باب من قال لا يقطع الصلاة شيء
باب من قال : لا يقطع الصلاة شيء 514 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة . قال الأعمش : وحدثني مسلم ، عن مسروق عن عائشة ، ذكر عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : شبهتمونا بالحمر والكلاب ، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا على السرير ، بينه وبين القبلة مضطجعة ، فتبدو لي الحاجة ، فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنسل من عند رجليه . 515 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم : ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد : أبنا ابن أخي ابن شهاب ، أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء ؟ قال : لا يقطعها شيء .
قال : وأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله في الرواية الأولى : أن عائشة استدلت بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع الصلاة ، وأنكرت التسوية بين المرأة والحمار والكلب ، وهذا يشعر بموافقتها على الحمار والكلب ، وسيأتي كلامها صريحا في ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وفي الرواية الثانية : أن الزهري استدل بحديث عائشة على أن الصلاة لا يقطعها شيء ؛ لما فيه من الدلالة على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل إذا كانت بين يديه . وقد اختلف العلماء في هذا : فقالت طائفة - كما قاله الزُّهْرِيّ - : لا يقطع الصلاة شيء .
وروي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس ، على اختلاف عن بعضهم . وروي عن أبي بكر وعمر من وجه لا يصح ، وسيأتي ذكره إن شاء الله . وممن قال ذلك بعد الصحابة : سعيد بن المسيب وعبيدة السلماني والشعبي والقاسم بن محمد وعروة والزهري ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم .
وروى شعبة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سالم ونافع ، عن ابن عمر ، قال : كان يقال : لا يقطع صلاة المسلم شيء . ورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قالوا : لا يقطع صلاة المسلم شيء ، وادرأ ما استطعت . خرجه الدارقطني .
والخوزي ضعيف جدا . وصحح الدارقطني في كتاب العلل وقفه ، وأنكر رفعه . وخرج أبو داود من رواية أبي أسامة ، عن مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لا يقطع الصلاة شيء ، وادرءوا ما استطعتم .
وخرجه - أيضا - من رواية عبد الواحد بن زياد ، عن مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، قال : إن الصلاة لا يقطعها شيء ، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرءوا ما استطعتم . فجعل أوله موقوفا . ومجالد فيه ضعف مشهور .
وقال أحمد : كم من أعجوبة لمجالد . وروى إدريس بن يحيى الخولاني ، عن بكر بن مضر ، عن صخر بن عبد الله بن حرملة ، سمع عمر بن عبد العزيز يقول : عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ، فمر بين أيديهم حمار ، فقال عياش بن أبي ربيعة : سبحان الله ، سبحان الله ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من المسبح آنفا : سبحان الله وبحمده ؟ قال : أنا يا رسول الله ؛ إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة . قال : لا يقطع الصلاة شيء .
خرجه الدارقطني . وقال في كتاب العلل : خالف إدريس في رواية هذا الحديث الوليد بن مسلم ، فرواه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن عياش بن أبي ربيعة . وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر بن عبد العزيز - مرسلا .
والمرسل أصح . وقد روي هذا المتن من حديث علي وأبي هريرة وعائشة وأبي أمامة ، ولا يثبت منها شيء . قال العقيلي : الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف .
وقالت طائفة : يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات . ثم اختلفوا : فمنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة ، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومكحول والحسن وأبي الأحوص . ومنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر ، رواه جابر بن زيد ، عن ابن عباس .
وروي عن الحكم الغفاري ، أنه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه . وروي عن عكرمة ، قال : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر . وعن عطاء ، قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود .
واختاره أبو بكر بن خزيمة ، وزاد عليهما : الحمار . والمشهور : عن عطاء ، أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود . وهو قول ابن جريج وأحمد في رواية عنه .
وروت صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : إنما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور . وفي رواية أخرى عن عائشة ، أنها قالت : والسنور الأسود . وحكي رواية عن أحمد في السنور الأسود .
وقالت طائفة : لا يقطع الصلاة سوى الكلب ، وروي ذلك عن ابن عمر . وروي عنه أنه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه ، رواه مطر الوراق ، عن نَافِع ، عَنْهُ . وروى بكر المزني ، أن ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه .
وهذا يدل على أنه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب . وروى ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : ادرءوا عن صلاتكم ما استطعتم ، وأشد ما يتقى عليها مرابض الكلاب . وقال ابن طاوس : كان أبي يشدد في الكلاب .
ومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان . وروى شعبة ، عن الحكم ، عن خيثمة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود . وقال أبو نعيم : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : الكلب الأسود البهيم شيطان ، وهو يقطع الصلاة .
حدثنا ابن عيينة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن معاذ مثله . وهو المشهور عن أحمد ، وقول إسحاق وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . واستدل من قال : تقطع الصلاة بشيء من ذلك بأحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس شيء منها على شرط البخاري ، ولا مما يحتج به .
وقد خرج مسلم منها حديثين : حديث أبي ذر ، وحديث أبي هريرة . فحديث أبي ذر : خرجه من طريق حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود . قلت : يا أبا ذر ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر ؟ فقال : يا ابن أخي ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فقال : الكلب الأسود شيطان .
وحديث أبي هريرة : خرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن الأصم : ثنا يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل . فأما حَدِيْث أبي ذر ، فَقَدْ قَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة المروذي - : إليه أذهب ، وَهُوَ صحيح الإسناد . وَقَالَ - في رواية علي بن سَعِيد - : هو حديث ثبت ، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة - يعني : عن حميد بن هلال - ثم قال : ما في نفسي من هذا الحديث شيء .
وقال الترمذي : حديث أبي ذر حسن صحيح . وقال البيهقي في كتاب المعرفة : هذا الحديث صحيح إسناده ، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات ، وإن كان البخاري لا يحتج به . وقوله : إن البخاري لا يحتج به ، يشير إلى أنه لا يحتج بحديث عبد الله بن الصامت ابن أخي أبي ذر ، ولم يخرج له في كتابه شيئا .
وقال الشافعي في كتاب مختلف الحَدِيْث - في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب - : إنه عندنا غير محفوظ . ورده لمخالفته لحديث عائشة وغيره ، ولمخالفته لظاهر قول الله عز وجل : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وفي مسائل الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد : قيل له : ما ترى في الحمار والكلب والمرأة ؟ قال : الكلب الأسود يقطع ؛ إنه شيطان . قيل له حديث أبي ذر ؟ قال : هاتوا غير حديث أبي ذر ، ليس يصح إسناده ، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس ، أنه مر على بعض الصف وهو على حمار .
قيل له : إنه كان بين يديه عنزة ؟ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث فِي فضاء . وأما حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ ، فَلَمْ يخرج البخاري ليزيد بن الأصم ، ولا بني أخيه : عبد الله بن عبد الله أبي العنبس ، وأخيه عبيد الله شيئا . وهذا الحديث من رواية عبيد الله كما وجد في بعض النسخ ، وقيل : إن الصواب : أنه من رواية عبد الله .
وقد روي حديث أبي هريرة من وجه آخر : من رواية هشام الدستوائي ، عن قتادة عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه . وفي إسناده اختلاف على هشام في رفعه ووقفه ، وفي ذكر : سعد بن هشام في إسناده وإسقاطه منه ، والصحيح : ذكره - : قاله الدارقطني .
ورواه ابن أبي عروبة وغير واحد ، عن قتادة ، فوقفوه ، وذكروا في إسناده : هشاما . ولعل وقفه أشبه . وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا من وجه آخر لا يصح .
وروى يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ؛ قال : سمعت جابر بن زيد يحدث ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب . خرجه أبو داود ، وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه ، وعندهما : الكلب الأسود . قال أبو داود : وقفه سعيد وهشام وهمام ، عن قتادة ، عن ابن عباس .
انتهى . وكذا وقفه غندر ، عن شعبة . ورفعه سفيان بن حبيب ، عن شعبة .
وذكر الحافظ أبو نعيم بإسناده ، عن يحيى بن سعيد ، قال : لم يرفعه عن قتادة غير شعبة . قال يحيى : وأنا أفرقه . وحكى غيره عن يحيى ، أنه قال : أخاف أن يكون وهم - يعني : شعبة .
وقال الإمام أحمد : ثناه يحيى ، قال : شعبة رفعه . قال : وهشام لم يرفعه . قال أحمد : كان هشام حافظا .
وهذا ترجيح من أحمد لوقفه ، وقد تبين أن شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه . ورجح أبو حاتم الرازي رفعه . وخرج أبو داود ، عن محمد بن إسماعيل البصري - هو : ابن أبي سمينة - عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن يحيى - هو : ابن أبي كثير - عن عكرمة ، عن ابن عباس - قال : أحسبه عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة ، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر .
وقال أبو داود : لم أر أحدا يحدث به عن هشام ، وأحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة ؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه . انتهى . وهو مشكوك في رفعه .
وقد خرجه ابن عدي من طريقين ، عن معاذ ، وقال : هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن . وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود ، ولكنه منكر كما قاله ابن عدي . وخرجه ابن أبي شيبة عن أبي داود ، عن هشام ، عن يحيى ، عن عكرمة - من قوله .
ورواه عبيس بن ميمون ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو زرعة الرازي ، هو حديث منكر ، وعبيس شيخ ضعيف الحديث . وقال الأثرم : هذا إسناد واه .
وروى سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه . وقد اختلف فيه على قتادة ، وعلى الحسن : فقيل : عن قتادة ، كما ترى في هذا الإسناد ، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره .
وقيل : عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس . وقيل : عنه ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس - من قوله كما سبق . وقال هشام : عن قتادة ، عن زرارة ، عن سعد ، عن أبي هريرة كما سبق .
واختلف فيه عن الحسن : فقيل : عنه كما ترى . وقال حوشب : عن الحسن ، عن الحكم بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر هذا الاختلاف الدارقطني ، وقال : الصحيح من ذلك : قتادة ، عن الحسن ، عن ابن مغفل .
وروى يحيى بن أبي كثير ، عن شعبة : عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار . خرجه البزار . وكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع ، عن شعبة - مرفوعا .
ورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير ، عن شعبة ، عن عبيد الله ، عن أنس موقوفا . قال الدارقطني : والموقوف أصح . وخرج الإمام أحمد : ثنا أبو المغيرة : ثنا صفوان : ثنا راشد بن سعد ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقطع صلاة المسلم شيء ، إلا الحمار والكافر والكلب والمرأة .
قالت عائشة : يا رسول الله ، لقد قرنا بدواب سوء . هذا منقطع ؛ راشد لَمْ يسمع من عَائِشَة بغير شك . ووهم فِي ذَلِكَ ، وإنما الصحيح : ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ ، عنها ، أنه ذكر عندها ذلك ، فقالت : لقد قرنتمونا بقرناء سوء ، ونحو هذا المعنى .
وقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود ، عن عائشة - مرفوعا - : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود . فقال أحمد : غلط الشيخ عندنا ؛ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : عدلتمونا بالكلب والحمار ؟ ! يعني : لو كان هذا عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت ما قالت . وخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز ، عن مولى ليزيد بن نمران ، عن يزيد بن نمران ، قال : رأيت رجلا بتبوك مقعدا ، فقال : مررت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي ، فقال : اللهم اقطع أثره ، فما مشيت عليها بعد .
وفي رواية له : فقال : قطع صلاتنا قطع الله أثره . وفي إسناده جهالة . فالقائلون : بأن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعلقوا بظواهر هذه الأحاديث .
وأما من قال : لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود ، كما قاله أحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، فقالوا : المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث ، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة ، وحديث ابن عباس دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة ، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به . وهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه ، وما قالوه في ذلك . ولهم في ذلك مسلكان آخران : أحدهما : أن حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر ؛ فإن حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي ، وأنه لا يبطل صلاته ، وحديث أبي ذر في مرور المرأة ، وأنه مبطل للصلاة ، فيعمل بكلا الحديثين ، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي ، وهو رواية عن أحمد .
وهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر ، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين . وقد تقدم قول عائشة : فأكره أن أسنحه - أي : أعترض بين يديه مارة ، فدل على أن مرورها بين يديه مما يكره ويتقى ، بخلاف نومها معترضة . وروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كنت أكون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه ، فأنسل انسلالا .
ويدل على أنه يفرق بين المرور والوقوف : أن المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانا ، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة ، فدل على الفرق بين الأمرين . وقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف . والثاني : أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل ، فلا تقطعها المرأة ، وحديث أبي ذر على الفريضة .
وهذا مسلك آخر لأصحابنا ، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة . ومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يوتر أيقظ عائشة ، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه . وفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يوتر قال لها : تنحي .
وبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة . وخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي ، أن عمه إياس بن عامر حدثه ، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني : عائشة - أن تتنحى عنه ، وقال : إنها صلاة ازددتموها . فإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة ، فالفريضة أولى .
وقد سلك بعضهم مسلكا آخر ، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس ؛ لأن حَدِيْث ابن عَبَّاس كَانَ فِي حجة الوداع فِي آخر عُمَر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث عَائِشَة يدل بظاهره عَلَى استمرار النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا أخبرت بِهِ عَنْهُ إلى آخر عمره ، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها ، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له . وهذا المسلك فيه نظر ، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب ، وأنكره - أيضا - الشافعي في كتاب مختلف الحديث . وعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة .
وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق ؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار ، والأخذ بأصحها إسنادا ، فأخذ بحديث عائشة في المرأة ، وحديث ابن عباس في الحمار ، فبقي الكلب الأسود من غير معارض . وهذا إنما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد . فأما على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما ، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة ، وإنما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر ، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار ، ولا يعرف هذا عن أحمد .
وعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل ، فلا تعارض بين حديث عائشة وأبي ذر في حق المرأة ، وإن قلنا : إن الوقوف كالمرور ، وأما إن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين ، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار ، فإن حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل ، فيخرج من هذا أن يقال : حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة ، خص من عمومه النفل بمرور المرأة ، إن سوينا بينه وبين الوقوف ، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه . فأما الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس ، وهو في الفرض ، وهو أصح من حديث أبي ذر ، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة ، وذلك نسخ . ويخص - أيضا - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة ، فيقتضي هذا التقرير أن يقال : إن مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة ، ومرور الحمار لا يبطل شيئا .
وهذا - أيضا - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره . وإنما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل . وأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره ، عن أحمد : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار ، فذكر حديث عائشة ، فقال : هو عندي في المار بين يدي المصلي ، فإذا كانت بين يديه كان أسهل ، وهذا في التطوع ، فأما الفرض فهو آكد ، أليس النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يوتر قال : تنحي ؟ قال : هذا إنما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها ، أما في المرور فلم يفرق ، وإنما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل ، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض ، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف ، فما يبطل الصلاة - وهو المرور - لم يفرق فيه بين فرض ونفل ، إنما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة ، وهو الصلاة إلى المرأة ، فكرهه في الفرض دون النفل ، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا .
والله أعلم . وظاهر قول عائشة - رضي الله عنها - : عدلتمونا بالحمر والكلاب ، واستدلالها بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إليها : يدل على أنها رأت أن المرور والوقوف سواء ، وإلا فلو كان الحكم عندها مختصا بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل . ومتى قيل : إن حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف لم يكن مرورا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كانت سترته محفوظة ، فلا دليل في حديثه هذا على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة ، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها دليل على أن المرأة لا يقطع مرورها ، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار .
وأما جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي ، فاختلفت مسالكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة : فمنهم : من تكلم فيها من جهة أسانيدها ، وهذه تشبه طريقة البخاري ؛ فإنه لم يخرج منها شيئا ، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه . ومنهم : من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع ، وهي في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا نسخ منها شيء دل على نسخ الباقي ، وسلك هذا الطحاوي وغيره من الفقهاء . وفيه ضعف ، وقد أنكر الشافعي وأحمد دعوى النسخ في شيء من هذه الأحاديث ؛ لعدم العلم بالتاريخ .
ومنهم من قال : حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادا ، كحديث ابن عباس وعائشة ، وقد أعضدهما أحاديث أخر تشهد لهما : فروى شعبة أن الحكم أخبره ، قال : سمعت يحيى - هو : ابن الجزار - يحدث ، عن صهيب ، قال : سمعت ابن عباس يحدث ، أنه مر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، فنزلوا ودخلوا معه ، فصلوا فلم ينصرف ، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب ، فأخذتا بركبتيه ، ففرع بينهما ولم ينصرف . خرجه الإمام أحمد والنسائي ، وهذا لفظه ، وقد سبق ذكر إسناده . وخرج النسائي - أيضا - من رواية ابن جريج : أخبرني محمد بن عمر بن علي ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، قال : زار رسول الله صلى الله عليه وسلم عباسا في بادية لنا ، ولنا كليبة وحمارة ترعى ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر وهما بين يديه ، فلم يزجرا ولم يؤخرا .
وخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، ولفظه : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا ، ومعه عباس ، فصلى في صحراء ، ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا وكليبة تعبثان - أو تعيثان - بين يديه ، فما بالى ذاك . ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وثقه الدارقطني وغيره . وعباس بن عبيد الله بن عباس ، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته ، وانتقاده للرجال ، حتى قال أحمد : لا تسأل عمن روى عنه أيوب .
وذكره ابن حبان في الثقات . وقد اختلف قول أحمد في هذا : فمرة ، قال : حديث أبي ذر يخالفه ، ولم يعتد به - : نقله عنه علي بن سعيد . ومرة ، عارض به حديث أبي ذر ، وقدمه عليه - : نقله عنه الحسن بن ثواب .
لكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود ؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود ، ولم يجعله معارضا له . وروى أسامة بن زيد ، عن محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - عن أبيه ، عن أم سلمة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة ، فمر بين يديه عبد الله - أو عمر بن أبي سلمة - فقال بيده فرجع ، فمرت زينب بنت أم سلمة ، فقال بيده هكذا ، فمضت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هن أغلب . خرجه ابن ماجه .
وقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين البالغ ، ويقول : إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلا البالغ ، وزينب حينئذ كانت صغيرة ، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال ؛ ولهذا قَالَتْ عَائِشَة : إذا بلغت الجارية تسع سنين فَهي امرأة . وفي دخول الصغيرة في مسمى النساء خلاف ذكره الماوردي وغيره من المفسرين ، فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة . وقد سلك الشافعي في كتاب مختلف الحديث هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة ، وعضدها بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : أن الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح ، وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء ، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم .
وقد سلك هذا أبو داود في سننه ، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد . وسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث ، وأنه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها ، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها ، والالتفات إليها ، وهذا هو الذي قاله الشافعي في رواية حرملة ، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيرهما من العلماء . وقد تعرض عليه بأن المصلي قد يكون أعمى ، وقد يكون ذلك ليلا بحيث لا يشعر به المار ولا من مر عليه ، والحديث يعم هذه الأحوال كلها .
وأيضا ؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالا للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة ، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك . وأقرب من هذا التأويل : أن يقال : لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله ، وهو في غاية القرب منه والخلوة به ، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة ، والقرب الخاص ؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان ، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب ؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية ، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس . فلهذا المعنى - والله أعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها ، وهي : المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان ، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان ، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء .
والكلب الأسود : شيطان ، كما نص عليه الحديث . وكذلك الحمار ؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل ، لأنه يرى الشيطان ؛ فلهذا أمر صلى الله عليه وسلم بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته ، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها . والله أعلم .
وإنما هو منقص لها ، كما نص عليه الصحابة ، كعمر وابن مسعود ، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفعه وبمقاتلته ، وقال : إنما هو شيطان . وفي رواية : إن معه القرين . لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر ، فهذا هو المراد بالقطع ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة .
والله أعلم . وقد ذكرنا فيما سبق حديث أبي داود في مرور الغلام بتبوك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال : قطع علينا صلاتنا ، ودعا عليه ، فهذا قطع لا يقتضي البطلان . ويدل على ذلك - أيضا - : أن ابن عباس قد قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود والحمار ، كما سبق عنه .
وروي عنه إنكار بطلان الصلاة بذلك : فروى الحسن العرني ، قال : ذكر عند ابن عباس : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة . قال : بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلبا وحمارا ، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته ، فما أعاد صلاته ولا نهاني عما صنعت ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، فجاءت وليدة تخلل الصفوف ، حتى عاذت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ، ولا نهاها عما صنعت ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد ، فخرج جدي من بعض حجراته ، فذهب يجتاز بين يديه ، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : أفلا تقولون : الجدي يقطع الصلاة ؟ خرجه الإمام أحمد .
ومراد ابن عباس : أنه ليس كل ما أمر بدفعه ومنعه من المرور تبطل الصلاة بمروره ، ولا يقطعها بمعنى أنه يبطلها ، وإن كان قد يسمى قطعا باعتبار أنه ينقصها . وروى سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ، قال : قيل لابن عباس : أيقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ؟ فقال : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، فما يقطع هذا ، ولكن يكره . خرجه البيهقي .
وقد أشار طائفة من السلف إلى أن الشيطان لا سبيل له إلى قطع قرب المصلي ، ولا أن يحول بين المصلي وبين تقريب الله له ، واختصاصه بما اختصه به . قال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير : ثنا حنظلة ، عن القاسم ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ، الله أقرب من كل شيء . وقال الحكيم الترمذي في تفسيره : ثنا مؤمل بن هشام اليشكري : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن عون ، عن القاسم بن محمد ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ؛ فإن الله دون كل شيء إلى العبد .
قال الحكيم : يعني : أدنى إليه من كل شيء ، كما قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وحينئذ فيتوجه أن يقال : إن كان المصلي وجد منه تفريط في حصول مرور الشيطان بين يديه ، إما بصلاته في موضع تجتاز فيه المرأة والحمار والكلب من غير سترة ، أو مر ذلك ، وفرط في دفعه ورده ، فإنه ينقص أجر صلاته . وربما يقال : إنه يستحب له إعادتها ، كما أعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو الكلب . وكذلك الحكم الغفاري ، أعاد من مرور حمار .
وأما إن لَمْ يحصل منه تفريط في ذلك بالكلية ، فإنه لا ينقص صلاته ، كمن صلى ومر بين يديه رجل فدفعه ولم يندفع ، فإنه لا تبطل صلاته ، بل ولا تنقص مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن المار بين يديه شيطان . وهو بمنزلة من صلى وهو يدافع وساوس الشيطان ، فإنه لا يضره ذلك ، ولا يكون به محدثا لنفسه في صلاته ، وإنما يكون محدثا لنفسه إذا استرسل مع وساوسه وخواطره . وقد ألحق طائفة من أصحابنا بمرور الكلب والمرأة والحمار : مرور الشيطان حقيقة ، وقالوا : إن حكم مروره حكم مرور الكلب .
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان تفلت علي البارحة ؛ ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه . وقد خرجه البخاري فيما سبق في باب : ربط الأسير ونحوه في المسجد . والظاهر : أنه صلى الله عليه وسلم أراد بقطع صلاته ما ذكرناه .
وقد خرج البخاري حديث عائشة ، قالت : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة ؟ فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد . وفي حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يزال الله مقبلا على العبد وهو مقبل عليه في صلاته ، ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه .
وفي حديث الحارث الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، أن يعمل بهن ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن - فذكر الحديث - وفيه : وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا . خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه . والالتفات - أيضا - مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد ، فتنقص به صلاته .
وقد روي : لا صلاة لملتفت ، وإنما أريد نفي كمالها وتمامها ؛ فإنه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال . وكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته . فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته ، بمعنى : أنه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها ، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها ، ومناجاته بتلاوة كتابه .
وكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى ، وقد أمر المصلي حينئذ بأن يسجد سجدتين ، فتكونا ترغيمتين للشيطان ، ولا تبطل الصلاة ، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله . والله أعلم .