت : وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه ؟ تابعه خالد وجرير ، عَن الشيباني . وحديث جرير عَن الشيباني خرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر ، ثم يباشرنا . والباقي مثله . وخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق عَن الشيباني أيضا . وإنما ذكر البخاري المتابعة على هَذا الإسناد ؛ لأن من أصحاب الشيباني من رواه عَنهُ ، عَن عبد الله بن شداد ، عَن عائشة . وليس بصحيح ؛ فإن الشيباني عنده لهذا الحديث إسنادان عَن عائشة وميمونة ؛ فحديث عائشة رواه عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه ، عَن عائشة . وحديث ميمونة رواه عَن عبد الله بن شداد ، عَن ميمونة . فمن رواه عَن الشيباني ، عَن عبد الله بن شداد ، عَن عائشة - فقد وهم . فهذا حديث عائشة .
وأما حديث ميمونة : فقالَ : 303 - نا أبو النعمان : نا عبد الواحد : نا الشيباني : نا عبد الله بن شداد ، قالَ : سمعت ميمونة قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها ، فاتزرت وهي حائض . رواه سفيان عَن الشيباني . وإنما ذكر متابعة سفيان ؛ ليبين أن الصحيح عَن الشيباني عَن عبد الله بن شداد عَن ميمونة ، لا عَن عائشة . وأن سفيان - وَهوَ الثوري - رواه عَن الشيباني كذلك . وقد خرجه الإمام أحمد ، عَن ابن مهدي ، عَن سفيان كذلك ، ولفظ حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض ، فوق الإزار . وكذلك خرجه مسلم في ( صحيحه ) من طريق عبد الواحد بن زياد ، عَن الشيباني بهذا الإسناد ، ولفظه : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض . وخرجه مسلم أيضا من طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عَن أبيه - وَهوَ بكير بن الأشج - عَن كريب مولى ابن عباس ، عَن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينضجع معي وأنا حائض ، وبيني وبينه ثوب . ورواه الزهري عَن حبيب مولى عروة ، عن ندبة مولاة ميمونة ، عَن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر المرأة من نسائه وهي حائض ، إذا كانَ عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين - أو الركبتين - محتجزة . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في ( صحيحه ) . وفي الباب أحاديث أخر متعددة ، وقد تقدم في الباب الماضي حديث أم سلمة في المعنى . وقد دلت هَذهِ الأحاديث على جواز نوم الرجل معَ المرأة في حال حيضها ، وجواز مباشرته لها ، واستمتاعه بها من فوق الإزار . والإزار هوَ ما بين السرة والركبة ، وفي الرواية الأخيرة عَن ميمونة الشك : هل كانَ الإزار يبلغ إلى الركبتين ؟ أو إلى أنصاف الفخذين ؟ وقد روي أن الإزار كانَ يبلغ إلى أنصاف الفخذين ، جزمًا من غير شك . خرجه ابن ماجه من حديث أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها سئلت : كيف كنت تصنعين معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض ؟ قالت : كانت إحدانا في فورها ، أول ما تحيض تشد عليها إزارًا إلى أنصاف فخذيها ، ثم تضطجع معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإسناده حسن ، وفي إسناده ابن إسحاق . وفي هَذا الحديث معَ حديث عائشة الثاني الذِي خرجه البخاري هاهنا - دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانَ يأمر الحائض بالاتزار في أول حيضها ، وَهوَ فور الحيضة وفوحها ؛ فإن الدم حينئذ يفور لكثرته ، فكلما طالت مدته قل ، وهذا مما يستدل بهِ على أن الأمر بشد الإزار لَم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار ، بل خشية من إصابة الدم والتلوث بهِ ، ومبالغة في التحرز من إصابته . وقد روى محمد بن بكار بن بلال : نا سعيد بن بشير ، عَن قتادة ، عَن الحسن ، عَن أمه ، عَن أم سلمة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي سورة الدم ثلاثًا ، ثم يباشر بعد ذَلِكَ . وهذا الإسناد وإن كانَ فيهِ لين إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد لَهُ . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث عكرمة ، عَن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا . وإسناده جيد . وَهوَ محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبت سورة الدم وحدته وفوره ، فكان حينئذ يكتفي بستر الفرج وحده بثوب ، ثم يباشر . وقد روي عَن الأوزاعي ، عَن عبدة بن أبي لبابة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ النبي صلى الله عليه وسلم في لحافه ، فنفست ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : نعم ، فأمرني أن أضع على قبلي ثوبًا . خرجه أبو بكر ابن جعفر في ( كِتابِ الشافي ) . وعبدة لَم يسمع من أم سلمة ، قاله أبو حاتم الرازي . وسنذكر في ( الصيام ) - إن شاء الله تعالى - الأحاديث الواردة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يلقي على فرج المرأة في صيامه ثوبًا ، ثم يباشرها . فظهر بهذا أن الاستمتاع ببدن الحائض كله جائز ، لا منع فيهِ سوى الوطء في الفرج ، وأنه يستحب أن يكون ذَلِكَ من فوق الإزار ، خصوصًا في أول الحيض وفورته . وإن اكتفى بستر الفرج وحده جاز ، وإن استمتع بها بغير ستر بالكلية جاز أيضا . وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شيء غير النكاح ) . خرجه مسلم . وأما الأحاديث التي رويت عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ سئل عما يحل من الحائض ، فقالَ : ( فوق الإزار ) - فقد رويت من وجوه متعددة لا تخلو أسانيدها من لين ، وليس رواتها من المبرزين في الحفظ ، ولعل بعضهم روى ذَلِكَ بالمعنى الذِي فهمه من مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم للحائض من فوق الإزار . وقد قيل : إن الإزار كناية عَن الفرج ، ونقل ذَلِكَ عن اللغة ، وأنشدوا فيهِ شعرًا . قالَ وكيع : الإزار عندنا الخرقة التي على الفرج . وقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاع بهِ من الحائض في حال حيضها ؛ فقالت طائفة : لا يحرم منها سوى الإيلاج في فرجها ، ويجوز ما عدا ذَلِكَ ، وحكي ذَلِكَ عَن جمهور العلماء . وروي عَن ابن عباس وعائشة وأم سلمة ، وَهوَ قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وَهوَ أحد قولي الشَافِعي ومحمد بن الحسن وأبي ثور وابن المنذر وداود وطائفة من أصحاب مالك والشافعي . واحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج من الحائض ، وهي أعلم الناس بهذه المسألة ، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها ، كَما رجع إليها في الغسل من التقاء الختانين على ما سبق ، وكذا في المباشرة للصائم . وقد حكى البخاري عنها في ( الصوم ) أنها قالت : يحرم عليهِ - تعني : الصائم - فرجها . وقالت طائفة : يحرم الاستمتاع من الحائض بما بين السرة والركبة ، إلا من فوق الإزار ، وَهوَ المشهور عَن مالك وأبي حنيفة والشافعي . وحكي رواية عَن أحمد ، ولم [يثبتها] الخلال وأكثر الأصحاب ، وقالوا : إنما أراد أحمد أن الأفضل مباشرتها من فوق الإزار . وقالت طائفة : إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عَن الفرج ؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز ، وإلا فلا ، وَهوَ قول طائفة من الشَافِعية . وَهوَ حسن ، وفي كلام عائشة - رضي الله عنها - ما يشهد لَهُ ؛ فإنها قالت : وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه ؟ ويشهد لهذا مباشرة المرأة في حال الصيام ؛ فإنه يفرق فيها بين من يخاف على نفسه ومن يأمن ، وقد قالت عائشة أيضا : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وَهوَ صائم ، وكان أملككم لإربه . وقد رويت هَذهِ اللفظة بكسر الهمزة وسكون الراء ، ورويت بفتح الهمزة والراء . وأنكر الخطابي الرواية الأولى ، وجوزها غيره . والإرب بالسكون العضو ، وَهوَ كناية هنا عَن الفرج ، والإرب بالفتح الحاجة ، والمراد بالحاجة شهوة النكاح . وقيل : بل الإرب بالسكون يراد بهِ العضو ، ويراد بهِ الحاجة أيضا ، وكذلك هوَ في ( الصحاح ) . قالَ أبو عبيد : يروى هَذا الحديث : لإربه ، يعني بالسكون . قالَ : وَهوَ في كلام العرب لأربه ، يعني بالتحريك . قالَ : والإرب : الحاجة ، قالَ : وفيه ثلاث لغات : أرب ، وإربة ، وإرب ، قال : والإرب في غير هَذا العضو . انتهى . وعلى قول من جوز الاستمتاع بما دونَ الفرج يجوز عندهم الوطء دونَ الفرج ، والاستمتاع بالفرج نفسه من غير إيلاج فيهِ . ولو كانَ على بعض الجسد شيء من دم الحيض لَم يحرم الاستمتاع بهِ ، وليس فيهِ خلاف إلا وجه شاذ للشافعية . لكن صرح ابن أبي موسى من أصحابنا في ( شرح الخرقي ) بكراهة الوطء فيما هوَ متلوث بدم الحيض من غير تحريم . وأما ما فوق السرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع بهِ ، وكثير من العلماء حكى الإجماع على ذَلِكَ . ومنهم من حكى عَن عبيدة السلماني خلافه ، ولا يصح عَنهُ . إنما الصحيح عَن عبيدة ما رواه وكيع في ( كتابه ) ، عن ابن عون ، عَن ابن سيرين ، قالَ : سألت عبيدة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا ؟ قالَ : الفراش واحد ، واللحاف شتى ، فإن لَم يجد بدا رد عليها من طرف ثوبه . وهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد حتى يسترها بشيء من ثيابه ، وهذا مما لا خلاف فيهِ . وقد روي عَن ابن عباس أنهُ كانَ يعتزل فراش امرأته في حال الحيض ، وأنكرت عليهِ ذَلِكَ خالته ميمونة رضي الله عنهما ، فرجع عَن ذَلِكَ . ففي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث ابن إسحاق ، [عَن] الزهري ، عَن عروة ، عَن ندبة ، قالت : أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله بن عباس وكانت بينهما قرابة ، فرأيت فراشها معتزلًا فراشه ، فظننت أن ذَلِكَ لهجران . فسألتها ، فقالت : لا ، ولكني حائض ، فإذا حضت لم يقرب فراشي . فأتيت ميمونة ، فذكرت ذَلِكَ لها ، فردتني إلى ابن عباس ، فقالت : أرغبة عَن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لقد كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام معَ المرأة من نسائه الحائض ، ما بينهما إلاّ ثوب ما يجاوز الركبتين . ثم خرجه من طريق ليث : حدثني ابن شهاب ، عَن حبيب مولى عروة ، عَن ندبة - فذكر الحديث . وهذا هوَ الصحيح ، وقول ابن إسحاق : ( عَن عروة ) - خطأ ، إنما هوَ حبيب مولى عروة ، وَهوَ ثقة ، خرج لَهُ مسلم . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانَ ينام معَ الحائض حيث لَم يكن لَهُم سوى فراش واحد ، فلما وسع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عَن يزيد بن أبي حبيب ، عَن سويد بن قيس ، عَن ابن قريط الصدفي ، قالَ : قلت لعائشة : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يضاجعك وأنت حائض ؟ قالت : نعم ، إذا شددت عليّ إزاري ، ولم يكن لنا إذ ذاك إلا فراش واحد . فلما رزقني الله فراشًا آخر اعتزلت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وابن لهيعة لا يقبل تفرده بما يخالف الثقات . ولكن تابعه غيره : فرواه ابن وهب ، عَن عمرو بن الحارث ، عَن ابنِ أبي حبيب ، عَن سويد بن قيس ، عَن ابن قرظ - أو قرط - الصدفي ، أنهُ سأل عائشة - فذكره بمعناه . خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) . وابن قرظ - أو قرط - الصدفي ليسَ بالمشهور ، فلا تعارض روايته عَن عائشة رواية الأسود بن يزيد النخعي . وقد تابع الأسود على روايته كذلك عَن عائشة عمرو بن شرحبيل أو عمرو بن ميمون ، على اختلاف فيهِ . وأبو سلمة وعبد الله بن أبي قيس ، وشريح بن المقدام ، وجميع بن عمير ، وخلاس ، وغيرهم . وروايات هؤلاء عَن عائشة أولى من روايات ابن قريط . وتعارض رواية ابن قريط برواية أخرى تشبهها خرجها أبو داود من حديث عبد الرحمن بن زياد ، عَن عمارة بن غراب ، أن عمة لَهُ حدثته أنها سألت عائشة ، قالت : إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد ! قالت : أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ! دخل فمضى إلى مسجده تعني : مسجد بيته ، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني ، وأوجعه البرد ، فقالَ : ( ادني ) ، فقلت : إني حائض ، قالَ : ( وإن ، اكشفي عَن فخذيك ) . فكشفت فخذي ، فوضع خده وصدره على فخذي ، وحنيت عليهِ حتى دفئ ونام . وفي ( سنن أبي داود ) عَن أبي اليمان كثير بن يمان ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت نزلت عَن المثال إلى الحصير ، فلن نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منهُ حتى نطهر . أبو اليمان وأم ذرة ليسا بمشهورين ، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات . وخرجه بقي بن مخلد عَن الحماني ، ثنا عبد العزيز ، عَن أبي [اليمان] الرحال ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت لَم أدن من فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطهر . الحماني متكلم فيهِ . وقد روى جعفر بن الزبير ، عَن القاسم ، عَن أبي أمامة ، قالَ : قالَ عمر : كنا نضاجع النساء في المحيض ، وفي الفرش واللحف قلة . فأما إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كَما أمر الله عز وجل . خرجه القاضي إسماعيل ، وهذا لا يثبت ، وجعفر بن الزبير متروك الحديث . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : نا أبو هلال : حدثني شيبة الراسبي ، قالَ : سألت سالمًا عَن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض ، قالَ : أما نحن آل عمر فنهجرهن إذا كن حيضًا . إسناد ضعيف . والاعتزال الذِي أمر الله بهِ هوَ اجتناب جماعهن ، كَما فسره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عكرمة : كانَ أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحوًا من صنيع المجوس ، فذكروا ذَلِكَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى الآية ، فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة ، فنزلت : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أن تعتزلوا . أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح . وَهوَ يدل على أن أول ما نزل الأمر باعتزالهن فهم كثير من الناس منهُ الاعتزال في البيوت والفرش كَما كانوا يصنعون أولًا ، حتى نزل آخر الآية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ففهم من ذَلِكَ أن الله أمر باعتزالهن في الوطء خاصة . وفسر النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ بقولِهِ : ( اصنعوا كل شيء غير النكاح ) ، وبفعله معَ أزواجه ؛ حيث كانَ يباشرهن في المحيض .
8 - باب الاستِحَاضَةِ 306 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني لا أطهرُ ؛ أفأدع الصلاة ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي ) . هذا الحديث خرجه البخاري في مواضع متعددة من ( كتاب الحيض ) ، وفي بعضها أنها قالت : ( إني أستحاض فلا أطهر ) ، وفي بعضها : ( إذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلي ) ، وفي بعضها : ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضينَ فيها ، ثم اغتسلي وصلي ) . وكل هذه الألفاظ من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . وخرج أيضا من رواية ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عروة . وعن عمرة ، عن عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : ( هذا عرق ) . فكانت تغتسل لكل صلاة . المستحاضة هي من اختلط دم حيضها بدم غير الحيض ، هوَ دم فاسد غير طبيعي ، بل عارض لمرض ، فدم الحيض هوَ دم جبلةٍ وطبيعةٍ يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة ، وسمي حيضًا لأنه يسيل ، ويقال : حاض الوادي إذا سال . وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق ، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دم عرق ؛ فإنه دم طبيعي يرخيه الرحم ، فيخرج من قعره . ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر ، [ومنه] الذي يسيل في أدنى الرحم دون قعره . وفي ( سنن أبي داود ) من حديث أسماء بنت عميس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( هذا من الشيطان ) يعني دم الاستحاضة . وخرج النسائي من حديث عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ في المستحاضة : ( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة من الرحم ) . ومن حديث القاسم عن عائشة أن امرأة مستحاضة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قيل لها : إنه عرق عاندٌ . وفي حديثه حمنة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( إنما هوَ ركضةٌ من الشيطان ) . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي . وفي حديث عثمان بن سعد ، عن ابن أبي مليكةَ ، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إنما هوَ عرق انقطع ، أو داءٌ عرض ، أو ركضةٌ من الشيطان ) . وروى أبو عبيد في ( غريبه ) : نا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس - أنه سئل عن المستحاضة ؟ فقالَ : ذَلِكَ العاذل يغذو . قالَ أبو عبيد : ( العاذل ) : اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة . وقوله : ( يغذو ) - يعني : يسيل . قالَ : ونا أبو النضر ، عن شعبة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنه عرق عاند ، أو ركضة من الشيطان . قالَ : وقوله : ( عاند ) - يعني : أنه عندَ وبغى كالإنسان يعاند عن القصد ، فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته . والركضة : الدفعة . وقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة على حسب اختلافهم في حد أكثر الحيض ؛ فمن قالَ : لهُ حد محدود - قالَ : المستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض ، وهذا قول الأكثرين منهم . وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذَلِكَ فيما بعد ، ويأتي الكلام فيهِ في موضعه إن شاء الله تعالى . ومن قالَ : ليس لأكثره حد محدود ، وإنما يرجع إلى عادة المرأة - فإنه يرى أن عادتها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كانَ ذَلِكَ استحاضة . وقد ذكر أبو داود في ( سننه ) ، قالَ : روى يونس عن الحسن في الحائض إذا مد بها الدم : تمسك بعد حيضها يومًا أو يومين ، فهي مستحاضة . وقال التيمي عن قتادة : إذا زاد على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل . قالَ التيمي : فجعلت أُنقص حتى بلغت يومين ، فقالَ : إذا كانَ يومين فهوَ من حيضها . وسئل عنه ابن سيرين ، فقالَ : النساء أعلم بذلك . وقد ذكر البخاري قول ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقًا ، ويأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . روى حرب الكرماني : ثنا إسحاق هوَ ابن راهويه ، ثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن ، في امرأة كانَ أقراؤها سبعة أيام قبل أن تتزوج ، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر ! قالَ : تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج ، فإذا مضت اغتسلت كل يوم عندَ صلاة الظهر إلى مثلها ، وتوضأت عندَ كل صلاة ، وتتنظف ، وتصلي . قالَ : ونا إسحاق : نا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قالَ : قلت لمحمد بن سيرين : المرأة تحيض ، فتزيد على ذَلِكَ خمسة أيام ! قالَ : تصلي . قلت : يومين ! قالَ : ذَلِكَ من حيضتها . وروى حرب بإسناده عن الأوزاعي في المرأة تمكث في حيضها سبعة أيام ، ثم ترى بعد السبعة دمًا ! قالَ : إن شاءت استطهرت بيوم ، ثم تغتسل وتصلي . ومذهب أحمد وأصحابه أن الحائض إذا كانَ لها عادةٌ مستمرة فإنها تجلس أيام عادتها . وهل تثبت عنده العادة بمرتين ؟ أو ثلاث مرار ؟ على روايتين عنه . فإن لم يكن لها عادة ، مثل أن تكون مبتدأةً - فإنها لا تزيد على أن تقعد أقل الحيض عنده ، وهو يوم وليلة ، ثم تغتسل وتصلي حتى تثبت لها عادة بمرتين أو ثلاث ، فتنتقل إليها . هذا هوَ الصحيح عنده . وكذلك إذا كانت معتادة فزادت عادتها فإنها تغتسل عندَ انقضاء عادتها وتصلي ، فإن انقطع لأكثر الحيض فما دونه على قدر واحد مرتين أو ثلاثًا - على اختلاف الروايتين عنه - صار عادة بائنة منتقلة ، وانتقلت إليه . وتمسك لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها ، وهذا رد إلى العادة المعتادة المستمرة . وأما مذهب مالك فيمن لها عادة ، فزادت عليها - فعنه فيها روايتان : إحداهما : تجلس ما تراه من أول مرة ما لم يزد على أكثر الحيض ، وهو خمسة عشر يومًا . والثانية : أنها تستطهر على عادتها بثلاثة أيام ، ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا ، تغتسل وتصلي . وهي التي رجع إليها مالك ، وعليها المصريون من أصحابه ، وهي قول الليث بن سعد . وإذا استحيضت هذه فإنها تستطهر على أكثر أيام عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر أيضا ، وفيه عنه خلاف يأتي ذكره فيما بعد . ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض ، سواء اتفقت عادتها أو اختلفت ، ولا عبرة بالعادة فيما يمكن أن يكون حيضًا . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ) ، وفي رواية ( فإذا أدبرت ) - فقد اختلف العلماء في تأويله ، فتأوله الأكثرون ، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم ، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا ، بعضه أسود وبعضه غير ذَلِكَ ، فردها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين . فإذا أقبل ذَلِكَ الدم تركت الصلاة ، فإذا أدبر وجاء دم غيره فإنها تغتسل وتصلي . وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى من طريق محمد بن أبي عدي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حبيش ، أنها كانت تستحاض ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانَ دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف ، فإذا كانَ ذَلِكَ فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كانَ الآخر فتوضئي وصلي ؛ فإنما هوَ عرق ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . وقال الدارقطني : رواته كلهم ثقات . وقد تكلم فيهِ آخرون : قالَ النسائي : روى هذا الحديث غير واحد ، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ، فقالَ : لم يتابع محمد ابن عمرو على هذه الرواية ، وهو منكر . وأيضًا فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده ، فقيل : عنه - كما ذكرنا . وقيل : عنه في إسناده ، عن عروة ، عن عائشة . وقيل : إن روايته عن عروة ، عن فاطمة - أصح ؛ لأنها في كتابه كذلك . وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة . وفي ( سنن أبي داود ) من رواية سهيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسماء بنت عميس - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ في أمر فاطمة بنت أبي حبيش : ( لتجلس في مركن ، فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسل ) . وفي إسناده اختلاف . وقد قيل : إن الصحيح فيهِ عن عروة ، عن فاطمة . وفي بعض ألفاظه : ( فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت تقعد ، ثم تغتسل ) . والأظهر - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز ؛ لقوله : ( فإذا ذهب عنك قدرها ) ، كذا في رواية مالك ، عن هشام . وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب . وقد تأولها بعض المالكية على أنها كانت مميزة ، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض ، فتجلس منه قدر العادة . وقال بعضهم : المراد بقدرها ذهاب دمها وانقضاؤها . وتأوله بعضهم على أن المراد بذهاب قدرها الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك . وكل هذه تأويلات بعيدةٌ تخالف ظاهر اللفظ . وفي رواية أبي أسامة عن هشام ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي ) . وقد خرجها البخاري فيما بعد . وهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز . وخرج مسلم من حديث عراك بن مالك ، عن عروة ، عن عائشة - أن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي وصلي ) . وفي رواية : أنها شكت إليه الدم . وروى مالك ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر [قبل أن يصيبها الذي أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذَلِكَ من الشهر] . فإذا خلفت ذَلِكَ فلتغتسل ، ثم لتستثفر بثوب ، ثم لتصل ) . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وخرجه الإمام أحمد والنسائي أيضا وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع - بنحوه . وخرجه أبو داود أيضا من رواية الليث ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار - أن رجلًا أخبره عن أم سلمة . ومن طريق أبي ضمرة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن سليمان ، عن رجل من الأنصار ، أن امرأة كانت تُهراق الدماء - فذكره بمعناه . فتبين بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة . وروى أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( إنه ليس بالحيضة ، ولكنه عرق ) ، وأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، أو قدر حيضها ، ثم تغتسل . فإن غلبها الدم استثفرت بثوب ، وصلت . فهذه الرواية تشهد لما ذكرناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رد فاطمة إلى العادة . وكذلك روى المنذر بن المغيرة ، عن عروة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه الدم ، فقالَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ عرقٌ ، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي . فإذا مر قرؤك فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددة أنه أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل . وهذه النصوص كلها تدل على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبل الاستحاضة . والمستحاضة لها أربعة أحوال : الحالة الأولى : أن تكون مميزة ، وهي التي دمها مميز ، بعضه أسود وبعضه أحمر أو أصفر . والحالة الثانية : أن تكون معتادة ، وهي التي لها عادة معلومة من الشهر تعرفها . والحالة الثالثة : أن تجتمع لها عادة وتمييز ، وتختلفان . والحالة الرابعة : أن لا تكون لها عادة ولا تمييز ، مثل أن يكون دمها كله لونه واحد ، وليس لها عادة ؛ إما بأن تكون قد استحيضت وهي مبتدأة ، أو كانت لها عادة ونسيتها . وقد اختلف العلماء في حكم ذَلِكَ ، فذهب الشافعي وأحمد إلى اعتبار التمييز والعادة معًا ؛ فإن انفرد أحدهما عملت به بغير خلاف عنهما ، وإن اجتمعا واختلفا ففيه قولان : أحدهما : تقدم التمييز على العادة ، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد اختارها الخرقي . والثاني : تقدم العادة على التمييز ، وهو المشهور عن أحمد ، وعليه أكثر أصحابه ، وهو قول إسحاق والإصطخري وابن خيران من الشافعية . وهو قول الأوزاعي حتى إنه قدم رجوعها إلى عادة نسائها على تمييز الدم . وذهب مالك إلى أن لا اعتبار بالعادة ، وأن العمل على التمييز وحده ، فإن لم يكن لها تمييز فإنها لا تترك الصلاة أصلًا ، بل تصلي أبدًا ، ويلزمها الغسل لكل صلاة في الوقت لاحتمال انقطاع الحيضة فيهِ . ومذهب أبي حنيفة وسفيان أن الاعتبار بالعادة وحدها دون التمييز ، فإن لم يكن لها عادة فإنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . وأما من لا عادة لها ولا تمييز فإذا كانت ناسيةً فذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة ، تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . ومذهب مالك أنها تقعد التمييز أبدًا ، وتغتسل لكل صلاة كما تقدم . وللشافعي فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تجلس أقل الحيض . والثاني : تجلس غالبه ستًا أو سبعًا . والثالث ، وهو الصحيح عندَ أصحابه كقول مالك - أنها لا تجلس شيئًا ، بل تغتسل لكل صلاة وتصلي . ومذهب أحمد أن الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء ستًا أو سبعًا من كل شهر ، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ، هذا هوَ المشهور عنه . وحكي عنه رواية أنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . ورواية ثالثة أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها ، ثم تغتسل وتصلي . وأما المبتدأة إذا استحيضت فإذا كانت مميزة فإنها تُرد إلى تمييزها عندَ الشافعي وأحمد وإسحاق ، وإن لم يكن لها تمييز فعن أحمد فيها أربع روايات : إحداهن : تجلس أقل الحيض . والثانية : أكثره . والثالثة : غالبه ، وهو ست أو سبع . والرابعة : عادة نسائها . وللشافعي قولان : أحدهما : تجلس أقله ، والثاني : غالبه . وقال أبو حنيفة : تجلس أكثر الحيض ، بخلاف قوله في الناسية . وعن مالك روايات : إحداهن : تجلس أكثر الحيض . والثانية : تجلس عادة لداتها وأقرانها . والثالثة : تجلس عادتهن وتستطهر بعدها بثلاث . وحكي عنه رواية أخرى أنها لا تجلس شيئًا أصلًا . هذا في أول شهر ، فأما ما بعده فلا تجلس فيهِ أصلًا ، بل تغتسل وتصلي أبدًا إذا لم يكن لها التمييز . وقال عطاء والأوزاعي ، والثوري في المشهور عنه : تجلس عادة نسائها وأقاربها ، فإن لم يكن لها أقارب جلست غالب حيض النساء : ستًا أو سبعًا . وقد ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في رد المستحاضة إلى غالب حيض الحُيض من رواية حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه - فذكرت الحديث ، إلى أن قالت : قالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ من الشيطان ، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله عز وجل ، ثم اغتسلي ) ، وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه . وفي رواية لأبي داود : ( وكذلك فافعلي في كل شهر ، كما تحيض النساء ، وكما يطهرن ) . وقال الترمذي : حسن صحيح . قالَ : وسألت محمدًا - يعني : البخاري - عنه ، فقالَ : هوَ حديث حسن . وكذا قالَ أحمد بن حنبل : هوَ حسن صحيح . هذا ما ذكره الترمذي . ونقل حرب عن أحمد [أنه] قالَ : نذهب إليه ، ما أحسنه من حديث ! واحتج به إسحاق وأبو عبيد ، وأخذا به . وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن منْده ، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل ؛ فإنه تفرد بروايته . والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به ، وقال : ليس بشيء . وقال مرة : ليس عندي بذلك ، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا . وقال مرة : في نفسي منه شيء . ولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به . والله أعلم . وقد اختلف الناس في حمنة : هل كانت مبتدأة ؟ أو كانت معتادة ناسية لعادتها ؟ أو معتادةً ذاكرةً لعادتها ؟ فمنهم من قالَ : كانت مبتدأةً ، ورجحه الخطابي وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم ، وضعفه الإمام أحمد بأن حمنة كانت امرأةً كبيرة ، لم تكن صغيرة . ومنهم من قالَ : كانت ناسيةً لعادتها ولا تمييز لها ، وعلى هذا حمله الإمام أحمد على رواية أخذه بالحديث ، وأصحابه الذين أخذوا به كأبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر ابن جعفر . ومنهم من حمله على أنها كانت معتادةً عالمة بالعادة ، وهو اختيار الشافعي في ( الأم ) . واختلف أصحابه على هذا : كيف ردها إلى ست أو سبع ؛ فمنهم من قالَ : إنما ردها إلى ما تذكره من عادتها من الست أو السبع . ومنهم من قالَ : كانت عادتها في الشهور مختلفة ؛ ففي بعضها كانت تحيض ستًا ، وفي بعضها سبعًا ، فردها إلى عادتها في ذَلِكَ . وقد حمل طائفة من أصحابنا حديث حمنة على مثل ذَلِكَ بناءً على أن المبتدأة والناسية لا تجلسان أكثر من أقل الحيض ، ولكن المنصوص عن أحمد وهو قول أبي بكر وغيره : إنا لا نقول : إن الناسية تجلس أقل الحيض إلا لتضعيفنا إسناد حديث حمنة لا لتأويله . وممن رجح تأويله ابن أبي موسى في ( شرح الخرقي ) ، وقال : نحمله على أن الست كانت عادتها ، وشكت في اليوم السابع ، فردها إلى عادتها المتيقنة ، وردها في اليوم المشكوك فيهِ إلى التحري فيهِ والاجتهاد . وأما قوله : ( فإذا أدبرت ) ، أو ( فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ) ، وفي رواية أخرى ( فاغتسلي وصلي ) - فإنه يجمع بين الروايتين ويؤخذ بهما في وجوب غسل الدم والاغتسال عندَ ذهاب الحيض . وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به في رواية خرجها النسائي من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن فاطمة بنت قيس من [ بني] أسد قريش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ لها : ( اغتسلي ، واغسلي عنك الدم ، وصلي ) . قالَ الطبراني : فاطمة بنت قيس هذه هي بنت أبي حبيش ، واسمه : قيس . قالَ : وليست فاطمة بنت قيس الفهرية التي روت قصة طلاقها . وقال الدارقطني في ( علله ) : وهم الأوزاعي في قوله : ( بنت قيس ) ، إنما هي بنت أبي حبيش . وكذلك رواه أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لفاطمة : ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، ثم اغتسلي ) . ورواه حماد بن سلمة ، عن هشام ، وقال فيهِ : ( فاغسلي عنك الدم ، وتطهري ، وصلي ) . والغسل عندَ انقضاء حيض المستحاضة المحكوم به لا بد منه ، كما لو طهرت من الحيض . وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة : ( اغسلي عنك الدم ، وصلي ) ، وقال : لا غُسل عليها ، إنما عليها أن تغسل الدم وتصلي . وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد ، ولم يسم من قاله ، فأنكره الإمام أحمد ، وقال : الغسل لا بد منه . وفسر سفيان الثوري قوله : ( اغسلي عنك الدم ) - أنها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنه حيضها ، ثم رأت دمًا ، فإنها تغسل الدم [وتصلي] ؛ فإنه دم استحاضة لا يمنع الصلاة وإنما تغسله وتتحفظ منه فقط . ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم ، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب ، والمراد به التلجم بالثوب والتحفظ به . وقد اختلف العلماء : هل يجب الغسل عليها لكل صلاة - على قولين ، وأكثر العلماء على أن ذَلِكَ ليس بواجب . وربما تذكر المسألة مستوفاةً فيما بعد إن شاء الله تعالى . وكذلك اختلفوا : هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة ؟ وفيه قولان ، هما روايتان عن أحمد . وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار ، أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور . لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة ؛ فإن الأمر الاغتسال ، وغسل الدم إنما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها . فإذا قيل : إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عندَ إدبار كل حيضة فقط . وقوله : ( وصلي ) - أمر بالصلاة بعد إدبار الحيضة حيث نهاها عن الصلاة في وقت إقبالها ، والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ ، عندَ كثير من الفقهاء . وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض ، فكذلك بعدها . وأما على قول من يقول : لا يقتضي غير الإباحة - فقد يقال : إن هذا الأمر اقتضى إطلاق الصلاة والإذن فيها بعد حظرها ، فصارت الصلاة مباحة بعد حظرها ؛ فإن كانت نافلة فهي غير محظورة ، وإن كانت مفروضة اكتفي في الاستدلال على فرضيتها بالأدلة العامة الدالة على افتراض الصلاة على كل مسلم . وإنما خرج من ذَلِكَ حال الحيض بمثل هذا الحديث وشبهه ، وإطلاقه صلى الله عليه وسلم دليل على أنها في حكم الطاهرات في جميع العبادات التي يمنع منها الحيض . هذا قول جمهور العلماء ، وشذ منهم من قالَ باختصاص الإذن بالصلاة خاصةً . وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى . وقد زاد قوم من الرواة في حديث عائشة الأمر بالوضوء ، منهم حماد بن زيد عن هشام . خرجه النسائي من طريقه ، وقال فيهِ : ( فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي ؛ فإنما ذَلِكَ عرق ) . قالَ النسائي : لا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث ( وتوضئي ) غير حماد بن زيد . وقد خرج مسلم حديثه هذا ، وقال : في حديث حماد بن زيد زيادة حرفٍ تركنا ذكره ، يعني : قوله : ( توضئي ) . قالَ البيهقي : هذه الرواية غير محفوظة . وفي رواية أخرى عن حماد بن زيد في هذا الحديث : ( فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي ) . فقيل لحماد : فالغسل ؟ قالَ : ومن يشك أن في ذَلِكَ غسلًا واحدًا بعد الحيضة . وقال حماد : قالَ أيوب : أرأيت لو خرج من جيبها دمٌ ، أتغتسل ؟ يشير أيوب إلى أنها لا تغتسل لكل صلاة . قالَ ابن عبد البر : جود حماد بن زيد لفظه . يعني : بذكر الوضوء . وهذا يدل على أنه رآه محفوظًا ، وليس كَما قالَ . وقد رويت لفظة ( الوضوء ) من طريق حماد بن سلمة ، عَن هشام . خرجه الطحاوي من طريق حجاج بن منهال ، عَن حماد . ورواه عفان عَن حماد ، ولفظه : ( فاغسلي عنك الدم ، ثم تطهري وصلي ) . قالَ هشام : كانَ عروة يقول : ( الغسل ) الأول ، ثم قالَ بعد : ( والطهر ) . وكذلك رويت من طريق أبي معاوية ، عَن هشام . خرجه الترمذي عَن هناد ، عَنهُ . وقال : قالَ أبو معاوية في حديثه : وقال : ( توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . والصواب أن هَذا من قول عروة ، كذلك خرجه البخاري في ( كِتابِ الوضوء ) عَن محمد بن سلام ، عَن أبي معاوية ، عَن هشام - فذكر الحديث ، وقال في آخره : قالَ : وقال أبي : ( ثُم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . وكذلك رواه يعقوب الدورقي ، عَن أبي معاوية ، وفي حديثه : ( فإذا أدبرت فاغسلي الدم ، ثم اغتسلي ) . قالَ هشام : قالَ أبي : ( ثُم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . وخرجه إسحاق بن راهويه ، عن أبي معاوية ، وقال في حديثه : قالَ هشام : قالَ أبي : ( وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . وكذلك روى الحديث عيسى بن يونس ، عَن هشام . وقال في آخر الحديث : وقال هشام : ( تتوضأ لكل صلاة ) . وذكر الدارقطني في ( العلل ) أن لفظة ( توضئي لكل صلاة ) رواها أيضا عَن هشام أبو حنيفة ، وأبو حمزة السكري ، ومحمد بن عجلان ، ويحيى بن سليم . قلت : وكذلك رواه أبو عوانة ، عَن هشام ، ولفظ حديثه : ( المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ، وتغتسل غسلًا واحدًا ، وتتوضأ لكل صلاة ) . قلت : والصواب أن لفظة ( الوضوء ) مدرجة في الحديث من قول عروة . وكذلك روى مالك ، عَن هشام ، عَن أبيه ، أنه قالَ : ( ليسَ على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلًا واحدًا ، ثم تتوضأ بعد ذَلِكَ لكل صلاة ) . قالَ مالك : والأمر عندنا على حديث هشام ، عَن أبيه ، وَهوَ أحب ما سمعت إلي . قالَ ابن عبد البر : والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ الوجوب . قالَ : وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا ذهب قدرها فاغتسلي ، وصلي ) ، ولم يذكر وضوءًا . قالَ : وممن قالَ بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب ربيعة ، وعكرمة ، ومالك ، وأيوب ، وطائفة . قالَ : وأما الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة فكلها مضطربة ، لا تجب بمثلها حجة . انتهى . وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة ، وربما تأتي الإشارة إليها في موضع آخر إن شاء الله تعالى . وإنما المراد هنا أحاديث الوضوء لكل صلاة ، وقد رويت من وجوه متعددة ، وهي مضطربة أيضا ومعللة ، تقدم بعضها . ومن أشهرها رواية الأعمش ، عَن حبيب بن أبي ثابت ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ، فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قالَ : ( لا ، اجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . وقال أبو داود : هوَ حديث ضعيف لا يصح ، وقالَ : ليسَ بصحيح ، وَهوَ خطأ من الأعمش . وقال الدارقطني : لا يصح . وقد روي موقوفًا على عائشة ، وَهوَ أصح عند الأكثرين . وروى هشيم : نا أبو بشر ، عَن عكرمة - أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنظر أيام أقرائها ، ثم تغتسل وتصلي ، فإن رأت شيئًا من ذَلِكَ توضأت وصلت . خرجه أبو داود . والظاهر أنهُ مرسل ، وقد يكون آخره موقوفًا على عكرمة من قوله ، والله أعلم . وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَن جماعة من الصحابة ، منهُم علي ، ومعاذ ، وابن عباس ، وعائشة . وَهوَ قول سعيد بن المسيب ، وعروة ، وأبي جعفر . ومذهب أكثر العلماء ، كالثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وغيرهم . لكن منهُم من يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي . ومنهم من يرى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة ، وتصلي بها ما شاءت من فرائض ونوافل حتى يخرج الوقت . وَهوَ قول أبي حنيفة ، والمشهور عَن أحمد ، وَهوَ أيضا قول الأوزاعي والليث وإسحاق . وقد سبق ذكر قول من لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة ، كمالك وغيره . وهكذا الاختلاف في كل من بهِ حدث دائم لا ينقطع ، كمن بهِ رعاف دائم أو سلس البول ، أو [الريح] ، ونحو ذَلِكَ . وعن مالك رواية بوجوب الوضوء كقول الجمهور .
4 - باب من سمى النفاس حيضًا 298 - حدثنا المكي بن إبراهيم : نا هشام ، عَن يحيى بن أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، أن زينب بنت أم سلمة حدثته ، أن أم سلمة حدثتها ، قالت : بينا أنا معَ النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقالَ : ( أنفست ؟ ) فقلت : نعم ، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة . مكي بن إبراهيم أكبر شيخ للبخاري ، وَهوَ في طبقة مالك ، ويروي عَن هشام بن عروة وغيره من الأكابر . وقد أسقط بعض الرواة من إسناد هَذا الحديث ( زينب بنت أبي سلمة ) ، وجعله عَن أبي سلمة ، عَن أم سلمة ، والصواب ذكر ( زينب ) فيهِ . وقد تقدم حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي في الحج وهي تبكي ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قالت : نعم . ظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على أن الحيض يسمى نفاسًا . وقد بوب البخاري على عكس ذَلِكَ ، وأن النفاس يسمى حيضًا ، وكأن مراده : إذا سمي الحيض نفاسًا فقد ثبت لأحدهما اسم الآخر ، فيسمى كل واحد منهُما باسم الآخر ، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر . ولا شك أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض ، ويوجب ما يوجب الحيض إلا في الاعتداد بهِ ؛ فإنها لا تعتد بهِ المطلقة قرءًا ، ولا تستبرأ بهِ الأمة . وقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في الجملة . وقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض . وَهوَ قول لَم يسبق إليه ، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقًا لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه . وقريب من هَذا ما نقل حرب في ( مسائله ) ، قالَ : قلت لإسحاق : رجل قالَ لامرأته : إذا حضت فأنت طالق ، فولدت ، هل يكون دم النفاس حيضًا ؟ قالَ : تطلق ؛ لأن دم النفاس حيض ، إلا أن يقصد حين يحلف قصد الحيض . وذكر حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها في الحج : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) انتهى . وهذا يرده أنهُ لو كانَ دم النفاس حيضًا لاعتدت بهِ المطلقة قرءًا ، ولا قائل بذلك ، بل قَد حكى أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما الإجماع على خلافه . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قالَ القرطبي : قيدناه بضم النون وبفتحها ، قالَ الهروي وغيره : نفست المرأة ونفست إذا ولدت ، يعني : بالوجهين : فتح النون وضمها . قالَ : وإذا حاضت [قيل] : نفست بفتح النون لا غير . فعلى هَذا يكون ضم النون هنا خطأ ؛ فإن المراد بهِ الحيض قطعًا ، لكن حكى أبو حاتم عَن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة ، وذكر ذَلِكَ غير واحد . فعلى هَذا تصح الروايتان ، وأصل ذَلِكَ كله من خروج الدم ، وَهوَ المسمى نفسًا . انتهى . وقال الخطابي : ترجم أبو عبد الله هَذا الباب بقولِهِ : ( من سمى النفاس حيضًا ) ، والذي ظنه من ذَلِكَ وهم . قالَ : وأصل هَذهِ الكلمة من النفس ، وَهوَ الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس ، فقالوا : نفست المرأة بفتح النون وكسر الفاء - إذا حاضت ، ونفست بضم النون وكسر الفاء ، على وزن الفعل المجهول ، فهي نفساء - إذا ولدت . انتهى . ومراده أن الرواية في هَذا الحديث هي بفتح النون ليسَ إلا ، وأن ذَلِكَ لا يراد بهِ إلا الحيض . وعلى ما ذكره القرطبي أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين ، وأن الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين - لا يحكم على البخاري بالوهم . ثم قالَ الخطابي : الحيضة بكسر الحاء التحيض ، كالقعدة والجلسة ، أي : الحالة التي تلزمها الحائض من اجتناب الأمور وتوقيها . يشير إلى قول أم سلمة : ( فأخذت ثياب حيضتي ) ، أنها بكسر الحاء . وأنكر غيره ذَلِكَ ، وقال : إنما الرواية بفتح الحاء ، والمراد ثياب الحيض . قالَ الخطابي : والخميصة : كساء أسود ، وربما كانَ لَهُ علم ، أو فيهِ خطوط . والخميلة : ثوب من صوف لَهُ خمل . وروى ابن لهيعة : نا يزيد بن أبي حبيب ، عَن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت ، عَن خبيب بن عبد الله بن الزبير ، عَن عائشة ، قالت : طرقتني الحيضة من الليل وأنا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتأخرت ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : لا ، ولكن حضت ، قالَ : ( فشدي عليك إزارك ، ثم عودي ) . خرجه الإمام أحمد . وَهوَ غريب جدا .
والثاني : 308 - حديث ابن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره ، ثم تصلي فيهِ . وقد ذكرناه أيضا في الباب المشار إليهِ ، وذكرنا ما فيهِ من الفوائد .
9 - باب غسل دم المحيض خرج فيهِ حديثين : أحدهما : 307 - حديث مالك ، عَن هشام ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء ، قالت : سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة ، كيف تصنع ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ، [ثُم] لتنضحه بماء ، ثم لتصلي فيهِ ) . وقد تقدم تخريجه لهذا الحديث في أواخر ( كِتابِ الوضوء ) من حديث يحيى القطان ، عَن هشام بمعناه ، في ( باب غسل الدم ) ، وتقدم الكلام عليهِ هناك بما فيهِ كفاية .
1 - باب كيف كانَ بدء الحيض ؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) . وقال بعضهم : كانَ أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل . قالَ أبو عبد الله : وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر . أما من قالَ : أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل فقد روي ذَلِكَ عَن حماد بن سلمة ، عَن هشام بن عروة ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل ؛ لأنهن كن اتخذن أرجلًا من خشب يتطاولن بها في المساجد . وأما ما رجحه البخاري من أن الحيض لَم يزل في النساء منذ خلقهن الله فهوَ المروي عَن جمهور السلف : قالَ عمرو بن محمد العنقزي : نا عباد بن العوام ، عَن سفيان بن حسين ، عَن يعلى بن مسلم ، عَن سعيد بن جبير ، عَن ابن عباس ، قالَ : لما أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها قالَ الله لَهُ : ( ما حملك على أن عصيتني ؟ ) قالَ : ربِّ ، زينته لي حواء ! قالَ : ( فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرها ، ولا تضع إلا كرهًا ، ودميتها في الشهر مرتين ) . فلما سمعت حواء ذَلِكَ رنت ، فقالَ لها : عليك الرنة وعلى بناتك . وروى ابن جرير في ( تفسيره ) : نا يونس ، نا ابن وهب ، عَن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ - قالَ : المطهرة التي لا تحيض ، قالَ : وكذلك خلقت حواء عليها السلام حتى عصت ، فلما عصت قالَ الله تعالى : ( إني خلقتك مطهرة ، وسأدميك كَما أدميت هَذهِ الشجرة ) . وقد استدل البخاري لذلك بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) ، وَهوَ استدلال ظاهر حسن . ونظيره : استدلال الحسن على إبطال قول من قالَ : أول من رأى الشيب إبراهيم - بعموم قول الله عز وجل : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً
294 - حدثنا علي بن عبد الله المديني : نا سفيان ، قالَ : سمعت عبد الرحمن بن القاسم ، قالَ : سمعت القاسم يقول : سمعت عائشة تقول : خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما كنت بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : نعم . قالَ : ( إن هَذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت ) . قالت : وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن نسائه بالبقر . هَذا إسناد شريف جدًا ؛ لجلالة رواته ، وتصريحهم كلهم بسماع بعضهم من بعض ، فلهذا صدر بهِ البخاري ( كِتابِ الحيض ) . وفيه اللفظة التي استدل بها البخاري على أن الحيض لازم للنساء منذ خلقهن الله ، وأنه لَم يحدث في بني إسرائيل كَما تقدم . وقد رويت هَذهِ اللفظة أيضا عَن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ ذَلِكَ لعائشة في الحج - بمعنى حديث عائشة . خرجه مسلم في ( صحيحه ) . ورويت أيضا عَن أم سلمة ، من رواية محمد بن عمرو : نا أبو سلمة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحافه ، فوجدت ما تجد النساء من الحيضة ، فانسللت من اللحاف . فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قلت : وجدت ما تجد النساء من الحيضة ! قالَ : ( ذاك ما كتب الله على بنات آدم ) . قالت : فانسللت ، فأصلحت من شأني ، ثم رجعت ، فقالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تعالي فادخلي معي في اللحاف ) . قالت : فدخلت معه . خرجه [ ] ابن ماجه . ومعنى : ( كتب الله على بنات آدم ) - أنهُ قضى بهِ عليهن وألزمهن إياه ، فهن متعبدات بالصبر عليهِ . وجاء في رواية للإمام أحمد من رواية الأوزاعي ، عَن أبي عبيد ، عَن عائشة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، في هَذا الحديث أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أحسب النساء خلقن إلا للشر ! قالَ : ( لا ، ولكنه شيء ابتلي بهِ نساء بني آدم ) . ولفظ ( الكتابة ) يدل على اللزوم والثبوت ؛ إما شرعًا كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ أو قدرًا كقوله : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وهذا الحديث من هَذا القبيل .
6 - باب ترك الحائض الصوم 304 - حدثنا سعيد بن أبي مريم : نا محمد بن جعفر : أخبرني زيد هوَ ابن أسلم ، عَن عياض بن عبد الله ، عَن أبي سعيد الخدري ، قالَ : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى ، فمر على النساء ، فقالَ : ( يا معشر النساء ، تصدقن ؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار ! ) فقلن : وبم يا رسول الله ؟ قالَ : ( تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ) . قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قالَ : ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ ) قلن : بلى ، قالَ : ( فذلك من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ ) قلن : بلى ، قالَ : ( فذلك [من] نقصان دينها ) . قَد سبق هَذا الحديث في ( كِتابِ الإيمان ) ، استدل بهِ البخاري هناك على أن الصلاة والصيام من الدين ، واستدل بهِ هنا على أن الحائض لا تصوم . ولم يبوب على ترك الصلاة ؛ لأنه بوب على أنها لا تقضي الصلاة بابًا مفردًا يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . وقد أجمعت الأمة على أن الحائض لا تصوم في أيام حيضها ، وأن صومها غير صحيح ولا معتد بهِ ، وأن عليها قضاء الصوم إذا طهرت . واختلف المتكلمون في أصول الفقه : هل هي مكلفة بالصوم في حال حيضها ؟ أم لا تؤمر بهِ إلا بعد طهرها ؟ وقال كثير من الفقهاء : إنهُ لا تظهر لهذا الاختلاف فائدة . وقد تظهر لَهُ فائدة ، وهي أن الحائض إذا ماتت قبل انقطاع دمها ، فهل يجب أن يطعم عنها لكل يوم أفطرت فيهِ ؟ وكذا المريض والمسافر إذا ماتا قبل زوال عذرهما ، على قول من أوجب الإطعام عَن الميت مطلقًا وإن مات قبل التمكن من الصوم . وإذا انقطع دم الحائض فالجمهور على أن حكمها حكم الجنب يصح صومها ، والمخالف في صوم الجنب يخالف في الحائض بطريق الأولى . ومن الناس من قالَ في الحائض : لا يصح صيامها حتى تغتسل وإن صح صوم الجنب . وحكي عَن الأوزاعي ، والحسن بن صالح ، والعنبري ، وعبد الملك بن الماجشون ، وغيرهم . وقد حكاه بعض أصحابنا المتأخرين وجهًا في الحائض إذا انقطع دمها أنهُ لا يصح صومها ، ولم يحك مثله في الجنب . ووجه الفرق أن حدث الحيض مانع من صحة الصيام بخلاف الجنابة ؛ فإنه لو احتلم الصائم لَم يبطل صيامه ، ولو طرأ الحيض في أثناء النهار بطل الصوم .
30 - باب خرج فيهِ : 333 - من حديث سليمان الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، قالَ : سمعت خالتي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي ، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي على خمرته ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه . في هذا الحديث دلالة على طهارة ثياب الحائض التي تلبسها في حال حيضها ، وأن المصلي إذا أصابه شيء من ثيابها في تلك الحال لم تفسد صلاته . وقد سبق هذا المعنى مستوفى في ( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ ) والظاهر أن مراد ميمونة في هذا الحديث مسجد بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانَ يصلي فيهِ من بيته ؛ لأن ميمونة لا تفترش إلا بحذاء هذا المسجد ، ولم ترد - والله أعلم - مسجد المدينة . وتأتي باقي فوائد الحديث في ( كتاب الصلاة ) إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث منبوذ ، عن أمه ، عن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر إحدانا ، يتلو القرآن وهي حائض ، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض . والظاهر حمله أيضا على مسجد البيت ، ويشهد لهُ أن الإمام أحمد خرجه بلفظ آخر عن ميمونة قالت : كانت إحدانا تقوم وهي حائض ، فتبسط لهُ خمرةً في مصلاه ، فيصلي عليها في بيتي . وكذلك ما خرجه مسلم من حديث عائشة ، قالت : قالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ناوليني الخمرة من المسجد ) . قلت : إني حائض ؟ قالَ : ( إن حيضتك ليست في يدك ) . ومساجد البيوت لا يثبت لها أحكام المساجد عندَ جمهور العلماء ، فلا يمنع الجنب والحائض منها ، خلافًا لإسحاق في ذَلِكَ . ومن حمل حديث ميمونة وعائشة على مسجد المدينة استدل بحديثهما على أن الحائض لها أن تمر في المسجد لحاجة إذا أمنت تلويثه . وحكي ذَلِكَ عن طائفة من السلف ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وهو قول الشافعي وأحمد . واختلف أصحابنا : هل يباح لها الدخول لأخذ شيء ووضعه ؟ أم لا يباح إلا للأخذ خاصة ؟ على وجهين . ونص أحمد على أنه لا يباح إلا للأخذ خاصة في رواية حنبل . وقال إسحاق : هما سواء . وحديث ميمونة فيهِ الدخول لبسط الخمرة ، وهو دخول لوضع . وكل من منع الجنب من المرور في المسجد لغير ضرورة منع منه الحائض ، وأولى ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك وإسحاق . ومنهم من أباحه للجنب دون الحائض كالأوزاعي ، ومالك في رواية ؛ لأن حدث الحيض أفحش من الجنابة وأغلظ . وحكى ابن عقيل وجهًا لأصحابنا بمثل ذَلِكَ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
10 - باب اعتكاف المستحاضة خرج فيهِ حديث عكرمة ، عَن عائشة من ثلاثة طرق : أحدها : قال : 309 - نا إسحاق بن شاهين : نا خالد بن عبد الله ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه ، وهي مستحاضة ترى الدم ، وربما وضعت الطست تحتها من الدم . وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر ، فقالت : كأن هَذا شيء كانت فلانة تجده . خالد بن عبد الله هوَ الطحان الواسطي ، وشيخه خالد هوَ الحذاء . والثاني : قالَ : 310 - ثنا قتيبة : نا يزيد بن زريع ، عَن خالد يعني : الحذّاء ، عَن عكرمة ، عَن عائشة ، قالت : اعتكفت معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه ، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها ، وهي تصلي . والثالث : قالَ : 311 - نا مسدد : نا معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة - أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة . وهذه الرواية ليسَ فيها تصريح برفعه ؛ فإنه ليسَ فيها أن ذَلِكَ كانَ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أنهُ كانَ معها . وفي إسناده اختلاف أيضًا ؛ فإن عبد الوهاب الثقفي [رواه] عَن خالد ، عَن عكرمة - أن عائشة قالت . [وهذه] الرواية تشعر بأنهُ لَم يسمعه منها . وروي عَن معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن ابن عباس . وهو وهم ، قاله الدارقطني . وهذا الحديث يدل على أن المستحاضة من أهل العبادات كالطاهرة ، فكما أنها تصلي فإنها تصوم ، وتعتكف ، وتجلس في المسجد ، وتقرأ القرآن ، وتمس المصحف ، وتطوف بالبيت ؛ فإن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم غالبه كانَ في شهر رمضان ، فلو كانت المستحاضة كالحائض لا تصوم لَم تعتكف ، لا سيما على رأي من يقول : إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم . وقد حكى إسحاق بن راهويه إجماع المسلمين على ذَلِكَ . وروى عبد الرزاق ، عَن ابن جريج ، عَن الثوري ، عَن جابر ، عَن أبي جعفر ، قالَ : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إني استحضت في غير قرئي ! قالَ : ( فاحتشي كرسفًا ، وصومي ، وصلي ، واقضي ما عليك ) . وهذا مرسل . وفيه خلاف شاذ . روى عبد الرزاق ، عَن الثوري ، عَن منصور ، عَن إبراهيم ، قالَ : المستحاضة لا تصوم ، ولا يأتيها زوجها ، ولا تمس المصحف . وعن معمر ، عَن أيوب ، قالَ : سئل سليمان بن يسار : أيصيب المستحاضة زوجها ؟ قالَ : إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة . ونقل صالح بن أحمد ، عَن أبيه في المستحاضة : لا تطوف بالبيت ، إلا أن تطول بها الاستحاضة . قالَ أبو حفص العكبري : لعلها غلط من الراوي ؛ فإن الصحيح عَن أحمد أن المستحاضة بمنزلة الطاهرة تطوف بالبيت . قالَ في رواية الميموني : المستحاضة أحكامها أحكام الطاهرة في عدتها وصلاتها وحجها وجميع أمرها . ونقل عَنهُ ابن منصور : تطوف بالبيت . وأما ما وقع في رواية صالح أنها لا تطوف إلا أن يطول بها فلعله اشتبه على الراوي الطواف بالوطء ؛ فإن ابن منصور نقل عَن أحمد ذَلِكَ في الوطء ، وصالح وابن منصور متفقان في نقل المسائل عَن أحمد في الغالب . ولكن قَد روي عَن ابن عمر ما يشعر بمنع المستحاضة من الطواف ، فروى عبد الرزاق ، عَن معمر ، عَن واصل مولى ابن عيينة عَن رجل سأل ابن عمر عَن امرأة تطاول بها الدم ، فأرادت تنفر ، وأرادت تشرب دواء ليقطع عنها الدم ! قالَ : لا بأس بهِ . ونعت ابن عمر لها ماء الأراك . وقال ابن جريج ، عَن عطاء ، أنهُ لَم ير بهِ بأسًا . قالَ معمر : وسمعت [ ابن] أبي نجيح يسأل عَن ذَلِكَ ، فلم ير بهِ بأسًا . فظاهر هَذا أن المستحاضة معَ تطاول الدم بها لا تطوف حتى ينقطع عنها الدم ، معَ أنهُ يُمكن حمله على تطاول دم الحيض ومجاوزته للعادة ، أو على أن الأولى للمستحاضة أن لا تطوف حتى ينقطع دمها . وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ . وقد خرجه عبد الرزاق في موضع آخر من ( كتابه ) ، وقال فيهِ : إن ابن عمر سئل عَن امرأة تطاول بها دم الحيضة . وممن رخص للمستحاضة في الطواف بالبيت ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم . قالَ سعيد بن المسيب : تقضي المناسك كلها . وَهوَ قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وجمهور العلماء . وفي حديث عائشة في اعتكاف المستحاضة ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عَن دم الحيض بلونه وصفرته ، وقد يتعلق بذلك من يقول باعتبار التمييز كَما تقدم .
29 - باب الصلاةِ على النفساءِ وسنتها خرج فيهِ : 332 - من حديث شعبة ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن سمرة بن جندب - أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام وسطها . لم يخرج البخاري في أحكام النفساء سوى هذا الحديث ، كأنه لم يصح عنده في أحكام النفاس حديث على شرطه . وليس في هذا الحديث سوى الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها . وقد اعترض الإسماعيلي على البخاري في ذَلِكَ ، وقال : ليس في الحديث إلا أنها ماتت في بطن ، والمراد أنها ماتت مبطونة ؛ فلا مدخل للحديث في النفاس بالكلية . وهذا الذي قاله غير صحيح ؛ فإنه قد خرجه البخاري في ( الجنائز ) ، ولفظه ( صلى على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام وسطها ) . وخرجه مسلم كذلك أيضا . ويؤخذ من هذا الحديث أن [دم] النفاس وإن كانَ يمنع النفساء من الصلاة ، فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ . وكذلك دم الحيض ، فإنه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما ، كما يصلى على الجنب إذا مات . وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ ، إلا أن يكون شهيدًا في معركة . فإن استشهد في معركة وكان عليهِ غسل جنابة أو حيض أو نفاس ، فهل يغسل أم لا ؟ فيهِ روايتان عن أحمد ، أشهرهما أنه يغسل . وعلى هذا فلو استشهدت من هي حائض أو نفساء في دمها قبل انقطاعه ففي غسلها وجهان ، بناهما الأصحاب على أن الموجب لغسل الحيض والنفاس هل هوَ خروج الدم ؟ أو انقطاعه ؟ ولو خرج البخاري هاهنا حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة أن تغتسل وتهل - لكان حسنًا ؛ فإنه يدل على أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج . وقد خرجه مسلم من حديث جابر وعائشة ، إلا أن حديث جابر ليس هوَ على شرط البخاري . ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه ، وقد حكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء ، منهم ابن جرير وغيره . واختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره : أما أقله فأكثرهم على أنه لا حد لهُ ، وأنها لو ولدت ورأت قطرة من دم كانت نفاسًا . وهو قول عطاء ، والشعبي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، ومحمد بن الحسن وغيرهم . وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وعن أبي حنيفة رواية : أقله خمسة وعشرون يومًا . وعن أبي يوسف : أقله أحد عشر يومًا . وعن الثوري رواية : أقله ثلاثة أيام كالحيض عنده ، وحكي عن أحمد رواية كذلك أن أقله ثلاثة أيام ، وحكي عنه رواية أن أقله يوم . وعن المزني : أقله أربعة أيام . وعن الحسن : أقله عشرون يومًا . وأما أكثره فأكثر العلماء على أن أكثره أربعون يومًا ، وحكاه بعضهم إجماعًا من الصحابة . قالَ إسحاق : هوَ السنة المجمع عليها . قالَ : ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين سنة ، إلا عن بعض التابعين . قالَ الطحاوي : لم يقل بالستين أحد من الصحابة ، إنما قاله بعض من بعدهم . وكذا ذكر ابن عبد البر ، وغير واحد . وممن روي عنه توقيته بالأربعين من الصحابة عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وأنس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة . وممن ذهب إلى هذا الثوري ، وابن المبارك ، والليث ، والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والمزني ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الحديث ، وحكاه الترمذي عن الشافعي ، وهو غريب عنه . وحكى الترمذي عن الحسن أن أكثره خمسون يومًا . وعن عطاء والشعبي : أكثره ستون يومًا . وقد اختلف فيهِ عن عطاء والحسن ، وروي عنهما : أكثره أربعون يومًا . وممن قالَ بالستين الشعبي ، والعنبري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وحكي رواية عن أحمد . وحكى الليث عن بعض العلماء أن أكثره سبعون يومًا . وقيل : لا حد لأكثره ، وإنما يرجع إلى عادات النساء ، وحكي عن الأوزاعي ، وهو رواية عن مالك . ونقل ابن القاسم أن مالكًا رجع إلى ذَلِكَ . وحكي عن ربيعة : أكثره ثلاثة أشهر . وقيل : أكثره من الغلام ثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون يومًا ، قاله مكحول ، وسعيد بن عبد العزيز ، وحكاه الأوزاعي عن أهل دمشق . وقيل : أكثره من الغلام خمسة وثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون ، رواه الخشني عن الأوزاعي . وحكي عن الضحاك : أكثره أربع عشرة ليلة . وفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف ، ومن أجودها ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث مسة الأزدية ، عن أم سلمة ، قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا . وخرجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو ( كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة ، لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس ) . وصححه الحاكم ، وفي متنه نكارة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يلد منهن أحد بعد فرض الصلاة ؛ فإن خديجة - عليها السلام - ماتت قبل أن تفرض الصلاة . ومتى انقطع الدم قبل بلوغ أكثره فهي طاهرة ، تصوم وتصلي . وهل يكره وطؤها ؟ أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما أنه يكره ، وهو مروي عن طائفة من الصحابة ، وأن النفساء لا توطأ إلا بعد الأربعين وإن انقطع دمها قبل ذَلِكَ ، منهم : علي ، وابن عباس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي أيضا عن مالك ، وسعيد بن عبد العزيز . وحكي عن أحمد تحريمه . وقال آخرون : لا يكره ذَلِكَ ، وهو قول الأوزاعي والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة : لا يكره إلا أن ينقطع دمها لدون عادتها ، فلا توطأ حتى تذهب أيام عادتها . وقال إسحاق : يكره احتياطا إلا أن ينقطع لعادة كانت لها فلا يكره ؛ لأن احتمال عوده حينئذ بعيد جدًا ، فهي كحائض انقطع دمها لعادتها لدون أكثر الحيض .
11 - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ 312 - حدثنا أبو نعيم : نا إبراهيم بن نافع ، عَن ابن أبي نجيح ، عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ ، فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها ، فمصعته بظفرها . وقد خرجه أبو داود ، عَن محمد بن كثير : نا إبراهيم - يعني : ابن نافع - قالَ : سمعت الحسن يذكر عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد فيهِ تحيض ، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ، ثم قصعته بريقها . فخالف في إسناده حيث جعل ( الحسن ) وَهوَ ابن مسلم بدل ( ابن أبي نجيح ) ، وفي متنه حيث قالَ : ( قصعته ) بالقاف . وكذا خرجه الإسماعيلي من حديث أبي حذيفة ، عن إبراهيم ، إلا أنهُ قالَ : ( قصعته بظفرها ) . وكأنه يشير إلى أن هَذهِ الرواية أصح من رواية البخاري . قالَ الخطابي : مصعته بظرفها ، أي : بالغت في حكه . وأصل المصع الضرب الشديد . قالَ : وروي ( قصعته ) أي : دلكته بالظفر ، وعالجته بهِ ، ومنه قصع القملة . وقد سبق الحديث الذِي خرجه البخاري من رواية عمرو بن الحارث ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها ، فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثم تصلي فيهِ . ولكن هَذا فيهِ غسل الدم . ورواه الأوزاعي ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أنها أفتت بذلك ، ولم يذكر حكاية فعلها من قبل . وخرج أبو داود من رواية ابن عيينة ، عَن ابن أبي نجيح ، [عَن عطاء ] ، عَن عائشة ، قالت : قَد كانَ يكون لإحدانا الدرع ، فيهِ تحيض ، وفيه تصيبها الجنابة . ثم ترى فيهِ قطرة من دم ، فتقصعه بريقها . فهذا أيضا فيهِ ذكر القصع بالريق كحديث مجاهد عَن عائشة ، ولكن فيهِ أن ذَلِكَ كانت تفعله بالقطرة من الدم ، فيحمل ذَلِكَ على أنها كانت ترى ذَلِكَ يسيرًا ، فيعفى عَن أثره ، ويحتمل أنها كانت ترى الريق مطهرًا ، فيكون فيهِ دلالة على طهارة النجاسة بغير الماء . وروى محمد بن سعد في ( طبقاته ) : أنا الواقدي : ثنا ابن أبي ذئب ، عَن صفية بنت زياد ، قالت : رأتني ميمونة وأنا أغسل ثوبي من الحيضة ، فقالت : ما كنا نفعل هَذا ، إنما كنا نحته حتًا . الواقدي ضعيف . ويحمل [على] أنهُ كانَ دمًا يسيرًا . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في ( كِتابِ الصلاة ) : نا حبيب بن أبي [ ] ، قالَ : حدثتني أختي ، عَن أم جرير ، أنها كانت في نسوة عند عائشة ، فقالت إحداهن : [يا] أم المؤمنين ، المرأة تحيض في الثوب ، ثم تطهر ، أتصلي فيهِ ؟ قالت : إن رأت دمًا فلتغسلهُ ، وإن [لَم] تر دمًا فلتنضحه سبع مرات بالماء ، ثم لتصلي فيهِ . إسناد مجهول . وخرج أبو داود بإسناد فيهِ جهالة أيضا عَن عائشة ، أنها قالت في الحائض يصيب ثوبها الدم : تغسله ، فإن لَم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة . قالت : ولقد كنت أحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض جميعًا ، لا أغسل لي ثوبًا . وبإسنادٍ فيهِ جهالة أيضا عَن أم سلمة ، قالت : قَد كانَ يصيبنا الحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلبث إحدانا أيام حيضها ، ثم تطهر ، فتطهر الثوب الذِي كانت تلبث فيهِ ؛ فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيهِ ، وإن لَم يكن أصابه شيء تركناه ، ولم يمنعنا ذَلِكَ أن نصلي فيهِ . وخرج الطبراني من حديث أم سلمة ، قالت : كانت إحدانا تحيض في الثوب ، فإذا كانَ يوم طهرها غسلت ما أصابه ، ثم صلت فيهِ ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها ليغسل ثيابها يوم طهرها . وفي إسناده المنهال بن خليفة ، ضعفوه . وخرجه وكيع عَنهُ في ( كتابه ) . وروى وكيع أيضا عَن سفيان ، عَن أبي هاشم ، عَن سعيد بن جبير ، قالَ : إن كانَ بعض أمهات المؤمنين لتقرص الدم من ثوبها بريقها . وعن أبي العوام الباهلي ، عَن عطاء ، قالَ : لقد كانت المرأة وما لها إلا الثوب الواحد ، فيهِ تحيض ، وفيه تصلي . وعن الفضل بن دلهم ، قالَ : سألت الحسن عَن المرأة تحيض في الثوب ، فتعرق فيهِ ! قالَ : لا بأس ، إلا أن ترى دمًا تغسله . فأما ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن لهيعة ، عَن يزيد بن أبي حبيب ، عَن عيسى بن طلحة ، عَن أبي هريرة - أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ليسَ لي إلا ثوب واحد ، وأنا أحيض فيهِ ، فكيف أصنع ؟ قالَ : ( إذا طهرت فاغسليه ، ثم صلي فيهِ ) . فقالت : فإن لَم يخرج الدم ؟ قالَ : ( يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره ) . فابن لهيعة لا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات . وقد اضطرب في إسناده فرواه تارة كذلك ، وتارة رواه عَن عبيد الله بن أبي جعفر ، عَن موسى بن طلحة ، عَن أبي هريرة . وخرجه الإمام أحمد من هَذا الوجه أيضا . وهذا يدل على أنهُ لَم يحفظه . وقد يحمل على أنهُ أمرها بغسل دم الحيض منهُ . وقد حكى بعض أصحابنا في كراهة الصلاة في ثوب الحائض والمرضع روايتين عَن أحمد . وقد روي عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي في [لحف] نسائه . وخرجه النسائي والترمذي وصححه . وخرجه أبو داود ، وعنده : لا يصلي في شعرنا أو لحفنا ، بالشك . وفي رواية للإمام أحمد : لا يصلي في شعرنا من غير شك . و( الشعار ) : هوَ الثوب الذِي يلبس على الجسد . وقد أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا . وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين . وقد روي عَنهُ أنهُ قالَ : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا ؛ فاسألوا عَنهُ . ذكره أبو داود في ( سننه ) ، والبخاري في ( تاريخه ) . وقال أبو بكر الأثرم : أحاديث الرخصة أكثر وأشهر . قالَ : ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء . وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف ، إنما الخلاف في الرجال . والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة ؛ ففي ( صحيح مسلم ) ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، علي مرط ، وعليه بعضه . وخرج النسائي ، عَن عائشة ، قالت : كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم [نبيت] في الشعار الواحد ، وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه ، لَم يعده إلى غيره ، ثم صلى فيهِ . وخرج أبو داود وابن ماجه ، عَن ميمونة ، قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وعليه مرط ، وعلى بعض أزواجه منهُ ، وهي حائض ، وَهوَ يصلي ، وَهوَ عليهِ . وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة ، قالَ : قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وعليه طرف لحاف ، وعلى عائشة طرفه ، وهي حائض لا تصلي . قالَ أبو عبيد في ( غريبه ) : الناس على هَذا ، يعني : على عدم كراهته . واعلم أن الصلاة في ثوب الحائض ليست كراهته من أجل عرقها ؛ [فإن] عرق الحائض طاهر ، نص عليهِ أحمد وغيره من الأئمة ، ولا يعرف فيهِ [خلاف] ، قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما ، حتى قالَ حماد : إنما يغسل الثوب من عرق الحائض المجوس . وروى محمد بن عبد الله الأنصاري ، عَن هشام بن حسان ، عَن حفصة بنت سيرين ، قالت : سألت امرأة عائشة ، قالت : يكون علي الثوب أعرق فيهِ أيام تحيضي ، أصلي فيهِ ؟ قالت : نعم . قالت : وربما أصابه من دم المحيض ! قالت : فاغسليه . قالت : فإن لَم يذهب أثره ! قالت : فلطخيه بشيء من زعفران . وإنما كره من كره ذَلِكَ لاحتمال أن يكون أصابه شيء من دم الحيض لَم يطهر ، كذا قاله أبو عبيد وغيره . والصواب أنهُ لا تكره الصلاة فيهِ ، وأنه يغسل ما رئي فيهِ من الدم وينضح ، ما لَم ير فيهِ شيء ، ثم تصلي فيهِ ، كَما دلت عليهِ هَذهِ السنن والآثار . قالَ سفيان الثوري : الحائض لا تغسل ثوبها الذي حاضت فيهِ ، إلا أن ترى دمًا فتغسله . وأما نضح ما لَم تر فيهِ دمًا فهوَ مبني على أن النضح تطهير لما شك في نجاسته ، وهذا قول مالك وجماعة من أهل العلم ، وفيه خلاف سبق ذكره مستوفى في ( أبواب الوضوء ) .
ثم خرج البخاري في هذا الباب : 331 - حديث هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ) . وقد سبق هذا الحديث والكلام عليهِ . وإنما خرجه هاهنا ؛ لأنه يرى أن إقبال الحيض وإدباره المراد به التميز ؛ فإقبال الحيضة إقبال الدم الأسود ، وإدباره انفصال الأسود وانتقاله إلى غيره ، فيكون ذَلِكَ موافقًا لما أفتى به ابن عباس ، على ما حمل كلامه عليهِ أحمد وإسحاق ، كما سبق . والله أعلم .
28 - باب إذا رأتِ المستحاضةُ الطهرَ قالَ ابن عباس : تغتسل وتصلي ولو ساعة ، ويأتيها زوجها إذا صلت ؛ الصلاة أعظم . هذا الأثر ذكره أبو داود تعليقًا ، فقالَ : روى أنس بن سيرين ، عن ابن عباس في المستحاضة ، قالَ : إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي ، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي . وقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه ، واستدل به وذهب إليه . وقال في رواية الأثرم وغيره : ثنا إسماعيل هوَ ابن علية ، ثنا خالد الحذاء ، عن أنس بن سيرين ، قالَ : استحيضت امرأة من آل أنس ، فأمروني ، فسألت ابن عباس ، فقالَ : أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي ، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل . قالَ أحمد : ما أحسنه ! والدم البحراني قيل : هوَ الأحمر الذي يضرب إلى سواد . وروي عن عائشة أنها قالت : دم الحيض بحراني أسود . خرجه البخاري في ( تاريخه ) . وقيل : البحراني هوَ الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الرحم ، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته . وقول ابن عباس : ( إذا رأت الطهر ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل ) - محمول على غير المستحاضة ؛ فإن المستحاضة تصلي إذا جاوزت أيام حيضها ، سواء انقطع دمها أو لم ينقطع . وإذا اغتسلت عندَ انقضاء حيضها وصلت ، ثم انقطع دمها بعد ذَلِكَ - فلا غسل عليها عندَ انقطاعه ، وإنما يصح حمل هذا على الدم الجاري في أيام الحيض ، وأنه إذا انقطع ساعة فهي طاهر تغتسل وتصلي ، وسواء كانَ بعد تمام عادة الحيض أو قبل تمام العادة . وقد ذهب الإمام أحمد إلى قول ابن عباس في هذا ، واستدل به ، وعليه أكثر أصحابنا . ومنهم من اشترط مع ذَلِكَ أن ترى علامة الطهر مع ذَلِكَ ، وهو القصة البيضاء كما سبق ذكرها . وعن أحمد : لا يكون الطهر في خلال دم الحيض أقل من يوم ، وصحح ذَلِكَ بعض الأصحاب ؛ فإن دم الحيض لا يستمر جريانه ، بل ينقطع تارة ويجري تارة ، فإذا كانَ مدة انقطاعه يومًا فأكثر فهوَ طهر صحيح ، وإلا فلا . وحكى الطحاوي الإجماع على أن انقطاع الدم ساعة ونحوها لا عبرة به ، وأنه كالدم المتصل ، وليس كما ادعاه . ومن العلماء من ذهب إلى أن مدة النقاء في أثناء خلال الدم وإن طالت ، إذا عاد الدم بعد ذَلِكَ في مدة الحيض - يكون حيضًا ، لا تصلي فيهِ ولا تصوم . وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، وأحد قولي الشافعي ، وروى ابن منصور عن أحمد نحوه . وتعرف المسألة بمسألة التلفيق ، ولها فروع وتفاصيل كثيرة جدا . وحينئذ ففي تبويب البخاري ( المستحاضة إذا رأت الطهر ) نظر ، بل الأولى أن يقال : ( الحائض إذا رأت الطهر ساعة ) . وإنما اعتمد على لفظ الرواية عن ابن عباس ، ولعل ابن عباس أراد أن المستحاضة إذا كانت مميزة جلست زمن دمها الأسود ، فإذا انقطع الأسود ولو ساعة فإنه زمن طهرها ، فتغتسل وتصلي حينئذ . وقد حمله إسحاق بن راهويه على مثل هذا ، فقالَ في رواية حرب في استدلاله على اعتبار التمييز للمستحاضة بحديث ( إذا كانَ دم الحيض فإنه أسود يعرف ) ، الحديث - قالَ : وكذلك روي عن ابن عباس أنه قالَ لامرأة مستحاضة : أما ما دامت ترى الدم البحراني فلتدع الصلاة ، فإذا جاوزت ذَلِكَ اغتسلت وصلت . وكذلك وقع في كلام الإمام أحمد في رواية الشالنجي حمل كلام ابن عباس على مثل هذا ، وهو يرجع إلى أن المستحاضة تعمل بالتمييز ، فتجلس زمن الدم الأسود ، فإذا انقطع عنها ورأت حمرةً أو صفرةً أو كدرةً فإن ذَلِكَ طهرها ، فتغتسل حينئذ وتصلي . والله أعلم . وأما ما ذكر البخاري أنه يأتيها زوجها إذا صلت ؛ الصلاة أعظم - فظاهر سياق حكايته يقتضي أن ذَلِكَ من تمام كلام ابن عباس ، ولم نقف على إسناد ذَلِكَ عن ابن عباس ، وليس هوَ من تمام رواية أنس بن سيرين في سؤاله لابن عباس عن المستحاضة من آل أنس . وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر الرخصة في وطء المستحاضة من رواية ابن المبارك ، عن أجلح ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قالَ في المستحاضة : لا بأس أن يجامعها زوجها . ويحتمل أن يكون البخاري ذكر هذا الكلام من عندَ نفسه بعد حكايته لما قبله عن ابن عباس . وهذا الكلام إنما يعرف عن سعيد بن جبير . روى وكيع ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، قالَ : سألت سعيد بن جبير عن المستحاضة يجامعها زوجها ، قالَ : لا بأس به ؛ الصلاة أعظم من الجماع . وممن رخص في ذَلِكَ ابن المسيب والحسن وعطاء وبكر المزني وعكرمة وقتادة ومكحول ، وهو قول الأوزاعي والثوري والليث وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور ، ورواية عن أحمد . وقد تقدم أن أم حبيبة لما استحيضت كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وحمنة كانت تحت طلحة ، وقد سألتا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الاستحاضة ، فلم يذكر لهما تحريم الجماع . ولو كانَ حرامًا لبينه . وفي ( سنن أبي داود ) عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت تستحاض ، وكان زوجها يجامعها . قالَ : وكانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها . ولأن لها حكم الطاهرات في الصلاة والصوم وسائر العبادات ، فكذلك في الوطء . وقالت طائفة : لا توطأ المستحاضة . وروي ذَلِكَ عن عائشة من رواية سفيان ، عن غيلان هوَ ابن جامع ، عن عبد الملك بن مسيرة ، عن الشعبي ، عن قمير امرأة مسروق ، عن عائشة - أنها كرهت أن يجامعها زوجها . خرجه وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان - به . ورواه [ شعبة ] عن عبد الملك بن ميسرة ، عن الشعبي . واختلف عليهِ فيهِ ؛ فوقفه بعض أصحاب شعبة عنه على الشعبي ، وأسنده بعضهم عنه إلى عائشة كما رواه غيلان . ذكر ذَلِكَ الإمام أحمد ، ولم يجعل ذَلِكَ علة في وصله إلى عائشة ، كما فعل البيهقي وغيره . وممن نهى عن وطء المستحاضة ابن سيرين ، والشعبي ، والنخعي ، والحكم ، وسليمان بن يسار ، ومنصور ، والزهري . وروي أيضا عن الحسن ، وهو المشهور عن الإمام أحمد ، إلا أنه رخص فيهِ إذا خشي الزوج على نفسه العنت . وبدون خوف العنت فهل النهي عنه للتحريم أو للكراهة ؟ حكى أصحابنا فيهِ روايتين عن أحمد ، ونقل ابن منصور وصالح عنه : لا يأتيها زوجها ، إلا أن يطول . ولعله أراد أنه إذا طالت مدة الاستحاضة شق على الزوج حينئذ ترك الوطء ، فيصير وطؤه من خوف العنت ؛ فإن العنت يفسر بالمشقة والشدة . وقد قالَ أحمد في رواية حرب : المستحاضة لا يغشاها زوجها إلا أن لا يصبر . وقال في رواية علي بن سعيد : لا يأتيها زوجها إلا أن يغلب ويجيء أمر شديد ، لا يصبر . وقال أبو حفص البرمكي : معنى قول أحمد : ( لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ) - ليس مراده أنه يباح إذا طال ويمنع منه إذا قصر ، ولكن أراد : إذا طال علمت أيام حيضها من استحاضتها يقينًا ، وهذا لا تعلمه إذا قصر ذَلِكَ . وكذلك روى حرب عن إسحاق بن راهويه ، قالَ : الذي نختار في غشيان المستحاضة : إذا عرفت أيام أقرائها ، ثم استحيضت ، ولم يختلط عليها حيضها - أن يجامعها زوجها ، وتصلي وتصوم . وإذا اختلط عليها دم حيضها من استحاضتها ، فأخذت بالاحتياط في الصلاة بقول العلماء ، وتحرت أوقات [حيضها] من استحاضتها ، ولم تستيقن بذلك - أن لا يغشاها زوجها حتى تكون على يقين من استحاضتها . فهذا قول ثالث في وطء المستحاضة ، وهو : إن تيقنت استحاضتها بتميزها من حيضها جاز وطؤها فيها ، وإن لم تكن على يقين من ذَلِكَ لم توطأ ؛ لاحتمال وطئها في حال حيضها . ومذهب الشافعي وأصحابه أن المتحيرة الناسية لعادتها ولا تميز لها تغتسل لكل صلاة ، وتصلي أبدًا ، ولا يأتيها زوجها ؛ لاحتمال مصادفته الحيض . ونقض أصحابنا ذَلِكَ عليهم في المعتادة ، والمبتدأة بعد الشهر الأول ؛ فإن زيادة الحيض ونقصه ، وتقدمه وتأخره - ممكن أيضا . واستدل من نهى عن وطء المستحاضة مطلقًا بقول الله عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ودم الاستحاضة أذى ؛ ولهذا حرم الوطء في الدبر ؛ لأنه محل الأذى . وروى حرب بإسناد جيد عن مرثد بن عبد الله اليزني ، قالَ : سمعت عقبة بن عامر يقول : والله ، لا أجامع امرأتي في اليوم الذي تطهر فيهِ حتى يصير لها يوم . وهذا محمول على التنزه والاحتياط خشية عود دم الحيض . والله أعلم . واختلفوا في الحائض المعتادة إذا طهرت لدون عادتها : هل يكره وطؤها ؟ أم لا ؟ على قولين : أحدهما : يكره ، وهو قول أبي حنيفة ، والأوزاعي ، وأحمد في رواية ، وإسحاق ؛ لأن عود الدم لا يؤمن . والثاني : لا يكره ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .
12 - باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض 313 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب : نا حماد بن زيد ، عَن أيوب ، عَن حفصة بنت سيرين ، عَن أم عطية ، قالت : كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا . ولا نكتحل ، ولا نتطيب ، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا ، إلا ثوب عصب . وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار . وكنا ننهى عَن اتباع الجنائز . وروى هشام بن حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . حديث أم عطية قَد أسنده البخاري في هَذا الباب وغيره من حديث أيوب ، عَن حفصة ، عَن أم عطية . ولفظ أيوب ( كنا ننهى ، ورخص لنا ) . والصحابي إذا قالَ : ( أُمرنا ) أو ( نُهينا ) - فإنه يكون في حكم المرفوع عند الأكثرين . وأما رواية هشام بن حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، التي صرح فيها بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ، وذكر الحديث بتمامه ، وفيه ذكر الطيب عند طهرها - فذكرها البخاري هاهنا تعليقًا ، وعلقها أيضا في موضع آخر من ( كتابه ) ، فقالَ : ( وقال الأنصاري : ثنا هشام ) ، فذكره . وأسندها مسلم في ( صحيحه ) ، ولفظه : ( ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ) . ولكن أسند البخاري حديث هشام في ( كتابه ) هَذا أيضا بدون هَذهِ الزيادة . قالَ الخطابي : النبذة ، القطعة اليسيرة ، والكست : القسط ، والقاف تبدل بالكاف ، يريد أنها تتطهر بذلك وتتطيب بهِ . انتهى . والقسط والأظفار نوعان من الطيب معروفان . وفي رواية مسلم : ( ظفار ) . وفي رواية البخاري : ( كست أظفاره ) . وقيل : إن صوابه ( كسط ظفار ) . و( ظفار ) مبني على الكسر على وزن : حذام - ساحل من سواحل عدن باليمن .
3 - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض وكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبي رزين ؛ لتأتيه بالمصحف ، فتمسكه بعلاقته . 297 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين : سمع زهيرًا ، عَن منصور بن صفية ، أن أمه حدثته ، أن عائشة حدثتها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يتكئ في حجري وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن . هَذا الإسناد كله مصرح فيهِ بالتحديث والسماع ، إلا في رواية زهير وَهوَ ابن معاوية ، عَن منصور بن صفية بنت شيبة . ومراد البخاري بهذا الباب أن قرب القارئ من الحائض ومن موضع حيضها لا يمنعه من القراءة ؛ فإنه لو لَم يكن للحيض تأثير في منع القراءة لَم يكن في إخبار عائشة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وَهوَ متكئ في حجرها في حال الحيض معنى ، فإنها أرادت أن قرب فم القارئ للقرآن من محل الحيض لا يمنعه القراءة . وقد زعم بعضهم أن في الحديث دلالة على أن الحيض نفسه غير مانع من القراءة ، ولا يصح ذَلِكَ ، إنما مراد عائشة أن قرب الطاهر من الحائض لا يمنع القراءة . وقد صرحت ميمونة أم المؤمنين بهذا المعنى ، كَما خرجه الإمام أحمد من حديث ابن جريج : أخبرني منبوذ ، أن أمه أخبرته ، أنها بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل عليها ابن عباس ، فقالت : ما لك شعثًا ؟ قالَ : أم عمار مرجلتي حائض . فقالت : أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ لقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض ، قَد علم أنها حائض ، فيتكئ عليها ، فيتلو القرآن وَهوَ متكئ عليها . أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض ، فيتكئ في حجرها ، فيتلو القرآن وَهوَ متكئ في حجرها . وتقوم وهي حائض ، فتبسط لَهُ خمرة في مصلاه . وفي رواية : فتبسط خمرته ، فيصلي عليها في بيتي . أي بني ، وأين الحيضة من اليد ؟ وخرجه النسائي مختصرًا ، ولم يذكر قصة ابن عباس . قالَ القرطبي : ويؤخذ من هَذا الحديث جواز استناد المريض للحائض في صلاته إذا كانت أثوابها طاهرة . قالَ : وَهوَ أحد القولين عندنا . وفي ( تهذيب المدونة ) في صلاة المريض : ولا يستند بحائض ولا جنب . وقد ألحق البخاري بذلك إمساك الحائض بعلاقة المصحف وحمله كذلك ، وقد حكاه عن أبي وائل . وقد اختلف الفقهاء في حمل المُحدِث المصحف بعلاقة : هل هوَ جائز ؟ أم لا ؟ وفيه قولان مشهوران : وممن رخص في ذَلِكَ عطاء والحسن والأوزاعي والثوري ، وكرهه مالك ، وحرمه أصحاب الشَافِعي ، وعن أحمد روايتان ، ومن أصحابنا من جزم بجوازه من غير خلاف حكاه . وأصل هَذهِ المسألة منع المحدث من مس المصحف ، وسواء كانَ حدثه حدثًا أكبر وَهوَ من يجب عليهِ الغسل ، أو أصغر وَهوَ من يجب عليهِ الوضوء . هَذا قول جماهير العلماء ، وروي ذَلِكَ عَن علي وسعد وابن عمر وسلمان ، ولا يعرف لَهُم مخالف من الصحابة ، وفيه أحاديث عَن النبي صلى الله عليه وسلم متصلة ومرسلة . وخالف في ذَلِكَ أهل الظاهر . وأجاز الحكم وحماد للمحدث مسه بظهر الكف دونَ بطنه . وعن الحسن ، قالَ : لا بأس أن يأخذ المصحف غير المتوضئ ، فيضعه من مكان إلى مكان . وعن سعيد بن جبير أنهُ بال ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم أخذ المصحف ، فقرأ فيهِ . رواهما عبد الرزاق . وعن الشعبي ، قالَ : مس المصحف ما لم تكن جنبًا . ذكره وكيع . وأما الاستدلال بقولِهِ عز وجل : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ - ففيه كلام ليسَ هَذا موضعه . والله أعلم . وإن عدم الماء وتيمم فله مس المصحف عندنا وعند الشافعية والأكثرين ، خلافًا للأوزاعي . وفي الحديث دلالة على جواز قراءة القرآن متكئًا ، ومضطجعًا ، وعلى جنبه ، ويدخل ذَلِكَ في قول الله عز وجل : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
13 - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم ؟ 314 - حدثنا يحيى : ثنا ابن عيينة : عَن منصور بن صفية ، عَن أمه ، عَن عائشة - أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عَن غسلها من المحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، قالَ : ( خذي فرصة من مسك ، فتطهري بها ) . قالت : كيف أتطهر بها ؟ قالَ : ( تطهري بها ) . قالت : كيف ؟ قالَ : ( سبحان الله ، تطهري ) . فاجتذبتها إلي ، فقلت : تتبعي بها أثر الدم
27 - باب المرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ خرج فيهِ حديثين : أحدهما : 328 - من حديث عمرة عَن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صفية قَد حاضت ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعلها تحبسنا ، ألم تكن طافت معكن ؟ ) قالوا : بلى . قالَ : ( فاخرجي ) . والثاني : 329 - من حديث طاوس عَن ابن عباس ، قالَ : رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت . 330 - وكان ابن عمر يقول في أول أمره : إنها لا تنفر . ثم سمعته يقول : تنفر ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن . قَد سبق أن الحائض ممنوعة من الطواف في حال حيضها ، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فإنها لا تنفر حتى تطوف للإفاضة . وإن طافت طواف الإفاضة ، ثم حاضت - فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تنفر ، كَما دلت عليهِ هَذهِ الأحاديث الثلاثة ، أعني : حديث عائشة ، وابن عمر ، وابن عباس . وقد روي عَن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت أنهم قالوا : لا تنفر حتى تطهر ، وتطوف للوداع . ووافق جماعة من الأنصار زيد بن ثابت في قوله هَذا ، وتركوا قول ابن عباس . فأما ابن عمر فقد صح عَنهُ برواية طاوس هَذهِ أنه رجع عَن ذَلِكَ . وأما زيد ففي ( صحيح مسلم ) عَن طاوس أيضا أنه قالَ : كنت معَ ابن عباس إذ قالَ زيد بن ثابت : أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون عهدها بالبيت ؟ فقالَ لَهُ ابن عباس : إما لا ، فسل فلانة الأنصارية ، هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك ، وَهوَ يقول : ما أراك إلا قَد صدقت ! وأما عمر فقد روي أيضا أنه رجع عما قاله في ذَلِكَ ، فروى عبد الرزاق ، أبنا محمد بن راشد ، عَن سليمان بن موسى ، عَن نافع ، قالَ : رد عمر نساء من ثنية هرشى ، وذلك أنهن أفضن يوم النحر ، ثم حضن فنفرن ، فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت . قالَ : ثم بلغ عمر بعد ذَلِكَ حديث [غير] ما صنع ، فترك عمر صنيعه الأول . قالَ : وأبنا محمد بن راشد : أخبرني عبدة بن أبي لبابة ، عَن هشام بن يحيى المخزومي - أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب ، فسأله عَن امرأة زارت يوم النحر ، ثم حاضت ؟ قالَ : فلا تنفر حتى تطهر ، فيكون آخر عهدها بالبيت . فقالَ الرجل : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في مثل هَذهِ المرأة بغير ما أفتيت ! فضربه عمر بالدرة ، وقال : ولم تستفتني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وخرج الإسماعيلي في ( مسند عمر ) من طريق هشام بن عمار : ثنا صدقة ، ثنا الشعيثي ، عَن زفر بن وثيمة - أن رجلًا من ثقيف أتى عمر ، فقالَ : امرأة منا حاضت ، وقد أفاضت يوم النحر ! فقالَ : ليكن آخر عهدها بالبيت . فقالَ : إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى امرأة منا أن تصدر ! فحمل عمر عليهِ ، فضربه ، وقال : تستفتيني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وقد روي على وجه آخر خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية الوليد بن عبد الرحمن ، عن الحارث بن عبد الله بن أوس ، قالَ : أتيت عمر بن الخطاب ، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ، ثم تحيض ، فقالَ : ليكن آخر عهدها بالبيت . قالَ الحارث : كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالَ عمر : أربت عن يديك ؛ سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكيما أخالف ! والوليد هذا ليس بالمشهور . وخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق آخر ، عن الحارث بن عبد الله بن أوس ، قالَ : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت ) . فقالَ لهُ عمر : خررت من يديك ! سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تخبرنا به ! وفي إسناده حجاج بن أرطاة ، وقد اختلف عليهِ في إسناده . وهذه الرواية تدل على أن الحارث بن أوس لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت أنها تحتبس لطواف الوداع ، إنما سمع لفظًا عاما . وقد صح الإذن للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أن تنفر ، فيخص من ذَلِكَ العموم . وعلى هذا عمل العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم . وقد روى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي فروة - أنه سمع القاسم بن محمد يقول : رحم الله عمر ! كل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد أمروها بالخروج . يقول : إذا كانت أفاضت . وروى بإسناده عن سعد بن أبي وقاص أنه ذكر لهُ قول عمر : لا تنفر حتى تطهر ليكون آخر عهدها بالبيت ، فقالَ : ما يجعلها حرامًا بعد إذ حلت ؟ إذا كانت قد طافت يوم النحر فقد حلت ، فلتنفر . يشير سعد إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حل الحل كله ، فلا يكون محتبسًا بعد حله ، وإنما يبقى عليهِ بقايا من توابع المناسك ، كالرمي والمبيت بمنى وطواف الوداع . فما أمكن الحائض فعله من ذَلِكَ كالرمي والمبيت فعلته ، وما تعذر فعله عليها كالطواف سقط عنها ، ولم يجز إلزامها بالاحتباس لهُ . وكل من خالف في ذَلِكَ فإنما تمسك بعموم قد صح تخصيصه بنصوص صحيحة خاصة بالحائض ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض بخصوصها نهي أن تنفر . وحديث الرجل الثقفي الذي حدث عمر بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قد روي على ثلاثة أوجه كما سبق ، وأسانيده ليست بالقوية ، فلا يكون معارضًا لأحاديث الرخصة للحائض في النفر ؛ فإنها خاصة ، وأسانيدها في غاية الصحة والثبوت .
14 - باب غسل المحيض 315 - حدثنا مسلم : ثنا وهيب : ثنا منصور ، عَن أمه ، عَن عائشة - أن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف أغتسل من المحيض ؟ قالَ : ( خذي فرصة ممسكة وتوضئي ) ثلاثًا . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا وأعرض بوجهه ، أو قالَ : ( توضئي بها ) . فأخذتها ، فجذبتها ، فأخبرتها بما يريد النبي صلى الله عليه وسلم . بوب البخاري في هذين البابين على ثلاثة أشياء : أحدها : دلك المرأة نفسها عند غسل المحيض . والثاني : أخذها الفرصة الممسكة . والثالث : صفة غسل المحيض . وخرج في الباب حديث منصور بن صفية بنت شيبة ، عَن أمه . [وليس] في حديثه سوى ذكر الفرصة الممسكة . ولكنه أشار إلى أن [الحكمين] الآخرين قَد رويا في حديث صفية ، عَن عائشة من وجه [آخر] ، لكن ليسَ هوَ على شرطه ، فخرج الحديث الأول بالإسناد الذي على شرطه ، ونبه بذلك على الباقي . وهذا الذِي لَم يخرجه قَد خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث شعبة ، عَن إبراهيم بن المهاجر ، قالَ : سمعت صفية تحدث عَن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عَن غسل المحيض . قالَ : ( تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها ، فتدلكه دلكًا شديدًا ، حتى تبلغ شئون رأسها . ثم تصب عليهِ الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة ، فتطهر بها ) قالت أسماء : وكيف أتطهر بها ؟ فقالَ : ( سبحان الله ، تطهري بها ! ) فقالت عائشة كأنها تخفي ذَلِكَ : تتبعين بها أثر الدم . وسألته عَن غسل الجنابة ، فقالَ : ( تأخذ ماءً ، فتطهر بهِ ، فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور . ثم تصب على رأسها ، فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ، ثم تفيض عليهِ الماء ) . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار ؛ لَم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدِّين . وفي رواية لَهُ أيضا قالَ : ( سبحان الله ، تطهري بها ! ) واستتر . وخرجه مسلم أيضا من طريق أبي الأحوص عَن إبراهيم بن مهاجر ، وفي حديثه قالَ : دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكره ، ولم يذكر فيهِ غسل الجنابة . وخرجه أبو داود من طريق أبي الأحوص ، ولفظه ( تأخذ ماءها وسدرتها ، فتوضأ ، وتغسل رأسها وتدلكه ) - وذكر الحديث ، وزاد فيهِ : ( الوضوء ) . ورواه أبو داود الطيالسي ، عَن قيس بن الربيع ، عَن إبراهيم بن المهاجر ، عَن صفية ، عَن عائشة ، قالت : أتت فلانة بنت فلان الأنصارية ، فقالت : يا رسول الله ، كيف الغسل من الجنابة ؟ فقالَ : ( تبدأ إحداكن فتوضأ ، فتبدأ بشق رأسها الأيمن ، ثم الأيسر حتى تنقي شئون رأسها ) . ثُم قالَ : ( أتدرون ما شئون الرأس ؟ ) قالت : البشرة . قالَ : ( صدقت ، ثم تفيض على بقية جسدها ) . قالت : يا رسول الله ، فكيف الغسل من المحيض ؟ قالَ : ( تأخذ إحداكن سدرتها وماءها ، فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تبدأ بشق رأسها الأيمن ، ثم الأيسر حتى تنقي شئون رأسها ، ثم تفيض على سائر جسدها ، ثم تأخذ فرصة ممسكة ، فتطهر بها ) . قالت : يا رسول الله ، كيف أتطهر بها ؟ فقلت : سبحان الله ! تتبعي بها آثار الدم . وإبراهيم بن المهاجر لَم يخرج لَهُ البخاري . و( الفرصة ) بكسر الفاء وسكون الراء وبالصاد المهملة ، وهي القطعة . قالَ أبو عبيد : هي القطعة من الصوف أو القطن أو غيره ، مأخوذ من فرصت الشيء : أي قطعته . و( المسك ) : هوَ الطيب المعروف . هَذا هوَ الصحيح الذِي عليهِ الجمهور ، والمراد أن هَذهِ القطعة يكون فيها شيء من مسك ، كَما في الرواية الثانية : ( فرصة ممسكة ) . وزعم ابن قتيبة والخطابي أن الرواية ( مسك ) بفتح الميم ، والمراد بهِ الجلد الذِي عليهِ صوف ، وأنه أمرها أن تدلك بهِ مواضع الدم . ولعل البخاري ذهب إلى مثل ذَلِكَ ، ولذلك بوب عليهِ : ( دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض ) ، ويعضد ذَلِكَ أنهُ في ( كِتابِ الزينة والترجل ) قالَ : ( باب ما يذكر في المسك ) ، ولم يذكر فيه إلا حديث ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) . ولذلك - والله أعلم - لَم يخرج البخاري هَذا الحديث في ( باب : الطيب للمرأة عند غسل الحيض ) . والصحيح الذِي عليهِ جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه أن غسل المحيض يستحب فيهِ استعمال المسك ، بخلاف غسل الجنابة ، والنفاس كالحيض في ذلك . وقد نص على ذَلِكَ الشَافِعي وأحمد ، وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة . ومعلوم أن ذكر المسك في غسل الجنابة لَم يرو في غير هَذا الحديث ، فعلم أنهم فسروا فيهِ بالطيب . وزعم الخطابي أن قوله : ( خذي فرصة من مسك ) - يدل على أن الفرصة نفسها هي المسك . قالَ : وهذا إنما يصح إذا كانت من جلد ، أما لو كانت قطعة من صوف أو قطن لَم تكن من مسك . وهذا ليسَ بشيء ؛ فإن المراد خذي نبذة يسيرة من مسك ، سواء كانت منفردة أو في شيء ، كَما في الرواية الثانية ( خذي فرصة ممسكة ) . قالَ الإمام أحمد في رواية حنبل : يستحب للمرأة إذا هي خرجت من حيضها أن تمسك معَ القطنة شيئًا من المسك ؛ ليقطع عنها رائحة الدم وزفرته ، تتبع بهِ مجاري الدم . ونقل عَنهُ أيضا قالَ : يستحب للمرأة إذا طهرت من الحيض أن تمس طيبًا ، وتمسكه معَ القطنة ؛ ليقطع عنها رائحة الدم وزفورته ؛ لأن دم الحيض دم لَهُ رائحة . وقال جعفر بن محمد : سألت أحمد عَن غسل الحائض ، فذهب إلى حديث إبراهيم بن المهاجر ، عَن صفية بنت شيبة ، وقال : تدلك شئون رأسها . وقال يعقوب بن بختان : سألت أحمد عَن النفساء والحائض ، كم مرة يغتسلان ؟ قالَ : كَما تغسل الميتة . قالَ : وسألته عَن الحائض متى توضأ ؟ قالَ : إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت ، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت . وظاهر هَذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره ؛ فإنه لَم يرد في السنة تقديمه كَما في غسل الجنابة ، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص ، عَن إبراهيم بن المهاجر : ( توضأ ، وتغسل رأسها ، وتدلكه ) - بالواو ، وهي لا تقتضي ترتيبًا . فتحصل من هَذا أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه : أحدها : أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره ، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيهِ على الغسل . والثاني : أن غسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر ، ويتأكد استعمال السدر فيهِ ، بخلاف غسل الجنابة ؛ لحديث إبراهيم بن المهاجر . قالَ الميموني : قرأت على ابن حنبل : أيجزئ الحائض الغسل بالماء ؟ فأملى عليّ : إذا لم تجد إلاّ وحده اغتسلت به ، قالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( ماءك وسدرتك ) ، وهو أكثر من غسل الجنابة . قلت : فإن كانت قد اغتسلت بالماء ، ثم وجدته ؟ قالَ : أحب إلي أن تعود ؛ لما قالَ . الثالث : أن غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة ، بخلاف غسل الجنابة . وهذا ظاهر كلام أحمد ، ولا فرق في غسل الجنابة بين المرأة والرجل ، نص عليهِ أحمد في رواية مهنا . والرابع : أن غسل الحيض يستحب أن يستعمل فيهِ شيء من الطيب ، في خرقة أو قطنة أو نحوهما ، يتبع به مجاري الدم . وقد علل أحمد ذَلِكَ بأنه يقطع زفورة الدم ، وهذا هوَ المأخذ الصحيح عندَ أصحاب الشافعي أيضا . وشذ الماوردي ، فحكى في ذَلِكَ وجهين : أحدهما : أن المقصود بالطيب تطييب المحل ؛ ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة ، وكمال اللذة . والثاني : لكونه أسرع إلى علوق الولد . قال : فإن فقدت المسك ، وقلنا بالأول - أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة ، وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما . قالَ : واختلف الأصحاب في وقت استعماله ؛ فمن قالَ بالأول قالَ : بعد الغسل ، ومن قالَ بالثاني فقَبْله . قالَ صاحب ( شرح المهذب ) : وهذا الوجه الثاني ليس بشيء ، وما يفرع عليهِ أيضا ليس بشيء ، وهو خلاف ما عليهِ الجمهور ، والصواب أن المقصود به تطييب المحل ، وأنها تستعمله بعد الغسل . ثُم ذكر حديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي صلى الله عليه وسلم عَن غسل المحيض ، فقالَ : ( تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها ، فتطهر ، فتحسن الطهور . ثم تصب على رأسها ، فتدلكه ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتظهر بها ) . خرجه مسلم . قالَ : وقد نصوا على استحبابه للزوجة وغيرها ، والبكر والثيب . والله أعلم . قالَ : واستعمال الطيب سنة متأكدة ، يكره تركه بلا عذر . انتهى . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( خذي فرصة ممسكة فتطهري بها ) ، وفي رواية ( توضئي بها ) - يدل على أن المراد بهِ التنظيف والتطييب والتطهير ، وكذلك سماه تطهيرًا ، وتوضؤا ، والمراد الوضوء اللغوي الذي هوَ النظافة . وقول عائشة : ( تتبعي بها مجاري الدم ) - إشارة إلى إدخاله الفرج . واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض من [الجسد] أيضا ؛ لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كانَ . ونص أحمد على أنهُ [لا يجب] غسل باطن الفرج من حيض ، ولا جنابة ، ولا استنجاء . قالَ جعفر بن محمد : قلت لأحمد : إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها ؟ قالَ : لا ، إلا ما ظهر ، [ولم] ير عليها أن تدخل أُصبعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء . ولأصحابنا وجه بوجوب ذَلِكَ في الغسل والاستنجاء ، ومنهم من قالَ : إن كانت [ثيبًا] وخرج البول بحدة ولم يسترسل لَم يجب سوى الاستنجاء في موضع خروج البول ، وإن استرسل فدخل منهُ شيء الفرج وجب غسله . ومذهب الشَافِعي أن الثيب يجب [عليها] إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة ؛ لأنه صار حكم الظاهر ، نص على ذَلِكَ الشَافِعي ، وشبهه بما بين الأصابع . وعليه جمهور أصحابه ، وما وراء ذَلِكَ على ذَلِكَ فهوَ عندهم في حكم الباطن على الصحيح . ولهم وجه آخر أنهُ يجب عليها إيصال الماء إلى داخل فرجها ، بناء على القول بنجاسته . ووجه آخر أنهُ يجب في غسل الحيض والنفاس ؛ لإزالة النجاسة ، ولا يجب في الجنابة . ومنهم من قالَ : لا يجب إيصاله إلى شيء من داخل الفرج بالكلية ، كَما لا يجب إيصاله إلى داخل الفم عندهم . والخامس : أن غسل الحيض تنقض فيهِ شعرها إذا كانَ مضفورًا ، بخلاف غسل الجنابة عند أحمد ، وهوَ قول طاوس والحسن . وسيأتي ذكر ذَلِكَ مستوفى إن شاء الله تعالى .
26 - باب عرقِ الاستحاضةِ خرج فيهِ : 327 - حديث ابن أبي ذئب ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة - وعن عمرة - عَن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنينَ ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : ( هَذا عرق ) ، فكانت تغتسل لكل صلاة . هَذا الحديث اختلف في إسناده على الزهري ؛ فروي عَنهُ عن عروة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عمرة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عروة وعمرة ، عَن عائشة كَما في هَذهِ الرواية . ورواية الزهري لَهُ عنهما صحيح ، قاله الدارقطني . واختلف أيضا في اسم المستحاضة ، فقالَ الأكثرون في روايتهم : أم حبيبة ، ومنهم من قالَ : أم حبيبة بنت جحش . وقد خرجه مسلم من طرق ، عَن الزهري كذلك . وفي رواية لَهُ : عَن عمرو بن الحارث ، عَن الزهري ، عَن عروة وعمرة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنينَ - وذكر الحديث . ولمسلم أيضا من حديث عراك بن مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدم ، فقالَ لها : ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي ) ، فكانت تغتسل عند كل صلاة . ورواه أبو داود الطيالسي عَن ابن أبي ذئب ، عَن الزهري . وقال في حديثه : إن زينب بنت جحش استحيضت . ووهم في قوله : ( زينب ) ، ذكر ذَلِكَ الدارقطني في ( علله ) . وذكر أبو داود في ( سننه ) أن أبا الوليد الطيالسي رواه ، عَن سليمان بن كثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش - فذكره . وكذلك خرجه مسلم من رواية ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنينَ - فذكره . وقد رواه مالك في ( الموطإ ) عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وكانت تستحاض ، وكانت تغتسل وتصلي . ولم يرفع هشام شيئًا من الحديث . وذكر ابن عبد البر أن مالكًا وهم في قوله : ( زينب ) ، وإنما هي أم حبيبة . وقد رواه الليث بن سعد ، عَن هشام ، فقالَ فيهِ : إن أم حبيبة بنت جحش . وكذلك رواه يحيى بن سعيد ، عَن عروة وعمرة ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أن أم حبيبة - وذكر الحديث . وروى ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن حبيبة بنت جحش استحيضت - فذكره . وقال : كذا حفظت أنا في الحديث ، والناس يقولون : أم حبيبة . خرجه حرب الكرماني في ( مسائله ) عَن الحميدي ، عَنهُ . وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل ، عَن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عَن عمه عمران بن طلحة ، عَن أمه حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أستحاض حيضة [كبيرة] شديدة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه ، فوجدته في بيت أختي زينب - وذكرت حديثًا طويلًا . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه . والترمذي ، وقال : حسن صحيح . وحكى عَن البخاري أنه حسنه ، وعن الإمام أحمد أنه قالَ : هوَ حسن صحيح . وقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ ، فنقل عَنهُ أكثر أصحابه أنهُ ضعفه ، وقيل : إنه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ ، قاله أبو بكر الخلال . وقد رواه جماعة عَن ابن عقيل كَما ذكرناه ، وخالفهم ابن جريجٍ ، فرواه عَنهُ ، وقال فيهِ : عَن حبيبة بنت جحش . ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، وقال : خالف الناس ؛ يشير إلى أنها حمنة ، ليست حبيبة . وقد خرجه ابن ماجه من طريق ابن جريج ، عَن ابن عقيل ، إلا أن في روايته : ( عَن أم حبيبة بنت جحش ) . وحاصل الأمر أن بنات جحش ثلاث : زينب بنت جحش أم المؤمنين ، كانت زوج زيد بن حارثة ، فطلقها ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي التي ذكرها الله سبحانه في سورة الأحزاب . وحمنة بنت جحش ، هي التي خاضت في الإفك ، وكانت تحت طلحة بن عبيد الله . وأم حبيبة ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، ويقال فيها أيضا : أم حبيب ، قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح . وأكثر الناس يسميها أم حبيبة . وقال طائفة من المحققين : إنما هي أم حبيب ، واسمها حبيبة ؛ ففي ( تاريخ ) المفضل الغلابي ، والظاهر أنه عَن يحيى بن معين ؛ لأنه في سياق كلام حكاه عَنهُ ، قالَ : المستحاضة حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وهي أخت حمنة . [وكذا ذكر الزبير بن بكار في كِتابِ [ ] ( الأنساب ) ، إلا أنه لَم يكنها ، وكذا قالَ أبو بكر بن أبي داود ] . وحكى الدارقطني في ( علله ) عَن إبراهيم الحربي أنه قالَ : الصحيح أن المستحاضة أم حبيب ، واسمها حبيبة بنت جحش ، وهي أخت حمنة ، ومن قالَ فيهِ : أم حبيبة أو زينب - فقد وهم . قالَ الدارقطني : وقول إبراهيم صحيح ، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن . وقال ابن سعد في ( طبقاته ) : هي أم حبيب بنت جحش ، واسمها حبيبة . قالَ : وبعض أهل الحديث يقلب اسمها ، فيقول : أم حبيبة . وحكى عَن الواقدي أنه قالَ : بعضهم يغلط ، فيروي أن المستحاضة حمنة بنت جحش ، ويظن أن كنيتها أم حبيبة ، والأمر على ما ذكرنا ، هي أم حبيب حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، ولم تلد لَهُ شيئًا . وحكى البيهقي في ( كِتابِ المعرفة ) عَن ابن المديني أنه قالَ : أم حبيبة هي حمنة . وعن يحيى بن معين أنها غيرها . ثم قالَ البيهقي : حديث ابن عقيل يدل على أنها غيرها كَما قالَ يحيى . قلت : رواية ابن عقيل عَن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عَن عمه عمران بن طلحة ، عَن أمه حمنة - صريح في أنها حمنة ، لا تحتمل غير ذَلِكَ ؛ لأن حمنة هي زوج طلحة بن عبيد الله ، وولدت لَهُ عمران ، وَهوَ راوي هَذا الحديث عَن أمه . [وأما أختها حبيبة فلم يكن لها ولد بالكلية ، قاله الزبير بن بكار وغيره] ، وحينئذ فيحتمل أن تكون حمنة استحيضت ، وأختها حبيبة استحيضت أيضا . وقد حكى ابن عبد البر هَذا قولًا ، قالَ : وقيل : إنهن كلهن استحضن ، يعني : زينب ، وأم حبيب ، وحمنة . وعلى ما ذكره الأولون فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبة خاصة دونَ أختيها . وذكر أبو الوليد بن الصفار الأندلسي ، وكان من أعيان علماء الأندلس ، في شرح ( الموطإ ) لَهُ - أن كلا من الأخوات الثلاث تسمى زينب ، وأن حمنة لقب . قالَ القرطبي : وإذا صح هَذا فقد صح قول من سمى المستحاضة زينب . قلت : وفي هَذا بعد ، وَهوَ مخالف لقول الأئمة المعتبرين كَما سبق ، والله أعلم . ووقع في متن حديث عائشة اختلاف ثالث ، وَهوَ أهم مما قبله ، وذلك أنهُ اختلف في غسلها لكل صلاة ؛ فمن الرواة من ذكر أنها كانت تغتسل لكل صلاة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يأمرها بذلك . ومنهم من ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك . فأما الذين لَم يرفعوه فهم الثقات الحفاظ . وقد خرجه البخاري هاهنا من حديث ابن أبي ذئب ، من الزهري . وفي حديثه : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . وخرجه مسلم من طريق الليث ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة ، عَن عائشة ، وفي حديثه : قالَ الليث : لَم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ، ولكنه شيء فعلته هي . وخرجه أيضا من رواية عراك بن مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة . وفي حديثه : ( فكانت تغتسل عند كل صلاة ) . وأما الذين رفعوه فرواه ابن إسحاق ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة - أن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها بالغسل لكل صلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . قالَ : ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منهُ ، عَن سليمان بن كثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتسلي لكل صلاة ) . وابن إسحاق وسليمان بن كثير في روايتهما عَن الزهري اضطراب كثير ، فلا يحكم بروايتهما عَنهُ معَ مخالفة حفاظ أصحابه . وروى يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عَن أبي بكر هوَ ابن حزم ، عَن عمرة ، عَن عائشة - أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وأنها استحيضت فلا تطهر ، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة من الرحم ، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لَهُ ، فلتترك الصلاة . ثم لتنظر ما بعد ذَلِكَ ، فلتغتسل [عند] كل صلاة ، ولتصل ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وَهوَ مخالف لرواية الزهري عَن عمرة كَما سبق ، ورواية الزهري أصح . وقال الإمام أحمد : كل من روى عَن عائشة : الأقراء الحيض - فقد أخطأ . قالَ : وعائشة تقول : الأقراء الأطهار . وكذا قالَ الشَافِعي في رواية الربيع ، وأشار إلى أن رواية الزهري أصح من هَذهِ الرواية . وحكى الحاكم عَن بعض مشايخه أن حديث ابن الهاد غير محفوظ . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة - يحيى بن أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن زينب بنت أبي سلمة . خرجه أبو داود . وقد اختلف في إسناده على يحيى ، والصحيح : عَنهُ ، عَن أبي سلمة - مرسلًا ، قاله أبو حاتم معَ أن رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة أيضا . وقيل : عَنهُ عَن أبي سلمة عَن أم حبيبة ، ولا يصح . ورواه الأوزاعي ، عَن يحيى ، عَن أبي سلمة - مرسلًا ، وجعل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة ، وَهوَ وهم فاحش ؛ فإن زينب حينئذ كانت صغيرة . وقد روي عَن طائفة من الصحابة والتابعين أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة ، ومنهم من حمل ذَلِكَ على الوجوب . وقد روي عَن ابن عباس أنه قالَ : لا أجد لها إلا ذَلِكَ . ومنهم من حمله على الاستحباب ، وقد حكي الوجوب رواية عَن أحمد ، والمشهور عَنهُ الاستحباب كقول الأكثرين . وقد تعلق بعضهم للوجوب بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل وتصلي ، وهذا يعم كل صلاة ؛ فإنه كالنهي أن تصلي حتى تغتسل . وقد فهمت المأمورة ذَلِكَ ، فكانت تغتسل لكل صلاة ، وهي أفهم لما أمرت بهِ . ويجاب عَن ذَلِكَ بأنهُ صلى الله عليه وسلم إنما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها ، فلا يدخل في ذَلِكَ غير الغسل عند فراغ حيضتها . وأما ما فعلته فقد تكون فعلته احتياطًا وتبرعًا بذلك ، كذلك قاله الليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم من الأئمة . ويدل على أن أمرها بالغسل لَم يعم كل صلاة أن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل ، وقالت عائشة : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . فدل على أن عائشة فهمت من أمر النبي صلى الله عليه وسلم غير ما فعلته المستحاضة ، وعائشة راوية الحديث ، وهي أفقه وأفهم من غيرها من النساء . وقد ذهب مالك والشافعي في أشهر قوليه ، في المتحيرة وهي المستحاضة التي نسيت وقتها وعددها ولا تمييز لها - أنها تغتسل لكل صلاة وتصلي أبدًا . واختلف أصحاب الشَافِعي : هل تقضي ؟ أم لا ؟ على وجهين لَهُم ، واختار ابن سريج منهُم أنها تصلي كل يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات وأربعة وضوآت ؛ ليسقط الفرض عنها بيقين . وفي هَذا حرج عظيم ، وعسر شديد ، والكتاب ناطق بانتفائه عَن هَذهِ الأمة ، فكيف تكلف بهِ امرأة ضعيفة مبتلاة ، معَ أن دين الله يسر ليس بعسر ؟ وذهبت طائفة إلى أن المستحاضة تغتسل كل يوم غسلًا واحد ، وروي عَن أحمد ما يدل على وجوبه . وعند أحمد وإسحاق : لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، وفي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة عَن النبي صلى الله عليه وسلم [مخرجة] في ( السنن ) . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( هَذا عرق ) ، وتبويب البخاري هاهنا على هَذهِ اللفظة - فقد سبق الكلام على معناه مستوفى في ( باب الاستحاضة ) . وليس في حديث الزهري الذِي خرجه البخاري في هَذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام حيضها كَما في حديث هشام بن عروة وعراك بن مالك عَن عروة ، لكن في حديث هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش ، وفي حديث عراك : أمر أم حبيبة بنت جحش . وقد ذكر الأوزاعي عَن الزهري في حديثه هَذا أنه صلى الله عليه وسلم قالَ لأم حبيبة : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) ، وتفرد بذلك . وكذلك روى ابن عيينة عَن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها . وَهوَ وهم منهُ أيضا ، قاله الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما . ورواه محمد بن عمرو عَن الزهري ، وزاد فيهِ : ( إذا كانَ دم الحيض فإنه أسود يعرف ) ، وقيل : إنه وهم منهُ أيضا ، لكنه جعله عَن عروة ، عَن فاطمة بنت أبي حبيش . ورواه سهيل ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن أسماء بنت عميس ، وزاد فيهِ هَذا المعنى أيضا . وقد سبق ذكر ذَلِكَ في ( باب الاستحاضة ) . والمحفوظ عَن الزهري في هَذا الحديث ما رواه عَنهُ أصحابه الحفاظ ، وليس فيهِ شيء من ذَلِكَ ، والله [سبحانه وتعالى] أعلم .
15 - باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض خرج فيهِ : 316 - حديث الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت : أهللت معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم [بعمرة] في حجة الوداع ، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي . فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة ، فقالت : يا رسول الله ، هَذهِ ليلة يوم عرفة ، وإنما كنت تمتعت بعمرة ! فقالَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انقضي رأسك ، وامتشطي ، وأمسكي عن عمرتك ) . ففعلت . فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة ، فأعمرني من التنعيم مكان عمرتي التي نسكت
25 - باب الصفرةِ والكدرةِ في غيرِ أيام الحيض 326 - حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل ، عَن أيوب ، عَن محمد ، عَن أم عطية : كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا . كذا رواه ابن علية ومعمر ، عَن أيوب . ورواه وهيب ، [عَن أيوب ] ، عَن حفصة بنت سيرين ، عَن أم عطية . وزعم محمد بن يحيى الذهلي أن قول وهيب أصح ، وفيه نظر . وقد خرج أبو داود من طريق حماد بن سلمة ، عَن قتادة ، عَن أم الهذيل - وهي حفصة بنت سيرين - عَن أم عطية وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا . ثم قالَ : ثنا مسدد ، ثنا إسماعيل ، أبنا أيوب ، عَن محمد بن سيرين ، عَن أم عطية - مثله . وظاهر هَذا السياق يدل على أن رواية أيوب عَن محمد مثل رواية قتادة عَن أم الهذيل ، وأن فيها هَذهِ اللفظة ( بعد الطهر ) . معَ أن شعبة كانَ يقول : ( مثله ) ليسَ بحديث ، يشير إلى أنهُ قَد يقع التساهل في لفظه . وخالفه سفيان ، فقالَ : هوَ حديث . وخرج الدارقطني من رواية هشام بن حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، قالت : كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئًا - وهي الصفرة والكدرة . وروى وكيع ، عَن أبي بكر الهذلي ، عَن معاذة ، عَن عائشة ، قالت : ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئًا . وأبو بكر الهذلي ضعيف . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من رواية أبي سلمة أن أم بكر أخبرته عَن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر : ( إنما هوَ عرق ، أو عروق ) . وأم بكر - ويقال : أم أبي بكر - لَم يرو عنها غير هَذا الحديث ، وليست بمشهورة . وقد بوب البخاري على حديث أم عطية ( الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض ) ، ولم يخرج الحديث بزيادة ( بعد الطهر ) كَما خرجه أبو داود . ولم يتفرد بهِ حماد بن سلمة ، عَن قتادة ، بل قَد رواه حرب في ( مسائله ) ، عَن الإمام أحمد ، عَن غندر ، عَن شعبة ، عَن قتادة - بمثله . وقد روي حديث أم عطية بلفظ آخر ، وَهوَ ( كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئًا ) . خرجه الدارمي في ( مسنده ) . وقد سبق ذكر الصفرة والكدرة في ( باب إقبال المحيض وإدباره ) ، وأن الصفرة والكدرة لهما ثلاثة أحوال : حال تكون في مدة عادة المعتادة ، فتكون حيضًا عند جمهور العلماء ، سواء سبقها دم أم لا . وحال تكون بعد انقضاء العادة ، فإن اتصلت بالعادة ولم يفصل بينهما طهر ، وكانت في مدة أيام الحيض أعني الأيام التي يحكم بأنها حيض ، وهي الخمسة عشر أو السبعة عشر أو العشرة عند قوم - فهل تكون حيضًا بمجرد اتصالها بالعادة ؟ أم لا تكون حيضًا حتى تتكرر ثلاثًا أو مرتين ؟ أم لا تكون حيضًا وإن تكررت ؟ فيهِ ثلاثة أقوال للعلماء : الأول ظاهر مذهب مالك والشافعي . والثاني رواية عَن أحمد . والثالث قول أبي حنيفة والثوري ، وأحمد في رواية . وإن انقطع الدم عند تمام العادة ، ثم رأت بعده صفرة أو كدرة في مدة الحيض - فالصحيح عند أصحابنا أنهُ لا يكون حيضًا ، وإن تكرر . وقد قالَ أكثر السلف : إنها إذا رأت صفرة أو كدرة بعد الغسل أو بعد الطهر ، فإنها تصلي ، وممن روي ذَلِكَ عَنهُ عائشة وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي ومحمد ابن الحنفية وغيرهم . وحديث أم عطية يدل على ذَلِكَ . وحال ترى الصفرة والكدرة بعد أكثر الحيض ، فهذا لا إشكال في أنهُ ليسَ بحيض .
16 - باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض خرج فيهِ : 317 - حديث هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا موافين لهلال ذي الحجة - فذكرت الحديث . وفيه : وكنت أنا ممن أهل بعمرة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( دعي عمرتك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بحج ) ، ففعلت - وذكرت بقية الحديث . [هَذا الحديث] قَد استنبط البخاري - رحمه الله - منهُ حكمين ، عقد لهما بابين : أحدهما : امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض . والثاني : نقضها شعرها عند غسلها من المحيض . وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد من الأمرين ؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهِ لَم يكن من الحيض ، بل كانت حائضًا ، وحيضها حينئذ موجود ، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة ، ولم تحتج إلى هَذا السؤال . ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج ، فهوَ غسل للإحرام في حال الحيض ، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل . وقد ذكر ابن ماجه في ( كتابه ) : ( باب : الحائض كيف تغتسل ) ، ثم قالَ : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها وكانت حائضًا : ( انقضي شعرك ، واغتسلي ) . قالَ علي في حديثه : ( انقضي رأسك ) . وهذا أيضا يوهم أنهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها من الحيض ، وهذا مختصر من حديث عائشة الذِي خرجه البخاري . وقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد ، عن وكيع ، فأنكره . قيل لَهُ : كأنه اختصره من حديث الحج ؟ قالَ : ويحل لَهُ أن يختصر ؟ ، نقله عَنهُ المروذي . ونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ أنهُ قالَ : هَذا باطل . قَالَ أبو بكر الخلال : إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى ، لا أصل اختصار الحديث . قَالَ : وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى . هذا معنى ما قاله الخلال . وقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي رواه عن وكيع ، كما رواه ابن أبي شيبة عنه ، ورواه أيضا إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ( كتاب الطهور ) له عن وكيع أيضا ، فلعل وكيعا اختصره . والله أعلم . وقد يحمل مراد البخاري - رحمه الله - على وجه صحيح ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام ؛ لأن غسلَ الإحرام لا يتكرر ، فلا يشق نقض الشعر فيه ، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى ، بخلاف غسل الجنابة ؛ فإنه يتكرر فيشق النقض فيه ؛ فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر . وقد تكلم بعض العلماء في لفظة : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بنقض رأسها وامتشاطها ) ، وقالوا : هي وهم من هشام . وكذلك قالوا في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لها : ( دعي العمرة ) . ولكن قد رواهما أيضا الزهري ، عن عروة . ولهشام في هذا الحديث وهم آخر ، وهو أنه قَالَ : ( ولم يكن هدي ولا صيام ولا صدقة ) ، وقد ثبت عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر ؛ فإنها إن كانت قد صارت قارنة فالقارن عليهِ هدي ، وإن كانت قد رفضت عمرتها لزمها دم لذلك ، عندَ من يقول به . وفي ( صحيح مسلم ) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تغتسل وتهل بالحج . ولم يذكر نقض الشعر ولا تسريحه ؛ فإن عائشة كانت محرمة بعمرة كما رواه عروة عنها . وإن كانَ القاسم قد روى عنها أنها كانت محرمة بحجة ، إلا أن رواية عروة أصح ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره . وقد قيل : إنها أحرمت من الميقات بحجة ، ثُم فسخت ذَلكَ إلى عمرة لما أمروا بالفسخ ، ثم حاضت بعد ذَلكَ قبل دخول مكة . وفي هذا نظر ؛ فإنه روي ما يدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات ، والحائض إذا كانت محرمة بعمرة ، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفة ، وخشيت فوات إدراك الحج - فإنها تحرم بالحج مع العمرة ، وتبقى قارنة عندَ أكثر العلماء ، كمالك والشافعي وأحمد ، ويكفيها عندهم طواف واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة . وقد روى ذَلكَ جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة صريحا . خرجه مسلم . وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : ( دعي عمرتك ) - على أنه أراد : اتركيها بحالها ، وأدخلي عليها إحرام الحج . وقال أحمد : من رواه ( انقضي عمرتك ) - فقد أخطأ ، ورواه بالمعنى الذي فهمه . وقال أبو حنيفة والكوفيون : ترفض العمرة ، ثم تحرم بالحج ، ثم تقضي العمرة بعد الحج ، وتأولوا حديث عائشة على ذَلكَ . وقالت طائفة : إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط ؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل لهُ كل شيء إلا النساء ، كالحاج إذا رمى الجمرة . وقد روي هذا عن عائشة ، ولعلها أخذته من روايتها هذه ، وهو قول عائشة بنت طلحة ، وعطاء . وقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه ، وهي رواية غريبة عنه . ووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قَالَ : أشبه الأمور ما ذهب إليه أحمد بن حنبل ، وهو أنه فسخ عليها عمرتها ؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص . وهذا وهم على أحمد ؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة ، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد ، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج ، وتأولوا حديث عائشة عليهِ . والعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل ، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة ، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص . ولم يثبت حديث واحد يدل على شيء من ذَلكَ ، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من ( الحج ) إن شاء الله تعالى . فإن المقصود هنا هو نقض الشعر وتسريحه عند الغسل من الحيض ، وممن أمر به في الحيض دون الجنابة طاوس والحسن ، وهو قول وكيع وأحمد . واختلف أصحابنا : هل ذَلكَ واجب ؟ أو مستحب ؟ على وجهين ، وظاهر كلام الخرقي وجوبه . وقد ورد حديث صريح بالنقض في غسل الحيض دون الجنابة من رواية سلمة بن صبيح ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها ، وغسلته بخطمي وأشنان ، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته ) . خرجه الطبراني وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في ( صحيحه ) المسمى ( بالمختارة ) . وخرجه الدارقطني في ( الأفراد ) وعنده : ( مسلم بن صبيح ) ، وقال : تفرد به عن حماد . وكذا ذكره أبو بكر الخطيب ، وقال : هو مسلم بن صبيح ، بصري يكنى أبا عثمان ، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره ، ومع هذا فليس بالمشهور . وأما ما نقله مهنا عن أحمد أن المرأة لا تنقض شعرها من الجنابة ، بل تفيض عليه الماء ؛ لحديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والحائض تنقضه . قَالَ مهنا : قلت لهُ : كيف تنقضه من الحيضة ، ولا تنقضه من الجنابة ؟ فقال : حديث أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( تنقضه ) . قلت : من أسماء ؟ قَالَ : أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما . فهذا لعله وهم من مهنا ، أو ممن روى عنه ، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية ، إنما حديثها في غسل دم الحيض من الثوب ، وقد تقدم . ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض ، وليس فيه أنه أمرها بالنقض ، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها ، ولم يأمرها بنقضه . وفي الحديث أنها سألته عن غسل الجنابة ، فأمرها بمثل ذَلكَ ، غير أنه لم يقل : ( دلكا شديدا ) . وقد خرجه مسلم كما تقدم . وأسماء هذه وقع في ( صحيح مسلم ) أنها ( بنت شكل ) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن ، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي ، من طريق شعبة ، عن إبراهيم بن المهاجر - بالإسناد الذي خرجه مسلم ، وفيه أن أسماء بنت يزيد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض ، فذكره . وأكثر العلماء على التسوية بين غسل الجنابة والحيض ، وأنه لا ينقض الشعر في واحد منهما . وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أم سلمة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ قَالَ : ( لا ) . وهذه اللفظة - أعني : لفظة ( الحيضة ) - تفرد بها عبد الرزاق عن الثوري ، وكأنها غير محفوظة ؛ فقد رواه غير واحد عن الثوري ، فلم يذكروها . وقد رويت أيضا هذه اللفظة من حديث سالم الخياط ، عن الحسن ، عن أم سلمة . وسالم ضعيف ، والحسن لم يسمع من أم سلمة . وروى أبو بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر - مرفوعا : ( لا يضر المرأة الحائض والجنب أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شئون رأسها ) . تفرد به الحنفي ، ورفعه منكر . وقد روي عن أبي الزبير ، عن جابر موقوفا ، وهو أصح . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، قَالَ : كن نساء ابن عمر يغتسلن من الحيض والجنابة ، فما ينقضن شعورهن ، ولكن يبلغن بالماء أصول الشعر . هذا كله إذا وصل الماء إلى غضون الشعر المضفور ، فإن لم يصل بدونه وجب نقضه عند الأكثرين . وهو قول مالك والشافعي ، والمشهور عندَ أصحابنا ، ورواية عن أبي حنيفة . وهو قول أبي خيثمة ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، ويحيى بن يحيى ، والجوزجاني ، وغيرهم من فقهاء الحديث . واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بحل الشعر ، وقد تكلم في أسانيدها . وقالت طائفة : لا يجب ذَلكَ ، وحكي عن مالك . وهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم صاحب ( المغني ) ، وذكر أنه ظاهر كلام الخرقي ، وأن الشعر حكمه حكم المنفصل عن الجسد ، لا حكم المتصل به . ولأصحابنا وجه أنه يفرق بين غسل الحيض والجنابة ، فيجب غسل الشعر في غسل الحيض خاصة . والصحيح من مذهب الحنفية أن الشعر إذا كان مضفورا لا يلزم المرأة نقضه في جنابة ولا حيض ؛ لمشقة نقضه ، بخلاف الرجل فإنه يلزمه نقضه ، وإن كان محلولا وجب غسله وإيصال الماء إلى بواطنه كشعر اللحية . وخرج الطبراني من رواية عمر بن هارون ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سالم خادم النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يجعلن رءوسهن أربع قرون ، فإذا اغتسلن جمعنهن على أوساط رءوسهن ) . عمر بن هارون ضعيف . وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض دليل على أن الأغسال المستحبة تفعل مع الحيض كأغسال الحج المستحبة ، ويدخل ذَلكَ في قوله لها : ( اصنعي ما يصنع الحاج ) . ولو كان على الحائض غسل جنابة ، إما قبل الحيض أو في حال الحيض - فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة ؟ فيهِ روايتان عن أحمد . واختلف السلف في ذَلكَ ؛ فقال النخعي وغيره : تغتسل . وقال عطاء : لا تغتسل ؛ الحيض أكبر . قَالَ أحمد : ثم رجع عن ذَلكَ ، وقال : تغتسل . وأما الوضوء فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها ، فتصير كالجنب . ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض لم يجز لها الجلوس في المسجد بخلاف الجنب ، وفيه وجه : يجوز إذا أمنت تلويثه . ونص الشافعي على أنه لا يشرع لها الوضوء عند النوم والأكل ، وهو قول أصحابنا ، واختلف أصحاب مالك في ذَلكَ . وأما وضوؤها عند كل صلاة ، وجلوسها قدر الصلاة للذكر - ففيه خلاف نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
خرج البخاري في هَذا الباب حديثًا ، فقالَ : 325 - ثنا أحمد بن أبي رجاء : ثنا أبو أسامة ، قالَ : سمعت هشام بن عروة ، قالَ : أخبرني أبي ، عَن عائشة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إني أستحاض ، فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قالَ : ( لا ، إن ذَلِكَ عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي ) . هَذا الحديث استدل بهِ من ذهب إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى قدر الأيام التي كانت تحيضها ، والأيام جمع ، وأقل الجمع ثلاثة . وأجاب من خالفهم عَنهُ بجوابين : أحدهما أن المراد بالأيام الأوقات ؛ لأن اليوم قَد يعبر بهِ عَن الوقت قل أو كثر ، كَما قالَ تعالى : أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ والمراد وقت مجيء العذاب ، وقد يكون ليلًا ويكون نهارًا ، وقد يستمر وقد لا يستمر . ويقال : يوم الجمل ، ويوم صفين ، وكل منهما كانَ عدة أيام . والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم رد امرأة واحدةً إلى عادتها ، والظاهر أن عادتها كانت أيامًا متعددة في الشهر ، إما ستة أيام أو سبعة ، فليس فيهِ دليل على أن كل حيض امرأة يكون كذلك . واستدل الإمام أحمد بقولِهِ صلى الله عليه وسلم : ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ) - على أن الحيض قَد يكون أكثر من عشرة أيام ؛ لأنه لو كانَ الزائد على العشرة استحاضة لبين لها ذَلِكَ . ولكن قَد يُقال : في الزيادة على الخمس عشرة كذلك أيضا . والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يعلم أن حيض هَذهِ المرأة أقل من ذَلِكَ ؛ فلذلك ردها إلى أيامها .
24 - باب إذا حاضتْ في شهرٍ ثلاثَ حيضٍ ، وما يصدقُ النساءُ في الحيضِ والحملِ فيما يمكنُ منَ الحيض لقول الله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ويذكر عَن علي وشريح : إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه ، أنها حاضت ثلاثًا في شهر - صدقت . وقال عطاء : أقراؤها ما كانت ، وبه قالَ إبراهيم . وقال عطاء : الحيض يوم إلى خمسة عشر . وقال المعتمر ، عَن أبيه : سألت ابن سيرين عَن المرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام ، قالَ : النساء أعلم بذلك . أما قول الله عز وجل : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ - فإنه يدل على أن المرأة مؤتمنة على الإخبار بما في رحمها ، ومصدقة فيهِ إذا ادعت من ذَلِكَ ممكنًا . روى الأعمش عَن مسلم ، عَن مسروق ، عَن أبي بن كعب ، قالَ : إن من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها . وقد اختلف المفسرون من السلف فمن بعدهم في المراد بقولِهِ تعالى : مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ؛ ففسره قوم بالحمل ، وفسره قوم بالحيض . وقال آخرون : كل منهما مراد ، واللفظ صالح لهما جميعًا . وهذا هوَ المروي عَن أكثر السلف ، منهُم ابن عمر وابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك . وأما ما ذكره عَن علي وشريح فقالَ حرب الكرماني : ثنا إسحاق هوَ ابن راهويه : ثنا عيسى بن يونس ، عَن إسماعيل بن أبي خالد ، عَن الشعبي - أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب ، فقالت : إني طلقت ، فحضت في شهر ثلاث حيض ؟ فقالَ علي لشريح : قل فيها ! فقالَ : أقول فيها وأنت شاهد ! قالَ : قل فيها ! قالَ : إن جاءت ببطانة من أهلها ممن يرضى دينهن وأمانتهن فقلن : إنها حاضت ثلاث حيض طهرت عند كل حيضة - صدقت . فقالَ علي : قالون . قالَ عيسى : بالرومية أصبت . قالَ حرب : وثنا إسحاق : أبنا محمد بن بكر : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عَن قتادة ، عَن عزرة ، عَن الحسن العرني - أن امرأة طلقها زوجها ، فحاضت في خمس وثلاثين ليلة ثلاث حيض . فرفعت إلى شريح ، فلم يدر ما يقول فيها ، ولم يقل شيئًا . فرفعت إلى علي بن أبي طالب ، فقالَ : سلوا عنها جاراتها ، فإن كانَ هكذا حيضها فقد انقضت عدتها ، وإلا فأشهر ثلاث . وهذا الإسناد فيهِ انقطاع ؛ فإن الحسن العرني لَم يدرك عليًا ، قاله أبو حاتم الرازي . وأما الإسناد الذِي قبله فإن الشعبي رأى عليا يرجم شراحة ووصفه . قالَ يعقوب بن شيبة : لكنه لَم يصحح سماعه منه . وأما ما ذكره البخاري عَن عطاء والنخعي فروى ابن المبارك ، عَن ابن لهيعة ، عَن خالد بن يزيد ، عَن عطاء ، في امرأة طلقت ، فتتابعت لها ثلاث حيض في شهر - هل [حلت] ؟ قالَ : أقراؤها ما كانت . وروي نحوه عَن النخعي كَما حكاه البخاري ، وحكاه عَنهُ إسحاق بن راهويه . فهؤلاء كلهم يقولون : إن المرأة قَد تنقضي عدتها بثلاثة أقراء في شهر واحد ، وَهوَ قول كثير من العلماء ، منهُم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم . وهذا ينبني على أصلين : أحدهما : الاختلاف في الأقراء هل هي الأطهار ؟ أو الحيض ؟ وفيه قولان مشهوران . ومذهب مالك والشافعي أنها الأطهار ، ومذهب أحمد - الصحيح عَنهُ - وإسحاق أنها الحيض . وستأتي المسألة مستوفاةً في موضع آخر من الكِتابِ إن شاء الله تعالى . والثاني : الاختلاف في مدة أقل الحيض وأقل الطهر بين الحيضتين ؛ فأما أقل الحيض فمذهب الشَافِعي وأحمد - المشهور عَنهُ - وإسحاق أنهُ يوم وليلة . وأما أقل الطهر بين الحيضتين فمذهب الشافعي وأحمد في رواية عَنهُ أنهُ خمسة عشر يومًا ، وَهوَ قول كثير من أصحاب مالك . والمشهور عَن أحمد أن أقله ثلاثة عشر يومًا . وعند إسحاق أقله عشرة أيام ، نقله عَنهُ حرب . وَهوَ رواية ابن القاسم ، عَن مالك . واختلفت الرواية عَن مالك في ذَلِكَ ؛ فعلى قول من قالَ : الأقراء الحيض ، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا - فيمكن انقضاء العدة بثلاثة قروء في تسعة وعشرين يومًا . وعلى قول من قالَ : الأقراء الحيض ، وأقل الطهر خمسة عشر - فلا تنقضي العدة في أقل من ثلاثة وثلاثين يومًا . وأما على قول من يقول : الأقراء الأطهار ؛ فإن قيل بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر فأقل ما تنقضي فيهِ العدة بالأقراء ثمانية وعشرون يومًا . وإن قيل : أقل الطهر خمسة عشر - فاثنان وثلاثون يومًا . فأما مالك وأصحابه فقالَ ابن القاسم : سألت مالكًا : إذا قالت : قَد حضت ثلاث حيض في شهر ، قالَ : تسأل النساء عَن ذَلِكَ ، فإن كن يحضن كذلك ، ويطهرن لَهُ - كانت مصدقة . وهذا هوَ مذهب مالك المذكور في ( المدونة ) ، واختاره الأبهري من أصحابه ، وبناه على أن الحيض لا حد لأقله ، بل أقله دفقة وأقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر . ومن المالكية من قالَ : يقبل في أربعين يومًا . فاعتبر أقل الطهر وخمسة أيام من كل حيضة . ومنهم من قالَ : تنقضي في ستة وثلاثين يومًا ، فاعتبر أقل الطهر وثلاثة أيام للحيضة . فلم يعتبر هَذا ولا الذِي قبله أقل الحيض ولا أكثره . وقد ينبني الذِي نقله ابن القاسم عَن مالك على قوله : إنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين ، بل هوَ على ما تعرف المرأة من عادتها . وَهوَ رواية منصوصة عَن أحمد ، اختارها أبو حفص البرمكي من أصحابنا ، وأورد على نفسه أنهُ يلزم على هَذا أنها إذا ادعت انقضاء العدة في أربعة أيام قبل منها ، فأجاب أنهُ لا بد من الأقراء الكاملة ، وأقل ما يُمكن في شهر . كذا قالَ . ونقل الأثرم عَن أحمد أنهُ لا توقيت في الطهر بين الحيضتين ، إلا في موضع واحد : إذا ادعت انقضاء عدتها في شهر فإنها تكلف البينة . ونقل ابن عبد البر أن الشَافِعي قالَ : أقل الطهر خمسة عشر ، إلا أن يعلم طهر امرأة أقل من خمسة عشر ، فيكون القول قولها . ومذهب أبي حنيفة : لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا ، واختلف عَنهُ في تعليل ذَلِكَ ؛ فنقل عَنهُ أبو يوسف أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يومًا ، وتجعل كل حيضة خمسة أيام ، والأقراء عندهم الحيض . ونقل عَنهُ الحسن بن زياد أنهُ اعتبر أكثر الحيض وَهوَ عشرة أيام عندهم ، وأقل الطهر وَهوَ خمسة عشر ، وبدأ بالحيض . وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد : لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا ، بناء على أقل الحيض ، وَهوَ عندهم ثلاثة ، وأقل الطهر ، وَهوَ خمسة عشر . وقال سفيان الثوري : لا تصدق في أقل من أربعين يومًا ، وَهوَ أقل ما تحيض فيهِ النساء وتطهر . وهذا كقول أبي يوسف ومحمد . وعن الحسن بن صالح : لا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يومًا ، نقله عَنهُ الطحاوي . وقال حرب الكرماني : ثنا إسحاق : ثنا أبي ، قالَ : سألت ابن المبارك ، فقالَ : أرأيت قول سفيان : تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر ، كيف هَذا ؟ وما معناه ؟ فقالَ : جعل ثلاثًا حيضًا ، وعشرًا طهرًا ، وثلاثًا حيضًا . كذا قالَ . وقد ذكر بعض أصحاب سفيان في مصنف لَهُ على مذهبه رواية ابن المبارك هَذهِ عَن سفيان أنها لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يومًا ، وعزاها إلى الطحاوي ، ووجهها بأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل الطهر خمسة عشر . قالَ : ورواية المعافى والفريابي عَن سفيان أنها لا تصدق في أقل من أربعين يومًا ، قالَ : وهما بمعنى واحد . وأما إسحاق بن راهويه فإنه حمل المروي عَن علي في ذَلِكَ على أنهُ جعل الطهر عشرة أيام ، والحيض ثلاثة ، لكن إسحاق لا يرى أن أقل الحيض ثلاث . ولم يذكر أكثر هؤلاء أن قبول دعواها يحتاج إلى بينة ، وَهوَ قول الخرقي من أصحابنا . والمنصوص عَن أحمد أن دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة ، تشهد بهِ من النساء . ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة ؛ لأن المرأة مؤتمنة على حيضها كَما قالَ أبي بن كعب وغيره . وإنما اعتبرنا البينة في دعواها في الشهر خاصة للمروي عَن علي بن أبي طالب كَما تقدم . ومن أصحابنا من قالَ : إن ادعته في ثلاثة وثلاثين يومًا قبل بغير بينة ؛ لأن أقل الطهر المتفق عليهِ خمسة عشر يومًا ، وإنما يحتاج إلى بينة إذا ادعته في تسعة وعشرين ؛ لأنه يُمكن ؛ فإن أقل الطهر ثلاثة عشر في رواية . ومنهم من قالَ : إنما يقبل ذَلِكَ بغير بينة في حق من ليسَ لها عادة مستقرة ، فأما من لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة على الأصح ، كذا قاله صاحب ( الترغيب ) . وقال ابن عقيل في ( فنونه ) : ولا تقبل معَ فساد النساء وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة في أربعين ولا خمسين [يومًا] إلا ببينة تشهد أن هَذهِ عادتها ، أو أنها رأت الحيض على هَذا المقدار ، وتكرر ثلاثًا . وقال إسحاق وأبو عبيد : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر ، إلا أن تكون لها عادة معلومة قَد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن ، فيعمل بها حينئذ . ومتى لَم يكن كذلك فقد وقعت الريبة ، فيحتاط وتعدل الأقراء بالشهور كَما في حق الآيسة والصغيرة . وأما ما حكاه البخاري عَن عطاء أن الحيض يوم إلى خمسة عشر فهذا معروف عَن عطاء . وقد اختلف العلماء في أقل الحيض وأكثره ؛ فأما أقله فمنهم من قالَ : يوم ، كَما روي عَن عطاء . ومنهم من قالَ : يوم وليلة ، وروي أيضا عَن عطاء . وروي أيضا مثل هذين القولين عَن الأوزاعي والشافعي وأحمد ، فقالَ كثير من أصحابهم : إنهما قولان لَهُم . ومن أصحابنا وأصحاب الشَافِعي من قالَ : إنما مراد الشَافِعي [ وأحمد ] يوم معَ ليلته ؛ فإن العرب تذكر اليوم كثيرًا ويريدون : معَ ليلته . وممن قالَ : أقله يوم وليلة - إسحاق وأبو ثور . وقالت طائفة : لا حد لأقله ، بل هوَ على ما تعرفه المرأة من نفسها ، وَهوَ المشهور عَن مالك ، وقول أبي داود وعلي بن المديني ، وروي عَن الأوزاعي أيضا . ونقل ابن جرير الطبري عَن الربيع ، عَن الشَافِعي - أن الحيض يكون يومًا [وأقل] وأكثر . قالَ الربيع : وآخر قولي الشَافِعي : أن أقله يوم وليلة . وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : أقله ثلاثة أيام . وروي ذَلِكَ عَن ابن مسعود وأنس من قولهما ، وروي مرفوعًا من طرق ، والمرفوع كله باطل لا يصح . وكذلك الموقوف طرقه واهية ، وقد طعن فيها غير واحد من أئمة الحفاظ . وقالت طائفة : أقله خمسة أيام ، وروي عَن مالك . ولم يصح عند أكثر الأئمة في هَذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف ، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حكي من عادات النساء خاصة ، وعلى مثل ذَلِكَ اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وأما أكثر الحيض فقالَ عطاء : هوَ خمسة عشر يومًا . وحكي مثله عَن شريك والحسن بن صالح ، وَهوَ قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عَنهُ ، وإسحاق وداود وأبي ثور ، وغيرهم . ومن أصحابنا والشافعية من قالَ : خمسة عشر يومًا بلياليها . قالَ بعض الشافعية : وهذا القيد لا بد منه ؛ لتدخل الليلة الأولى ، والاعتماد في ذَلِكَ على ما حكي من حيض بعض النساء خاصة . وأما الرواية عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ في نقصان دين النساء : ( تمكث شطر عمرها لا تصلي ) - فإنه لا يصح ، وقد طعن فيهِ ابن منده والبيهقي وغيرهما من الأئمة . وقالت طائفة : أكثره سبعة عشر . حكي عَن عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن نافع صاحب مالك . وَهوَ رواية عَن أحمد ، واختارها أبو بكر عبد العزيز . ومن أصحابنا كأبي حفص البرمكي من قالَ : لا يصح عَن أحمد ، إنما حكى ذَلِكَ أحمد عَن غيره ، ولم يوافقه . وحكي عَن بعضهم : أكثره ثلاثة عشر . وحكي عَن سعيد بن جبير . وقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه : أكثره عشرة أيام . واعتمدوا في ذَلِكَ على أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة عَن أنس وابن مسعود وغيرهما كَما سبق . والأحاديث المرفوعة باطلة ، وكذلك الموقوفة على الصحابة ، قاله الإمام أحمد في رواية الميموني وغيره . وقد روي أيضا عَن الحسن وخالد بن معدان ، وأنكره الإمام أحمد عَن خالد . وروي عَن الحسن : أكثره خمسة عشر . وحكي عَن طائفة [أن] أكثره سبعة أيام ، [قالَ مكحول : وقت الحائض سبعة أيام] . وعن الضحاك قالَ : تقعد سبعة أيام ، ثم تغتسل وتصلي . وعن الأوزاعي في المبتدأة : تمكث [أعلى] أقراء النساء سبعة أيام ، ثم تغتسل وتصلي كَما تفعل المستحاضة . وحكى الحسن بن ثواب ، عَن أحمد ، قالَ : عامة الحيض ستة أيام إلى سبعة . [قيل لَهُ : فإن امرأة من آل أنس كانت تحيض خمسة عشر ؟ قالَ : قَد كانَ ذَلِكَ . وأدنى الحيض يوم ، وأقصاه عندنا ستة أيام إلى سبعة] ، ثم ذكر حديث : ( تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا ) . وكلام أحمد ومن ذكرنا معه في هَذا إنما مرادهم بهِ - والله أعلم - أن السبعة غالب الحيض وأكثر عادات النساء ، لا أنهُ أقصى حيض النساء كلهن . وقالت طائفة : لا حد لأكثر الحيض ، وإنما هوَ على حسب ما تعرفه كل امرأة من عادة نفسها . فلو كانت المرأة لا تحيض في السنة إلا مرة واحدة ، وتحيض شهرين متتابعين - فهوَ حيض صحيح . روي نَحوَ ذَلِكَ عَن ميمون بن مهران والأوزاعي ، ونقله حرب عَن إسحاق وعلي بن المديني . ويشبه هَذا ما قاله ابن سيرين : النساء أعلم بذلك ، كَما حكاه البخاري عَنهُ تعليقًا من رواية معتمر بن سليمان ، عَن أبيه ، أنه سأل ابن سيرين عَن امرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام ! قالَ : النساء أعلم بذلك . ومراد ابن سرين - والله أعلم - أن المرأة أعلم بحيضها واستحاضتها ، فما اعتادته حيضًا وتبين لها أنهُ حيض جعلته حيضًا ، وما لَم تعتده ولم يتبين لها أنهُ حيض فهوَ استحاضة . وقد ذكر طائفة من أعيان أصحاب الشَافِعي أن من لها عادة مستمرة على حيض وطهر أقل من يوم وليلة وأكثر من خمسة عشر أنها تعمل بعادتها في ذَلِكَ ، منهُم أبو إسحاق الإسفراييني والقاضي حسين والدارمي وأبو عمرو بن الصلاح ، وذكر أنه نص الشَافِعي ، نقله عَنهُ صاحب ( التقريب ) . وما نقله ابن جرير عَن الربيع ، عَن الشَافِعي ، كَما تقدم - يشهد لَهُ أيضا .
17 - باب مخلقة وغير مخلقة 318 - حدثنا مسدد ، ثنا حماد ، عن عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول : يا رب ، نطفة ! يا رب ، علقة ! يا رب ، مضغة ! فإذا أراد أن يقضي الله خلقه قَالَ : أذكر ؟ أم أنثى ؟ أشقي ؟ أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب في بطن أمه ) . اختلف السلف في تأويل قول الله عز وجل : ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ؛ فقال مجاهد : هي المضغة التي تسقطها المرأة ؛ منها ما هوَ مخلق فيهِ تصوير وتخطيط ، ومنها ما ليس بمخلق ولا تصوير فيهِ . أرى الله تعالى ذَلكَ عباده ؛ ليبين لهم أصل ما خلقوا منه ، والذي يقره في الأرحام هوَ الذي يتم خلقه ويولد . وقالت طائفة : المخلقة هي التي يتم خلقها ، وغير مخلقة هي التي تسقط قبل أن تكون مضغة . روى الشعبي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قَالَ : النطفة إذا استقرت في الرحم حملها ملك بكفه ، وقال : أي رب ، مخلقة ؟ أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة - لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام . وإن قيل : مخلقة - قَالَ : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ ما الأجل ؟ ما الأثر ؟ وبأي أرض تموت ؟ قَالَ : فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : الله ! فيقال : من رازقك ؟ فتقول : الله ! فيقول الله عز وجل : اذهب إلى الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة . قَالَ : فتخلق ، فتعيش في أجلها ، وتأكل رزقها ، وتطأ في أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذَلكَ ، ثم تلا الشعبي : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ إلى قوله : مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع ، فكانت نسمة . فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما ، وإن كانت مخلقة نكست نسمة . خرجه ابن أبي حاتم وغيره ، وآخره هو من قول الشعبي . وقد يستأنس بهذا من يقول : إن الحامل لا تحيض ولا ترى دم الحيض في حال حملها ، وأنها لا ترى إلا دم النفاس خاصة ، وفي ذَلكَ نظر . وقد قيل : إن هذا هو مراد البخاري بتبويبه هذا . وقد روي عن الحسن في قول الله عز وجل : إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ - أن النطفة مشجت ، أي : خلطت بدم الحيض ، فإذا حملت المرأة ارتفع حيضها . وحديث أنس الذي خرجه البخاري يدل على أنه لا يخلق إلا بعد أن يكون مضغة ، وليس فيه ذكر مدة ذَلكَ . وذكر المدة في حديث ابن مسعود ، وقد خرجه البخاري في مواضع أخر - قَالَ : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذَلكَ ، ثم يكون مضغة مثل ذَلكَ . ثم يبعث إليه الملك ، فيؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد . ثم ينفخ فيه الروح ) ، وذكر الحديث . وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود موقوفا عليه ، وعن ابن عباس ، وغيرهما من الصحابة . وقد أخذ كثير من العلماء بظاهر حديث ابن مسعود ، وقالوا : أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما ؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة ، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة . قَالَ الإمام أحمد : ثنا هشيم : أبنا داود ، عن الشعبي ، قَالَ : إذا نكس السقط في الخلق الرابع ، وكان مخلقا - عتقت به الأمة ، وانقضت به العدة . قَالَ أحمد : إذا تبين الخلق فهو نفاس ، وتعتق به إذا تبين . قَالَ : ولا يصلى على السقط إلا بعد أربعة أشهر . قيل له : فإن كان أقل من أربعة ؟ قَالَ : لا ، هوَ في الأربعة يتبين خلقه . وقال : العلقة هي دم لا يتبين فيها الخلق . وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على أن الخلق لا يكون إلا في المضغة : أقل ما يتبين فيهِ خلق الولد أحد وثمانون يوما ، في أول الأربعين الثالثة التي يكون فيها مضغة . فإن أسقطت مضغة مخلقة انقضت بها العدة ، وعتقت بها أم الولد . ولو كانَ التخليق خفيا لا يشهد به إلا من يعرفه من النساء فكذلك . فإن كانت مضغة لا تخليق فيها ففي انقضاء العدة وعتق الأمة به روايتان عن أحمد . وهل يعتبر للمضغة المخلقة أن يكون وضعها بعد تمام أربعة أشهر ؟ فيهِ قولان ، أشهرهما : لا يعتبر ذَلِكَ ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو المشهور عن أحمد حتى قالَ : إذا تبين خلقه ليس فيهِ اختلاف أنها تعتق بذلك . وروي عنه ما يدل على اعتبار مضي الأربعة أشهر ، وعنه رواية أخرى في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها ، ومن أصحابنا من طرد ذَلكَ في انقضاء العدة بها أيضا ، وهذه الرواية قول النخعي ، وحكي قولًا للشافعي . وهذا يدل على أنه يمكن التخليق في العلقة ، وقد روي ما يدل عليه ، والأطباء تعترف بذلك . فأما الصلاة على السقط فالمشهور عن أحمد أنه لا يصلى عليه حتّى ينفخ فيه الروح ؛ ليكون ميتا بمفارقة الروح له ، وذلك بعد مضي أربعة أشهر ، وهو قول ابن المسيب ، وأحد أقوال الشافعي ، وإسحاق . وإذا ألقت ما يتبين فيه خلق الإنسان فهي نفساء ، ويلزمها الغسل ، فإن لم يتبين فيه خلق الإنسان وكان مضغة فلا نفاس لها ، ولا غسل عليها في المشهور عن أحمد . وعنه رواية أنها نفساء ، نقلها عنه الحسن بن ثواب ، ولم يشترط شيئا ؛ لأن المضغة مظنة تبين التخلق والتصوير غالبا . وإن ألقت علقة فلا نفاس لها فيهِ ، ولأصحابنا وجه ضعيف أنها نفساء ، بناء على القول بانقضاء العدة به . ومذهب الشافعية والحنفية أن الاعتبار في النفاس بما تنقضي به العدة ، وتصير به الأمة أم ولد ، فحيث وجد ذَلكَ فالنفاس موجود ، وإلا فلا ، والاعتبار عندهم في ذَلكَ كله بما يتبين فيه خلق الإنسان . وقال إسحاق : إذا استتم الخلق فهو نفاس ، نقله عنه حرب .
23 - باب شهودِ الحائضِ العيدينِ ودعوةَ المسلمينَ ، ويعتزلنَ المصلى 324 - حدثنا محمد بن سلام : ثنا عبد الوهاب ، عَن أيوب ، عَن حفصة ، قالت : كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين ، فقدمت امرأة ، فنزلت قصر بني خلف . فحدثت عَن أختها ، وكان زوج أختها غزا معَ النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة ، وكانت أختي معه في ست - قالت : كنا نداوي الكلمى ، ونقوم على المرضى . فسألت أختي النبي صلى الله عليه وسلم : أعلى إحدانا بأس إذا لَم يكن لها جلباب أن لا تخرج ؟ قالَ : ( لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين ) . فلما قدمت أم عطية سألتها : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : بأبا ، نعم - وكانت لا تذكره إلا قالت : بأبي - سمعته يقول : ( يخرج العواتق وذوات الخدور أو العواتق ذوات الخدور ، والحيض ، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ، ويعتزل الحيض المصلى ) . قالت حفصة : فقلت : آلحيض ؟ فقالت : أليس تشهد عرفة وكذا وكذا ؟ ( حفصة ) هي بنت سيرين أخت محمد وإخوته . و( العواتق ) جمع عاتق ، وهي البكر البالغ التي لَم تزوج . و( الجلباب ) هي الملاءة المغطية للبدن كله ، تلبس فوق الثياب ، وتسميها العامة الإزار ، ومنه قول الله عز وجل : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ وفي الحديث أمر للنساء بشهود العيدين ، معللًا بما فيهِ من شهود الخير ودعوة المسلمين ، ويأتي استيفاء الكلام على ذَلِكَ في موضعه من ( الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وإنما المقصود هنا شهود الحيض ، وقد استنكرت ذَلِكَ حفصة بنت سيرين ، فأجابتها أم عطية بأن الحائض تشهد عرفة وكذا وكذا ، كأنها تعني مجامع الحج من الوقوف بالمزدلفة ، ورمي الجمار وغير ذَلِكَ ؛ فإنها تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت ، كَما سبق . فكذلك تشهد مجمع العيدين وهي حائض ؛ لأنها من أهل الدعاء والذكر ، فلها أن تفعل ذَلِكَ بنفسها ، وتشهد مجامع المسلمين المشتملة عليهِ . وأما أمر الحائض باعتزال المصلى فقد قيل بأن مصلى العيدين مسجد ، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ . وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا ، منهُم ابن أبي موسى في ( شرح الخرقي ) ، وَهوَ أيضا أحد الوجهين للشافعية ، والصحيح عندهم أنهُ ليسَ بمسجد ، فللجنب والحائض المكث فيهِ . وأجابوا عَن حديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى بأن المراد أن يتسع على غيرهن ، ويتميزن . وفي هَذا نظر ؛ فإن تميز الحائض عَن غيرها من النساء في مجلس وغيره ليسَ بمشروع ، وإنما المشروع تميز النساء عَن الرجال جملة ؛ فإن اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد . وقد قيل : إن المصلى يكون لَهُ حكم المساجد في يوم العيدين خاصةً ، في حال اجتماع الناس فيهِ دونَ غيره من الأوقات . وفي ذَلِكَ أيضا نظر ، والله أعلم . والأظهر أن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هوَ حال الصلاة ؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن ، ثم يختلطن بهن في سماع الخطبة . وقد صرح أصحابنا بأن مصلى العيد ليسَ حكمه حكم المسجد ، ولا في يوم العيد ، حتى قالوا : لو وصل إلى المصلى يوم العيد والإمام يخطب فيهِ بعد الصلاة فإنه يجلس من غير صلاة ؛ لأنه لا تحية لَهُ . واختلفوا : لو كانَ يخطب في المسجد : هل يصلي التحية ؟ على وجهين . وقول أم عطية : ( بأبا ) - هوَ بفتح الباء الثانية ، وقد زعم بعضهم أن حديث أم عطية لَم يرد إلا كذلك . وهما لغتان : ( بأبي ) بكسر الباء ، و( بأبا ) بفتح الباء . والمراد تفدية النبي صلى الله عليه وسلم بأبيها .
18 - باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ؟ خرج فيه : 319 - حديث ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : خرجنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع . فذكرت الحديث ، إلى أن قالت : فحضت ، فلم أزل حائضا حتّى كان يوم عرفة ، ولم أهلل إلاّ بعمرة ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي ، وأمتشط ، وأهل بحج ، وأترك العمرة . ففعلت ذَلكَ حتّى قضيت حجي ، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم . فيه دليل على أن الحائض إذا أرادت الإحرام فإنها تغتسل له ، ثم تهل بما تريد أن تحرم به من حج أو عمرة . والإهلال التلبية . وخرج مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لعائشة لما حاضت : ( اغتسلي ، ثم أهلي بالحج ) . ومن حديث جابر أيضا قَالَ : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتّى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قَالَ : ( اغتسلي واستثفري بثوب ، وأحرمي ) . ومن حديث عائشة ، قالت : نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر [يأمرها] أن تغتسل وتهل . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من رواية خصيف ، عن عكرمة ومجاهد وعطاء ، عن ابن عباس - يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم - : ( إن النفساء والحائض تغتسل وتحرم ، فتقضي المناسك كلها ، غير أن لا تطوف بالبيت حتّى تطهر ) . وقال الترمذي : حديث حسن . وهذا قول جماعة أهل العلم ، لا يعلم بينهم اختلاف فيه - أن الحائض يجوز أن تحرم بالحج والعمرة ، وتفعل ما يفعله الطاهر ، سوى الطواف بالبيت كما سبق . ولكن منهم من كره لها أن تبتدئ الإحرام من غير حاجة إليه ، فكره الضحاك وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري أن تحرم في حال دمها قبل الميقات ؛ لأنه لا حاجة لها إلى ذَلكَ . فإذا وصلت إلى الميقات ، ولم تطهر - فإحرامها حينئذ ضرورة . وكره عطاء لمن كانت بمكة وهي حائض أن تخرج إلى الميقات ، فتهل بعمرة ، وقال : لا تخرج حتّى تطهر . وهو محمول على المقيمة بمكة التي يمكنها تأخير الإحرام إلى حال طهرها .
22 - باب منِ اتخذَ ثيابَ الحيضِ سوى ثيابِ الطهرِ خرج فيهِ : 323 - حديث أم سلمة بالإسناد المتقدم ، قالت : بينا أنا معَ النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميلة حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقالَ : ( أنفست ؟ ) ، فقلت : نعم . فدعاني ، فاضطجعت معه في الخميلة . قَد سبق حديث عائشة ، قالت : ( ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ ) . وقد خرجه البخاري في ( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ ) وسبق هناك أحاديث متعددة بهذا المعنى . وظاهر حديث أم سلمة هَذا يدل على أنهُ كانَ لها ثياب لحيضها غير ثياب طهرها ، فيكون هَذا كله جائزًا غير ممنوع منهُ ولا مكروه . فلا يكره أن تحيض المرأة وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيهِ ، ولا أن تتخذ لحيضها ثيابًا غير ثياب طهرها ، ولا يعد ذَلِكَ سرفًا ولا وسواسًا . ويحتمل أن يجمع بين الحديثين بأن يكون المراد بثياب الحيضة في حديث أم سلمة الإزار التي كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الحائض في فور حيضها أن تأتزر بهِ ، ثم يباشرها وهي حائض كَما روت ذَلِكَ عائشة وميمونة ، وقد سبق حديثهما في ( باب مباشرة الحائض ) . فيجمع بذلك بين حديث عائشة ( ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ ) ، وبين حديثها الآخر في أمرها بالاتزار في فور الحيض .
ثم خرج البخاري في هَذا الباب : 320 - من حديث سفيان - هوَ ابن عيينة - عَن هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( ذَلِكَ عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) . وقد سبق هَذا الحديث ، وذكرنا اختلاف العلماء في معناه ، وأنه هل المراد بإقبال الحيضة وإدبارها إقبال الدم الأسود وإدباره ؟ أم المراد إقبال وقت عادتها وإدبارها ؟ وأن أكثر الأئمة حملوا الحديث على الأول ، وَهوَ اعتبار التمييز في الدم . والمميزة ترجع إلى ما تراه من أغلظ الدماء وأفحشها لونًا ، فتجلس مدة الدم الأسود دونَ الأحمر ، والأحمر دونَ الأصفر . ولا يعتبر للتمييز تكرر على أصح الوجهين لأصحابنا ، لكن يشترط عندهم أن لا ينقص عَن أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره ، وأن يكون بين الدمين أقل مدة الطهر ، وَهوَ قول الشافعية أيضا . وحكي عَن أحمد رواية أخرى أنه لا يعتبر أن لا يجاوز أكثر الحيض ، فعلى هَذهِ الرواية تجلس منهُ قدر الأكثر خاصةً . وأما على تفسير إقبال الحيضة وإدبارها بإقبال العادة وإدبارها فتجلس ما تراه من الدم في أيام عادتها خاصة ، على أي صفة كانَ ، ولا تزيد على ذَلِكَ . فإذا انقضت مدة عادتها فهي طاهر تغتسل وتصلي .
19 - باب إقبال المحيض وإدباره وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا ! وعابت عليهن . هذان الأثران خرجهما مالك في ( الموطإ ) ، فروى عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة - أنها قالت : كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة من دم الحيضة ، يسألنها عن الصلاة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . وروى أيضا عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت - أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فكانت تعيب ذَلكَ عليهن ، وتقول : ما كان النساء يصنعن هذا ! وإنما كان نساء الصدر الأول يصنعن هذا لشدة اهتمامهن بالصلاة ، وأمور الدين رضي الله عنهن . قَالَ ابن عبد البر : إنما أنكرت بنت زيد بن ثابت على النساء افتقاد أحوالهن في غير وقت الصلاة وما قاربها ؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة ، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة ، فإن كن قد طهرن تأهبن للغسل ؛ لما عليهن من الصلاة . انتهى . وفيما قاله نظر ؛ فإن جوف الليل وقت لصلاة العشاء ، فإذا طهرت فيه الحائض لزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضا عند كثير من العلماء . وإنما أنكرت بنت زيد - والله أعلم - النظر في لون الدم ، وأن مدة العادة تحكم بأن جميع ما يرى فيها دم حيض وإن اختلفت ألوانه . وهذا المعنى أقرب إلى إدخال البخاري له في هذا الباب ، وإلى إدخال مالك له في ( الموطإ ) في ( باب طهر الحيض ) ، وسياقهما له بعد قول عائشة الذي صدر به البخاري هذا الباب . و( الدرجة ) قد رويت بضم الدال المشددة وسكون الراء ، فتكون تأنيث ( درج ) . ورويت بكسر الدال وفتح الراء ، فتكون جمع ( درج ) كما تجمع ( خرج وترس ) على ( خرجة وترسة ) . و( الدرج ) المراد به هنا خرق تلف وفيها قطن ، وهو الكرسف ، فتدخله المرأة الحائض في فرجها ؛ لتنظر ما يخرج على القطن ؛ فإذا خرج عليه دم أحمر أو أسود علمت المرأة أن دم حيضها باق ، وإن خرج عليه صفرة فقد أفتت عائشة - رضى الله عنها - بأنه حيض أيضا ، وأن الحائض لا ينقطع حيضها حتّى ترى القصة البيضاء . و( القصة ) بفتح القاف أصلها القطعة من الجص الأبيض ، وأرادت عائشة بذلك أن القطنة تخرج بيضاء ، ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة ، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها . وقالت طائفة : بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض ، فلا تطهرن بدونه . وقيل : إنه يشبه الخيط الأبيض ، وهذا قول مالك وغيره . وروى الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن عبد الرحمن بن ذؤيب ، عن عائشة ، قالت : الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعا . خرجه حرب الكرماني . وحكى الخطابي عن ابن وهب أنه قَالَ في تفسير القصة البيضاء : رأيت القطن الأبيض ، كأنه هو . وعن ابن أبي سلمة قَالَ : إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون ، فتطهر بذلك فيما بلغنا . وعن مالك قَالَ : سألت النساء عن القصة البيضاء ، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء ، يرينه عند الطهر . وهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه ، وأن القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض . وقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر ؛ ففي ( المدونة ) : قَالَ مالك : إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها ، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف ، وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة . وبه قَالَ عيسى بن دينار ، قَالَ : القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف . وفي ( المجموعة ) : قَالَ مالك : إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتّى تراها ، إلا أن يطول ذَلكَ بها . وقال ابن حبيب : تطهر بالجفوف ، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء . قَالَ ابن حبيب : والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء . قَالَ : فمن كان طهرها القصة البيضاء ، ورأت الجفوف - فقد طهرت . قَالَ : ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتّى ترى الجفوف . قَالَ : وذلك أن أول الحيض دم ، ثم صفرة ، ثم ترية ، ثم كدرة . ثم يكون ريقًا كالفضة ، ثم ينقطع . فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض . قَالَ : والجفوف أبرأ وأوعب ، وليس بعد الجفوف انتظار . انتهى ما ذكره ابن عبد البر رحمه الله . وفي ( تهذيب المدونة ) : تغتسل إن رأت القصة البيضاء ، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف . قَالَ ابن القاسم : والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة . قَالَ أبو عبيد : الترية الشيء الخفي اليسير ، وهو أقل من الصفرة والكدرة ، ولا تكون الترية إلا بعد اغتسال . فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية . انتهى . واختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء ؛ فنقل الأكثرون عنه أنه شيء أبيض يتبع الحيضة ، ليس بصفرة ولا كدرة ، فهو علامة الطهر ، وحكاه أحمد عن الشافعي . ونقل حنبل عن أحمد أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم ، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض . وأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن ، فيها كالصفرة ، تسألها : هل ترى إذا لَم تر المرأة من الحيضة إلا هَذا أن قَد طهرت ؟ فقالت : لا ، حتى ترى البياض خالصًا . وروى الأثرم بإسناده عَن ابن الزبير أنهُ قالَ على المنبر : يا معشر النساء ، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فهوَ الطهر . وقال مكحول : لا تغتسل المرأة من الحيض إذا طهرت حتى ترى طهرًا أبيض . وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء . ودل قول عائشة رضي الله عنها هَذا على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض ، وأن من لها أيام معتادة تحيض فيها ، فرأت فيها صفرة أو كدرة - فإن ذَلِكَ يكون حيضًا معتبرًا . وهذا قول جمهور العلماء ، حتى إن منهُم من نقله إجماعًا ، منهُم عبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه ، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة . ولكن ذهب طائفة قليلة ، منهُم الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية - إلى أنه لا يكون ذَلِكَ حيضًا حتى يتقدمه في مدة العادة دم . واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم أيضا . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض . وقال أبو يوسف : الصفرة حيض ، والكدرة ليسَت حيضًا ، إلا أن يتقدمها دم . وحكي عَن داود أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضًا بكل حال . فأما ما زاد على أيام العادة ، واتصل بها ، وكان صفرة أو كدرة - فهل يكون حيضًا ؟ أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما : أنهُ حيض ، وَهوَ أشهر الروايتين عَن مالك ، والمشهور عَن الشَافِعي أيضا ، وعليه أكثر أصحابه ، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق . والثاني : أنه ليسَ بحيض ، وَهوَ رواية عَن مالك ، وقول الثوري والإصطخري وغيره من الشافعية . وأما الإمام أحمد فإنه يرى أن الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا على اختلاف عَنهُ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ . فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة ، وتكرر ثلاثًا - فهل يكون حيضًا ؟ أم لا ؟ فيهِ عَنهُ روايتان . وقد روي عَن عائشة أنها لا تلتفت إلى الزائد على العادة من الصفرة والكدرة . خرجه حرب والبيهقي من رواية سليمان بن موسى ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، قالت : إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَن الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة ، فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل ، فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل ، فإذا رأت دمًا أحمر فلتغتسل ولتصل . وروي عَن أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ ، فروى البيهقي وغيره من رواية ابن إسحاق ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء ، قالت : كنا في حجرها معَ بنات أخيها ، فكانت إحدانا تطهر ، ثم تصلي ، ثم تنتكس بالصفرة اليسيرة ، فنسألها ، فتقول : اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ ، حتى ترين البياض خالصًا . وقد حمله بعض أصحابنا على أن الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنها لا تكون حيضًا ولو تكررت ، على الصحيح عندهم ، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلًا بالدم وتكرر . فهذا كله في حق المعتادة . فأما المبتدأة فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة فقالت طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه ، وأكثر أصحاب الشَافِعي : إنه يكون حيضًا ؛ لأن زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة . وقالت طائفة من أصحابنا : لا يكون حيضًا ، وقالوا : إنه ظاهر كلام أحمد ، وَهوَ قول طائفة من الشافعية أيضا . وحكاه الخطابي عَن عائشة وعطاء وأكثر الفقهاء ؛ لأنه اجتمع فيهِ فقد العادة ولون الدم المعتاد ، فقويت جهة فساده . وعلى هَذا فينبغي أنهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثًا أن يكون حيضًا إن قلنا : إن المتكرر بعد العادة حيض . وقد يفرق بينهما بأن المتكرر بعد العادة قَد سبقه دم بخلاف هَذا . وقد ذهب طائفة من أصحابنا ، منهُم ابن حامد وابن عقيل إلى أن المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دمًا أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود ، وَهوَ قول بعض الشافعية أيضا ؛ للحديث المروي عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ في دم الحيض : ( إنه أسود يعرف ) . وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة ؛ فإنها إذا كانت عادتها أسود ، ثم رأت في مدة العادة دمًا أحمر - فإنه حيض بغير خلاف .
21 - باب النوم معَ الحائضِ وهي في ثيابها خرج فيهِ : 322 - حديث يحيى بن أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، حدثته أن أم سلمة قالت : حضت وأنا معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة ، فانسللت ، فخرجت منها . فأخذت ثياب حيضتي ، فلبستها ، فقالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قلت : نعم . فدعاني ، فأدخلني معه في الخميلة. قالت : وحدثتني أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يقبلها وَهوَ صائم ، وكنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة . أول هَذا الحديث قَد خرجه البخاري فيما تقدم في ( باب من سمى النفاس حيضًا ) ، وسبق الكلام هناك على شرحه وضبط مشكل ألفاظه . وإنما أعاده هنا ؛ لأنه استنبط منهُ جواز نوم الرجل معَ امرأته وهي حائض في ثياب حيضها في لحاف واحد ، وقد سبق القول في ذَلِكَ مستوفى في ( باب مباشرة الحائض ) . ويختص هَذا الباب بأن ثياب الحائض وإن كانت مختصةً بحال حيضها ، فلا يجب اتقاؤها والتنزه عَن ملابستها ، وأنه لا تنجس ما أصابها من جسد الرجل أو ثيابه . ولا يغسل من ذَلِكَ شيئًا ما لَم ير فيه دمًا . وقد سبق هَذا المعنى مبسوطًا في ( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ ) وذكرنا فيهِ حديث عائشة ، قالت : كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعار الواحد ، وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه ، لم يعده إلى غيره ، ثم صلى فيهِ . خرجه النسائي . وأما باقي هَذا الحديث فقد تقدم الكلام على اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أزواجه من إناء واحد من الجنابة في موضعه من الكِتابِ ، ويأتي الكلام على القبلة للصائم من موضعها من ( الصيام ) إن شاء الله تعالى .
20 - باب لا تقضي الحائضُ الصلاةَ وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تدع الصلاة ) . حديث أبي سعيد المشار إليه قَد خرجه بتمامه في ( باب ترك الحائض الصوم ) ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ ) قلن : بلى . قالَ : ( فذلك من نقصان دينها ) [ ] . وحديث جابر المشار إليه [ ] . وقد سبق حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ للمستحاضة : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) . وقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها ، فرضًا ولا نفلًا . وقد استحب لها طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة ، وتستقبل القبلة ، وتذكر الله عز وجل بمقدار تلك الصلاة ، منهُم الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بن علي ، وَهوَ قول إسحاق . وروي عَن عقبة بن عامر أنه كانَ يأمر الحائض بذلك ، وأن تجلس بفناء مسجدها . خرجه الجوزجاني . وقال مكحول : كانَ ذَلِكَ من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن . وأنكر ذَلِكَ أكثر العلماء ، وقال أبو قلابة : قَد سألنا عَن هَذا ، فما وجدنا لَهُ أصلا . خرجه حرب الكرماني . وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرف هَذا ، ولكننا نكرهه . قالَ ابن عبد البر : على هَذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار . وممن قالَ : ليسَ ذَلِكَ على الحائض - الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك . وكذلك قالَ أحمد ، قالَ : ليسَ عليها ذَلِكَ ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر . وبه قالَ أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبو ثور . وأصحاب الشَافِعي ، وزادوا أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث ، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج ؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث ، بل النظافة . وقد روى يحيى بن صاعد : ثنا عبد الجبار بن العلاء : ثنا أيوب بن سويد الرملي : ثنا عتبة بن أبي حكيم ، عَن أبي سفيان طلحة بن نافع : حدثني عبد الله بن عباس أنه بات عندَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في ليلة ميمونة بنت الحارث ، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأسبغ الوضوء ، [وأقل] هراقة الماء . وقام فافتتح الصلاة ، فقمت ، فتوضأت ، وقمت عَن يساره . فأخذ بأذني ، فأقامني عَن يمينه ، وكانت ميمونة حائضًا ، فقامت ، فتوضأت ، ثم قعدت خلفه تذكر الله عز وجل . خرجه الطبراني في ( مسند الشاميين ) وغيره . وهذا غريب جدا ، وأيوب بن سويد الرملي ضعيف . خرج البخاري في هَذا الباب : 321 - حديث قتادة : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا هي طهرت ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض معَ النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا بهِ ، أو قالت : فلا نفعلهُ . قولها : ( أتجزي ) - هوَ بفتح التاء ، و( صلاتها ) بفتح التاء ، والمعنى : أتقضي صلاتها إذا طهرت من حيضها . وقول عائشة : ( أحرورية أنت ؟ ) - تعني : أنت من أهل حروراء ، وهم الخوارج ؛ فإنه قَد قيل : إن بعضهم كانَ يأمر بذلك ، وقيل : إنها أرادت أن هَذا من جنس تنطع الحرورية ، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ . ثم ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ لا يأمرهن بذلك إذا حضن ، أو لا يفعلنه ، شك الراوي أي اللفظتين قالت . ومعناهما متقارب ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذَلِكَ بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذَلِكَ ، وأمره بهِ ؛ فإن مثل هَذا لا يخفى عليهِ . ولو كانَ القضاء واجبًا عليهن لَم يهمل ذَلِكَ ، وَهوَ لا يغفل عَن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة . وقد خرج هَذا الحديث مسلم في ( صحيحه ) بلفظ ( ثُم لا نؤمر بالقضاء ) - من غير تردد ، وخرجه بلفظ آخر ، وَهوَ ( كانَ يصيبنا ذَلِكَ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنؤمر بقضاء الصوم ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) . وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة ، وأنهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ . منهُم الزهري ، والإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وغيرهم . وقال عطاء وعكرمة : قضاء الحائض الصلاة بدعة . وقال الزهري : أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجد الإسناد . وقد حكي عَن بعض الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة ، وعن بعضهم أنها تصلي في حال حيضها . ولكن في ( سنن أبي داود ) بإسناد فيهِ لين أن سمرة بن جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض . وقد ذكر البخاري في ( الصيام ) من ( كتابه ) هَذا عَن أبي الزناد ، أنه قالَ : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرَأي ، فلا يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة . وهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق فيهِ . وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات ، والحيض لا يخلو منهُ كل شهر غالبًا ، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة معَ أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذَلِكَ عليها . بخلاف الصيام ؛ فإنه إنما يجيء مرةً واحدةً في السنة ، فلا يشق قضاؤه . ومنهم من قالَ : جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر ، فيغني ذَلِكَ عَن قضاء ما تركته منها في الحيض ، بخلاف صيام رمضان ؛ فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها ، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها ؛ لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة ، كَما يؤمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض . وإنما يسقط عَن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها ، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها . فإن لَم يستغرق حيضها وقت الصلاة ، بل طهرت في آخر الوقت ، أو حاضت بعد مضي أوله - ففي لزوم قضائها لها خلاف يأتي ذكره في ( كِتابِ الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وكذلك لو طهرت في آخر وقت صلاة تجمع إلى ما قبلها ، مثل أن تطهر في آخر وقت العصر أو العشاء ، فهل يلزمها قضاء الظهر والمغرب ؟ فيهِ أيضا اختلاف يذكر في ( الصلاة ) إن شاء الله تعالى . وإن حاضت في أول وقت صلاة تجمع إلى ما بعدها ففي لزوم القضاء لما بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف أيضا ، والقول بوجوب القضاء هنا أبعد من التي قبلها .
4 - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به وقال الزهري في حديثه : الملتحف : المتوشح ، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو الاشتمال على منكبيه . وقالت أم هانئ : التحف النبي صلى الله عليه وسلم بثوب ، وخالف بين طرفيه على عاتقيه . حديث أم هانئ قد خرجه البخاري في هذا الباب ، وإنما مراده هنا : تفسير الالتحاف المذكور فيه ، وقد حكى عن الزهري أنه فسره بالتوشح ، وذكر أن التوشح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة : هو أن يطرح الثوب على منكبيه ، ويرد طرفيه على عاتقيه ، فإن لم يردهما فهو السدل المنهي عنه ، كما سنذكره - إن شاء الله تعالى . وقد فسر يعقوب بن السكيت التوشح ، فقال : هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يعقدهما على صدره . وفرق الأخفش بين التوشح والاشتمال ، فقال : التوشح : هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى ، فيلقيه على منكبه الأيمن ، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر . قال : والاشتمال : أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدميه ، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر .
خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : حديث عمر بن أبي سلمة ، وخرجه من طرق : فخرجه أولا : 354 - عن عبيد الله بن موسى : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عمر بن أبي سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه . وبدأ بهذه الطريق لعلوها ؛ فإنه رواه عن عبيد الله بن موسى - وهو : العبسي الكوفي - عن هشام بن عروة سمعه منه . وقد قيل : إنه لم يرو عنه في كتابه بغير واسطة غير هذا الحديث ، وهذا وهم ؛ فإنه روى عنه - أيضا - بغير واسطة أول حديث في كتاب الإيمان ، وهو حديث : بني الإسلام على خمس .
ثم قال : 355 - ثنا محمد بن المثنى : ثنا يحيى ، عن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن عمر بن أبي سلمة ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة ، قد ألقى طرفيه على عاتقيه . ويحيى ، هو : القطان ، وفي هذه الرواية : زيادة تصريح هشام بسماعه له من أبيه ، ورؤية عمر بن أبي سلمة لذلك من النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم قال : 356 - ثنا عبيد بن إسماعيل : ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، أن عمر بن أبي سلمة أخبره ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة ، واضعا طرفيه على عاتقيه . ففي هذه الرواية : تصريح عروة بسماعه له من عمر بن أبي سلمة ، وفيه - أيضا - : رؤية عمر للنبي صلى الله عليه وسلم يصلي كذلك ، وفيه : تسمية ذلك اشتمالا ، وتفسيره بوضع طرفي الثوب على عاتقيه . وفي رواية خرجها مسلم في صحيحه : متوشحا به وأظن البخاري خرجه من هذه الوجوه الثلاثة عن هشام ليبين أن من رواه : عن هشام ، عن أبيه ، عن عَبْد الله بن عَبْد الله بن أبي أمية المخزومي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد وهم ؛ فإن ابن إسحاق رواه ، عن هشام كذلك . خرجه من طريقه الإمام أحمد . وخرجه - أيضا - من طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة كذلك ، وهو وهم - أيضا . وممن جزم بأنه وهم : علي بن المديني ، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . وممن رواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عمر بن أبي سلمة : شعبة ، ومالك ، وحماد بن زيد وغيرهم .
الحديث الثاني : 57 - ثنا إسماعيل بن أبي أويس : حدثني مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره ، أنه سمع أم هانئ قالت : ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره . قالت : فسلمت عليه ، فقال : من هذه ؟ قلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب . فقال : مرحبا بأم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام ، فصلى ثمان ركعات ملتحفا فِي ثوب واحد ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله ، زعم ابن أبي ، أنه قاتل رجلا قد أجرته : فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ . قالت : وذلك ضحى . وخرجه مسلم من رواية جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن أبي مرة ، عن أم هانئ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها عام الفتح ثمان ركعات ، في ثوب واحد ، قد خالف بين طرفيه . وأول الحديث قد سبق في كتاب الغسل ، ويأتي الكلام على باقيه في صلاة الضحى وفي الجهاد في أمان المرأة - إن شاء الله تعالى .
الحديث الثالث : 358 - ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولكلكم ثوبان ؟ . وقد رواه ابن عيينة والأوزاعي عن الزهري ، كما رواه مالك . ورواه يونس وعقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة . قال أبو حاتم الرازي : كلاهما صحيح . ورواه الأوزاعي ، وفي روايته : قال : ليتوشح به ، ثم ليصل فِيهِ . وقيل : إنه تفرد بهذه اللفظة عن الزهري . وقوله : أولكلكم ثوبان ؟ إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب واحد ، فلو لَمْ يصل أحد فِي ثوب واحد لشق ذَلِكَ عَلَى بعض النَّاس أو كثير منهم ، والحرج مرفوع عَن هذه الأمة بقوله : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وقوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فدلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، يشتمل به على منكبيه ، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو أفضل من الاتزار به ، وعقده على قفاه ، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه . هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم ، وسيأتي من حديث جابر التصريح بهذا المعنى . وكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به ، منهم : علي ، وجابر ، وخالد بن الوليد . وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على خلاف ذلك ، وأن الاتزار بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال . وروى وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن عبد الله بن واقد قال : صليت إلى جنب ابن عمر وأنا متوشح ، فأمرني بالأزرة . وعن عون بن صالح ، عن حيان البارقي ، قال : قال ابن عمر : لا تلبب كتلبب اليهود - يعني : في التوشح . وفي سنن أبي داود من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : أو قال عمر - : إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما ، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر ، ولا يشتمل اشتمال اليهود . وقد سبق أنه حديث مختلف في رفعه وفي وقفه على عمر بن الخطاب ، وقد روي موقوفا على ابن عمر من قوله . وفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها : إذا لم يجد أحدكم إلا ثوبا واحدا فليشده على حقويه ، ولا يشتمل اشتمال اليهود . قال الأثرم في هذا الحديث : ليس كل أحد يرفعه ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه خلافه - يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب ، كما تقدم . وإن صح حديث ابن عمر فهو محمول على ما إذا لم يرده على عطفيه ، فإن ذلك هو السدل المكروه ، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة . وممن كره السدل في الصلاة : علي ، وابن مسعود ، قال أحمد : صح عن علي أنه كرهه ، وجعله من فعل اليهود ، واختلفوا فيه عن ابن عمر . وفي كراهته أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال . وعن أحمد ، أنه لا يكره ، إلا إذا لم يكن تحته قميص . وكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما ، ورخص النخعي في السدل على القميص ، وكرهه على الإزار ، وحكي نحوه عن أحمد . وفسر آخرون السدل بما ذكرنا ، وزادوا : أن يكون مسبلا تحت الكعبين ، وهذا هو المروي عن الشافعي ، وهو الذي ذكره أكثر أصحابه ، وبعض أصحابنا ، وقاله الخطابي وغيره ، وجعلوا حكمه حكم إسبال الإزار تحت الكعبين : إن كان خيلاء حرم ذلك ، وإن لم يكن خيلاء ففيه الاختلاف المشهور . والصحيح : أن ذلك ليس بشرط في السدل ، وأن الاختلاف في كراهة السدل إذا لم يعطف أحد طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مسبلا . والله أعلم . قال يزيد بن أبي حكيم : رأيت سفيان الثوري يصلي مرخيا رداءه في الأرض ، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره ، غير أنه قد زر طرفي الثوب ، ممسكا عليها عند موضع الأزرة ، فسألته : أسدل هذا ؟ قال : لا ، حتى يرخيه ولا يمسكه . وكذلك روى إسحاق بن منصور ، أنه رأى أحمد يصلي سادلا ، وطرفا ثوبه بيده ، فإذا قام من الركوع خلى عنهما .
98 - باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل 507 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري : ثنا معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها . فقلت : أفرأيت إذا هبت الركاب ؟ قال : كان يأخذ الرحل فيعدِّله ، فيصلي إلى آخرته - أو قال : مؤخرته - وكان ابن عمر يفعله قد ذكرنا في باب : الصلاة في مواضع الإبل الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه ، وحكم الاستتار بالبعير في الصلاة . وقوله : يعرض راحلته بكسر الراء - أي : ينيخها ، معترضة بينه وبين جهة القبلة . وفيه لغة أخرى : يعرض - بضم الراء - ذكرها صاحب كشف المشكل . وقوله هبت الركاب ، معناه : قامت الإبل للسير - : قاله الهروي وغيره . ويقال للنائم إذا قام من نومه : هب من منامه . والمراد : إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها . وقال الخطابي : هبت : أي هاجت ، يقال : هب الفحل هبيبا إذا هاج . قال : يريد : أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ ، ولم تقر ، فتفسد على المصلي إليها صلاته . وهذا الذي قاله في غاية البعد ، وإن كان محتملا في اللفظ ، فليس هو المراد في الحديث . وقوله : يأخذ الرحل : رحل البعير ، هو : ما على ظهره مما يركب عليه ، والراحلة : هي ما يرتحله الرجل - أي : يركبه في ارتحاله ، بعيرا كان أو ناقة - : قاله الأزهري وغيره . ومنه : قوله صلى الله عليه وسلم الناس كإبل مائة ، ليست فيها راحلة . وقوله : فيعدله - بفتح الياء ، وكسر الدال . قال الخطابي : أي يقيمه تلقاء وجهه . و آخرة الرحل - بكسر الخاء - : هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل . وقد سبق الخلاف في تقديرها : هل هو ذراع تام بالذراع الذي يذرع به ، أو ذراع بعظم ذراع الإنسان ، وهو نحو ثلثي ذراع مما يذرع به ؟ ويقال في آخرة الرحل : مؤخرة الرحل . واختلفوا في ضبطها : فمنهم من ضبطها بضم الميم وسكون الهمزة ، وكسر الخاء المعجمة . وقد حكاها أبو عبيد ، وأنكرها ابن السكيت وغيره . وقال بعضهم : لا يقال : مؤخر ومقدم - بكسر - إلا في العين خاصة ، وإنما يقال في غيرها بالفتح . وضبطها بعضهم بسكون الهمزة ، وفتح الخاء وتخفيفها . ذكره ثابت في دلائله وأنكر ذلك ابن قتيبة وغيره . وضبطها الأصيلي في نسخته بالبخاري - فيما حكى عنه - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الخاء . وضبطها بعضهم بضم الميم وفتح الهمزة والخاء وتشديدها . ذكره صاحب المشارق ، وأنكرها صاحب النهاية . وقال بعضهم : المحدثون يروونه بتشديد الخاء ، والصواب : آخرة . وقد تبين بهذا الحديث الذي ذكره البخاري في صحيحه جواز الاستتار بالراحلة وبالبعير ، سواء كان مرتحلا أو غير مرتحل ، اللهم إلا أن يكون غير المرتحل هائجا ، فيخشى من هيجانه إفساد الصلاة على من يصلي إليه كما ذكره الخطابي . وجواز الاستتار برحل الراحلة . وأما الشجر ، فذكره البخاري في تبويبه ، ولم يذكر فيه شيئا ، وهو مأخوذ من الاستتار بالرحل ؛ فإن الرحل خشب ، والخشب مأخوذ من الشجر ، فإذا ثبت جواز الاستتار في الصلاة بالخشب دل على جواز الاستتار بالشجر قبل قطعه . وفيه حديث ليس على شرط البخاري ، من رواية أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي ، قال : لقد رأيتنا ليلة بدر ، وما فينا إنسان إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ، ويدعو حتى أصبح . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وابن حبان في صحيحه ، وعنده : تحت شجرة . وقد رواه بعضهم ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي . ورواه غيره ، عن أبي إسحاق ، عن البراء . والصحيح : عن حارثة ، عن علي - : قاله الدارقطني . وخرج أبو داود بإسناد فيه نظر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة ، فقال : هذه قبلتنا ، ثم صلى إليها . وقد سبق حديث المقداد ، أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر .
487 - وأن عبد الله حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة السرحة : شجرة ، وتجمع على سرح كتمرة وتمر ، وهو ضرب من الشجر له ثمر ، وقيل : هي شجرة بيضاء . وقيل : كل شجرة طويلة سرحة . وقال إبراهيم الحربي : السرح شجر كبار طوال لا ترعى ، يستظل به ، لا ينبت في رمل أبدا ، ولا في جبل ، ولا تأكله الماشية إلا قليلا ، له غصن أصفر . وقد وصفها بأنها ضخمة - أي : عظيمة - وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وأنها قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة . وقد سبق أن الكثب جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض . والبطح : الواسع . والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة . وأما مكان هذه السرحة ، فلا يعرف منذ زمان ، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة ، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة ، وذكر معهما مسجدا ثالثا ، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء ، عند عرق الظبية ، عند جبل ورقان ، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا . وهذا لا يثبت ، ولعله أحد المسجدين بالروحاء ، وقد تقدم ذكرهما . ثم رجعنا إلى بقية الحديث :
89 - باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم خرج فيه حديثين : أحدهما : قال : 483 - ثنا محمد بن بكر المقدمي : ثنا فضيل بن سليمان : ثنا موسى بن عقبة ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة . وحدثني نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة . وسألت سالما ، ولا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها ، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء قد ذكرنا فيما سبق في باب : اتخاذ المساجد في البيوت حكم اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، والصلاة في مواضع صلاته ، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك ، وكذلك ابنه سالم . وقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر ، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط ، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة . وقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها . وهي على نوعين : أحدهما : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصده للصلاة فيه ، كمسجد قباء ، ويأتي ذكره في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى . والثاني : ما صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده ، فهذا هو الذي اختص ابن عمر باتباعه . وقد روى ابن سعد : أنا معن بن عيسى : ثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله ، كما كان ابن عمر يتبعه . وروى أبو نعيم من رواية خارجة بن مصعب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، قال : لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم لقلت : هذا مجنون . ومن طريق عاصم الأحول ، عمن حدثه ، قال : كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئا من تتبعه آثار النبي صلى الله عليه وسلم . ومن طريق أبي مودود ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ، ويقول : لعل خفا يقع على خف - يعني : خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم . والمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشرف الروحاء ، والروحاء من الفرع ، بينها وبين المدينة مرحلتان ، يقال : بينهما أربعون ميلا ، وقيل : ثلاثون ميلا . وفي صحيح مسلم : بينهما ستة وثلاثون ميلا . يقال : إنه نزل بها تُبّع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة ، فأقام بها وأراح ، فسماها : الروحاء . وقيل : إن بها قبر مضر بن نزار . وقد روى الزبير بن بكار بإسناد له ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى بشرف الروحاء ، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة . ودون هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضع يقال له : السيالة ، ضبطها صاحب معجم البلدان بتخفيف الياء ، كان قرية مسكونة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبها آثار البناء والأسواق ، وآخرها شرف الروحاء ، والمسجد المذكور عنده قبور عتيقة ، كانت مدفن أهل السيالة ، ثم تهبط منه في وادي الروحاء ، ويعرف اليوم بوادي بني سالم .
486 - وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق ، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف ، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد ، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه ، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان ، فيصلي فيه الظهر ، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح قال الخطابي : العرق : جبيل صغير . ومنصرف الروحاء : المنصرف - بفتح الراء - ويقال : إن بينه وبين بدر أربعة برد ، والمسجد المبني هناك ، قيل : إنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة . وقيل : إنه لم يبق منه منذ زمان إلا آثار يسيرة ، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة . وذكروا : أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه ، ويقول : هذا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ثم شجرة ، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه في أصلها ، ويقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . والنازية : قال صاحب معجم البلدان : - بالزاي وتخفيف الياء - : عين على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء ، وهي إلى المدينة أقرب . ولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه ، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به الصبح يدل على أنه إنما فعل ذلك اقتداء بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه . ثم رجعنا إلى بقية الحديث .
485 - وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى ، وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر ، أو نحو ذلك هذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع ، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول . وهذا الحديث : يدل على أن بالروحاء مسجدين : كبير وصغير ، فالكبير بشرف الروحاء ، ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم عنده ، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد ، وأن بين المسجدين رمية بحجر . ثم رجعنا إلى بقية الحديث .
رجعنا إلى بقية الحديث : 489 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق ، في مسيل دون هرشى ، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق ، وهي أطولهن قال الخطابي : هرشى : ثنية معروفة ، وكراعها : ما يمتد منها دون سفحها . وقال غيره : الغلوة - بفتح الغين المعجمة - : قدر رمية بعيدة بسهم أو حجر . وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا ، في هذا الموضع زيادة : غلوة سهم . وقال صاحب معجم البلدان هرشى : ثنية في طريق مكة ، قريبة من الجحفة ، يرى منها البحر ولها طريقان ، فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق ، فقال : أي واد هذا ؟ قالوا : وادي الأزرق . قال : كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية ، ثم أتى على ثنية هرشى ، فقال : أي ثنية هذا ؟ قالوا : ثنية هرشى . قال : كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة ، وهو يلبي . قال هشيم : يعني : ليفا .
رجعنا إلى بقية الحديث : 490 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق ، وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر مر الظهران : معروف قريب من مكة ويسمى بطن مر . والصفراوات : موضع قريب منه بينه وبين عسفان .
الحديث الثاني : هو حديث طويل ، فنذكره قطعا قطعا ، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها : قال البخاري - رحمه الله - : 484 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي : ثنا أنس بن عياض : ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزوة ، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فعرس ثم حتى يصبح ، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وهي ميقات أهل المدينة ، وتسمى - أيضا - : الشجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع ، وقد اعتمر منها مرتين : عمرة الحديبية ، وعمرة القضية . وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بها تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها ، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا ، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم منها ، وكان يصلي بها في موضع المسجد . وقد روي أنه صلى في المسجد ، ولعل المراد في بقعته وأرضه ، قبل أن يجعل مسجدا ، حتى يجمع بذلك بين الحديثين . وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر - أيضا - عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة . وخرج مسلم من حديث الزهري ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بذي الحليفة مبدأه ، وصلى في مسجدها . ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل . وفي الصحيحين من حديث مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعني : مسجد ذي الحليفة . وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة : إلا من عند الشجرة . وخرج البخاري - أيضا - في الحج من حديث عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي عز وجل ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ؛ وقل : عمرة في حجة . ووادي العقيق متصل بذي الحليفة . فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى مكة . فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة ، أو من غزاة في تلك الجهة ، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك ، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فيعرس هناك حتى يصبح . قال الخطابي : التعريس : نزول استراحة بغير إقامة ، وفي الأكثر يكون آخر الليل ، ينزلون فينامون نومة خفيفة ، ثم يرتحلون . قال : والبطحاء : حجارة ورمل . قلت : المراد بالتعريس هنا : نومه حتى يصبح . وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ، وبات حتى يصبح . وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ، وكان عبد الله يفعل ذلك . ومن طريق موسى بن عقبة ، قال : حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي ، قيل له : إنك ببطحاء مباركة . وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسط من ذلك . وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله ، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ آخر . فظهر من هذه الأحاديث كلها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت بالمعرس ، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هناك ، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان قريبًا منه . وفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي ، وفي حديث موسى بن عقبة عن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا - أنه كان مبنيا بحجارة على أكمة ، وفي حديثه : أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب ، كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي . قال الخطابي : الخليج : واد له عمق ، ينشق من آخر أعظم منه . والكثب : جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض . وقوله : فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه . قال الخطابي : معنى دحا السيل : سواه بما حمل من البطحاء . والبطحاء : حجارة ورمل . وهذه الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية أنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح . وقد خرجه الإمام أحمد عن موسى بن قرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح . قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل : هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس . قال مالك في الموطأ : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه ، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له ؛ لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به ، وأن ابن عمر أناخ به . قال ابن عبد البر : واستحبه الشافعي ، ولم يأمر به . وقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل ، وليس ذلك عليه . وقال محمد بن الحسن : هو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة ، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره ، فلذلك كان ينزل بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجبًا ولا سنة على الناس . قال : ولو كان واجبًا أو سنة من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقفون وينزلون ويصلون ، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم . وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : ليس نزوله صلى الله عليه وسلم بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة ؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه ، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة . قال : ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه . وذكر حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه ، فقال له : ما حبسك ؟ فذكر عذرًا ، قال : ما ظننت أنك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضربًا . انتهى . وفي قوله : إنه صلى بالمعرس نافلة نظر ، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح . وظاهر كلام أحمد : استحباب الصلاة بالمعرس ، فإنه قال في رواية صالح : كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا صلى فيه ، حتى إنه صب الماء في أصل شجرة ، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها . وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به ؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي صلى الله عليه وسلم ومقعده منه . وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره ، كما كان يفعل ذلك في العيدين ، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها . وقد خرج البخاري في الحج من حديث ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس . وخرجه مسلم - أيضا . وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس ، والذي كان يرجع منه . وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة . ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا .
رجعنا إلى بقية الحديث : 491 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح ، يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ، ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة هذه القطعة من هذا الحديث خرجها مسلم في صحيحه عن محمد بن إسحاق المسيبي ، عن أبي ضمرة أنس بن عياض ، بإسناد البخاري . وذو طوى : يروى بضم الطاء وكسرها وفتحها ، وهو واد معروف بمكة بين الثنيتين ، وتسمى إحداهما : ثنية المدنيين ، تشرف على مقبرة مكة ، وثنية تهبط على جبل يسمى : الحصحاص ، بحاء مهملة وصادين مهملين . وكان بذي طوى مسجد بني بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه ، وإنما صلى أسفل منه على أكمة غليظة . وذكر الأزرقي في أخبار مكة أن المسجد بنته زبيدة . وخرج من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، أن نافعا حدثه ، أن ابن عمر أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى حين يعتمر وفي حجته حين حج ، تحت سمرة في موضع المسجد . قال ابن جريج : وحدثني نافع ، أن ابن عمر حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل ذا طوى فيبيت به حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة الذي بالمسجد الذي بني ثم ، ولكنه أسفل من الجبل الطويل الذي قبل الكعبة ، تجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع ونحوها بيمين ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الطويل الذي بينه وبين الكعبة . كذا ذكره الأزرقي . ومسلم بن خالد ، لم يكن بالحافظ . وهذا إنما يعرف عن موسى بن عقبة عن نافع ، فجعله عن ابن جريج ، عنه .
488 - وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة ، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة ، على القبور رضم من حجارة ، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة ، فيصلي الظهر في ذلك المسجد وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث زيادة في هذا بعد قوله : وأنت ذاهب على رأس خمسة أميال من العرج فِي مسجد إلى هضبة - وذكر باقيه . والتلعة : المكان المرتفع من الأرض . قال الخطابي : التلعة مسيل الماء من فوق لأسفل . قال : والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل . والرضم : حجارة كبار واحدتها رضمة . والسلمات : جمع سلمة ، وهي شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم . وقيل : السلم يشبه القرظ وليس به . انتهى ما ذكره . وحكى غيره أن الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة وكل صخرة رأسية تسمى هضبة ، وجمعها هضاب - : قاله الخليل . وقال الأصمعي : الهضبة : الجبل المنبسط على الأرض . والسلمات - بالفتح - : شجر ، والسلمات بالكسر - : حجارة . والرضم والرضام : دون الهضاب - : قاله أبو عمرو . والواحدة منها رضمة . والعرج : مكان معروف بين مكة والمدينة ؛ يقال : إنه عقبة .
وبقي من الحديث الذي خرجه البخاري : 492 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة وهذه القطعة خرجها - أيضا - مسلم عن المسيبي ، عن أبي ضمرة ، وأعاد إسنادها بعد تخريج القطعة التي قبلها . وهذا كله يوهم أن هذه صفة موضع آخر صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل دخوله مكة ، وليس كذلك ، وإنما هو من تمام صفة موضع صلاته بذي طوى ، كما ساقه الأزرقي في روايته . والظاهر : أنه كان هناك مسجدان مبنيان بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرف منهما اليوم شيء . وفرضة الجبل - بضم الفاء - مدخل الطريق إليه ؛ وأصله مأخوذ من الفرض وهو القطع غير البليغ - : قاله الخطابي . وفي مبيت النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى ، وصلاته الصبح في هذا المكان : دليل على أن من كان قادرا على الدخول إلى مكة معاينة الكعبة فله أن يصلي خارجا منها بغير معاينة ، وأن من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل أصليٌّ كالجبل فله أن يصلي بالاجتهاد إلى الكعبة ، ولا يلزمه أن يعلو فوق الجبال حتى يشهد الكعبة ؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة . وهذا قول أصحابنا والشافعية ، ولا نعلم فيه خلافا . وهذا آخر أبواب المساجد ، وبعدها أبواب السترة ، وما يصلى إليه ، والمرور بين يدي المصلي ، ونحو ذلك .
99 - باب الصلاة إلى السرير 508 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : أعدلتمونا بالكلب والحمار ؟ لقد رأيتني مضطجعة على السرير ، فيجيء النبي صلى الله عليه وسلم فيتوسط السرير فيصلي ، فأكره أن أسنحه ، فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي زعم الإسماعيلي : أن هذا الحديث لا دلالة فيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى السرير ، وإنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على السرير . قال : ولكن صلاته إلى السرير موجود في حديث الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة . وحديث الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة : خرجه البخاري فيما بعد ، ولفظه : لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني لبينه وبين القبلة ، وأنا مضطجعة على السرير . وخرجه - أيضا - من طريق الأعمش بهذا الإسناد ، وبإسناد آخر ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة . وكذا خرجه مسلم من حديث الأعمش بالإسنادين ، ومن طريق جرير عن منصور ، كما خرجه البخاري في هذا الباب . وهذه الألفاظ كلها ليس فيها تصريح بأنه كان يصلي تحت السرير . ولكن خرجه الإمام أحمد ، عن ابن نمير ، عن الأعمش ، بالإسنادين معا . فذكر الحديث - وفيه : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي مقابل السرير ، وأنا عليه بينه وبين القبلة . وقول عائشة : فأكره أن أسنحه . قال الخطابي : قولها : أسنحه من قولك : سنح لي الشيء ، إذا عرض ، تريد : أني أكره أن أستقبله ببدني في صلاته . ومن هذا سوانح الطير والظباء ، وهي ما يعترض الركب والمسافرين ، فتجيء عن مياسرهم وتجوز إلى ميامنهم . وفي الحديث : دليل على جواز أن يصلي المصلي إلى سترة شاخصة من الأرض ، وإن كان فوقها إنسان نائم . ونظيره : الصلاة إلى سرير الطفل وهو فيه . وروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن بكر : أبنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، عن عروة أن عائشة أخبرته ، قالت : لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني لمعترضة على السرير بينه وبين القبلة . قلت : أبينهما جدر المسجد ؟ قالت : لا ، في البيت إلى جدره . وهذا يدل على أن سترته كانت جدار البيت دون السرير ، ولعل السرير لم يكن مرتفعا شاخصا عن الأرض كمؤخرة الرحل . ويدل على هذا : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا إذا سجد يغمزها برجله ، ولو كان السرير مرتفعا عن الأرض قدر ذراع أو قريب منه لم يتمكن من ذلك .
قال البخاري - رحمه الله - : 509 – حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثنا آدم : ثنا سليمان بن المغيرة : ثنا حميد بن هلال العدوي : ثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان سليمان بن المغيرة ، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد ، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس ؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه . أما في إسناده ، ففيه : التصريح بسماع حميد له من أبي صالح ، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد . وأما في المتن ، فإن فيه : ذكر الصلاة إلى السترة ، وليس هو في حديث يونس . وكذلك رواه سليم بن حيان ، عن حميد ، ولم يقل - أيضا - إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس . وحينئذ ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة ، وحمل حديث يونس عليه ، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة . وقد نبه على ذلك الإسماعيلي . وكذلك روى مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان . خرجه مسلم . وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك . وروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار ، عنه . وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة ، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال . والله أعلم . وتابعه على ذكرها : ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه . وقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه . وليس ابن عجلان بذاك الحافظ . وتابعه - أيضا - : داود بن قيس ، عَن زيد بْن أسلم . خرج حديثه عبد الرزاق ، عنه ، بسياق مطول ، وفيه : أن أبا سعيد دفع الفتى حتى صرعه ، وأنه لما سأله مروان عن ذلك قال : ما فعلت ، إنما دفعت شيطانا ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أراد أن يمر بين يديك وبين سترتك أحد فاردده ، فإن أبى فاردده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان . وخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة . وخرج من حديث زهير ، عن زيد بن أسلم الحديث بنحو رواية مالك ، من غير ذكر سترة . وخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة : عن شيبان بن فروخ ، عنه ، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري . منها : أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين ، وقال في الثانية : فمثل قائما ، فنال من أبي سعيد ، ثم زاحم الناس ، فخرج فدخل على مروان . وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فليدفع في نحره . وفيما فعله أبو سعيد : دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته ، وإن ازدحم الناس ، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك . ويدل عليه - أيضا - : قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر . فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي ، وإن لم يجد طريقا غيره . وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا : لا يكره المرور حينئذ ، ولا يمنع منه . قال أصحابنا : لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه ، أو يخط خطا إذا لم يجد . وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا ، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي ، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع . أمر بدفع المار ، ونهي عن تمكينه من المرور ، وظاهره الوجوب . وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه ، وأنه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب ، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم . وروي عن سفيان الثوري ، أنه كان أحيانا لا يمنع المار بين يديه إذا كان فقيرا ، ويمنعه إذا كان جبارا . وروى أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده . ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى ، فإنه لا يرده من حيث جاء ، فإنه يصير مرورا ثانيا . وهذا قول الجمهور ، وخالف فيه بعض السلف ، منهم : ابن مسعود وسالم . وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع ، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته . وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الآتي - إن شاء الله . وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في الصحيحين : إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يمر بين يديه ، فليدفعه : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه ، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا . وأما أكثر أصحابنا فعندهم : أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة ، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار . واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط ، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، فلا يقتضي تخصيصه ، إلا أن يكون له مفهوم ، فيبني على أنه : هل يخص العموم بالمفهوم ، أم لا ؟ وأما الشافعية ، فقالوا : يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته ، على الصحيح عندهم ، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه ، ولم يحرم . وهل يدفعه المصلي ؟ لهم فيه وجهان : أصحهما عندهم : لا يدفعه ؛ لمفهوم قوله : إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة . وقوله صلى الله عليه وسلم : فليدفعه ، وفي رواية مسلم : فليدفع في نحره ، وفي روايته : أن أبا سعيد دفع في نحر المار بين يديه ، وفي رواية البخاري : أنه دفع في صدره . وقد كان ابن عمر وغيره من الصحابة يدفعون المار بين أيديهم . ونقل أبو طالب ، عن أحمد ، وذكر حديث أبي سعيد هذا ، فقال أحمد : يمنعه ، فإن أبى عليه فهو في صلاته يدرأ عن نفسه ما استطاع . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا صلى فمر بين يديه أحد دفعه دفعا رفيقا ، فإن أبى إلا أن يمر دفعه دفعا شديدا . وقال أبو الحارث : أخبرني بعض أصحابنا ، أنه رأى أحمد يوم الجمعة يصلي في مسجد الجامع ، فمر بين يديه رجل فرده ، فأبى أن يرجع ، فدفعه حتى رمى به . وقال في رواية حنبل : إذا أراد أن يمر بين يديك رجل فامنعه ما قدرت . وقد دل فعل أبي سعيد على أن المار إذا أبى أن يرجع بالدفع الأول فإنه يدفع في المرة الثانية أشد من الدفع الأول ، وكذلك فعله الإمام أحمد . وأما قوله : فإن أبى فليقاتله ، إذن في قتاله في المرة الثانية . وفي رواية ابن عمر : أن القتال في الرابعة ، لكن في إسنادها ضعف كما سبق . وقال أصحاب الشافعي : يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل ، ويزيد بحسب الحاجة ، وإن أدى إلى قتله فمات منه فلا ضمان فيه كالصائل . وحكى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين : إحداهما : يقاتله ، وذكروا نصوص أحمد السابقة . والثانية : لا يفعل ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي : يدرأ ما استطاع ، وأكره القتال في الصلاة . ذكره عنه الجوزجاني في كتابه المترجم ، وخالف في ذلك ، وقال : بل يقاتله ؛ للأمر بقتاله ؛ فإنه شيطان لا حرمة له . وقال ابن عبد البر في التمهيد في قوله : فليقاتله : المراد بالمقاتلة : المدافعة ، وأظنه كلاما خرج على التغليظ ، ولكل شيء حد . قال : وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته . وحكى عن أشهب ، أنه قال : يرده بإشارة ، ولا يمشي إليه ؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه ، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملا كثيرا . قال ابن عبد البر : وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز - في أكبر ظني - ضمن رجلا دفع آخر مرّ بين يديه وهو يصلي ، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه ، فدل على أنه لم يكن له أن يبلغ به ذلك . وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعا عنيفا . وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنا : أن أبا بكر أحمد بن سلمان النجاد روى بإسناده عن مالك ، أنه بلغه أن رجلا في زمان عثمان مر بين يدي رجل وهو يصلي ، فرماه فشجه ، فأتوا عثمان ، فقال : أيمر بين يدي وأنا أصلي ؟ فقال عثمان : الذي صنعت أعظم . وقال ابن عبد البر : في الاستذكار . فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله فكان فيها تلف نفسه كانت عليه ديته كاملة في ماله . وقد قيل : الدية على عاقلته . وقيل : هي هدر على حسب ثنية العاض . قال : وهذا كله يدل على نفي القود ؛ لأنه فعل تولد من عمل أصله مباح . قال : وقد كان أبو سعيد الخدري يشتد في هذا - وهو راوي الحديث - طلبا لاستعمال ظاهره . ثم ذكر عن ابن أبي شيبة ، أنه روى عن أبي معاوية ، عن عاصم ، عن ابن سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يمضي ، فدفعه أبو سعيد وطرحه ، فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت . قال : وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العالية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : مر رجل من بني مروان بين يدي في الصلاة ، فدفعته ثلاث مرات ، فشكاني إلى مروان ، فذكر ذلك لي ، فقلت : لو أبى لأخذت بشعره . قال عبد الرزاق : وأنا ابن جريج ، قال : سمعت سليمان بن موسى يحدث ، عن عطاء ، قال : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد الخدري ، وهو يصلي ، وعليه حلة له ، ومروان أمير بالمدينة ، فرده ، فكأنه أبى ، فلهزه في صدره ، فذهب الفتى إلى أبيه ، فأخبره ، فدعا مروان أبا سعيد ، فذكر ذلك له ، فقال : نعم ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : اردده ، فإن أبى فجاهده . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا عبد الله بن عامر ، عن زيد بن أسلم ، قال : بينما أبو سعيد يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه ، فدرأه ، فأبى إلا أن يمر ، فدفعه ولطمه ، وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أبى إلا أن يمر فاردده ، فإن أبى إلا أن يمر فادفعه ؛ فإنما تدفع الشيطان . عبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف . وزيد بن أسلم ، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، كما تقدم . وتسمية المار الوليد بن عقبة غريب غير محفوظ . وروى ابن أبي شيبة : ثنا أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - ومر بين يديه رجل وهو يصلي ، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه . وبإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه سئل : أدع أحدا يمر بين يدي ؟ قال : لا . فقيل له : فإن أبى ؟ قال : فما تصنع ؟ قيل له : إن ابن عمر كان لا يدع أحدا يمر بين يديه . قال : إن ذهبت تصنع صنيع ابن عمر دق أنفك . وفي هذا إشارة إلى شدة رد ابن عمر من مر بين يديه ، وأن غيره لا يتمكن من مثل ذلك . وقوله صلى الله عليه وسلم : فإنما هو شيطان . تعليل للإذن في قتاله . وقد اختلف في معناه : فقيل : المعنى : أن معه الشيطان المقترن به ، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره . ويدل عليه : حديث ابن عمر : فإن معه القرين . وقيل : المراد : أن فعله هذا فعل الشيطان ، فهو بذلك من شياطين الإنس ، وهو اختيار الجوزجاني وغيره . وروى الدراوردي ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان ، فضربه ، فقال مروان : ضربت ابن أخيك ؟ فقال : ما ضربت إلا شيطانا ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان . وبكل حال ؛ فيستدل به على تحريم المرور بين المصلي وسترته ؛ لأنه جعله من عمل الشياطين ، وأمر بالعقوبة عليه ، وذلك من أدلة التحريم .
100 - باب يرد المصلي من مر بين يديه ورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة ، وقال : إن أبى إلا أن يقاتله قاتله رد ابن عمر في الكعبة قد ذكرناه في باب : السترة بمكة وغيرها . وأما رده في التشهد ، فقال أبو نعيم : ثنا فطر بن خليفة ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع ، فارتفع من مكانه فدفع في صدري . قال : وثنا جعفر بن برقان ، عن عمرو بن دينار ، قال : أردت أن أمر بين يدي ابن عمر وهو يصلي ، فانتهرني بتسبيحة . قال : وثنا بشير بن مهاجر ، قال : رأيت أنس بن مالك وهو جالس في صلاته لم ينصرف ، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية ، فأماطه . وروى ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : انصرف الإمام من العصر ، فقمت أبادر مجلس عبيد بن عمير ، فمررت بين يدي ابن عمر وأنا لا أشعر ، فقال : سبحان الله ، سبحان الله - مرتين - وجثا على ركبتيه ، ومد يديه حتى ردني . وأما قول ابن عمر : إن أبى إلا أن تقاتله فقاتله . فقد خرجه عبد الرزاق في كتابه عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي ، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله . وقد روي عن ابن عمر مرفوعا من رواية الضحاك بن عثمان ، عن صدقة بن يسار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإن معه القرين . خرجه مسلم . وفي رواية أخرى لابن ماجه : فإن معه العزى . وروى النضر بن كثير أبو سهل السعدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا كنت تصلي فمر بين يديك أحد ، فرده ، فإن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنه شيطان . خرجه الدارقطني في المختلف والمؤتلف . وقال في النضر هذا : فيه نظر . وكذا قال أبو حاتم الرازي : شيخ فيه نظر . وكذا قال البخاري : فيه نظر . وقال في موضع آخر : عنده مناكير . وخرجه الطبراني في الأوسط ، وقال : تفرد به النضر بن كثير . ولفظه : فإن عاد الرابعة فقاتله . وخرجه البزار ، وقال : لا نعلم أسند قتادة عن نافع ، عن ابن عمر إلا هذا ، ولا رواه عن سعيد إلا النضر ، وهو بصري مشهور لا بأس به . وزعم ابن حبان : أنه يروي الموضوعات عن الثقات . فالله أعلم .
88 - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره فيه حديثان : أحدهما : قال : 481 - ثنا خلاد بن يحيى : ثنا سفيان : عن أبي بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضا - وشبك أصابعه ليس في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ في المسجد ؛ فلهذا بوب على تشبيك الأصابع في المسجد وغيره . وهذا التشبيك من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة ، لم يكن عبثا ؛ فإنه لما شبه شد المؤمنين بعضهم بعضا بالبنيان ، كان ذلك تشبيها بالقول ، ثم أوضحه بالفعل ، فشبك أصابعه بعضها في بعض ؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله ، ويزداد بيانا وظهورا . ويفهم من تشبيكه : أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض ، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى أصل واحد ورجل واحد ، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى أصل واحد ، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح ، وأخوة الإيمان . وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير : مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر . خرجاه في الصحيحين . وفي رواية : المؤمنون كرجل واحد ، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .
الحديث الثاني : 482 – ثنا إسحاق : ثنا ابن شميل : أبنا ابن عون : عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين : قد سماها أبو هريرة ، ولكن نسيت أنا - قال : فصلى بنا ركعتين ، ثم سلم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبك بين أصابعه ، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وفي القوم رجل في يديه طول ، يقال له : ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ قال : لم أنس ، ولم تقصر . فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : نعم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر . فربما سألوه : ثم سلم ؟ فيقول : نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم المسئول : ثم سلم ؟ هو ابن سيرين . وقد أعاده البخاري في أبواب : سجود السهو ، ويأتي الكلام عليه هناك مستوفى - إن شاء الله تعالى . إنما المقصود في هذا الباب منه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعد سلامه من الصلاة إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها ، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى ، وشبك بين أصابعه ، فدل على جواز تشبيك أصابع اليدين في المسجد لغير حاجة إليه . والظاهر : أنه إنما فعله لما غلبه من الهم ؛ فإن ذلك يفعله المهموم كثيرا . وقد رخص في التشبيك في المسجد جماعة : قال وكيع : ثنا الربيع بن صبيح ، قال : رأيت الحسن في المسجد هكذا - وشبك وكيع بين أصابعه . وقال حرب : رأيت إسحاق جالسا في المسجد يقرأ وشبك أصابعه . وقد روي النهي عن التشبيك في المسجد من رواية مولى لأبي سعيد الخدري ، أنه كان مع سعيد وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأى رجلا جالسا في وسط المسجد مشبكا أصابعه يحدث نفسه ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفطن ، فالتفت إلى أبي سعيد ، فقال : إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه ؛ فإن التشبيك من الشيطان ؛ وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، ضعفه ابن معين . وروي - أيضا - النهي عن تشبيك الأصابع لمن هو ماش إلى المسجد للصلاة فيه ، من حديث كعب بن عجرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ، ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه ؛ فإنه في صلاة . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه . وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب . وقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي في صحيحه المخرج على صحيح البخاري أن حديث كعب بن عجرة وما في معناه لا ينافي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، وأنه يمكن الجمع بينهما ، بأنه إنما يكره التشبيك لمن كان في صلاة ، أو حكمه حكم من كان في صلاة ، كمن يمشي إلى المسجد أو يجلس فيه لانتظار الصلاة ، فأما من قام من الصلاة وانصرف منها ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم من ركعتين وقام إلى الخشبة المعترضة ، فإنه صار منصرفا من الصلاة لا منتظرا لها ، فلا يضره التشبيك حينئذ . قال : وقد قيل : إن من كان في صلاة ومنتظر الصلاة في جماعة فهم على ائتلاف ، فإذا شبك لم يؤمن أن يتطير بهم عدوهم ، بأنهم سيختلفون ، ألا تراه في حديث عبد الله بن عمرو يقول : مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وصاروا هكذا - وشبك بين أصابعه ، ولم يؤمن أن يكون ذلك سببا أو أمارة لاختلافهم ، كما أمرهم بأن يستووا في صفوفهم ، وقال : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم . انتهى ما ذكره . وهو مناسبة بعيدة جدا ؛ فإن التشبيك كما مثل به الاختلاف والافتراق فقد مثل به الائتلاف والتعاون والتناصر ، كما في حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري في أول الباب ، فليس كراهته لمشابهته لمثل الافتراق بأولى من عدم كراهته لمشابهته لمثل التعاون والتعاضد والتناصر . ومثل هذه المعاني توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة ، وأكثرها مدخول ، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك ، وكذلك لم أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب ، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه ذكره في صحيحه ، ونبهت على ما فيه . وجمع الخطابي في الأعلام بين حديث كعب بن عجرة في النهي وحديث أبي هريرة في فعل التشبيك ، بأن النهي إنما يحمل على الاحتباء بالتشبيك للأصابع ؛ لأنه يجلب النوم الناقض للوضوء ، وما سواه فمباح . فخص الكراهة بحالة الاحتباء ، وهذا في غاية البعد ؛ لأن حديث كعب فيه النهي عن التشبيك للعامد إلى المسجد ، والمراد به الماشي إليه ، والماشي لا يحتبي ، وقد ورد مصرحا بذلك في رواية خرجها مسلم في كتاب العلل له عن أبي ثمامة القماح ، قال : لقيني كعب بن عجرة وأنا رائح إلى المسجد مشبك بين أصابعي ، فضرب يدي ضربة ففرق بينهما ، وقال : نهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة . فقلت : إني لست في صلاة . فقال : إن الرجل إذا توضأ فأحسن وضوءه ، ثم خرج يؤم المسجد فهو في صلاة . وخرجه أبو داود بمعناه ، إلا أنه لم يذكر قوله : إني لست في صلاة ، وصرح برفع آخر الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وأعل محمد بن يحيى الهمداني في صحيحه حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، وقال : ذكر تشبيك الأصابع ووضع الخد لا أعلم ذكره غير النضر - يعني : ابن شميل - عن ابن عون . وأما تشبيك الأصابع في الصلاة فمكروه . وقد خرج ابن ماجه حديث كعب بن عجرة المتقدم ، ولفظه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبك بين أصابعه في الصلاة ، ففرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه . وخرج وكيع ، عن عاصم بن محمد العمري ، عن ابن المنكدر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - نحوه ، مرسلا . وخرج أبو داود بإسناده عن نافع ، أنه سئل عن الرجل يصلي وهو مشبك أصابعه ؟ فقال : قال ابن عمر : تلك صلاة المغضوب عليهم . وكرهه طاوس والنخعي . وقال النعمان بن أبي عياش : كانوا ينهون عن ذلك . وكلام ابن عمر يدل على أنه كره لما فيه من مشابهة أهل الكتاب ، وهو - أيضا - من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة ، ومثله : تفقيع الأصابع . وقد روى الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يفقع أصابعه في الصلاة . وخرجه ابن ماجه . خرج الإمام أحمد من رواية زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الضاحك في الصلاة ، والملتفت ، والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة . وزبان وسهل ، فيهما ضعف . وفيه : إشارة إلى أن ذلك كله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة .
101 - باب إثم المار بين يدي المصلي 510 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه . قال أبو النضر : لا أدري : قال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة ؟ وخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك . وخرجه - أيضا - من طريق وكيع ، عن سفيان - هو : الثوري - عن سالم أبي النضر - بمعنى حديث مالك . ورواه ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، قال : أرسلني أبو الجهيم ، أسأل زيد بن خالد الجهني : ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره من رواية زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . كذا رويناه في مسند الحميدي ، عن سفيان . وكذا خرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن ابن عيينة ، إلا أنه قال : أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله - ولم يذكر من أرسله . وذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابن عيينة . وهذا كله وهم . وممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم من ابن عيينة ، وخطأ : ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة ، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل . وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده ، ولم يحفظه جيدا . وقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب . خرجه ابن خزيمة ، عن علي بن خشرم ، عنه . ومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين ، فقوله ليس بشيء ، ولم يأت بأمر يقبل منه . وأبو الجهيم ، هو : ابن الحارث بن الصمة ، وقد سبق له حديث في التيمم . وقد رواه الضحاك بن عثمان ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن خالد ، قال : قَالَ : رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما - وذكر الحديث . خرجه أبو العباس السراج في مسنده . وهذا يوافق رواية ابن عيينة ، وهو - أيضا - وهم . وزيادته : والمصلي غير محفوظة - أيضا . وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري ، ومسلم - أيضا - بعد : ماذا عليه : من الإثم ، وهي غير محفوظة . وذكر ابن عبد البر : أن هذه اللفظة في رواية الثوري ، عن سالم أبي النضر . وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري ، مدرجة بلفظة : يعني : من الإثم ، فدل على أنها مدرجة من قول بعض الرواة ، وتفسير للمعنى ؛ فإن هَذَا يفهم من قوله : ماذا عَلِيهِ ، فإن ابن آدم لَهُ عمله الصالح وعليه عمله السيئ ، كما قَالَ تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وقال : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته . وفي المعنى أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري : فروى عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو يعلم أحدكم ما له أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه ، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحب إليه أن يخطو . خرجه أحمد ، وهذا لفظه . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما بمعناه . وخرجه ابن ماجه ، ولم يذكر : وهو يناجي ربه ، وعنده : معترضا في الصلاة . وعبيد الله بن عبد الله بن موهب ، ضعفه يحيى . وقال النسائي : ليس بذاك القوي . وقال ابن عدي : هو حسن الحديث يكتب حديثه . وخرج الطبراني من رواية ابن أخي ابن وهب ، عن عمه : ثنا عبد الله بن عياش ، عن أبي رزين الغافقي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الذي يمر بين يدي الرجل وهو يصلي عمدا ، يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة . إسناده ليس بقوي . وقد روي موقوفا ، بلفظ آخر ، من وراية أبي عبد الرحمن المقري : ثنا موسى بن أيوب ، قال : سمعت أبا عمران الغافقي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير له من أن يمر بين يدي رجل متعمدا وهو يصلي . خرجه ابن عبد البر وغيره . وروى ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه . هذا مرسل . وأبو أسامة ، قد قيل : إنه كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي ، ويسميه : ابن جابر ، وابن تميم ضعيف ، وابن جابر ثقة . وذكر مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن كعب الأحبار ، قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خير له من أن يمر بين يديه . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، قال : قَالَ عمر رضي الله عنه : لو يعلم المار بين يدي المصلي ما يصيب من الإثم ما مر أحد بَيْن يدي أحد وهو يصلي . وروى أبو بكر النجاد الفقيه الحنبلي ، بإسناده عن ابن عمر ، قال : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير من أن يمر بين يدي رجل وهو يصلي . وبإسناده ، عن قتادة ، أن عمر وأبا الدرداء قالا : لو يعلم المار بين يدي المصلي كان أن يقوم حولا أهون عليه من أن يمر بَيْن يديه . وروى أبو نعيم - أيضا - : ثنا أبو خلدة ، عن أبي العالية ، قالا : إن الإنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول ، فما أحب أن يمر بين يدي شيء . وفي هذا إشارة إلى علة كراهة المرور بين يدي المصلي ، وهو قرب الملائكة منه ، فالمار يصير دخيلا بين المصلي وملائكته الموكلين به . وفي حديث أبي هريرة المتقدم : إشارة إلى أن المصلي مشتغل بمناجاة ربه ، والرب تعالى يقرب المصلي له إليه ، قربا لا يشبه قرب المخلوقين ، كما سبق ذكره في أبواب : البصاق في القبلة . فالداخل بين المصلي وبين ربه في حال مناجاته له ، وتقريبه إياه ، وإقباله عليه ، واستماعه منه ما يناجيه ، ورده عليه جواب ما يتلوه من كتابه متعرض لمقت الله ، ومستحق لعقوبته . وهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، والمحققين من أصحاب الشافعي . وطائفة منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة . وكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم ، منهم : ابن عبد البر وغيره . وحكاه الترمذي عن أهل العلم . وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم ؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرا . وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم . وفي الحديث : دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن ، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها ، إذا لم يتباعد عنها تباعدا كثيرا . وإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة ، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدا فاحشا ، ففي تحريم المرور وجهان لأصحابنا : أصحهما : التحريم ؛ لعموم حديث أبي جهيم . والثاني : يكره ولا يحرم ، وهو قول أصحاب الشافعي . والذي نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث أنه مباح غير مكروه ، واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة . وفي قدر القرب الذي يمنع من المرور فيه وجهان لأصحابنا : أحدهما : أنه محدود بثلاثة أذرع ؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة ، على ما سبق . والثاني : حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره ، لم تبطل صلاته . وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس : تقديره بقدر قذفة بحجر . خرجه أبو داود وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وحكي عن الحنفية ، أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة . وحكى أبو بكر بن العربي ، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح ، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم ، وقالوا : هو حريم للمصلي . قال : وأخذوه من لفظ المقاتلة ، ولم يفهموا المراد منها . قال : والمقاتلة هنا : المنازعة بالأيدي خاصة . وقال الشافعي : قوله : فليقاتله - يعني : فليدفعه . فأما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى ، فلا إثم في المرور بين يديه ، صرح به أصحابنا وغيرهم ؛ لأنه مفرط بذلك ، فلا حرمة له . وحكى القرطبي ، عن أصحابهم المالكية ، أن المصلي إذا كان في موضع لا يأمن المرور عليه اشترك هو والمار في الإثم . وهذا يدل على أنه يحرم المرور بين يديه - أيضا - ولكنه يأثم المار والمصلي جميعا . وكذلك قال بعض الشافعية : أنه إذا صلى على الطريق ، أو قصر في الدفع شارك المار في الإثم ، وحملوا رواية السراج المتقدمة : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما على ذلك . وحكي عن بعض الفقهاء ، أنه إن كان للمار مندوحة عن المرور ، وكان المصلي متعرضا لذلك أثما جميعا ، وإن لم يكن للمار مندوحة ، ولا المصلي متعرضا لذلك فلا إثم على واحد منهما ، وإن لم يتعرض المصلي لذلك ، وكان للمار مندوحة أثم المار وحده ، وإن تعرض المصلي لذلك ، ولم يكن للمار مندوحة أثم المصلي وحده . وقال أبو عمر بن عبد البر : الإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه ، وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما ، والمار أشد إثما إذا تعمد ذلك ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا . كذا قال ؛ مع أنه ذكر في موضع آخر : أن الدفع ليس بلازم ، ولا يأثم من تركه ، وأنه قول الثوري وغيره . وخرج ابن أبي شيبة من رواية الأسود ، قال : قال عبد الله - هو : ابن مسعود - : من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلي فليفعل ؛ فإن المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه . ولعله أراد أن المار أنقص علما أو دينا أو خيرا من الممر عليه ، ولم يرد - والله أعلم - أنه أنقص منه إثما ، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان المصلي مفرطا بصلاته في موضع مرور الناس ، والمار لا يجد بدا من مروره كما سبق . وقد روي عن جماعة من الصحابة ، أن الصلاة تنقص بمرور المار : فروى أبو نعيم : ثنا سليمان بن المغيرة - أظنه : عن حميد بن هلال - قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو يعلم المصلي قدر ما ينقص من صلاته ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس . وهذا منقطع . وقد روي عن ابن مسعود ، أنه ينقص نصف صلاته . قال أبو طالب : قلت لأحمد : قول ابن مسعود : إن ممر الرجل يضع نصف صلاته ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يضع من صلاته ، ولكن لا يقطعها ، ينبغي له أن يمنعه . وهذا الذي أشار إليه خرجه أبو بكر النجاد بإسناده ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، قال : كان عبد الله إذا مر بين يديه رجل وهو يصلي التزمه حتى يرده . قال : وقال عبد الله : إن مرور الرجل بين يدي الرجل ليضع نصف صلاته . قال القاضي أبو يعلى : وينبغي أن يكون هذا محمولا على ما إذا أمكنه أن يرده فلم يرده ، فيكون قد أخل بفضيلة الرد . كذا قال ؛ وفيه نظر . ومذهب أحمد وأصحابه : أن مرور الكلب الأسود يبطل الصلاة ويقطعها ، سواء أمكنه الرد وتركه ، أو تركه عجزا ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وعلى هذا ؛ فلا يبعد القول بنقص كمال الصلاة بمرور غير الكلب ، وإن عجز عَن دفع ذَلِكَ . ولهذا المعنى رد طائفة من العلماء حديث قطع الصلاة بمرور الكلب وغيره ، وقالوا : إنه مخالف للقرآن في قوله تعالى : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، كما ذكر ذلك الشافعي . وقد روي : أن مرور الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاته . وخرجه أبو داود في سننه بإسناد فيه نظر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بتبوك إلى نخلة ، فأقبل غلام يسعى حتى مر بينه وبين قبلته ، فقال : قطع صلاتنا ، قطع الله أثره . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا . وهذا مما يستدل به على أن قطع الصلاة يراد به إذهاب كمال فضلها ، دون إبطالها من أصلها ، وإيجاب إعادتها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند : ثنا سويد بن سعيد : ثنا إبراهيم بن سعد : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : كنت أصلي ، فمر رجل بين يدي فمنعته ، فسألت عثمان بن عفان ، فقال : لا يضرك يا ابن أخي . وظاهر هذا : أنه لا ينقص الصلاة ، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاته أو لعله أراد أنه إذا منعه من المرور فلا يضره إذا رجع ولم يمر . وقد روي ، عن عائشة ما يدل على أن المرور بين يدي المصلي إذا لم يقطع صلاته فهو جائز : قال : عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله : ثنا أبي : ثنا حجاج : أبنا شعبة ، قال : سمعت عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ، قال : سمعت صفية بنت شيبة ، قالت : كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة ، وكانت عائشة تطوف ، فمرت عَائِشَة بينها وبين المرفقة ، فقالت عائشة : إنما يقطع الصلاة الهر والكلب الأسود . ولعل عائشة - رضي الله عنها - كانت ترى أن المسجد الحرام لا يمنع فيه المرور بين يدي المصلي كما سبق ، وإنما ذكرت أن الصلاة لا تقطع بذلك لئلا ؛ تظن تلك المرأة بطلان صلاتها . والله أعلم .
والثاني : قال : 360 - ثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، سمعته - أو كنت سألته - قال : سمعت أبا هريرة يقول : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه . في هذه الرواية تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع لهذا من عكرمة ، فزال بذلك ما كان يخشى من تدليسه ، والتصريح بسماع عكرمة له من أبي هريرة . والحديث الأول : نهي لمن صلى في ثوب واحد أن يجرد عاتقيه ، والثاني : أمر لمن صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفيه ويضعهما على عاتقيه . وقد أجمع العلماء على استحباب ذلك وأنه الأفضل ، بل كرهوا للمصلي أن يجرد عاتقيه في الصلاة . قال النخعي : كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقيه عقالا ثم صلى . وقال النخعي - أيضا - : كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة . خرجهما ابن أبي شيبة في كتابه . وقد سبق قول ابن عمر - وروي عنه مرفوعا - : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه ؛ فإن الله أحق أن يتزين له . وفي رواية عنه : إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتد . ولو صلى مكشوف المنكبين ، فقال أكثر الفقهاء : لا إعادة عليه ، وحكي رواية عن أحمد . وقال أبو جعفر محمد بن علي : عليه الإعادة لارتكابه النهي . والمشهور من مذهب أحمد : أنه إن صلى الفريضة كذلك أعاد ، وفي إعادة النفل عنه روايتان . وقد قيل : إن الشافعي نص على وجوبه في الصلاة ، وحكى بعض المالكية عن أبي الفرج من أصحابهم : أن ستر جميع الجسد في الصلاة لازم ، وفي صحة هذا نظر . ونص أحمد على أنه لو ستر أحد منكبيه وأعرى الآخر صحت صلاته ؛ لأنه لم يرتكب النهي ، فإن النهي هو إعراء عاتقيه ، ولم يوجد ذلك . وقال القاضي أبو يعلى : يجب ستر جميع منكبيه كالعورة . وقال في موضع : يجزئ ستر بعضهما ، ولا يجب سترهما بما لا يصف البشرة ، كالعورة . ولأصحابنا وجه : أنه يجزئ أن يضع على عاتقيه ولو حبلا أو خيطا وإن لم يستره به . ولهم وجه آخر : أنه إن كان ذلك يسمى لباسا أجزأه ، وإلا فلا . وقد سبق أن من الصحابة من كان يضع على عاتقيه عقالا ثم يصلي . وقال النخعي : تقليد السيف في الصلاة بمنزلة الرداء . وكان سعيد بن جبير يفعله . وعن الحسن قال : السيوف أردية الغزاة . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه صلى بالناس في قوس ليس عليه رداء غيرها . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا مندل ، عن الأحوص بن حكيم ، عن مكحول ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس في قوس . وقال النخعي : كان يكره القوس . وقال الثوري : القوس والسيف بمنزلة الرداء . وعن الأوزاعي نحوه .
5 - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه خرج فيه حديثين : أحدهما : قال : 359 - ثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ، ليس على عاتقه شيء . هكذا الرواية : لا يصلي بالياء ، فيكون إخبارا عن الحكم الشرعي ، أو إخبارا يراد به النهي ، كما قيل مثله في قول الله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ
102 - باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلي وكره عثمان أن يستقبل الرجل وهو يصلي . وهذا إذا اشتغل به ، فأما إذا لم يشتغل به ، فقد قال زيد بن ثابت : ما باليت ؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل حكى البخاري عن عثمان رضي الله عنه ، أنه كره أن يستقبل الرجل وهو يصلي ، وعن زيد بن ثابت ، أنه قال : لا يبالي بذلك ؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل . وجمع بينهما بأن الكراهة إذا اشتغل به المصلي عن صلاته ، وعدم الكراهة إذا لم يشتغل به عن صلاته . وقد روي في هذا حديث مرفوع يشهد لما قاله : رواه عبد الأعلى الثعلبي ، عن محمد ابن الحنفية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يصلي إلى رجل ، فأمره أن يعيد الصلاة ، فقال : يا رسول الله ، إني قد أتممت ؟ فقال : إنك صليت وأنت تنظر إليه مستقبله . خرجه أبو داود في المراسيل . وخرجه البزار في مسنده والإسماعيلي في مسند علي ، وعندهما : عن ابن الحنفية ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وعبد الأعلى هذا ، ضعيف الحديث . وقد علل الإعادة بالنظر إليه ، وهو يشعر بأن نظره إليه ألهاه عن صلاته . وقال البزار بعد تخريجه للحديث : إنما أمره بالإعادة ؛ لاستقباله وجه الرجل من غير انحراف عنه . وروى أبو نعيم : ثنا مسعر ، قال : أراني أول من سمعته من القاسم ، قال : ضرب عمر رجلين : أحدهما مستقبل الآخر وهو يصلي . وهذا منقطع . ونص أحمد على كراهة أن يصلي مستقبل رجل - : نقله عنه المروذي . ونقل عنه ابنه صالح ، أنه قال : هذا منهي عنه . وعلل الأصحاب كراهة ذلك بأن فيه تشبها بعبادة المخلوقين ، فكره كما تكره الصلاة إلى صورة منصوبة . وعلى هذا التعليل ، فلا فرق بين أن يشتغل بالنظر إلى ذلك ، أو لا يشتغل . والله أعلم . وكره أصحاب الشافعي الصلاة إلى آدمي ، يستقبله ويراه ، وعللوه بأنه يشغل المصلي ويلهيه نظره إليه .
قال البخاري - رحمه الله - : 511 – ثنا إسماعيل بن خليل : أبنا علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، ذكر عندها ما يقطع الصلاة ، فقالوا : يقطعها الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : لقد جعلتمونا كلابا ؛ لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وإني لبينه وبين القبلة ، وأنا مضطجعة على السرير ، فتكون لي الحاجة ، فأكره أن أستقبله ، فأنسل انسلالا . وعن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - نحوه وقد روى هذا الحديث أبو معاوية ، عن الأعمش ، بالإسناد الثاني ، وقال في حديثه : فأنسل من قبل رجلي السرير ، كراهة أن أستقبله بوجهي . خرجه عنه الإمام أحمد . ورواه ابن أبي زائدة ، عن الأعمش بالإسنادين ، وقال فيه : وأكره أن أستقبله بوجهي فأوذيه ، فأنسل من قبل رجلي السرير . وهذا يدل على أنها كانت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يستقبله أحد بوجهه وهو يصلي ، وكان ذلك ليلا ، ولم يكن في البيوت مصابيح ، كما صرحت به عائشة في حديثها الآخر ، فدل على أن كراهة استقبال المصلي وجه إنسان والإنسان ليس هو لمعنى الاشتغال بالنظر إليه عن الصلاة ، كما يراه البخاري . والله أعلم . والظاهر : أن البخاري استدل بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة على أنه لا تكره الصلاة مستقبل إنسان ، وفي ذلك نظر ؛ فإن عائشة لم تكن مستقبلة له ، بل كانت مضطجعة ، وإنما كره من كره استقبال وجه الآدمي .
قال البخاري - رحمه الله - : 477 – حدثنا مسدد : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة ، حتى يدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ، وتصلي الملائكة عليه ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما لم يحدث فيه وقد خرجه البخاري - أيضا - في موضع آخر من كتابه بزيادة تصريح الأعمش بالسماع له من أبي صالح ، فزال ما كان يتوهم من تدليس الأعمش له . والحديث : نص في أن الصلاة في المسجد تزيد على صلاة المرء في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين درجة ، وهو أعم من أن تكون صلاته في بيته وفي سوقه في جماعة أو منفردا . ويدل على ذلك : أنه ذكر سبب المضاعفة ، وهو فضل مشيه إلى المسجد على طهارة ، وفضل انتظاره للصلاة حتى تقام ، وفضل قعوده في المسجد حتى يحدث ، وهذا كله لا يوجد شيء منه في صلاته في بيته وفي سوقه . لكن المراد - والله أعلم - : صلاته في سوقه في غير مسجد ، فإنه لو صلى في سوقه في مسجد لكان قد حصل له فضل المشي إلى المسجد ، وانتظار الصلاة فيه ، والجلوس فيه بعد الصلاة - أيضا - وإن كان المسجد الأعظم يمتاز بكثرة الخطا إليه ، وبكثرة الجماعة فيه ، وذلك يتضاعف به الفضل - أيضا - عند جمهور العلماء ، خلافا لمالك . وقد روي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحب إلى الله . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم . وقال علي ابن المديني : ما أراه إلا صحيحا . ويفضل - أيضا - المسجد الأعظم بكونه عتيقا : قال أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، قال : كنت أقبل مع أنس بن مالك من الزاوية ، فإذا مر بمسجد قال : أمحدث هذا ؟ فإن قلت : نعم مضى ، وإن قلت : عتيق صلى .
87 - باب الصلاة في مسجد السوق وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب قد سبق ذكر مساجد البيوت والصلاة فيها ، وما ذكره البخاري هناك أن البراء بن عازب صلى في مسجد بيته جماعة ، وذكرنا قول أحمد ، أنه لا يحصل بالصلاة فيها فضيلة الصلاة في المسجد ، إلا أن يكون يؤذن فيه ويقام ، كأنه يشير إلى أن يكون في حال الصلاة غير ممنوع ، وأن إسحاق قال : لا يحصل بالصلاة فيه جماعة فضل الجماعة في المسجد ، إلا أن يكون له عذر . وما حكاه البخاري هنا عن ابن عون ، ظاهره : يدل على حصول فضل الجماعة في المسجد بذلك ، وإن كان مغلقا ، وهو قياس قول من أجاز الاعتكاف فيه ، كما سبق ذكره ، ويحتمل أن يكون ابن عون لا يرى حضور المساجد في الجماعة واجبا ، أو أنه كان لهم عذر . والله أعلم . وأما مساجد الأسواق ، إذا كانت مسبلة ، فحكمها حكم سائر المساجد المسبلة . وقد كره طلحة اليامي الصلاة في مساجد السوق . خرجه حرب الكرماني من رواية ليث عنه . وكأنه يشير إلى أنه إنما يستحب الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجمع فيه . وقد ورد التصريح بفضل الصلاة في مسجد الجامع على الصلاة في مساجد القبائل التي لا يجمع فيها . خرجه ابن ماجه : ثنا هشام بن عمار : ثنا أبو الخطاب الدمشقي : ثنا رزيق أبو عبد الله الألهاني ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة . رزيق الألهاني - بتقديم الراء على الزاي - قال أبو زرعة الرازي : لا بأس به . وذكره ابن حبان في ثقاته وذكره - أيضا في الضعفاء ، وقال : لا يحتج به . وأما أبو الخطاب الدمشقي ، فقيل : اسمه : حماد ، وقع كذلك مصرحا به في معجم الطبراني الأوسط ، وذكر ابن عدي أنه : معروف الخياط الذي رأى واثلة بن الأسقع ، وأن هشام بن عمار يروي عنه وفيه ضعف . وقال ابن ماكولا : اسمه : سلمة بن علي ، كان يسكن اللاذقية ، روى عنه هشام بن عمار والربيع بن نافع . قال : والحديث منكر ، ورجاله مجهولون . كذا قال ، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا . وقد كان بالمدينة مساجد في قبائل الأنصار ، وهي دورهم ، يصلون فيها الجماعات سوى الجمع . وروى ابن لهيعة ، أن بكير بن الأشج حدثه ، أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، يسمع أهلها تأذين بلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصلون في مساجدهم ، أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل ، ومسجد بني زريق ، ومسجد بني غفار ، ومسجد أسلم ، ومسجد جهينة . وشك في التاسع . خرجه أبو داود في المراسيل .
الحديث الثاني : 362 - حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن سفيان : ثنا أبو حازم سلمة بن دينار ، عن سهل ، قال : كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان . وقال للنساء : لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا . في هذا الحديث من الفقه : أن الإزار الضيق يعقد على القفا إذا أمكن ليحصل به ستر بعض المنكبين مع العورة ، ولهذا استدل به الإمام أحمد في رواية حنبل كما سبق . وفيه : أن صفوف النساء كانت خلف الرجال . وفيه : أن من انكشف من عورته يسير في صلاة لم تبطل صلاته . وقد استدل بذلك طائفة من الفقهاء ، وتوقف فيه الإمام أحمد ، وقال : ليس هو بالبين . يشير إلى أنه لم يذكر فيه انكشاف العورة حقيقة ، إنما فيه خشية ذلك ؛ وإنما ذكر حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه كان يصلي بقومه في بردة له صغيرة فكان إذا سجد تقلصت عنه فيبدو بعض عورته حتى قالت عجوز من ورائه : ألا تغطون عنا است قارئكم . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من كتابه هذا . ومذهب أحمد : أنه إذا انكشفت العورة كلها أو كثير منها ، ثم سترها في زمن يسير لم تبطل الصلاة ؛ وكذلك إن انكشفت منها شيء يسير ، وهو ما لا يستفحش في النظر ولو طال زمنه ، وإن كان كثيرا وطالت مدة انكشافه بطلت الصلاة . وكذا قال الثوري : لو انكشفت عورته في صلاته لم يعد - ومراده : إذا أعاد سترها في الحال . ومذهب الشافعي : أنه يعيد الصلاة بانكشافها بكل حال ، وعن أحمد ما يدل عليه . وعن أبي حنيفة وأصحابه : إن انكشف من المغلظة دون قدر الدرهم فلا إعادة ، ومن المخففة إن انكشف دون ربعها فكذلك ، ويعيد فيما زاد على ذلك . ولا فرق بين العمد والسهو في ذلك عند الأكثرين . وقال إسحاق : إن لم يعلم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يعد . وهو الصحيح عند أصحاب مالك - أيضا . وحكي عن طائفة من المالكية : أن من صلى عاريا فإنه يعيد في الوقت ولا يعيده بعده . وقالوا : ليس ستر العورة من فرائض الصلاة كالوضوء ، بل هو سنة . والمنصوص عن مالك : أن الحرة إذا صلت بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت خاصة .
6 - باب إذا كان الثوب ضيقًا فيه حديثان : أحدهما : قال : 361 - ثنا يحيى بن صالح : ثنا فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، قال : سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد ؟ فَقَالَ : خرجت مَعَ رسول الله فِي بعض أسفاره ، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي ، وعلي ثوب واحد فاشتملت بِهِ وصليت إلى جانبه فلما انصرف قَالَ : مَا السرى يَا جابر ؟ فأخبرته بحاجتي ، فلما فرغت قال : ما هذا الاشتمال الذي رأيت ؟ قلت : كان ثوب - يعني : ضاق - قال : فإن كان واسعا فالتحف به ، وإن كان ضيقا فاتزر به . قوله : ما السرى يا جابر يدل على أن هذا السير كان فِي آخر الليل ، وهو السرى ، وفهم النبي صلى الله عليه وسلم من جابر أنه جاء في ذلك الوقت لحاجة له ، ولذلك قال له ذلك . وأما إنكاره عليه الاشتمال بالثوب الواحد ، فقال الخطابي : الاشتمال الذي أنكره أن يدير الثوب على بدنه كله ، لا يخرج منه يده . قلت : قد خرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وغيرهما بسياق يدل على بطلان هذا التفسير ، من رواية عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر ، فذكر حديثا طويلا ، وفيه : قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فقام يصلي ، وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها ، فلم يبلغ لي ، وكانت لها ذباذب فنكستها ، ثم خالفت بين طرفيها ، ثم تواقصت عليها لا تسقط ، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، فجاء جبار بن صخر فقام عن يساره ، فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه . قال : وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقني وأنا لا أشعر ، ثم فطنت به ، فأشار إلي أن أتزر بها ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا جابر قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه ، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك . فهذا السياق يدل على أن بردة جابر كانت ضيقة ، لا تتسع للاتزار بها والارتداء ، ولذلك تواقص عليها لئلا تسقط . قال الخطابي في المعالم : معناه : أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به ، كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس - يعني : مائل العنق . وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر جابرا أن يتزر ويصلي لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها . وممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم . وقد روى شرحبيل بن سعد ، عَن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ، ثم صل على غير رداء . خرجه الإمام أحمد ، وشرحبيل هذا مختلف في أمره . وأجاب أصحابنا عن ذلك من وجهين : أحدهما : ما أجاب به أبو بكر الأثرم : أن ذلك محمول على حالة العجز عن ستر المنكبين ، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما . وهذا - أيضا - قول إسحاق ، قال : إن أعرى منكبيه في الصلاة من ضرورة فجائز - : نقله عنه حرب . والثاني : أن حديث جابر هذا محمول على صلاة النافلة ، وحديث أبي هريرة محمول على صلاة الفرض ، وهذا جواب أبي بكر عبد العزيز بن جعفر . ويشهد له : أن في رواية البخاري أن ذلك كان ليلا ؛ وقوله : ما السرى يا جابر ؟ يدل على أنه كان من آخر الليل ، فيحتمل أن تكون تلك صلاة الليل ، أو صلاة الوتر . والله أعلم . وقال حنبل : قيل لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : الرجل يكون عليه الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده ، ترى أن يتزر به ويصلي ؟ قال : لا أرى ذلك مجزئا عنه ، وإن كان الثوب لطيفا صلى قاعدا وعقده من ورائه ، على ما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد . وهذه رواية مشكلة جدا ، ولم يروها عن أحمد غير حنبل ، وهو ثقة إلا أنه يهم أحيانا ، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد : هل تثبت به رواية عنه أم لا ؟ ولكن اعتمد الأصحاب على هذه الرواية ، ثم اختلفوا في معناها : فقال القاضي أبو يعلى ومن اتبعه : من وجد ما يستر به منكبيه أو عورته ولا يكفي إلا أحدهما فإنه يستر عورته ، ويصلي جالسا ؛ لأن الجلوس بدل عن القيام ، ويحصل به ستر العورة ، فيستر بالثوب اللطيف منكبيه حيث لم يكن له بدل . وقال طائفة من أصحابنا : إذا كان الثوب يستر منكبيه وعجيزته سترهما ، وصلى قاعدا لحصول ستر المنكبين وستر العورة ، فإن لم يحوهما اتزر به ، وصلى قائما . وهؤلاء ، منهم : من اعتبر ستر عجزه خاصة ، فيكون قبُلُه مستترا بالجلوس . وهذا إنما يصح على قولنا : إن العورة الفرجان خاصة ، فأما على المذهب المشهور : أن العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل كشف معظم العورة ، وستر ذلك آكد من ستر المنكبين . ومنهم : من اعتبر ستر جميع عورته مع المنكبين ، فأسقط القيام لذلك ، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى ، وهو أقرب . وقياس المذهب : أنه لا يلزمه ذلك في هذه الحال ، بل يخير بينه وبين ستر عورته وحدها وصلاته قائما ، كما يخير العاري بين أن يصلي قاعدا مراعاة لستر بعض عورته بالجلوس وبين أن يصلي قائما مراعاة لركن القيام . ولأصحابنا وجه آخر : أنه يلزمه أن يستر عورته ويصلي قائما كقول جمهور العلماء ، ورجحه صاحب المغني ؛ لأن القيام وستر العورة واجبان بالإجماع ، بخلاف ستر المنكبين . وعليه يدل : حديث جابر المخرج في هذا الباب ، وحديث سهل بن سعد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وإليه أشار أحمد في رواية حنبل بقوله : وعقده من ورائه على ما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن حديث سهل ليس فيه أنهم كانوا يصلون جلوسا . وقول الأثرم وإسحاق بن راهويه : أنه يفرق في ستر المنكبين بين القادر والعاجز ، فيجب مع القدرة ويسقط عند العجز أشبه الأقاويل في المسألة ، وعليه يدل تبويب البخاري . والله أعلم .
103 - باب الصلاة خلف النائم 512 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا هشام : قال : حدثني أبي ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت استدل البخاري بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة بالليل على أنه لا تكره الصلاة خلف النائم . وكذلك قال أصحاب الشافعي . ونقل حرملة عن الشافعي ، أنه إن كان النائم لا يحتشم من المصلي ، ولا يحتشم المصلي منه كالزوجة فلا بأس به ، وأن النهي عن الصلاة خلف نائم يحتشمه . والنهي الذي أشار إليه هو من رواية محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تصلوا خلف النيام والمتحدثين . خرجه أبو داود وابن ماجه . وله طرق إلى محمد بن كعب ، كلها واهية - : قاله أبو داود والعقيلي والبيهقي وغيرهم . وخرج البزار من رواية ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين . ابن أبي ليلى ، ضعيف ؛ لسوء حفظه . وخالفه سُفْيَان ، فرواه وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد - مرسلا ، وهو أصح . وكره طائفة الصلاة إلى النائم مطلقا ، منهم : أحمد وإسحاق . وعلل ذلك أصحابنا ؛ بأنه لا يؤمن أن يكون من النائم ما يشغل المصلي . وأجاب من ذهب إلى هذا عن حديث عائشة ، بأن الحاجة دعت إليه ؛ لضيق البيت . وعن أحمد ، أنه تختص الكراهة بالفريضة دون النافلة ؛ جمعا بين حديث عائشة وحديث ابن عباس . ولعل هذا القول أقرب مما قبله . وإذا خالف وصلى ، فلا إعادة عليه في ظاهر مذهب أحمد وإسحاق ، وهو قول جمهور العلماء . وعن أحمد ، أنه يعيد الفريضة . قال القاضي أبو يعلى : يحتمل أن هذا على الاستحباب دون الإيجاب . وسئل النخعي عن الرجل يصلي إلى نائم ومضطجع : أيكون له سترة ؟ قَالَ : لا . قيل له : فيستر الجالس ؟ قال : نعم . وأما الصلاة خلف المتحدث ، فكرهها أكثر العلماء . روى سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن معديكرب ، عن عبد الله ، قال : لا تصلوا إلى قوم يتحدثون . خرجه الأثرم . وخرجه أبو نعيم في كتاب الصلاة ، ولفظه : لا تصلوا بين يدي قوم يمترون . وهذا يدل على كراهة الصلاة أمام المتحدثين - أيضا . قال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ، أنهما كرها الصلاة إلى المتحدثين . وبه قال أحمد وأبو ثور . ورخص فيه الزهري والنعمان . وحكى الخطابي ، عن الشافعي ، أنه كرهه - أيضا . وعلل أحمد الكراهة بأن المتحدث يشغل المصلي إليه . وفرق سعيد بن جبير بين المتحدثين بذكر الله وغيره ، فكره الصلاة إلى المتحدث بغير الذكر ، دون الذاكر . خرجه حرب الكرماني وغيره . ولا إعادة على من صلى إلى متحدث عند الجمهور . ونقل حرب ، عن أحمد ، أنه قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه . وقال : الفريضة أشد . وكأنه ذهب إلى أنه يعيد .
86 - باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر للناس فيه وبه قال الحسن وأيوب ومالك . 476 - حدثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، ويعجبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين هذه قطعة من حديث الهجرة الطويل ، وقد خرجه بتمامه في باب : الهجرة . والمقصود منه هاهنا : أن أبا بكر رضي الله عنه ابتنى مسجدا بفناء داره بمكة ، والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، وكان يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة وعشية ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على أبي بكر ، ولم يغيره ، فدل على جواز بناء المسجد في الطريق الواسع إذا لم يضر بالناس . وقد حكى البخاري جوازه عن الحسن وأيوب ومالك ، وهو - أيضا - قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد - في رواية عنه - وأبي خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي . واختلفوا : هل يجوز ذلك بدون إذن الإمام ، أم لا يجوز بدون إذنه ؟ على قولين : أحدهما : أن إذنه معتبر لذلك ، وهو قول الثوري ورواية عن أحمد ، وحكي عن ابن مسعود وقتادة ما يدل عليه ؛ لأن نفع الطريق حق مشترك بين المسلمين ، فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة بدون إذن الإمام كقسمة الأموال المشتركة بين المسلمين . والثاني : لا يعتبر إذن الإمام ، وهو المحكي عن الحسن وأيوب وأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ممن جوزه ، وهو رواية عن أحمد - أيضا - لأن الطريق إذا كان متسعا لا يضر بالمارة بناء مسجد فيه ، فحق الناس في المرور فيه المحتاج إليه باق لم يتغير ، بخلاف قسمة أموال بيت المال ؛ فإن مصارفها كثيرة جدا ، فيرجع فيها إلى اختيار الإمام . وعن أحمد رِوَايَة ثالثة : أنه لا يجوز بناء المساجد فِي الطريق بحال ، بل تهدم ولا يصلى فيها . فمن أصحابنا من حكاها مطلقة ، ومنهم من خصها بما إذا لم يأذن فيها الإمام ، وهذا أقرب . وأجاز الجوزجاني بناء المساجد في الطريق ، بشرط أن يبقى من الطريق بعد المسجد سبعة أذرع . ونسب ذلك إلى أحمد ، ولا يصح ذلك عن أحمد . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع ، معناه - عند أحمد وأصحابه - : إذا أرادوا أن يحدثوا طريقا في أرض موات أو مملوكة ، وليس معناه - عندهم - أنه يجوز البناء في الطريق الواسع حتى يبقى منه سبعة أذرع ، كما قاله الجوزجاني .
7 - باب الصلاة في الجبة الشامية وقال الحسن في ثياب تنسجها المجوس : لم ير بها بأسا . وقال معمر : رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول . وصلى علي رضي الله عنه في ثوب غير مقصور . المقصود بهذا الباب : جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار ، وسواء نسجوها في بلادهم وجلبت منها ، أو نسجت في بلاد المسلمين . روى أبو إسحاق الفزاري ، عن زائدة ومخلد ، عن هشام ، عن الحسن ، أنه قال في الثياب التي تنسجها المجوس فيؤتى بها قبل أن تغسل : لا بأس بالصلاة فيها . وروى سعيد بن منصور : ثنا حماد بن زيد ، عن مطر الوراق ، عن الحسن ، أنه كان لا يرى بأسا أن يصلي في السابري والدستوائي ونحو ذلك قبل أن تغسل . وروى وكيع في كتابه عن الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، قال : لا بأس مما يعمل المجوس من الثياب . وعن علي بن صالح ، عن عطاء أبي محمد ، قال : رأيت على علي قميصا من هذه الكرابيس ، لبيسا غير غسيل . ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب العلل : ثنا أبي : ثنا محمد بن ربيعة : ثنا علي بن صالح : حدثني عطاء أبو محمد قال : رأيت عليا اشترى ثوبا سنبلانيا فلبسه ، ولم يغسله ، وصلى فيه . وروى أبو بكر الخلال بإسناده ، عن ابن سيرين ، قال : ذكر عند عمر الثياب اليمانية ، أنها تصبغ بالبول ؟ فقال : نهانا الله عن التعمق والتكلف . وروى الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، أن عمر بن الخطاب أراد أن ينهى عن حلل الحبرة ؛ لأنها تصبغ بالبول ، فقال له أبي : ليس ذاك لك ، قد لبسهن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولبسناهن في عهده . وروى ابن أبي عاصم في كتاب اللباس من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، قال : خطب عمر الناس ، فقال : إنه بلغني أن هذه البرود اليمانية التي تلبسونها تصبغ بالبول ؛ بول العجائز العتق ، فلو نهينا الناس عنها ؟ فقام عبد الرحمن بن عوف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتنطلق إلى شيء لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتحرمه ؟ إنها تغسل بالماء ، فكف عُمَر عَن ذَلِكَ . وقد روي عَن الْحَسَن ، أنه كَانَ إذا سئل عَن البرود إذا صبغت بالبول ، فهل ترى بلبسها بأسا ؟ حدث بحديث عمر مع أبي بن كعب كما تقدم . وقال حنبل : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - يصبغ له يهودي جبة فليبسها ، ولا يحدث فيها حدثا من غسل ولا غيره . فقلت له ، فقال : ولم تسأل عما لا تعلم ؟ لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك . قال حنبل : وسئل أبو عبد الله عن يهود يصبغون بالبول ؟ فقال : المسلم والكافر في هذا سواء ، ولا تسأل عن هذا ولا تبحث عنه وقال : إذا علمت أنه لا محالة يصبغ من البول وصح عندك فلا تصل فيه حتى تغسله . وقال يعقوب بن بختان : سئل أحمد عن الثواب يصبغه اليهودي ؟ قال : ويستطيع غير هذا ؟ - كأنه لم ير به بأسا . وقال المروذي : سمعت أبا عبد الله يسأل عن الثوب يعمله اليهودي والنصراني ، تصلي فيه ؟ قال : نعم ، القصار يقصر الثياب ، ونحن نصلي فيها . وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاة فيه من غير غسل ، ما لم تحقق فيه نجاسة ، ولا يكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى يصح ، وأنه لا ينبغي البحث عن ذلك والسؤال عنه . وحكى ابن المنذر هذا القول عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، فلم يحك عن أحد فيه خلافا ، وهو قول الثوري وإسحاق - : نقله عنه حرب . ومن أصحابنا من قال : لا نعلم في هذا خلافا . ومنهم من نفى الخلاف فيه في المذهب . ومن الأصحاب من حكى فيه خلافا عن أحمد . ونقل أبو داود أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال : نعم ، إلا أن ينسجه مشرك أو مجوسي . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : قرأت على أبي عَبْد الله - يعني : أحمد - : ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، قال : كان محمد بن سيرين يختار إذا أخذ الثوب من النساج أن لا يلبسه حتى يغسله . قال أبو عبد الله : إليه أذهب . أو قال : أحب إلي أن لا يصلي فيه حتى يغسله . وحمل أبو بكر عبد العزيز بن جعفر هذه الرواية على أن الثوب نسجه مشرك وثني أو مجوسي ، كما رواه أبو داود ، فإن كان كتابيا صلى فيه بغير غسل ، على ما رواه المروذي . قال : وإن صلى فيما نسجه وثني أو مجوسي من غير غسل فلا يتبين لي الإعادة ؛ لأن الأصل طهارته . وقال ابن أبي موسى : اختلف قول أحمد في الثوب ينسجه يهودي أو نصراني : هل يصلي فيه مسلم قبل أن يغسله أم لا ؟ على روايتين ، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يغسل قولا واحدا . وهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب ، ولم يلبسوه ، فأما ما لبسوه من ثيابهم ، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله : فمنهم : من رخص في ذلك . قال الحسن : لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ورواية عن أحمد . قال الثوري : وغسلها أحب إلي . ومنهم : من كره ذلك ، من غير تحريم ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد . وكره أبو حنيفة وأصحابه ما ولي عوراتهم ، كالإزار والسراويل . وقال الشافعي : أنا لذلك أشد كراهة . وقالت طائفة : لا يصلى في شيء من ثيابهم حتى يغسل ، وهو قول إسحاق ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول مالك - أيضا - وقال : إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت . وفرقت طائفة بين من تباح ذبيحته ومن لا تباح : قال أحمد - في رواية حنبل - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني : إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه ، وثوب المجوسي لا يصلى فيه ، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو ؛ هؤلاء لا يجتنبون البول ، واليهود والنصارى كأنهم أقرب إلى الطهارة من المجوس . وفرقت طائفة بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العورات : قال أحمد - في رواية حنبل - : لا بأس بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني ، إلا ما يلي جلده ، فأما إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به . وقال عَبْد الله بن أحمد : سمعت أبي قال : كل ثوب يلبسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه ؛ وذلك أنهم لا يتنزهون من البول . ونقل بكر بن محمد ، عن أبيه ، عن أحمد ، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي : أحب إلي أن يعيد صلاته كلها . ونقل حرب ، عن أحمد ، قال : لا يصلى في شيء من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلده : القميص والسراويل وغير ذلك . قال ابن أبي موسى : لا تستعمل ثياب المجوسي حتى تغسل ، ولا ما سفل من ثياب أهل الكتاب كالسراويل ، وما لصق بأبدانهم حتى يغسل . والمسألة : ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، فالأصل الطهارة ، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة ، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه ؛ فإن ذبائحهم ميتة ، وما ولي عوراتهم ؛ فإن سلامته من النجاسة بعيد جدا ، خصوصا في حق من يتدين بالنجاسة .
خرج البخاري في هذا الباب : 363 - حديث : الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن مغيرة بن شعبة ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقال : يا مغيرة ، خذ الإداوة ، فأخذتها ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جبة شامية ، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت ، فأخرج يده من أسفلها ، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ، ومسح على خفيه ، ثم صلى . وقد سبق هذا الحديث في كتاب الطهارة من وجوه أخر عن المغيرة ، وخرجه في كتاب اللباس من طريق الشعبي ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه ، وفي حديثه : وعليه جبة من صوف . وفيه من الفقه : جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم . وجواز الصلاة في الصوف ، وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء ، إذا أخرج يديه من أسفله . وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس ، أن ملك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس ، فلبسها . وعلي بن زيد ، مختلف في أمره ، وليس بالحافظ جدا . قال الأصمعي : المساتق : فراء طوال الأكمام ، واحدتها : مستقة . والمستقة : بفتح القاف . وتضم - أيضا . قال الخطابي : يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس ؛ لأن نفس الفرو لا يكون سندسا . قلت : بل الظاهر أن غشاء الفرو كان حريرا ، ويدل عليه : ما رواه سالم بن نوح ، عن عمر بن عامر ، عن قتادة ، عن أنس : أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة سندس ، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعجب الناس منها ، ثم أهداها إلى عمر ، فقال : يا رسول الله ، تكرهها وألبسها ؟ قال : يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها فتصيب بها مالا . وذلك قبل أن ينهى عن الحرير . وخرجه البزار وغيره ، وخرجه مسلم مختصرا . وهذا - والله أعلم - هو فروج الحرير الذي قال عقبة بن عامر : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير فلبسه ، ثم صلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ، كالكاره له ، ثم قال : لا ينبغي هذا للمتقين . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لبس النبي صلى الله عليه وسلم يوما قباء من ديباج أهدي له ، ثم أوشك أن نزعه ، ثم أرسل به إلى عمر - وذكر بقية الحديث .
104 - باب التطوع خلف المرأة 513 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتهما . قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح دل هذا الحديث على أن من صلى إلى امرأة بين يديه ، وليست معه في صلاة واحدة فإن صلاته صحيحة ، وقد نص على ذلك سفيان وأحمد وإسحاق ، ولا نعلم فيه خلافا . وإنما اختلفوا : إذا كانا في صلاة واحدة ، وليس بينهما سترة . وقد سبق ذكر ذلك في باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد . ولكن يجيء على قول من يقول : إن مرور المرأة يبطل الصلاة ، وإن قيامها وجلوسها واضطجاعها كمرورها ، أنه تبطل الصلاة باستقبالها . وقد حكي رواية عن أحمد ، ونص أحمد على أن المرأة إذا كانت بين يدي المصلي ، وهي في غير صلاة فلا بأس به ، واحتج بحديث عائشة - : نقله عنه حرب . وكره الشافعي أن يستتر الرجل بالمرأة في صلاته ؛ لما يخشى من فتنتها للمصلي ، وشغلها لقلبه . وهذا إذا كان بحيث ينظر إليها ، فأما إن كان ذلك في ظلمة الليل ، كما في حديث عائشة ، فقد أمن من ذلك . ولم يفرق الشافعي وأحمد بين النفل والفرض . وظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بينهما ، وأن الرخصة في النفل خاصة . وقد نص أحمد على مثل ذلك في رواية أخرى عنه ، وأن الرخصة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة كان مخصوصا به ؛ لأنه كان يملك نفسه ، وغيره يخشى عليه الفتنة ، وهذه دعوى لا دليل عليها .
85 - باب الاستلقاء في المسجد 475 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى . وعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : كان عمر وعثمان يفعلان ذلك 138 هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري ، عنه ، عن عباد ، عن عمه . وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون ، فرواه عن الزهري : حدثني محمود بن لبيد ، عن عباد . فزاد في إسناده : محمود بن لبيد ، وهو وهم - : قاله مسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما . وعم عباد بن تميم ، هو : عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، صاحب حديث الوضوء . والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان ، ما لم يكن منبطحا على وجهه ؛ فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك ، وقال : إنها ضجعة يبغضها الله عز وجل . وقد ذكرنا إسناده في باب : النوم في المسجد . وقد ذكر الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان ، أنهما كانا يفعلان ذلك . وأما الاستلقاء على هذا الوجه ، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه : فروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة ، وأبي سعيد ، وقتادة بن النعمان ، وسعيد بن جبير . وقد روي النهي عنه مرفوعا . خرجه مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويروى - أيضا - من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد - وهو : قتادة بن النعمان . وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه . وممن روي أنه كان يفعله : عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه . واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره . ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن . وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود . خرجه الطحاوي . وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني ابن المسيب ، قال : كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما . قال الزهري : وجاء الناس بأمر عظيم . وقال الحكم : سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى ؟ فقال : لا بأس به ، إنما هذا شيء قاله اليهود : إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح ، فجلس هذه الجلسة ، فأنزل الله عز وجل : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ . خرجه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه . وقد ذكر غير واحد من التابعين : أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ، منهم : عكرمة وقتادة . فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه ، وإنما هو متلقى عن اليهود ، ومن قال : إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ . وهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان ، عن أبيه ، عن سعيد بن الحارث ، عن عبيد بن حنين : سمع قتادة بن النعمان يحدثه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بمعنى قول أبي مجلز . وفي آخره : وقال عز وجل : إنها لا تصلح لبشر . وعبيد بن حنين ، قيل : إنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي . وفليح ، وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه ، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي - : فليح واهي الحديث ، وابنه محمد واهي الحديث . ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه أنه قال : إنها لا تصلح لبشر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به ، وأتبعهم لهديه وسنته . وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه آخر منقطع ، من رواية سالم أبي النضر ، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه - أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن ذلك . خرجه الإمام أحمد . وهذا محتمل ، كما رواه عنه جابر وغيره . فأما هذه الطامة ، فلا تحتمل أصلا . وقد قيل : إن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود ، فظنه مرفوعًا فرفعه ، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة ، وأنكر ذلك عليهم ، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أهل الكتاب . فروى مسلم بن الحجاج في كتاب التفصيل والبيهقي فِي المدخل من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عروة ، عن عروة ، أن الزبير سمع رجلا يحدث حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستمع الزبير له ، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . فَقَالَ الزُّبَيْر : هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَدْ - لعمري - سَمِعْت هَذَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث ، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه ، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى مسلم - أيضا - في كتاب التفصيل بإسناد صحيح ، عن بكير بن الأشج ، قال : قال لنا بسر بن سعيد : أيها الناس ، اتقوا الله ، وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة : إما على عبد الله بن سلام ، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها ، لطال الأمر .
8 - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها 364 - حدثنا مطر بن الفضل : ثنا روح : نا زكريا بن إسحاق : ثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له العباس عمه : يا ابن أخي ، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة . قال : فحله ، فجعله على منكبيه ، فسقط مغشيا عليه ، فما رئي بعد ذلك عريانا هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره ، وقد قيل : إنه من مراسيل الصحابة ؛ فإن جابرا لم يحضر هذه القصة ، وإنما سمعها من غيره ، إما من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض أكابر أصحابه ، فإن كان سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فهو متصل . وقد اختلفوا في قول الصحابي : إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذا ، هل يحمل على الاتصال ، أم لا ؟ والتحقيق : أنه إن حكى قصة أدركها بسنه ، ويمكن أن يكون شهدها حملت على الاتصال ، وإن حكى ما لم يدرك زمنه فهو مرسل لذلك . والله أعلم . وبناء الكعبة حين نقل النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش الحجارة لم يدركه جابر ، فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة ، وقد قيل : إن عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ خمس عشرة سنة . قال معمر ، عن الزهري : كان ذلك حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الحلم . وأما سقوطه مغشيا عليه ، فقيل : كان من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم من تعريه ؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ ، ومن أعظمها شدة الحياء . وقيل : بل كان لأمر شاهده وراءه ، أو لنداء سمعه نهى عن التعري . وقد خرج البخاري هذا الحديث في باب : بنيان الكعبة من كتاب : بدء الخلق من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، وفيه : قال : فخر إلى الأرض ، وطمحت عيناه إلى السماء ، ثم أفاق ، فقال : إزاري ، إزاري ، فشد عليه إزاره . وقد روى الأزرقي في كتاب : أخبار مكة . ثنا جدي : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : جلس رجال من قريش في المسجد الحرام ، فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل ، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة - فذكر حديثا طويلا في ذلك - وفيه : فنقلوا الحجارة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ، ينقل معهم الحجارة على رقبته ، فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه ، فنودي : يا محمد ، عورتك ، وذلك أول ما نودي - والله أعلم - فما رئيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عورة بعد ذلك ، ولبج برسول الله صلى الله عليه وسلم من الفزع حين نودي ، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة ، فقال : ما أصابني هذا إلا من التعري فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاره ، وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث . وقال - أيضا - : ثنا جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي ، قالا : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن خثيم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما حيث هدمت الكعبة ، فكان ينقل الحجارة ، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فلبج به ، فأخذه العباس فضمه إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني نهيت أن أتعرى . يقال : لبج بفلان ، ولبط به ، إذا صرع ، وهو معنى ما في حديث جابر : فسقط مغشيا عليه . وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن أبي الطفيل ، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية ، قال : فهدمتها قريش ، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي ، تحملها قريش على رقابها ، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا . فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة ، فضاقت عليه النمرة ، فذهب يضع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة ، فنودي : يا محمد ، خمِّر عورتك ، فلم يُر عريانا بعد ذلك . وروى ابن سعد بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : أول شيء رأى النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة أن قيل له : استتر ، وهو غلام ، فما رئيت عورته من يومئذ . ويروى بإسناد أجود منه ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نهيت أن أمشي عريانا ، [قلت : اكتمها الناس مخافة أن يقولوا : مجنون ] . وبعض رواته لم يذكر في إسناده : العباس . وخرج البزار من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء الحجرات ، وما رئي عورته قط . وقال : لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا . وفي صحيح مسلم عن المسور بن مخرمة ، قال : أقبلت بحجر أحمله ثقيل ، وعلي إزار ، فانحل إزاري ومعي الحجر ، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى ثوبك فخذه ، ولا تمشوا عراة . وفي مسند الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء ، أنه مر وصاحب له بأيمن وفتية من قريش قد خلعوا أزرهم ، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة ، قال : فلما مررنا بهم قالوا : إن هؤلاء لقسيسون ، فدعوهم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ، فلما أبصروه تبددوا ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا حتى دخل ، وكنت أنا وراء الحجرة ، فأسمعه يقول : سبحان الله ، لا من الله استحيوا ، ولا من رسوله استتروا ، وأم أيمن عنده تقول : استغفر لهم يا رسول الله ، فَبِلأْيٍ ما استغفر لهم . وقوله : فبلأي : أي بشدة ، ومنه اللأواء ، والمعنى : أنه استغفر لهم بعد شدة امتناعه من ذَلِكَ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منهن وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك ، فقال : الرجل يكون مع الرجل ؟ قال : إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل ، قلت : فالرجل يكون خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيا منه . وقد ذكره البخاري في موضع آخر من كتابه هذا تعليقا مختصرا ، فقال : وقال بهز ، عن أبيه ، عن جده [ ] . وقد أجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين ، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة لغير حاجة ، على قولين ، هما وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، ويجوز كشفها للحاجة إليه بقدرها بغير خلاف ، وقد سبق في كتاب : الغسل ذكر بعض ذلك .
105 - باب من قال : لا يقطع الصلاة شيء 514 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة . قال الأعمش : وحدثني مسلم ، عن مسروق عن عائشة ، ذكر عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : شبهتمونا بالحمر والكلاب ، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا على السرير ، بينه وبين القبلة مضطجعة ، فتبدو لي الحاجة ، فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنسل من عند رجليه . 515 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم : ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد : أبنا ابن أخي ابن شهاب ، أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء ؟ قال : لا يقطعها شيء . قال : وأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله في الرواية الأولى : أن عائشة استدلت بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع الصلاة ، وأنكرت التسوية بين المرأة والحمار والكلب ، وهذا يشعر بموافقتها على الحمار والكلب ، وسيأتي كلامها صريحا في ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وفي الرواية الثانية : أن الزهري استدل بحديث عائشة على أن الصلاة لا يقطعها شيء ؛ لما فيه من الدلالة على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل إذا كانت بين يديه . وقد اختلف العلماء في هذا : فقالت طائفة - كما قاله الزُّهْرِيّ - : لا يقطع الصلاة شيء . وروي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس ، على اختلاف عن بعضهم . وروي عن أبي بكر وعمر من وجه لا يصح ، وسيأتي ذكره إن شاء الله . وممن قال ذلك بعد الصحابة : سعيد بن المسيب وعبيدة السلماني والشعبي والقاسم بن محمد وعروة والزهري ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم . وروى شعبة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سالم ونافع ، عن ابن عمر ، قال : كان يقال : لا يقطع صلاة المسلم شيء . ورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قالوا : لا يقطع صلاة المسلم شيء ، وادرأ ما استطعت . خرجه الدارقطني . والخوزي ضعيف جدا . وصحح الدارقطني في كتاب العلل وقفه ، وأنكر رفعه . وخرج أبو داود من رواية أبي أسامة ، عن مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لا يقطع الصلاة شيء ، وادرءوا ما استطعتم . وخرجه - أيضا - من رواية عبد الواحد بن زياد ، عن مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، قال : إن الصلاة لا يقطعها شيء ، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا ما استطعتم . فجعل أوله موقوفا . ومجالد فيه ضعف مشهور . وقال أحمد : كم من أعجوبة لمجالد . وروى إدريس بن يحيى الخولاني ، عن بكر بن مضر ، عن صخر بن عبد الله بن حرملة ، سمع عمر بن عبد العزيز يقول : عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ، فمر بين أيديهم حمار ، فقال عياش بن أبي ربيعة : سبحان الله ، سبحان الله ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من المسبح آنفا : سبحان الله وبحمده ؟ قال : أنا يا رسول الله ؛ إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة . قال : لا يقطع الصلاة شيء . خرجه الدارقطني . وقال في كتاب العلل : خالف إدريس في رواية هذا الحديث الوليد بن مسلم ، فرواه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن عياش بن أبي ربيعة . وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر بن عبد العزيز - مرسلا . والمرسل أصح . وقد روي هذا المتن من حديث علي وأبي هريرة وعائشة وأبي أمامة ، ولا يثبت منها شيء . قال العقيلي : الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف . وقالت طائفة : يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات . ثم اختلفوا : فمنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة ، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومكحول والحسن وأبي الأحوص . ومنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر ، رواه جابر بن زيد ، عن ابن عباس . وروي عن الحكم الغفاري ، أنه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه . وروي عن عكرمة ، قال : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر . وعن عطاء ، قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود . واختاره أبو بكر بن خزيمة ، وزاد عليهما : الحمار . والمشهور : عن عطاء ، أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود . وهو قول ابن جريج وأحمد في رواية عنه . وروت صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : إنما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور . وفي رواية أخرى عن عائشة ، أنها قالت : والسنور الأسود . وحكي رواية عن أحمد في السنور الأسود . وقالت طائفة : لا يقطع الصلاة سوى الكلب ، وروي ذلك عن ابن عمر . وروي عنه أنه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه ، رواه مطر الوراق ، عن نَافِع ، عَنْهُ . وروى بكر المزني ، أن ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه . وهذا يدل على أنه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب . وروى ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : ادرءوا عن صلاتكم ما استطعتم ، وأشد ما يتقى عليها مرابض الكلاب . وقال ابن طاوس : كان أبي يشدد في الكلاب . ومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان . وروى شعبة ، عن الحكم ، عن خيثمة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود . وقال أبو نعيم : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : الكلب الأسود البهيم شيطان ، وهو يقطع الصلاة . حدثنا ابن عيينة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن معاذ مثله . وهو المشهور عن أحمد ، وقول إسحاق وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . واستدل من قال : تقطع الصلاة بشيء من ذلك بأحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس شيء منها على شرط البخاري ، ولا مما يحتج به . وقد خرج مسلم منها حديثين : حديث أبي ذر ، وحديث أبي هريرة . فحديث أبي ذر : خرجه من طريق حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود . قلت : يا أبا ذر ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر ؟ فقال : يا ابن أخي ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فقال : الكلب الأسود شيطان . وحديث أبي هريرة : خرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن الأصم : ثنا يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل . فأما حَدِيْث أبي ذر ، فَقَدْ قَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة المروذي - : إليه أذهب ، وَهُوَ صحيح الإسناد . وَقَالَ - في رواية علي بن سَعِيد - : هو حديث ثبت ، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة - يعني : عن حميد بن هلال - ثم قال : ما في نفسي من هذا الحديث شيء . وقال الترمذي : حديث أبي ذر حسن صحيح . وقال البيهقي في كتاب المعرفة : هذا الحديث صحيح إسناده ، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات ، وإن كان البخاري لا يحتج به . وقوله : إن البخاري لا يحتج به ، يشير إلى أنه لا يحتج بحديث عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر ، ولم يخرج له في كتابه شيئا . وقال الشافعي في كتاب مختلف الحَدِيْث - في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب - : إنه عندنا غير محفوظ . ورده لمخالفته لحديث عائشة وغيره ، ولمخالفته لظاهر قول الله عز وجل : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وفي مسائل الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد : قيل له : ما ترى في الحمار والكلب والمرأة ؟ قال : الكلب الأسود يقطع ؛ إنه شيطان . قيل له حديث أبي ذر ؟ قال : هاتوا غير حديث أبي ذر ، ليس يصح إسناده ، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس ، أنه مر على بعض الصف وهو على حمار . قيل له : إنه كان بين يديه عنزة ؟ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث فِي فضاء . وأما حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ ، فَلَمْ يخرج البخاري ليزيد بن الأصم ، ولا بني أخيه : عبد الله بن عبد الله أبي العنبس ، وأخيه عبيد الله شيئا . وهذا الحديث من رواية عبيد الله كما وجد في بعض النسخ ، وقيل : إن الصواب : أنه من رواية عبد الله . وقد روي حديث أبي هريرة من وجه آخر : من رواية هشام الدستوائي ، عن قتادة عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه . وفي إسناده اختلاف على هشام في رفعه ووقفه ، وفي ذكر : سعد بن هشام في إسناده وإسقاطه منه ، والصحيح : ذكره - : قاله الدارقطني . ورواه ابن أبي عروبة وغير واحد ، عن قتادة ، فوقفوه ، وذكروا في إسناده : هشاما . ولعل وقفه أشبه . وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا من وجه آخر لا يصح . وروى يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ؛ قال : سمعت جابر بن زيد يحدث ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب . خرجه أبو داود ، وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه ، وعندهما : الكلب الأسود . قال أبو داود : وقفه سعيد وهشام وهمام ، عن قتادة ، عن ابن عباس . انتهى . وكذا وقفه غندر ، عن شعبة . ورفعه سفيان بن حبيب ، عن شعبة . وذكر الحافظ أبو نعيم بإسناده ، عن يحيى بن سعيد ، قال : لم يرفعه عن قتادة غير شعبة . قال يحيى : وأنا أفرقه . وحكى غيره عن يحيى ، أنه قال : أخاف أن يكون وهم - يعني : شعبة . وقال الإمام أحمد : ثناه يحيى ، قال : شعبة رفعه . قال : وهشام لم يرفعه . قال أحمد : كان هشام حافظا . وهذا ترجيح من أحمد لوقفه ، وقد تبين أن شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه . ورجح أبو حاتم الرازي رفعه . وخرج أبو داود ، عن محمد بن إسماعيل البصري - هو : ابن أبي سمينة - عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن يحيى - هو : ابن أبي كثير - عن عكرمة ، عن ابن عباس - قال : أحسبه عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة ، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر . وقال أبو داود : لم أر أحدا يحدث به عن هشام ، وأحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة ؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه . انتهى . وهو مشكوك في رفعه . وقد خرجه ابن عدي من طريقين ، عن معاذ ، وقال : هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن . وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود ، ولكنه منكر كما قاله ابن عدي . وخرجه ابن أبي شيبة عن أبي داود ، عن هشام ، عن يحيى ، عن عكرمة - من قوله . ورواه عبيس بن ميمون ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو زرعة الرازي ، هو حديث منكر ، وعبيس شيخ ضعيف الحديث . وقال الأثرم : هذا إسناد واه . وروى سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه . وقد اختلف فيه على قتادة ، وعلى الحسن : فقيل : عن قتادة ، كما ترى في هذا الإسناد ، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره . وقيل : عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس . وقيل : عنه ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس - من قوله كما سبق . وقال هشام : عن قتادة ، عن زرارة ، عن سعد ، عن أبي هريرة كما سبق . واختلف فيه عن الحسن : فقيل : عنه كما ترى . وقال حوشب : عن الحسن ، عن الحكم بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر هذا الاختلاف الدارقطني ، وقال : الصحيح من ذلك : قتادة ، عن الحسن ، عن ابن مغفل . وروى يحيى بن أبي كثير ، عن شعبة : عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار . خرجه البزار . وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع ، عن شعبة - مرفوعا . ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير ، عن شعبة ، عن عبيد الله ، عن أنس موقوفا . قال الدارقطني : والموقوف أصح . وخرج الإمام أحمد : ثنا أبو المغيرة : ثنا صفوان : ثنا راشد بن سعد ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقطع صلاة المسلم شيء ، إلا الحمار والكافر والكلب والمرأة . قالت عائشة : يا رسول الله ، لقد قرنا بدواب سوء . هذا منقطع ؛ راشد لَمْ يسمع من عَائِشَة بغير شك . ووهم فِي ذَلِكَ ، وإنما الصحيح : ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ ، عنها ، أنه ذكر عندها ذلك ، فقالت : لقد قرنتمونا بقرناء سوء ، ونحو هذا المعنى . وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود ، عن عائشة - مرفوعا - : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود . فقال أحمد : غلط الشيخ عندنا ؛ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : عدلتمونا بالكلب والحمار ؟ ! يعني : لو كان هذا عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت ما قالت . وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز ، عن مولى ليزيد بن نمران ، عن يزيد بن نمران ، قال : رأيت رجلا بتبوك مقعدا ، فقال : مررت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي ، فقال : اللهم اقطع أثره ، فما مشيت عليها بعد . وفي رواية له : فقال : قطع صلاتنا قطع الله أثره . وفي إسناده جهالة . فالقائلون : بأن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعلقوا بظواهر هذه الأحاديث . وأما من قال : لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود ، كما قاله أحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، فقالوا : المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث ، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة ، وحديث ابن عباس دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة ، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به . وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه ، وما قالوه في ذلك . ولهم في ذلك مسلكان آخران : أحدهما : أن حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر ؛ فإن حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي ، وأنه لا يبطل صلاته ، وحديث أبي ذر في مرور المرأة ، وأنه مبطل للصلاة ، فيعمل بكلا الحديثين ، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي ، وهو رواية عن أحمد . وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر ، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين . وقد تقدم قول عائشة : فأكره أن أسنحه - أي : أعترض بين يديه مارة ، فدل على أن مرورها بين يديه مما يكره ويتقى ، بخلاف نومها معترضة . وروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كنت أكون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه ، فأنسل انسلالا . ويدل على أنه يفرق بين المرور والوقوف : أن المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانا ، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة ، فدل على الفرق بين الأمرين . وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف . والثاني : أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل ، فلا تقطعها المرأة ، وحديث أبي ذر على الفريضة . وهذا مسلك آخر لأصحابنا ، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة . ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يوتر أيقظ عائشة ، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه . وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يوتر قال لها : تنحي . وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة . وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي ، أن عمه إياس بن عامر حدثه ، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني : عائشة - أن تتنحى عنه ، وقال : إنها صلاة ازددتموها . فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة ، فالفريضة أولى . وقد سلك بعضهم مسلكا آخر ، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس ؛ لأن حَدِيْث ابن عَبَّاس كَانَ فِي حجة الوداع فِي آخر عُمَر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث عَائِشَة يدل بظاهره عَلَى استمرار النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا أخبرت بِهِ عَنْهُ إلى آخر عمره ، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها ، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له . وهذا المسلك فيه نظر ، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب ، وأنكره - أيضا - الشافعي في كتاب مختلف الحديث . وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة . وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق ؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار ، والأخذ بأصحها إسنادا ، فأخذ بحديث عائشة في المرأة ، وحديث ابن عباس في الحمار ، فبقي الكلب الأسود من غير معارض . وهذا إنما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد . فأما على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما ، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة ، وإنما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر ، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار ، ولا يعرف هذا عن أحمد . وعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل ، فلا تعارض بين حديث عائشة وأبي ذر في حق المرأة ، وإن قلنا : إن الوقوف كالمرور ، وأما إن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين ، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار ، فإن حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل ، فيخرج من هذا أن يقال : حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة ، خص من عمومه النفل بمرور المرأة ، إن سوينا بينه وبين الوقوف ، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه . فأما الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس ، وهو في الفرض ، وهو أصح من حديث أبي ذر ، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة ، وذلك نسخ . ويخص - أيضا - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة ، فيقتضي هذا التقرير أن يقال : إن مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة ، ومرور الحمار لا يبطل شيئا . وهذا - أيضا - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره . وإنما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل . وأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره ، عن أحمد : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار ، فذكر حديث عائشة ، فقال : هو عندي في المار بين يدي المصلي ، فإذا كانت بين يديه كان أسهل ، وهذا في التطوع ، فأما الفرض فهو آكد ، أليس النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يوتر قال : تنحي ؟ قال : هذا إنما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها ، أما في المرور فلم يفرق ، وإنما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل ، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض ، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف ، فما يبطل الصلاة - وهو المرور - لم يفرق فيه بين فرض ونفل ، إنما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة ، وهو الصلاة إلى المرأة ، فكرهه في الفرض دون النفل ، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا . والله أعلم . وظاهر قول عائشة - رضي الله عنها - : عدلتمونا بالحمر والكلاب ، واستدلالها بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إليها : يدل على أنها رأت أن المرور والوقوف سواء ، وإلا فلو كان الحكم عندها مختصا بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل . ومتى قيل : إن حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف لم يكن مرورا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كانت سترته محفوظة ، فلا دليل في حديثه هذا على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة ، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها دليل على أن المرأة لا يقطع مرورها ، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار . وأما جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي ، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة : فمنهم : من تكلم فيها من جهة أسانيدها ، وهذه تشبه طريقة البخاري ؛ فإنه لم يخرج منها شيئا ، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه . ومنهم : من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع ، وهي في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا نسخ منها شيء دل على نسخ الباقي ، وسلك هذا الطحاوي وغيره من الفقهاء . وفيه ضعف ، وقد أنكر الشافعي وأحمد دعوى النسخ في شيء من هذه الأحاديث ؛ لعدم العلم بالتاريخ . ومنهم من قال : حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادا ، كحديث ابن عباس وعائشة ، وقد أعضدهما أحاديث أخر تشهد لهما : فروى شعبة أن الحكم أخبره ، قال : سمعت يحيى - هو : ابن الجزار - يحدث ، عن صهيب ، قال : سمعت ابن عباس يحدث ، أنه مر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فنزلوا ودخلوا معه ، فصلوا فلم ينصرف ، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب ، فأخذتا بركبتيه ، ففرع بينهما ولم ينصرف . خرجه الإمام أحمد والنسائي ، وهذا لفظه ، وقد سبق ذكر إسناده . وخرج النسائي - أيضا - من رواية ابن جريج : أخبرني محمد بن عمر بن علي ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، قال : زار رسول الله صلى الله عليه وسلم عباسا في بادية لنا ، ولنا كليبة وحمارة ترعى ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر وهما بين يديه ، فلم يزجرا ولم يؤخرا . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، ولفظه : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا ، ومعه عباس ، فصلى في صحراء ، ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا وكليبة تعبثان - أو تعيثان - بين يديه ، فما بالى ذاك . ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وثقه الدارقطني وغيره . وعباس بن عبيد الله بن عباس ، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته ، وانتقاده للرجال ، حتى قال أحمد : لا تسأل عمن روى عنه أيوب . وذكره ابن حبان في الثقات . وقد اختلف قول أحمد في هذا : فمرة ، قال : حديث أبي ذر يخالفه ، ولم يعتد به - : نقله عنه علي بن سعيد . ومرة ، عارض به حديث أبي ذر ، وقدمه عليه - : نقله عنه الحسن بن ثواب . لكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود ؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود ، ولم يجعله معارضا له . وروى أسامة بن زيد ، عن محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - عن أبيه ، عن أم سلمة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة ، فمر بين يديه عبد الله - أو عمر بن أبي سلمة - فقال بيده فرجع ، فمرت زينب بنت أم سلمة ، فقال بيده هكذا ، فمضت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هن أغلب . خرجه ابن ماجه . وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ ، ويقول : إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلا البالغ ، وزينب حينئذ كانت صغيرة ، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال ؛ ولهذا قَالَتْ عَائِشَة : إذا بلغت الجارية تسع سنين فَهي امرأة . وفي دخول الصغيرة في مسمى النساء خلاف ذكره الماوردي وغيره من المفسرين ، فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة . وقد سلك الشافعي في كتاب مختلف الحديث هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة ، وعضدها بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : أن الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح ، وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء ، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم . وقد سلك هذا أبو داود في سننه ، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد . وسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث ، وأنه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها ، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها ، والالتفات إليها ، وهذا هو الذي قاله الشافعي في رواية حرملة ، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيرهما من العلماء . وقد تعرض عليه بأن المصلي قد يكون أعمى ، وقد يكون ذلك ليلا بحيث لا يشعر به المار ولا من مر عليه ، والحديث يعم هذه الأحوال كلها . وأيضا ؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالا للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة ، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك . وأقرب من هذا التأويل : أن يقال : لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله ، وهو في غاية القرب منه والخلوة به ، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة ، والقرب الخاص ؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان ، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب ؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية ، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس . فلهذا المعنى - والله أعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها ، وهي : المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان ، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان ، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء . والكلب الأسود : شيطان ، كما نص عليه الحديث . وكذلك الحمار ؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل ، لأنه يرى الشيطان ؛ فلهذا أمر صلى الله عليه وسلم بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته ، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها . والله أعلم . وإنما هو منقص لها ، كما نص عليه الصحابة ، كعمر وابن مسعود ، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفعه وبمقاتلته ، وقال : إنما هو شيطان . وفي رواية : إن معه القرين . لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر ، فهذا هو المراد بالقطع ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة . والله أعلم . وقد ذكرنا فيما سبق حديث أبي داود في مرور الغلام بتبوك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال : قطع علينا صلاتنا ، ودعا عليه ، فهذا قطع لا يقتضي البطلان . ويدل على ذلك - أيضا - : أن ابن عباس قد قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود والحمار ، كما سبق عنه . وروي عنه إنكار بطلان الصلاة بذلك : فروى الحسن العرني ، قال : ذكر عند ابن عباس : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة . قال : بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلبا وحمارا ، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته ، فما أعاد صلاته ولا نهاني عما صنعت ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، فجاءت وليدة تخلل الصفوف ، حتى عاذت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ، ولا نهاها عما صنعت ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد ، فخرج جدي من بعض حجراته ، فذهب يجتاز بين يديه ، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : أفلا تقولون : الجدي يقطع الصلاة ؟ خرجه الإمام أحمد . ومراد ابن عباس : أنه ليس كل ما أمر بدفعه ومنعه من المرور تبطل الصلاة بمروره ، ولا يقطعها بمعنى أنه يبطلها ، وإن كان قد يسمى قطعا باعتبار أنه ينقصها . وروى سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ، قال : قيل لابن عباس : أيقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ؟ فقال : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، فما يقطع هذا ، ولكن يكره . خرجه البيهقي . وقد أشار طائفة من السلف إلى أن الشيطان لا سبيل له إلى قطع قرب المصلي ، ولا أن يحول بين المصلي وبين تقريب الله له ، واختصاصه بما اختصه به . قال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير : ثنا حنظلة ، عن القاسم ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ، الله أقرب من كل شيء . وقال الحكيم الترمذي في تفسيره : ثنا مؤمل بن هشام اليشكري : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن عون ، عن القاسم بن محمد ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ؛ فإن الله دون كل شيء إلى العبد . قال الحكيم : يعني : أدنى إليه من كل شيء ، كما قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وحينئذ فيتوجه أن يقال : إن كان المصلي وجد منه تفريط في حصول مرور الشيطان بين يديه ، إما بصلاته في موضع تجتاز فيه المرأة والحمار والكلب من غير سترة ، أو مر ذلك ، وفرط في دفعه ورده ، فإنه ينقص أجر صلاته . وربما يقال : إنه يستحب له إعادتها ، كما أعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو الكلب . وكذلك الحكم الغفاري ، أعاد من مرور حمار . وأما إن لَمْ يحصل منه تفريط في ذلك بالكلية ، فإنه لا ينقص صلاته ، كمن صلى ومر بين يديه رجل فدفعه ولم يندفع ، فإنه لا تبطل صلاته ، بل ولا تنقص مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن المار بين يديه شيطان . وهو بمنزلة من صلى وهو يدافع وساوس الشيطان ، فإنه لا يضره ذلك ، ولا يكون به محدثا لنفسه في صلاته ، وإنما يكون محدثا لنفسه إذا استرسل مع وساوسه وخواطره . وقد ألحق طائفة من أصحابنا بمرور الكلب والمرأة والحمار : مرور الشيطان حقيقة ، وقالوا : إن حكم مروره حكم مرور الكلب . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان تفلت علي البارحة ؛ ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه . وقد خرجه البخاري فيما سبق في باب : ربط الأسير ونحوه في المسجد . والظاهر : أنه صلى الله عليه وسلم أراد بقطع صلاته ما ذكرناه . وقد خرج البخاري حديث عائشة ، قالت : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة ؟ فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد . وفي حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يزال الله مقبلا على العبد وهو مقبل عليه في صلاته ، ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه . وفي حديث الحارث الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، أن يعمل بهن ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن - فذكر الحديث - وفيه : وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا . خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه . والالتفات - أيضا - مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد ، فتنقص به صلاته . وقد روي : لا صلاة لملتفت ، وإنما أريد نفي كمالها وتمامها ؛ فإنه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال . وكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته . فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته ، بمعنى : أنه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها ، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها ، ومناجاته بتلاوة كتابه . وكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى ، وقد أمر المصلي حينئذ بأن يسجد سجدتين ، فتكونا ترغيمتين للشيطان ، ولا تبطل الصلاة ، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله . والله أعلم .
الحديث الثاني : 366 - حدثنا عاصم بن علي : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما يلبس المحرم ؟ فقال : لا يلبس القميص ، ولا السراويل ، ولا البرنس ، ولا ثوبا مسه زعفران أو ورس ، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين . وعن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - مثله . القائل : عن نافع هو ابن أبي ذئب ، وقد سبق الحديث عنه بالوجهين - أيضا - في آخر كتاب العلم . والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أنه يدل على أن لبس ما ذكر فيه من اللباس كان متعارفا بينهم ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم ونهى المحرم عن لبسه ، ففيه إقرار لغير المحرم على لباسه ، وقد سبق من كلام الإمام أحمد : استدلاله به على لباس السراويل . وإذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أمته على لبس هذه الثياب في غير الإحرام ، فهو إقرار لهم على الصلاة فيها ، ولو كان ينهى عن الصلاة في شيء منها لبين لهم ذلك . وقد ورد النهي عن الصلاة في السراويل في حديث رواه الحسين بن وردان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في السراويل . خرجه الطبراني والعقيلي ، وقال : لا يتابع حسين عليه ، ولا يعرف إلا به . ولو صح لحمل على الاقتصار على السراويل في الصلاة مع تجريد المنكبين ، يدل على ذلك : ما رواه أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في لحاف لا يتوشح به ، والآخر أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء . خرجه أبو داود . وخرجه الطبراني والعقيلي ، ولفظه : نهى أن يصلي الرجل في السراويل الواحد ، ليس عليه شيء غيره . وخرجه ابن عدي ، ولفظه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ملبسين : أحدهما : المصلي في ثوب واحد لا يتوشح به ، وأما الآخر : أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء . وأبو المنيب ، وثقه ابن معين وغيره . وقال البخاري : عنده مناكير ، وقال ابن عدي : عندي أنه لا بأس به . وقال العقيلي في هذا الحديث - : لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به . وقد روي عن عمر ، أنه كتب إلى بعض جنوده : إذا رجعتم من غزاتكم هذه فألقوا السراويل والأقبية ، والبسوا الأزر والأردية . وهو محمول على أن لباس العرب المعهود بينهم أفضل من لباس العجم ، فخشي على من رجع من بلاد العجم أن يستمروا على لباس العجم ، فربما هجر لباس العرب بالكلية . ولهذا روي عنه أنه قال : إياكم وزي الأعاجم ، ويدل على هذا : أنه قد رخص في الصلاة في السراويل والأقبية ، كما خرجه البخاري عنه .
9 - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 365 - حدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : أوكلكم يجد ثوبين ؟ ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . قال : وأحسبه قال : في تبان ورداء . قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه ، وذكرنا أن قوله : أولكلكم ثوبان ؟ ، أوكلكم يجد ثوبين ؟ إشارة إلى أنه لو لم تشرع الصلاة في ثوب واحد لشق على كثير منهم ؛ فإنه كَانَ فقيرا لا يجد ثوبين . وفيه إشارة - أيضا - إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب حينئذ ، فلما كثرت الثياب ، ووسع الله على المسلمين ، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر رضي الله عنه حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين ؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد . وكل ما يلبس على البدن فهو ثوب ، سواء كان شاملا له أو لبعضه ، وسواء كان مخيطا أو غير مخيط ، فالإزار ثوب ، والرداء ثوب ، والقميص ثوب ، والقباء ثوب ، والسراويل ثوب ، والتبان ثوب ، فلهذا قال عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، والإزار : مَا يشده عَلَى وسطه ، والرداء : مَا يلقيه عَلَى منكبيه ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . وشك الراوي : هل قال : في تبان ورداء ؟ والتبان والرداء : بمنزلة السراويل والرداء . فكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر رضي الله عنه صلاة في ثوبين ثوبين . وقد روى الجريري ، عن أبي نضرة ، قال : قال أبي بن كعب : الصلاة في الثوب الواحد سنة ، كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعاب علينا ، فقال ابن مسعود : إنما كان ذاك إذ كان في الثياب قلة ، فأما إذ وسع الله فالصلاة في الثوبين أزكى . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند ، وفيه انقطاع . وخرجه الدارقطني في علله من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فصار متصلا . وذكر أنه روي عن داود ، عن أبي نضرة ، عن جابر . وروى وكيع في كتابه عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : اختلف عَبْد الله بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال أبي : في ثوب ، وقال ابن مسعود : في ثوبين ، فبلغ ذلك عمر ، فقال : القول ما قال أُبي ، ولم يأل ابن مسعود عن الخير . وهذا منقطع أيضا . وروى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد ، قال : قال : [ ] : كنا نصلي في ثوب واحد ، حتى جاء الله بالثياب ، فقال : صلوا في ثوبين ، فقال أبي بن كعب : ليس هذا في شيء ، قد كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد ، ولنا ثوبان ، قيل لعمر بن الخطاب : ألا تقضي بين هذين - وَهُوَ جالس - ؟ قل : أنا مع أبي . وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل ، وكذلك كان يفعله جابر بن عبد الله وغيره . ويحتمل : أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز الصلاة في ثوب واحد ، ويدل على هذا الاحتمال : أن عمر قد صح عنه الأمر بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنه البخاري - فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز ، وتارة بيان الأفضل . وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين ، وقد تقدم عن ابن عمر وغيره ، وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : مالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد . ويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره ، وظاهر كلام أحمد : كراهته للإمام دون المنفرد ، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم في سفر أو في بيته ، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها ، والإمام هو المنظور إليه ، فيتأكد استحباب الزينة في حقه . ويدل على هذا : أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد ، إنما كان تارة في بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة ، وتارة في السفر كما في حديث جابر . وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين على بعض : فقال أبو مالك : الصلاة في الإزار والقباء أحب إلي من الصلاة في القميص والإزار . وعن النخعي ، قال : الصلاة في التبان والرداء أحب إلي من الصلاة في القميص والرداء . والظاهر : أنه فضل التبان والسراويل على الإزار ؛ لأنه يواري العورة عن الأرض ، فقد روي عنه : أنه كره أن يفضي بفرجه إلى الأرض في الصلاة . وأما إن صلى في ثوب واحد ، فقال الشافعي وأصحابنا : أفضل ذلك القميص ، ثم الرداء ، ثم الإزار ، ثم السراويل . ومن أصحاب الشافعي من قال : السراويل أولى من الإزار ؛ لأنه أستر ، وهذا مقتضى كلام النخعي كما سبق . واستدل من رجح الإزار : بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف السراويل . وسئل الإمام أحمد : السراويل أحب إليك أم الميازر ؟ فقال : السراويل محدث ولكنه أستر . وقال - أيضا - : الأزر كانت لباس القوم ، والسراويل أستر . قال : والحديث : من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ، وهذا دليل أن القوم قد لبسوا السراويلات . وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص ، وأنه يزره ولو بشوكة . وفي سنن أبي داود عن جابر ، أنه أم في قميص ليس عليه رداء ، فلما انصرف قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في قميص . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى : ثنا شيخ ، قال : أمنا الحسن - أو الحسين - بن علي رضي الله عنهم في قميص خفيف ، ليس عليه إزار ولا رداء ، فلما صلى قال : هذه السنة - أو من السنة - وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب . وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يزره ، وقد تقدم قول من كره الصلاة في قميص غير مزرور استدلالا بحديث سلمة بن الأكوع ، فإن لم يزر القميص فإن كان تحته إزار أو سراويل صحت صلاته لاستتار عورته . وقد روي ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو متزر ، وربما اتزر تحت قميصه وفوقه في السفر . وإن لم يكن عليه إزار ولا سراويل ، فإن كان له لحية كبيرة تستر جيبه بحيث لا يرى منه عورته صحت صلاته - : نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وهو قول داود الطائي ، وأصح الوجهين للشافعية . وإن لم يكن كذلك ، بل كان يرى عورة نفسه من جيبه لم تصح صلاته ، عند الشافعي وأحمد ، وتصح عند مالك وأبي حنيفة وأبي ثور ، كما لو رئيت عورته من أسفل ذيله . وقد رخص في الصلاة في قميص غير مزرر : سالم بن عبد الله بن عمر وغيره من السلف . وقال مالك : هو أستر من الذي يصلي متوشحا بثوب . وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عمن صلى ولم يزر عليه ، ولم يحتزم ؟ فقال : جائز ، فقلت له : إنه لو نظر إلى فرجه رآه ، فقال : لا يمكن أن يرى ذاك . وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يزر عليه ، فإن لم يفعل وكان إذا ركع لا يستتر فرجه عن النظر أعاد الصلاة . وقال أبو خيثمة : نأمره أن يزر عليه ، ولا أرى عليه إعادة ؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للنساء : لا ترفعن رءوسكن قبل الرجال من ضيق الأزر ، وحديث عمرو بن سلمة : غطوا عنا است قارئكم . قال الجوزجاني : والقول في ذلك على ما قال أبو خيثمة لما احتج به ، ثم قال : ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود : ثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا معشر النساء ، إذا سجد الرجال فاخفضن أبصاركن ، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر . وروى الطبراني بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي محتبيا ، محلل الأزرار .
106 - باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه 516 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأبي العاص بن ربيعة ابن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها أمامة ، هذه التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته هي بنت ابنته زينب ، وأبوها : أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأم أبي العاص : هالة بنت خويلد ، أخت خديجة بنت خويلد . وفي رواية مالك لهذا الحديث : أبو العاص بن ربيعة ، وكذا رواه عامة رواة الموطأ عنه . والصواب : ابن الربيع . وقد خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك على الصواب . وأمامة ، تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة عليها السلام . وقد خرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك . وخرجه - أيضا - من طريق سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان ، سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة ابنة أبي العاص - وهي بنت زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم - على عاتقه ، فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها . ومن طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، قال : سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي للناس ، وأمامة ابنة أبي العاص على عنقه ، فإذا سجد وضعها . ومن طريق سعيد المقبري ، عن عمرو بن سليم ، سمع أبا قتادة يقول : بينا نحن في المسجد جلوس ، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة . وخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن المقبري ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة ، قال : بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر ، وقد دعاه بلال للصلاة ، خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عاتقه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه ، فقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه ، قال : فكبر فكبرنا . قال : حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته . وخرج الزبير بن بكار في كتابه الجمهرة بإسناد له عن عمرو بن سليم الزرقي ، أن الصلاة التي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة صلاة الصبح . وهو مرسل ، ضعيف الإسناد . فمجموع هذه الروايات يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة بالناس إماما لهم في صلاة الفريضة ، وهو حامل أمامة ، وأنه كان إذا ركع وسجد وضعها بالأرض ، فإذا قام إلى الركعة الثانية عاد إلى حملها إلى أن فرغ من صلاته . والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة ، وأن ذلك لا يكره فيها ، فضلا عن أن يبطلها . وقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم : فقال الحسن والنخعي : ترضع المرأة جنينها وهي تصلي . خرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح . وروى - أيضا - بإسناد صحيح ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ثم سجد ، فسوى الحصى ثم خبطه بيده . قال الأثرم : وسئل أبو عبد الله - يعني : أحمد - عن الرجل يكبر للصلاة وبين يديه رمح منصوب ، فيريد أن يسقط فيأخذه فيركزه مرة أخرى - وقيل له : حكوا عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير - ؟ فقال : أرجو أن لا يكون به بأس أن لا يعيد التكبير ، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الفرض بالناس وأمامة على عاتقه . قال : وسمعت أبا عبد الله سئل : أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم . قال : وأخبرني محمد بن داود المصيصي ، قال : رأيت أبا عبد الله رأى رجلا قد خرج عن الصف ، فرده وهو في الصلاة . قال : وربما رأيته يسوي نعليه برجليه في الصلاة . وقال الجوزجاني في كتابه المترجم : حدثني إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن حمل صبيا ووضعه في صلاته ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : صلاته جائزة . قلت له : فمن فعل في صلاته فعلا كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة ، فأخذها حين انفلتت منه ، وهو في صلاته ؟ فقال : صلاته جائزة . وبه قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة . وقال ابن أبي شيبة : من فعل ذلك على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رجونا أن تكون صلاته تامة . قال : ويجزئ عمن فعل كفعل أبي برزة في صلاته . قال الجوزجاني : وأقول : إن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم نجاة لا رجاء ، وإنما الرجاء في اتباع غيره فيما لم يكن عنه صلى الله عليه وسلم . ثم خرج حديث أبي قتادة في حمل أمامة بإسناده . ومراده : الإنكار على ابن أبي شيبة في قوله : أرجو ، وأن مثل هذا لا ينبغي أن يكون فيه رجاء ؛ فإنه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك نجاة وفلاح . وحديث أبي برزة في اتباع فرسه وأخذها في صلاته ، قد خرجه البخاري ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة . وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قاله ابن عبد البر : إنه لا نعلم خلافا أن هذا العمل في الصلاة مكروه ، ولم يحك كراهته عن أحد إلا عن مالك ، فإنه قال : ذكر أشهب عن مالك ، أن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة ، وحكى عن بعض أهل العلم أنه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته ، ولا يرى عليه إعادة به . وقد تبين أن أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة ، وتخصيصه بالنافلة مردود بالنصوص المصرحة بأنه فعل ذلك في الفريضة ، وهو يؤم الناس فيها . وروى الإسماعيلي في صحيحه من حديث عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، أنه قال - بعد روايته هذا الحديث - : من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ ، وليس العمل على هذا . ومالك إنما يشير إلى عمل من لقيه من فقهاء أهل المدينة خاصة كربيعة ونحوه ، وقد عمل به فقهاء أهل العراق كالحسن والنخعي ، وفقهاء أهل الحديث ، ويتعذر على من يدعي نسخه الإتيان بنص ناسخ له . وقد رخص عطاء في ذلك - أيضا - : قال عبد الرزاق : عن ابن جريج ، قلت لعطاء : امرأة يبكي ابنها وهي في الصلاة أتتوركه : قال : نعم : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ حسنا في الصلاة فيحمله حتى إذا سجد وضعه . قلت : في المكتوبة ؟ قال : لا أدري . وقال حرب الكرماني : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمر بن علي : ثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء في الرجل يصلي ومعه المتاع بين يديه ، فيتقدم الصف أو يتأخر فيحني ظهره ، فيقدم متاعه أو يؤخره ؟ قال : لا بأس به . قال حرب : قلت لأحمد : الرجل يكون في الصلاة فيسقط رداؤه عن ظهره ، أيحمله ؟ قال : أرجو أن لا يضيق ذلك . قلت : فيفتح الباب بحيال القبلة ؟ قال : في التطوع . قال حرب : وثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت ابن المبارك سئل عن الرجل يكون معه الثوب أو غيره ، فيضعه بين يديه في الصلاة ، فيتقدم الصفوف ، أو يتأخر فيتناول ذلك الشيء ، ويتقدم ويتأخر ؟ قال : لا بأس بذلك . قيل : وما وقت ما يمشي المصلي في صلاته ؟ قال : ما لا يخرج إلى حد المشي . وقال الخطابي : في هذا الحديث من الفقه أن من صلى وعلى ظهره أو عاتقه كارة أو نحوها لم تبطل صلاته ، ما لم يحتج لإمساكه إلى عمل كثير ، أو التزام له ببعض أعضائه . قال : ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعمد لحملها ؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن الخشوع فيها ، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته ، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها ، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع ، فيرسلها إلى الأرض ، حتى إذا سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله . قلت : هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه خرج على الناس وهو حاملها ، ثم صلى لهم وهو حاملها . وفي حديث أبي قتادة : دليل على أن حمل الجارية الصغيرة في الصلاة ووضعها ليس بمبطل للصلاة ، ولا هو بداخل فيما يبطل الصلاة من مرور المرأة بين يدي المصلي ؛ فإن هذا ليس بمرور ، وأكثر ما فيه أنه كان يضعها بين يديه ، وليس هذا بأكثر من صلاته إلى عائشة وهي معترضة بين يديه ، بل هذا أهون ؛ لأن ذلك لم يكن يستمر في جميع صلاته . وأيضا ؛ فهذه صغيرة لَمْ تكن بلغت حينئذ . وقد سبق فِي حَدِيْث أن زَيْنَب بِنْت أم سَلَمَة مرت بَيْن يدي النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يصلي ، فلم يقطع صلاته ، وكانت زينب حينئذ صغيرة ، وأن المرأة إذا أطلقت لم يرد بها إلا المرأة البالغ . وهذا هو المعنى الذي بوب البخاري عليه هنا ، وخرج الحديث لأجله . وفيه - أيضا - : دليل على طهارة ثياب الأطفال ؛ فإنه لو كان محكوما بنجاستها لم يصل وهو حامل لأمامة . وقد نص الشافعي وغيره على طهارتها ، ومن أصحاب الشافعي من حكى لهم قولين في ذلك . ومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل ؛ لأنهم لا يتنزهون من البول . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة : ثنا مندل : ثنا إسماعيل بن مسلم ، عن الحارث العكلي ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان . إسناده ضعيف . وقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا ، وحكي مثله عن الحسن ، ورخص فيه آخرون ، وهو اختيار بعض أصحابنا ، وهذا أصح ، وهذا الحديث نص في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
107 - باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض 517 - حدثنا عمرو بن زرارة : أبنا هشيم ، عن الشيباني : عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : أخبرتني خالتي ميمونة بنت الحارث ، قالت : كان فراشي حيال مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فربما وقع ثوبه علي وأنا على فراشي . 518 - حدثنا أبو النعمان : ثنا عبد الواحد بن زياد : أبنا الشيباني : ثنا عبد الله بن شداد ، قال : سمعت ميمونة تقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا إلى جنبه نائمة ، فإذا سجد أصابني ثوبه ، وأنا حائض ليس في الرواية الأولى أنها كانت حائضا ، وهو في الرواية الثانية . وقد خرجه البخاري في آخر كتاب الحيض بلفظ ثالث ، وهو : عن ميمونة : أنها كانت تكون حائضا لا تصلي ، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي على خمرته ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه . وخرجه - أيضا - فيما سبق في أبواب الصلاة في الثياب ، في باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد ، ولفظه فيه : قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا حذاءه ، وأنا حائض ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد . وقد تبين بالرواية الثانية التي خرجها البخاري في هذا الباب ، أنها كانت نائمة إلى جانبه وهو يصلي ، ولم تكن مضطجعة بين يديه . وقد روي من حديث عائشة ، أنها كانت تضطجع أمامه وهي حائض ، فيصلي إليها . خرجه أبو داود من رواية شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كنت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة - قال شعبة : وأحسبها قالت - : وأنا حائض . قال أبو داود : رواه الزهري وعطاء وأبو بكر بن حفص وهشام بن عروة وأبو مالك وأبو الأسود وتميم بن سلمة ، كلهم عن عروة ، عن عائشة . لم يذكروا فيه : وأنا حائض . ورواه إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - وأبو الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة - والقاسم ، وأبو سلمة ، عن عائشة - ولم يذكروا : حائض . وقد روي عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض . خرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى ، عن عبيد الله بن عبد الله ، قال : سمعته عن عائشة . وقد سبق الكلام على ما يتعلق بحديث ميمونة من طهارة الحائض وثيابها . والمقصود هنا منه : أن الصلاة إليها لا تبطل الصلاة . ولكن لم يخرج البخاري لفظا صريحا في الصلاة إلى فراش الحائض ، بل في إحدى روايتيه : أنها كانت نائمة إلى جانبه ، وفي الثانية أن فراشها كان حيال مصلاه ، والمراد : أنه كان محاذيا له ومقابلا ، وهذا يصدق بكونه إلى جانبه ، عَن يمينه أو شماله . ويشهد لذلك : قولها في تمام الحديث : فربما وقع ثوبه علي وأنا على فراشي ، وهذا إنما يكون إذا كانت إلى جانبه ، أما لو كانت بين يديه فمن أين كان يقع بعض ثيابه عليها ؟ وبكل حال ؛ فالصلاة إلى المرأة الحائض كالصلاة إلى الطاهر ، إلا عند من يرى أن مرور الحائض يقطع الصلاة دون الطاهر ، وأن وقوف المرأة واضطجاعها في قبلة المصلي كمرورها فيها . وقد سبق ذلك كله ، وسبق الكلام - أيضا - على التطوع خلف المرأة في بابه . ولو كان بين يدي المصلي كافر قاعدا أو مضطجعا ، فرخص الحسن في الصلاة إليه ، وكرهه الإمام أحمد ، وقال : هو نجس ، وحكي مثله عن إسحاق .
96 - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة 504 - حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال ، فأطال ثم خرج ، فكنت أول الناس دخل على أثره ، فسألت بلالا : أين صلى ؟ فَقَالَ : بَيْن العمودين المقدمين. 505 - حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف : أبنا مَالِك بْن أنس ، عَن نَافِع ، عَن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي ، فأغلقها عليه ، ومكث فيها ، فسألت بلالًا حين خرج : ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جعل عمودا عن يساره ، وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه - وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة - ثم صلى . وقال إسماعيل : حدثني مالك ، فقال : عمودين عن يمينه قد دل هذان الحديثان على أن البيت الحرام كان فيه ستة أعمدة حين دخله النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت الأعمدة صفين ، في كل صف ثلاثة أعمدة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأعمدة الثلاثة التي تلي باب البيت خلف ظهره ، وتقدم إلى الأعمدة المتقدمة ، فصلى بين عمودين منها . وفي رواية مالك التي ذكرها البخاري - تعليقا - : أنه جعل عمودين عن يمينه ، وعمودا عن يساره . وقد خرجها مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك . وهذا يدل على أنه كان إلى جهة الركن اليماني أقرب منه من جهة الحجر . ويشهد لذلك - أيضا - : رواية سالم ، عن أبيه ، أنه سأل بلالا : هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم ، بين العمودين اليمانيين . وقد خرجها البخاري في الحج . والمراد باليمانيين : ما يلي جهة الركن اليماني . ويدل عليه - أيضا - : حديث مجاهد ، عن ابن عمر ، أنه سأل بلالا : أصلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة ؟ قال : نعم ، بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخل . وقد خرجه البخاري في أبواب استقبال القبلة ، وقد مضى . وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد ، قال : حدثني نافع ، أن ابن عمر سأل بلالا : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشار له بلال إلى السارية الثانية عند الباب ، قال : صلى عن يمينها ، تقدم عنها شيئا . خرجه الأزرقي . وقوله : السارية الثانية عند الباب ، كأنه يريد السارية الثانية مما يلي الباب ؛ فإن الباب يليه سارية من الصف المؤخر ، ثم يليها سارية ثانية من الصف المقدم ، وهي السارية الوسطى من ذلك الصف . وقوله : صلى عن يمينها يوهم أنه جعلها عن يساره حتى يكون مصليا عن يمينها ، وعلى هذا التقدير ، فيكون قد جعل عمودا عن يمينه وعمودين عن يساره . وهذا يخالف رواية مالك المتقدمة ، وتلك الرواية مع ما عضدها وشهد لها أصح من رواية ابن أبي رواد ، ويزيد بن أبي زياد التي ذكرناها في الباب الماضي . وقوله في رواية ابن أبي رواد : تقدم عنها شيئا يدل على أنه صلى متقدما عنها إلى مقدم البيت ، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أنه صلى الله عليه وسلم جعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع . وقد روى الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي الشعثاء - وهو : سليم المحاربي - قال : خرجت حاجا ، فجئت حتى دخلت البيت ، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزقت بالحائط ، فجاء ابن عمر فصلى إلى جنبي ، فلما صلى قلت له : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت ؟ قال : أخبرني أسامة بن زيد ، أنه صلى هاهنا . خرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه . وفيه : دليل على أنه صلى متقدما على الساريتين ، وإن لم يكن جعلهما خلف ظهره ، كما جعل الأعمدة الثلاثة المتأخرة التي تلي باب البيت ، فإنه جعلها وراء ظهره في صلاته . ومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى بين ساريتين منفردا ، كمن يصلي تطوعا ؛ فإنه لا يكره له ذلك كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة ، وكان ابن عمر يفعله . وكذا لو صلى جماعة ، وكان إمامهم ، ووقف بين الساريتين وحده ، وقد فعل ذلك سعيد بن جبير وسويد بن غفلة . ورخص فيه سفيان للإمام وكرهه للمأمومين . وإنما يكره ذلك ؛ لصف تقطعه السواري ، فلو صلى اثنان أو ثلاثة جماعة بين ساريتين لم يكره - أيضا - هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم من العلماء . وعلى مثل ذلك حملوا ما ورد من النهي عنه - مرفوعا ، وموقوفا . فالمرفوع ؛ روي من حديث سفيان ، عن يحيى بن هانئ بن عروة المرادي ، عن عبد الحميد بن محمود ، قال : صلينا خلف أمير من الأمراء ، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين ، فلما صلينا قال أنس بن مالك : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم ، وقال : صحيح . وقال الترمذي : حديث حسن . وعبد الحميد هذا ابن محمود المعولي البصري ، روى عنه جماعة ، وقال أبو حاتم : هو شيخ . ويحيى بن هانئ المرادي ، كوفي ثقة مشهور . وروى هارون بن مسلم أبو مسلم ، عن قتادة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، قال : كنا نُنْهَى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا . خرجه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه . وقال ابن المديني : إسناده ليس بالصافي . قال : وأبو مسلم هذا مجهول . وكذا قال أبو حاتم : هو مجهول . وليس هو بصاحب الحناء ؛ فإن ذاك معروف ، وقد فرق بينهما مسلم في كتاب الكنى وأبو حاتم الرازي . وفيه : عن ابن عباس - مرفوعا - ولا يثبت . قال ابن المنذر : لا أعلم في هذا خبرا يثبت . وقد روي النهي عنه ، عن حذيفة وابن مسعود وابن عباس ، وهو قول النخعي ، وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق . وقد نص أحمد على كراهة الصلاة بين الأساطين مطلقا من غير تفصيل - : نقله عنه جماعة ، منهم : أبو طالب وابن القاسم ، وسوى في روايته بين الجمعة وغيرها . ونقل عنه حرب : يكره ذلك ، قلوا أو كثروا ، وإن كانوا عشرة . وصرح أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بكراهة قيام الإمام بين السواري . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فقالوا : إنما يكره ذلك لصف تقطعه السواري ، وحملوا كلام أحمد على ذلك . ويشهد له : ما نقله ابن منصور ، عن أحمد ، وقد سأله : هل يقوم الإمام بين الساريتين ، يؤم القوم ؟ قال : إنما يكره للصف ، إذا كان يستتر بشيء فلا بأس . قال إسحاق بن راهويه كما قال . وكذا نقل حرب ، عن إسحاق ، أنه يكره ذلك للصف ، ولا يكره لمن صلى وحده . ورخص فيه ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وابن المنذر . وفي تهذيب المدونة للمالكية : لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد . وقد روي عن حذيفة ، أنه كرهه لقطع الصفوف - أيضا . قال أبو نعيم : ثنا زفر - وهو ابن عبد الله ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن هلال بن يساف ، قال : كان حذيفة يكره أن نقوم بين الأسطوانتين لتقطع الصفوف . ومن أهل الحديث من حمل الكراهة على من صلى وحده مع الجماعة بين السواري ، لأنه يصير فذا ، بخلاف من صلى مع غيره . وهذا بعيد جدا ، ولا فرق في هذا بين ما بين السواري وغيرها .
الحديث الثالث : 474 - من رواية : مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أن أبا مرة مولى عقيل أخبره ، عن أبي واقد الليثي ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فأقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الآخر فأدبر ذاهبا ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم عن الثلاثة ؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه وقد سبق في كتاب : العلم ، واستوفينا الكلام عليه هناك بما فيه كفاية - إن شاء الله تعالى .
والحديث الثاني : 473 - من رواية : أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقال : كيف صلاة الليل ؟ قال : مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ، توتر لك ما قَدْ صليت . ثم قال : وقال الوليد بن كثير : حدثني عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن عمر حدثهم أن رجلا نادى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد وإنما ذكر رواية الوليد بن كثير تعليقا - وقد خرجها مسلم في صحيحه مسندة - ؛ لأن فيها التصريح بأن ذلك كان في المسجد . وفي الروايتين اللتين أسندهما البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب ، وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد ، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحج ونحو ذلك . وإنما أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب على المنبر جلس الناس حوله ، واستقبلوه بوجوههم . وقد خرج البخاري في كتاب : الجمعة حديث أبي سعيد ، قال : جلس النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله . فكانت خطبه على المنبر مثل حلق الذكر والعلم ، وكان يسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدين ، ويجيب عنها ، وقد سبق ذكر ذلك في أول كتاب : العلم ، وفي آخره - أيضا - في باب : ذكر العلم والفتيا في المسجد .
84 - باب الحلق والجلوس في المسجد خرج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 472 - من رواية : عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : ما ترى في صلاة الليل ؟ قال : مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة ، فأوترت له ما صلى ، وأنه كان يقول : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به الضمير في : أنه كان يقول يعود إلى ابن عمر - رضي الله عنهما .
108 - باب هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد ؟ 519 - حدثنا عمرو بن علي : ثنا يحيى : ثنا عبيد الله : ثنا القاسم ، عن عائشة ، قالت : بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار ؛ لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما وقد تقدم هذا الحديث في باب : التطوع خلف المرأة من رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتهما . قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح . فدل على أن غمزها عند السجود كان لضيق المكان حيث كانت قدماها في موضع سجوده ، فكان يغمزها لتكف قدميها فيسجد في موضعهما ، وكان ذلك في سواد الليل وظلمته ، فلم يكن يدرك التنبيه منه بإشارة ونحوها ، فلذلك احتاج إلى غمزها . ولم يجئ في حديثها هذا : بأي شيء كان يغمزها . وقد روي في حديث آخر ، أنه كان إذا أراد أن يوتر غمزها برجله . وفي رواية : مسها برجله . ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . واستدل بالحديث على أن مس النساء بغير شهوة لا ينقض الطهارة ، كما هو قول مالك وأحمد في ظاهر مذهبه . ومن يقول : إن المس لا ينقض بكل حال ، كما يقول أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه .
11 - باب الصلاة بغير رداء 370 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : حدثني ابن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، قال : دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحف به ، ورداؤه موضوع ، فلما انصرف قلنا : يا أبا عبد الله ، تصلي ورداؤك موضوع ؟ قال : نعم ، أحببت أن يراني الجهال مثلكم ؛ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي كذا . قد سبق هذا الحديث بلفظ آخر . وهذه الرواية تبين أن جابرا التحف بالثوب فصار له إزارا ورداء ، وهذا يرجع إلى الصلاة في ثوب واحد ، كما سبق ، ولكن مع ستر المنكب . وقد أجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحد وستر منكبيه . قال ابن المنذر : لا أعلم أحدا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة . وحكى الخطابي عن بعض العلماء أنه كان لا يجيز شهادة من صلى بغير رداء . والظاهر : أنه إنما رد شهادته إذا أعرى منكبيه في الصلاة . فأما من صلى في ثوب واحد مشتملا به ، وعطف طرفيه على منكبيه فلا كراهة في فعله ، ولا يرد شهادته بذلك أحد . والله أعلم .
109 - باب المرأة تطرح عن المصلي شيئا من الأذى 520 - حدثنا أحمد بن إسحاق : ثنا عبيد الله بن موسى : ثنا إسرائيل : عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ، وجمع قريش في مجالسهم ، إذ قال قائل منهم : ألا تنظرون إلى هذا المرائي ، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان ، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه ؟ فانبعث أشقاهم ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه ، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا ، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك ، فانطلق منطلق إلى فاطمة - وهي جويرية - فأقبلت تسعى ، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا حتى ألقته عنه ، وأقبلت عليهم تسبهم ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال : اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، ثم سمى : اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد . قال عبد الله : فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ، ثم سحبوا إلى القليب : قليب بدر . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأتبع أصحاب القليب لعنة قد سبق هذا الحديث بتمامه في أواخر الوضوء في باب : إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته . وخرجه هناك من طريق شعبة ويوسف بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، ببعض زيادة في متنه ونقص ، وفيه : وعد السابع فلم نحفظه . وفي هذه الرواية : أن السابع عمارة بن الوليد . والمعروف في السير : أن عمارة بن الوليد مات في جزيرة في أرض الحبشة في يد ابن عمه عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان النجاشي قد أمر به فنفخ في إحليله سحر ، فذهب مع الوحش ، ولم يقدر عليه حتى أمسكه عبد الله بن أبي ربيعة ، فجعل يقول : أرسلني ، فلم يرسله فمات في يده . وفي هذه الرواية - مع الرواية التي خرجها في الطهارة - : ذكر عقبة بن أبي معيط ، وقد روي أن عقبة أسر يوم بدر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قتله صبرا بين يديه ، وصلبه بالصفراء في مرجعهم إلى المدينة . وخرجه - أيضا - في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، من طريق شعبة ، عن أبي إسحاق - مختصرا ، وفي سياقه : أن عقبة بن أبي معيط هو الذي جاء بسلى الجزور ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم عليك الملأ من قريش : أبا جهل بن هشام ، وعقبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف - أو أبي بن خلف ، شعبة الشاك - فرأيتهم قتلوا يوم بدر ، فألقوا في بئر ، غير أمية - أو أبي - تقطعت أوصاله ، فلم يلق في البئر . وذكر أبي بن خلف وهم - أيضا - ؛ فإن أبي بن خلف إنما قتل يوم أحد ، ومات بعد الوقعة ، كما روى ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، قال : أسر أبي بن خلف يوم بدر ، فلما افتدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة ، لعلي أقتلك عليها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك عليها ، إن شاء الله . فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف تركض فرسه تلك ، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : استأخروا ، استأخروا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحربة في يده ، فرمى بها أبي بن خلف ، فكسرت ضلعا من أضلاعه ، فرجع إلى أصحابه ثقيلا ، فاحتملوه حتى ولوا به ، وطفقوا يقولون له : لا بأس ، فقال أبي : ألم يقل لي : بل أنا أقتلك ، إن شاء الله ، فانطلق به أصحابه ، فمات ببعض الطريق ، فدفنوه . قال سعيد بن المسيب : وفيه أنزل الله : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى . وفي هذا الحديث : أنواع من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وإجابة دعوته ، وتعجيل عقوبة من أذاه ، وأن العقوبة من جنس الذنب ، بأن هؤلاء تواطئوا على وضع فرث الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم في السجود ، فما مضى إلا يسير حتى قتلوا وسحبوا إلى القليب في يوم شديد الحر ، وخرج فرث كل منهم وحشوته من بطنه ، وكان ذلك جزاء وفاقا . والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن المصلي يجوز أن تدنو منه المرأة في صلاته ، وتزيل عنه الأذى ، ولا يقدح ذلك في صلاته . والظاهر : أن فاطمة عليها السلام إنما جاءت من ورائه ، فطرحت عنه ما طرحوا عليه ، وكانت إذ ذاك جويرية صغيرة ، كما صرح به في الحديث . وقد سبق الكلام على حكم النجاسة إذا أصابت المصلي في صلاته ، ثم أزيلت عنه في الطهارة ، وعلى حكم تكرار الدعاء ثلاثا في كتاب العلم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
371 - من حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر ، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ، فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي طلحة ، فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر ، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حسر الإزار عن فخذه ، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم . وذكر بقية الحديث في فتح خيبر ، وقصة صفية ، وعتقها ، وتزويجها ، والدخول عليها ووليمتها ، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . ومراد البخاري بهذا : الاستدلال به على أن الفخذ ليست عورة ، وذلك من وجهين : أحدهما : أن ركبة أنس مست فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر ذلك ، وهذا يدل على أن الفخذ لا ينكر مسها ، ولو كانت عورة لم يجز ذلك . والثاني : حسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر أنس إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ، وسواء كان ذلك عن قصد من النبي صلى الله عليه وسلم وتعمد له - عَلَى رِوَايَة من رواه : حَسَرَ الإزارَ بنصب الراء - أو كَانَ من شدة الجري عَن غير قصد وتعمد - عَلَى رِوَايَة من رواه : حُسِر الإزارُ ، بضم الراء - فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدام ذَلِكَ ، ولم يرد الإزار عليه ؛ فإنه لو فعل لنقله أنس . وأيضا ، فقد تقدم حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم من بعد ما شد عليه إزاره حين كان ينقل حجارة الكعبة لم تر له عورة بعدها . وروي عن عائشة ، أنها قالت : ما رأيت ذلك منه صلى الله عليه وسلم . وقد خرجه الإمام أحمد . ولو كان الفخذ عورة لصان الله نبيه عن أن يطلع عليه أحد . وفي صحيح مسلم عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه - أو ساقيه - فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ، فتحدث ، ثم استأذن عمر - وذكرت الحديث . وهذه الرواية ليس فيها جزم بكشف الفخذ ، بل وقع التردد من الراوي : هل كشف فخذيه أو ساقيه ؟ فلا يستدل بذلك . ووقع الحديث في مسند الإمام أحمد وغيره ، وفيه : أنه كان كاشفا عن فخذه ، من غير شك ، وفي ألفاظ الحديث اضطراب . واختلف العلماء في الفخذ : هل هي عورة ، أم لا ؟ فقال أكثرهم : هي عورة ، روي ذلك عن عطاء ، وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد في المشهور عنه . وقالت طائفة : ليست الفخذ عورة ، وهو قول ابن أبي ذئب ، وداود ، وابن جرير والطبري ، وأبي سعيد الإصطخري من الشافعية ، وحكاه بعضهم رواية عن مالك ، وهو رواية عن أحمد رجحها طائفة من متأخري أصحابه ، وحكاه بعضهم عن عطاء ، وفي صحته نظر . وحكي عن طائفة : أن الفخذ في المساجد عورة ، وفي الحمام ونحوه مما جرت العادة بكشفها فيه ليست عورة ، وحكي عن عطاء والأوزاعي ، ورجحه ابن قتيبة . وهذا كله في حكم النظر إليها . فأما الصلاة : فمن متأخري أصحابنا من أنكر أن يكون في صحة الصلاة مع كشفها عن أحمد خلاف ، قال : لأن أحمد لا يصحح الصلاة مع كشف المنكبين ، فالفخذ أولى . قال : ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف ؛ فإن الصلاة مأمور فيها بأخذ الزينة ، فلا يكتفى فيها بستر العورة . والمنصوص عن أحمد يخالف هذا : قال مهنا : سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق ؟ قال : إن بدت عورته يعيد ، وإن كان الفخذ فلا . قلت لأحمد : وما العورة ؟ قالَ : الفرج والدبر . وقد حكى المهلب بن أبي صفرة المالكي في شرح البخاري : الإجماع على أن من صلى مكشوف الفخذ لا يعيد صلاته . وهو خطأ .
12 - باب ما يذكر في الفخذ قال أبو عبد الله : ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : الفخذ عورة . وقال أنس : حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه . وحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط ، حتى يخرج من اختلافهم . وقال أبو موسى : غطى النبي صلى الله عليه وسلم ركبتيه حين دخل عثمان . وقال زيد بن ثابت : أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي . أشار البخاري - رحمه الله - في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أن الفخذ : هل هي عورة ، أم ليست بعورة ؟ وأشار إلى أطراف كثير من الأحاديث التي يستدل بها على وجوب ستر الفخذ ، وعدم وجوبه ، ذكر ذلك تعليقا ، ولم يسند غير حديث أنس المستدل به على أن الفخذ لا يجب سترها وليست عورة ، وذكر أنه أسند من حديث جرهد - يعني : أصح إسنادا - ؛ وأن حديث جرهد أحوط ؛ لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء . فأما الأحاديث التي علقها في أن الفخذ عورة ، فثلاثة : حديث ابن عباس ، وجرهد ، ومحمد بن جحش . فحديث ابن عباس : من رواية أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة ، فقال : غط فخذك ؛ فإن فخذ الرَّجُل من عورته . خرجه الإمام أحمد . وخرجه الترمذي - مختصرا - ولفظه : الفخذ عورة ، وقال : حديث حسن . انتهى . وأبو يحيى القتات ، اسمه : عبد الرحمن بن دينار ، ضعفه أحمد ويحيى والأكثرون . وقد قيل : إن حبيب بن أبي ثابت تابعه على هذا الحديث ، ولا يصح ذلك . وحديث جرهد : من رواية مالك ، عن أبي النضر ، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد ، عن أبيه ، قال : كان جرهد من أصحاب الصفة ، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا وفخذي منكشفة ، فقال : أما علمت أن الفخذ عورة ؟ . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وكذا خرجه مالك في الموطأ ، ورواه بعضهم ، عن مالك ، فقال : عن أبي النضر ، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد ، عن أبيه ، عن جده . وخرجه الترمذي من طريق ابن عيينة ، عن أبي النضر ، عن زرعة بن مسلم بن جرهد ، عن جده جرهد ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه ، فقال : إن الفخذ عورة . وقال : هذا حديث حسن ، وما أرى إسناده بمتصل - يشير إلى أن زرعة لم يسمع من جده . وقول ابن عيينة : زرعة بن مسلم بن جرهد وهم منه - : قال البخاري في تاريخه ، وإنما هو : زرعة بن عبد الرحمن ، وهو ثقة ؛ وثقه النسائي وغيره . وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية معمر ، عن أبي الزناد ، قال : أخبرني ابن جرهد ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف عن فخذه ، فقال له : غط فخذك ؛ فإنها من العورة . وقال : حديث حسن . وفي إسناده اختلاف كثير على أبي الزناد ، قد ذكره الدارقطني . واختلف عليه في تسمية شيخه : فقيل : هو زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد . وقيل : زرعة بن جرهد . وقيل : عبد الرحمن بن جرهد . وقيل : جرهد بن جرهد . وخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عبد الله بن جرهد ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الفخذ عورة . وقال : حسن غريب . انتهى . وابن عقيل ، مختلف في أمره ، والأسانيد قبله لا تخلو من انقطاع . وحديث محمد بن جحش : من رواية العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش ، عن محمد بن جحش - ختن النبي صلى الله عليه وسلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه مر بمعمر وهو بفناء المسجد ، محتبيا كاشفا عن طرف فخذه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : خمر فخذك يا معمر ؛ فإن الفخذ عورة . خرجه الإمام أحمد . وأبو كثير هذا ، لا يعرف إلا في هذا الإسناد . وفي الباب - أيضا - : عن علي ، من طريق ابن جريج ، عن حبيب بن ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكشف فخذك ، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت . خرجه أبو داود وابن ماجه . وقال أبو داود : فيه نكارة . وله علتان : إحداهما : أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب ، ومن قال فيه : عن ابن جريج : أخبرني حبيب فقد وهم - : قال علي ابن المديني . وفي رواية أبي داود : عن ابن جريج ، قال : أخبرت عن حبيب ، وهو الصحيح . قال ابن المديني : رأيته في كتب ابن جريج : أخبرني إسماعيل بن مسلم ، عن حبيب - : نقله عنه يعقوب بن شيبة . ونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه ، قال : لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب ، إنما هو من حديث عمرو بن خالد الواسطي ، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان ، عن عمرو بن خالد ، عن حبيب . العلة الثانية : أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه - : قاله أبو حاتم الرازي والدارقطني . وقال ابن المديني : لا تصح عندي روايته عنه . وأما أحاديث الرخصة : فحديث أنس في حسر الإزار ، قد أسنده في هذا الباب . وحديث أبي موسى ، قد خرجه البخاري في المناقب من كتابه هذا ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء ، قد انكشف عن ركبتيه - أو ركبته - فلما دخل عثمان غطاها . وهذا إنما فيه أن الركبة ليست عورة ، وليس فيه ذكر الفخذ . وخرجه - أيضا - من وجه آخر ، عن أبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بئر أريس ، وجلس على القف ، وكشف عن ساقيه ، ودلاهما في البئر . وهذا لا دلالة فيه بحال . وقد خرجه الطبراني من حديث الدراوردي ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دلى رجليه في البئر ، وكشف عن فخذيه ، وذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان جلسوا معه ، وفعلوا كفعله ، وكشفوا عن أفخاذهم . وهذا الإسناد وهم ، إنما رواه شريك ، عن ابن المسيب ، عن أبي موسى باللفظ المذكور قبله ، كذلك هو مخرج في الصحيحين من رواية شريك . وحديث زيد بن ثابت : قد خرجه البخاري في التفسير بتمامه ، وفيه دليل على أنه يجوز مس فخذ غيره من وراء حائل ، ولو كان عورة لم يجز مسه من وراء حائل ولا غيره كالفرجين . وقد خرج أبو داود حديث زيد بن ثابت من طريق آخر ، بسياق مخالف لسياق البخاري ، وفيه : أن زيد قال : كنت أكتب إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ، فغشيته السكينة ، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله - وذكر الحديث . وهذه الرواية تدل على أن ذلك لم يكن عن اختيار من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان في حال غشيه عند نزول الوحي عليه . وقد خرج البخاري في هذا الباب .
83 - باب رفع الصوت في المسجد خرج فيه حديثين : الحديث الأول : موقوف : 470 - ثنا علي ابن المديني : ثنا يحيى بن سعيد القطان : ثنا الجعيد بن عبد الرحمن : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد ، قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين . قال : فجئته بهما ، فقال : من أنتما - ومن أين أنتما ؟ - قالا : من أهل الطائف . قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنما فرق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا ؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، بخلاف من لم يكن من أهلها ؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد ، فعفى عنه بجهله . ولعل البخاري يرى هذا القبيل من المسند - أعني : إذا أخبر الصحابي عن شهرة أمر وتقريره ، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك يكون كرفعه . ويشبه هذا : ما قال الفقهاء : أن من ارتكب حدا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام ، وادعى الجهل بتحريمه ، فإنه لا يقام عليه ويعذر بذلك ، بخلاف من نشأ ببلاد الإسلام . وفيه : أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز ، وقد كان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه حصبه بالحصى . وكذلك إذا رأى من يتكلم والإمام يخطب . وفي هذه الرواية : كنت قائما في المسجد ، كذا هو في كثير من نسخ صحيح البخاري ، وقد خرجه البيهقي في سننه ، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة ، عن علي ابن المديني ، وفيه : كنت نائما بالنون . وقد خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طرق ، وعنده : أنه قال : كنت مضطجعا وهذه صريحة في النوم ، ولم ينكر عليه عمر نومه في المسجد . وخرجه الإسماعيلي - أيضا - من رواية حاتم - هو : ابن إسماعيل - عن الجعيد ، عن السائب - لم يذكر بينهما : يزيد بن خصيفة . وأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطان وفي قوله نظر . والجعيد - ويقال : الجعد - بن عبد الرحمن بن أوس ، وينسب تارة إلى جده . وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث تسميه : الجعد ، وفي بعضها تسميته : الجعد بن أوس ، وهو رجل واحد ، فلا يتوهمن غير ذلك . وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر : خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طريق عبدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن رجلا من ثقيف أخبره ، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : أنا رجل من أهل الطائف ، فقال : أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك ، إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت . وقد روي في حديث واثلة المرفوع : جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم . خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا . وروي عن ابن مسعود ، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد . وقد سبق . ورفع الأصوات في المسجد على وجهين : أحدهما : أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعلمه ، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه ، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فهذا كله حسن مأمور به . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش ، يقول : صبحكم ومساكم ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد ، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد . وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين ، تأدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حاضر يسمع ذلك ، فيلزم التأدب معه ، كما لو كان حيا . وما لا حاجة إلى الجهر فيه ، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته ، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي ، فإنه منهي عنه . وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة ، فقال : كلكم يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن . وفي رواية : فلا يؤذ بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد . وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء ، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل كتاب : العلم في باب : رفع الصوت بالعلم . الوجه الثاني : رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا ، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة . ويشبهه : إنشاد الضالة في المسجد ، وفي صحيح مسلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كراهته والزجر عنه ، من رواية أبي هريرة وبريدة . وأشد منه كراهة : رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين ؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم ، والجدال بالباطل ، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه . وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره . ورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه . وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد . وقد سبق ذكره .
الحديث الثاني : قال البخاري : 471 - حدثنا أحمد : ثنا ابن وهب : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبد الله بن كعب بن مالك ، أن كعب بن مالك أخبره ، أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته ، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته ، ونادى كعب بن مالك ، فقال : يا كعب قال : لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك . قال كعب : قد فعلت يا رسول الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم فاقضه البخاري يروي في كتابه هذا عن أحمد - غير منسوب - عن ابن وهب ، وقد اختلف فيه : فقيل : هو : ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي ابن وهب - : قاله أبو أحمد الحاكم وغيره . وأنكر آخرون أن يكون يروي عن ابن أخي ابن وهب هذا شيئا في كتابه ؛ فإنه قد كثر الطعن عليه . قالوا : ويحتمل أنه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، أو أحمد بن عيسى التستري ؛ فإنه روى عنهما صريحا في مواضع . والله أعلم . ويستدل بهذا الحديث من يجيز رفع الأصوات بالخصومات في المساجد عند الحكام وغيرهم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ذلك عليهما ، إنما أصلح بينهما ، وأمر صاحب الحق بأن يضع شيئا منه ، ثم أمر المدين بالقضاء لما بقي عليه ، وهذا إصلاح . ومن كره ذلك أجاب : بأن ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم هو قطع لما وقع بينهما من التشاجر ، ورفع الأصوات في المسجد ، فهو في معنى الإنكار ؛ لأن المقصود من الإنكار إزالة ما ينكر ، وقد حصل بذلك لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته لسماع أصواتهما المرتفعة ، فدل على أنه قصد إزالة ذلك ، ومنعهما منه ، فأزال ذلك وأزال المشاجرة بينهما ، وأصلح ذات بينهما ، وأمر كل واحد منهما بالإحسان إلى صاحبه برفق ورأفة من غير عنف . ولعل هذين كانا غير عالمين بكراهة رفع الصوت في المسجد ، فلهذا أزال ما وقع منهما من المكروه برفق ورأفة صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .
وأسند في هذا الباب حديث جابر من طريقين : أحدهما : 352 - من طريق : واقد بن محمد ، عن محمد بن المنكدر ، قال : صلى جابر في إزار ، قد عقده من قبل قفاه ، وثيابه موضوعة على المشجب ، فقال له قائل : تصلي في إزار واحد ؟ قال : إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك ، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والثاني : 353 - من طريق : عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، قال : رأيت جابرا يصلي في ثوب واحد ، وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب . ليس في هذا الباب حديث مرفوع صريح في الصلاة في إزار واحد معقود على القفا ؛ وإنما في الرواية الأولى ذلك من فعل جابر ، وفي حديث سهل من فعل الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو شبيه بالمرفوع . والمرفوع في الباب : هو الصلاة في ثوب واحد ، من غير بيان كيفية لبسه . وقد خرج البخاري فيما بعد هذا الباب من رواية ابن أبي الموالي - أيضا - عن ابن المنكدر ، قال : دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به ، ورداؤه موضوع ، فلما انصرف قلنا : يا أبا عَبْد الله ، تصلي ورداؤك موضوع ؟ قال : نعم : أحببتُ أن يراني الجهال مثلكم ، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي هكذا . وهذا يدل على أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في إزار بغير رداء ، ورواية واقد بن محمد عن ابن المنكدر التي خرجها البخاري في هذا الباب صريحة في أن جابرا عقد إزاره من قبل قفاه ، فظهر من كلا الروايتين أن جابرا صلى في إزار عقده من قفاه ، وأنه أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي كذلك . ويؤخذ هذا - أيضا - من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، ليس على عاتقه منه شيء . وقد خرجه البخاري فيما بعد ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . قال الخطابي : يريد أن لا يتزر به في وسطه ، ويشد طرفيه على حقويه ، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه ، فيخالف بينهما ، ويشد عقده على عاتقيه ، فيكون بمنزلة الإزار والرداء . وقال الميموني : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يصلي الفرض وعليه إزار واحد متوشحا به ، وقد عقد طرفيه في قفاه . قال القاضي أبو يعلى : هذا محمول على أنه كان صغيرا لم يمكنه أن يخالف بين طرفيه ، فعقده من ورائه . يشير إلى أن الارتداء بالثوب أفضل من الاتزار به ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى . وخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب متوشحا ، فلم ينل طرفاه ، فعقده .
3 - باب عقد الإزار على القفا في الصلاة وقال أبو حازم ، عن سهل : صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على عواتقهم . حديث سهل بن سعد هذا قد خرجه البخاري بإسناده ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله تعالى .
خرج البخاري في هذا الباب : 372 - من حديث : الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر ، فيشهد معه نساء من المؤمنات ، متلفعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ، ما يعرفهن أحد . قال الخطابي : التلفع بالثوب : الاشتمال به ، ولفعه الشيب : شمله ، و المروط : الأردية الواسعة ، واحدها : مرط . وقال أبو عبيد : المروط : الأكسية تكون من صوف ، وتكون من خز ، يؤتزر بها . وقال هشام ، عن الحسن : كانت لأزوج النبي صلى الله عليه وسلم أكسية تسمى المروط ، غير واسعة - والله - ولا لينة . والمراد بهذا الحديث : أن النساء كن إذا شهدن صلاة الفجر في المسجد غطين رءوسهن ، وثيابهن فوق دروعهن وخمرهن ، وهذا نظير أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهن إذا شهدن العيدين بالجلباب ، كما تقدم . وقد روي عن ابن عمر وابن سيرين ونافع : أن المرأة تصلي في أربعة أثواب - : حكاه ابن المنذر . وقال ابن عبد البر : قال مجاهد : لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب . قال : وهذا لم يقله غيره فيما علمت . قال : والأربعة الأثواب : الخمار ، والدرع ، والملحفة ، والإزار . انتهى . ولعل هذا إذا صلين مع الرجال في المساجد ونحوها ، فأما في بيوتهن فيكفيهن دون ذلك . والله أعلم . وبقية فوائد هذا الحديث تأتي في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .
13 - باب في كم تصلي المرأة من الثياب وقال عكرمة : لو وارت جسدها في ثوب جاز . يريد عكرمة : أن الواجب عليها في الصلاة ستر جميع جسدها ، فلو وارته كله بثوب واحد جاز ، ومراده بجسدها : بدنها ورأسها ، فلهذا قال كثير من الصحابة ، ومن بعدهم : تصلي المرأة في درع وخمار إشارة منهم : إلى أنه يجب عليها ستر رأسها وجسدها . فإن سترت جسدها بثوب ورأسها بثوب جاز ، ولم تكره صلاتها ، وهو أدنى الكمال في لباسها ، وإن التحفت بثوب واحد خمرت به رأسها وجسدها صحت صلاتها ، لكنه خلاف الأولى . قال رباح بن أبي معروف : كان عطاء لا يرى أن تصلي المرأة في الثوب الواحد ، إلا من ضرورة . وروى عمر بن ذر ، عن عطاء في المرأة لا يكون لها إلا الثوب الواحد ، قال : تتزر به . ومعنى : تتزر به : تلتحف به ، وتشتمل على رأسها وبدنها . قال سفيان الثوري : إن صلت في ملحفة واسعة تغطي جميع بدنها أجزأها . قال : وأكره أن تصلي في درع واحد ، فإن صلت كذلك فقد أساءت ، وتجزئها صلاتها . وقال إسحاق : إن صلت في ملحفة واحدة غطت كل شيء من بدنها جازت صلاتها . والأفضل أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب عند جمهور العلماء . قال حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه - : ثنا المعتمر - هو : ابن سليمان - قال : سمعت أبي يحدث عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن عمر بن الخطاب ، قال : تصلي المرأة في ثلاثة أثواب إذا قدرت : درع ، وخمار ، وإزار . حدثنا إسحاق : ثنا عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : تصلي المرأة في الدرع والخمار والملحفة . فأما الدرع : فهو ما تلبسه على بدنها . قال أبو طالب : قيل لأحمد : الدرع القميص ؟ قال : يشبه القميص ، لكنه سابغ يغطي رجليها . وأما الخمار : فهو ما تخمر به رأسها . وقد سبق حديث : لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار . وأما الإزار : فاختلف في تفسيره : فقالت طائفة : هو مثل إزار الرجل الذي يأتزر به في وسطه ، وهذا قول إسحاق - : نقله عنه حرب ، وهو ظاهر كلام أحمد - أيضا . وقال إسحاق : إن تسرولت بدل الإزار جاز ، وإن لم تتزر بل التحفت بملحفة فوق درعها بدل الإزار جاز . وروى الفضل بن دكين في كتاب الصلاة : ثنا أبو هلال ، عن محمد بن سيرين ، قال : كانوا يستحبون أن تصلي المرأة في درع وخمار وحقو . وقال ابن عبد البر : روي عن عبيدة ، أن المرأة تصلي في الدرع والخمار والحقو ، رواه ابن سيرين عنه ، وقال به ، وقال : الأنصار تسمي الإزار : الحقو . وروى مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن امرأة استفتت عائشة ، فقالت : إن المنطق يشق علي ، أفأصلي في درع وخمار ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، إذا كَانَ الدرع سابغا . قال : والمنطق هنا : الحقو ، وهو الإزار والسراويل . والقول الثاني : أن المراد بالإزار : الجلباب ، وهو الملحفة السابغة التي يغطى بها الرأس والثياب ، وهذا قول الشافعي وأصحابنا ، وقد سبق عن ابن عمر ما يدل عليه . وقال النخعي : تصلي المرأة في الدرع والملحفة السابغة ، تقنع بها رأسها . وخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن محمد بن زيد بن قنفذ ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار ؟ قال : إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها . وخرجه - أيضا - من طريق مالك ، عن محمد بن زيد ، عن أمه ، عن أم سلمة - موقوفا - وذكر جماعة تابعوا مالكا على وقفه . وذكر الدارقطني أن وقفه هو الصواب .
82 - باب دخول المشرك المسجد 469 - حدثنا قتيبة : ثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، أنه سمع أبا هريرة يقول : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد قد سبق هذا الحديث بأتم من هذا السياق في باب : الأسير يربط في المسجد ، وفيه : أن ثمامة حين ربط كان مشركا ، وأنه إنما أسلم بعد إطلاقه . وفي هذا : دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد ، لكن بإذن المسلمين . وقد أنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد ؛ ليكون أرق لقلوبهم . خرجه أبو داود من رواية الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : إن وفدا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من ثقيف ، فدخلوا عليه المسجد ، فقيل له : إنهم مشركون ؟ قال : الأرض لا ينجسها شيء . وخرجه أبو داود في المراسيل من رواية أشعث ، عن الحسن ، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب لهم قبة في مؤخر المسجد ؛ لينظروا إلى صلاة المسلمين ، إلى ركوعهم وسجودهم ، فقيل : يا رسول الله ، أتنزلهم المسجد وهم مشركون ؟ قال : إن الأرض لا تنجس ، إنما ينجس ابن آدم . وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران ، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجلسون فيه عنده . ولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد . وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له . وقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الأسارى - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور . قال : وكان ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي . وخرج البخاري فيما سبق في كتاب : العلم حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد ، وعقله بعيره فيه ، وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ، ثم أسلم عقب ذلك . وروى أبو داود في المراسيل بإسناده ، عن الزهري ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر ، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام ؛ لما قَالَ الله عز وجل : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وقد اختلف أهل العلم في ذلك : فرخص طائفة منهم في دخول الكافر المسجد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، رجحها طائفة من أصحابنا . قال أصحاب الشافعي : وليس له أن يدخل المسجد إلا بإذن المسلم . ووافقهم طائفة من أصحابنا على ذلك . وقال بعضهم : لا يجوز للمسلم أن يأذن فيه إلا لمصلحة من سماع قرآن ، أو رجاء إسلام ، أو إصلاح شيء ونحو ذلك ، فأما لمجرد الأكل واللبث والاستراحة فلا . ومن أصحابنا : من أطلق الجواز ، ولم يقيده بإذن المسلم . وهذا كله في مساجد الحل ، فأما المسجد الحرام فلا يجوز للمسلمين الإذن في دخوله للكافر ، بل لا يمكن الكافر من دخول الحرم بالكلية عند الشافعي وأحمد وأصحابهما . واستدلوا بقول الله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر مناديا ينادي : لا يحج بعد العام مشرك . وأجازه أبو حنيفة وأصحابه . فأما مسجد المدينة ، فالمشهور عندنا وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل . ولأصحابنا وجه : أنه ملحق بالمسجد الحرام ؛ لأن المدينة حرم ، وحكي عن ابن حامد ، وقاله القاضي أبو يعلى في بعض كتبه . وهذا بعيد ؛ فإن الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه ، فكيف يمنع منه ويخص الجواز بغيره ؟ وقالت طائفة : لا يجوز تمكين الكافر من دخول المساجد بحال ، وهذا هو المروي عن الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، وأبو موسى الأشعري ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك ، والمنصوص عن أحمد ، قال : لا يدخلون المسجد ولا ينبغي لهم أن يدخلوهم . واستدلوا بقول الله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ وظاهره : يدل على أن الكفار لا يمكنون من دخول المساجد ، فإن دخلوا أخيفوا وعوقبوا ، فيكونون في حال دخولهم خائفين من عقوبة المسلمين لهم . وقد روي عن علي ، أنه كان على المنبر فبصر بمجوسي ، فنزل وضربه وأخرجه . خرجه الأثرم . وعلى هذا القول ، فأحاديث الرخصة قد تحمل على أن ذلك قبل النهي عنه ، أو أن ذلك كان جائزا حيث كان يحتاج إلى تألف قلوبهم ، وقد زال ذلك . وفرقت طائفة بَيْن أهل الذمة وأهل الحرب ، فقالوا : يجوز إدخال أهل الذمة دون أهل الحرب ، وروي عن جابر بن عبد الله وقتادة . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا قال : إلا أن يكون عبدا أو أحدًا من أهل الذمة . وقد روي مرفوعا من رواية شريك : ثنا أشعث بن سوار ، عن الحسن ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا ، غير أهل الكتاب وخدمهم . خرجه الإمام أحمد . وفي رواية له : غير أهل العهد وخدمهم . وأشعث بن سوار ، ضعيف الحديث . وقد خص بعض أصحابنا حكاية الخلاف المحكي عن أحمد في المسألة بأهل الذمة .
الحديث الثاني : 503 – حدثنا قبيصة : ثنا سفيان ، عن عمرو بن عامر ، عن أنس ، قال : لقد أدركت كبار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري عند المغرب . وزاد شعبة ، عن عمرو ، عن أنس : حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم رواية شعبة قد أسندها البخاري في كتاب الأذان . وخرج مسلم من رواية عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كنا بالمدينة ، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري ، فركعوا ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما . فهذا الحديث : يدل على أن عادة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه كان التنفل إلى السواري قبل الصلاة المكتوبة وبعدها ، بخلاف الصلاة المكتوبة ، فإنهم كانوا يصلونها صفوفًا صفوفًا ، ولا يعتبرون لها سترةً ، بل يكتفون بسترة إمامهم . وروى وكيع ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لي : اجلس وول ظهرك .
95 - باب الصلاة إلى الأسطوانة وقال عمر : المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها . ورأى ابن عمر رجلا يصلي بين أسطوانتين ، فأدناه إلى سارية ، فقال : صل إليها . خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 502 - ثنا المكي : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، قال : كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم ، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟ قال : فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها . هذا - أيضا - من ثلاثيات البخاري . والأسطوانة : السارية . وهذه الأسطوانة الظاهر أنها من أسطوان المسجد القديم الذِي يسمى الروضة ، وفي الروضة أسطوانتان ، كل منهما يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها : الأسطوانة المخلقة ، وتعرف بأسطوانة المهاجرين ؛ لأن أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها ، وتسمى : أسطوان عائشة . ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضعة عشر يوما ، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم . وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر ، والثالثة من القبلة ، والثالثة من القبر الشريف ، وهي متوسطة في الروضة . وأسطوانة التوبة ، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه . وقد قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه ، ووضع سريره وراءها . وقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب ، أن أكثر نوافل النبي صلى الله عليه وسلم كانت عندها . وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف ، والثالثة من القبلة ، والرابعة من المنبر . وفي الحديث : دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانا معينا من المسجد يصلي فيه تطوعا . وقد ورد في رواية التصريح بأن هذه الصلاة كانت تطوعا . خرجه ابن ماجه ، ولفظ حديثه : أن سلمة كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف ، فيصلي قريبا منها ، فأقول له : ألا تصلي هاهنا ، وأشير إلى بعض نواحي المسجد ، فيقول : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى هذا المقام . وقوله : قريبا منها قد يحمل على أنه كان ينحرف عنها في صلاته ، ولا يستقبلها استقبالا . وخرج البزار ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن صفوان ، قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت سألت من كان معه : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : صلى ركعتين عند السارية الوسطى ، عن يمينها . ويزيد بن أبي زياد ليس بالحافظ . وروى عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، سأل بلالا : أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم - يعني : في الكعبة - ؟ قَالَ : فأشار لَهُ بلال إلى السارية الثانية عِنْدَ الباب . قال : صلى عن يمينها ، تقدم عنها شيئا . وعبد العزيز - أيضا - ليس بالحافظ . وقد صرح أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم بأنه يستحب لمن صلى إلى سترة منصوبة أن ينحرف عنها ولا يستقبلها . وصرح بذلك من أصحابنا : أبو بكر عبد العزيز وابن بطة والقاضي أبو يعلى وأصحابه . وأخذوه من نص الإمام أحمد على أن الإمام يقوم عن يمين طاق المحراب . وكذا قال النخعي . واستدلوا بما روى علي بن عياش ، عن الوليد بن كامل ، عن المهلب بن حجر البهراني ، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود ، عن أبيها : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا إلى عمود ولا إلى شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وخرجه الإمام أحمد - أيضا من رواية بقية بن الوليد ، عن الوليد بن كامل ، عن حجر - أو ابن حجر - بن المهلب ، عن ضبيعة بنت المقداد بن معديكرب ، عن أبيها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لا يجعله نصب عينيه ، ولكن يجعله على حاجبه الأيسر . ولعل هذه الرواية أشبه : وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له . والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معديكرب : المقداد ، ولا ينسبونه - أحيانا ، فيظن من سمعه غير منسوب أنه ابن الأسود ، وإنما هو ابن معديكرب وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم . والمهلب بن حجر شيخ ليس بالمشهور . والوليد ، قال أبو حاتم : هو شيخ . وقال البخاري : عنده عجائب . قال القرطبي : لعل هذا كَانَ أول الإسلام ؛ لقرب العهد بإلف عبادة الحجارة والأصنام ، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات . انتهى . وقد كره مالك أن يصلي إلى حجر في الطريق ، فأما إلى حجارة كثيرة فجائز . ذكره في تهذيب المدونة . وقد ورد النهي عن أن يوطن الرجل له مكانا في المسجد يصلي فيه : من رواية تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان الذي في المسجد كما يوطن البعير . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه . وفي إسناده اختلاف كثير . وتميم بن محمود ، قال البخاري : في حديثه نظر . وقد حمل أصحابنا حديث النهي على الصلاة المفروضة ، وحديث الرخصة على الصلاة النافلة . وكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام ، فتأخر يومًا فنحاه الناس وتركوه ، فجاء بعد ذلك فقام في طرف الصف ولم يقم فيه ، وقال : قد جاء أنه يكره أن يوطن الرجل مكانه .
14 - باب إذا صلى في ثوب له أعلام ، ونظر إلى علمها 373 - حدثنا أحمد بن يونس : ثنا إبراهيم بن سعد : ثنا ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي . وقال هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة ، فأخاف أن تفتنني . هذا الذي علقه عن هشام بن عروة . خرجه مسلم في صحيحه من حديث وكيع ، عن هشام ، ولكن لفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خميصة لها علم ، فكان يتشاغل بها في الصلاة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ كساء له أنبجانيا . ورواه أبو معاوية عن هشام - أيضا - ولفظ حديثه : قالت : كان للنبي صلى الله عليه وسلم خميصة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ أنبجانية له ، قالوا : يا رسول الله ، إن الخميصة هي خير من الأنبجانية ؟ فقال : إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة . خرجه الإمام أحمد . وخرجه أبو داود بمعناه من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام . ورواه مالك ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا . وذكر ابن عبد البر : أن الأنبجاني مذكر في رواية الزهري ، وإنما أنثه مالك في روايته . قلت : وكذا في رواية إبراهيم بن سعد التي خرجها البخاري هنا . قال : وإنما هو كساء أنبجاني ، والأنبجاني لا يؤنث ، إلا أن يكون أراد الخميصة أو الشملة . قال : وقال ثعلب : يقال : أنبجانية - بكسر الباء وفتحها - لكل ما كثف والتف . قالوا : شاة أنبجانية : أي كثيرة الصوف ملتفة . قال ابن عبد البر : وقال ابن قتيبة : إنما هو كساء منبجاني - بالميم - ؛ لأنه منسوب إلى منبج . قَالَ : وفتحت باؤه في النسب ؛ لأنه خرج مخرج منظراني ومنجراني . قال : وعن ابن قتيبة يقول : جائز أن يقال : أنبجاني كما جاء في الحديث ؛ لأن رواته عرب فصحاء ، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس ، وإنما هو مسموع ، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج . انتهى . وفي الحديث : دليل على أن نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته ، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلا ، ولهذا قالت عائشة : فنظر إلى أعلامها نظرة . وأما إذا كثر شغل قلبه عن صلاته ، وحدث نفسه بغيرها ، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك . ثم منهم من علل ذلك : بأن عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها ، كعمل البدن . وحكي ذلك عن ابن حامد . ومنهم من علل : بوجوب الخشوع في الصلاة ، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها . وجمهور العلماء : على أنه لا تبطل بذلك الصلاة ، وحكاه بعضهم إجماعا ، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . واستدل الشافعي بهذا الحديث على أن مجرد الاشتغال عن صلاته بنظر إلى شيء أو فكر فيه ، إذا لم يوجب له ذلك الشك في عدد الركعات لا يسجد له للسهو . وفي الحديث : دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة ، ولهذا أخرج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الخميصة عنه بالكلية . فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه . وقد ذكر مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر ، أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له ، فطار دبسي ، فانطلق يتردد يلتمس مخرجها ، فلم يجده لالتفاف النخل ، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة ، ثم رجع فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : يا رسول الله ، هو صدقة لله عز وجل ، فضعه حيث أراك الله . وذكر مالك - أيضا - عن عبد الله بن أبي بكر ، أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقف في زمن الثمر ، والنخل قد ذللت ، وهي مطوقة بثمرها ، فنظر إلى ذلك فأعجبه ما رأى من ثمرها ، ثم رجع إلى الصلاة ، فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر ذلك له ، فقال له : إنه صدقة ، فاجعله في سبيل الخير ؛ فباعه عثمان بخمسين ألفا فكان اسم ذلك : المال الخمسين . و الخميصة : كساء رفيع يلبسه أشراف العرب ، وقد يكون له علم ، وقد لا يكون ، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر . و الأنبجاني : كساء غليظ بغير علم : ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره . وقال الخطابي : الخميصة : كساء أسود ، والأنبجانية : كساء له زئبر . وقال أبو عبيد : الخمائص : ثياب من خز أو صوف معلم ، وهي سود ، كانت من لباس الناس . وإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة ؛ لأنه كان أهداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فردها إليه ، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا ؛ تطييبا لقلبه ، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه ، ولذلك أعلمه بسبب الرد . وفيه : تحذير له من أن يشتغل بها أو بغيرها عن صلاته . هذا هو الذي ذكره ابن عبد البر . ويدل على ذلك : ما خرجه مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم ، فشهد فيها الصلاة ، فلما انصرف قال : ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم ؛ فإني نظرت إلى علمها في الصلاة ، فكاد يفتنني . وخرجه الإمام أحمد من طريق مالك . ولفظ : الفتنة إنما يعرف في هذا الحديث من هذا الوجه ، فأما من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة كما علقه البخاري - فغير معروف . وقد روي عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة هذا الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإني كنت إذا رأيت علمها ذكرت الدنيا . وروى نعيم بن حماد ، عن ابن عيينة : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره الخميصة في نفسها ، وإنما أخرجها عن ملكه لما كانت سبب شغله عن صلاته ؛ كما أخرج أبو طلحة ماله الذي ألهاه عن صلاته . وهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل . واعلم أن الصلاة في الثوب الحسن غير مكروه ، إلا أن يخشى منه الالتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر ، وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم ، يقوم بها الليل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يلبس حللا من حلل اليمن ، وبرودا حسنة ، ولم ينقل عنه أنه كان يتجنب الصلاة فيها ، وإنما ترك هذه الخميصة لما وقع له من تلك النظرة إلى علمها ، وقد قال الله عز وجل : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وسبق قول ابن عمر : الله أحق أن يتزين له . وخرج أبو داود في مراسيله من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة - مما تعجبه : الثياب النقية والريح الطيبة . ولم يزل علماء السلف يلبسون الثياب الحسنة ، ولا يعدون ذلك كبرًا . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا ؟ فقال : ليس ذلك من الكبر ، إن الله جميل يحب الجمال . وقال جرير بن حازم : رأيت على الحسن طيلسانًا كرديا حسنًا ، وخميصة أصبهانية جيدة ، ذات أعلام خضر وحمر ، أزرتها من إبريسم ، وكان يرتدي ببرد له يمان أسود مصلب ، وبرد عدني وقباء من برد حبرة ، وعمامة سوداء . وقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة في المنديل ، وأريته منديلًا له أعلام خضر وخطوط ؟ فقال : جائز .
94 - باب السترة بمكة وغيرها 501 - حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن أبي جحيفة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ، ونصب بين يديه عنزة ، وتوضأ ، فجعل الناس يتمسحون بوضوئه . مراد البخاري : أن السترة تشرع بمكة وغيرها ، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبطحاء - وهو أبطح مكة - في حجته إلى عنزة . وقد اختلف العلماء في حكم مكة في السترة : هل حكمها كحكم سائر البلدان ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أن حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان ، وهو اختيار البخاري وقول [ ] والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد . وروي نحوه عن ابن عمر : قال أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة : ثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد الفقير ، قال : كنت أصلي إلى جنب ابن عمر بمكة ، فلم أر رجلا أكره أن يمر بين يديه منه . ثنا عبد العزيز الماجشون ، عن صالح بن كيسان ، قال : رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، يبادره - قال : يرده . وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن يحيى بن أبي كثير ، قال : رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها . القول الثاني : أن مكة تجوز الصلاة فيها إلى غير سترة ، والمرور بين يدي المصلي من غير كراهة في ذلك ، وهو قول طاوس وعطاء وأحمد ، نص عليه في رواية ابن الحكم وغيره . وكان محمد ابن الحنفية يصلي بمسجد منى ، والناس يمرون بين يديه ، فجاء فتى من أهله ، فجلس بين يديه . وروى ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، قال : رأيت ابن الزبير طاف بالبيت ، ثم جاء فصلى ، والطواف بينه وبين القبلة . قال : تمر بين يديه المرأة فينتظرها حتى تمر ، ثم يضع جبهته في موضع قدميها . واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي وداعة : وقد خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية ابن جريج ، عن كثير بن كثير ، عن أبيه ، عن المطلب بن أبي وداعة ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن ، فيصلي ركعتين في حاشية المطاف ، وليس بينه وبين الطوّاف أحد . وخرجه الإمام أحمد - أيضا - عن ابن عيينة ، قال : حدثني كثير بن كثير بن أبي وداعة ، سمع بعض أهله يحدث ، عن جده ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مما يلي باب بني سهم ، والناس يمرون بين يديه ، ليس بينهم سترة . قال ابن عيينة : وكان ابن جريج أخبرنا عنه ، فقال : ثنا كثير ، عن أبيه ، فسألته ، فقال : ليس من أبي سمعته ، ولكن من بعض أهلي ، عن جدي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مما يلي باب بني سهم ، ليس بينه وبين الطوّاف سترة . وخرجه أبو داود عن الإمام أحمد . وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج ، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف . وقد رواه غير واحد عن كثير بن كثير كما رواه عنه ابن جريج . وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح إلى العنزة لا يعارض حديث المطلب ؛ لأن حديث المطلب دل على جواز الصلاة بمكة إلى غير سترة ، وحديث أبي جحيفة دل على جواز الصلاة بمكة إلى سترة . وقد نص أحمد على أن مكة مخصوصة من بين البلدان بذلك ومن أصحابنا من قال : إن حكم الحرم كله كذلك ، ولو قيل : إن الصلاة إلى غير سترة مختص بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم لكان جمعا بين الحديثين متوجها ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه الجامع الكبير يدل عليه ، وصرح به غيره من أصحابنا . وحمل الشافعي حديث المطلب بن أبي وداعة على أن الأمر بالصلاة إلى السترة على الاستحباب دون الوجوب ، كما حمل عليه حديث ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إلى غير جدار . وحديث أبي جحيفة قد يوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالهاجرة الظهر والعصر ، فجمع بينهما في أول وقتهما وهو مقيم بمكة ، ولم يستدل به أحد - فيما نعلم - على الجمع بين الصلاتين . وقد جاء في رواية للإمام أحمد : فصلى الظهر أو العصر - بالشك . ولكن رواية من قال : بالهاجرة يدل على أنه صلى الظهر بغير شك . وقد خرجه مسلم ، ولفظه : فتقدم ، فصلى الظهر ركعتين ، يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع ، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة . وهذا يدل على أنه إنما صلى العصر في وقتها . وقد رواه حجاج بن أرطاة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، وقال فيه - بعد ذكر صلاة الظهر - ثم حضرت العصر ، فقام بلال فأذن ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين . خرجه من طريقه ابن سعد . وهو صريح في أنه لم يجمع بين الصلاتين . وحجاج بن أرطاة ، وإن كان متكلما فيه ، إلا أنه فقيه يفهم معنى الكلام ، فيرجع إلى زيادته على من ليس له مثل فهمه في الفقه والمعاني .
15 - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى من ذلك خرج فيه : 374 - حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا ؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي . القرام : قيل : إنه ثوب من صوف ، فيه ألوان من العهون ، ويتخذ سترا ، أو كلة . وقال الخطابي : هو ستر رقيق . قال : ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ستر الجدر . قلت : حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف . ولكن خرج مسلم من حديث عائشة ، أنها أخذت نمطا فسترته على الباب ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم رأى النمط ، فعرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه أو قطعه ، وقال : إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين . وفي مسند الإمام أحمد ، عنها في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : أتسترين الجدر يا عائشة ؟ قالت : فطرحته ، فقطعته مرفقتين ، فقد رأيته متكئا على إحداهما ، وفيها صورة . وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : يا عائشة أخريه عني ، فنزعته ، فجعلته وسائد . وفي الصحيحين ، عنها ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه ، وقال : أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله عز وجل . قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين . وفي صحيح مسلم عنها ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا ؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . فهذه ثلاث علل قد علل بها النبي صلى الله عليه وسلم كراهة الستر . ويشهد للتعليل الثالث : حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت فاطمة ، فأخذ بعضادتي الباب ، وإذا قرام قد ضرب في ناحية البيت ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ، فتبعه علي ، فقال : ما رجعك يا رسول الله ؟ قال : إنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . ويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما ولبسه ، وقال : شغلني هذا عنكم اليوم ، له نظرة ولكم نظرة ، ثم ألقاه . وخرج الترمذي في كتاب العلل بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل خاتمه في يمينه ، ثم إنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه ، فنزعه ولم يلبسه . وقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا ، وفيه : أن هذا الخاتم كان من ذهب . وهذا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله امتثالا لما أمره الله به ؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا ، فكان يتباعد عنها بكل وجه ، ولهذا قال : ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها . فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر ، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا ، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة ، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله ، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره ، فإن ذلك كان هو قرة عينه . فكان [ ] تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال ؛ فإنه [ ] ذلك الصفاء ، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة . وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله : فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي . وفيه : دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته . وفي سنن أبي داود ، عن عثمان بن طلحة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي . وخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث : إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين . والمراد بالقرنين : قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام ؛ فإنهما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير . وفي الحديث : دليل على جواز الصلاة في الكعبة . وقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره . وروي عن النخعي ، قال : كانوا يكرهون ذلك . وعن مجاهد ، قال : لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه : سيفا ولا مصحفا . ونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى ، وكذا مذهب مالك . وقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر ، أنه أمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . ويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة ؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها ، ولا يترك في المسجد صورة في بناء . سئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير ؟ قال : أنجروه . وتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء ، وهو مروي عن عمر وابن عباس ، وقول مالك وأحمد وغيرهما . وأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء ، بناء على أنه : هل يجوز لبس ذلك أم لا ؟ فرخص في لبسه جماعة ، منهم أحمد في رواية الشالنجي ، وكذلك قال أبو خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه : إلا رقما في ثوب . وقد خرجه البخاري في كتاب : اللباس من حديث أبي طلحة . وخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه . وقالت طائفة : يكره ذلك ، وهو قول مالك والثوري ، وطائفة من أصحابنا . وقالت طائفة : يحرم لبسه ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها القاضي أبو يعلى وغيره . وروى وكيع في كتابه عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمران بن حطان ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه . وقد خرجه البخاري في كتابه هذا من طريق هشام ، عن يحيى ، ولفظه : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه . وظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة . وصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة ، وسواء قلنا : يجوز لبسه أو لا . ومذهب مالك : أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل ، ولا يصلى به ، ويلبس ثوب فيه تصاوير . وأما الصلاة على بساط فيه تصاوير ، فرخص فيه أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد وإسحاق ؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور . وكره ذلك طائفة قليلة ، ومنهم : الجوزجاني ، وروى عن الزهري . وذكر ابن أبي عاصم في كتاب اللباس له : باب : من قال لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه الصور : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم : ثنا روح بن عبادة : ثنا شعبة ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ، وفيها تصاوير . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة بدون هذه الزيادة . وسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - إن شاء الله تعالى . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس على كراهة الصلاة في التصاوير ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا ، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة ، وعلى بساط عليه صورة ؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته . وبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة ، وعلى كراهة ذلك - أيضا - فأشار إلى الاختلاف فيه .
قال البخاري - رحمه الله - : 468 – ثنا أبو النعمان وقتيبة بن سعيد ، قالا : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة ، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة ، ثم أغلق الباب ، فلبث فيه ساعة ، ثم خرجوا . قال ابن عمر : فبدرت فسألت بلالا ، فقال : صلى فيه ، فقلت في أي ؟ قال : بين الأسطوانتين . قال ابن عمر : فذهب علي أن أسأله : كم صلى ؟ هذا الحديث يدل على أن الكعبة كان لها باب يُغلق عليها ويفتح ، ولم يزل ذلك في الجاهلية والإسلام ، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أمرها على ما كانت عليه ، ودفع مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة ، وأقره بيده على ما كان . وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تطلب من شيبة أن يفتح لها الكعبة ليلا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : والله ما فتحته بليل في جاهلية ولا في إسلام ، فقال : فانظر ما كنت تصنع فافعله ، ولا تفتحه وأمر عائشة أن تصلي في الحجر . وقد روي عن ابن جريج وغيره ، أن أول من جعل للكعبة بابا يغلق وكساها كسوة كاملة تُبَّع . وذكر ابن إسحاق أن ذلك بلغه عن غير واحد من أهل العلم - : ذكره الأزرقي في أخبار مكة . ولكن الكعبة لا تقاس بها سائر المساجد في صيانتها واحترامها ؛ فإن سائر المساجد إنما تراد ليعبد الله فيها ، فإغلاقها لغير حاجة يمنع من المقصود منها ، وأما الكعبة فالعبادة حولها لا فيها ؛ فإن أخص العبادات منها الطواف ، وإنما يطاف حولها ثم الصلاة ، وإنما يصلى إليها . وقد اختلف العلماء في الصلاة فيها كما سبق ذكره ، وكذلك الاعتكاف ، فإغلاقها لا يمنع حصول المقصود منها من عبادة الله حولها . وأما غلق المسجد الحرام المبني حولها ، فحكمه حكم غلق سائر المساجد أو أشد ؛ لما فيه من منع الطواف الذي لا يتمكن منه في غير ذلك المسجد ، بخلاف غلق سائر المساجد ؛ فإنه لا يتعذر بإغلاقها الصلاة ؛ فإن الأرض كلها مسجد . والله أعلم .
81 - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد وقال لي عبد الله بن محمد : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، قال : قال لي ابن أبي مليكة : يا عبد الملك ، لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها هذا الأثر رواه الإمام أحمد ، عن ابن عيينة . قال يعقوب بن بختان : سئل أبو عبد الله - يعني : أحمد - عن المسجد يجعل له أبواب ؟ فلم ير به بأسا ، وقال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، قال : قال لي ابن أبي مليكة : لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها . وقال جعفر بن محمد : سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسجد يغلق بابه ؟ قال : إذا خاف أن يدخله كلب أو صبيان . وقال في رواية مهنا : ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد . وقال أصحاب الشافعي : لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة ؛ لصيانته أو حفظ آلاته . قال بعضهم : هذا إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه ، ولم تدع إلى فتحه حاجة ، فأما إذا لم يخف من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة ، وكان فيه رفق بالناس ، فالسنة فتحه ، كما لم يغلق مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه ولا بعده . وقالوا : يكره إدخال المجانين والصبيان - الذين لا يميزون - المساجد ، ولا يحرم ذلك ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة ، وفعله لبيان الجواز . وقال أصحاب مالك : إذا كان الصبي يعبث فلا يؤت به المسجد ، وإن كان لا يعبث ويكف إن نهي فجائز . قالوا : وإن أتى أباه وهو في الصلاة المكتوبة نحاه عن نفسه ، ولا بأس بتركه في النافلة . وخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف ، عن واثلة مرفوعا : جنبوا مساجدنا صبيانكم ، ومجانينكم . وروي عن بعض السلف أن أول ما استنكر من أمر الدين لعب الصبيان في المساجد . واختلف الحنفية في إغلاق المساجد في غير أوقات الصلوات : فمنهم من كرهه ؛ لما فيه من المنع من العبادات . ومنهم من أجازه ؛ لصيانته وحفظ ما فيه .
16 - باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه 375 - حدثنا عبد الله بن يوسف : ثنا الليث ، عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، قال : أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فروج حرير ، فلبسه فصلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ، كالكاره له ، وقال : لا ينبغي هذا للمتقين . يزيد ، هو : ابن أبي حبيب ، و أبو الخير ، هو : مرثد بن عبد الله اليزني ، وهما مصريا جليلان . و الفروج : قباء له فرج من ورائه ، هكذا قال أبو عبيد وغيره . وقال يحيى بن بكير : سألت الليث بن سعد عن الفروج ؟ فقال : هو القباء . وفي الحديث : دليل على جواز لبس الأقبية ، والصلاة فيها ، وهو قول أكثر أهل العلم . وسئل عطاء : عن القباء يصلي فيه الرجل وحده ؟ فقال : إن القباء مفروج ، ولكن ليأتزر عليه إزارا تحته . قال حرب : سئل أحمد عن الصلاة في الدراج ؟ فقال : وما بأسه ؟ قيل : إنه ذكر عن ابن المبارك ووكيع أنهما كرهاه ، فرخص فيه ، وقال : ما أنفعه من ثوب . وممن كره لبس الدراج : إسحاق - : نقله عنه ابن منصور . واستدل الخطابي وغيره بهذا الحديث على صحة الصلاة في الحرير مع كراهته . وهذا غير صحيح ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لبسه وصلى فيه قبل تحريمه ، وهذا أمر لا شك فيه ، فكيف يستدل به على صحة الصلاة بعد تحريمه ؟ ! وقد استدل إسحاق لصحة الصلاة في الحرير بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للزبير وعبد الرحمن في قمص الحرير للحكة . وهذا - أيضا - لا يصح ؛ فإنه من رخص له في الحرير أبيح له لبسه والصلاة فيه كالنساء ، وإنما اختلف الناس في صلاة الرجال في الحرير بعد تحريمه . وأكثر أهل العلم على أن الصلاة فيه تجزئ ، وتبرأ بها الذمة ، ولا يلزم إعادتها . وعن أحمد في ذلك روايتان . ومذهب أهل الظاهر : أن الصلاة فيه غير مجزئة ، وتلزم الإعادة ، وهو اختيار كثير من أصحابنا ، وهو قول إسحاق ، إذا كان عالما بالنهي عنه . وقال ابن القاسم صاحب مالك : يعيد ما دام في الوقت . وكذا الخلاف في الصلاة في ثوب مغصوب ، أو مشترى بعين مال حرام . وفي المسند : من حديث ابن عمر - مرفوعا - : من اشترى ثوبا بعشرة دراهم ، وفيه درهم حرام ، لم تقبل له صلاة ما دام عليه . وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي طالب ، وقال : هذا ليس بشيء ، ليس له إسناد . يشير إلى ضعف إسناده ؛ فإنه من رواية بقية ، عن يزيد بن عبد الله الجهني ، عن هاشم الأوقص ، عن نافع . وقال أحمد - في رواية مهنا - : لا أعرف يزيد بن عبد الله ، ولا هاشما الأوقص . وقد اشتد نكير عبد الرحمن بن مهدي لقول من قال : إن من اشترى ثوبا بدراهم فيها شيء حرام وصلى فيه أنه يعيد صلاته ، وقال : هو قول خبيث ، ما سمعت بأخبث منه ، نسأل الله السلامة . ذكره عنه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناده . وعبد الرحمن بن مهدي من أعيان علماء أهل الحديث وفقهائهم المطلعين على أقوال السلف ، وقد عد هذا القول من البدع ، فدل على أنه لا يعرف بذلك قائل من السلف . وأكثر العلماء على أن العبادات لا تبطل بارتكاب ما نهي عنه ، إذا كان النهي غير مختص بتلك العبادة ، وإنما تبطل بما يختص النهي بها . فالصلاة تبطل بالإخلال بالطهارة فيها ، وحمل النجاسة ، وكشف العورة ولو في الخلوة ، ولا تبطل بالنظر إلى المحرمات فيها ، ولا باختلاس مال الغير فيها ، ونحو ذلك مما لا يختص النهي عنه بالصلاة . وكذلك الصيام ، إنما يبطل بالأكل والشرب والجماع ونحو ذلك ، دون ما لا يختص النهي عنه بالصيام ، كقول الزور ، والعمل به عند جمهور العلماء . وكذلك الاعتكاف ، لا يبطل إلا بما نهي عنه لخصوص الاعتكاف وهو الجماع ، أو ما نهي عنه لحق المساجد كالسكر عند طائفة منهم . ولا يبطل بسائر المعاصي عند الأكثرين ، وإن خالف في ذلك طائفة منهم . وكذلك الحج ، إنما يبطل بارتكاب بعض ما نهي عنه فيه وهو الرفث ، دون الفسوق والجدال . والله أعلم . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه علل كراهة لبس الحرير في صلاته ، بأنه نظر إليه فألهاه عن صلاته . خرجه ابن وهب في مسنده عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب ، أن أكيدر أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير ، فشهد النبي صلى الله عليه وسلم فيها الصلاة ، فسها ، فصلى الظهر سبع ركعات ، فلما انصرف نزعها ، وقال : إني نظرت إليها ، فألهتني عن صلاتي . وهذا مرسل .
خرج البخاري في هذا الباب حديث أم عطية : فقال : 351 - ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن محمد ، عن أم عطية ، قالت : أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور يشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزل الحيض عن المصلى . قالت امرأة : يا رسول الله ، إحدانا ليس لها جلباب ؟ قَالَ : لتلبسها صاحبتها من جلبابها . وقال عبد الله بن رجاء : ثنا عمران : ثنا محمد بن سيرين : حدثتنا أم عطية : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا . وإنما ذكر رواية عمران عن ابن سيرين وإن لم تكن على شرطه ؛ لأن فيها التصريح بسماع ابن سيرين له من أم عطية ، وسماع أم عطية له من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن من الرواة من رواه عن ابن سيرين ، عن أخته ، عن أم عطية ، والصحيح : رواية ابن سيرين ، عن أم عطية - : قاله الدارقطني وغيره ؛ فلذلك أشار البخاري إلى رواية عمران المصرحة بذلك . و الجلباب : قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما : هو الرداء ، ومعنى ذلك : أنه للمرأة كالرداء للرجل ، يستر أعلاها ، إلا أنه يقنعها فوق رأسها ، كما يضع الرجل رداءه على منكبيه . وقد فسر عَبيدة السلماني قول الله عز وجل : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ بأنها تدنيه من فوق رأسها ، فلا تظهر إلا عينها ، وهذا كان بعد نزول الحجاب ، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب ، ويرى من المرأة وجهها وكفاها ، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله عز وجل : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ثم أمرت بستر وجهها وكفيها ، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء ، ولهذا قال تعالى : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ يعني : حتى تعرف الحرة فلا يتعرض لها الفساق ، فصارت المرأة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب ، فلهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج في العيدين ، وقيل له : المرأة منا ليس لها جلباب ؟ فقال : لتلبسها صاحبتها من جلبابها - يعني : تعيرها جلبابا تخرج فيه . وإذا علم هذا المعنى ، ففي إدخال هذا الحديث في باب : اللباس في الصلاة نظر ؟ فإن الجلباب إنما أمر به للخروج بين الناس ؛ لا للصلاة ، ويدل عليه : أن الأمر بالخروج دخل فيه الحيض وغيرهن ، وقد تكون فاقدة الجلباب حائضا ، فعلم أن الأمر بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال ، وليس من باب أخذ الزينة للصلاة ؛ فإن المرأة تصلي في بيتها بغير جلباب بغير خلاف ، وإنما تؤمر بالخمار ، كما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ، وحسنه . وفي إسناده اختلاف ، وقد روي موقوفا على عائشة ومرسلا ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري ومسلم ؛ وخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما . وفي رواية لها : لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار . وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم ، أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم أن على المرأة الحرة البالغ أن تخمر رأسها إذا صلت ، وأنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة . قال : وأجمعوا أن لها أن تصلي وهي مكشوفة الوجه . واختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة : فقالت طائفة : عليها أن تغطي ما سوى وجهها وكفيها ، وهو قول الأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال أحمد : إذا صلت تغطي كل شيء منها ، ولا يرى منها شيء ، ولا ظفرها . وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من المرأة عورة ، حتى ظفرها . قلت : قد تقدم أن كشف وجهها في الصلاة جائز بالإجماع ، والخلاف في الكفين ، وفيه عن أحمد روايتان . وقال الحسن : إذا بلغت المحيض فصلت ولم توار أذنيها فلا صلاة لها . وعند أبي حنيفة : لا يجب عليها ستر اليدين ولا القدمين . وأما الوجه ، فقد ذكر ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز كشفه في الصلاة ، وهذا يدل على أن أخذ المرأة الجلباب في صلاة العيدين ليس هو لأجل الصلاة ، بل هو للخروج بين الرجال ، ولو كانت المرأة حائضا لا تصلي فإنها لا تخرج بدون جلباب .
2 - باب وجوب الصلاة في الثياب وقول الله عز وجل : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ومن صلى ملتحفا في ثوب واحد ويذكر عن سلمة بن الأكوع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يزره ولو بشوكة . وفي إسناده نظر . ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطوف بالبيت عريان . أما قوله تعالى : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة ، وقد صح هذا عن ابن عباس ، وأجمع عليه المفسرون من السلف بعده . وقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكره قصة آدم عليه السلام ، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة ، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوراتهما ، فقال الله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ثم قال : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ والمراد بالفاحشة هنا : نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت ، وطوافهم عراة كما كان عادة أهل الجاهلية . ثم قال بعد ذلك : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ والمراد بذلك : أن يستروا عوراتهم عند المساجد ، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك . وقال طائفة من العلماء : إن الآية تدل على أخذ الزينة عند المساجد ، وذلك قدر زائد على ستر العورة ، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات ، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش ، وسترها من الزينة ، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته ؛ ولهذا قَالَ تعالى عقب ذَلِكَ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وروى موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه ، فإن الله أحق من تزين له . خرجه الطبراني وغيره . وقد روى جماعة هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أو عن عمر - بالشك في ذلك . خرجه البزار وغيره . وخرجه أبو داود . كذلك بالشك ، ولم يذكر فيه فإن الله أحق من تزين له . وروي ذكر التزين من قول ابن عمر ، فروي عن أيوب ، عن نافع ، قال : رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد ، قال : ألم أكسك ثوبين ؟ قلت : نعم ، قال : فلو أرسلتك في حاجة كنت تذهب هكذا ؟ قلت : لا . قال : فالله أحق أن تزين له . أخرجه الحاكم وغيره . والمحفوظ في هذا الحديث : رواية من رواه بالشك في رفعه - : قاله الدارقطني . وممن أمر بالصلاة في ثوبين : عمر ، وابن مسعود ، وقال ابن مسعود : إذ وسع الله فهو أزكى . واستدل من قال : إن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ، وبأن من صلى عاريا خاليا لا تصح صلاته ، وبأن المرأة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار ، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها ، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر . وأما الصلاة في ثوب واحد ملتحفا به ، ففيه عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقد خرج البخاري بعضها ، وستأتي في موضعها - إن شاء الله . وأما حديث سلمة بن الأكوع الذي علقه البخاري ، وقال : في إسناده نظر ؛ فهو من رواية موسى بن إبراهيم ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : قلت : يا رسول الله ؛ إني رجل أصيد ، أفأصلي في القميص الواحد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، زره ولو بشوكة . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان فِي صحيحه ، والحاكم وصححه . واستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديث على كراهة الصلاة في قميص محلول الإزار ، منهم : إسحاق بن راهويه ، وسليمان بن داود الهاشمي ، والجوزجاني وغيرهم . وقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميص ليس عليه غيره : يزره ويشده . وقال - أيضا - : ينبغي أن يزره . وقد روى هذا الحديث عن موسى بن إبراهيم : الدَّراوَرْدي - ومن طريقه خرجه أبو داود - وعطاف بن خالد - ومن طريقه خرجه الإمام أحمد والنسائي . وموسى هذا ، زعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، وذكر ذلك عن البرقاني ، وأنه نقله عن أبي داود ، فلزم من ذلك أمران يضعفان إسناده : أحدهما ضعف موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ؛ فإنه متفق عليه . والثاني : انقطاعه ؛ فإن موسى هذا لم يرو عن سلمة ، إنما يروي عن أبيه ، عن سلمة . وذكر أن الطحاوي رواه عن ابن أبي داود ، عن ابن أبي قُتيلة ، عن الدراوردي ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سلمة . قال : فحديث أبي داود على هذا منقطع . هذا مضمون ما ذكره ابن القطان ، وزعم أن هذا هو النظر الذي أشار إليه البخاري بقوله : في إسناده نظر . والصحيح : أن موسى هذا هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، نص على ذلك علي ابن المديني - : نقله عنه القاضي إسماعيل في كتاب أحكام القرآن ، وكذا نقله المفضل الغلابي في تاريخه عن مصعب الزبيري ، وكذا ذكره أبو بكر الخلال في كتاب العلل ، وصرح به - أيضا - من المتأخرين عبد الحق الإشبيلي وغيره ، ولذلك خرج هذا الحديث ابن حبان في صحيحه ؛ فإنه لا يخرج فيه لموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي شيئا ؛ للاتفاق على ضعفه . وقد فرق بين الرجلين يحيى بن معين - أيضا - ففي تاريخ الغلابي عن يحيى بن معين : موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي يضعف ، جاء بأحاديث منكرات . ثم بعد ذلك بقليل ، قال : موسى بن إبراهيم المديني ، يروي عن سلمة بن الأكوع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في القميص الواحد : زره ولو بشوكة - ثبت . وفي تاريخ مضر بن محمد ، عن ابن معين نحو هذا الكلام - أيضا - إلا أنه قال في الذي روى حديث الصلاة في القميص : ليس به بأس ، ولم يقل : ثبت . وكذلك أبو حاتم الرازي ، صرح بالفرق بين الرجلين . قال ابن أبي حاتم في كتابه : موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، روى عن سلمة بن الأكوع ، وعن أبيه عن أنس ، روى عنه عطاف بن خالد ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي ، وعبد العزيز بن محمد ، سمعت أبي يقول ذلك ، وسمعته يقول : موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي خلاف هذا ، ذاك شيخ ضعيف الحديث . انتهى . وتضعيفه التيمي دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف . وكذا فرق بينهما علي ابن المديني ، فيما نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في سؤالاته له ، وقال في التيمي : ضعيف ، ضعيف ، وقال في الذي يروي عن سلمة : كان صالحا وسطا . وكذلك فرق بينهما ابن حبان ، وذكر موسى بن إبراهيم هذا في ثقاته . وكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي ، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على أوهام تاريخ البخاري . وقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة : فروى الشافعي : أنا عطاف بن خالد والدراوردي ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : قلت : يا رسول الله ، إنا نكون في الصيد ، فيصلي أحدنا في القميص الواحد ؟ قال : نعم ، وليزره ، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة . وروى الإمام أحمد في المسند : ثنا هاشم بن القاسم : ثنا عطاف ، عن موسى بن إبراهيم بن أبي ربيعة ، قال : سمعت سلمة بن الأكوع - فذكر الحديث . ورواه الأثرم في سننه : ثنا هشام بن بهرام : ثنا عطاف ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بيعة المخزومي ، أن سلمة بن الأكوع كان إذا قدم المدينة نزل على ابنه إبراهيم في داره ، قال : فسمعته يقول : قلت : يا رسول الله ، إني أكون في الصيد ، وليس علي إلاّ قميص واحد ، أفأصلي فيه ؟ قال نعم ، وزره وإن لم تجد إلا شوكة . وكذلك رواه علي ابن المديني ، عن الدراوردي : أخبرني موسى بن عبد الرحمن ، أنه سمع سلمة بن الأكوع - فذكره . ففي هذه الروايات التصريح بنسبته وبسماعه من سلمة . وأما رواية ابن أبي قتيلة ، عن الدراوردي فلا يلتفت إليها ؛ فإن الشافعي وعلي ابن المديني وقتيبة بن سعيد وغيرهم رووه عن الدراوردي على الصواب ، ولم يكن ابن أبي قتيلة من أهل الحديث ، بل كان يعيبهم ويطعن عليهم ، وقد ذكر عند الإمام أحمد أنه قال : أهل الحديث قوم سوء ! فقال أحمد : زنديق ! زنديق ! زنديق . وقد رواه أبو أويس ، عن موسى بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سلمة - أيضا . ذكره البخاري في تاريخه عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أبيه . قال البيهقي : والأول أصح . يعني : رواية من لم يذكر في إسناده : عن أبيه . وذكر البخاري في تاريخه : موسى بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة ، سمع سلمة بن الأكوع ، روى عنه عطاف بن خالد . وروى عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن موسى بن إبراهيم بن أبي ربيعة عن أبيه ، عن أنس ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد ملتحفا فيه . وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد ، عن أبي عامر العقدي ، عن ابن أبي الموالي . فهذا هو النظر الذي أشار البخاري إلى إسناده في صحيحه ، وهو الاختلاف فِي إسناد الحَدِيْث على موسى بن إبراهيم . وفي كونه علة مؤثرة نظر ؛ فإن لفظ الحديثين مختلف جدا ، فهما حديثان مختلفان إسنادًا ومتنا . نعم ؛ لرواية ابن أبي الموالي ، عن موسى ، عن أبيه ، عن أنس علة مؤثرة ، وهي أن عبد الله بن عكرمة رواه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو : والد موسى - عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد خرج حديثه الإمام أحمد . ولعل هذه الرواية أشبه ؛ فإن متن هذا الحديث معروف عن جابر بن عبد الله ، لا عن أنس . لكن نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه في كلام جاء على أوهام تاريخ البخاري : أن رواية موسى عن أبيه عن أنس ، ورواية إبراهيم والد موسى عن جابر من غير رواية ابنه موسى . وهذا يدل على أن الإسنادين محفوظان . وأما حديث الصلاة في القميص وزره بالشوكة ، فلا يعرف إلا بهذا الإسناد عن سلمة ، فلا يعلل بحديث غيره . والله أعلم . وأما قوله : من صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى ، فهذا فيه غير حديث ، لكنها ليست على شرطه : فروى يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن حديج ، عن معاوية بن أبي سفيان ، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه ؟ قالت : نعم ، إذا لم ير فيه أذى . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وخرج الإمام أحمد من رواية ضمرة بن حبيب ، أن محمد بن أبي سفيان الثقفي حدثه ، أنه سمع أم حبيبة تقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وعلي وعليه ثوب واحد ، فيه كان ما كان . وروى الأوزاعي ، عن يعيش بن الوليد ، عن معاوية بن أبي سفيان ، قال : دخلت على أم حبيبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد ، فقلت : ألا أراه يصلي كما أرى ؟ قالت : نعم ، وهو الثوب الذي كان فيه ما كان . خرجه أبو يعلى الموصلي . ويعيش ثقة ، إلا أني لا أظنه أدرك معاوية . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي ؟ قالَ : نعم ، إلا أن ترى شيئا فتغسله . وقال أبو حاتم الرازي والدارقطني : الصواب وقفه على جابر بن سمرة . وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : هذا الحديث لا يرفع عن جابر بن سمرة . يشير إلى أن من رفعه فقد وهم . وخرج ابن ماجه من رواية الحسن بن يحيى الخشني : ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر ماء ، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به ، قد خالف بين طرفيه ، فلما انصرف قال له عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، تصلي بنا في ثوب واحد ؟ قَالَ : نعم ، أصلي فيه ، وفيه - أي : قد جامعت فيه . والخشني هذا ، قال ابن معين فيه : ليس بشيء . وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطوف بالبيت عريان ؛ فهو حديث صحيح ، وقد خرجه البخاري في موضع آخر من حديث أبي هريرة ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله . وهو من أحسن ما يستدل به على النهي عن الصلاة عريانا ؛ لأن الطواف يشبه بالصلاة ، فالمشبه به أولى . وقد روي عن ابن عباس - مرفوعا ، وموقوفا - : الطواف بالبيت صلاة .
17 - باب الصلاة في الثوب الأحمر 376 - حدثنا محمد بن عرعرة : حدثني عمر بن أبي زائدة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا ، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة . هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة ، مختصرا وتاما ، وقد سبق في أبواب الوضوء بعضه ، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا . والمقصود منه هاهنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس ، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر . قال أبو عبيد : الحلة : برود اليمن من مواضع مختلفة منها . قال : والحلة إزار ورداء ، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين . انتهى . وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد الحبرة - : حكاه عنه عبد الرزاق ، وهو في مسند الإمام أحمد وكتاب الترمذي . وحينئذ ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بردا مخططا فيه خطط حمر ، ولم يكن كله أحمر . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس : باب : الثوب الأحمر ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء . والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة . ثم قال : باب : الميثرة الحمراء ، وخرج فيه من حديث البراء ، قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر . المياثر : مراكب ، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم . وقد قيل : إنها كانت من ديباج أو حرير - : قاله أبو عبيد وغيره . وفسر يزيد بن أبي زياد الميثرة بجلود السباع . وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن مياثر النمور . وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر : خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء . ورواه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة . كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج . وخالفه هشيم ، فرواه عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين . خرجه ابن سعد من هذين الوجهين . والمرسل أشبه . وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر : فرخص فيه ابن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وعلي بن حسين ، وابنه أبو جعفر . وروي عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يلبس بردا أحمر . وفي صحيح مسلم ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له : بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان ، فقال : هذه ميثرتي أرجوان . والأرجوان : الشديد الحمرة . وكرهت طائفة الثياب الحمر ، منهم : طاوس ، ومجاهد ، وعطاء . وروي عن الحسن وابن سيرين ، قالا : هو زينة آل قارون . وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي ، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته . وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة . وروي عن عائشة ، أنها كانت تلبس درعا أحمر . وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة ، خرجها أبو داود وغيره ، يطول ذكرها هاهنا ، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة ، وكره الشديد الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمد ، ورجحه كثير من أصحابنا . وفي صحيح مسلم ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر . وخرجه النسائي ، وزاد فيه : المفدم . والمفدم : المشبع بالعصفر . وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال : إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها . وقد اختلف في لبس المعصفر : فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد . ورخصوا فيه للنساء . وحكى ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن . وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع . خرجه أبو داود . وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء ، كما تقدم ، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة . وهذا القول روي عن ابن عباس ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهن منه . ورخصت طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائل ، وعروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي . وكرهت طائفة المشبع منه - وهو المفدم - دون الخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد . وحكي عن مالك وأحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورد ، وما كان خفيفا . وحكى الترمذي في كتابه هذا القول عن أهل الحديث : أنهم كرهوا لبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفرا . وقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - وقالا : إنما هو مدر أو تراب . وفي كراهة المصبوغ بالمغرة : حديث خرجه أبو داود ، في إسناده مقال . ومن الناس من قال : يكره المعصفر خاصة ، دون سائر ألوان الحمرة . وقال : لم يصح في غيره نهي . ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز ، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري . وزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه ، فأما ما صبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخل في النهي . وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده ، واستحسن لبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة . واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيء من حمرة : هل يكره أم لا ؟ فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عمامة واعتم بها ، فرأى فيها خيطا أحمر ، فردها . وكذلك روى المروذي عن أحمد ، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها حمرة . وخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أرى الحمرة قد علتكم ؟ فقمنا سراعا ، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها . وفي إسناده رجل لا يعرف . وخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قرة : أذكر ابن جريج ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد الله بن سرجس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوما وعليه نمرة ، فقال لرجل من أصحابه : أعطني نمرتك ، وخذ نمرتي ، فقال : يا رسول الله ، نمرتك أجود من نمرتي . قال : أجل ؛ ولكن فيها خيط أحمر ، فخشيت أن أنظر إليه فيفتنني - ؟ فأقر به أبو قرة ، وقال : نعم . وهذا غريب . ورخص فيه آخرون . روي عن الحسن ، وقد سبق . ونص عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر ، قال : لا بأس به . ويستدل لهذا : بحديث لبس النبي صلى الله عليه وسلم حلة حمراء وبردا أحمر ؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .
80 - باب الخوخة والممر في المسجد 466 - حدثنا محمد بن سنان : ثنا فليح : ثنا أبو النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله خير عبدا بَيْن الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله عز وجل ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد ، وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال : يا أبا بكر ، لا تبك ، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر . 467 - حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي : ثنا وهب بن جرير : ثنا أبي ، قال : سمعت يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة ، فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر رضي الله عنه حديث أبي سعيد ، قد رواه - أيضا - مالك ، عن أبي النضر . وخرجه البخاري من طريقه في موضع آخر ، وخرجه مسلم من طريق مالك وفليح - أيضا . وإنما خرج لفليح متابعة ، ولم يخرج حديث ابن عباس ؛ فإنه لا يخرج لعكرمة إلا متابعة - أيضا - وحديث ابن عباس إنما يرويه عنه عكرمة . وقد روى بعضه أيوب ، عن عكرمة ، وخرجه البخاري في موضع آخر . هذه الخطبة التي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم كانت آخر خطبة خطبها على المنبر ، فعرض فيها باختياره لقاء الله على المقام في الدنيا ، وأخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الدنيا ، وخير بين أن يبقى فيها ما شاء الله وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه ، ولكنه لم يصرح بتخييره ، واختاره في نفسه وإنما قال : إن عبدا خير ، فلم يتفطن لذلك أحد غير أبي بكر الصديق ، وكان أبو بَكْر أعلمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأفهمهم عنه ، وهذا من الفهم في العلم الذي يخص الله به من يشاء من عباده . وذكر في هذه الخطبة تخصيص أبي بكر من بين الصحابة كلهم بالفضل ، وأومأ إلى خلافته بفتح بابه إلى المسجد ، وسد أبواب الناس كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى أنه هو القائم بالإمامة بعده ، فإن الإمام يحتاج إلى استطراق المسجد ، وذلك من مصالح المصلين فيه . وفي هذه الخطبة وصى بالأنصار ، وأمر من يلي الأمر بالإحسان إليهم ، وفيه إشارة إلى أنه ليس لهم من الأمر شيء ، كما ظنه من قال منهم للمهاجرين : منا أمير ومنكم أمير . وفي هذه الخطبة أخبر عن نفسه صلى الله عليه وسلم أنه فرط لهم على الحوض - يعني : أنه سابق لهم إلى الحوض - وهو ينتظرهم عنده ، فهو الموعد بينه وبينهم ، وحذر من الاغترار بزهرة الدنيا ، والركون إليها ؛ فإنه كان قد أعطي خزائنها فاختار لقاء ربه قبل ذلك ، وفتحت بعده على أمته . وهذا كله ثابت عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد خرج البخاري في كتابه هذا ، فبعضه من حديث أبي سعيد ، وبعضه من حديث عقبة بن عامر ، وبعضه من حديث ابن عباس ، وبعضه من حديث أنس . وروي - أيضا - أنه صلى الله عليه وسلم وصى في تلك الخطبة بتنفيذ جيش أسامة ، وذكر فضله ، ووصى به خيرا . ونحن نذكر هذه الأحاديث هاهنا . فأما حديث أبي سعيد : فقد خرجه البخاري هاهنا ، وفي غير موضع ، وخرجه مسلم - أيضا . وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من رواية أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ، وهو معصوب الرأس ، فاتبعته حتى قام على المنبر ، فقال : إني الساعة قائم على الحوض ، ثم قال : إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة . قال : فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر ، فقال : بأبي وأمي ، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا . قال : ثم هبط من المنبر ، فما رئي عليه حتى الساعة . وأما حديث عقبة بن عامر : فخرجه البخاري في غزوة أحد من رواية أبي الخير ، عن عقبة ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر ، فقال : إني بين أيديكم فرط ، وأنا شهيد عليكم ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها . قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرجه مسلم - أيضا - وعنده : قال عقبة : فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر . وتوديعه للأحياء والأموات : هو أنه صلى على الموتى واستغفر لهم وهنأهم بما هم فيه من سبقهم للفتن . وتوديعه للأحياء : هو نصيحتهم وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا ، وإيماؤه إلى أنه منتقل عنهم إلى الآخرة ، وأنه سابق لهم إلى الحوض ، فهو موعدهم . وقد كان صلى الله عليه وسلم أتى أهل البقيع بالليل فاستغفر لهم ، ثم ذهب إلى شهداء أحد بالنهار فاستغفر لهم ، ثم رجع فخطب هذه الخطبة ، وودع الأحياء . ففي المسند عن أبي مويهبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع ، وقال : ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع بعضها بعضا ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ، ثم قال : يا أبا مويهبة ، إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي والجنة . ثم انصرف ، فابتدأه وجعه الذي قبضه الله فيه . وذكر ابن سعد بإسناده عن زيد بن أسلم ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، كل مرة يقال له : صل على أهل البقيع ، فيفعل ذلك ، وقال : اللهم اغفر لأهل البقيع ، ثم أمر أن يأتي الشهداء ، فذهب إلى أحد ، فصلى على قتلى أحد ، فرجع معصوب الرأس ، فكان بدء الوجع الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم . وأما حديث ابن عباس : فقد خرجه البخاري هاهنا . وخرج في المناقب - أيضا - من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وعليه ملحفة متعطفا بها ، وعليه عصابة برد دسماء حتى جلس على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، أيها الناس ، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام ، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم . وخرجه ابن سعد في طبقاته ، وزاد فيه : وكان آخر مجلس جلسه حتى قبض صلى الله عليه وسلم . وأما حديث أنس : فخرجه البخاري في المناقب من حديث هشام بن زيد ، عن أنس ، قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم قد عصب على رأسه حاشية برد فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم بالأنصار ؛ فإنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم . وأما أمره صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيش أسامة : فقد خرجه ابن سعد بإسناد فيه ضعف عن عروة - مرسلا - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قتل أبوه وجعفر ، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون ، وقد عسكر بالجرف ، فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك ، ثم وجد من نفسه راحة ، فخرج عاصبا رأسه ، فقال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة - ثلاث مرات - ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم فاستعز به ، فتوفي صلى الله عليه وسلم . وقد خرجا في الصحيحين من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على أسامة ووصى به ، وقال : إنه لخليق بالإمارة . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر . قال الخطابي : معنى قوله : أمن ، أي : أبذل لنفسه وأعطى لماله ، والمن : العطاء من غير استثابة ، ومنه قوله تعالى : هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ وقوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت ، ولم يرد به المنة ؛ فإنها تفسد الصنيعة ، ولا منة لأحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل له المنة على جميع الأمة . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أبا بكر وقد نفى عنه الخلة ، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم ، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما . وفي صحيح مسلم ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا إني أبرأ إلى كل خل من خلته ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، وإن صاحبكم خليل الله . وفي رواية له - أيضا - : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكنه أخي وصاحبي ، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث جندب بن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بخمس يقول : قد كان لي منكم أخلاء وأصدقاء ، وإني أبرأ إلى كل ذي خلة من خلته ، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . والظاهر : أن جندبا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في خطبته هذه ، فإن كان كذلك فلعل خطبته صلى الله عليه وسلم كانت يوم الأربعاء ؛ فإنه توفي يوم الاثنين ، واشتد وجعه يوم الخميس ، كما قال ذلك ابن عباس ، فالظاهر أنه لم يخرج فيه إلى الناس ، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسمعه جندب ، وهذا أظهر - والله أعلم - ؛ فإن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه كانت في ابتداء مرضه ، وكانت مدة مرضه فوق عشرة أيام . والله أعلم . وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى سبب براءته من خلة المخلوقين ، وهو أن الله اتخذه خليلا لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ومن كان خليلا لله فلا يصلح له أن يخالل بشرا . ومن هنا قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما أمر بذبح ولده إسماعيل لتفريغ قلبه من محبته وشدة تعلقه به ، حيث وهب له على الكبر ، فلما بادر إلى اضطجاعه وإخراجه من قلبه امتثالا لأمر الله وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك ؛ لأنه لم يكن المقصود إراقة دمه ، بل تفريغ محل الخلة منه ، حتى لا تزاحم خلة الواحد الأحد محبة الولد . والخلة : هي المحبة المبالغة المخللة لمسالك الروح من القلب والجسد ، كما قيل . قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وِبِهَذَا سُمِّي الخَليلُ خَلِيلا وهذا لا يصح لغير الله ، وإنما يصلح للمخلوق المحبة ، وهي درجة دون الخلة ، فلهذا اقتصر صلى الله عليه وسلم في حق الصديق على الأخوة والمودة ، وهي أخوة الإسلام المشار إليها في حديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا . وقد خرجه في المناقب من حديث أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وفيه : ولكن أخوة الإسلام أفضل . ولعل هذه الرواية أصح ، وأيوب يقدم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط . وكان أبو بكر مقدما على سائر الرجال في المحبة من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا لما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه ؟ قال : عائشة قال : فمن الرجال ؟ قال : أبوها . وقال عمر لأبي بكر يوم السقيفة : أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : سدوا عني كل باب في المسجد ، إلا باب أبي بكر ، وفي حديث ابن عباس : كل خوخة . قال الخطابي : الخوخة : بُويب صغير . قال : وفي أمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديد له ، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد ، وأول ما يصرف التأويل فيه الخلافة ، وقد أكد الدلالة عليها بأمره إياه بإمامة الصلاة التي لها بني المسجد ، ولأجلها يدخل إليه من أبوابه . قال : ولا أعلم دليلا في إثبات القياس والرد على نفاته أقوى من إجماع الصحابة رضي الله عنهم على استخلاف أبي بكر ؛ مستدلين في ذلك باستخلاف النبي صلى الله عليه وسلم إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة ، وإقامته إياه فيها مقام نفسه ، فقاسوا عليها سائر أمور الدين . انتهى . وأشار بإجماع الصحابة في ذلك إلى ما روى ابن مسعود ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . قال : فأتاهم عمر ، فقال : يا معاشر الأنصار ، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر . خرجه الإمام أحمد ، وعلي ابن المديني ، وقال : هو صحيح ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وقد روي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة ، منهم : علي والزبير وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين . وقد دل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إحداث الاستطراق إلى المساجد من البيوت ؛ فإن ذلك نفع يختص به صاحب الاستطراق ، فلا يجوز في المساجد كما لا يجوز الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم . وهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد ، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين ؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه ، بخلاف الاستطراق إلى ملك الجار ، فإنه غير جائز . واستثنى من ذلك الإمام ومن يتبعه ؛ فإن استطراقه إلى المسجد فيه نفع يعود بمصلحة المصلين عموما ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعا له ، ولهذا روي أنه أمر بسد الأبواب غير باب علي ، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه . فلما انقضت مدته صلى الله عليه وسلم من الدنيا سد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر ؛ لأنه الإمام بعده ، واستطراقه إلى المسجد من بيته فيه نفع عام يعود على المصلين كلهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
الحديث الأول : قال : 377 - ثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان : ثنا أبو حازم : سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني ، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عمل ووضع ، فاستقبل القبلة ، كبر وقام الناس خلفه فقرأ ، وركع وركع الناس خلفه ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم قرأ ، ثم ركع ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض ، فهذا شأنه . قال أبو عبد الله : قال علي بن عبد الله المديني : سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ، قال : فإنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . قال : فقلت : إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرا ، فلم تسمعه منه ؟ قال : لا . هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد ، رواه عنه الشافعي وغيره ، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا : كان من أثل الغابة - يعني : منبر النبي صلى الله عليه وسلم - وقد خرج هذا القدر منه عن سفيان في مسنده . وكان سفيان يختصر الحديث أحيانا . وإنما خرج أحمد بتمامه في مسنده من طريق عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ، وقال في آخر الحديث : فلما انصرف قال : يا أيها الناس ، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ، وتعلموا صلاتي . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من كتابه ، ومسلم - أيضا - من حديث يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، بهذه الزيادة . ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا : الاستدلال على جواز الصلاة على ما يوضع على الأرض من منبر وما أشبهه كالسرير وغيره . وما ذكره البخاري عن علي ابن المديني ، أن أحمد بن حنبل سأله عن هذا الحديث ، وقال : إنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . فهذا غريب عن الإمام أحمد ، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه ، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره ، فنقلوا عن أحمد : الرخصة في علو الإمام على المأموم . وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه ، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم ، وذكره الخرقي ومن بعده ، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان ، عن أحمد ، أنه قال : لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه ، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه أرفع . وممن كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم : النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي . وقد روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه أنه كرهه ، ونهى عنه . وخرج أبو داود من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو ينهى عن ذلك - ؟ قال : قد ذكرت حين مددتني . ومن رواية ابن جريج : أخبرني أبو خالد ، عن عدي بن ثابت ، قال : حدثني رجل ، أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة ، فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي ، والناس أسفل ، فتقدم حذيفة ، فأخذ على يديه ، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مقام أرفع من مقامهم - أو نحو هذا ؟ قال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي . ورخص طائفة في ارتفاع الإمام على المأمومين . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أم الناس فوق كنيسة وهم تحتها . وروي نحوه عن سحنون . وأما مذهب الشافعي ، فإنه قال : أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع ، ليراه من وراءه ، فيقتدوا بركوعه وسجوده . قال : وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويا مع المأمومين ؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على المنبر إلا مرة . وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم ، واختاره ابن المنذر ، وقال : إذا لم يرد التعليم فهو مكروه ؛ لحديث ابن مسعود . ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك . والذين كرهوا ذلك مطلقا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر : فمنهم من قال : قد يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه ، ولا يكون ذلك مكروها في حقه في تلك الحال ، ويكره لغيره بكل حال . وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره ، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه . ومنهم من قال : المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعا كذراع ونحوه ، فإنه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به ، وهو مكروه ، فأما الارتفاع اليسير فغير مكروه ، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقوفه على درجة المنبر الأولى ، فلا يكون ذلك ارتفاعا كثيرا . وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا . وقياس المذهب : أنه يرجع فيه إلى العرف . وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدر بما زاد على قامة الإنسان . واستغرب ذلك أبو بكر الرازي . واختلف القائلون بكراهة ذلك : هل تبطل به الصلاة ، أم لا ؟ فقال أكثرهم : تكره الصلاة ، ولا تبطل . وقد تقدم أن الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعا عليهم ، ولم يستأنفوا الصلاة . وقالت طائفة : تبطل الصلاة بذلك ، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا ، وحكي عن الأوزاعي نحوه . واختلف أصحابنا : هل النهي متوجه إلى الإمام ، أن يعلو على من خلفه ، أم النهي متوجه إلى المأموم ، أن يقوم أسفل من إمامه ؟ على وجهين : أحدهما : أن النهي للإمام . فإن قلنا : إن هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة الإمام . وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمام ، صلاته فاسدة . والثاني : أن النهي متوجه إلى المأمومين خاصة . فعلى هذا ؛ إن كان الإمام في العلو وحده ، وقلنا : هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام ؛ لأنه صار منفردا ، وقد نوى الإمامة ، وهذا مبطل عند أصحابنا . وإن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه ، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق . واعلم ؛ أنه لم يقع في صحيح البخاري حكاية قول لأحمد في غير هذه المسألة ، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه ، ولم أعلم أحدا منهم حكى ذلك عن أحمد ، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في كتاب الجامع الصغير له وجها . والله أعلم . وفي قول سهل بن سعد : لم يبق أعلم بالمنبر مني : دليل على أن من اختص بعلم ، فإنه لا يكره له أن ينبه على اختصاصه به ؛ ليؤخذ عنه ، وتتوفر الهمم على حفظه وضبطه عنه ، وقد سبق في كتاب : العلم شيء من ذلك . وبقية فوائد الحديث تذكر في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى .
الحديث الثاني : قال : 378 - ثنا محمد بن عبد الرحيم : ثنا يزيد بن هارون : أبنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط عن فرس فجحشت ساقه - أو كتفه - وآلى من نسائه شهرا ، فجلس في مشربة له درجها من جذوع النخل ، فأتاه أصحابه يعودونه ، فصلى بهم جالسا وهم قيام ، فلما سلم قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإن صلى قائما فصلوا قياما . ونزل لتسع وعشرين ، فقالوا : يا رسول الله ، إنك آليت شهرا ؟ فقال : إن الشهر تسع وعشرون . قال الخطابي : الجحش : الخدش ، أو أكبر منه . و المشربة : شبه الغرفة المرتفعة عن وجه الأرض . وضبط غيره : راءها بالفتح والضم . ومقصود البخاري بتخريج الحديث هاهنا : أنه تجوز الصلاة في الغرف والعلالي . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اعتزل في هذه المشربة شهرا لهجره لنسائه ، ولم يدخل إلى نسائه حتى فرغ الشهر ، ولم ينقل : هل كان قد برئ مما أصابه قبل الشهر ، أم لا ؟ والله أعلم بذلك . وفي الحديث : دليل على أن المريض الذي يشق عليه حضور المسجد له الصلاة في بيته ، مع قرب بيته من المسجد . وفيه : أن المريض يصلي بمن دخل عليه للعيادة جماعة ؛ لتحصيل فضل الجماعة . وقد يستدل بذلك على أن شهود المسجد للجماعة غير واجب على الأعيان ، كما هو رواية عن أحمد ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بإعادة صلاتهم في المسجد ، بل اكتفى منهم بصلاتهم معه في مشربته . وأما صلاة القائم خلف الجالس ، فقد بوب البخاري عليها في موضع آخر ، ويأتي الكلام عليها فيه - إن شاء الله تعالى - وكذلك بقية فوائد الحديث .
18 - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ولم ير الحسن بأسا أن يصلى على الجمد والقناطر ، وإن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة . وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإمام . وصلى ابن عمر على الثلج . مقصود البخاري بهذا الباب : أنه تجوز الصلاة على ما علا على وجه الأرض ، سواء كان موضوعا عليها وضعا ، كمنبر وسرير من خشب أو غيره ، أو كان مبنيا عليها ، كسطح المسجد وغرفة مبنية عليه أو على غيره ، وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوب ، كالثلج والجليد . فهذه ثلاث مسائل : الأولى : الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها ، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه ، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء . قال أبو طالب : سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع ؟ قال : نعم ، إذا كان يمكنه مثل السطح . وقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب ؟ قال : لا بأس به . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسِرّة وأشباهها . وليس في هذا اختلاف بين العلماء ، إلا خلاف شاذ قديم . روى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن سُميع ، عن علي بن كثير ، قال : رأى عمار رجلا يصلي على رابية ، فمده من خلفه ، فقال : هاهنا صل في القرار . ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته ، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله تعالى . المسألة الثانية : الصلاة فيما بني على وجه الأرض كغرفة في المسجد ، أو فوق سطح المسجد ، وكله جائز لا كراهة فيه بغير خلاف ، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها ؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها : فمنها : صلاة المأموم فوق سطح المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد ، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فعله . وحكى ابن المنذر فعل ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله . قال : وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكي عن مالك : أنه إن صلى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرا . ومذهب مالك : أن الجمعة لا تصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام . وفي سائر الصلوات عنه روايتان : الجواز ، والكراهة ، وهي آخر الروايتين عنه . وممن يرى جواز ذلك : الثوري وأحمد وإسحاق . وروى سفيان ، عن يونس بن عبيد ، عن عبد ربه ، قال : رأيت أنس بن مالك صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام . واحتج أحمد بهذا . وروى ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : رأيت أبا هريرة يصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام . واشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام ، أو يسمع قراءته - : نقله عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك . واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي - : إيصال الصفوف دون قرب الإمام . وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام : إن كان بينهما طريق أو نهر فلا . قيل له : فأنس صلى يوم الجمعة في سطح ؟ فقال : يوم جمعة لا يكون طريق الناس . يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين ، فتتصل الصفوف . قال أبو طالب : فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم ؟ فقال أحمد : ذاك تطوع . ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف . ونقل حرب ، عن أحمد خلاف ذلك ، في امرأة تصلي فوق بيت ، وبينها وبين الإمام طريق ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر أن أنس بن مالك كان يفعل ذلك . ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، أن ذلك يجوز يوم الجمعة ، إذا ضاق المكان ، كما فعل أنس . وظاهر هذه الرواية : أنه لا يجوز لغير ضرورة . والمذهب المشهور عنه : جوازه مطلقا ، كما تقدم . وذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني : أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام ، والإمام على المأموم ، خلافا لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما . ومنها : إذا بني على قنطرة مسجد أو غيره ، فإنه تجوز الصلاة إليه ، حكاه عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك . روى حرب بإسناده ، عن همام : سئل قتادة عن المسجد يكون على القنطرة ؟ فكرهه . قال همام : فذكرت ذلك لمطر ، فقال : كان الحسن لا يرى به بأسا . قال حرب : وقلت لأحمد : المسجد يبنى على القنطرة ؟ فكرهه ، وذكر : أراه عن ابن مسعود كراهته . ونقل المروذي عن أحمد ، قال : كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بني على القنطرة . قال : وقلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : ترى أن أصلي في مسجد بني على ساباط ؟ قال : لا ؛ هذا طريق المسلمين . وأصل هذه المسألة : أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله ، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق ، ولا البناء عليه . والنهر الذي تجري فيه السفن حكمه عنده كحكم الطريق ، لا يجوز البناء عليه . ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريق الواسع ، إذا لم يضر بالمارة . ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام ، وحكي رواية عن أحمد - أيضا . قال الشالنجي : سألت أحمد : هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يضيّق الطريق . قال : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : لا بأس بذلك ، إلا أن يكون في الثغر مخافة العدو . وبه قال أبو خيثمة . والبخاري يميل إلى الجواز ، وقد ذكره في أبواب : المساجد ، وفي البيوع ، واستدل بحديث الهجرة ، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدا يقرأ فيه القرآن . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيع وحرب بإسنادهما ، عن ابن سيرين ، أنه رأى مسجدا فوق قنطرة تحتها قذر ، فقال : كان ابن مسعود يكره الصلاة في مثل هذا . وهذه الكراهة : يحتمل أن تكون لكون القنطرة طريقا للناس ، فلا يبنى عليها ، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد ؛ فإن في جواز الصلاة في علو الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحش ونحوه لأصحابنا وجهين . ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته ، وإن تحرك بحركته ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي . وحكي عن الحنفية ، أنه إن تحرك بحركته لم تصح ، وإلا صحت . وقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه يصلي على القناطر وإن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة . فأما إن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا ، وأما إن كان أمامها أو فوقها ، وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه . وعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان : إحداهما : تصح مع الكراهة . والثانية : لا تصح ، وهي اختيار ابن حامد وغيره . ولا يكفي حائط المسجد ، ولا يكون حائلا - : نص عليه أحمد . ومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلَّى ، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد . ونقل حرب عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف ، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد ، وإن صلى فيه أعاد ، وإن كان للكنيف سترة من لُبُود ، فلا يصلي في المسجد من ورائه ، وإن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس . ونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس . ورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة . وقال الأوزاعي ، في رجل يصلي وبين يديه حش ، ودونه جدار من قصب ، وهو يصلي نحوه : لا أعلم به بأسا . وقال الليث بن سعد : كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره ، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مربدا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم منهن ، فاتخذته دارا . ولكن ؛ عبد الله بن نافع منكر الحديث : قَالَه البخاري وغيره . والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل ، واستدل بما استدل به ، ولا دلالة فيه ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وعند الشافعي وأصحابه : تكره الصلاة على مدفن النجاسة ، وتصح . ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة أيضا . وحكي عن ابن حبيب المالكي ، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته ، إلا أن تكون بعيدة جدا . المسألة الثالثة : إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد ، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد . ومعناه : إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه . وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ؛ فإنه يصير قرارا متمكنا كالأرض ، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة . وحكى البخاري عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج . ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه . ونقل عنه حرب ، قال : يبسط عليه ثوبًا ويصلي . قلت : فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده ؟ قال : إن أمكنه السجود عليه سجد ، وإلا أومأ . قال : وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر ، وسهل فيه . قَالَ : وسمعت إسحاق - يعني : ابن راهويه - يقول : إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك ، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك ، أو أدخلهما كميك ، ثم اسجد كذلك . قال : وسمعته - مرة أخرى - يقول : إن كنت في ردغة أو ماء أو ثلج ، لا تستطيع أن تسجد ، فأومئ إيماء ، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما . انتهى . وأنس إنما صلى على راحلته في الطين ، لا على الأرض . وحاصل الأمر : أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر ، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه ، وأجزأه أن يومئ . ولأصحابنا وجه آخر : أنه يلزمه السجود عليه بكل حال ، ولا يجزئه الإيماء . والثلج نوعان : تارة يكون متجلدا صلبا ، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم ، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه ، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما . ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر ، صرح بذلك طائفة من أصحابنا ، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطًا ، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه ، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء . وللشافعية في ذلك وجهان : أصحهما عندهم : أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته ، ولا تصح صلاة بدون ذلك . والثاني : لا يجب ذلك . ولهم - أيضا - في الصلاة على الأرجوحة ، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان ، أصحهما : الصحة . وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : سمعت ابن عباس يقول : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من أمر الصلاة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض ، حتى تجد حجم الأرض . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده لين . وروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه - : ثنا سويد بن عبد العزيز ، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط بساطا ثم صلى عليه ، وقال : إن الثلج لا يتيمم به ، ولا يصلى عليه . واحتج إسحاق بهذا الحديث . وإسناده ضعيف ؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان . وقد روى أبو عبيد في كتاب الطهور بإسناد آخر ، وفيه ضعف - أيضا - : أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام ، فقال : إن الثلج لا يتيمم به . ولم يذكر الصلاة . واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء : هل يومئ بالسجود ، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء ؟ على روايتين عنه . وقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه : لم يوجب أحمد السجود على الماء ؛ لأنه ليس بقرار ، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومئ في الماء إلى قرب الأرض ، وإن غاص وجهه في الماء . وهذا الذي قاله بعيد جدا . وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين : فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد ، وإلا أومأ . وقال أبو بكر الخلال : قول أحمد : يومئ ، يريد بالركوع . وقوله : يسجد على متن الماء ، في السجود . فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا . ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه ، وإنما عليه أن يومئ ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافًا ، بل قال ابن أبي موسى : لا يلزمه ذلك - قولا واحدا . ومنهم من خرج فيه وجها آخر : بوجوب السجود على الطين إذا قلنا : لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته ، بل تلزمه الصلاة بالأرض ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها ابن أبي موسى . وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين ، ووجه الفرق : أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار بالأرض دون امتناع السجود بالأرض ، ولأن في السجود على الطين ضررا ؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه ، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه ، فلا يلزمه ، بخلاف السجود على متن الماء . وممن قال : يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين : أبو الشعثاء وعمارة بن غزية . وفيه حديث مرفوع : خرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء ، عن أبيه ، عن علقمة بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا لم يقدر أحدكم على الأرض ، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماء . وفي رواية لابن عدي : أو في ماء أو في ثلج . ومحمد بن فضاء ، ضعيف ؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما . ومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرض ، ولا يصلي على الراحلة . واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين : فروي عنه : أنه يسجد عليه . وروي عنه : أنه يومئ . وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين : فالحال التي يسجد عليه : إذا كان خفيفا ، كما سجد النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه في الماء والطين ، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين . والحال التي يومئ : إذا كان كثيرا ، يغرق فيه المصلي . ونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ ، ولم يسجد عليه . وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد . خرج البخاري في هذا الباب حديثين :
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-42
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة