حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب وقت المغرب

حدثنا المكي بن إبراهيم : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت بالحجاب . هذا [أحد] ثلاثيات البخاري ، والضمير يعود إلى غير مذكور ، وهو الشمس ، وقرينة صلاة المغرب تدل عليه ، وهو كقوله تعالى في قصة سليمان : ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ فحذف ذكر الشمس لدلالة العشي عليها ، والمعني بتواريها بالحجاب : تواري قرصها عن أعين الناظرين ، بما حجبها عنها من الأرض . وخرج مسلم حديث سلمة ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب .

وخرجه أبو داود ، ولفظه : كان يصلي ساعة تغرب الشمس ، إذا غاب حاجبها . وهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب ، كما يفطر الصائم بذلك ، وهذا إجماع من أهل العلم ، حكاه ابن المنذر وغيره . قال أصحابنا والشافعية وغيرهم : ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار .

ومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة ، وبه قال الماوردي من الشافعية . ولا يصح ذلك . وأما إن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلا بد من ذهابه .

وحكى الطحاوي عن قوم ، أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم ، ولم يسمهم . والظاهر : أنه قول طائفة من أهل البدع كالروافض ونحوهم ، ولم يقل ذلك أحد من العلماء المعتد بهم . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن طارق ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كتب عمر إلى أمراء الأمصار : لا تصلوا المغرب حتى تشتبك النجوم .

وهذا إنما يدل على استحباب ذلك ، وقد روي عن عمر خلاف ذلك موافقة لجمهور الصحابة . والأحاديث والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جدا : ومن أجودها : ما روى ابن إسحاق : ثنا يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله ، قال : قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر ، فأخر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب ، فقال له : ما هذه الصلاة يا عقبة ؟ قال : شغلنا . قال : أما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا تزال أمتي بخير - أو قال : على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم ) ؟ خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم وصححه .

وقد خولف ابن إسحاق في إسناده ، فرواه حيوة بن شريح ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران ، عن أبي أيوب ، قال : كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس . ورواه ابن لهيعة ، عن يزيد ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو زرعة : حديث حيوة أصح .

وخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطلب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه أخر ليلة المغرب حتى طلع نجمان ، فأعتق رقبتين كفارة لتأخيره .

فأما الحديث الذي خرجه مسلم من حديث أبي بصرة الغفاري ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فقال : ( إن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها ، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ) ، والشاهد النجم . فقد اختلف العلماء في تأويله : فمنهم من حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تصلى ، وهو قول من كره ذلك من العلماء ، وقال : قوله : ( لا صلاة بعدها ) إنما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتى تصلى المغرب ، فإذا فرغ منها حينئذ جاز التنفل ، وحينئذ تطلع النجوم غالبا . ومنهم من قال : إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس ، وإنما علقه بطلوع الشاهد لأنه مظنة له ، والحكم يتعلق بالغروب نفسه .

ومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس ، فرؤيته علامة لغروبها . وزعم بعضهم : أن المراد بالشاهد الليل ، وفيه بعد . وقد أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل ، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر ، إلا ما روي عن عمر كما تقدم ، وروي عنه خلافه من وجوه .

فأما في الغيم ففيه اختلاف سبق ذكره ، وأما في السفر فيستحب تأخيرها ليلة النحر بالمزدلفة من دفع من عرفة حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وفي صحة صلاتها في طريقه قبل وصوله إلى المزدلفة اختلاف يذكر في موضع آخر - إن شاء الله . وأما في غير تلك الليلة في السفر فيجوز تأخيرها للجمع بينها وبين العشاء .

وقال مالك : يصلي المقيم المغرب إذا غربت الشمس ، والمسافر لا بأس أن يمد ميلا ثم ينزل فيصلي . وقد روي ذلك عن ابن عمر . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا .

وكذلك رخص الثوري في تأخيرها في السفر دون الحضر ، وقال : كانوا يكرهون تأخيرها [في الحضر دون السفر] . وهل يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة ؟ فيه قولان : أحدهما : يستحب ، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائما ؛ لأن مبناها على التعجيل ، والقائم أقرب إليه ، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده .

والقول الثاني : لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره ؛ لأن وقتها مضيق ، وهو قول مالك . وقال أحمد : الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأذان والإقامة للمغرب . كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .

وعند الشافعي وأصحابه : يفصل بينهما فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت ونحوهما .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث