باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به
ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولكلكم ثوبان ؟ . وقد رواه ابن عيينة والأوزاعي عن الزهري ، كما رواه مالك . ورواه يونس وعقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة .
قال أبو حاتم الرازي : كلاهما صحيح . ورواه الأوزاعي ، وفي روايته : قال : ليتوشح به ، ثم ليصل فِيهِ . وقيل : إنه تفرد بهذه اللفظة عن الزهري .
وقوله : أولكلكم ثوبان ؟ إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب واحد ، فلو لَمْ يصل أحد فِي ثوب واحد لشق ذَلِكَ عَلَى بعض النَّاس أو كثير منهم ، والحرج مرفوع عَن هذه الأمة بقوله : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وقوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فدلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، يشتمل به على منكبيه ، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو أفضل من الاتزار به ، وعقده على قفاه ، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه . هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم ، وسيأتي من حديث جابر التصريح بهذا المعنى . وكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به ، منهم : علي ، وجابر ، وخالد بن الوليد .
وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على خلاف ذلك ، وأن الاتزار بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال . وروى وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن عبد الله بن واقد قال : صليت إلى جنب ابن عمر وأنا متوشح ، فأمرني بالأزرة . وعن عون بن صالح ، عن حيان البارقي ، قال : قال ابن عمر : لا تلبب كتلبب اليهود - يعني : في التوشح .
وفي سنن أبي داود من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : أو قال عمر - : إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما ، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر ، ولا يشتمل اشتمال اليهود . وقد سبق أنه حديث مختلف في رفعه وفي وقفه على عمر بن الخطاب ، وقد روي موقوفا على ابن عمر من قوله . وفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها : إذا لم يجد أحدكم إلا ثوبا واحدا فليشده على حقويه ، ولا يشتمل اشتمال اليهود .
قال الأثرم في هذا الحديث : ليس كل أحد يرفعه ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه خلافه - يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب ، كما تقدم . وإن صح حديث ابن عمر فهو محمول على ما إذا لم يرده على عطفيه ، فإن ذلك هو السدل المكروه ، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة . وممن كره السدل في الصلاة : علي ، وابن مسعود ، قال أحمد : صح عن علي أنه كرهه ، وجعله من فعل اليهود ، واختلفوا فيه عن ابن عمر .
وفي كراهته أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال . وعن أحمد ، أنه لا يكره ، إلا إذا لم يكن تحته قميص . وكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما ، ورخص النخعي في السدل على القميص ، وكرهه على الإزار ، وحكي نحوه عن أحمد .
وفسر آخرون السدل بما ذكرنا ، وزادوا : أن يكون مسبلا تحت الكعبين ، وهذا هو المروي عن الشافعي ، وهو الذي ذكره أكثر أصحابه ، وبعض أصحابنا ، وقاله الخطابي وغيره ، وجعلوا حكمه حكم إسبال الإزار تحت الكعبين : إن كان خيلاء حرم ذلك ، وإن لم يكن خيلاء ففيه الاختلاف المشهور . والصحيح : أن ذلك ليس بشرط في السدل ، وأن الاختلاف في كراهة السدل إذا لم يعطف أحد طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مسبلا . والله أعلم .
قال يزيد بن أبي حكيم : رأيت سفيان الثوري يصلي مرخيا رداءه في الأرض ، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره ، غير أنه قد زر طرفي الثوب ، ممسكا عليها عند موضع الأزرة ، فسألته : أسدل هذا ؟ قال : لا ، حتى يرخيه ولا يمسكه . وكذلك روى إسحاق بن منصور ، أنه رأى أحمد يصلي سادلا ، وطرفا ثوبه بيده ، فإذا قام من الركوع خلى عنهما .