باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
من حديث الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه خرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عبد الله . ثم قال : وقال أبو معاوية : حدثنا داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال عبد الأعلى ، عن داود ، عن عامر ، عن عبد الله .
ومقصود البخاري بهذا أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله . وداود بن أبي هند رواه عن الشعبي ، واختلف عليه فيه ؛ فقال عبد الأعلى : عن داود كذلك ، وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله - فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو . وإنما احتاج إلى هذا ؛ لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض ، وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه ؛ فإن أئمة أهل الحديث ما زالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد بلدان الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء ، وما أشبه ذلك .
وهذا الحديث قد رواه الشعبي وهو من أهل الكوفة ، عن عبد الله بن عمرو وهو حجازي نزل مصر ولم يسكن العراق ؛ فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه . وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة ، فسمع منه أهل الكوفة كأبي وائل ، وزر بن حبيش ، والشعبي . وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو من رواية يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده .
وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري . وأما رواية المسلم فتقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ؛ فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ؛ فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد ؛ فأذى اليد الفعل ، وأذى اللسان القول . والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وصف المسلم بهذا في هذا الحديث ؛ لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جهله .
ويشبه هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب في حجة الوداع ، وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم - أتبع ذلك بقوله : سأخبركم من المسلم ! من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم . خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث فضالة بن عبيد . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يجمع لمن قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال : أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك .
وفيه - أيضا - عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسلم ، فقال له : أسألك بوجه الله ! بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : بالإسلام . قال : قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة . وكل مسلم على مسلم محرم .
وذكر الحديث ، وقال فيه : قلت : يا رسول الله ، هذا ديننا ؟ قال : هذا دينكم . وخرجه النسائي بمعناه . وقوله : والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه .
فأصل الهجرة هجران الشر ومباعدته ؛ لطلب الخير ، ومحبته ، والرغبة فيه . والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام ؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به . وإذا كان كذلك فأصل الهجرة أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك هجران بلد الشرك مع القدرة عليه .