حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل

حديث الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى رهطا وسعد جالس ، فترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا هو أعجبهم إلي ، فقلت : يا رسول الله ، ما لك عن فلان ؛ فوالله ، إني لأراه مؤمنا ؟ فقال : أو مسلما . فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فقلت : يا رسول الله ، ما لك عن فلان ؛ فوالله ، إني لأراه مؤمنا ؟ قال : أو مسلما . فسكت قليلا ، ثم غلبني ما أعلم منه ، فعدت لمقالتي ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا سعد ، إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار .

خرجه من طريق شعيب عن الزهري ، ثم قال : رواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري ، عن الزهري . وقد رواه ابن أبي ذئب أيضا عن الزهري كذلك . ورواه العباس الخلال ، عن الوليد بن مسلم ، عن ابن وهب ، ورشدين بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأخطئا في ذلك ، نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفى عنه الإيمان ، وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي ، وهو أيضا قول محمد بن نصر المروزي . وهذا في غاية البعد ، وآخر الحديث يرد على ذلك ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ؛ فإن هذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكله إلى إيمانه ، كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ، ويمنع المهاجرين والأنصار .

وزعم علي ابن المديني في كتاب العلل له أن هذا من باب المزاح من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن بل مسلم ، وهما بمعنى واحد كما يقول لرجل يمازحه وهو يدعي أنه أخ لرجل فيقول : إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه ، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد . وهذا تعسف شديد . والظاهر - والله أعلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن ، فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : إن كنت مادحا لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا .

وأمره أن يشهد بالإسلام ؛ لأنه أمر مطلع عليه كما في المسند عن أنس مرفوعا الإسلام علانية ، والإيمان في القلب . ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن ، وقالوا : هو صفة مدح ، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها ، وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره . فأما حديث إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان - فقد خرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد مرفوعا .

وقال أحمد : هو حديث منكر ، ودراج له مناكير ، والله أعلم . وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان . وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله عز وجل : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ؛ فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم ؛ فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا ، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ، ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن .

والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر قرينه من الجن : ولكن الله أعانني عليه ، فأسلم . وقد روي بضم الميم وفتحها ؛ فمن رواه بضمها قال : المراد أي أنا أسلم من شره . ومن رواه بفتحها ؛ فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما .

وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في مسنده بإسناد فيه ضعف . ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها ، وهو تفسير ابن عيينة وغيره . فيطابق على هذا ترجمة الباب ، والله أعلم .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث