حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها

حدثنا محمد بن عرعرة : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : رأيت الأسود ومسروقا شهدا على عائشة ، قالت : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين . وخرجه مسلم من طريق غندر ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق - وهو : السبيعي ، به بمعناه . وخرجه البخاري في موضع آخر من حديث ابن الزبير ، عن عائشة .

وخرجه مسلم من طريق آخر ، من رواية محمد بن أبي حرملة : أخبرني أبو سلمة ، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما بعد العصر ؟ فقالت : كان يصليهما قبل العصر ، ثم إنه شغل عنهما - أو نسيهما - فصلاهما بعد العصر ، ثم أثبتهما ، وكان إذا صلى صلاة أثبتها . قال إسماعيل : تعني : داوم عليها . وخرجه من وجه آخر ، من طريق طاوس ، عن عائشة ، قالت : لم يدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر .

فقالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك ) . ففي هذه الرواية : إشارة من عائشة إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي في وقت نهى عن الصلاة فيه ؛ لأنه إنما نهى عن تحري الطلوع والغروب ، وكان يصلي قبل ذلك . وعلى هذا ؛ فلا إشكال في جواز المداومة عليها لمحبته المداومة على أعماله ، كما في الرواية التي قبلها ؛ لأن ذلك الوقت ليس بوقت نهي عن الصلاة بالكلية .

وقد روي عن عائشة ، أنه لم يداوم عليها . خرجه الطبراني من رواية كامل أبي العلاء ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن عائشة ، قالت : فاتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان قبل العصر ، فلما انصرف صلاهما ، ثم لم يصلهما بعد . وروى بقي بن مخلد في ( مسنده ) : حدثنا محمد بن مصفى : ثنا بقية : حدثني محمد بن زياد : سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول : سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركعهما قبل الهاجرة ، فنهى عنهما ، فركعهما بعد العصر ، فلم يركعهما قبلها ولا بعدها .

وهذا إسناد جيد . وخرجه الإمام أحمد عن غندر : حدثنا شعبة ، عن يزيد بن خمير ، قال : سمعت عبد الله بن [أبي] موسى ، قال : دخلت على عائشة ، فسألتها عن الوصال في الصوم ، وسألتها عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا على الصدقة ، فجاءته عند الظهر ، فصلى الظهر ، وشغل في قسمته حتى صلى العصر ، ثم صلاها ، وقالت : عليكم بقيام الليل ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه . قال أحمد : يزيد بن خمير صالح الحديث .

قال : وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ ، أخطأ فيه شعبة ، هو : عبد الله بن أبي قيس . انتهى . والأمر كما قاله .

وقد روي عن عبد الله بن أبي قيس ، عن عائشة من وجه آخر ، وهو شامي حمصي ، خرج له مسلم . وإنما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنهما ويفعلهما ، وحديث عائشة هذا يدل على أنه إنما فعلهما في هذه المرة ؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما ، وإنما عدلت إلى أمره بقيام الليل ، مع أنه [لم] يسأل عنه ، وأخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه ، وهذا يشعر بأن الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك . وخرج الإمام أحمد - أيضا - من رواية معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر ؟ فقالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد الظهر ، فشغل عنهما حتى صلى العصر ، فلما فرغ ركعهما في بيتي ، فما تركهما حتى مات .

قال عبد الله بن أبي قيس : فسألت أبا هريرة عنه ؟ فقال : قد كنا نفعله ، ثم تركناه . فخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خمير ، وقولهما أولى . وقد روي عن عائشة ، أنها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك ، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني - وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن عائشة قالت : أخبرتني أم سلمة ، وحديث أبي سلمة ، عن عائشة وأم سلمة .

وخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : دخلت أنا وابن عباس على معاوية ، فذكر الركعتين بعد العصر ، فجاء ابن الزبير ، فقال : حدثتني عائشة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فأرسل إلى عائشة ، فقالت : ذاك ما أخبرته أم سلمة ، فدخلنا على أم سلمة ، فأخبرناها ما قالت عائشة ، فقالت : يرحمها الله ، أو لم أخبرها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنهما ؟ وفي رواية بهذا الإسناد : أن عائشة قالت : لم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن حدثتني أم سلمة ، فسألناها ، فذكرت القصة ، ثم قالت : ولقد حدثتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهما . ورواه حنظلة السدوسي ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : صلى بنا معاوية العصر ، فأرسل إلى ميمونة رجلا ، ثم أتبعه رجلا آخر ، فقالت : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهز بعثا ، ولم يكن عنده ظهر ، فجاءه ظهر من ظهر الصدقة ، فجعل يقسمه بينهم ، فحبسوه حتى أرهق العصر ، وكان يصلي قبل العصر ركعتين ، أو ما شاء الله ، فصلى العصر ثم رجع ، فصلى ما كان يصلي قبلها ، وكان إذا صلى صلاة ، أو فعل شيئا يحب أن يداوم عليه .

خرجه الإمام أحمد . وفي رواية له بهذا الإسناد : أن معاوية أرسل إلى عائشة ، فأجابته بذلك . وكلاهما وهم .

والله أعلم . ورواية يزيد بن أبي زياد له ، عن عبد الله بن الحارث ، عن [أم] سلمة أصح . وحنظلة هذا ، قال الإمام أحمد : منكر الحديث .

وضعفه ابن معين والنسائي . وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي بعد العصر شيئا . ففي ( صحيح مسلم ) عن عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تطوعه ؟ فقالت : كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، وكان يصلي بالناس المغرب ، ثم يدخل فيصلي ركعتين ، ويصلي بالناس العشاء ، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين ، وكان يصلي بالليل تسع ركعات فيهن الوتر ، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين .

فهذا يدل على أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئا في بيتها ؛ لأنه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء . وقد خرجه الإمام أحمد ، وزاد فيه : ( وركعتين قبل العصر ) . ولم يذكر بعدها شيئا .

وروى سعد بن أوس : حدثني مصدع أبو يحيى ، قال : حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا اتبعها ركعتين ، غير الغداة وصلاة العصر ؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما . خرجه بقي بن مخلد . فقد تبين بهذا كله أن حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب ، وقد رده بذلك جماعة ، منهم : الترمذي والأثرم وغيرهما .

ومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه . وعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث ، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك : المسلك الأول : أن حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها ، إذا فات شيء منه فإنه يجوز قضاؤه بعد العصر . وقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس ، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم .

ورجح أكثرهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على ذلك ، كما في حديث أم سلمة ، وقد تبين أن عائشة رجعت إليها في ذلك . وعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه ، ويقضي ما فاته منها ، كما روي عنه أنه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان - حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي ؛ فلما صلى يوما ركعتين بعد العصر قضاء لما فاته من النوافل كان ذلك سببا مجوزا لمداومته على مثل ذلك . وفي هذا نظر ؛ فإنه لما فاته صلاة الصبح بالنوم ، وقضاها نهارا لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم ، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق .

واختلف الشافعية فيمن قضى شيئا من التطور في وقت النهي : هل له المداومة ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : أنه لا يجوز المداومة . ورجح الأكثرون : أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على هذه الصلاة . كما روى ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، قال : سمعت قبيصة بن ذؤيب ، أن عائشة أخبرت آل الزبير ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها ركعتين بعد العصر ، فكانوا يصلونها .

قال قبيصة : فقال زيد بن ثابت : يغفر الله لعائشة ، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة ، إنما كان كذلك لأن أناسا من الأعراب أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهجير ، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر ، ولم يصل ركعتين ، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر ، فانصرف إلى بيته ، فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئا ، فصلاهما بعد العصر ، يغفر الله لعائشة ، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر . وروى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إنما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر ؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر ، فصلاهما بعد العصر ، ثم لم يعد لهما . خرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن ، وابن حبان في ( صحيحه ) .

والمسلك الثاني : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصا بإباحة الصلاة بعد العصر ، أو في أوقات النهي مطلقا ، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة ، ومن الشافعية وغيرهم . وروى إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : أخبرتني عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي ، قال : فأتيت عائشة ، فسألتها ، فقالت : صدق ، فقلت لها : فأشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ) ، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما أمر ، ونحن نفعل ما أمرنا . أبو هارون ، ضعيف الحديث .

ولهذا المعنى قال طائفة من العلماء : إنه إذا تعارض نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله أخذنا بنهيه ؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصا به ، كما في نهيه عن نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم ، إن ثبت ذلك ، وكما كان يواصل في صيامه ، ونهى عن الوصال . ويعضد هذا : ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل : أنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : ( لا ) . فروى حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن ذكوان ، عن أم سلمة ، قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر ، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين ، فقلت : يا رسول الله ، صليت صلاة لم تكن تصليها ؟ فقال : ( قدم علي مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر ، فصليتهما الآن ) .

فقلت : يا رسول الله ، أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال ( لا ) . خرجه الإمام أحمد وابن حبان في ( صحيحه ) . وإسناده جيد .

قال الدارقطني : وروي عن ذكوان ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وعن ذكوان ، عن عائشة ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ضعفه البيهقي بغير حجة في ( كتاب المعرفة ) .

وخرجه في ( كتاب السنن ) من رواية ذكوان ، عن عائشة ، قالت : حدثتني أم سلمة - فذكرت الحديث . ورجح الأثرم والبيهقي : من رواه عن حماد ، عن الأزرق ، عن ذكوان ، عن عائشة ، عن أم سلمة . وهذا مما يستدل به على أن عائشة إنما تلقت هذا الحديث عن أم سلمة .

وخرج أبو داود من رواية ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان مولى عائشة ، أنها حدثته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر ، وينهى عنها . وهذا يدل على أن عائشة روت اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصلاة . وروي عنها من وجه آخر ، من رواية عبيدة بن معتب ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها بعد العصر فصلى ركعتين .

فقلت : يا رسول الله ، أحدث الناس ؟ قال : لا ، إن بلالا عجل الإقامة فلم نصل الركعتين قبل العصر ، فأنا أقضيهما الآن . قلت : يا رسول الله ، أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا . قال الدارقطني في العلل : لا أعلم أتى بهذا اللفظ غير عبيدة بن معتب ، وهو ضعيف .

قلت : رواية ذكوان تعضده وتشهد له . وقد روي عن أم سلمة من وجه آخر : خرجه ابن بطة في مصنف له في مسألة الصلاة أوقات النهي ، من حديث ابن فضيل ، عن أبيه : حدثنا ابن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أم سلمة ، أنه سمعها ذكرت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركعتين ، بينهما ركعتين بعد العصر ، لم تره صلى قبلها ولا بعدها مثلها ، وأنه أعلمها أنها ركعتان كان يصليهما قبل العصر ، فصلاهما بعد العصر . قال : فقلت له : أفنصليهما إذا فاتتا ؟ قال : لا .

المسلك الثالث : النسخ ، وأهل هذا المسلك فرقتان : منهم : من يدعي أن أحاديث النهي ناسخة للرخصة ؛ لأن النهي إنما يكون عن شيء تقدم فعله ، ولا يكون عن شيء لم يفعل بعد ، وهذا سلكه ابن بطة من أصحابنا وغيره ، وفيه بعد . ومنهم : من يدعي أن أحاديث الرخصة ناسخة للنهي ، وهذا محكي عن داود . وفي حديث أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر بعد نهيه عن ذلك [...] .

ومن الناس من يحكي عن داود أن النهي عن الصلاة في جميع الأوقات انتسخ بالصلاة بعد العصر . وهذا بعيد على أصول داود . ومنهم من حكى عنه أنه خص النسخ بالنهي عن الصلاة بعد العصر .

وهذا أشبه ، وقد حكي مثله رواية عن أحمد . وأكثر العلماء على أنه ليس في ذلك ناسخ ولا منسوخ ، وهو الصحيح . وقد روى جماعة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئا .

فروى أبو إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين ، إلا الفجر والعصر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه . وعاصم ، وثقه جماعة من الأئمة .

وروى زهير بن محمد ، عن يزيد بن خصيفة ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : كنت أسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح قط . خرجه الإمام أحمد . وذكره الترمذي في ( علله ) ، وقال : سألت عنه محمدا - يعني : البخاري - فقال : لا أعرف ليزيد بن خصيفة سماعا من سلمة بن الأكوع .

قال : ولم نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه . كذا قال . وقد خرجه من طريق سعيد بن أبي الربيع : حدثنا سعيد بن سلمة : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن ابن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه سلمة - فذكره - فأدخل بينهما : ( ابن سلمة ) ، لكنه لم يسمه .

وقد خرج البخاري فيما سبق حديث معاوية ، أنه قال : إنكم لتصلون صلاة ، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها ، ولقد نهى عنها - يعني : الركعتين بعد العصر . وقد ذكرنا فيما سبق عن عائشة حديثا في هذا المعنى - أيضا - وأنها قالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا أتبعها ركعتين ، غير الغداة وصلاة العصر ؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما . يستأنس لدعوى النسخ : بقول أبي هريرة : قد كنا نفعله - يعني : الصلاة بعد العصر - ثم تركناه .

خرجه الإمام أحمد من طريق معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، أنه سأل عائشة عن الركعتين بعد العصر - فذكر حديثها . قال عبد الله بن أبي قيس : وسألت أبا هريرة عنه ؟ فقال : قد كنا نفعله ، ثم تركناه . ويحتمل عندي : أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه آخر غير ما تقدم ، وهو : مسلك رابع : لم نجد أحدا سبق إليه ، وهو محتمل : فنقول : يمكن أن تكون عائشة - رضي الله عنها - لما بلغها عن عمر وغيره من الصحابة النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ظنت أنهم ينهون عن الصلاة بمجرد دخول وقت العصر ، كما قال ذلك كثير من العلماء أو أكثرهم في النهي عن الصلاة بعد الفجر ، أن النهي يدخل بطلوع الفجر كما سبق ذكره .

وكانت عائشة عندها علم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها ، وكان عندها رواية عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر ، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر . فإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول : لا أدري ، وتحيل على أم سلمة ؛ لأن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر لم تره عائشة ، إنما أخبرتها به أم سلمة ، وإنما رأت عائشة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها ؛ وذلك بعد دخول وقت العصر وقبل صلاة العصر ، مع أنها كانت - أحيانا - تروي حديث أم سلمة وترسله ، ولا تسمي من حدثها به . وهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب ، إلا أنه يشكل عليه أحاديث : منها : رواية يحيى بن قيس : أخبرني عطاء : أخبرتني عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل عليها بعد صلاة العصر إلا صلى ركعتين .

خرجه الإمام أحمد عن محمد بن بكر البرساني ، عن يحيى ، به . ورواه أحمد بن المقدام وغيره ، عن محمد بن بكر ، ولم يذكروا لفظة : ( صلاة ) . ولعل هذه اللفظة رواها محمد بن بكر بما فهمه من المعنى ، فكان تارة يذكرها ، وتارة لا يذكرها ، فإن المتبادر عند إطلاق الصلاة بعد العصر الصلاة بعد صلاة العصر ، لا بعد وقت العصر ، مع احتمال إرادة المعنى الثاني .

وقد روي عن عائشة - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع ركعتين بعد الصبح . وقد خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ . والمراد : بعد وقت الصبح ، لا بعد صلاته ، بغير إشكال .

ومنها : ما روى خلاد بن يحيى : ثنا عبد الواحد بن أيمن : حدثني أبي ، قال : دخلت على عائشة ، فسألتها عن ركعتين بعد العصر ؟ فقالت : والذي ذهب بنفسه ، ما تركهما حتى لقي الله . فقال : يا أم المؤمنين ، فإن عمر كان ينهى عنها ويشدد فيها ؟ قالت : صدقت ، كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس العصر ، فإذا فرغ دخل بيوت نسائه فصلاهما ؛ لئلا يروه فيجعلوها سنة ، وكان يحب ما خف على أمته . وهذا تصريح بأنه كان يصليهما بعد صلاة العصر .

ويعضده - أيضا - : رواية الأسود ومسروق ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين . وقد خرجه البخاري فيما سبق . وقد روي - أيضا - بنحو هذا اللفظ ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر إلا صلى ركعتين عندي .

وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل على عائشة بعد صلاة العصر ، كما في حديث هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من العصر ودخل على نسائه فيدنو من إحداهن - وذكرت قصة حفصة والعسل . وقد خرجه البخاري في ( النكاح ) . ويجاب عن ذلك كله : بأن رواية خلاد بن يحيى قد خالفه فيها أبو نعيم ، ولم يذكر ما ذكره خلاد .

وقد خرج البخاري حديث أبي نعيم كما سبق دون حديث خلاد . وقد دل على أنه غير محفوظ : أن فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل بيوت نسائه فيصليها . وقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنها قالت : لم أره صلاها إلا يوما واحدا ، وذكرت سبب ذلك .

وأما دخوله - صلى الله عليه وسلم - على نسائه بعد العصر ، فذاك كان يفعله دائما أو غالبا ، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها . يدل على ذلك : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ومسروق ، قالا : نشهد على عائشة أنها قالت : ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي - تعني : الركعتين بعد العصر . فتبين بهذا أنها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها ، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين ، ثم يخرج للصلاة ، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك .

فدل هذا : على أن مرادها : أنه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر ، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر ، وكانت تظن أن هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر ، وإنما كان مراد عمر وغيره من الصحابة : النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر . ولاشتباه الأمر في هذا على كثير من الناس كان كثير من الرواة يروي حديث عائشة بالمعنى الذي يفهمه منه ، ولا يفرق بين وقت العصر وفعل العصر ، فوقع في ذلك اضطراب في ألفاظ الروايات . وقد ظهر بهذا أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر ، إلا يوم صلاهما في بيت أم سلمة ، وكانت عائشة ترويه عنها - أحيانا - كما في حديث ذكوان عنها ، وأحيانا ترسله ، كما في حديث أم سلمة عنها .

وفي رواية ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، أن عائشة لما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك ، قالت : ( لا علم لي ) - تشير إلى أنها ليس عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء سمعته منه أو رأته يفعله - ( ولكن سلوا أم سلمة ) - تشير إلى أنها هي التي أخبرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها رأته يفعل ذلك . وفي رواية محمد بن أبي حرملة ، عن عائشة ، أنها حدثت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث أم سلمة ، فإن كان هذا محفوظا فقد أرسلت الحديثين عنها ، ويحتمل أن تكون أخبرت عما رأته ، وأن يكون مرادها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل وقت العصر - تعني : بعد الظهر - فشغل عنهما أو نسيهما ، ثم صلاهما بعد العصر - تعني : بعد وقت العصر ، قبل صلاة العصر - ، ثم أثبتهما من حينئذ ، فداوم عليهما قبل صلاة العصر وبعد دخول وقت صلاة العصر . ورواية ابن أبي لبيد أشبه من رواية ابن أبي حرملة ، وكل منهما ثقة مخرج له في ( الصحيحين ) .

وقال البيهقي في حديث ابن أبي لبيد : إنه حديث صحيح . وإنما رجح ابن عبد البر رواية ابن أبي حرملة على رواية ابن أبي لبيد لموافقته في الظاهر لما فهمه من سائر الرواة عن عائشة في الصلاة بعد العصر ، وقد بينا الفرق بينهما . فإن قيل : فقد فرقت عائشة بين ركعتي الفجر والعصر ، فقالت : ( لم يكن يدع ركعتين قبل الفجر ، وركعتين بعد العصر ) ، كما في حديث الأسود وغيره ، عنها كما سبق ، ولو أرادت الوقت دون الفعل لسوت بينهما ، وقالت : بعد الفجر وبعد العصر .

فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : أنه روي عنها أنها قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع ركعتين بعد الصبح . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية ابن المنتشر ، عنها . فهذا كقولنا : لا يدع ركعتين بعد العصر سواء .

والثاني : أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة ، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعا ، ولا نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلذلك كانت أحيانا تقول : كان يصلي قبل الفجر ، وأحيانا تقول : بعد الصبح ؛ لأن المعنى مفهوم . وأما الركعتان بعد العصر ، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة ، وكان كثير منهم يصليهما ، وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر ، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما ، ويعاقب عليهما ، وكانت عائشة تخالفه في ذلك ، وكانت تروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها بعد العصر ؛ لترد على من قال : لا يصلى بعد العصر . ولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم ؛ لأنهم إنما نهوا عن الصلاة بعد صلاة العصر ، وهي كان عندها علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر .

ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر ، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر ، وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوِّي بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة . فتبين بهذا كله : أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر ، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها . فإن قيل : فقد سبق عن زيد بن خالد وتميم الداري ، أنهما رويا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [أنه] صلاهما .

قيل : ليس إسناد واحد منهما مما يحتج به ؛ لأن حديث تميم منقطع الإسناد ، وحديث زيد بن خالد فيه مجهولان ، ولعل مرادهما : الصلاة بعد وقت العصر ، قبل صلاة العصر - أيضا . ولعل كثيرا ممن نقل عنه من الصحابة الصلاة بعد العصر أرادوا ذلك - أيضا - ، ومع هذا فلا يقطع عليهم أنهم أرادوا الصلاة بعد صلاة العصر . وقد رويت الصلاة بعد العصر عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي دارس النصري : حدثنا أبو بكر بن أبي موسى ، عن أبيه ، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين ، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر في منزل عائشة .

خرجه بقي بن مخلد . وخرجه الإمام أحمد مختصرا ، ولفظه : عن أبي موسى ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد العصر . وهذا - أيضا - يحتمل أنه رآه يصلي بعد دخول وقت العصر .

وأبو دارس ، اسمه : إسماعيل بن دارس ، قال ابن المديني : هو مجهول لا أعرفه . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال مرة : ما به بأس إنما روى حديثا واحدا .

وقال أبو حاتم : ليس بالمعروف . ويقال فيه - أيضا - : أبو دراس ، وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم ، وهو واحد . وله طريق آخر من رواية يحيى بن عاصم صاحب أبي عاصم : حدثنا محمد بن حمران بن عبد الله : حدثني شعيب بن سالم ، عن جعفر بن أبي موسى ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر ركعتين ، وكان أبو موسى يصليهما .

خرجه الطبراني في ( الأوسط ) . وهذا الإسناد مجهول لا يعرف . وروى محمد بن عبيد الله الكوفي ، عن [ أبي] إسحاق ، عن البراء ، قال : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة غزوة ، فما رأيته تاركا ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعد العصر .

غريب منكر ، والكوفي ، لعله : العرزمي ، وهو متروك ، وإلا فهو مجهول . فهذه أحاديث الصلاة بعد العصر وما فيها . ويمكن أن نسلك في حديث عائشة مسلكا آخر ، وهو : أن صلاة الركعتين للداخل إلى منزله حسن مندوب إليه ، وقد ورد في فضله أحاديث في أسانيدها نظر .

فخرج البزار في الأمر به ، وأنه يمنع مدخل السوء - حديثا عن أبي هريرة مرفوعا ، في إسناده ضعف . وروى الأوزاعي ، عن عثمان بن أبي سودة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( صلاة الأوابين - أو قال : صلاة الأبرار - ركعتان إذا دخلت بيتك ، وركعتان إذا خرجت منه ) . وهذا مرسل .

ويروى عن هشام بن عروة ، عن عائشة ، قالت : ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي قط إلا صلى ركعتين . قال أبو بكر الأثرم : هو خطأ . كأنه يشير إلى أنه مختصر من حديث الصلاة بعد العصر .

وممن روي عنه أنه كان يصلي إذا دخل بيته وإذا خرج منه : عبد الله بن رواحة ، وثابت البناني . وإذا كانت هذه صلاة مستحبة فلا يبعد أن تلتحق بذوات الأسباب فيها ، كتحية المسجد ونحوها ، وفي هذا نظر . والله أعلم .

ومقصود البخاري بهذا الباب : أنه يجوز قضاء الفوائت من النوافل الراتبة فيما بعد العصر ، كما يقوله الشافعي . وقد احتج الشافعي - أيضا - لذلك : بما روى سعد بن سعيد الأنصاري ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن قيس بن عمرو ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة الصبح ركعتان ) ، فقال : إني لم [أكن] صليت الركعتين اللتين قبلها ، فصليتهما الآن ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم .

وقال الترمذي : إسناده ليس بمتصل ؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس . ورواه بعضهم عن سعد ، عن محمد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيسا . وذكر أبو داود أن يحيى بن سعيد وأخاه عبد ربه روياه - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيسا يصلي .

وقيس جدهما - هو أخوهما . وقد روى الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبيه ، عن جده ، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي - فذكره . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والدارقطني والحاكم .

وزعم أنه صحيح ، وليس كذلك . قال ابن أبي خيثمة : ذكر عن أبيه ، أنه قال : يقال : إن سعيدا لم يسمع من أبيه قيس شيئا . فهو - أيضا - مرسل .

وقد ضعف أحمد هذا الحديث ، وقال : ليس بصحيح . وقد رواه عبد الملك بن أبي سليمان ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل . وذكر أبو داود والترمذي : أن ابن عيينة قال : سمع هذا الحديث عطاء من سعد بن سعيد .

فعاد الحديث إلى حديث سعيد المتقدم . وقد رواه الضعفاء ، فأسندوه عن عطاء ، وإسناده ووصله وهم . فرواه أيوب بن سويد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن قيس .

وأيوب ضعيف ، وهم في إسناده له عن قيس . ورواه سعيد بن راشد السماك ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسعيد هذا ضعيف .

ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومحمد بن سليمان ، يقال له : البومة ، ضعيف . والصحيح عن عطاء : المرسل - : قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما .

وممن ذهب إلى هذا الحديث ورخص في صلاة ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس : عطاء وطاوس وابن جريج ، والشافعي - فيما نقله عنه المزني . وهو رواية عن أحمد ، واختارها صاحب ( المغني ) ، وقصر الجواز على قضاء ركعتي الفجر بعدها ، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر ، وقضاء الوتر بعد طلوع الفجر ، لورود النص بذلك . وقد نص أحمد في رواية ابن منصور على جواز قضاء السنن الفائتة بعد العصر ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفي رواية المروذي على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر . واختلفت الرواية عنه في قضاء سنة الفجر بعد الصلاة . والمشهور عند أكثر أصحابنا : أن الحكم يتعدى إلى قضاء جميع السنن والرواتب في جميع أوقات النهي ، وفعل جميع ذوات الأسباب فيها ، كصلاة الكسوف وتحية المسجد ، وحكوا في جواز ذلك كله روايتين عن أحمد في جميع أوقات النهي .

ولو قيل : إن الخلاف مختص بالوقتين الطويلين دون الأوقات الثلاثة الضيقة لكان أقرب . ولا يعرف لأحمد نص بجواز شيء من ذلك في الأوقات الضيقة . هذا ، والتفريق هو قول إسحاق بن راهويه ، وهو متوجه .

والمشهور عن أحمد : أن ذلك لا يفعل في أوقات النهي ، وأن سنة الفجر إنما تقضى بعد طلوع الشمس . حتى نقل عبد الله بن أحمد ، أنه سأل أباه ، فقال له : حكي عنك أنك تقول : يصليهما إذا فرغ من الصلاة ؟ فقال : ما قلت هذا قط . ولابن بطة في ذلك مصنف مفرد في منع ذلك ، وهو اختيار الخرقي وأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى .

وحكي جوازه عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، ورجحه طائفة من المتأخرين منهم . وقال ابن أبي موسى : الأظهر عنه أنه لا يفعل شيئا من ذلك في وقت النهي ، لكنه استثنى من ذلك قضاء قيام الليل والوتر بعد طلوع الفجر . وروى نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا فاتته ركعتا الفجر قضاهما من الضحى .

وروى عنه عطية ، أنه قضاها بعد الصلاة . ورواية نافع أصح عند أحمد وغيره . وممن قال : يقضيها بعد طلوع الشمس : القاسم بن محمد والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور ، ونقله البويطي عن الشافعي .

وروى عمرو بن عاصم ، عن همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس ) . خرجه الترمذي وابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم . وقال : صحيح على شرطهما .

وروى مروان بن معاوية ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس . قال أبو حاتم الرازي : هذا اللفظ اختصره من حديث نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الفجر ، وأنه استيقظ بعد أن طلعت الشمس ، فصلى ركعتي الفجر ، ثم صلى الفجر ، فقد قضى السنة والفريضة معها بعد طلوع الشمس . ويدل على ذلك : أن ابن ماجه خرج الحديث ، ولفظه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن ركعتي الفجر ، فقضاهما بعدما طلعت [الشمس ] .

وخرج ابن بطة من رواية أبي عامر الخزاز ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، قال : صليت الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقمت أصلي الركعتين ، فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقال : ( أتصلي الفجر أربعا ؟ ) . واستدل به على منع القضاء بعد الصلاة . وقد خرجه الإمام أحمد وابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم ، وعندهم : أنه قام ليصلي الركعتين بعد إقامة الصلاة .

وهو الصحيح . ومما يدل على منع قضاء السنن بعد صلاة الفجر والعصر : أن هاتين الصلاتين يعقبهما وقت نهي عن الصلاة ، فلذلك لم تشرع بعدهما صلاة لهما كالظهر والمغرب والعشاء ، فإذا منع من الصلاة بعدهما في وقتهما لأجلهما ، ولم يكن لهما سنة راتبة بعدهما كذلك ، فلأن يمنع من صلاة سنة غيرهما بعدهما في وقت النهي مع فوات وقت الصلاة أولى وأحرى . وهذا بخلاف قضاء الفرائض في هذه الأوقات ، فإنه لما جاز فعل الفرض الحاضر فيهما ولو في وقت الكراهة جاز قضاء غيرهما من الفرائض - أيضا .

فتبين بهذا : أن القضاء تابع للأداء ، فحيث جاز أداء الفرض جاز قضاؤه ، وحيث منع أداء النفل منع من قضائه ، بل القضاء أولى بالمنع من الأداء . ولهذا كان ما بعد طلوع الفجر إلى صلاة الوقت وقتا لأداء سنتها الراتبة ، وليس وقتا لقضاء شيء من النوافل كما عند كثير من العلماء . ومنهم من رخص في قضاء الوتر وقيام الليل فيه - كما سبق - إلحاقا للقضاء بالأداء .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث