حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب النوم قبل العشاء لمن غلب

حدثنا محمود : ثنا عبد الرزاق : أبنا ابن جريج : أخبرني نافع : ثنا عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شغل عنها ليلة ، فأخرها حتى رقدنا في المسجد ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : ( ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم ) . وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها ، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها ، وقد كان يرقد قبلها . 571 - قال ابن جريج : قلت لعطاء ، فقال : سمعت ابن عباس يقول : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا واستيقظوا ، فقام عمر بن الخطاب ، فقال : الصلاة .

قال عطاء : قال ابن عباس : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء ، واضعا يده على رأسه ، فقال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) . فاستثبت عطاء : كيف وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس ؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئا من تبديد ، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس ، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية اللحية ، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك ، وقال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك ) . في حديث ابن عمر أن تأخيرها ليلتئذ كان لشغل شغل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ، ولم يكن عمدا .

وفي رواية لمسلم عنه ، قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده قليلا ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ؟ - وذكر بقية الحديث . وخرجه الإمام أحمد من رواية فليح ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر ليلة العشاء حتى رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، وإنما حبسنا لوفد جاءه ، ثم خرج - فذكر الحديث . وخرج - أيضا - من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا ليلة حتى ذهب نصف الليل أو بلغ ذلك ، ثم خرج ، فقال : ( قد صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة ، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ) .

وقوله : ( حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ثم استيقظنا ) . إدخال البخاري له في هذا الباب يدل على أنه يرى أن رقود من رقد إنما كان عن غلبة لم يكن تعمدا ، وقد كان الصحابة ينامون عن غلبة في انتظار الصلوات . وقد خرج البخاري فيما بعد حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم .

وفي ( صحيح مسلم ) عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : أقيمت صلاة العشاء فقال رجل : لي حاجة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم - ، ثم صلوا . فحاصل ما ذهب إليه البخاري ، وبوب عليه : أنه يكره النوم قبل العشاء إلا لمن غلب ، وهو قريب من قول من قال : يكره النوم قبلها مطلقا كما سبق ؛ فإن النوم المغلوب عليه لا يوصف بالكراهة . وفي حديث عائشة المتقدم ما يدل على ذلك ، وأنه إنما نام النساء والصبيان لضعفهم وقلة ضبط نفوسهم عن النوم دون الرجال .

وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز تعمد النوم قبلها ، كما في رواية البخاري ، أن ابن عمر كان يرقد قبلها . وروى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه . وروى زفر بن الحارث أنه نام عند عائشة - يعني : قبل العشاء - فذهب بعض أهلها يوقظه ، فقالت : دعوه ؛ فإنه في وقت ما بينه وبين نصف الليل .

وقال أبو حصين ، عن أصحاب ابن مسعود : إنهم كانوا ينامون قبل العشاء . وقال : وكان الأسود ينام بين المغرب والعشاء في رمضان . وقال حجاج : قلت لعطاء : إن أناسا يقولون : من نام قبل العشاء ، فلا نامت عينه ؟ فقال : بئس ما قالوا .

وروي - أيضا - عن علي وخباب وأبي وائل وعروة وسعيد بن جبير ، وابن سيرين وغيرهم . وقال الحاكم : كانوا يفعلون ذلك . وروى الإمام أحمد في ( المسند ) : ثنا يحيى بن سعيد الأموي ، حدثنا ابن أبي ليلى ، عن ابن الأصبهاني ، عن جدة له - وكانت سرية لعلي - ، قالت : قال علي : كنت رجلا نئوما ، وكنت إذا صليت المغرب وعلي ثيابي نمت - ، ثم قال يحيى بن سعيد : فأنام - ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فرخص لي .

وروي موقوفا ، وهو أشبه . رواه أبو بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جده ، عن علي ، أنه كان يتعشى ثم يلتف في ثيابه ، فينام قبل أن يصلي العشاء . ذكره ابن أبي حاتم ، وقال : سألت أبي عنه ؟ فقال : هو عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن جدته أسيلة ، عن علي ، وغلط من قال : عن جده .

وروى أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا إسرائيل ، عن حجاج ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن جدته - وكانت تحت رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان ينام قبل العشاء ، فإذا قام كان أنشط له . وروي - مرفوعا - من وجه آخر ، رويناه من طريق سوار بن مصعب ، عن المنهال ، عن أبي عبد الله - أو عبد الله - ، عن علي ، قال : قلت : يا رسول الله إني رجل نئوم ، وقد نهيت عن النوم قبل العشاء ، وعن السمر بعدها ؟ فقال : ( إن يوقظك فلا بأس ) . سوار ، متروك الحديث ، ورفعه لا يثبت .

ونص أحمد على جواز النوم قبل العشاء - : نقله عنه حنبل . وقال عبد الله : سألت أبي عن الحديث الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء الآخرة ؟ فقال : كان ابن عمر ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه من نومه . وهذا هو المذهب عند القاضي أبي يعلى وأصحابه .

وحكى الترمذي في ( جامعه ) عن بعضهم ، أنه رخص في النوم قبل العشاء في رمضان خاصة . وهذا مأخوذ مما روى إبراهيم ، عن الأسود ، أنه كان ينام في رمضان ما بين المغرب والعشاء ، ولعل من خص ذلك برمضان رأى أن قيام ليله يستحب من أول الليل بخلاف سائر الشهور ؛ فإن المستحب فيها التهجد بعد هجعة بعد صلاة العشاء . وذكر عبد الرزاق بإسناده ، عن الحسن ، قال : كان الناس يقومون في رمضان ، فيصلون العشاء إذا ذهب ربع الليل ، وينصرفون وعليهم ربع .

وهذا يدل على أنهم كانوا يؤخرون العشاء إلى آخر وقتها المختار ثم يقومون عقيب ذلك . ومن فعل هذا فإنه يحتاج أن ينام قبل صلاة العشاء لينشط للقيام . واستدل من لم يكره النوم قبل العشاء إذا كان له من يوقظه بأن الذي يُخْشَى من النوم قبل العشاء هو خوف فوات وقتها المختار ، أو فوات الصلاة مع الجماعة ، وهذا يزول إذا كان له من يوقظه للوقت أو للجماعة .

ويدل على ذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرس من آخر الليل وأراد النوم وخشي أن تفوته الصلاة قال : ( من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح ؟ ) قال بلال : أنا ، فنام هو وبقية أصحابه وجلس بلال يرقب لهم الصبح ، حتى غلبته عيناه ، فدل على أن النوم قبل الصلاة وإن قرب وقتها إذا وكل من يوقظه غير مكروه . وفي ذلك دليل على جواز إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة ، ولا سيما إذا ضاق وقتها ، وقد تقدم أن ابن عمر كان ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه ، وأن أحمد استدل به . وهذا يدل على أن أحمد يرى إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة مطلقا ، وصرح به بعض أصحابنا ، وهو قول الشافعية وغيرهم .

وقال الشافعية : إنه يستحب ، لا سيما إن ضاق الوقت . واستدلوا بقوله تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقظ عائشة لتوتر . وبما روى أبو داود من حديث أبي بكرة ، قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الصبح ، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة ، أو حركه برجله .

ويدل عليه - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطرق عليا وفاطمة بالليل ، ويوقظهما للصلاة . وورد الحث على إيقاظ أحد الزوجين الآخر بالليل للصلاة . فإذا استحب إيقاظ النائم لصلاة التطوع ، فالفرض أولى .

وكان عمر وعلي - رضي الله عنهما - إذا خرجا لصلاة الصبح أيقظا الناس للصلاة . وقد روي ذلك في خبر مقتل عمر وعلي - رضي الله عنهما . وقد خرج البخاري في ( التيمم ) حديث عمران بن حصين في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بطوله ، وفيه : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه - وذكر الحديث .

وهذا يفهم منه أنهم كان يوقظ بعضهم بعضا للصلاة ؛ فإن هذا المعنى غير موجود في حق أحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى أنه لا يوقظ النائم للصلاة إلا عند تضايق الوقت ، وبعضهم إلى أنه لا يوقظه بحال لأنه غير مكلف ، ويلزمه أن لا يذكر الناسي بالصلاة ؛ فإنه معفو عنه - أيضا . ومن أصحابنا من حكى هذا الاختلاف في لزوم إيقاظه وعدم لزومه ، وهذا أشبه .

وكان سفيان الثوري ينهى عن إيقاظ أحد من أعوان الظلمة للصلاة ، لما يخشى من تسلطه على الناس بالظلم . وهذا يدل على أنه يرى إيقاظ من لا يخشى منه الأذى للصلاة . والله أعلم .

وحمل ابن خزيمة حديث النهي عن النوم قبل الصلاة على ما إذا عجلت الصلاة في أول وقتها ، والجواز على ما إذا أخرت إلى آخر وقتها وطال تأخيرها ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إليهم ليلة تأخيرها وقد ناموا لم ينكر عليهم النوم حينئذ . ويشبه هذا قول الليث بن سعد ، قال : إنما معنى قول عمر ( فلا نامت عينه ) من نام قبل ثلث الليل . وفي حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري هاهنا زيادة خرجها مسلم ، وهي : قال ابن جريج : قلت لعطاء : كم ذكر لك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها ليلتئذ ؟ قال : لا أدري .

وفيه - أيضا - قول عطاء : في وقت استحباب صلاة العشاء . وقد ذكرنا مذهبه في ذلك فيما مضى .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث