باب من اغتسل عريانًا وحده في خلوة ومن تستر والتستر أفضل
من حديث : معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( كانَ بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده ، فقالوا : والله ، ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ! فذهب مرة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره ، يقول : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر ! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى ، فقالوا : والله ، ما بموسى بأس ! وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضربًا ) . قالَ أبو هريرة : والله ، إنه لندب بالحجر - ستة أو سبعة - ضربًا بالحجر . 279 - وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( بينا أيوب – عليه السلام - يغتسل عريانًا ، فخر عليهِ جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ، ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قالَ : بلى وعزتك ، ولكن لا غنى بي عن بركتك ) .
ورواه إبراهيم ، عن موسى بن عقبة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانًا ) . وخرج البخاري في ( أخبار الأنبياء ) من ( صحيحه ) هذا قصة موسى عليه السلام ، من وجه آخر ، من رواية عوف ، عن ابن سيرين والحسن وخلاس ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن موسى عليه السلام كانَ رجلًا حييًا ستيرًا ، لا يرى من جلده شيء ، استحياء منه . فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده ، إما برص وإما أدرة وإما آفة .
وإن الله أراد أن يبرئه ، فخلا يومًا وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل . فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه ، وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر . حتى انتهى إلى ملإ بني إسرائيل ، فرأوه عريانًا ، أحسن ما خلق الله .
وأبرأه الله مما يقولون ، وقام الحجر ، فأخذ ثوبه فلبسه . وطفق بالحجر ضربًا ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا ، فذلك قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾( الأدرة ) : انتفاخ الخصية . و( الندب ) : الأثر الباقي في الحجر من ضرب موسى - عليه السلام - لهُ .
قالَ الخطابي : وفيه من الفقه جواز الاطلاع على عورات البالغين ؛ لإقامة حق واجب كالختان ونحوه . قلت : هذا فيهِ نظر ؛ فإن موسى - عليه السلام - لم يقصد التعري عندَ بني إسرائيل ؛ لينظروا إليه ، وإنما قدر الله لهُ ذَلِكَ حتى يبرئه عندهم مما آذوه به . وقد يقال : إن الله لا يقدر لنبيه ما ليس بجائز في شرعه .
وأما الاستدلال به على جواز الاغتسال في الخلوة عريانًا فهوَ مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم يأت شرعنا بخلافه . وقد استدل بهذا على جواز الغسل في الخلوة عريانًا إسحاق بن راهويه أيضا ، وذكر أنه وإن كانَ شرع من قبلنا ، إلا أنه لم يرد شرعنا بخلافه . وقد يمنع هذا من يقول : قد ورد شرعنا بالتستر في الخلوة أيضا وسيأتي بيان ذَلِكَ في الباب الآتي إن شاء الله تعالى .
وقد روى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( إن موسى بن عمران - عليه السلام - كانَ إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه ، حتى يواري عورته في الماء ) . خرجه الإمام أحمد . وعلي بن زيد هوَ ابن جدعان ، متكلم فيهِ .
وكذا القول في الاحتجاج بحديث أيوب - عليه السلام - عريانًا . وأما الطريق الذي ذكره البخاري تعليقًا لحديث اغتسال أيوب عليه السلام - فخرجه الإمام .