حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب وقت العصر

[الحديث الثالث] : 550 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : حدثني أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي ، فيأتيهم والشمس مرتفعة . وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه . 551 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة .

إنما خرجه من هذين الوجهين ، ليبين مخالفته لأصحاب الزهري في هذا الحديث . وقد خالفهم فيه من وجهين : أحدهما : أنه لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكره أصحاب الزهري ، كما خرجه البخاري هنا من رواية شعيب . وخرجه في أواخر " كتابه " من رواية صالح بن كيسان ، ثم قال : زاد الليث ، عن يونس : " وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة " .

وخرجه مسلم من رواية الليث وعمرو بن الحارث - كلاهما - ، عن الزهري ، به . ورواه أبو صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن الزهري . ج٣ / ص١٠٤وما ذكره البخاري في رواية شعيب من قوله : " وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه " ، فهو من قول الزهري ، أدرج في الحديث .

قال البيهقي : وقد بين ذلك معمر ، عنه . ثم خرجه من طريق معمر عنه ، وقال في آخر حديثه : قال الزهري : والعوالي من المدينة على ميلين وثلاثة - أو حسبه قال : وأربعة . والوجه الثاني : أن مالكا قال في روايته : " ثم يذهب الذاهب إلى قباء " ، كذا رواه أصحابه عنه ، وكذا هو في " الموطأ " .

وخالفه سائر أصحاب الزهري ، فقالوا : " إلى العوالي " . وقد رواه خالد بن مخلد ، عن مالك ، فقال فيه : " العوالي " ، وليس هو بمحفوظ عن مالك . قال النسائي : لم يتابع مالكا أحد على قوله في هذا الحديث : " إلى قباء " والمعروف : " إلى العوالي " .

وقال ابن عبد البر : رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا : " إلى العوالي " ، وهو الصواب عند أهل الحديث . قال : وقول مالك : " إلى قباء " وهم لا شك فيه عندهم ، ولم يتابعه أحد عليه . وكذا ذكر أبو بكر الخطيب وغيره .

ج٣ / ص١٠٥قلت : قد رواه الشافعي في القديم : أنا [أبو] صفوان بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة . ورواه عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، وقال : " إلى العوالي " . وكذا رواه الواقدي ، عن معمر ، عن الزهري .

وهذا لا يلتفت إليه . قال ابن عبد البر : إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت ؛ لأن العوالي مختلفة المسافة ، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة ، وقباء من بني عمرو بن عوف ، وقد نص على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس ] هذا إسحاق بن أبي طلحة . يشير إلى حديثه المتقدم ، وخرجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيه : " والعوالي من المدينة على عشرة أميال " ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعد ما بين العوالي والمدينة ، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقرب ما بينها وبين المدينة .

وفي الباب حديث آخر : خرجه البخاري في " القسمة " ، فقال : نا محمد بن يوسف : نا الأوزاعي : نا أبو النجاشي ، قال : سمعت رافع بن خديج [قال] : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فننحر جزورا ، فتقسم عشر قسم ، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس . قال الدارقطني : أبو النجاشي اسمه عطاء بن صهيب ، ثقة مشهور ، صحب رافع بن خديج ست سنين . ج٣ / ص١٠٦والكلام هاهنا في مسألتين : إحداهما : في حد وقت العصر : أوله وآخره : فأما أوله : فحكى ابن المنذر فيه أقوالا ، فقال : اختلفوا في أول وقت العصر : فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون : وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله .

واختلفوا بعد ، فقال بعضهم : آخر وقت الظهر أول وقت العصر ، فلو أن رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها ، قال بهذا إسحاق ، وذكر ذلك عن ابن المبارك . وأما الشافعي فكان يقول : أول وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثله ما كان ، وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر . قلت : هذا هو المعروف في مذهب أحمد وأصحابه ، وحكى بعض المتأخرين رواية عنه كقول ابن المبارك وإسحاق ، وهي غير معروفة .

قال ابن المنذر : وحُكي عن ربيعة قول ثالث ، وهو : أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس . وفيه قول رابع ، وهو : أن وقت العصر أن يصير الظل قائمتين بعد الزوال ، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه ، وهذا قول النعمان - يعني : أبا حنيفة . وحكى ابن عبد البر ، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق ، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي ، وعن أبي حنيفة : آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه .

ج٣ / ص١٠٧قال : فخالف القياس في ذلك ، وخالفه أصحابه فيه . وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، كقول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصلح لأحدهما .

قال : وهذا لم يتابع عليه - أيضا . وحكى ابن عبد البر ، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومن تابعه ، بالاشتراك بين الوقتين إذا صار ظل كل شيء مثليه بقدر أربع ركعات ، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديا لها . وحكي عن عطاء وطاوس : أن ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معا ، قال طاوس : إلى غروب الشمس ، وقال عطاء : إلى اصفرارها ، وقد سبق ذكر قولهما ، وأنه حُكي رواية عن مالك .

وقد نص الشافعي على أن وقت العصر لا يدخل حتى يزيد ظل الشيء على مثله ، وكذلك قاله الخرقي من أصحابنا . واختلف أصحاب الشافعي في معنى قوله : " بالزيادة " . فمنهم من قال : هي لبيان انتهاء الظل إلى المثل ، وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر .

ومنهم من قال : إنها من وقت الظهر ، وإنما يدخل العصر عقبها ، وقيل : إنه ظاهر كلام الشافعي والعراقيين من أصحابه . ومنهم من قال : ليست الزيادة من وقت الظهر ولا من وقت العصر ، بل هي فاصل بين الوقتين . وهو أضعف الأقوال لهم .

ج٣ / ص١٠٨وأما المنقول عن السلف ، فأكثرهم حدده بقدر سير الراكب فرسخا أو فرسخين قبل غروب الشمس . فروى مالك ، عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله : صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا ، إلا أن يكون ظل أحدكم مثله ، والعصر والشمس بيضاء نقية ، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة ، قبل غروب الشمس . ورواه غيره : عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر .

وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : نا سعد بن أوس ، عن بلال العبسي ، أن عمر كتب إلى سعد : صل العصر وأنت تسير لها ميلين أو ثلاثة . نا يزيد بن مردانبه ، قال : سألت أنس بن مالك عن وقت العصر ، فقال : إذا صليت العصر ثم سرت ستة أميال حتى إلى غروب الشمس فذلك وقتها . نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيد بن جبير ، قال : تصلي العصر قدر ما تسير البعير المحملة فرسخين .

نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : فرسخ . وأما آخر وقت العصر ، ففيه أقوال : أحدها : أنه غروب الشمس ، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي . والثاني : إلى مصير ظل كل شيء مثليه ، روي عن أبي هريرة ، وهو قول الشافعي ، وأحمد في رواية .

والثالث : حتى تصفر الشمس ، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، ج٣ / ص١٠٩وهو قول الأوزاعي ، وأحمد في رواية ، وأبي يوسف ، ومحمد . وفيه حديث ، عن عبد الله بن عمرو ، اختلف في رفعه ووقفه ، وقد خرجه مسلم في " صحيحه " مرفوعا . وأكثر من قال بهذا القول والذي قبله ، قالوا : لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه ، إنما يخرج وقت الاختيار ، ويبقى ما بعده وقت ضرورة .

وهل يكون التأخير إليه لغير ذوي الأعذار محرما ، أو مكروها كراهة تنزيه ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وقال الإصطخري من الشافعية : يخرج وقت العصر بالكلية حتى يصير ظل الشيء مثليه ، ويصير بعد ذلك قضاء ، ولم يوافقه على ذلك أحد . والمشهور عند الشافعية : أنه بعد مصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير إليه بلا كراهة ، ولكن يفوت وقت الفضيلة والاختيار ، وقالوا : يفوت وقت الفضيلة بمصير ظل الشيء مثله ونصف مثله ، ووقت الاختيار بمصير ظل الشيء مثليه ، ووقت الجواز يمتد إلى اصفرار الشمس ، ومن وقت الاصفرار إلى أن تغرب الشمس وقت كراهة لغير ذوي الأعذار .

وحكى ابن عبد البر عن مالك وغيره من العلماء : أن من صلى العصر قبل اصفرار الشمس فقد صلاها في وقتها المختار ، وحكاه إجماعا ، وحكاه عن الثوري وغيره . قال : وهذا يدل على أن اعتبار المثلين إنما هو للاستحباب فقط . وحكى عن أبي حنيفة : أن وقت الاختيار يمتد إلى اصفرار الشمس .

ج٣ / ص١١٠وحكى عن إسحاق وداود : آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب ، وسواء المعذور وغيره . وسيأتي القول في ذلك فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكى الترمذي في " جامعه " عن أبي بكرة أنه نام عن صلاة العصر ، فاستيقط عند الغروب ، فلم يصل حتى غربت الشمس .

وهذا قد ينبني على أن وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس ، فتصير قضاء ، والفوائت لا تقضي في أوقات النهي عند قوم من أهل العلم . ونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر أن يطول فيما يقضيه منها ، خشية أن تدركه صفرة الشمس قبل أن يفرغ من صلاته . والمسألة الثانية : هل الأفضل تعجيل العصر في أول وقتها ، أو تأخيرها ؟ فيه قولان : أحدهما - وهو قول الحجازيين وفقهاء الحديث - : أن تعجيلها في أول وقتها أفضل ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقول أهل المدينة : مالك وغيره .

ولكن مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد دخول وقتها قليلا ؛ ليتلاحق الناس إلى الجماعة . وقد تقدم إنكار عروة على عمر بن عبد العزيز تأخيره العصر شيئا ، وإنكار أبي مسعود الأنصاري على المغيرة تأخيره العصر شيئا . والأحاديث التي خرجها البخاري في هذا الباب كلها تدل على استحباب تعجيل العصر وتقديمها في أول وقتها .

والقول الثاني : أن تأخيرها إلى آخر وقتها ما لم تصفر الشمس أفضل ، وهو ج٣ / ص١١١قول أهل العراق ، منهم : النخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة . قال النخعي : كان من قبلكم أشد تأخيرا للعصر منكم ، وكان إبراهيم يعصر العصر - أي : يضيقها إلى آخر وقتها . وقال أبو قلابة وابن شبرمة : إنما سميت العصر لتعصر .

وقد روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود وغيرهما ، وفيه أحاديث مرفوعة ، كلها غير قوية .

قال العقيلي : فيها لين .
وذكر الدارقطني أنه لا يصح منها شيء يقاوم ؛ فإنها أحاديث كثيرة ، وأسانيدها صحيحة من أصح الأسانيد وأثبتها .

وقال :

لم تثبت ، وإنما وجهها - إن كانت محفوظة - : أن يكون ذلك على غير تعمد ، ولكن للعذر والأمر يكون .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث