حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب

باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب فيه ثلاثة أحاديث : الأول : 556 - حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته . وقد خرجه فيما بعد من وجه آخر عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولفظه : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس ؛ ولهذا جعله مدركا لها بإدراك ركعة منها قبل غروب الشمس ، فإدراكها كلها قبل الغروب أولى أن يكون مدركا لها .

وقد سبق قول من قال : إن وقت العصر إلى غروب الشمس ، منهم : ابن عباس وعكرمة ، وهو رواية عن مالك والثوري وهو قول إسحاق . قال إسحاق : آخر وقتها للمفرط ، وصاحب عذر هو قدر ما يبقى إلى غروب الشمس ركعة - : نقله عنه ابن منصور . وحكي مثله عن داود .

وروي عن أبي جعفر محمد بن علي ما يشبهه . وهو وجه ضعيف للشافعية مبني على قولهم : إن الصلاة كلها تقع أداء كما سيأتي . والصحيح عندهم : أنه لا يجوز التأخير حتى يبقى من الوقت ركعة .

وإن قيل : إنها أداء - كمذهبنا ومذهب الأكثرين ، وأكثر العلماء - على أن تأخيرها إلى أن يبقى قدر ركعة قبل الغروب لا يجوز لغير أهل الأعذار ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور وحكاه عن العلماء . وقد دل على ذلك ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : وقت العصر ما لم تصفر الشمس . ومن حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا .

وخرجه أبو داود - بمعناه ، وزاد : حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان - أو على قرني الشيطان - وذكر باقيه . فهذا يدل على [أن] تأخيرها إلى بعد اصفرار الشمس وتضيقها للمغرب غير جائز لمن لا عذر له . وأجمع العلماء على أن من صلى بعض العصر ثم غربت الشمس أنه يتم صلاته ، ولا إعادة عليه .

وأجمعوا على أن عليه إتمام ما بقي منها ، وهو يدل على أن المراد بإدراكها إدراك وقتها . واختلفوا في الواقع منها بعد غروب الشمس : هل هو أداء ، أو قضاء ؟ وفيه وجهان لأصحابنا والشافعية : أحدهما : أنه قضاء ، وهو قول الحنفية ؛ لوقوعه خارج الوقت . والثاني : أنه أداء ، وهو أصح عند أصحابنا والشافعية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : فقد أدركها .

وللشافعية وجه آخر : أنها كلها تكون قضاء ، وهو ضعيف . هذا كله إذا أدرك في الوقت ركعة فصاعدا ، فإن أدرك دون ركعة ، ففيه للشافعية طريقان : أحدهما : أنه على هذا الخلاف - أيضا . والثاني : أن الجميع قضاء ، وبه قطع أكثرهم .

وأما مذهب أصحابنا : فقال أكثرهم : لا فرق بين أن يدرك في الوقت ركعة أو ما دونها ، حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام كان كإدراك ركعة . واستدلوا بحديث من أدرك سجدة ، وقالوا : المراد به قدر سجدة . وفيه نظر ؛ فإن السجدة يراد بها الركعة ، وهو المراد من هذا الحديث ، والله أعلم .

وحكى بعضهم رواية عن أحمد ، أنه لا يكون مدركا لها في الوقت بدون إدراك ركعة كاملة ، وبذلك جزم ابن أبي موسى في إرشاده ، وجعله مذهب أحمد ولم يحك عنه فيه خلافا ، فعلى هذا ينبغي أن يكون الجميع قضاء إذا لم يدرك في الوقت ركعة ، وهو ظاهر قول الأوزاعي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث