باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر
حديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ، فرفعت ، فعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس . إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي ، والتلاحي قد فسر بالسباب ، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب . ويؤيد هذا أنه جاء في رواية في صحيح مسلم : فجاء رجلان يحتقان أي : يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ، ويخاصمه في ذلك .
فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم . وإنما رجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك خيرا ؛ لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله أو أوتاره في طلبها ، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته . ولكن بيان تلك الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها ، فرفع ذلك بسبب التلاحي .
فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين . وقال ابن سيرين : ما اختلف في الأهل حتى قتل عثمان . فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم ، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه ؛ إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة .
ومن فسر التلاحي بالاختصام قال : مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ، ولا يترتب عليه حكم الفسوق ؛ لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين . وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي ، وفيه نظر ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام مع كونه فسوقا ؛ ولهذا قال في الحديث : فتلاحى رجلان من المسلمين ، فسماههما مسلمين مع تلاحيهما .
وفي مسند البزار من حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر ، وملاحاة الرجال . وفي إسناده عمرو بن واقد الشامي ، وهو ضعيف جدا . وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة .
ولكن رواه الأوزاعي ، عن عروة بن رويم - مرسلا . خرجه أبو داود في مراسيله .