باب الجنب يتوضأ ثم ينام
حديث : مالك ، عَن عبد الله بن دينار ، عَن ابن عمر قالَ : ذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهُ تصيبه الجنابة مِن الليل ، فقالَ لهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( توضأ ، واغسل ذكرك ، ثم نم ) . ورواه ابن عيينة ، عَن عبد الله بن دينار ، عَن ابن عمر ، عَن عمر ، أنهُ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينام أحدنا وَهوَ جنب ؟ قالَ : ( نعم ، ويتوضأ إن شاء ) . خرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) مِن طريق أحمد بن عبدة ، عَن سفيان .
ورواه بشر بن مطر ، عَن ابن عيينة ، عَن عبد الله بن دينار ، عَن ابن عمر - أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينام أحدنا وَهوَ جنب ؟ فقالَ : ( ليتوضأ ، ولينم ، وليطعم إن شاء ) . وكذا رواه الحميدي ، عَن سفيان . وهذه الزيادات لا تعرف إلا عَن ابن عيينة .
ورواه سفيان الثوري ، عَن عبد الله بن دينار ، وقال في حديثه : ( ويتوضأ وضوءه للصلاة ) . وقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث ، وقالوا : إن الجنب إذا أراد النوم غسل ذكره ، وتوضأ . وممن أمر بذلك علي ، وابن عمر ، وعائشة ، وشداد بن أوس ، وأبو سعيد الخدري ، وابن عباس .
وَهوَ قول الحسن ، وعطاء ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء ، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ . ومنهم مِن قالَ : هوَ واجب ويأثم بتركه . وَهوَ رواية عَن مالك ، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه ، وَقول طائفة مِن أهل الظاهر .
ونقل مثنى الأنباري عَن أحمد ، في الجنب ينام مِن غير أن يتوضأ : هل ترى عليهِ شيئًا ؟ قالَ : فلم يعجبه ، وقال : يستغفر الله . وهذا يشعر بأنهُ ذنب يستغفر منهُ . ونص على أنهُ يتوضأ وضوء الصلاة كاملًا ، واحتج بحديث عائشة : ( توضأ وضوءه للصلاة ) .
وروي عَن ابن عمر أنهُ كانَ يتوضأ وضوء الصلاة سوى غسل رجليه . وروي عَنهُ أنهُ كانَ يغسل يديه ووجهه . وعن سفيان الثوري رواية أنهُ يغسل كفيه ، ثم ينام .
وحكى ابن عبد البر عَن طائفة مِن العلماء أنهم حملوا الوضوء عند النوم للجنب على غسل الأذى والفرج وغسل اليدين . وهذا ترده رواية ( توضأ وضوءه للصلاة ) . وروي عَن عائشة أنهُ يتوضأ ، أو يتيمم .
قالَ ابن أبي شيبة : نا عثام بن علي ، عَن هشام ، عن أبيه ، عَن عائشة ، في الرجل تصيبه جنابة مِن الليل ، فيريد أن ينام ؟ قالت : يتوضأ ، أو يتيمم . وروي مرفوعًا خرجه الطبراني مِن طريق عمار بن نصر أبي ياسر : نا بقية بن الوليد ، عَن إسماعيل بن عياش ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا واقع بعض أهله ، فكسل أن يقوم - ضرب يده على الحائط ، فتيمم . وهذا المرفوع لا يثبت ، وإسماعيل بن عياش رواياته عَن الحجازيين ضعيفة ، وعمار بن نصر ضعيف ، ورواية عثام الموقوفة أصح .
ولا فرق في نوم الجنب بين نوم الليل والنهار ، حكاه إسحاق بن راهويه عَن بعض العلماء ، ولم يسمه . واختلفوا : هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل ؟ أم لا ؟ فقالت طائفة : هما سواء ، وَهوَ قول الليث ، وحكي رواية عَن أحمد ، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل . والثاني : أن الكراهة تختص بالرجل دونَ المرأة ، وَهوَ المنصوص عَن أحمد .
ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يأمرها بالوضوء ، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه . وقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب على أن وضوء الجنب يخفف جنابته . ولو نوى بوضوئه رفع الحدثين ارتفع عَن أعضاء وضوئه حدثاه جميعًا ، بناء على أن الغسل لا يشترط لَهُ موالاة ، وَهوَ قول الجمهور ، خلافًا لمالك كَما سبق ذكره .
وإن نوى بوضوئه رفع الحدث الأصغر ارتفع وحده ، ولم يرتفع معه شيء مِن الجنابة . وإن نوى النوم فهل يرتفع حدثه الأصغر ؟ يتخرج على الخلاف فيمن نوى طهارة مستحبة ، فهل يرتفع حدثه أم لا ؟ على قول مِن قالَ : إن الوضوء للنوم واجب ، لا يجوز النوم بدونه ؛ فإنه يرتفع الحدث حينئذٍ بغير تردد . وَهوَ كَما لو نوى الجنب بوضوئه اللبث في المسجد ، فإنه يرتفع بذلك حدثه الأصغر عند أصحابنا .
وقد ورد في الجنب : ( إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيهِ جنب ) ، كذلك روي عَن علي ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه . وورد : ( إن الملائكة لا تشهد جنازة الجنب إذا مات ) ، [خرجه] مِن حديث يحيى بن يعمر ، عَن عمار ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ، ولا المتضمخ بزعفران ، ولا الجنب ) .
خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود . وفي آخر الحديث : الرخصة لَهُ إذا أراد النوم ، أو الأكل - أن يتوضأ ، وهذا يدل على أن الوضوء يخفف أمره . وخرج أبو داود مِن حديث الحسن ، عَن عمار بن ياسر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( ثلاثة لا تقربهم الملائكة : جيفة الكافر ، والمتضمخ بالخلوق ، والجنب إلا أن يتوضأ ) .
وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) ، ولفظه : ( ثلاثة لا تقربهم الملائكة بخير : جيفة الكافر ، والمتضمخ بالخلوق ، والجنب إلا أن يبدو لَهُ أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة ) . ويحيى بن يعمر والحسن لَم يسمع مِن عمار . وخرجه الطبراني ، ولفظه ( إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر بخير ، ولا جنبًا حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة ، ولا [متضمخًا] بصفرة ) .
وروى وكيع في ( كتابه ) عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : إذا أراد أحدكم أن يرقد وَهوَ جنب فليتوضأ ؛ فإن أحدكم لا يدري لعله أن يصاب في منامه . ورخص آخرون في نوم الجنب مِن غير وضوء ، مِنهُم سعيد بن المسيب ، وربيعة ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، والحسن بن حي ، ووكيع . وروى أبو حنيفة ، عَن حماد ، عَن إبراهيم ، قالَ : كانوا ينامون وهم جنب ، يعني : قبل الوضوء .
وقد ورد حديث يدل على الرخصة ، مِن رواية أبي إسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم ينام وَهوَ جنب ، ولا يمس ماء . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والترمذي . وقال : قَد روى غير واحد عَن الأسود ، عَن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يتوضأ قبل أن ينام ، يعني جنبًا .
قالَ : وهذا أصح مِن حديث أبي إسحاق ، عَن الأسود . قالَ : ويرون أن هَذا غلط مِن أبي إسحاق . وقد تقدم حديث الحكم ، عَن إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة - بخلاف هَذا .
خرجه مسلم . وكذلك رواه حجاج بن أرطاة ، عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه ، عَن عائشة . خرج حديثه الإمام أحمد ، ولفظه : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يجنب مِن الليل ، ثُم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح ، ولا يمس ماء .
وخرجه بقي بن مخلد مِن طريق أبي إسحاق ، عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه ، قالَ : سألت عائشة : كيف كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا أراد أن ينام وهو جنب ؟ قالت : يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم ينام . وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِن السلف على إنكاره على أبي إسحاق ، مِنهُم : إسماعيل بن أبي خالد ، وشعبة ، ويزيد بن هارون ، وأحمد بن حنبل ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، ومسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الأثرم ، والجوزجاني ، والترمذي ، والدارقطني . وحكى ابن عبد البر عَن سفيان الثوري ، أنهُ قالَ : هوَ خطأ .
وعزاه إلى ( كِتابِ أبي داود ) ، والموجود في ( كتابه ) هَذا الكلام عَن يزيد بن هارون ، لا عَن سفيان . وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ : لا يحل أن يروى هَذا الحديث . يعني : أنهُ خطأ مقطوع بهِ ، فلا تحل روايته مِن دونَ بيان علته .
وأما الفقهاء المتأخرون فكثير مِنهُم نظر إلى ثقة رجاله ، فظن صحته ، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهوَ صحيح ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث . ووافقهم طائفة مِن المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي . ثم اختلفوا في الجمع بينه وبين حديث النخعي ، عَن الأسود ، عَن عائشة في الوضوء ، ولهم في ذَلِكَ مسالك : أحدها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أراد النوم وَهوَ جنب توضأ في غالب أوقاته لفضيلة الوضوء ، وكان تارة يترك الوضوء لبيان الجواز ، وأن الوضوء غير واجب ، وأن النوم بدونه غير محرم .
وهذا سلكه طوائف مِن الفقهاء مِن أصحابنا وأصحاب الشَافِعي ، وغيرهم . والثاني : أن حديث أبي إسحاق أريد بهِ أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ ينام ولا يمس ماء للغسل ، فهو موافق لحديث إبراهيم عن الأسود في المعنى . وهذا مسلك أبي العباس بن سريج والطحاوي ، وغيرهما .
وحديث حجاج ، عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه - يشهد لهذا التأويل ، كَما تقدم لفظه . والثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أصابته الجنابة مِن أول الليل توضأ ، ثم نام نومه الطويل المعتاد مِن الليل . وإن أصابته الجنابة مِن آخر الليل بعد قضاء ورده مِن الصلاة هجع هجعة خفيفة للاستراحة ، ثم قام ، فاغتسل لصلاة الفجر .
وهذا مسلك طائفة مِن العلماء ، وسلكه الطحاوي أيضا ، وأشار إليه ابن عبد البر وغيره . وقد روى زهير وإسرائيل ، عَن أبي إسحاق هَذا الحديث بسياق مطول ، وفيه : أن نومه مِن غير أن يمس ماء إنما كانَ في آخر الليل إذا قضى صلاته ، ثم كانَ لَهُ حاجة إلى أهله . خرجه الطحاوي مِن طريق زهير ، عَن أبي إسحاق ، ولفظ حديثه : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويُحيي آخره ، ثم إن كانَ لَهُ حاجة قضى حاجته .
ثم ينام قبل أن يمس ماء ، وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة . وهذه زيادة غريبة . وقد خرجه الإمام أحمد بسياق مطول ، مِن طريق زهير ، بدون هَذهِ الزيادة في آخره .
وخرجه مسلم في ( صحيحه ) أيضا مِن طريق زهير ، إلا أنهُ أسقط منهُ لفظة : ( قبل أن يمس ماء ) ، فلم يذكرها ؛ لأنه ذكر في ( كِتابِ التمييز ) لَهُ أنها وهم مِن أبي إسحاق . وقد روي عَن أبي إسحاق ما يخالف هَذهِ الرواية : فروى سفيان ، عَن أبي إسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصيب أهله مِن أول الليل ، ثم ينام ولا يمس ماء ، فإذا استيقظ مِن آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل . خرجه الإمام أحمد .
وخرج الطبراني مِن طريق حمزة الزيات ، عَن أبي إسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يجامع نساءه ، ثم لا يمس ماء . فإن أصبح فأراد أن يعاود عاود ، وإن لَم يرد اغتسل . ورواه شريك ، عَن أبي إسحاق ، فذكر في حديثه أنهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يصيب أهله ، ثم يعود ولا يمس ماء ، ولم يذكر النوم .
وهذا كله يدل على أن أبا إسحاق اضطرب في هَذا الحديث ، ولم يقم لفظه كَما ينبغي ، بل ساقه بسياقات مختلفة متهافتة . وروى محمد بن عمرو ، عَن أبي سلمة ، عَن عائشة ، أنهُ سألها : هل كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وَهوَ جنب ؟ قالت : نعم ، ولكنه كانَ لا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ، ويغسل فرجه . خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) .
وهذا يدل على أنها لَم ترو نومه مِن غير وضوء في حال الجنابة بحال .