باب الاستلقاء في المسجد
باب الاستلقاء في المسجد 475 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى . وعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : كان عمر وعثمان يفعلان ذلك 138 هذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري ، عنه ، عن عباد ، عن عمه . وخالفهم عبد العزيز بن الماجشون ، فرواه عن الزهري : حدثني محمود بن لبيد ، عن عباد .
فزاد في إسناده : محمود بن لبيد ، وهو وهم - : قاله مسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما . وعم عباد بن تميم ، هو : عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، صاحب حديث الوضوء . والاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان ، ما لم يكن منبطحا على وجهه ؛ فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك ، وقال : إنها ضجعة يبغضها الله عز وجل .
وقد ذكرنا إسناده في باب : النوم في المسجد . وقد ذكر الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان ، أنهما كانا يفعلان ذلك . وأما الاستلقاء على هذا الوجه ، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه : فروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة ، وأبي سعيد ، وقتادة بن النعمان ، وسعيد بن جبير .
وقد روي النهي عنه مرفوعا . خرجه مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويروى - أيضا - من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد - وهو : قتادة بن النعمان .
وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه . وممن روي أنه كان يفعله : عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه . واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره .
ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن . وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود . خرجه الطحاوي .
وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني ابن المسيب ، قال : كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما . قال الزهري : وجاء الناس بأمر عظيم . وقال الحكم : سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى ؟ فقال : لا بأس به ، إنما هذا شيء قاله اليهود : إن الله لما خلق السماوات والأرض استراح ، فجلس هذه الجلسة ، فأنزل الله عز وجل : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾.
خرجه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه . وقد ذكر غير واحد من التابعين : أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ، منهم : عكرمة وقتادة . فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه ، وإنما هو متلقى عن اليهود ، ومن قال : إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ .
وهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان ، عن أبيه ، عن سعيد بن الحارث ، عن عبيد بن حنين : سمع قتادة بن النعمان يحدثه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بمعنى قول أبي مجلز . وفي آخره : وقال عز وجل : إنها لا تصلح لبشر . وعبيد بن حنين ، قيل : إنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي .
وفليح ، وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه ، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي - : فليح واهي الحديث ، وابنه محمد واهي الحديث . ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه أنه قال : إنها لا تصلح لبشر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به ، وأتبعهم لهديه وسنته . وقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه آخر منقطع ، من رواية سالم أبي النضر ، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه - أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن ذلك .
خرجه الإمام أحمد . وهذا محتمل ، كما رواه عنه جابر وغيره . فأما هذه الطامة ، فلا تحتمل أصلا .
وقد قيل : إن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود ، فظنه مرفوعًا فرفعه ، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة ، وأنكر ذلك عليهم ، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أهل الكتاب . فروى مسلم بن الحجاج في كتاب التفصيل والبيهقي فِي المدخل من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عروة ، عن عروة ، أن الزبير سمع رجلا يحدث حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستمع الزبير له ، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . فَقَالَ الزُّبَيْر : هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَدْ - لعمري - سَمِعْت هَذَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حاضر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ هذا الحديث ، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه ، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى مسلم - أيضا - في كتاب التفصيل بإسناد صحيح ، عن بكير بن الأشج ، قال : قال لنا بسر بن سعيد : أيها الناس ، اتقوا الله ، وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة : إما على عبد الله بن سلام ، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها ، لطال الأمر .