حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب مَنْ أفَاضَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثًَا

من طريق : شعبة ، عن مخول بن راشد ، عن محمد بن علي ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفرغ على رأسه ثلاثًا . الحديث الثالث : قالَ البخاري : 256 - نا أبو نعيم : نا معمر بن يحيى بن سام : حدثني أبو جعفر : قالَ لي جابر : أتاني ابن عمك - يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية - قالَ : كيف الغسل من الجنابة ؟ فقلت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاث أكف ، فيفيضها على رأسه ، ثم يفيض على سائر جسده ، فقالَ لي الحسن : إني رجل كثير الشعر ، فقلت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منك شعرًا . وقد خرجه مسلم من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر - بمعناه ، وقد تقدم لفظه .

وخرج مسلم أيضًا من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، أن وفد ثقيف سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إن أرضنا أرض باردة ، فكيف بالغسل ؟ فقالَ : ( أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثًا ) . وقد سبق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كانَ يصب على رأسه ثلاثًا ، من حديث عائشة وميمونة أيضًا . وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر .

خرجه البخاري من حديث القاسم ، عن عائشة ، قالَت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفيه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقالَ بهما على وسط رأسه . وخرجه مسلم ، وعنده : فأخذ بكفيه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم أخذ بكفيه ، فقالَ بهما على رأسه . والظاهر - والله أعلم - أنه كانَ يعم رأسه بكل مرة ، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين ، وفي الثانية بجهة اليسار ، ثم يصب الثالثة على الوسطى .

وقد زعم بعضهم أنه لم يكنَ يعم رأسه بكل مرة ، بل كانَ يفرغ واحدة على شقه الأيمن ، وواحدة على شقه الأيسر ، ويجعل الثالثة للوسط من غير تعميم للرأس بكل واحدة . هكذا ذكره القرطبي وغيره ممن لا يستحب التثليث في الغسل ، وهو خلاف الظاهر . وقد روي من حديث عمر مرفوعًا أنه يدلك رأسه في كل مرة ، وقد ذكرناه فيما تقدم .

وقد ذكره البخاري فيما بعد ( باب : من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل ) . وخرج فيهِ حديث صفية بنت شيبة عن عائشة قالت : كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيدها ثلاثًا فوق رأسها ، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن ، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر . وخرجه أبو داود ، ولفظه : كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا - تعني : بكفيها جميعًا - فتصب على رأسها ، وأخذت بيد واحدة ، فتصبها على هذا الشق ، والأخرى على الشق الآخر .

وظاهر هذا أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثًا أن تأخذ حفنة بيدها ، فتصبها على شق رأسها الأيمن ، ثم تأخذ حفنة أخرى ، فتصبها على شقه الأيسر ، فيصير على رأسها خمس حفنات . وقد روي هذا صريحًا عن عائشة من وجه آخر ، من رواية صدقة بن سعيد الحنفي : نا جميع بن عمير - أحد بني تيم الله بن ثعلبة - قالَ : دخلت مع أمي وخالتي على عائشة ، فسألتها إحداهما : كيف كنتم تصنعون عندَ الغسل ؟ فقالت عائشة : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات ، ونحن نفيض على رءوسنا خمسًا من أجل الضفر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

وجميع قالَ البخاري : فيهِ نظر . [و] قالَ أبو حاتم الرازي : هوَ من عتق الشيعة ، محله الصدق ، صالح الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليهِ أحد .

وذكره ابن حبان في ( كتاب الثقات ) ، ثم ذكره في ( كتاب الضعفاء ) ، ونسبه إلى الكذب . وصدقة بن سعيد ، قالَ البخاري : عنده عجائب . وقال أبو حاتم : شيخ ، وقال الساجي : ليس بشيء .

وذكره ابن حبان في ( الثقات ) . وقد تابعه العلاء بن صالح ، فرواه عن جميع ، ولكن قالَ : جميع بن كثير عن عائشة ، فوقفه ولم يرفعه . خرجه عنه أبو نعيم الفضل بن دكين في ( كتاب الصلاة ) .

وقال الدارقطني : المرفوع أشبه . وقد روي ما يخالف هذا ، وأن المرأة تفرغ على رأسها ثلاثًا من غير زيادة ؛ ففي ( صحيح مسلم ) ، عن أم سلمة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ فقالَ : ( لا ، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ) . وفيه - أيضًا - عن أبي الزبير ، عن عبيد بن عمير ، قالَ : بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن ، فقالت : يا عجبًا لابن عمرو هذا ! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن ! أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن ؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات .

وخرجه النسائي ، وعنده : فأفيض على رأسي ثلاث إفراغات ، ولا أنقض لي شعرًا . وفي ( سنن أبي داود ) ، عن ثوبان ، أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الجنابة ، فقالَ : ( أما الرجل فلينشر رأسه ، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه ؛ لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها ) . وأكثر العلماء على أن المرأة لا تنقض رأسها لغسلها من الجنابة ، وروي عن طائفة يسيرة أنها تنقضه ، منهم : عبد الله بن عمرو بن العاص ، والنخعي ، وأبو بكر بن أبي شيبة .

وهذا إذا وصل الماء إلى بواطن الشعر ، فإن لم يصل إلى دواخله بدون النقض ففي وجوب نقضه لغسل باطن الشعر قولان : أحدهما : أنه واجب ، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأكثر أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة . وروي عن ابن عباس ، قالَ : لو اغتسل إنسان من جنابة ، فبقيت شعرة لم يصبها الماء - لم يزل جنبًا حتى يصيبها الماء . خرجه أبو نعيم الفضل : ثنا مندل ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير - عنه .

ومندل فيهِ ضعف . والثاني : لا يجب ، وحكي عن مالك ، وأبي حنيفة ، والخرقي من أصحابنا . ورجحه صاحب ( المغني ) منهم .

وهؤلاء جعلوا الشعر كالمنفصل عن البدن ، ولم يوجبوا سوى إيصال الماء إلى بشرة الرأس خاصة . وفرقت طائفة بين الرجال والنساء ، فأوجبوا النقض على الرجل دون المرأة ؛ لحديث ثوبان ، حكاه القرطبي وغيره . وهذا هوَ الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وأن الرجل يجب عليهِ نقض شعره بخلاف المرأة .

لكن قالوا : إن كانَ شعر المرأة غير مضفور وجب غسله ، كما يجب غسل شعر لحية الرجل . ونقل مهنا عن أحمد أن المرأة في غسل الجنابة كالرجل . وظاهر هذا يدل على أن حكمهما في نقض الشعر سواء ، وفي عدد حثيات المرأة على رأسها كالرجال سواء ، لا تزيد على ثلاث .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث