باب الصلاة إلى العنزة
باب الصلاة إلى العنزة 499 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا عون بن أبي جحيفة ، قال : سمعت أبي ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة ، فأتي بوضوء فتوضأ ، فصلى بنا الظهر والعصر ، وبين يديه عنزة ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها . 500 - حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع ، ثنا شاذان ، عن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ، ومعنا عكازة أو عصى أو عنزة ، ومعنا إداوة ، فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإداوة . شاذان ، هو : أسود بن عامر ، وشاذان لقب له .
وحديث أنس قد خرجه في كتاب الوضوء ، في أبواب الاستنجاء ، وذكرنا هناك فائدة حمل العنزة . وظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بين العنزة والحربة ، وأكثر العلماء فسروا العنزة بالحربة . وقال أبو عبيد : العنزة عصا قدر نصف الرمح أو أكثر ، لها سنان .
وقد خرج مسلم حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري في الباب الماضي من حديث عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تركز له العنزة ويصلي إليها . قال عبيد الله : وهي الحربة . وقد فرق قوم بين العنزة والحربة ، فعن الأصمعي قال : العنزة : ما دور نصله ، والحربة : العريضة النصل .
وأشار بعضهم إلى عكس ذلك . وصلاته صلى الله عليه وسلم إلى العنزة والحربة يستفاد منه : أن السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه ، وطولها ذراع فما فوقه . قال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي من مر وراء ذلك .
وقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول . وقال الأوزاعي : يجزئ السهم والسوط والسيف . وقال عطاء : قدر مؤخرة الرحل يكون حالقها على وجه الأرض ذراعا .
وبه قال الثوري وأصحاب الرأي . وقال مالك والشافعي : قدر عظم الذراع فصاعدا . وقال قتادة : ذراعا وشبرا .
وقال الأوزاعي : يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل ، وبه قال الثوري . انتهى . وسئل أبو العالية عن السترة ؟ فقال : طول الرحل ، والعرض ما عرض أحب إلي .
وقال ابن عبد البر : قال مالك : أقل ما يجزئ المصلي في السترة غلظ الرمح ، وكذلك السوط إن كان قائما ، وارتفاعها : قدر عظم الذراع ، هذا أقل ما يجزئ عنده ، ولا تفسد عنده صلاة من صلى إلى غير سترة ، وإن كان ذلك مكروها له . وقول الشافعي في ذلك كقول مالك . وقال الثوري وأبو حنيفة : أقل السترة : قدر مؤخرة الرحل ، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعا ، وهو قول عطاء .
وقال قتادة : ذراع وشبر . وقال الأوزاعي : قدر مؤخرة الرحل ، ولم يحد ذراعا ، ولا عظم ذراع ، ولا غير ذلك ، وقال : يجزئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغلظ . انتهى .
وفي تهذيب المدونة للبرادعي المالكي : ويستره قدر مؤخرة الرحل ، وهو نحو من عظم الذراع . قال مالك : وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح أو الحربة ، وليس السوط بسترة . انتهى .
وأما مذهب الشافعي وأصحابه ، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل ، واختلفوا في تقديرها ، فالمشهور عندهم : أنها نحو ثلثي ذراع فصاعدا . وقيل : ذراع ، وأما عرضها فلا حد له عندهم ، بل يكفي الغليظ والدقيق . وأما مذهب أحمد وأصحابه ، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل ، وأن مؤخرة الرحل ذراع - : نقله عنه أكثر أصحابه .
ونقل ابن القاسم ، عنه في قدر ما يستر المصلي ، قال : قدر عظم الذراع من الأشياء ، وهو كمؤخرة الرحل . وهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع ؛ لأن ذَلِكَ هُوَ طول عظم ذراع الإنسان . وأما عرضها فلا حد له عند أصحابنا ، إلا أنه كلما غلظ كان أولى .
وقال إسحاق : قدر مؤخرة الرحل ذراع . وقد خرج البخاري حديث الصلاة إلى مؤخرة الرحل من حديث ابن عمر ، وسيأتي قريبا - إن شاء الله . وخرج مسلم من حديث سماك ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة بن عبيد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي بمن مر وراء ذلك .
قال علي ابن المديني : إسناده حسن . وخرج مسلم - أيضا - من حديث أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي ؟ فقال : كمؤخرة الرحل . ومن حديث عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل .
وخرج الإمام أحمد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يستر الرجل في صلاته السهم ، وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم . وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد : ليستتر أحدكم في صلاته ، ولو بسهم . وخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .
وخرج الحاكم - أيضا - من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل ، ولو بدقة شعرة . وزعم أنه صحيح على شرطهما ، وليس كذلك ؛ فإن هذا تفرد برفعه محمد بن القاسم الأسدي ، عن ثور بن يزيد ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن مكحول ، عن يزيد بن جابر ، عن أبي هريرة . والأسدي ، ضعيف جدا .
قال الدارقطني : غيره لا يرفعه يعني : أنه يقفه على أبي هريرة . وسئل ابن معين عن حديث أبي هريرة الموقوف . فقال : هو مستقيم الإسناد .
وروى مسعر ، عن الوليد بن أبي مالك ، عن أبي عبيد الله ، عن أبي هريرة : يجزئ المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط . كذا رواه الحفاظ عن مسعر ، وهو المحفوظ : قَالَه الدارقطني وغيره . وأبو عُبَيْدِ الله ، هُوَ : مُسْلِم بْن مشكم صاحب معاذ - : قاله يعقوب بن سفيان وابن ناجية .
والوليد ومسلم شاميان ثقتان . ورواه أبو هشام الرفاعي ، عن حفص بن غياث ، عن مسعر فرفعه . خرجه الإسماعيلي .
وأبو هشام ليس بالقوي . وسنذكر - إن شاء الله - حديث الصلاة إلى العصا . وهذا كله مما استدل به على مالك في قوله : إن ما كان دون عرض الرمح لا تحصل به سنة الاستتار .
وعن أبي العالية ، قال : يستر المصلي كحرف القلم . خرجه وكيع . وأما إذا لم يجد ما يصلي إليه ، إلا ما كان دون مؤخرة الرحل في الانتصاب ، مثل حجر أو عصا لا يستطيع نصبها ، فهل يضعها بين يديه ويصلي إليها ، أم لا ؟ فِيهِ قولان : أحدهما : أنه يصلي إلى ذَلِكَ إذا لَمْ يجد غيره ، وحكاه ابن المنذر عَن سَعِيد بن جبير والأوزاعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ إسحاق - أيضا .
وروى ابن أبي شيبة في كتابه عن الشعبي ونافع بن جبير نحوه . وقال طائفة من الشافعية : إذا لم يجد شيئا شاخصا بسط مصلى . وروي عن أبي سعيد : كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة .
ذكره ابن المنذر . والثاني : تكره الصلاة إلى ذلك . قال ابن المنذر : كره النخعي الصلاة إلى عصا يعرضها .
وقال الثوري : الخط أحب إلي من هذه الحجارة التي في الطريق إذا لم يكن ذراعا . وحكى بعض من صنف في مذهب سفيان : أن سفيان سئل : هل يجزئ الحبل الممدود المعترض ؟ قال : لا يغني من السترة . وروى حرب بإسناده ، عن النخعي ، أنه سئل عن الرجل يصلي يستتر بحبل معترضا ؟ قال : لو كان الحبل بالطول كان أحب إلي .
وهذا يدل على أن الصلاة إلى المستطيل أولى من الصلاة إلى المعترض عنده ؛ لأن المستطيل أشبه بالسترة القائمة . والأكثرون ، كالأوزاعي والثوري وأحمد يرون أن المعترض أولى ؛ ولهذا رجحوا في الخط أن يكون معترضا . ولو صلى وبين يديه ما يمنع الاستطراق من نهر أو نحوه ، فهل هو سترة ؟ قالت طائفة : هو سترة ، منهم الحسن والأوزاعي .
وروي ذلك عن ابن عمر بإسناد ضعيف . خرجه كله حرب الكرماني . وقال : سألت إسحاق عن ذلك ، فقال : إذا كان نهرا تجري فيه السفن فلا يصلي ، وإن لم يكن تجري فيه فهو أسهل .
يشير إسحاق إلى أنه إذا كان تجري فيه السفن فهو طريق مسلوك ، فلا يصلي إليه بدون سترة تحول بينه وبينه . وأيضا ؛ فالصلاة إلى النهر الجاري مما يلهي المصلي ؛ فإنه مما يستحسن النظر إليه ، وقد سبق كراهة الصلاة إلى ما يلهي . وقال سفيان : إذا صلى على حائط قدر ثلاثة أذرع أو نحو ذلك فأرجو أن يكون سترة ما لم يكن طريقا .
وسئل النخعي عن الصلاة على السطح ، والناس يمرون بين يديه ؟ قال : يتأخر حتى لا يراهم . ونقل الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز مثل قول النخعي . قال الوليد : وقال مالك : إن كان ارتفاع السطح مثل مؤخرة الرحل فأكثر من ذلك فصل .
وأما الخط في الأرض إذا لم يجد ما يستتر به ففيه قولان : أحدهما : أنه يحصل به الاستتار - أيضا - وهو قول أبي هريرة ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه - ورجحه كثير من أصحابه أو أكثرهم - وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . والثاني : أنه ليس بسترة ، وهو قول مالك ، والنخعي ، والليث ، وأبي حنيفة ، والشافعي في الجديد . وقال مالك : الخط باطل .
واستدل من قال بالخط بما روى إسماعيل بن أمية ، عن أبي محمد عمرو بن حريث العذري ، عن جده ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يجد عصا فليخط خطا ، ثم لا يضره ما مر بين يديه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه . وحكي عن ابن المديني أنه صححه .
وحكى ابن عبد البر عن أحمد وعلي ابن المديني أنهما صححاه . وأحمد لم يعرف عنه التصريح بصحته ، إنما مذهبه العمل بالخط ، وقد يكون اعتمد على الآثار الموقوفة لا على الحديث المرفوع . فإنه قال في رواية ابن القاسم : الحديث في الخط ضعيف .
وكان الشافعي يقول بالخط ، ثم توقف فيه ، وقال : إلا أن يكون فيه حديث يثبت . وهذا يدل على أنه توقف في ثبوته . وقال ابن عيينة لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ، ولم يجئ إلا من هذا الوجه .
وذكر أن هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل بن أمية سئل عنه فخلط فيه . ذكر ذلك أبو داود في سننه بإسناده عن ابن عيينة . وقد اختلف على إسماعيل في تسمية شيخه ، وفيمن رواه عنه شيخه : فقيل : عنه كما ذكرنا .
وقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث . وقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن حريث . وأما الاختلاف فيمن رواه عنه شيخه .
فقيل : عن إسماعيل ، عن شيخه هذا - على اختلاف في تسميته كما تقدم - عن أبيه ، عن أبي هريرة . وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن جده ، عن أبي هريرة . وقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن أبي هريرة - بغير واسطة بينهما . وقال أبو زرعة : الصحيح : عن إسماعيل ، عن أبي عمرو بن حريث ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . ونقل الغلابي في تاريخه عن يحيى بن معين ، أنه قال : الصحيح : إسماعيل بن أمية ، عن جده حريث - وهو : أبو أمية ، وهو من عذرة .
قال : ومن قال فيه : عمرو بن حريث فقد أخطأ . وهذا الكلام يفيد شيئين : أحدهما : أن إسماعيل بن أمية هذا هو ابن حريث ، وهو يروي هذا الحديث عن جده حريث العذري ، عن أبي هريرة . وكذا رواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل ، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة .
والثاني : أن إسماعيل هذا ليس هو ابن أمية القرشي المشهور ، بل هو : ابن أمية بن حريث العذري . وهذا غريب جدا ، ولا أعلم أحدا ذكر إسماعيل هذا ، وهذا الحديث قد رواه الأعيان عن إسماعيل ، منهم : الثوري وابن جريج وابن عيينة ، وإنما يروي هؤلاء عن إسماعيل بن أمية الأموي المكي الثقة المشهور ، ويمتنع أن يروي هؤلاء كلهم عن رجل لا يعرف ، ولا يذكر اسمه في تاريخ ولا غيره . ولكن هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل وأبوه وجده قد قيل : إنهم مجهولون .
وقد اختلف - أيضا - في رفع هذا الحديث ووقفه على أبي هريرة ، لكنِ الأكثرون رفعوه . وقال الدارقطني : رفعه عن إسماعيل بن أمية صحيح . وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر : روى وكيع في كتابه ، عن أبي مالك ، عن أيوب بن موسى ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : إذا صلى أحدكم فلم يجد ما يستره فليخط خطا .
وقد روي عن الأوزاعي ، عن أيوب بن موسى ، عن أبي سلمة - مرفوعا . وقيل : عن الأوزاعي ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا . قال الدارقطني : والحديث لا يثبت .
قلت : وقد روي في الخط بين يدي المصلي حديث مرفوع من حديث أنس . خرجه حمزة السهمي في تاريخ إستراباذ . وإسناده مجهول ساقط بمرة .
واختلف القائلون بالخط : هل يخط طولا ، أو عرضا كالهلال ؟ على قولين : قال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق : يكون عرضا . وقال عمرو بن قيس وغيره : يكون طولا . وأجازه أحمد على كل حال ، ولكن المعترض عنده أولى .