حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب فضل استقبال القبلة

حدثنا عمرو بن عباس : ثنا ابن مهدي : ثنا منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا تخفروا الله في ذمته . 392 - وحدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل . 393 - وقال علي بن عبد الله : ثنا خالد بن الحارث ، ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟ فقال : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم .

وقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذا الحديث قد خرجه البخاري من طريقين : أحدهما : من رواية منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس مرفوعا . وميمون بن سياه ، بصري اختلف فيه ، فضعفه ابن معين ، ووثقه أبو حاتم الرازي .

والثاني : من رواية حميد ، عن أنس - تعليقا - من ثلاثة أوجه ، عنه . وفي بعض النسخ أسنده . من أحدها : عن نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن حميد ، عن أنس ، ورفعه .

والثاني : علقه عن ابن المديني ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، أن ميمون بن سياه سأل أنسا - فذكره ، ولم يرفعه ، جعله من قول أنس . والثالث : علقه ، عن ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرح فيه بسماع حميد له من أنس ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومقصود البخاري بهذا : تصحيح رواية حميد ، عن أنس المرفوعة .

وقد نازعه في ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما سمعه حميد من ميمون بن سياه ، عن أنس . قال : ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : ثنا حميد : ثنا أنس ؛ فإن عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه ؛ لا يطوونه طي أهل العراق . يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلا بالسماع .

وقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنهم يصنعون ذلك كثيرا . ثم استدل الإسماعيلي على ما قاله بما خرجه من طريق عبيد الله بن معاذ : ثنا أبي : ثنا حميد ، عن ميمون بن سياه ، قال : سألت أنسا : ما يحرم دم المسلم وماله ؟ قال : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - الحديث . قال : وما ذكره عن علي ابن المديني عن خالد بن الحارث فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ ؛ لأن ميمون هوَ الذي سأل ، وحميد منه سمع .

والله أعلم . انتهى ما ذكره . ورواية معاذ بن معاذ ، عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفة .

وقد ذكر الدارقطني في العلل أنها هي الصواب ، بعد أن ذكر أن ابن المبارك ويحيى بن أيوب ومحمد بن عيسى بن سميع رووه عن حميد ، عن أنس مرفوعا . قال : وذكر هذا الحديث لعلي ابن المديني ، عن ابن المبارك . فقال : أخاف أن يكون هذا وهما ، لعله : حميد ، عن الحسن - مرسلا .

قال الدارقطني : وليس كذلك ؛ لأن معاذ بن معاذ من الأثبات . وقد رواه كما ذكرنا - يعني : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفا . وقد خرجه أبو داود في سننه من طريق يحيى بن أيوب كما أشار إليه البخاري .

وخرجه أبو داود - أيضا - والترمذي والنسائي من طريق ابن المبارك وحسنه الترمذي وصححه وغربه ، وذكر متابعة يحيى بن أيوب له . وخرجه النسائي - أيضا - من طريق محمد بن عيسى بن سميع : ثنا حميد عن أنس ورفعه . ومن طريق محمد بن عبد الله الأنصاري : ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنسا ، فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم المسلم وماله - فذكره موقوفا ، ولم يرفعه .

وهذه مثل رواية خالد بن الحارث التي ذكرها البخاري ، عن ابن المديني ، عنه ، وقد جعلا ميمون بن سياه سائلا لأنس ، ولم يذكرا أن حميدا رواه عن ميمون ، ولعل قولهما أشبه . وتابعهما معاذ بن معاذ على وقفه ، إلا أنه جعله : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس ، وهو الصحيح عند الإسماعيلي والدارقطني كما سبق . وأما رفعه مع وصله ، فقد حكى الدارقطني عن ابن المديني أنه أنكره .

وكذا نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، أنه قال : لا يسنده إلا ثلاث أنفس : ابن المبارك ويحيى بن أيوب وابن سميع . يشير إلى أن غيرهم يقفه ولا يرفعه ، كذا قال . وقد رواه أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس - مرفوعا .

خرج حديثه الطبراني وابن جرير الطبري . وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى المنذر بن ساوَى : أما بعد ؛ فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله والرسول . خرجه أبو عبيد .

وهو مرسل . وقد دل هذا الحديث على أن الدم لا يعصم بمجرد الشهادتين ، حتى يقوم بحقوقهما ، وآكد حقوقهما الصلاة ؛ فلذلك خصها بالذكر . وفي حديث آخر أضاف إلى الصلاة الزكاة .

وذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة ، وإلا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم ، ولو شهد بشهادة التوحيد . وفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة ؛ فإنه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها ، كالطهارة وغيرها . وذكره أكل ذبيحة المسلمين ، فيه إشارة إلى أنه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة ، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين ، وموافقتهم في ذبيحتهم ، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن أحيانا من يدخل في الإسلام ، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين ، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله ؛ ليتحقق بذلك إسلامه . فروي أنه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب ، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب ، وقال لهم : أن إسلامكم لا يتم إلا بأكله . فلو أسلم يهودي ، وأقام ممتنعا من أكل ذبائح المسلمين ، كان ذلك دليلا على عدم دخول الإسلام في قلبه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا يصير بذلك مسلما .

ويشهد لذلك : قول عمر فيمن أسلم من أهل الأمصار وقدر على الحج ولم يحج ، أنه هم بضرب الجزية عليهم ، وقال : ما هم بمسلمين . وحكي عن الحسن بن صالح ، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب ، وأقام بها مع قدرته على الخروج ، فهو كالمشرك في دمه وماله ، وأنه إن لحق المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مرتدا بذلك . وقوله : فذلك المسلم ، له ذمة الله ورسوله .

الذمة : العهد ، وهو إشارة إلى ما عهده الله ورسوله إلى المسلمين بالكف عن دم المسلم وماله . وقوله : فلا تخفروا الله في ذمته ، أي : لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله ، فلا تفوا له بالضمان ، بل أوفوا له بالعهد . وهو مأخوذ من قولهم : أخفرت فلانا ، إذا غدرت به ، ويقولون : خفرته ، إذا حميته .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث