باب الاستِحَاضَةِ
باب الاستِحَاضَةِ 306 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني لا أطهرُ ؛ أفأدع الصلاة ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي ) . هذا الحديث خرجه البخاري في مواضع متعددة من ( كتاب الحيض ) ، وفي بعضها أنها قالت : ( إني أستحاض فلا أطهر ) ، وفي بعضها : ( إذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلي ) ، وفي بعضها : ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضينَ فيها ، ثم اغتسلي وصلي ) . وكل هذه الألفاظ من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة .
وخرج أيضا من رواية ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عروة . وعن عمرة ، عن عائشة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : ( هذا عرق ) . فكانت تغتسل لكل صلاة .
المستحاضة هي من اختلط دم حيضها بدم غير الحيض ، هوَ دم فاسد غير طبيعي ، بل عارض لمرض ، فدم الحيض هوَ دم جبلةٍ وطبيعةٍ يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة ، وسمي حيضًا لأنه يسيل ، ويقال : حاض الوادي إذا سال . وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق ، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دم عرق ؛ فإنه دم طبيعي يرخيه الرحم ، فيخرج من قعره . ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر ، [ومنه] الذي يسيل في أدنى الرحم دون قعره .
وفي ( سنن أبي داود ) من حديث أسماء بنت عميس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( هذا من الشيطان ) يعني دم الاستحاضة . وخرج النسائي من حديث عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ في المستحاضة : ( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة من الرحم ) . ومن حديث القاسم عن عائشة أن امرأة مستحاضة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قيل لها : إنه عرق عاندٌ .
وفي حديثه حمنة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( إنما هوَ ركضةٌ من الشيطان ) . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي . وفي حديث عثمان بن سعد ، عن ابن أبي مليكةَ ، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إنما هوَ عرق انقطع ، أو داءٌ عرض ، أو ركضةٌ من الشيطان ) .
وروى أبو عبيد في ( غريبه ) : نا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس - أنه سئل عن المستحاضة ؟ فقالَ : ذَلِكَ العاذل يغذو . قالَ أبو عبيد : ( العاذل ) : اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة . وقوله : ( يغذو ) - يعني : يسيل .
قالَ : ونا أبو النضر ، عن شعبة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنه عرق عاند ، أو ركضة من الشيطان . قالَ : وقوله : ( عاند ) - يعني : أنه عندَ وبغى كالإنسان يعاند عن القصد ، فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته . والركضة : الدفعة .
وقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة على حسب اختلافهم في حد أكثر الحيض ؛ فمن قالَ : لهُ حد محدود - قالَ : المستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض ، وهذا قول الأكثرين منهم . وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذَلِكَ فيما بعد ، ويأتي الكلام فيهِ في موضعه إن شاء الله تعالى . ومن قالَ : ليس لأكثره حد محدود ، وإنما يرجع إلى عادة المرأة - فإنه يرى أن عادتها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كانَ ذَلِكَ استحاضة .
وقد ذكر أبو داود في ( سننه ) ، قالَ : روى يونس عن الحسن في الحائض إذا مد بها الدم : تمسك بعد حيضها يومًا أو يومين ، فهي مستحاضة . وقال التيمي عن قتادة : إذا زاد على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل . قالَ التيمي : فجعلت أُنقص حتى بلغت يومين ، فقالَ : إذا كانَ يومين فهوَ من حيضها .
وسئل عنه ابن سيرين ، فقالَ : النساء أعلم بذلك . وقد ذكر البخاري قول ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقًا ، ويأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . روى حرب الكرماني : ثنا إسحاق هوَ ابن راهويه ، ثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن ، في امرأة كانَ أقراؤها سبعة أيام قبل أن تتزوج ، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر ! قالَ : تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج ، فإذا مضت اغتسلت كل يوم عندَ صلاة الظهر إلى مثلها ، وتوضأت عندَ كل صلاة ، وتتنظف ، وتصلي .
قالَ : ونا إسحاق : نا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قالَ : قلت لمحمد بن سيرين : المرأة تحيض ، فتزيد على ذَلِكَ خمسة أيام ! قالَ : تصلي . قلت : يومين ! قالَ : ذَلِكَ من حيضتها . وروى حرب بإسناده عن الأوزاعي في المرأة تمكث في حيضها سبعة أيام ، ثم ترى بعد السبعة دمًا ! قالَ : إن شاءت استطهرت بيوم ، ثم تغتسل وتصلي .
ومذهب أحمد وأصحابه أن الحائض إذا كانَ لها عادةٌ مستمرة فإنها تجلس أيام عادتها . وهل تثبت عنده العادة بمرتين ؟ أو ثلاث مرار ؟ على روايتين عنه . فإن لم يكن لها عادة ، مثل أن تكون مبتدأةً - فإنها لا تزيد على أن تقعد أقل الحيض عنده ، وهو يوم وليلة ، ثم تغتسل وتصلي حتى تثبت لها عادة بمرتين أو ثلاث ، فتنتقل إليها .
هذا هوَ الصحيح عنده . وكذلك إذا كانت معتادة فزادت عادتها فإنها تغتسل عندَ انقضاء عادتها وتصلي ، فإن انقطع لأكثر الحيض فما دونه على قدر واحد مرتين أو ثلاثًا - على اختلاف الروايتين عنه - صار عادة بائنة منتقلة ، وانتقلت إليه . وتمسك لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها ، وهذا رد إلى العادة المعتادة المستمرة .
وأما مذهب مالك فيمن لها عادة ، فزادت عليها - فعنه فيها روايتان : إحداهما : تجلس ما تراه من أول مرة ما لم يزد على أكثر الحيض ، وهو خمسة عشر يومًا . والثانية : أنها تستطهر على عادتها بثلاثة أيام ، ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا ، تغتسل وتصلي . وهي التي رجع إليها مالك ، وعليها المصريون من أصحابه ، وهي قول الليث بن سعد .
وإذا استحيضت هذه فإنها تستطهر على أكثر أيام عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر أيضا ، وفيه عنه خلاف يأتي ذكره فيما بعد . ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض ، سواء اتفقت عادتها أو اختلفت ، ولا عبرة بالعادة فيما يمكن أن يكون حيضًا . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ) ، وفي رواية ( فإذا أدبرت ) - فقد اختلف العلماء في تأويله ، فتأوله الأكثرون ، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم ، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزًا ، بعضه أسود وبعضه غير ذَلِكَ ، فردها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين .
فإذا أقبل ذَلِكَ الدم تركت الصلاة ، فإذا أدبر وجاء دم غيره فإنها تغتسل وتصلي . وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى من طريق محمد بن أبي عدي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حبيش ، أنها كانت تستحاض ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانَ دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف ، فإذا كانَ ذَلِكَ فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كانَ الآخر فتوضئي وصلي ؛ فإنما هوَ عرق ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم .
وقال الدارقطني : رواته كلهم ثقات . وقد تكلم فيهِ آخرون : قالَ النسائي : روى هذا الحديث غير واحد ، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ، فقالَ : لم يتابع محمد ابن عمرو على هذه الرواية ، وهو منكر .
وأيضًا فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده ، فقيل : عنه - كما ذكرنا . وقيل : عنه في إسناده ، عن عروة ، عن عائشة . وقيل : إن روايته عن عروة ، عن فاطمة - أصح ؛ لأنها في كتابه كذلك .
وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة . وفي ( سنن أبي داود ) من رواية سهيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسماء بنت عميس - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ في أمر فاطمة بنت أبي حبيش : ( لتجلس في مركن ، فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسل ) . وفي إسناده اختلاف .
وقد قيل : إن الصحيح فيهِ عن عروة ، عن فاطمة . وفي بعض ألفاظه : ( فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت تقعد ، ثم تغتسل ) . والأظهر - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز ؛ لقوله : ( فإذا ذهب عنك قدرها ) ، كذا في رواية مالك ، عن هشام .
وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب . وقد تأولها بعض المالكية على أنها كانت مميزة ، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض ، فتجلس منه قدر العادة . وقال بعضهم : المراد بقدرها ذهاب دمها وانقضاؤها .
وتأوله بعضهم على أن المراد بذهاب قدرها الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك . وكل هذه تأويلات بعيدةٌ تخالف ظاهر اللفظ . وفي رواية أبي أسامة عن هشام ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي ) .
وقد خرجها البخاري فيما بعد . وهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز . وخرج مسلم من حديث عراك بن مالك ، عن عروة ، عن عائشة - أن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي وصلي ) .
وفي رواية : أنها شكت إليه الدم . وروى مالك ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر [قبل أن يصيبها الذي أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذَلِكَ من الشهر] . فإذا خلفت ذَلِكَ فلتغتسل ، ثم لتستثفر بثوب ، ثم لتصل ) .
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وخرجه الإمام أحمد والنسائي أيضا وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع - بنحوه . وخرجه أبو داود أيضا من رواية الليث ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار - أن رجلًا أخبره عن أم سلمة .
ومن طريق أبي ضمرة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن سليمان ، عن رجل من الأنصار ، أن امرأة كانت تُهراق الدماء - فذكره بمعناه . فتبين بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة . وروى أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( إنه ليس بالحيضة ، ولكنه عرق ) ، وأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، أو قدر حيضها ، ثم تغتسل .
فإن غلبها الدم استثفرت بثوب ، وصلت . فهذه الرواية تشهد لما ذكرناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رد فاطمة إلى العادة . وكذلك روى المنذر بن المغيرة ، عن عروة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه الدم ، فقالَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ عرقٌ ، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي .
فإذا مر قرؤك فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددة أنه أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل .
وهذه النصوص كلها تدل على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبل الاستحاضة . والمستحاضة لها أربعة أحوال : الحالة الأولى : أن تكون مميزة ، وهي التي دمها مميز ، بعضه أسود وبعضه أحمر أو أصفر . والحالة الثانية : أن تكون معتادة ، وهي التي لها عادة معلومة من الشهر تعرفها .
والحالة الثالثة : أن تجتمع لها عادة وتمييز ، وتختلفان . والحالة الرابعة : أن لا تكون لها عادة ولا تمييز ، مثل أن يكون دمها كله لونه واحد ، وليس لها عادة ؛ إما بأن تكون قد استحيضت وهي مبتدأة ، أو كانت لها عادة ونسيتها . وقد اختلف العلماء في حكم ذَلِكَ ، فذهب الشافعي وأحمد إلى اعتبار التمييز والعادة معًا ؛ فإن انفرد أحدهما عملت به بغير خلاف عنهما ، وإن اجتمعا واختلفا ففيه قولان : أحدهما : تقدم التمييز على العادة ، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد اختارها الخرقي .
والثاني : تقدم العادة على التمييز ، وهو المشهور عن أحمد ، وعليه أكثر أصحابه ، وهو قول إسحاق والإصطخري وابن خيران من الشافعية . وهو قول الأوزاعي حتى إنه قدم رجوعها إلى عادة نسائها على تمييز الدم . وذهب مالك إلى أن لا اعتبار بالعادة ، وأن العمل على التمييز وحده ، فإن لم يكن لها تمييز فإنها لا تترك الصلاة أصلًا ، بل تصلي أبدًا ، ويلزمها الغسل لكل صلاة في الوقت لاحتمال انقطاع الحيضة فيهِ .
ومذهب أبي حنيفة وسفيان أن الاعتبار بالعادة وحدها دون التمييز ، فإن لم يكن لها عادة فإنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . وأما من لا عادة لها ولا تمييز فإذا كانت ناسيةً فذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة ، تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . ومذهب مالك أنها تقعد التمييز أبدًا ، وتغتسل لكل صلاة كما تقدم .
وللشافعي فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تجلس أقل الحيض . والثاني : تجلس غالبه ستًا أو سبعًا . والثالث ، وهو الصحيح عندَ أصحابه كقول مالك - أنها لا تجلس شيئًا ، بل تغتسل لكل صلاة وتصلي .
ومذهب أحمد أن الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء ستًا أو سبعًا من كل شهر ، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ، هذا هوَ المشهور عنه . وحكي عنه رواية أنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . ورواية ثالثة أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها ، ثم تغتسل وتصلي .
وأما المبتدأة إذا استحيضت فإذا كانت مميزة فإنها تُرد إلى تمييزها عندَ الشافعي وأحمد وإسحاق ، وإن لم يكن لها تمييز فعن أحمد فيها أربع روايات : إحداهن : تجلس أقل الحيض . والثانية : أكثره . والثالثة : غالبه ، وهو ست أو سبع .
والرابعة : عادة نسائها . وللشافعي قولان : أحدهما : تجلس أقله ، والثاني : غالبه . وقال أبو حنيفة : تجلس أكثر الحيض ، بخلاف قوله في الناسية .
وعن مالك روايات : إحداهن : تجلس أكثر الحيض . والثانية : تجلس عادة لداتها وأقرانها . والثالثة : تجلس عادتهن وتستطهر بعدها بثلاث .
وحكي عنه رواية أخرى أنها لا تجلس شيئًا أصلًا . هذا في أول شهر ، فأما ما بعده فلا تجلس فيهِ أصلًا ، بل تغتسل وتصلي أبدًا إذا لم يكن لها التمييز . وقال عطاء والأوزاعي ، والثوري في المشهور عنه : تجلس عادة نسائها وأقاربها ، فإن لم يكن لها أقارب جلست غالب حيض النساء : ستًا أو سبعًا .
وقد ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في رد المستحاضة إلى غالب حيض الحُيض من رواية حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه - فذكرت الحديث ، إلى أن قالت : قالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذَلِكَ من الشيطان ، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله عز وجل ، ثم اغتسلي ) ، وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه . وفي رواية لأبي داود : ( وكذلك فافعلي في كل شهر ، كما تحيض النساء ، وكما يطهرن ) .
وقال الترمذي : حسن صحيح . قالَ : وسألت محمدًا - يعني : البخاري - عنه ، فقالَ : هوَ حديث حسن . وكذا قالَ أحمد بن حنبل : هوَ حسن صحيح .
هذا ما ذكره الترمذي . ونقل حرب عن أحمد [أنه] قالَ : نذهب إليه ، ما أحسنه من حديث ! واحتج به إسحاق وأبو عبيد ، وأخذا به . وضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن منْده ، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل ؛ فإنه تفرد بروايته .
والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به ، وقال : ليس بشيء . وقال مرة : ليس عندي بذلك ، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا . وقال مرة : في نفسي منه شيء .
ولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به . والله أعلم . وقد اختلف الناس في حمنة : هل كانت مبتدأة ؟ أو كانت معتادة ناسية لعادتها ؟ أو معتادةً ذاكرةً لعادتها ؟ فمنهم من قالَ : كانت مبتدأةً ، ورجحه الخطابي وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم ، وضعفه الإمام أحمد بأن حمنة كانت امرأةً كبيرة ، لم تكن صغيرة .
ومنهم من قالَ : كانت ناسيةً لعادتها ولا تمييز لها ، وعلى هذا حمله الإمام أحمد على رواية أخذه بالحديث ، وأصحابه الذين أخذوا به كأبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر ابن جعفر . ومنهم من حمله على أنها كانت معتادةً عالمة بالعادة ، وهو اختيار الشافعي في ( الأم ) . واختلف أصحابه على هذا : كيف ردها إلى ست أو سبع ؛ فمنهم من قالَ : إنما ردها إلى ما تذكره من عادتها من الست أو السبع .
ومنهم من قالَ : كانت عادتها في الشهور مختلفة ؛ ففي بعضها كانت تحيض ستًا ، وفي بعضها سبعًا ، فردها إلى عادتها في ذَلِكَ . وقد حمل طائفة من أصحابنا حديث حمنة على مثل ذَلِكَ بناءً على أن المبتدأة والناسية لا تجلسان أكثر من أقل الحيض ، ولكن المنصوص عن أحمد وهو قول أبي بكر وغيره : إنا لا نقول : إن الناسية تجلس أقل الحيض إلا لتضعيفنا إسناد حديث حمنة لا لتأويله . وممن رجح تأويله ابن أبي موسى في ( شرح الخرقي ) ، وقال : نحمله على أن الست كانت عادتها ، وشكت في اليوم السابع ، فردها إلى عادتها المتيقنة ، وردها في اليوم المشكوك فيهِ إلى التحري فيهِ والاجتهاد .
وأما قوله : ( فإذا أدبرت ) ، أو ( فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ) ، وفي رواية أخرى ( فاغتسلي وصلي ) - فإنه يجمع بين الروايتين ويؤخذ بهما في وجوب غسل الدم والاغتسال عندَ ذهاب الحيض . وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به في رواية خرجها النسائي من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن فاطمة بنت قيس من [ بني] أسد قريش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ لها : ( اغتسلي ، واغسلي عنك الدم ، وصلي ) . قالَ الطبراني : فاطمة بنت قيس هذه هي بنت أبي حبيش ، واسمه : قيس .
قالَ : وليست فاطمة بنت قيس الفهرية التي روت قصة طلاقها . وقال الدارقطني في ( علله ) : وهم الأوزاعي في قوله : ( بنت قيس ) ، إنما هي بنت أبي حبيش . وكذلك رواه أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لفاطمة : ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، ثم اغتسلي ) .
ورواه حماد بن سلمة ، عن هشام ، وقال فيهِ : ( فاغسلي عنك الدم ، وتطهري ، وصلي ) . والغسل عندَ انقضاء حيض المستحاضة المحكوم به لا بد منه ، كما لو طهرت من الحيض . وقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة : ( اغسلي عنك الدم ، وصلي ) ، وقال : لا غُسل عليها ، إنما عليها أن تغسل الدم وتصلي .
وقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد ، ولم يسم من قاله ، فأنكره الإمام أحمد ، وقال : الغسل لا بد منه . وفسر سفيان الثوري قوله : ( اغسلي عنك الدم ) - أنها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنه حيضها ، ثم رأت دمًا ، فإنها تغسل الدم [وتصلي] ؛ فإنه دم استحاضة لا يمنع الصلاة , ، وإنما تغسله وتتحفظ منه فقط . ففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم ، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب ، والمراد به التلجم بالثوب والتحفظ به .
وقد اختلف العلماء : هل يجب الغسل عليها لكل صلاة - على قولين ، وأكثر العلماء على أن ذَلِكَ ليس بواجب . وربما تذكر المسألة مستوفاةً فيما بعد إن شاء الله تعالى . وكذلك اختلفوا : هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة ؟ وفيه قولان ، هما روايتان عن أحمد .
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار ، أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور . لكن الأصح هنا أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة ؛ فإن الأمر الاغتسال ، وغسل الدم إنما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها . فإذا قيل : إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عندَ إدبار كل حيضة فقط .
وقوله : ( وصلي ) - أمر بالصلاة بعد إدبار الحيضة حيث نهاها عن الصلاة في وقت إقبالها ، والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ ، عندَ كثير من الفقهاء . وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض ، فكذلك بعدها . وأما على قول من يقول : لا يقتضي غير الإباحة - فقد يقال : إن هذا الأمر اقتضى إطلاق الصلاة والإذن فيها بعد حظرها ، فصارت الصلاة مباحة بعد حظرها ؛ فإن كانت نافلة فهي غير محظورة ، وإن كانت مفروضة اكتفي في الاستدلال على فرضيتها بالأدلة العامة الدالة على افتراض الصلاة على كل مسلم .
وإنما خرج من ذَلِكَ حال الحيض بمثل هذا الحديث وشبهه ، وإطلاقه صلى الله عليه وسلم دليل على أنها في حكم الطاهرات في جميع العبادات التي يمنع منها الحيض . هذا قول جمهور العلماء ، وشذ منهم من قالَ باختصاص الإذن بالصلاة خاصةً . وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وقد زاد قوم من الرواة في حديث عائشة الأمر بالوضوء ، منهم حماد بن زيد عن هشام . خرجه النسائي من طريقه ، وقال فيهِ : ( فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي ؛ فإنما ذَلِكَ عرق ) . قالَ النسائي : لا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث ( وتوضئي ) غير حماد بن زيد .
وقد خرج مسلم حديثه هذا ، وقال : في حديث حماد بن زيد زيادة حرفٍ تركنا ذكره ، يعني : قوله : ( توضئي ) . قالَ البيهقي : هذه الرواية غير محفوظة . وفي رواية أخرى عن حماد بن زيد في هذا الحديث : ( فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي ) .
فقيل لحماد : فالغسل ؟ قالَ : ومن يشك أن في ذَلِكَ غسلًا واحدًا بعد الحيضة . وقال حماد : قالَ أيوب : أرأيت لو خرج من جيبها دمٌ ، أتغتسل ؟ يشير أيوب إلى أنها لا تغتسل لكل صلاة . قالَ ابن عبد البر : جود حماد بن زيد لفظه .
يعني : بذكر الوضوء . وهذا يدل على أنه رآه محفوظًا ، وليس كَما قالَ . وقد رويت لفظة ( الوضوء ) من طريق حماد بن سلمة ، عَن هشام .
خرجه الطحاوي من طريق حجاج بن منهال ، عَن حماد . ورواه عفان عَن حماد ، ولفظه : ( فاغسلي عنك الدم ، ثم تطهري وصلي ) . قالَ هشام : كانَ عروة يقول : ( الغسل ) الأول ، ثم قالَ بعد : ( والطهر ) .
وكذلك رويت من طريق أبي معاوية ، عَن هشام . خرجه الترمذي عَن هناد ، عَنهُ . وقال : قالَ أبو معاوية في حديثه : وقال : ( توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) .
والصواب أن هَذا من قول عروة ، كذلك خرجه البخاري في ( كِتابِ الوضوء ) عَن محمد بن سلام ، عَن أبي معاوية ، عَن هشام - فذكر الحديث ، وقال في آخره : قالَ : وقال أبي : ( ثُم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . وكذلك رواه يعقوب الدورقي ، عَن أبي معاوية ، وفي حديثه : ( فإذا أدبرت فاغسلي الدم ، ثم اغتسلي ) . قالَ هشام : قالَ أبي : ( ثُم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) .
وخرجه إسحاق بن راهويه ، عن أبي معاوية ، وقال في حديثه : قالَ هشام : قالَ أبي : ( وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت ) . وكذلك روى الحديث عيسى بن يونس ، عَن هشام . وقال في آخر الحديث : وقال هشام : ( تتوضأ لكل صلاة ) .
وذكر الدارقطني في ( العلل ) أن لفظة ( توضئي لكل صلاة ) رواها أيضا عَن هشام أبو حنيفة ، وأبو حمزة السكري ، ومحمد بن عجلان ، ويحيى بن سليم . قلت : وكذلك رواه أبو عوانة ، عَن هشام ، ولفظ حديثه : ( المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ، وتغتسل غسلًا واحدًا ، وتتوضأ لكل صلاة ) . قلت : والصواب أن لفظة ( الوضوء ) مدرجة في الحديث من قول عروة .
وكذلك روى مالك ، عَن هشام ، عَن أبيه ، أنه قالَ : ( ليسَ على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلًا واحدًا ، ثم تتوضأ بعد ذَلِكَ لكل صلاة ) . قالَ مالك : والأمر عندنا على حديث هشام ، عَن أبيه ، وَهوَ أحب ما سمعت إلي . قالَ ابن عبد البر : والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ الوجوب .
قالَ : وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا ذهب قدرها فاغتسلي ، وصلي ) ، ولم يذكر وضوءًا . قالَ : وممن قالَ بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب ربيعة ، وعكرمة ، ومالك ، وأيوب ، وطائفة . قالَ : وأما الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة فكلها مضطربة ، لا تجب بمثلها حجة .
انتهى . وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة ، وربما تأتي الإشارة إليها في موضع آخر إن شاء الله تعالى . وإنما المراد هنا أحاديث الوضوء لكل صلاة ، وقد رويت من وجوه متعددة ، وهي مضطربة أيضا ومعللة ، تقدم بعضها .
ومن أشهرها رواية الأعمش ، عَن حبيب بن أبي ثابت ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ، فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قالَ : ( لا ، اجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ، ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه . وقال أبو داود : هوَ حديث ضعيف لا يصح ، وقالَ : ليسَ بصحيح ، وَهوَ خطأ من الأعمش .
وقال الدارقطني : لا يصح . وقد روي موقوفًا على عائشة ، وَهوَ أصح عند الأكثرين . وروى هشيم : نا أبو بشر ، عَن عكرمة - أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنظر أيام أقرائها ، ثم تغتسل وتصلي ، فإن رأت شيئًا من ذَلِكَ توضأت وصلت .
خرجه أبو داود . والظاهر أنهُ مرسل ، وقد يكون آخره موقوفًا على عكرمة من قوله ، والله أعلم . وقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَن جماعة من الصحابة ، منهُم علي ، ومعاذ ، وابن عباس ، وعائشة .
وَهوَ قول سعيد بن المسيب ، وعروة ، وأبي جعفر . ومذهب أكثر العلماء ، كالثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وغيرهم . لكن منهُم من يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي .
ومنهم من يرى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة ، وتصلي بها ما شاءت من فرائض ونوافل حتى يخرج الوقت . وَهوَ قول أبي حنيفة ، والمشهور عَن أحمد ، وَهوَ أيضا قول الأوزاعي والليث وإسحاق . وقد سبق ذكر قول من لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة ، كمالك وغيره .
وهكذا الاختلاف في كل من بهِ حدث دائم لا ينقطع ، كمن بهِ رعاف دائم أو سلس البول ، أو [الريح] ، ونحو ذَلِكَ . وعن مالك رواية بوجوب الوضوء كقول الجمهور .