حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة

ثنا يحيى بن بُكير : ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، قال : سمعت عُميرًا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو الجهيم : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ، فلقيه رجلٌ فسلم عليه ، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ، حتى أقبل على الجدار ، فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام . هذا الحديث ذكره مسلم في صحيحه تعليقًا عن الليث بهذا الإسناد ، وكذا رواه ابن إسحاق ، عن الأعرج . ورواه إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، عن الأعرج ، عن ابن الصمة ، وزاد : أنه مسح وجهه وذراعيه ، وأسقط من إسناده عُميرًا .

ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد ، عنه ، وقال في حديثه - أيضا ً - : فمسح بوجهه وذراعيه . وأبو صالح تغير بأخرة ، وقد اختلف عليه في لفظه ، ورواية يحيى بن بُكير أصح . قال الخطابي : حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح .

يعني : لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين . وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ، وقد تقدم ذكر هذا في كتاب : الوضوء في غير موضع منه ، وذكرنا أن عمر كان يتيمم في الحضر لذكر الله عز وجل ، وهو من رواية علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قَالَ : رأيت عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح به ، ثم قال : هذا للذكر والتسبيح حتى تلقى الماء . خرّجه ابن جرير الطبري .

وهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء ، وذكرنا فيما تقدم أن من السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك ، وعن أبي العالية أنه تيمم لرد السلام . وفي المسند عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج فيهريق الماء ، فيتيمم بالتراب ، فأقول : يا رسول الله ، الماء منك قريب ، فيقول : ما يدريني ، لعلي لا أبلغه . وذكرنا - أيضًا - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني وصاحبه أبي حامد صرحوا بأن من تيمم في الحضر ، ثم قرأ القرآن وذكر الله كان جائزًا ، استدلالًا بهذا الحديث .

ورد ذلك بعض متأخريهم ، وقال : لم يكن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، إنما كان ظاهرًا حيث لا يوجد الماء ، ولكن كان بقرب المدينة ، فإن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقبل من نحو بئر جمل ، وهي خارج المدينة . وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي الجهيم . خرجه أبو داود من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم أقبل في سكة من سكك المدينة ، فسلم عليه رجل ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد عليه السلام .

خرجه أبو داود وغيره . ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ ، وإنما هو موقوف عندهم - : كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعقيلي والأثرم . وتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع .

والعبدي ضعيف . وذكر الأثرم أبي الوليد ، أنه سأل محمد بن ثابت هذا : من الذي يقول النبي أو ابن عمر ؟ فقال : لا أدري . ففي هذا الحديث : أن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض سكك المدينة .

وسيأتي في باب : الشعر في المسجد أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على جدار المسجد ، ثم دخل المسجد . وقال بعض أصحابنا : يجوز التيمم لرد السلام في الحضر ، إذا خشي فوته ؛ لأن الطهارة لرده مشروعة ندبا لا وجوبا ؛ فإنه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة ؛ لأنه على الفور . واستدل بعضهم بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوت صلاة الجنازة ، كما هو قول كثير من العلماء ، ومذهب أبي حنيفة ، وأحمد في رواية عنه ، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء : ابن عباس ومن بعده - وذكر الحسن والنخعي وجماعة .

ومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخرى - ؛ فإنهم قد يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط ، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية الفوات ، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر ، فإنها ليست بشرط فخف أمرها . وقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية ، منهم : الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم . وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي .

والعجب أن صاحب شرح المهذب حكى ذلك كله في موضعين من كتابه ، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي : لا نعرف أحدا وافقهما ، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة .

ورد في أحاديث15 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث