حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الأذان بعد ذهاب الوقت

باب الأذان بعد ذهاب الوقت ذكر البخاري أربعة أبواب - هذا أولها - في قضاء الصلوات الفوائت ، وأول الأبواب : ذكر الأذان للصلاة الفائتة إذا قضاها بعد ذهاب وقتها . وقال : 595 - حدثنا عمران بن ميسرة : ثنا محمد بن فضيل : ثنا حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : سرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله . قال : ( أخاف أن تناوموا عن الصلاة ) .

قال بلال : [إني] أوقظكم ، فاضطجعوا ، وأسند بلال ظهره إلى راحلته ، فغلبته عيناه ، فنام ، فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد طلع حاجب الشمس ، فقال : ( يا بلال ، أين ما قلت ؟ ) قال : ما ألقيت علي نومة مثلها قط . قال : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ، يا بلال ، قم فأذن بالناس بالصلاة ) ، فتوضأ ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . ( التعريس ) : النزول للنوم .

وقيل : يختص بآخر الليل ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه . وفي الحديث : دليل على أن من نام قرب وقت الصلاة وخشي من أن يستغرق نومه الوقت حتى تفوته الصلاة ، فوكل من يوقظه ، أنه يجوز له أن ينام حينئذ ، وقد ذكرنا ذلك في ( باب : النوم قبل العشاء ) . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام قرب طلوع الفجر ينام على حالة لا يستثقل معها في نومه ، لتكون أقرب إلى استيقاظه .

وقد روى الإمام أحمد حديث أبي قتادة هذا بسياق مطول ، وفيه : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه ، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى ، وأقام ساعده . وقد خرجه مسلم من طريق الإمام أحمد بدون هذه الزيادة . وظن جماعة ، أنها في سياق حديث مسلم ، فعزوها إليه ، ومنهم : الحميدي وأبو مسعود الدمشقي ، حتى إنه عزاها بانفرادها إلى مسلم ، ولعلهم وجدوها في بعض نسخ ( الصحيح ) .

والله أعلم . وقوله : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ) يدل على أن النائم تقبض روحه . وهذا مطابق لقول الله عز وجل : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فدلت الآية على أن النوم وفاة ، ودل الحديث على أن النوم قبض ، ودلا على أن النفس المتوفاة هي الروح المقبوضة .

وفي حديث أبي جحيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومهم عن الصلاة ، أنه قال لهم : ( إنكم كنتم أمواتا ، فرد الله إليكم أرواحكم ) . خرجه أبو يعلى الموصلي والأثرم وغيرهما . ويشهد لهذا : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند استيقاظه من منامه : ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ) .

وفي حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن هذه الأرواح جارية في أجساد العباد ، فيقبضها إذا شاء ، ويرسلها إذا شاء ) . خرجه البزار . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما استيقظوا : ( أي بلال ) ، فقال بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله بنفسك .

وفيه : دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس ؛ فإنه أقر بلالا على قوله : إن الله أخذ بأنفسهم ، مع قوله : ( إن الله قبض أرواحنا ) . وقد قيل : إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة ، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها فهي روح ، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس . وقد تسمى في الحالة الأولى نفسا - أيضا - إما مع قيد ، كقوله تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ وقوله : ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وإما مع الإطلاق ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يمينه : ( والذي نفسي بيده ) .

وفي الآية والحديث : دليل على أن قبض الأرواح من الأبدان لا يشترط له مفارقتها للبدن بالكلية ، بل قد تقبض ويبقى لها به منه نوع اتصال كالنائم . ويستدل بذلك على أن اتصال الأرواح بالأجساد بعد الموت لإدراك البدن النعيم والعذاب ، أو للسؤال عند نزول القبر لا يسمى حياة تامة ، ولا مفارقتها للجسد بعد ذلك موتا تاما ، وإلا لكان الميت يحيى ويموت في البرزخ مرارا كثيرة . وهذا يرد قول من أنكر إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال والنعيم أو العذاب .

وبسط القول في هذا يتسع ، وقد ذكر في موضع آخر . وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الله في قضائه عليهم بالنوم عن الصلاة : وفي حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الله عز وجل لو شاء ألا تناموا عنها لم تناموا ، [ولكن] أراد أن يكون لمن بعدكم ، فهذا لمن نام أو نسي ) . خرجه الإمام أحمد .

وخرج - أيضا - بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه قال عقب روايته لهذا الحديث : ما يسرني به الدنيا وما فيها - يعني : للرخصة . وفي إسناده مقال . وقد روي عن مسروق مرسلا ، وأن هذا الكلام في آخره من قول مسروق ، وهو أصح - : قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .

ويشبه هذا الحديث : [ما] ذكره مالك في ( الموطأ ) ، أنه بلغه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنما أنسى لأسن ) . وقد قيل : إن هذا لم يعرف له إسناد بالكلية . ولكن في ( تاريخ المفضل بن غسان الغلابي ) : حدثنا سعيد بن عامر ، قال : سمعت عبد الله بن المبارك قال : قالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنسى - أو أسهو - لأسن ) .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا بلال ، قم فأذن للناس بالصلاة ) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها ، وهو مقصود البخاري بهذا . وقد خرج البخاري في ( أبواب التيمم ) حديث النوم عن الصلاة من حديث عمران بن حصين ، بسياق مطول ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : ( لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا ) ، فارتحلوا ، فسار غير بعيد ، ثم نزل فدعا بالوضوء ، فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، بسياق مطول ، وفيه : فكان أول من استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشمس في ظهره .

قال : فقمنا فزعين ، ثم قال : ( اركبوا ) ، فركبنا ، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ، ثم دعا بميضأة ، فتوضأ وضوءا دون وضوء ، ثم أذن بلال بالصلاة ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم صلى الغداة ، فصنع كما كان يصنع كل يوم - وذكر بقية الحديث - وفي آخره - : أن عمران بن حصين صدق عبد الله بن رباح ، لما سمعه يحدث به عن أبي قتادة . وخرجه الإمام أحمد من حديث قتادة ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، وقال في حديثه : وأمر بلالا فأذن ، فصلى ركعتين ، ثم تحول من مكانه ، فأمره فأقام الصلاة ، فصلى صلاة الصبح . وخرج مسلم - أيضا - من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - فذكر هذه القصة ، وقال في آخر الحديث : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اقتادوا ) ، فاقتادوا رواحلهم شيئا ، ثم توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بهم الصبح .

وقد اختلف على الزهري في وصله بذكر أبي هريرة ، وإرساله عن سعيد بن المسيب . وصحح أبو زرعة ومسلم وصله ، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله . وذكر الاختلاف في ذلك أبو داود ، وخرجه من طريق معمر موصولا ، وذكر في حديثه ، قال : فأمر بلالا فأذن ، وأقام وصلى .

وذكر أبو داود : أن مالكا وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم لم يذكروا في حديثهم : الأذان . وخرجه مسلم من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صلى سجدتين ، وأقيمت الصلاة فصلى الغداة . وقد خرجه النسائي من حديث عطاء بن السائب ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر - فذكر الحديث ، وقال في آخره : فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى بالناس .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود ذكر الأذان والإقامة وصلاة ركعتي الفجر بينهما في هذه القصة ، من حديث الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . والحسن ، لم يسمع من عمران عند الأكثرين . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - أيضا - كذلك من حديث عمرو بن أمية الضمري .

ومن حديث ذي مخبر الحبشي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرج الإمام أحمد ذكر الأذان والإقامة من حديث ابن مسعود - أيضا - في هذه القصة . وقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة وقضاها بعد وقتها : هل يشرع له أن يؤذن لها ويقيم ، أم يقيم ولا يؤذن ؟ وفي ذلك أقوال : أحدها : أنه يؤذن ويقيم ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وأبي ثور وداود .

والثاني : يقيم ولا يؤذن ، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك ، والشافعي في قول له ، وحكي رواية عن أحمد . لأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات ، والإقامة للدخول في الصلاة وهو موجود . والثالث : إن أمل اجتماع الناس بالأذان ، وإلا فلا ، وهو قول للشافعي .

لأن الأذان إنما يشرع لجمع الناس . والرابع : إن كانوا جماعة أذن وأقام ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فاته وحده أقام ولم يؤذن ، وهو قول إسحاق . والخامس : إن كان في سفر أذن وأقام ، وإن كان في حضر أجزأته الإقامة - : نقله حرب ، عن أحمد .

ومأخذ الاختلاف بين العلماء : هل الأذان حق للوقت ، أو حق لإقامة الصلاة المفروضة ، أم حق للجماعة - وعلى هذا ؛ فهو يشرع للجماعة بكل حال - أم إذا كانوا متفرقين وكان الأذان يجمعهم ؟ وعلى رواية حرب عن أحمد ، فيكتفي بأذان أهل المصر عن الأذان للفائتة . قال أصحابنا والشافعية : ويشرع للفائتة رفع الصوت بالأذان ، إلا أن يكون في مصر ويخشى التلبيس على الناس ، فيسر به ، وإنما كان أذان بلال في فلاة ، ولم يكن معهم غيرهم . وقوله في حديث أبي قتادة الذي خرجه البخاري : ( فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس ) - إلى قوله - : ( فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى ) .

وهذا قد يوهم أنه أخر الصلاة قصدا حتى زال وقت النهي . وقد خرجه البخاري في آخر ( صحيحه ) بلفظ آخر ، وهو : ( فقضوا حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت ، فقام فصلى ) . وهذا يشعر بأنه لم يكن التأخير قصدا ، بل وقع اتفاقا حتى كمل الناس قضاء حوائجهم - وهو كناية عن التخلي - ووضوئهم .

وفي رواية مسلم لحديث أبي قتادة ، أنه - صلى الله عليه وسلم - سار حتى ارتفعت الشمس ، ثم نزل فصلى . وخرج النسائي من حديث حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : أدلج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عرس ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس - أو بعضها - فلم يصل حتى ارتفعت الشمس ، فصلى ، وهي صلاة الوسطى . حبيب هذا ، خرج له مسلم .

وقال أحمد : لا أعلم به بأسا . وقال يحيى القطان : لم يكن في الحديث بذاك . وقد اختلف الناس في قضاء الفوائت في أوقات النهي عن الصلاة الضيقة والمتسعة : فقالت طائفة : لا يقضي الصلاة في وقت نهي ضيق خاصة ، وهو وقت الطلوع والغروب والاستواء .

هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان الثوري . وتعلقوا بظاهر حديث أبي قتادة وابن عباس . ولذلك قالوا : إن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته ، كما سبق كذلك .

وروي عن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي بكرة ما يدل على مثل ذلك . وحكي عن بعض المتأخرين من أصحابنا ، ورواية عن أحمد ، أنه لا يقضي الفائتة في وقت نهي . وهذا لا يصح عن أحمد .

وجمهور العلماء : على أن الفوائت تقضى في كل وقت ، سواء كان وقت نهي أو غيره . وروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأبي ذر . وهو مذهب النخعي والثوري والأوزاعي والثوري في رواية ، ومالك والشافعي وأحمد .

وكل هؤلاء رأوا أن النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة إنما توجه إلى النفل دون الفرض ، بدليل أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس أن يصلي معها أخرى ، وقد تمت صلاته ، وقد سبق ذكره . واستدلوا - أيضا - بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أدركها ) . وهذا يعم كل وقت ذكر فيه ، سواء كان في أوقات النهي أو غيرها .

فإن قيل : فقد عارض ذلك عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي ، فإنه لم يخص مفروضة من نافلة . قيل : نحمله على النافلة ونخص الفرض من عمومه ؛ بدليل فرض الوقت ؛ فإنه يجوز فعله في وقت النهي ، كما يصلى العصر في وقت غروب الشمس ، وهذا مجمع عليه ، وليس فيه خلاف ، إلا عن سمرة ، وبدليل لمن طلعت عليه الشمس وهو يصلي الفجر أن يتمها ؛ ولأن العمومين إذا تعارضا وكان أحدهما موجبا ملزما ، والآخر مانعا حاظرا ، فإنه يقدم الواجب الملزم ، فإنه أحوط . ويدل عليه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي ، فلم يجبه حتى سلم أنكر عليه تأخره للإجابة ، وقال له : ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ وهذا يدل على أن عموم النص الموجب الملزم مقدم على عموم النص الحاظر المانع ، وهو النهي عن الكلام في الصلاة .

وهذا بخلاف النصوص العامة المبيحة ، أو النادبة ، فإنها لا تقدم على المانعة الحاظرة ؛ ولهذا كان المرجح أنه لا يصلي في أوقات النهي . فأما صلاة الركعتين والإمام يخطب ، كما دلت عليه السنة ، فإنه لم يعارض نص الأمر للداخل إلى المسجد بالصلاة نص آخر يمنع الصلاة والإمام يخطب . وفي حديث أبي قتادة الذي خرجه مسلم ، أنه صنع كما يصنع كل يوم .

وهذا يدل على أنه صلى الصبح كما كان يصليها كل يوم من غير زيادة ولا نقص . وفي حديث ذي مخبر الحبشي ، أنه قال : فصلى غير عجل . وهذا يرد الحديث المروي عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الصبح ذلك اليوم ، فقرأ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم قال : ( صليت بكم بثلث القرآن ، وربع القرآن ) ، وقال : ( إذا نسيت صلاة الفجر إلى صلاة العشاء فذكرتها ، [فابدأ] ، فإنها كفارتها ) .

خرجه ابن عدي من رواية جعفر بن أبي جعفر الأشجعي ، عن أبيه ، عن أبن عمر . وجعفر هذا ، قال البخاري فيه : منكر الحديث . وروى أبو داود في ( المراسيل ) : ثنا يوسف بن موسى : ثنا جرير ، عن علي بن عمرو الثقفي ، قال : لما نام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الغداة استيقظ ، فقال : ( لنغيظن الشيطان كما أغاظنا ) ، فقرأ يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر .

وهذا غريب جدا . وظاهر الأحاديث يدل على أنه جهر في صلاته تلك بالقراءة ؛ فإنه صلى كما كان يصلي كل يوم ، وقد تقدم في كثير من الروايات أنه صلى ركعتي الفجر ، ولم يذكر ذلك في بعض الروايات . وقد اختلف العلماء في قضاء ركعتي الفجر لمن نام عنها حتى تطلع الشمس : فذهب الأكثرون إلى أنها تقضى قبل الصلاة المفروضة ، منهم : أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود ، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك .

وسئل أحمد : هل قال أحد : لا يصلي ركعتي الفجر ؟ قال : لا . وقال مالك : لا يركع ركعتي الفجر ، ويبدأ بالمفروضة . قال : ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعهما .

ومالك إنما قال بحسب ما بلغه من الروايات في هذا الباب ، وقد صح عند غيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ركعهما . وقد روي في بعض طرق حديث أبي قتادة في هذا الباب زيادة أخرى ، وهي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوتر فقضاه . قال أبو بكر الأثرم : ثنا عبد الحميد بن أبان الواسطي : ثنا خالد بن عمرو ، عن شعبة ، عن ثابت البناني ، عن أنس - وعن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام ، فلم يستيقظ حتى ارتفعت الشمس ، ثم استيقظ فقام ، فأوتر ، فصلى الركعتين ، ثم صلى بأصحابه .

وذكر : ( أنس ) في إسناده ليس بمحفوظ . وخالد بن عمرو ، هو : القرشي الأموي الكوفي ، ضعيف الحديث جدا . وذكر محمد بن يحيى الهمداني في ( صحيحه ) ، قال : روى قتيبة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ثابت ، عن بكر ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أيقظهم حر الشمس أمرهم أن يوتروا .

كذا ذكره تعليقا ، ولم يسنده . وقد قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئا من التطوع ، إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر . وهذا يدل على أنه لم يثبت عنده قضاء الوتر ؛ ولهذا نص في رواية غير واحد من أصحابه على أنه تقضى السنن الرواتب دون الوتر .

وروي عنه رواية أخرى ، أنه يقضي الوتر . وعلى قوله بقضاء الوتر ، فهل يقضى ركعة واحدة ، أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين عنه . مأخذهما : أن الوتر ، هل هو الثلاث ، أو الركعة الواحدة ، وما قبلها تطوع مطلق ؟ وفي الأمر بقضاء الوتر بعد طلوع الفجر أحاديث متعددة يطول ذكرها .

وممن أمر بقضاء الوتر من النهار : علي وابن عمر ، وهو قول الأوزاعي ومالك وأبي ثور . وعن الأوزاعي ، قال : يقضيه نهارا ، ولا يقضيه ليلا بعد العشاء إذا دخل وقت وتر الليل ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة . وعن سعيد بن جبير ، قال : يقضيه في الليلة التالية .

وقالت طائفة : من فاته الوتر وحده لم يقضه ، ومن فاته الوتر مع صلاة الفجر قضاه قبلها . وهذا قول إسحاق - : نقله عنه حرب . ويتخرج رواية عن أحمد مثله ؛ لأنه يرى الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الغداة .

وهل هو قضاء ، أو أداء ؟ حكي عنه فيه روايتان . والقول بأنه أداء يحكى عن مالك وإسحاق ، وهو قول كثير من السلف ؛ فإنه قد روي في وقت الوتر أنه من بعد صلاة الصبح ، فمن لم يصل الصبح فوقت الوتر باق في حقه ، ولو طلع الفجر فكذا إذا لم يصل الغداة حتى تطلع الشمس . وروي من حديث ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يومئذ وصلى بعدها الضحى .

خرجه الهيثم بن كليب في ( مسنده ) . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدما صلى بهم : ( ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها ) . ومن حديث خالد بن سمير ، [عن عبد الله بن أبي قتادة ] ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها ) .

وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب ، وأن من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها ، وصلاها لمثلها من الغد . وأنكر ذلك عمران بن حصين ، وأخذ بقوله جمهور العلماء . وقد قيل : إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم - : قاله البخاري والبيهقي وغيرهما .

وقيل : معنى قوله : ( فليصلها من الغد عند وقتها ) ، أنه يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها لئلا يظن أن وقتها تغير بصلاتها في غير وقتها . ولكن [...] خالد بن سمير فهم منه غير هذا ، فرواه بما فهمه . وروى الحسن ، عن عمران بن حصين ، أنهم قالوا : يا رسول الله ، ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ قال : ( أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم ؟ ) .

خرجه الإمام أحمد . وأما ما روي من ارتحال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكان نومه ، وأمره بالارتحال ، فقد روي التعليل بذلك بأنه منزل حضرهم فيه الشيطان . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( ليأخذ كل رجل برأس راحلته ؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ) قال : ففعلنا .

وخرج أبو داود من رواية معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) . وقد استحب الانتقال لمن نام في موضع حتى فاته الوقت عن موضعه ذلك جماعة من العلماء ، منهم : الشافعي وأحمد ؛ لهذه الأحاديث . وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم أوجبوا ذلك ، وعن قوم أنهم أوجبوه في ذلك الوادي الذي نام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة .

وقال قوم : لا يستحب ذلك ؛ لأنه لا يطلع على حضور الشيطان في مكان إلا بوحي . وهذا قول محمد بن مسلمة ومطرف ، وابن الماجشون من المالكية ، وأبي بكر الأثرم . وهو ضعيف ؛ فإن كل نوم استغرق وقت الصلاة حتى فات به الوقت فهو من الشيطان ؛ فإنه هو الذي ينوم عن قيام الليل ، ويقول للنائم : ارقد ، عليك نوم طويل ، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال في الذي نام حتى أصبح : ( بال الشيطان في أذنه ) . وأماكن الشياطين ينبغي تجنب الصلاة فيها ، كالحمام والحش وأعطان الإبل . وأيضا ؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) يدل على أن كل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه ، سواء كان بنوم أو غيره .

والله أعلم . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وركع ركعتين في معرسه ، ثم سار ساعة ، ثم صلى الصبح . قال ابن جريج : قلت لعطاء : أي سفر هو ؟ قال : لا أدري .

وهذا المرسل مما يستدل به على صحة الصلاة في موضع النوم ، وأن التباعد عنه على طريق الندب . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، وقال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعدما جاوز الوادي ، ثم أمر بلالا فأذن وأقام ، ثم صلى الفريضة . وروي ، عن عطاء بن يسار ، أنها كانت في غزوة تبوك ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا فأذن في مضجعه ذلك ، ثم مشوا قليلا ، ثم أقام فصلوا .

وكذا قال يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة : أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بتبوك أمر بلالا أن يحرسهم لصلاة الصبح ، فرقدوا حتى طلعت الشمس ، فتنحى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكانه ذلك ، ثم صلى الصبح . وضعف ابن عبد البر هذا القول ؛ فإن في ( صحيح مسلم ) من حديث ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من غزوة خيبر ، سار ليلا حتى أدركه الكرى عرس - وذكر الحديث بطوله . كذا في رواية مسلم .

وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) بلفظين : هذا أحدهما . والآخر : فيه غزوة حنين . ثم قال : إن صح ذكر ( خيبر ) في الخبر ، فقد سمعه أبو هريرة عن صحابي آخر فأرسله ، وإن كان ( حنين ) ، فقد شهدها أبو هريرة .

قال : والنفس إلى أنها حنين أميل . قلت : الصحيح : أن أبا هريرة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد فتحها . وقد خرج البخاري ذلك في ( صحيحه ) في ( المغازي ) من حديث أبي هريرة .

وخرجه الإمام أحمد بإسناد آخر عن أبي هريرة . وفي ( الصحيحين ) عن سالم مولى ابن مطيع ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة - الحديث . ومن زعم : أن ذكر خيبر وهم ، وإنما هو حنين فقد وهم ، وسيأتي بسط ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى .

وفي ( المسند ) و ( سنن أبي داود ) ، عن ابن مسعود ، قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ( يكلؤنا ؟ ) فقال بلال : أنا - فذكر الحديث بطوله في نومهم وصلاتهم . وعن ذي مخبر الحبشي ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة . وهذا يدل على أنها ليلة أخرى غير ليلة بلال .

وفي ( مسند البزار ) ، عن أنس ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة ، ولكن إسناده ضعيف . وروي من حديث ابن مسعود ، أنه قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال القوم : عرس بنا . فقال : ( من يوقظنا ؟ ) قلت : أنا أحرسكم فأوقظكم ، فنمت وناموا - وذكر الحديث .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث