حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب قول الله عز وجل وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى

ثنا إسحاق بن نصر : ثنا عبد الرزاق : أبنا ابن جريج ، عن عطاء ، قال : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة ، وقال هذه القبلة . هكذا خرجه البخاري عن إسحاق بن نصر ، عن عبد الرزاق . وقد رواه أصحاب عبد الرزاق كلهم ، منهم : الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، فجعلوه : عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد .

وكذا رواه أصحاب ابن جريج عنه ، منهم : محمد بن بكر البرساني ، وأبو عاصم ، ويحيى بن سعيد وغيرهم . فسقط من إسناد البخاري ذكر : أسامة بن زيد ، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي والبيهقي . لكن رواه همام ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، لم يذكر فيه : أسامة .

وهذا مما كان ابن عباس يرسله أحيانا ، ويسنده أحيانا . وكذلك خرجه البخاري في الحج من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، إلا أن رواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج فيها ذكر أسامة ؛ فإسقاطه منها وهم . وقد تعارض ما نقله ابن عمر ، عن بلال ، وما نقله ابن عباس ، عن أسامة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة .

وقد روي عن ابن عمر ، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة - أيضا - بخلاف رواية ابن عباس ، عن أسامة ، وهو في رواية لمسلم في صحيحه على اختلاف وقع في لفظه خارج الصحيح ؛ فإن من رواة الحديث من أسند الصلاة فيها إلى بلال دون صاحبيه اللذين كانا معه في الكعبة . وقد روي ذلك عن أسامة من وجهين آخرين . خرجهما الإمام أحمد في المسند .

وقد اختلف الناس في الجمع بين إثبات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة ونفيها : فمنهم : من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية ، وهي الدعاء ، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال ، لا سيما وقد روي عن أسامة إثبات الصلاة ونفيها . والأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية ، وهو الأظهر . ثم اختلفوا : فمنهم : من رجح حديث الإثبات على حديث النفي ، وقال : مع تعارض النفي والإثبات يقدم الإثبات ؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي ، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء .

وذكر الأزرقي في كتابه ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، قال : بلغني أن الفضل بن عباس دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فجاء وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يره ، فلذلك كان ينكر أنه صلى . وحديث الفضل في إنكاره الصلاة ، قد خرجه الإمام أحمد من رواية أخيه عبد الله ، عنه . ومنهم من قال : المثبت للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح ، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع ، وهذا قول ابن حبان .

وهو ضعيف جدا ؛ لوجهين : أحدهما : أن ابن عباس لم ينف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة في وقت دون وقت ، بل كان ينكر ذلك جملة ، وكان يكره الصلاة في الكعبة ، ويقول : لا يستدبر من البيت شيء . والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال : إنه دخل ولم يصل ، وابن عباس قال : إنه دخل ودعا ولم يصل . وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة : فكان ابن عباس يكره الصلاة فيها بكل حال : الفرض والنفل وهو قول طاوس ، وأصبغ من المالكية ، وابن جرير الطبري .

وقالت طائفة : تجوز فيها صلاة الفرض والنفل ، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي . وقالت طائفة : يصلى فيها النفل دون الفرض ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وأحمد في ظاهر مذهبه . لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها نفلا ، والنوافل يخفف فيها في استقبال القبلة دون الفرائض ، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة ، وأما الفرض فلا يجوز إلا إلى القبلة مع القدرة ، فيشترط له استقبال جميع البيت ، وأن لا يكون مستدبرا لشيء منه .

وقال أحمد : إذا صلى فيها لا يصلي إلى أي جهة شاء ، بل يستقبل الجهة التي استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تجاه الباب إذا دخل ، ويجعل الباب وراء ظهره . ولم يرخص في الصلاة فيها إلا على هذا الوجه ، وحمل أصحابنا ذلك على الاستحباب ، وفيه نظر . وقوله : ركع ركعتين في قبل القبلة ، قبل - بضم الباء ، ويجوز إسكانها - والمراد به : وجه الكعبة ، كما في حديث ابن عمر المتقدم .

وقد تقدم أن المراد به : عند باب البيت . وقد روي أنه المقام الذي أم فيه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عند فرض الصلاة . خرجه الأزرقي من حديث مسلم بن خالد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن حكيم بن حكيم ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين .

وكذا خرجه ابن وهب في مسنده عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، به . وقد خرجه أبو داود والترمذي ، وعندهما : أمني جبريل عند البيت مرتين . وروى ابن جرير من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب .

وروى الأزرقي بإسناده عن ابن أبي نجيح ، قال : قال عبد الله بن عمرو بن العاص : البيت كله قبلة ، وقبلته وجهه ، فإن أخطأك وجهه فقبلة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبلته ما بين الميزاب إلى الركن الشامي الذي يلي المقام . وكأنه يريد : أن هذه الجهة هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها وهو بالمدينة ، فإنها قبلة أهل المدينة . وروى - أيضا - بإسناده عن ابن جريج ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، عن ابن السائب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح في وجهة الكعبة ، حذو الطرفة البيضاء ، ثم رفع يديه ، فقال : هذه القبلة .

وخرج الإمام أحمد من طريق ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، أن ابن عباس كان يخبر ، أن الفضل بن عباس أخبره ، أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم البيت ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في البيت حين دخل ، ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت . وخرج النسائي من حديث عطاء ، عن أسامة ، أنه دخل هو والنبي صلى الله عليه وسلم البيت ، ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجهة الكعبة ، فقال : هذه القبلة ، هذه القبلة . وقوله صلى الله عليه وسلم : هذه القبلة ، قال ابن جرير : مراده : أن الكعبة هي القبلة ، وأن قبلة الكعبة الباب .

وقد صرح جماعة من العلماء ، منهم : سفيان الثوري بأن الصلاة إلى جهة الباب عند البيت أفضل من الصلاة إلى جهة أخرى ، وأن وقوف الإمام عند الباب أفضل . وقال الخطابي : يحتمل أنه أراد أنه قد استقر أمر هذه القبلة فلا ينسخ كما نسخ بيت المقدس ، ويحتمل أن يكون علمهم السنة في مقام الإمام واستقبال البيت من جهة الكعبة ، وإن كانت الصلاة من جهاتها جائزة ، ويحتمل أن يكون دل به على أن حكم من شاهد البيت وعاينه في استقباله حسا خلاف حكم من غاب عنه ، فيصلي إليه توخيا واستدلالا . وزعم غيره : أن مراده : أن القبلة هي الكعبة نفسها ، لا المسجد ولا الحرم ، وهذا قاله بعض من يرى أن الواجب على البعيد الاستدلال على العين .

وقول الخطابي أصح من هذا . والله أعلم . وقد اختلف الناس في مقام إبراهيم الذي صلى النبي صلى الله عليه وسلم وراءه ركعتين في حجه وعمرته : هل كان عند باب البيت ؟ أم كان في مكانه الآن ؟ على قولين : أحدهما : أنه كان في مكانه الآن ، وهذا قول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وسفيان بن عيينة ، ولم يذكر الأزرقي غير هذا القول .

وروى شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : كان المقام إلى لزق البيت ، فقال عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو نحيته من البيت ليصلي الناس إليه ، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وذكر موسى بن عقبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخره في يوم الفتح إلى مكانه الآن ، وكان ملصقا بالبيت . فعلى هذا : يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى وراءه في موضعه الآن في حجته ، وأما في عمرة القضية فصلى وراءه عند البيت . والقول الثاني : أنه كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ملصقا بالبيت ، وإنما أخره عمر إلى مكانه الآن ، هذا قول عروة بن الزبير ، رواه هشام بن عروة ، عن أبيه .

وروي عنه ، عن أبيه ، عن عائشة . وروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من وضع المقام في موضعه الآن ، وإنما كان في قبل الكعبة . وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : كان المقام إلى جنب البيت ، كانوا يخافون عليه من السيول ، وكان الناس يصلون خلفه ، فقال عمر للمطلب : هل تدري أين كان موضعه الأول ؟ قال : نعم ، فوضعه موضعه الآن .

وروي - أيضا - نحوه عن ابن عيينة ، خلاف قوله الأول . وقال مالك : كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه الآن ، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل ، فكان كذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، فلما ولي عمر وحج رده إلى موضعه الذي هو فيه اليوم ، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة ، قيس بها حين أخر - : ذكر ذلك صاحب تهذيب المدونة . وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ركعتي الطواف خلف المقام ، وهو لاصق بالبيت .

فعلى هذا ؛ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في قبل الكعبة وقال : هذه القبلة أشار إلى المقام الذي أمر الله باتخاذه مصلى . وقد ورد هذا في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح الكعبة وأخرج مقام إبراهيم ، وكان في الكعبة فألزقه إلى حائط الكعبة ، ثم قال : أيها الناس ، هذه القبلة . خرجه ابن مردويه .

والكلبي ، متروك لا يحتج به . وقد ذهب قوم إلى أنه يستحب صلاة ركعتي الطواف في قبل البيت حيث كان المقام عندهم . فروى عبد الرزاق ، عن جعفر ، عن عطاء بن السائب ، أنه رأى سالم بن عبد الله طاف مع هشام بن عبد الملك ، فلما فرغا من طوافهما ذهب هشام ليركع عند المقام ، فأخذ سالم بيده ، وقال : هاهنا ، فانطلق به إلى قبل البيت ، فترك من كسوته ثلاث شقاق مما يلي الحجر ، ثم استقبل الرابعة ، ثم صلى إليها ، ثم قال : إن المقام كان هاهنا ليس بينه وبين البيت إلا مقدار أربع أذرع ، فلما كثر الناس وتضيقوا حمله عمر فجعله هاهنا في هذا المكان الذي هو فيه .

وقد روي : أن الناس كانوا يصلون إلى جانب البيت ، وأن أول من صلى خلف المقام عمر في خلافته . روى الإمام أحمد في كتاب المناسك عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر - بعض خلافته - كانوا يصلون إلى صقع البيت ، حتى صلى عمر خلف المقام . وعن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف بالبيت صلى الركعتين إلى صقع البيت .

قال أبو معاوية : يعني : حائط البيت . قال : وفعل ذلك أبو بكر ، ثم فعل ذلك عمر شطرا من خلافته ، ثم قال : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فصلى إلى المقام ، فصلى الناس بعده . وهذا يوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى المقام ، وهذا باطل يرده حديث ابن عمر وجابر كما تقدم ، وهذا يناقض ما قاله عروة : إن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ملصقا بالبيت ، فكيف يكون كذلك ثم يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر صليا عند البيت ، ولم يصليا خلف المقام إلى أن صلى خلفه عمر ؟ فقد اضطرب قول عروة في هذا واختلف .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا خطب بالمسجد الحرام عند باب الكعبة . وروي أنه خطب يوم الفتح على درج باب الكعبة . وفي المسند ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وظهره إلى الملتزم .

ولم يكن بمكة منبر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكر الأزرقي في كتابه عن جده ، عن عبد الرحمن بن حسن ، عن أبيه ، قال : أول من خطب بمكة على منبر معاوية بن أبي سفيان ، قدم به من الشام سنة حج في خلافته ، منبر صغير على ثلاث درجات ، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما في وجه الكعبة وفي الحجر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث