باب التيمم للوجه والكفين
باب التيمم للوجه والكفين 339 - حدثنا حجاج : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار - بهذا . وضرب شعبة بيديه الأرض ، ثم أدناهما من فيه ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . وقال النضر : أبنا شعبة ، عن الحكم : سمعت ذرا ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى - قال الحكم : وقد سمعته من ابن عبد الرحمن - عن أبيه : قال عمار .
340 - حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، أنه شهد عمر ، وقال له عمار : كنا في سرية فأجنبنا . وقال : تفل فيهما . 341 - حدثنا محمد بن كثير : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قال : قال عمار لعمر : تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يكفيك الوجه والكفين .
342 - حدثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عبد الرحمن : شهدت عمر ، فقال له عمار - وساق الحديث . 343 - حدثنا محمد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار : فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض ، فمسح وجهه وكفيه . حديث عمار في التيمم ، خرجه البخاري في كتابه من طريقين : أحدهما : من طريق أبي وائل ، عن أبي موسى ، عن عمار ، وسيأتي .
والآخر : من رواية عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار . ولم يخرجه من هذه الطريق إلا من رواية شعبة ، عن الحكم ، عن ذر الهمداني ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار . وقد ساق لفظه بتمامه في الباب الماضي ، وأحال في هذا الباب على ما قبله ، بقوله : قال عمار بهذا - يعني : بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي .
ووصف شعبة التيمم المذكور في الحديث بفعله . وكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة ، وبعضها تعليق ؛ لما في ذلك من زيادة فائدة : ففي رواية سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ، عن شعبة : تصريح عبد الرحمن بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار ، ومخاطبته لعمر ، وهذه فائدة جليلة . وفي رواية سليمان بن حرب ، عن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل في يديه لما ضرب بهما الأرض ، والمراد بالتفل هنا : النفخ ، كما في سائر الروايات .
وفي رواية النضر بن شميل : أن الحكم سمع الحديث من ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، وسمعه - أيضا - من ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، كما سمعه من ذر ، عنه . وذكر البيهقي وغيره : أن ابن أبزى هو سعيد - أيضا . وقد ذكر البخاري رواية النضر تعليقا ، وأسندها مسلم عن إسحاق بن منصور ، عنه .
واتفقت رواياتهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح وجهه وكفيه . وفي رواية محمد بن كثير ، عن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : يكفيك الوجه والكفين . وخرجه مسلم من طريق يحيى القطان ، عن شعبة ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك .
قال الحكم : وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه بمثل حديث ذر . قال : وحدثني سلمة ، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم . انتهى .
وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر ، رواه عن سلمة بن كهيل ، عن ذر . كما خرجه مسلم من رواية القطان ، عن شعبة ، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين : أحدهما : أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل ؛ فخالفا شعبة في إسناده ، على اختلاف عليهما فيه . والثاني : أن سلمة شك : هل ذكر في الحديث مسح الكفين ، أو الذراعين ؟ وكان - أحيانا - يحدث سلمة به ، ويقول : إلى المرفقين ، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر ، فقال سلمة : لا أدري ، أذكر الذراعين ، أم لا ؟ خرج ذَلِكَ أبو داود والنسائي وغيرهما .
ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة ، وسكت عن اللفظ ؛ فإنه مختلف . وقد خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في أحكام القرآن له عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن الحكم - بإسناده - وقال فيه : إنما كان يكفيك هكذا ، وضرب بيديه الأرض واحدة ، فمسح بهما كفيه ووجهه . وكذا خرجه أبو بكر الأثرم عن أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة ، ثم نفخهما ، ومسح بهما وجهه وكفيه .
وقد خرجه النسائي من رواية خالد ، عن شعبة ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك ، وضرب شعبة بكفيه ضربة نفخ فيهما ، ثم دلك إحداهما بالأخرى ، ثم مسح بهما وجهه . وفي هذه الرواية تأخير مسح الوجه ، لكنه من تفسير شعبة ، والظاهر أن شعبة كان أحيانا يحدث بالحديث بلفظه ، وأحيانا يفسره بفعله . وقد أجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة ؛ فإن الله تعالى يقول : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك : فأما الوجه : فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء : أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب ، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه ، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة ، أم لا ، هذا هو الصحيح .
وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه آخر : أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها ، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف ، وإن وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء . وعن أبي حنيفة روايات ، إحداها : كقول الشافعي وأحمد . والثانية : إن ترك قدر درهم يجزئه ، وإن ترك دونه أجزأه .
والثالثة : إن ترك دون ربع الوجه أجزأه ، وإلا فلا . والرابعة : إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه ، وإلا فلا . وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر .
وحكى ابن المنذر ، عن سليمان بن داود الهاشمي : أن مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض . وكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك . قال الجوزجاني : ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم ؟ قال : يعيد الصلاة .
فقلت له : فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم ؟ فقال : لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه . قَالَ الشالنجي : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه ؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس ؛ إذا ترك منه بعضا أجزأه . قال الجوزجاني : فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى - يعني : النيسابوري - ، فقال : المسح في التيمم كما يمسح الرأس ، لا يتعمد لترك شيء من ذلك ، فإن بقي شيء منه لم يعد ، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء .
قال الجوزجاني : لم نسمع أحدا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبعوا في الوضوء بالتخليل ، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى : أن لا يتعمد ترك شيء من ذلك ، فإن بقي شيء لم يعد . انتهى . وظاهر هذا : يدل على أن مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني : أنه إذا ترك شيئا من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه قال : تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك ، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية ، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ، ثم تضرب مرة أخرى بكفيك . ومراد إسحاق : أنه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه ، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم ، حتى نص الشافعي : أنه لو بقي من محل الفرض شيء لا يدركه الطرف لم يصح التيمم . واستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة ، وقال : الذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل .
قال : وهذا شيء أظهر به ، ولم أرَ منه بدا . وحكى ابن عطية في تفسيره عن محمد بن مسلمة من المالكية : أنه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء ، وجعله كالخف وما بين الأصابع في اليدين - يعني : في التيمم . وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم : بالوجوب ، والاستحباب .
وحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافا . وأما اليدان : فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين : ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى الكوعين ، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح . وحكى ابن عطية عن الشعبي : أنه يمسح الكفين فقط ؛ لحديث عمار ، وأنه لم يوجب إيصال التراب إلى الكوعين ، وهذا لا يصح .
والله أعلم . وإنما المراد بحديث عمار ، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين : مسحهما إلى الكوعين ، وقد جاء ذلك مقيدا ، رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم : سمع ذر بن عبد الله ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يجزئك وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الأرض إلى التراب ، ثم قال : هكذا ، فنفخ فيهما ، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه الذراعان . وروى إبراهيم بن طهمان ، عن حصين ، عن أبي مالك ، عن عمار بن ياسر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين .
خرجه الدارقطني ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبة وزائدة وغيرهما . يعني : أنهم رووه عن حصين ، عن أبي مالك ، عن عمار موقوفا ، والموقوف أصح : قاله أبو حاتم الرازي . وأبو مالك ، قال الدارقطني : في سماعه من عمار نظر ؛ فإن سلمة بن كهيل رواه عن أبي مالك ، عن ابن أبزى ، عن عمار .
وقال أبو حاتم : يحتمل أنه سمع منه . وأبو مالك ، هو : الغفاري ، سأل أبو زرعة : ما اسمه ؟ فقال : لا يسمى . وقال البيهقي : اسمه حبيب بن صهبان .
وفيما قاله نظر ؛ فإن حبيب بن صهبان هو : أبو مالك الكاهلي الأسدي ، وأما الغفاري فاسمه : غزوان - : قاله ابن معين . وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم ، ووقع في بعض نسخ البخاري ، غير أن البخاري متوقف غير جازم بأن حبيب بن صهبان يكنى : أبا حاتم ، ولا أن أبا مالك الغفاري اسمه : غزوان . وروي حديث عمار على وجه آخر : فروى الأعمش ، عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنما كان يكفيك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب إحداهما على الأخرى ، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين ، ضربة واحدة .
خرجه أبو داود . وخرجه - أيضا - من طريق سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي مالك ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنت عند عمر ، فقال عمار : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا ، وضرب بيديه إلى الأرض ، ثم نفخهما ، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع . وخرجه النسائي من طريق سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنا عند عمر - فذكر الحديث ، وفيه : ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه .
وقد رواه عن سلمة بن كهيل : شعبة ، وسفيان ، والأعمش ، واختلف عنهم في إسناده . وقد تقدم : أن في رواية شعبة أن سلمة شك : هل ذكر فيه الذراعين ، أو الكفين خاصة ، وهذا يدل على أن ذكر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمة ، إنما شك فيه ، لكنه حفظ الكفين وتيقنهما ، كما حفظه غيره . وعلى تقدير أن يكون ذكر بعض الذراعين محفوظا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين ، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التحجيل ، كما فعله أبو هريرة في الوضوء ، وقد صرح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضا .
وقد روي عن قتادة ، قال : حدثني محدث عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار بن ياسر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إلى المرفقين . خرجه أبو داود . وهذا الإسناد مجهول لا يثبت .
والصحيح : عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين . خرجه الترمذي وصححه . وخرجه أبو داود ، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره في التيمم : ضربة واحدة للوجه والكفين .
وقد روي عن عمار ، أنهم تيمموا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط : من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن عمار ، قال : نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وقد اختلف في إسناده على الزهري : فقيل : عنه ، كما ذكرنا .
وقيل : عنه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبيه ، عن عمار ، كذا رواه عنه : مالك وابن عيينة ، وصحح قولهما أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . وقيل : عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عمار مرسلا . وهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما .
وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم أسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه ، أنه قال : لا أدري ما هو ؟! وروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه .
وسئل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشيء . وقال أيضا : اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه .
وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل الكفين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله ، وقوله : التيمم للوجه والكفين ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم ، ومنهم عمار راوي الحديث ؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين ، كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق . وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة . والثاني : ما قاله الشافعي ، وأنه إن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو منسوخ ؛ لأن عمارا أخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له ، فهو له ناسخ .
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء . وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه . وروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط .
قال سعيد : ولا يعجبنا هذا . قلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، وأخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم .
وذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين : هذا مروي عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما ، وروي - أيضا - عن سالم بن عبد الله ، والشعبي ، والحسن ، والنخعي ، وقتادة ، وسفيان ، وابن المبارك ، والليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابه . واستدل بعضهم : بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك ، ولا يثبت منها شيء ، كما سبق الإشارة إلى ذلك . واستدلوا - أيضا - : بأن الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين ، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين ، فينصرف إطلاقهما في التيمم إلى تقييدهما في الوضوء ، لا سيما وذلك في آية واحدة ، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين .
وأجاب من خالفهم : بأن المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة ، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان ، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الآخر . ويدل على ذلك : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول آية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها ، بل تيمموا إلى المناكب والآباط ، وهم أعلم الناس بلغة العرب ، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمم للوجه والكفين ، وهو - أيضا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها . وذهب آخرون : إلى أن التيمم يمسح فيه الكفان خاصة .
وقد حكى ابن المنذر لأهل هذه المقالة قولين : أحدهما : يمسح الكفين إلى الرسغين ، وحكاه عن علي . والثاني : يمسح الكفين مطلقا . قال : وهو قول عطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .
قال : وبهذا نقول للثابت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : التيمم ضربة للوجه والكفين . قلت : هذا يوهم أن من قال بسمح الوجه والكفين ، أنه لا ينتهي مسحهما إلى الكوعين ، وهذا كما حكاه ابن عطية عن الشعبي ، كما سبق عنه ، وليس هذا قول الأئمة المشهورين . وقد روى داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن التيمم ، فقال : إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وقال في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وقال : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فكانت السنة في القطع الكفين ، إنما هو : الوجه والكفين - يعني : التيمم .
خرجه الترمذي ، وقال : حسن صحيح غريب . وروى الحكم بن أبان ، عن عكرمة هذا المعنى - أيضًا . وكذلك استدل بهذا الدليل مكحول وأحمد وغيرهما من الأئمة ، وقالوا : إن القطع يكون من الرسغ ، فكذلك التيمم .
والرسغ : هو مفصل الكف ، وله طرفان ، هما عظمان ، فالذي يلي الإبهام كوع ، والذي يلي الخنصر كرسوع . ومضمون هذا الاستدلال : أن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ ، وإن قيدت بموضع تقيدت به ، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غسل الذراعين إلى المرفقين ، ولما أطلقت في التيمم وجب إيصال التراب إلى الرسغ ، كما تقطع يد السارق ويد المحارب منه . وكذا قال الأوزاعي : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوعين .
وكذلك نص إسحاق على أن التيمم يبلغ إلى الرسغ ، وخطأ من قال : لا يجزئ ذلك . وقال : الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم المعروف المشهور الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة : أن النبي صلى الله عليه وسلم علم عمار بن ياسر التيمم للوجه والكفين . قال : وعلى ذلك كان علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، والشعبي ، وعطاء ، ومجاهد ، ومكحول وغيرهم ، فلا يجوز لأحد أن يدعي على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم .
قال : ولو قالوا : الذراعين أحب إلينا اختيارا لكان أشبه . وروى حرب بإسناده ، عن زائدة ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي مالك ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ، ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل . وبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتين : ضربة للوجه ، وضربة للكفين .
قَالَ : وثنا أحمد بن حنبل : ثنا سليمان بن حيان : أبنا حجاج ، عن عطاء والحكم ، عن إبراهيم ، قَالَ : التيمم ضربتان للكفين والوجه . قال : وثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، عن حامد وسعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين . قال الوليد : وأبنا الأوزاعي ، عن عطاء أنه كان يقول في التيمم : مسحة واحدة للوجه ، ثم ضربة أخرى لكفيه .
وبه يأخذ الأوزاعي . وروى حرب بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم قرن إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه . قال حرب : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ، يبدأ بوجهه ثم يمسح كفيه إحداهما بالأخرى .
قيل له : صح حديث عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ؟ قال : نعم ، قد صح . والقول بأن الواجب في التيمم مسح الكفين فقط : رواية عن مالك ، وقول قديم للشافعي ، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في كتاب المعرفة - : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوجه والكفين ، ولو أعلمه ثابتًا لم أعده . قَالَ : فإنه ثبت عن عمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم الوجه والكفين ، ولم يثبت إلى المرفقين ، فما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، وبهذا كان يفتي سعيد بن سالم .
انتهى . ومن العلماء من قال : الواجب مسح اليدين إلى الكوعين ، ويستحب مسحهما إلى المرفقين ، ولعله مراد كثير من السلف - أيضا - ؛ فإن منهم من روي عنه : إلى الكوعين . وروي عنه : إلى المرفقين ، كالشعبي وغيره ، فدل على أن الكل عندهم جائز .
وهو - أيضا - رواية عن مالك ، وقول وكيع ، وإسحاق ، وطائفة من أصحابنا ، وحكوه رواية عن أحمد ، والمنصوص عنه يدل على أن ذلك جائز ، لا أنه أفضل . وسيأتي ذكر الضربة الواحدة والضربتين فيما بعد - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري أفرد لذلك بابًا .