باب وجوب الصلاة في الثياب
ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن محمد ، عن أم عطية ، قالت : أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور يشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزل الحيض عن المصلى . قالت امرأة : يا رسول الله ، إحدانا ليس لها جلباب ؟ قَالَ : لتلبسها صاحبتها من جلبابها . وقال عبد الله بن رجاء : ثنا عمران : ثنا محمد بن سيرين : حدثتنا أم عطية : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا .
وإنما ذكر رواية عمران عن ابن سيرين وإن لم تكن على شرطه ؛ لأن فيها التصريح بسماع ابن سيرين له من أم عطية ، وسماع أم عطية له من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن من الرواة من رواه عن ابن سيرين ، عن أخته ، عن أم عطية ، والصحيح : رواية ابن سيرين ، عن أم عطية - : قاله الدارقطني وغيره ؛ فلذلك أشار البخاري إلى رواية عمران المصرحة بذلك . و الجلباب : قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما : هو الرداء ، ومعنى ذلك : أنه للمرأة كالرداء للرجل ، يستر أعلاها ، إلا أنه يقنعها فوق رأسها ، كما يضع الرجل رداءه على منكبيه . وقد فسر عَبيدة السلماني قول الله عز وجل : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ بأنها تدنيه من فوق رأسها ، فلا تظهر إلا عينها ، وهذا كان بعد نزول الحجاب ، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب ، ويرى من المرأة وجهها وكفاها ، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله عز وجل : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ثم أمرت بستر وجهها وكفيها ، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء ، ولهذا قال تعالى : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ يعني : حتى تعرف الحرة فلا يتعرض لها الفساق ، فصارت المرأة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب ، فلهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج في العيدين ، وقيل له : المرأة منا ليس لها جلباب ؟ فقال : لتلبسها صاحبتها من جلبابها - يعني : تعيرها جلبابا تخرج فيه .
وإذا علم هذا المعنى ، ففي إدخال هذا الحديث في باب : اللباس في الصلاة نظر ؟ فإن الجلباب إنما أمر به للخروج بين الناس ؛ لا للصلاة ، ويدل عليه : أن الأمر بالخروج دخل فيه الحيض وغيرهن ، وقد تكون فاقدة الجلباب حائضا ، فعلم أن الأمر بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال ، وليس من باب أخذ الزينة للصلاة ؛ فإن المرأة تصلي في بيتها بغير جلباب بغير خلاف ، وإنما تؤمر بالخمار ، كما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ، وحسنه . وفي إسناده اختلاف ، وقد روي موقوفا على عائشة ومرسلا ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري ومسلم ؛ وخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما .
وفي رواية لها : لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار . وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم ، أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم أن على المرأة الحرة البالغ أن تخمر رأسها إذا صلت ، وأنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة .
قال : وأجمعوا أن لها أن تصلي وهي مكشوفة الوجه . واختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة : فقالت طائفة : عليها أن تغطي ما سوى وجهها وكفيها ، وهو قول الأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال أحمد : إذا صلت تغطي كل شيء منها ، ولا يرى منها شيء ، ولا ظفرها .
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من المرأة عورة ، حتى ظفرها . قلت : قد تقدم أن كشف وجهها في الصلاة جائز بالإجماع ، والخلاف في الكفين ، وفيه عن أحمد روايتان . وقال الحسن : إذا بلغت المحيض فصلت ولم توار أذنيها فلا صلاة لها .
وعند أبي حنيفة : لا يجب عليها ستر اليدين ولا القدمين . وأما الوجه ، فقد ذكر ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز كشفه في الصلاة ، وهذا يدل على أن أخذ المرأة الجلباب في صلاة العيدين ليس هو لأجل الصلاة ، بل هو للخروج بين الرجال ، ولو كانت المرأة حائضا لا تصلي فإنها لا تخرج بدون جلباب .