باب الصلاة في مواضع الإبل
باب الصلاة في مواضع الإبل 430 - حدثنا صدقة بن الفضل : ثنا سليمان بن حيان : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، قال : رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره ، فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله سليمان بن حيان ، هو : أبو خالد الأحمر . وقد خرج الشيخان هذا الحديث في صحيحيهما من طريقه ، ومن طريق المعتمر بن سليمان - أيضا - عن عبيد الله بن عمر . ورواه - أيضا - شريك ، عن عبيد الله كذلك .
وخالفهم ابن نمير ومحمد بن عبيد ، فروياه عن عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يفعل ذلك - ولم يرفعاه . وزعم الدارقطني : أنه الصحيح . وتصرُّف الشيخين يشهد بخلاف ذلك ، وأن الصحيح رفعه ؛ لأن من رفعه فقد زاد ، وهم جماعة ثقات .
والحديث نص في جواز الصلاة إلى البعير . قال ابن المنذر : فعل ذلك ابن عمر وأنس ، وبه قال مالك والأوزاعي . وقال أبو طالب : سألت أحمد : يصلي الرجل إلى بعيره ؟ قال : نعم ؛ النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وابن عمر .
وكلام أحمد هذا يدل على صحة رفع الحديث عنده ، كما هي طريقة البخاري ومسلم . وممن روى عنه الاستتار ببعيره في الصلاة : سويد بن غفلة ، والأسود بن يزيد ، وعطاء ، والقاسم ، وسالم . وقال الحسن : لا بأس به .
قال ابن عبد البر : لا أعلم فيه خلافا . ونقل البويطي ، عن الشافعي : أنه لا يصلي إلى دابة . قال بعض أصحابه المتأخرين : لعل الشافعي لم يبلغه الحديث ، وقد وصانا باتباع الحديث إذا صح ، وقد صح هذا الحديث ، ولا معارض له .
وتبويب البخاري : يدل على أن هذا الحديث يؤخذ منه أنه يجوز الصلاة في مواضع الإبل وأعطانها ، وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم . وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن مسائل ، منها : الصلاة في أعطان الإبل ، فكتب له في جوابه : وأما ما ذكرت من معاطن الإبل ، فقد بلغنا أن ذلك يكره ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته ، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة ، فيصلي إليها ، وهي تبعر وتبول . وروى وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر - هو : الجعفي - عن عامر الشعبي ، عن جندب بن عامر السلمي ، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم .
ورخص سفيان الثوري في الصلاة في أعطان الإبل ، ذكره بعض المصنفين على مذهبه ، وقال : رواه عنه القناد . وأكثر أهل العلم على كراهة الصلاة في أعطان الإبل . قال ابن المنذر : وممن روينا عنه أنه رأى الصلاة في مرابض الغنم ، ولا يصلي في أعطان الإبل : جابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، والحسن ، ومالك ، وإسحاق ، وأبو ثور .
انتهى . وهو - أيضا - قول الشافعي وأحمد . وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة ، وقد سبق حديث جابر بن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، والأمر بالصلاة في مرابض الغنم .
خرجه مسلم . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل . وصححه الترمذي ، وإسناده كلهم ثقات ، إلا أنه اختلف على ابن سيرين في رفعه ووقفه .
قال الدارقطني : كانت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقيا . وخرجه الترمذي من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه - أيضا - وذكر في كتاب العلل عن البخاري : أن المعروف وقفه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل ؟ فقال : لا تصلوا في مبارك الإبل ؛ فإنها من الشياطين .
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم ؟ فقال : صلوا فيها ؛ فإنها بركة . قال ابن عبد البر : هو أحسن أحاديث الباب ، وأكثرها تواترا . وروى الحسن ، عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل .
خرجه الإمام أحمد والنسائي . وخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه ، ولفظهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل ، فإنها خلقت من الشياطين . وفي رواية للإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها من الجن خلقت ، ألا ترون عيونها وهبتها ، إذا نفرت ، وصلوا في مرابد الغنم ؛ فإنها هي أقرب من الرحمة .
وخرجه الشافعي بإسناد فيه ضعف ، ولفظه : إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها ؛ فإنها سكينة وبركة ، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم فِي أعطان الإبل فاخرجوا مِنْهَا فصلوا ؛ فإنها جن من جن خلقت ، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها . وله طرق متعددة عن الحسن . قال ابن عبد البر : رواه عن الحسن خمسة عشر رجلا .
والحسن ، سمع من عبد الله بن مغفل - : قاله الإمام أحمد . وخرج مسلم حديثه عنه في صحيحه . وخرج الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل .
وخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعا - من رواية يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عنه - مرفوعا . ويونس وثقه غير واحد . لكن رواه مالك عن هشام ، عن أبيه ، عن رجل من المهاجرين ، أنه سأل عبد الله بن عمرو - فذكره ، ولم يرفعه .
ورواه عبدة ووكيع ، عن هشام : حدثني رجل من المهاجرين - فذكره ، ولم يذكر في الإسناد : عروة . قال مسلم في كتاب التمييز : وهو الصواب . واختلف القائلون بالكراهة : هل تصح الصلاة في أعطان الإبل ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : تصح ، وهو رواية عن أحمد ، وأنه يعيد الصلاة استحبابا .
والمشهور عن أحمد : أنها لا تصح ، وعليه الإعادة . وعنه رواية ثالثة : إن علم بالنهي لم تصح ، وإلا صحت . وعلله أصحاب الشافعي بأنها تنفر ، فربما قطعت على المصلي صلاته .
وهذا ضعيف ؛ لوجهين : أحدهما : أنه يبطل بالصلاة إلى البعير ، لكن في كلام الشافعي ما يدل على كراهته . والثاني : أنه ينتقض بما إذا لم تكن الإبل في أعطانها ، فإن الكراهة لا تنتفي بذلك . والمنصوص عن الشافعي : التعليل بما ورد به النص ، أنها خلقت من الشياطين .
قال الشافعي : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها جن من جن خلقت دليل على أنه إنما نهى عنها ، كما قال حين نام عن الصلاة : اخرجوا بنا من هذا الوادي ، فإنه واد به شيطان . فكره أن يصلي قرب شيطان ، وكذا كره أن يصلي قرب الإبل ؛ لأنها خلقت من جن ، لا لنجاسة موضعها . وذكر أبو بكر الأثرم معنى هذا - أيضا - وأنه إنما كره الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأنها خلقت من الشياطين .
وقد فسر ابن قتيبة خلق الإبل من الشياطين بأنها خلقت من جنس خلقت منه الشياطين . قال : وورد في حديث آخر أنها خلقت من أعيان الشياطين ، يريد من نواحيها وجوانبها . قال : ولم تزل العرب تنسب جنسا من الإبل إلى الحوش ، فتقول : ناقة حوشية ، وإبل حوشية ، وهي أنفر الإبل وأصعبها ، ويزعمون أن للجن إبلا ببلاد الحوش ، وأنها ضربت في نعم الناس فنتجت منها هذه الحوشية ، فعلى هذا يجوز أن يراد أنها خلقت من نتاج نعم الجن ، لا من الجن نفسها .
انتهى . ويجوز أن يكون خلقت في أصلها من نار ، كما خلقت الجن من نار ، ثم توالدت كما توالدت الجن . والله تعالى أعلم .
وزعم الخطابي أنها نسبت إلى الشياطين لما فيها من النفار والشرود . قال : والعرب تسمي كل مارد شيطانا . وقال أبو عبيد : المراد : أنها في أخلاقها وطبائعها تشبه الشياطين .
وقد ورد في حديث آخر : إن على ذروة كل بعير شيطانا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على بعيره النوافل ، وهذا مما يستدل به من يقول : إن النهي عن الصلاة في الأعطان لا يمنع صحة الصلاة . واختلفوا في تفسير أعطان الإبل . فقال الشافعي : العطن : قرب البئر التي يستقى منها ، وتكون البئر في موضع ، والحوض قريبا منها ، فيصب فيه فيملأ ، فتسقى الإبل ثم تنحى عن البئر شيئا حتى تجد الواردة موضعا ، فذلك العطن .
قال : وليس العطن مراحها الذي تبيت فيه . وكره أصحابه الصلاة في مأواها بالليل دون كراهة العطن . وقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله - : العطن : الذي تقيم في المكان تأوي إليه .
وقال - في رواية ابنه صالح - : يعيد الصلاة إذا صلى في الموضع الذي تأوي إليه . وقال أبو بكر الخلال : العطن : الذي تأوي إليه بالليل والنهار . وقال أصحاب مالك : لا يصلي في أعطان الإبل التي في المناهل .
وهذا يشبه قول الشافعي ، وهو وجه لأصحابنا - أيضا - وأن العطن : هو موضع اجتماعها إذا صدرت عن المنهل ، وبذلك فسره كثير من أهل اللغة . وبكل حال ؛ فليس الموضع الذي تنزله في سيرها عطنا لها ، ولا تكره الصلاة فيه ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره ، ولم يكن يدخل إلى أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها ، فلا تعارض حينئذ بين صلاته إلى بعيره ، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل ، كما توهمه البخاري ومن وافقه . والله أعلم .
وأما مواضع البقر فغير منهي عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء ، ومنهم : عطاء ومالك وابن المنذر ، واستدل لَهُ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : أينما أدركتك الصلاة فصل ، فهو مسجد . وقد ورد فيه حديثان : أحدهما : خرجه ابن وهب في مسنده عن سعيد بن أبي أيوب ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن مغفل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في معاطن الإبل ، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر . وفي إسناده جهالة .
والثاني : من حديث ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر . خرجه الإمام أحمد . وهذا إسناد ضعيف .
والله أعلم .