حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الشِّعر في المسجد

باب الشِّعر في المسجد 453 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع : أبنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله ، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يا حسان ، أجب عن رسول الله ، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة : نعم ليس في هذه الرواية التي خرجها البخاري هاهنا ذكر إنشاد حسان في المسجد ، إنما فيه ذكر مدح حسان على إجابته عن النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له على ذلك ، وكفى بذلك دليلا على فضل شعره المتضمن للمنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والرد على أعدائه والطاعنين عليه ، والمساجد لا تنزه عن مثل ذلك . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من الشعر حكمة . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعا .

وخرج - أيضا - من حديث البراء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان : اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك . وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه ؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله ، وَهُوَ يتولى نصر رسله وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم ، كما تولى إهلاك قوم لوط وفرعون في البحر . فمن نصر رسول الله وذب عنه أعداءه ونافح عنه كان جبريل معه ومؤيدا له كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ وقد خرج البخاري في بدء الخلق عن ابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : مر عمر في المسجد وحسان ينشد ، فقال : كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك الله ، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال : نعم .

وهذا نوع إرسال من ابن المسيب ؛ لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان عند أكثر العلماء الذين قالوا : لم يسمع من عمر ومنهم من أثبت سماعه منه شيئا يسيرا . وقد خرج هذا الحديث مسلم ، عن غير واحد ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن عمر مر بحسان - فجعل الحديث كله عن أبي هريرة متصلا . ورواية ابن المديني أصح ، وكذا رواه جماعة عن الزهري .

وروى ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما ، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قالت : ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر - أو ينافح - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه الترمذي . وخرجه - أيضا - في طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - مثله .

وقال : حسن صحيح غريب ، وهو حديث ابن أبي الزناد . يعني : أنه تفرد به . وخرجه أبو داود من الطريقين - أيضا - .

وكذلك خرجه الإمام أحمد ، وعنده : ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعر . وذكره البخاري في موضع آخر من صحيحه - تعليقا - فقال : وقال ابن أبي الزناد . وخرجه الطبراني ، وزاد في حديثه : فينشد عليه الأشعار .

وروى سماك ، عن جابر بن سمرة ، قَالَ : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد ، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية ، فربما تبسم معهم . خرجه الإمام أحمد . وخرجه النسائي ، ولفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ، فيتحدث أصحابه ، ويذكرون حديث الجاهلية ، وينشدون الشعر ، ويضحكون ، ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وخرجه مسلم ، إلا أنه لم يذكر الشعر . وقد روي ما يخالف هذا ، وهو النهي عن إنشاد الأشعار في المساجد : فروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ينشد في المسجد الأشعار - في حديث ذكره . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، قال : حديث حسن .

وخرج أبو داود نحوه من حديث حكيم بن حزام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد فيه نظر وانقطاع . وروى أبو القاسم البغوي في معجمه من طريق ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام ، عن أبيه ، قال : أتى ابن الحمامة السلمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ؟ فَقَالَ : إني أثنيت عَلَى ربي تعالى ومدحتك . قَالَ : أمسك عليك ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج به من المسجد ، فقال : ما أثنيت به على ربك فهاته ، وأما مدحي فدعه عنك ، فأنشد حتى إذا فرغ دعا بلالا ، فأمره أن يعطيه شيئا ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ، فوضع يده على حائط المسجد ، فمسح به وجهه وذراعيه ، ثم دخل .

وهذا مرسل ، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد ، وهو رد على من كرهه من متأخري الفقهاء ، وهو من التنطع والتعمق . وروى وكيع في كتابه عن مبارك بن فضالة ، عن ظبيان بن صبيح الضبي ، قال : كان ابن مسعود يكره أن ترفع الأصوات في المساجد ، أو تقام فيها الحدود ، أو ينشد فيها الأشعار ، أو تنشد فيها الضالة . وروى أسد بن موسى في كتاب الورع : ثنا ضمرة ، عن ابن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، قال : كان أهل العلم يكرهون أن ينشد الرجل ثلاثة أبيات من شعر في المسجد حتى يكسر الثالث .

وهذا تفريق بين قليل الشعر فيرخص فيه ، وهو البيت والبيتان ، وبين كثيره ، وهو ثلاثة أبيات فصاعدا . وقال ابن عبد البر : إنما ينشد الشعر في المسجد غبا من غير مداومة . قال : وكذلك كان حسان ينشد .

وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المساجد ، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية ، وما لا يليق ذكره في المساجد ، ولكن الحديث المرسل يرد ذلك . والصحيح في الجواب : أن أحاديث الرخصة صحيحة كثيرة ، فلا تقاوم أحاديث الكراهة في أسانيدها وصحتها . ونقل حنبل ، عن أحمد ، قال : مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا ينشد فيه شعر ، ولا يمر فيه بقطع اللحم ، يجتنب ذلك كله ، كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث