باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي
حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي : ثنا أنس بن عياض : ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزوة ، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فعرس ثم حتى يصبح ، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وهي ميقات أهل المدينة ، وتسمى - أيضا - : الشجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع ، وقد اعتمر منها مرتين : عمرة الحديبية ، وعمرة القضية . وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بها تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها ، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا ، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم منها ، وكان يصلي بها في موضع المسجد . وقد روي أنه صلى في المسجد ، ولعل المراد في بقعته وأرضه ، قبل أن يجعل مسجدا ، حتى يجمع بذلك بين الحديثين .
وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر - أيضا - عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة . وخرج مسلم من حديث الزهري ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بذي الحليفة مبدأه ، وصلى في مسجدها . ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل .
وفي الصحيحين من حديث مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعني : مسجد ذي الحليفة . وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة : إلا من عند الشجرة . وخرج البخاري - أيضا - في الحج من حديث عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي عز وجل ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ؛ وقل : عمرة في حجة .
ووادي العقيق متصل بذي الحليفة . فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى مكة . فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة ، أو من غزاة في تلك الجهة ، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك ، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فيعرس هناك حتى يصبح .
قال الخطابي : التعريس : نزول استراحة بغير إقامة ، وفي الأكثر يكون آخر الليل ، ينزلون فينامون نومة خفيفة ، ثم يرتحلون . قال : والبطحاء : حجارة ورمل . قلت : المراد بالتعريس هنا : نومه حتى يصبح .
وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ، وبات حتى يصبح . وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ، وكان عبد الله يفعل ذلك . ومن طريق موسى بن عقبة ، قال : حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي ، قيل له : إنك ببطحاء مباركة .
وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسط من ذلك . وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله ، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ آخر . فظهر من هذه الأحاديث كلها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت بالمعرس ، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هناك ، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان قريبًا منه .
وفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي ، وفي حديث موسى بن عقبة عن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا - أنه كان مبنيا بحجارة على أكمة ، وفي حديثه : أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب ، كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي . قال الخطابي : الخليج : واد له عمق ، ينشق من آخر أعظم منه . والكثب : جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض .
وقوله : فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه . قال الخطابي : معنى دحا السيل : سواه بما حمل من البطحاء . والبطحاء : حجارة ورمل .
وهذه الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية أنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح . وقد خرجه الإمام أحمد عن موسى بن قرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح . قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل : هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس .
قال مالك في الموطأ : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه ، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له ؛ لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به ، وأن ابن عمر أناخ به . قال ابن عبد البر : واستحبه الشافعي ، ولم يأمر به . وقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل ، وليس ذلك عليه .
وقال محمد بن الحسن : هو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة ، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره ، فلذلك كان ينزل بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجبًا ولا سنة على الناس . قال : ولو كان واجبًا أو سنة من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقفون وينزلون ويصلون ، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم . وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : ليس نزوله صلى الله عليه وسلم بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة ؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه ، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة .
قال : ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه . وذكر حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه ، فقال له : ما حبسك ؟ فذكر عذرًا ، قال : ما ظننت أنك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضربًا . انتهى .
وفي قوله : إنه صلى بالمعرس نافلة نظر ، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح . وظاهر كلام أحمد : استحباب الصلاة بالمعرس ، فإنه قال في رواية صالح : كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا صلى فيه ، حتى إنه صب الماء في أصل شجرة ، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها . وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به ؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي صلى الله عليه وسلم ومقعده منه .
وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره ، كما كان يفعل ذلك في العيدين ، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها . وقد خرج البخاري في الحج من حديث ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس . وخرجه مسلم - أيضا .
وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس ، والذي كان يرجع منه . وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة . ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا .