باب المساجد في البيوت
باب المساجد في البيوت وصلى البراء بن عازب في مسجد في داره في جماعة مساجد البيوت ، هي أماكن الصلاة منها ، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها . وقد قدمنا في آخر كتاب : الحيض أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مسجد بيته في بيت ميمونة ، وهي مضطجعة إلى جانبه ، وهي حائض . وروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة ، فوجده يتسحر في مسجد بيته .
خرجه الإمام أحمد . وروى محمد بن سعد : أبنا قبيصة : أبنا سفيان : عن أبيه ، قال : أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر . وبإسناده : عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، قال : أول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر .
وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المسبلة ، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض . هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء . ومنع إسحاق من جلوس الجنب فيها والحائض - : نقله عنه حرب .
وأجاز الاعتكاف فيها للمرأة خاصة طائفة من فقهاء الكوفيين ، منهم : النخعي والثوري وأبو حنيفة . وعنه وعن الثوري : أن المرأة لا يصح اعتكافها في غير مسجد بيتها . وقول الأكثرين أصح .
وقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟ فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة . خرجه حرب الكرماني . وروى عمرو بن دينار ، عن جابر ، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها ؟ قَالَ : لا يصلح ، لتعتكف فِي مسجد ؛ كما قال الله : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ خرجه الأثرم .
وجابر هذا يحتمل أنه جابر بن عبد الله الصحابي ، ويحتمل أنه جابر بن زيد أبو الشعثاء التابعي . واعتكف أبو الأحوص صاحب ابن مسعود في مسجد بيته . ورخص فيه الشعبي .
وهؤلاء جعلوا مساجد البيوت حكمها حكم المساجد في الاعتكاف ، ولو كان هذا صحيحا لاعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مساجد بيوتهن ، وإنما كن يعتكفن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . وأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة في المساجد ، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد . قال حرب : قلت لأحمد : فالقوم نحو العشرة يكونون في الدار ، فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد ؟ قال : يخرجون إلى المسجد ، ولا يصلون في الدار ، وكأنه قال : إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه ويقام .
انتهى . ومتى كان المسجد يؤذن فيه ويقام ويجتمع فيه الناس عموما ، فقد صار مسجدا مسبلا ، وخرج عن ملك صاحبه بذلك عند الإمام أحمد ، وعامة العلماء ، ولو لم ينو جعله مسجدا مؤبدا . ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن بنى مسجدا من داره ، أذن فيه وصلى مع الناس ، ونيته حين بناه وأخرجه أن يصلي فيه ، فإذا مات رد إلى الميراث ؟ فقال أحمد : إذا أذن فيه ودعا الناس إلى الصلاة فلا يرجع بشيء ، ونيته ليس بشيء .
ووجه هذا : أن الإذن للناس في الصلاة إذا ترتب عليه صلاة الناس ، فإنه يقوم مقام الوقف بالقول مع حيازة الموقوف عليه ، ورفع يد الواقف ، فيثبت الوقف بذلك ، ونية رجوعه إلى ورثته كنية توقيت الوقف ، والوقف لا يتوقت بل يتأبد ، وتلغو نيته توقيته . وقال حرب - أيضا - سمعت إسحاق يقول : الاعتكاف في كل مسجد خارج من البيت جائز ، وإن كانت الدار عظيمة مما يجتمع أهل المحلة في مسجد تلك الدار ، ويدخلها غير أهل الدار لما جعل المسجد لله جاز الاعتكاف فيه - أيضا - فأما رجل جعل مسجدا لنفسه ، ولم يجعله للجماعة ترفقا بنفسه ، فإنه لا يكون فيه اعتكاف ، ولا فضل الجماعة - أيضا - إلا أن يكون به عذر ، ولا يمكنه أن يستقل إلى المسجد ، فحينئذ يكون له فضل الجماعة في ذلك المسجد ، فإن اعتكف فيه كان له أجر ، ولا يسمى معتكفا ؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في موضع بارز . وبكل حال ؛ فينبغي أن تحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت ، وتنظف وتطهر .
قال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوت : ترفع ولا تشرف ، وتفرغ للصلاة ، ولا تجعل فيها شيئا . وقد روي من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان فِي صحيحيهما .
وخرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا ، من غير ذكر : عائشة . وقال : هو أصح . وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله .
وقال الدارقطني : الصحيح المرسل . وخرجه الإمام أحمد - أيضا - من رواية ابن إسحاق : حدثني عمر بن عبد الله بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عمن حدثه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا ، وأن نصلح صنعتها ونطهرها . وخرجه أبو داود بنحو هذا اللفظ من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد اختلف في تفسير الدور في هذه الأحاديث : فقيل : المراد بها البيوت ، وبذلك فسره الخطابي وغيره . وخرج ابن عدي حديث عائشة ، ولفظه : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتنظيف المساجد التي في البيوت . وقال أكثر المتقدمين : المراد بالدور هنا : القبائل ، كقوله صلى الله عليه وسلم : خير دور الأنصار دار بني عبد الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، ثم دار بني ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خير .
وبهذا فسر الحديث سفيان الثوري ووكيع بن الجراح وغيرهما . وعلى هذا : فالمساجد المذكورة في الحديث هي المساجد المسبلة في القبائل والقرى ؛ دون مساجد الأمصار الجامعة .