حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم

ثنا بشر بن خالد : ثنا محمد - هو : غندر - عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم تجد الماء لا تصلي ؟ قال عبد الله : لو رخصت لهم في هذا ، كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني : تيمم - وصلى . قال : قلت : فأين قول عمار لعمر ؟ قال : إني لم أر عمر قنع بقول عمار . 346 - حدثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : سمعت شقيق بن سلمة قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له أبو موسى : أرأيت يا أبا عبد الرحمن ، إذا أجنب الرجل فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ فقال عبد الله : لا يصلي حتّى يجد الماء .

فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم : كان يكفيك ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك ؟ فقال أبو موسى : دعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما يقول . فقال : لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم . فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا ؟ قال : نعم .

كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان : إن التيمم إنما يجوز عن الحدث الأصغر ، وأما عن الجنابة فلا يجوز ، وقالا : لا يصلي الجنب حتى يجد الماء ولو عدمه شهرا . وروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابن مسعود وأتباعهم كالأسود وأبي عطية والنخعي . وقد روي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك ، ووافقا بقية الصحابة ، فإن عمر وكل الأمر في ذلك إلى عمار ، وقال له : نوليك ما توليت ، وابن مسعود رجع عن قوله في التيمم - : قاله الضحاك ، واتبعت الأمة في ذلك قول الصحابة دون عمر وابن مسعود .

وقد خالفهما علي وعمار وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وابن عباس . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب إذا لم يجد الماء بأن يتيمم ويصلي ، في حديث عمران بن حصين المتقدم ، وحديث عمار ، وروي - أيضا - من حديث أبي ذر وغيره . وشبهة المانعين : أن الله تعالى قال : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وقال : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا - يعني به : الغسل - ثم ذكر التيمم عند فقد الماء بعد ذكره الأحداث الناقضة للوضوء ، فدل على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث ، وبقي الجنب مأمورا بالغسل بكل حال .

وهذا مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أن آية الوضوء افتتحت بذكر الوضوء ، ثم بغسل الجنابة ، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء ، فعاد إلى الحدثين معا ، وإن قيل : إنه يعود إلى أحدهما ، فعوده إلى غسل الجنابة أولى ؛ لأنه أقربهما ، فأما عوده إلى أبعدهما وهو - وضوء الصلاة - فممتنع . وأما آية سورة النساء ، فليس فيها سوى ذكر الجنابة ، وليس للوضوء فيها ذكر ، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها ، ولا يعود إلى المذكور ؟ والثاني : أن كلتا الآيتين : أمر الله بالتيمم من جاء من الغائط ، ولمس النساء أو لم يجد الماء ، ولمس النساء إما أن يراد به الجماع خاصة ، كما قاله ابن عباس وغيره ، أو أنه يدخل فيه الجماع وما دونه من الملامسة لشهوة ، كما يقوله غيره ، فأما أن يخص به ما دون الجماع ففيه بعد . ولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تحير ولم يدر ما يقول ، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى .

وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه صلى الله عليه وسلم فهم دخول الجنب في الآية ، وليس بعد هذا شيء . ورد ابن مسعود تيمم الجنب ؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه ؛ لأن النصوص لا ترد بسد الذرائع ، وأيضا ، فيقال : إن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق . وقد روى شعبة ، أن مخارقا حدثهم ، عن طارق ، أن رجلا أجنب فلم يصل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال له : أصبت .

وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى ، فأتاه صلى الله عليه وسلم ، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني : أصبت . خرجه النسائي ، وهو مرسل . وقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم ، والآخر سأله بعد نزولها .

وروى أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، أن عمارا قال لعمر : أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له ، فقال أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة ، وأما أنت يا عمار فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة ، إنما كان يجزيك وضر ب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض إلى التراب ، ثُمَّ قَالَ - : هكذا ، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث